← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِعَيْنِهِ. وَمُحَالٌ فِيمَا بَيَّنَّا فِي بَيِّنَةِ الْعَقْلِ، كَكَوْنِ الْمَرْءُ قَائِمًا قَاعِدًا، وَنَحْوِهِ مِنَ اجْتِمَاعِ الْأَضْدَادِ وَالنَّقَائِضِ. وَمُحَالٌ فِي الْوُجُودِ، كَانْقِلَابِ الْجَمَادِ حَيَوَانًا، وَانْقِلَابِ نَوْعٍ مِنَ الْحَيَوَانِ نَوْعًا مِنْهُ آخَرَ، كَانْقِلَابِ الْفَرَسِ جَمَلًا أَوْ ثَوْرًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَمُحَالٌ بِالْإِضَافَةِ، كَنَبَاتِ اللِّحْيَةِ لِابْنِ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِحْبَالِهِ النِّسَاءَ، وَكَلَامِ الْأَبْلَهِ الْغَبِيِّ فِي دَقَائِقِ الْمَنْطِقِ، وَصَنْعَةِ الشِّعْرِ الْبَدِيعِ، فَهَذَا مُحَالٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الصَّبِيِّ وَالْأَبْلَهِ، أَمَّا إِلَى الرَّجُلِ الْبَالِغِ وَالذَّكِيِّ الْفَاضِلِ، فَهُوَ مُمْكِنٌ قَرِيبٌ. وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ، أَنَّ الْبَارِئَ ﷻ قَادِرٌ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ مِنَ الْمُحَالِ جَمِيعِهَا، خَلَا الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، لِاسْتِحَالَتِهِ لِعَيْنِهِ، وَعَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ الْمَقْدُورِ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ لَيْسَ بِسُؤَالٍ أَصْلًا، حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ : ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٤] . وَذَكَرَ الْكِنَانِيُّ فِي " مَطَالِعِ الشَّرِيعَةِ " أَنَّ امْتِنَاعَ الْعَقْلِ قَدْ يَكُونُ لِعَيْنِهِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى بَعْضِ الْقَادِرِينَ، كَخَلْقِ الْأَجْسَامِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَطَيَرَانِ الْآدَمِيِّ وَفَقْدِ الْآلَةِ فِي تَكْلِيفِ الْأَعْمَى نَقْطَ الْمُصْحَفِ، وَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ فِي تَكْلِيفِ الْقَائِمِ الْقُعُودَ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ تَقَدُّمَ الْقُدْرَةِ عَلَى

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ فَهْمِ الْخِطَابِ، كَالْمَيِّتِ. وَقَدِ اضْطَرَبَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ، فِي جَوَازِ أَنَّ التَّكْلِيفَ فِي هَذَا النَّوْعِ الْأَخِيرِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِعَقْدِ الْبَابِ، هَذَا لَفْظُهُ. وَذَكَرَ مَأْخَذَ الْخِلَافِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 178

لَنَا، إِنْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، صَحَّ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ ، وَقَدْ صَحَّ ثَمَّ، فَلْيَصِحَّ هُنَا. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ، فَلِأَنَّ الْمُحَالَ، مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ. أَمَّا الْأُولَى فَظَاهِرَةٌ، إِذِ اشْتِقَاقُ الْمُحَالِ مِنَ الْحُؤُولِ عَنْ جِهَةِ إِمْكَانِ الْوُجُودِ. أَمَّا الثَّانِيَةُ، فَلِأَنَّ خِلَافَ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، وَبِهِ احْتَجَّ آدَمُ عَلَى مُوسَى، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، وَإِلَّا انْقَلَبَ الْعِلْمُ الْأَزَلِيُّ جَهْلًا. . وَقَدْ جَازَ التَّكْلِيفُ بِهِ إِجْمَاعًا، فَلْيَجُزْ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، بِجَامِعِ الِاسْتِحَالَةِ، وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ بِالْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ، لِانْتِسَاخِهِ بِالِاسْتِحَالَةِ بِالْغَيْرِ الْعَرَضِيَّةِ. وَأَيْضًا فَكُلُّ مُكَلَّفٍ بِهِ، إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُودِهِ، فَيَجِبُ. أَوْ لَا، فَيَمْتَنِعُ، وَالتَّكْلِيفُ بِهِمَا مُحَالٌ. ــ قَوْلُهُ: «لَنَا، إِنْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، صَحَّ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، وَقَدْ صَحَّ ثَمَّ، فَلْيَصِحَّ هُنَا» . هَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي تَقْرِيرِ أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ، عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ أَنَّ الْمُحَالَ لِذَاتِهِ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ. وَتَقْرِيرُهُ: إِنْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، كَإِيمَانِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَقَدْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْلِيفِ كُلِّ كَافِرٍ بِالْإِيمَانِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، هَذَا تَقْرِيرُ نَظْمِ الدَّلِيلِ. قَوْلُهُ: «أَمَّا الْمُلَازَمَةُ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا تَقْرِيرُ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ، وَالْمُلَازَمَةُ، هِيَ كَوْنُ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مُلَازِمًا لِلْآخَرِ، لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِوُجُودِ الْمَلْزُومِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ، لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ مَلْزُومٍ لَا لَازِمَ لَهُ. وَهُوَ كَقَوْلِنَا: إِنْ كَانَ هَذَا إِنْسَانًا، فَهُوَ

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَيَوَانٌ، لَكِنَّهُ إِنْسَانٌ، فَهُوَ حَيَوَانٌ، فَالْإِنْسَانُ مَلْزُومٌ لِلْحَيَوَانِ، وَالْحَيَوَانُ لَازِمٌ لِلْإِنْسَانِ فَلَا جَرَمَ لَمَّا وُجِدَ الْإِنْسَانُ الَّذِي هُوَ الْمَلْزُومُ، لَزِمَ وُجُودُ الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ اللَّازِمُ، عُدْنَا إِلَى تَقْرِيرِ عِبَارَةِ «الْمُخْتَصَرِ» . فَقَوْلُنَا: إِنَّ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، هَذَا هُوَ الْمُلَازَمَةُ الَّتِي نُرِيدُ تَقْرِيرَهَا. وَتَكْلِيفُ الْمُحَالِ لِغَيْرِهِ مَلْزُومٌ لِتَكْلِيفِ الْمُحَالِ لِذَاتِهِ. وَمَقْصُودُنَا، أَنَّ الْأَوَّلَ مَلْزُومٌ لِلثَّانِي، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، لَزِمَ مِنْ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، صِحَّةَ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَلْزُومٌ لِلثَّانِي، كَمَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْإِنْسَانِ وُجُودُ الْحَيَوَانِ، لِأَنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْحَيَوَانِ. وَوَجْهُ تَقْرِيرِ الْمُلَازَمَةِ الْمَذْكُورَةِ، هُوَ: أَنَّ «الْمُحَالَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ» أَيْ: عَدَمُ تَصَوُّرِ الْوُقُوعِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَهُمَا الْمُحَالُ لِذَاتِهِ وَلِغَيْرِهِ: أَيْ: كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الْمُحَالِ لِذَاتِهِ، كَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الْمُحَالِ لِغَيْرِهِ. وَنَعْنِي بِعَدَمِ تَصَوُّرِ وُقُوعِهِ، أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا وُقُوعَهُ، لَزِمَ مِنْهُ مُحَالٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: «أَمَّا الْأُولَى فَظَاهِرَةٌ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي تَقْرِيرِ الْمُلَازَمَةِ مُرَكَّبٌ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ قَضِيَّةٌ جُعِلَتْ جُزْءَ قِيَاسٍ، وَهُوَ الدَّلِيلُ، وَأَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الدَّلِيلُ مُقَدِّمَتَانِ:

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَالْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فِي هَذَا الدَّلِيلِ قَوْلُنَا: الْمُحَالُ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ. وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُنَا: وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، فَنَحْتَاجُ أَنْ نَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، لِتَكُونَ الدَّعْوَى الَّتِي أَقَمْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهَا، وَهِيَ لَازِمَةٌ عَنْهُ، صَحِيحَةً، وَهِيَ أَنَّ الْمُحَالَ لِذَاتِهِ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ. وَتَقْرِيرُ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى: وَهِيَ قَوْلُنَا: الْمُحَالُ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ، «إِذِ اشْتِقَاقُ الْمُحَالِ مِنَ الْحُؤُولِ عَنْ جِهَةِ إِمْكَانِ الْوُجُودِ» وَهَذَا تَقْرِيرٌ اشْتِقَاقِيٌّ لُغَوِيٌّ، يُقَالُ: حَالَ الشَّيْءُ يَحُولُ حَوْلًا وَحُؤُولًا، إِذَا تَغَيَّرَ وَانْقَلَبَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. وَأَصْلُ مَادَّةِ «ح ول» يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى التَّغَيُّرِ وَالِانْتِقَالِ وَالتَّحَوُّلِ مِنْ حَالٍ أَوْ مَكَانٍ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَرْضٌ وَقَوْسٌ مُسْتَحِيلَةٌ، أَيْ: لَيْسَتْ بِمُسْتَوِيَةٍ، لِأَنَّهَا اسْتَحَالَتْ عَنْ الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْعِوَجِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الِاشْتِقَاقِ، أَنَّ أَرْكَانَهُ مُشْتَقٌّ، وَمُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَمَادَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَهِيَ الْحُرُوفُ الْأُصُولُ فِيهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرٍ مَا، بِحَرْفٍ أَوْ بِحَرَكَةٍ أَوْ بِهِمَا، بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ بِهِمَا، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوَاضِعِهِ، فَمَتَى وُجِدَ ذَلِكَ، صَحَّ الِاشْتِقَاقُ، وَهَذَا كُلُّهُ مَوْجُودٌ هَهُنَا، فَالْمُشْتَقُّ هُوَ الْمُحَالُ، وَالْمُشْتَقُّ مِنْهُ هُوَ الْحَوَلُ وَالتَّحَوُّلُ،

стр. 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْحُرُوفُ الْأُصُولُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ «ح ول» ، فَالْمُحَالُ مُفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَصْلُهُ مَحْوُلٌ، مِثْلُ مَكْرُمٍ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ، وَقُلِبَتِ الْوَاوُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ حَوْلٌ الَّذِي هُوَ أَصْلُ حَالَ. أَوْ أَنَّ الْمُحَالَ أُعِلَّ تَبَعًا لِأَصْلِهِ، وَهُوَ حَالٌ وَالْحُؤُولُ فُعُولٌ، مِثْلُ جُلُوسٍ وَقُعُودٍ، مِنْ حَالَ يَحُولُ، فَالْوَاوُ الثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ، وَالتَّغْيِيرُ بَيْنَ الْمُحَالِ وَالْحُؤُولِ ظَاهِرٌ فِي الْبِنَاءِ وَالْحُرُوفِ الزَّوَائِدِ فِيهِمَا، إِذِ الْمُحَالُ وَزْنُهُ مُفْعَلٌ، وَالزَّائِدُ فِيهِ مِيمٌ، وَالْحُؤُولُ وَزْنُهُ فُعُولٌ، وَالزَّائِدُ فِيهِ وَاوٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُحَالَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَوَلِ ثُمَّ رَأَيْنَا أَهْلَ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ يُرِيدُونَ بِالْمُحَالِ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا وُجُودَ، لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ فِيهِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ جِهَةَ اشْتِقَاقِهِ مِنَ الْحُؤُولِ، وَهُوَ كَوْنُهُ حَالَ، أَيِ: انْتَقَلَ وَانْقَلَبَ عَنْ جِهَةِ الْإِمْكَانِ، إِلَى جِهَةِ الِامْتِنَاعِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَلَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا: انْتَقَلَ عَنْ جِهَةِ الْإِمْكَانِ، أَنَّهُ كَانَ مُمْكِنًا ثُمَّ صَارَ مُحَالًا مُطْلَقًا، بَلْ ذَلِكَ فِي الْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مُمْكِنٌ، وَبِاعْتِبَارِ مَا عَرَضَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ صَارَ مُحَالًا. وَأَمَّا الْمُحَالُ لِذَاتِهِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ. وَمُرَادُنَا بِانْتِقَالِهِ عَنْ جِهَةِ الْإِمْكَانِ، فِي الذِّهْنِ، لَا فِي الْخَارِجِ. يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ مَا يُتَلَفَّظُ بِاسْمِهِ مُمْكِنًا، إِذْ يَجْعَلُ لَنَا قُوَّةً نُدْرِكُ ذَلِكَ، فَانْتَقَلَ مُسَمَّى الْمُحَالِ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِنْ الِاسْتِحَالَةِ، وَهَذَا مَوْضِعٌ وَقَفَ أَكْثَرُ النَّاسِ دُونَهُ، فَلْنَقِفْ عِنْدَهُ، وَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ

стр. 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَقِفُ عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ هَهُنَا، يَظُنُّ أَنَّهُ سَفْسَطَةٌ، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ. هَذَا تَقْرِيرُ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَهِيَ قَوْلُنَا: «الْمُحَالُ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ» بِقَوْلِنَا: «إِذِ اشْتِقَاقُ الْمُحَالِ مِنَ الْحُؤُولِ عَنْ جِهَةِ إِمْكَانِ الْوُجُودِ» . «أَمَّا» تَقْرِيرُ «الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ» وَهِيَ قَوْلُنَا: وَهُوَ، أَيْ: عَدَمُ تَصَوُّرِ الْوُقُوعِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ «فَلِأَنَّ خِلَافَ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، وَبِهِ احْتَجَّ آدَمُ عَلَى مُوسَى» - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - فِيمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، أَغْوَيْتَ النَّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ ! فَقَالَ آدَمُ: وَأَنْتَ يَا مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى عَمَلٍ عَمِلْتُهُ، كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالَ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الرُّوَاةِ أَنَّ آدَمَ هَهُنَا مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ حَاجَّ وَمُوسَى مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَحْجُوجٌ، وَإِنَّمَا عَكَسَ ذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ تَصْحِيحًا لِمَذْهَبِهِمْ.

стр. 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَبَيَانُ أَنَّ خِلَافَ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، هُوَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَكُلُّ مَا كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ، مُحَالٌ، فَهُوَ مُحَالٌ، أَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، أَيْ: لَا يَقْبَلُ تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ فِي إِيجَادِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْدُورُ الْوُجُودِ، مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومُ عَدَمِ الْوُجُودِ، وَمُرَادُ عَدَمِ الْوُجُودِ، لَلَزِمَ تَنَاقُضُ مُقْتَضَى الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ، فَإِنْ تَمَّ مُقْتَضَى الْقُدْرَةِ بِالْوُجُودِ، تَخَلَّفَ مُقْتَضَى الْعِلْمِ، وَهُوَ عَدَمُ الْوُجُودِ بِالْوُجُودِ، فَانْقَلَبَ الْعِلْمُ جَهْلًا، وَإِنْ تَمَّ مُقْتَضَى الْعِلْمِ بِعَدَمِ الْوُجُودِ، تَخَلَّفَ مُقْتَضَى الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْوُجُودُ، فَانْقَلَبَتِ الْقُدْرَةُ عَجْزًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّ خِلَافَ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَقْدُورٍ، فَهُوَ مُحَالٌ، وَأَمَّا أَنَّ مَا كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ، فَهُوَ مُحَالٌ، فَلِأَنَّ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا إِنَّمَا تَصْدُرُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ فُرِضَ وُجُودُ مَا لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُ، لَلَزِمَ إِثْبَاتُ خَالِقٍ آخَرَ مَعَهُ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَالرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الْعَبْدَ خَالِقٌ لِأَفْعَالِهِ، مُسْتَقْصًى مَعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا فِي كِتَابِ «إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» ، وَقَدْ بَانَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ مَعْنَى قَوْلِنَا: «فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ» أَيْ: لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ خِلَافِ مَعْلُومِ اللَّهِ ، لِاسْتِحَالَتِهِ،

стр. 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «وَإِلَّا انْقَلَبَ الْعِلْمُ الْأَزَلِيُّ جَهْلًا» ، وَثَبَتَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ قَوْلُنَا: «إِنْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، صَحَّ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ» . قَوْلُهُ: «وَقَدْ جَازَ التَّكْلِيفُ بِهِ إِجْمَاعًا» أَيْ: بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ «فَلْيَجُزْ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ» . هَذَا تَقْرِيرٌ لِقَوْلِنَا بَعْدَ الْمُلَازَمَةِ الْمَذْكُورَةِ: «وَقَدْ صَحَّ ثَمَّ، فَلْيَصِحَّ هُنَا» وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْمُقَدَّمِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ لِغَيْرِهِ، قَدْ صَحَّ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ «بِجَامِعِ الِاسْتِحَالَةِ» أَيْ: أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا كَوْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَالَ الْوُقُوعِ. أَمَّا الْمُحَالُ لِذَاتِهِ، فَبِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الْمُحَالُ لِغَيْرِهِ، فَبِمَا قَرَّرْنَاهُ، وَقَدْ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِأَحَدِهِمَا، فَلْيَصِحَّ بِالْآخَرِ، عَمَلًا بِالْجَامِعِ الْمُؤَثِّرِ، وَهُوَ الِاسْتِحَالَةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ حُكْمَ الْمِثْلَيْنِ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: «وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ بِالْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ، لِانْتِسَاخِهِ بِالِاسْتِحَالَةِ بِالْغَيْرِ الْعَرَضِيَّةِ» . هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: الْمُحَالُ لِذَاتِهِ، وَالْمُحَالُ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا اسْتِحَالَةُ الْوُقُوعِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُحَالَ لِغَيْرِهِ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، فَلَهُ حَظٌّ فِي الْإِمْكَانِ، وَتَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ لَا يَسْلُبُهُ هَذَا الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ، وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُمْكِنًا، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِهِ، بِخِلَافِ الْمُحَالِ لِذَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْإِمْكَانِ بِوَجْهٍ مَا، فَالتَّكْلِيفُ بِهِ يَجِبُ أَنْ لَا يَصِحَّ. وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا أَثَرَ لَهُ، لِأَنَّ الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ فِي الْمُحَالِ لِغَيْرِهِ انْتَسَخَ بِمَا عَرَضَ لَهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ لَهُ بِالْغَيْرِ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَحَالَ وُجُودُهُ، فَصَارَ الْحُكْمُ لِلِاسْتِحَالَةِ الْعَرَضِيَّةِ، النَّاسِخَةِ لِحُكْمِ الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ، فَاسْتَوَى حِينَئِذٍ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي اسْتِحَالَةِ الْوُقُوعِ، وَهُوَ الْجَامِعُ الْمُؤَثِّرُ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِهِمَا، وَالْفَرْقُ بِالْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، بَطَلَ حُكْمُهُ، وَعَفَا أَثَرُهُ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ لِذَاتِهِ مُمْكِنًا ثُمَّ تَعَلَّقَتِ الصِّفَاتُ الْأَزَلِيَّةُ الذَّاتِيَّةُ

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِاسْتِحَالَةِ وَجُودِهِ، كَانَ مُقْتَضَى تَعَلُّقِهَا الْعَرَضِيِّ - وَهُوَ الِامْتِنَاعُ - نَاسِخًا لِمُقْتَضَى الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ، وَهُوَ الْوُجُودُ. قَوْلُهُ: «وَأَيْضًا فَكُلُّ مُكَلَّفٍ بِهِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مُكَلَّفٍ بِهِ «إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُودِهِ فَيَجِبُ، أَوْ لَا» يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِهِ «فَيَمْتَنِعُ» . فَإِنْ تَعَلَّقَ بِوُجُودِهِ وَجَبَ وُجُودُهُ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِوُجُودِهِ، كَانَ وَجُودُهُ مُمْتَنِعًا، إِذْ لَا مُوجِدَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا مَوْجُودَ إِلَّا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَـ «التَّكْلِيفُ بِهِمَا» أَيْ: بِمَا وَجَبَ وُجُودُهُ، وَبِمَا امْتَنَعَ وُجُودُهُ «مُحَالٌ» ، أَمَّا التَّكْلِيفُ بِمَا وَجَبَ وُجُودُهُ، فَلِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَأَمَّا التَّكْلِيفُ بِمَا امْتَنَعَ وُجُودُهُ، فَلِأَنَّهُ إِيجَادُ الْمُمْتَنِعِ، وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ لَهُ أُسْوَةُ غَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 186

قَالُوا: هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ التَّكَالِيفَ بِأَسْرِهَا تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. قُلْنَا: مُلْتَزَمٌ. وَالْإِجْمَاعُ إِنْ عَنَيْتُمْ بِهِ الْعَقْلِيَّ فَمَمْنُوعٌ، أَوِ الشَّرْعِيَّ، فَالْمَسْأَلَةُ عِلْمِيَّةٌ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا فِيهَا لِظَنِّيَّتِهِ، بِدَلِيلِ الْخِلَافِ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ حُكْمِهِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي. ــ قَوْلُهُ: «قَالُوا: هَذَا» اعْتِرَاضٌ عَلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ «يَسْتَلْزِمُ أَنَّ التَّكَالِيفَ بِأَسْرِهَا، تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ» . أَمَّا كَوْنُهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، فَلِأَنَّ التَّكَالِيفَ بِأَسْرِهَا إِمَّا مَعْلُومُ الْوُجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَعْلُومُ الْعَدَمِ، وَقَدْ بَيَّنْتُمْ أَنَّ إِيجَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَالٌ، وَالتَّكَالِيفُ تُرَادُ لِلْإِيجَادِ، فَالتَّكْلِيفُ بِهَا تَكْلِيفٌ بِإِيجَادِ الْمُحَالِ، فَثَبَتَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ التَّكَالِيفَ بِأَسْرِهَا تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ. وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ، فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى وَاجِبٍ، وَمُمْتَنِعٍ، وَمُمْكِنٍ، وَالْأَفْعَالُ الْمُكَلَّفُ بِهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْلُومَاتِ، فَيَكُونُ فِيهَا الْمُمْكِنُ، وَذَلِكَ يَنْفِي مَا اسْتَلْزَمَهُ قَوْلُكُمْ مِنْ أَنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ تَنْتَقِضُ بِالصُّورَةِ الْجُزْئِيَّةِ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مُلْتَزَمٌ» أَيْ: مَا أَلْزَمْتُمُونَاهُ، وَهُوَ أَنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ مُلْتَزَمٌ، نَلْتَزِمُهُ وَنَقُولُ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: هُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَنَقُولُ: مَا تَعْنُونَ

стр. 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي اسْتَنَدْتُمْ إِلَيْهِ فِي بُطْلَانِ قَوْلِنَا؟ إِنْ عَنَيْتُمْ بِهِ الْإِجْمَاعَ الْعَقْلِيَّ، وَهُوَ إِجْمَاعُ الْعُقَلَاءِ، عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَعْلُومَاتِ مُمْكِنٌ، وَالتَّكَالِيفُ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ، فَيَكُونُ بَعْضُهَا مُمْكِنًا، فَيَبْطُلُ كَوْنُ جَمِيعِهَا مُحَالًا؟ قُلْنَا: الْمُمْكِن ُ الَّذِي أَجْمَعَ الْعُقَلَاءُ عَلَى وُجُودِهِ فِي عُمُومِ الْمَعْلُومَاتِ وَخُصُوصِ التَّكَالِيفِ، هُوَ الْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ، أَمَّا الْمُمْكِنُ لِغَيْرِهِ، فَيَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي التَّكَالِيفِ بِمَا قَرَّرْنَاهُ، وَالْإِجْمَاعُ الْعَقْلِيُّ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ. وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِالْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ الْإِجْمَاعَ الشَّرْعِيَّ الصَّادِرَ عَنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا عِلْمِيَّةٌ، أَيِ: الْمَطْلُوبُ فِيهَا الْعِلْمُ الْجَازِمُ، لِأَنَّ الْبَرَاهِينَ تَتَّجِهُ فِيهَا، وَالْإِجْمَاعُ الشَّرْعِيُّ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا مِنَ الْعِلْمِيَّاتِ لِظَنِّيَّتِهِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا، أَيْ: مُسْتَنَدُهُ أَدِلَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ لَا الْقَطْعَ، وَالْمَطَالِبُ الْعِلْمِيَّةُ لَا تَحْصُلُ بِالْمَدَارِكِ الظَّنِّيَّةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الشَّرْعِيَّ ظَنِّيٌّ - كَمَا قُلْنَا - أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ حُكْمِهِ، أَيْ: مَنْ أَنْكَرَ حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَسْوِيغِ هَذَا الْخِلَافِ، وَلَوْ كَانَ عِلْمِيًّا، لَمَا اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ حُكْمَهُ، كَمَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ حُكْمًا شَرْعِيًّا ضَرُورِيًّا، كَوُجُودِ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَوُجُوبِ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ. وَأَيْضًا، فَأَهْلُ الْإِجْمَاعِ الشَّرْعِيِّ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الظَّاهِرَةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَكَلَامُنَا هَهُنَا فِي سِرِّ الْإِلَهِيَّةِ الَّذِي تَاهَتْ فِيهِ الْعُقُولُ، وَهُوَ الْقَدَرُ،

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَخَلْقُ الْأَفْعَالِ، وَالتَّوْفِيقُ وَالْخِذْلَانُ، وَالتَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهِيَ أَحْكَامٌ بَاطِنَةٌ عِلْمِيَّةٌ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي آخِرِ مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، فَأَيْنَ مَوْضُوعُ نَظَرِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ مِنْ هَذَا، حَتَّى يَسْتَنِدَ إِلَيْهِ فِي بُطْلَانِ مَا ذَكَرْنَا؟ وَنَحْنُ نَرَى أَهْلَ الْإِجْمَاعِ الشَّرْعِيِّ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِمَا يَقَعُ لَهُمْ، ثُمَّ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، انْقَسَمُوا هُمْ بِأَعْيَانِهِمْ إِلَى جَبْرِيَّةٍ وَقَدَرِيَّةٍ وَمُتَوَسِّطَةٍ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الشَّرْعِيَّ حُجَّةٌ، لَكِنْ فِي الْعِلْمِيَّاتِ وَالظَّنِّيَّاتِ، وَلَا يَرْتَبِطُونَ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ. فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الشَّرْعِيَّ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِبُطْلَانِ مَا الْتَزَمْنَاهُ، مِنْ أَنَّ التَّكَالِيفَ بِأَسْرِهَا تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرْنَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: حَيْثُ انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى لَفْظِ «الْمُخْتَصَرِ» ، فَلْنَذْكُرْ جُمْلَةَ مَآخِذِ الْمَسْأَلَةِ عَقْلًا وَسَمْعًا. أَمَّا مَأْخَذُهَا عَقْلًا، فَذَكَرَهُ الْكِنَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَلْ يَتَحَقَّقُ الطَّلَبُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْعَالِمِ بِاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ الْمَطْلُوبِ أَمْ لَا؟ خُصُوصًا إِنِ اشْتُرِطَتِ الْإِرَادَةُ فِي الْأَمْرِ، هَلْ يَتَنَاقَضُ عِلْمُهُ بِأَنْ لَا يَقَعَ، مَعَ إِرَادَتِهِ لِأَنْ يَقَعَ أَمْ لَا؟ قُلْتُ: فَإِنْ تَحَقَّقَ الطَّلَبُ، وَلَمْ تَتَنَاقَضْ صِفَةُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، جَازَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَإِلَّا فَلَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، هَلْ يُسْتَحَقَّانِ عَلَى الْأَعْمَالِ أَوِ الْأَعْمَالُ فِي حُكْمِ الْأَعْلَامِ عَلَيْهَا؟

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: فَإِنْ قُلْنَا: الثَّوَابُ يُسْتَحَقُّ بِالْعَمَلِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مُمْكِنًا، مُتَصَوَّرَ الْوُقُوعِ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْعَمَلُ عَلَمٌ عَلَى الثَّوَابِ، لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مُتَصَوَّرَ الْوُقُوعِ، وَكَانَ عَدَمُهُ لِامْتِنَاعِهِ عَلَمًا عَلَى مَا يُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ مِنَ الْجَزَاءِ، كَالْكَافِرِ، كَانَ عَدَمُ إِيمَانِهِ عَلَمًا عَلَى عَذَابِهِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى سِرِّ الْقَدَرِ الَّذِي سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. وَأَمَّا مَأْخَذُهَا سَمْعًا فَقَوْلُهُ : ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٦] ، أَقَرَّ قَائِلِيهِ عَلَيْهِ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ لَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ جَائِزًا لَمَا سَأَلُوا دَفْعَهُ، وَلَا أَقَرَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ لِمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَأَلُوهُ وَأَقَرَّهُمْ، دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا قَاطِعٌ، وَأُجِيبُ عَنْهُ، بِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، إِذْ قَدْ يَقَعُ السُّؤَالُ بِمَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ غَيْرُهُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١١٢] ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَاطِلِ، وَيُمْدَحَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا أَنْ لَا يُكَلِّفَهُمْ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مُتَعَارَفٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَقُولَ الشَّخْصُ لِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ: لَا أُطِيقُهُ، لَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا جَوَازَ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، فَسَأَلُوا نَفْيَهُ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ بِعَيْنِهَا، وَفِي آيَاتٍ غَيْرِهَا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٦] ، وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا سَبَقَ. أَمَّا وُقُوعُ مَا لَا يُطَاقُ، فَلَمْ يَقَعْ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي أُصُولِهَا، فِي

стр. 190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَلْقِ الْأَفْعَالِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَفُرُوعُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ كَثِيرَةٌ، جَمَعْتُ جُمْلَةً مِنْهَا فِي كِتَابِ «رَدِّ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» فَلَمْ يَجِبْ عَلَيَّ ذِكْرُهَا هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 191

خَاتِمَةٌ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ، وَمُتَعَلِّقُهُ فِي النَّهْيِ كَفُّ النَّفْسِ، وَقِيلَ: ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَعَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ. ــ قَوْلُهُ: «خَاتِمَةٌ» أَيْ: لِهَذَا الْفَصْلِ - التَّكْلِيفِ - وَخَتَمْتُ بِهَا الْفَصْلَ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي تَنْوِيعِهِ إِلَى فِعْلٍ وَكَفٍّ. قَوْلُهُ: «لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: مُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِعْلًا، وَلَا يُطْلَبُ مِنَ الْمُكَلَّفِ إِلَّا فِعْلٌ. أَمَّا فِي الْأَمْرِ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ إِيجَادُ فِعْلٍ مَأْمُورٍ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَأَمَّا فِي النَّهْيِ، فَمُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ فِيهِ، كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، كَالْكَفِّ عَنِ الزِّنَى، «وَقِيلَ: ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ» أَيْ: ضِدٌّ مِنْ أَضْدَادِهِ كَانَ، إِذْ بِتَلَبُّسِهِ بِضِدِّهِ يَكُونُ تَارِكًا لَهُ. «وَعَنْ أَبِي هَاشِمٍ» هُوَ ابْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ، وَاسْمُهُ: أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَأَبُو هَاشِمٍ: اسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ فِي الطَّبَقَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ طَبَقَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَبُوهُ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّامِنَةِ. قَالَ أَبُو هَاشِمٍ: «الْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ» أَيْ: مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ الْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَفْعَلَ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الضِّدِّ.

стр. 192

لَنَا: الْمُكَلَّفُ بِهِ مَقْدُورٌ، وَالْعَدَمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا، فَهُوَ إِمَّا كَفُّ النَّفْسِ، أَوْ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ، وَكِلَاهُمَا فِعْلٌ. ــ «لَنَا» أَيْ: عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ أَنَّ: «الْمُكَلَّفُ بِهِ مَقْدُورٌ، وَالْعَدَمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا» بِهِ. أَمَّا أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، فَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَكُلُّ مَا كَانَ سَبَبَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَهُوَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٢] ، ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٨] ، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النَّجْمِ: ٣٩] ، وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ. وَأَمَّا أَنَّ الْعَدَمَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ، فَلِأَنَّهُ نَفْيٌ مَحْضٌ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِلْقُدْرَةِ، وَلَا قَابِلًا لِأَثَرِهَا، وَكُلُّ مَقْدُورٍ، فَهُوَ قَابِلٌ لِتَأْثِيرِ الْقُدْرَةِ، فَالْعَدَمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ «فَهُوَ» - يَعْنِي مُتَعَلِّقَ التَّكْلِيفِ فِي النَّهْيِ - «إِمَّا كَفُّ النَّفْسِ» عَنِ الْمَنْهِيِّ، أَيْ: حَبْسُهَا عَنْهُ بِعِنَانِ التَّقْوَى «أَوْ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ» ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ، وَلَوْ تَرَكَهُ، «وَكِلَاهُمَا» يَعْنِي كَفَّ النَّفْسِ وَضِدَّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ «فِعْلٌ» . أَمَّا كَوْنُ الْكَفِّ فِعْلًا، فَظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ صَرْفُ النَّفْسِ عَمَّا تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَقَهْرُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَزَجْرُهَا عَمَّا هَمَّتْ بِهِ، وَهَذِهِ أَفْعَالٌ حَقِيقِيَّةٌ. غَيْرَ أَنَّ

стр. 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُتَعَلِّقَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُشَاهَدًا - وَهُوَ النَّفْسُ - خَفِيَ أَمْرُهَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُفُّ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ؟ قُلْنَا: هَذَا سُؤَالٌ، يَتَعَلَّقُ جَوَابُهُ بِعُلُومِ الْبَاطِنِ، وَاسْتِقْصَاؤُهُ يَخْرُجُ بِنَا عَمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، مِنْ تَقْرِيرِ أُصُولِ الشَّرْعِ، لَكِنَّا نُشِيرُ إِلَى الْجَوَابِ إِشَارَةً خَفِيفَةً، فَنَقُولُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ عِبَارَةٌ عَنْ هَيْكَلٍ مَحْسُوسٍ، اشْتَمَلَ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْمَعَانِي، مِنْهَا: النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ وَالْهَوَى، وَمِنْهَا: الْعَقْلُ وَالْإِيمَانُ وَالْحَيَاءُ، فَالْمُتَوَجِّهُ إِلَى مُقَارَفَةِ الْمَعَاصِي، هُمَا الْمَعْنَيَانِ الْأَوَّلَانِ، وَالزَّاجِرُ عَنْهَا الْمُفَارِقُ لَهَا هُمَا الْمَعْنَيَانِ الْآخَرَانِ، وَهَمَا كَجَيْشَيْنِ فِي دَارٍ يَقْتَتِلَانِ وَيَتَضَادَّانِ، فَالْغَالِبُ مَنْ صَحِبَهُ التَّوْفِيقُ، وَالْمَغْلُوبُ مَنْ صَحِبَهُ الْخِذْلَانُ. وَأَمَّا كَوْنُ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِعْلًا، فَلِأَنَّ الْمُرَادَ التَّلَبُّسُ بِضِدِّهِ، كَمَنْ نُهِيَ عَنِ الزِّنَى، فَتَشَاغَلَ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، أَوْ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، فَتَلَبَّسَ بِالْإِفْطَارِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ضِدُّ الشَّيْءِ إِلَّا تَرْكَهُ، لَكَانَ فِعْلًا، لِأَنَّ تَرْكَ الشَّيْءِ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ فِعْلِهِ، وَالْإِعْرَاضُ فِعْلٌ، نَعَمْ، تَارَةً يَكُونُ بِالْبَدَنِ، فَيَظْهَرُ لِلْحِسِّ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَالنَّفْسِ، فَيُدْرَكُ عَقْلًا لَا حِسًّا. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ الْفَصِيحُ: إِذَا انْصَرَفَتْ نَفْسِي عَنِ الشَّيْءِ لَمْ تَكُنْ ... إِلَى نَحْوِهِ مِنْ آخِرِ الدَّهْرِ تَرْجِعُ فَوَصَفَ النَّفْسَ بِالِانْصِرَافِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.

стр. 194

احْتُجَّ بِأَنَّ تَارِكَ الزِّنَى مَمْدُوحٌ، حَتَّى مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ ضِدِّيَّةِ تَرْكِ الزِّنَى، فَلَيْسَ إِلَّا الْعَدَمُ. قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلْ إِنَّمَا يُمْدَحُ عَلَى كَفِّ نَفْسِهِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. ــ «احْتَجَّ» أَبُو هَاشِمٍ عَلَى أَنَّ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ، «بِأَنَّ تَارِكَ الزِّنَى مَمْدُوحٌ، حَتَّى مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ ضِدِّيَّةِ تَرْكِ الزِّنَى» أَيْ: يُمْدَحُ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ تَرْكَ الزِّنَى ضِدٌّ لِلزِّنَى، بَلْ يَكُونُ غَافِلًا عَنْ ذَلِكَ، وَمُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ فِي النَّهْيِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْمُكَلَّفِ، وَقَصْدُ الشَّيْءِ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ تَصَوُّرِهِ، وَتَصَوُّرُ ضِدِّ الشَّيْءِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ مُحَالٌ، فَإِذَنْ «لَيْسَ» مُتَعَلِّقُ مَدْحِ تَارِكِ الزِّنَى، وَلَا مُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ بِتَرْكِهِ «إِلَّا الْعَدَمُ» . وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَمْنُوعٌ، بَلْ إِنَّمَا يُمْدَحُ تَارِكُ الزِّنَى عَلَى كَفِّ نَفْسِهِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ فِعْلٌ كَمَا سَبَقَ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ كَفَّ نَفْسِهِ عَنِ الزِّنَى، لَيْسَ مُتَعَلِّقَ مَدْحِهِ عَلَى تَرْكِهِ، لَكِنْ، لَا نُسَلِّمُ تَصَوُّرَ غَفْلَتِهِ عَنْ ضِدِّيَّةِ تَرْكِ الزِّنَى لِلزِّنَى، لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا، أَنَّ تَرْكَ الشَّيْءِ، هُوَ الْإِعْرَاضُ الْبَدَنِيُّ أَوِ الْقَلْبِيُّ عَنْهُ، وَالْإِعْرَاضُ فِعْلٌ، فَمَنْ تَرَكَ الزِّنَى، فَقَدْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَذَلِكَ الْإِعْرَاضُ فِعْلٌ، وَفِعْلُ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ

стр. 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَيْهِ الْمَدْحَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرًا لَهُ عِنْدَ إِيجَادِهِ، وَإِذَا كَانَ تَارِكُ الزِّنَى مُتَصَوِّرًا لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ عِنْدَ تَرْكِهِ لَهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَرْكِ الزِّنَى مُتَصَوِّرًا لِضِدِّيَّةِ تَرْكِهِ لَهُ، لِأَنَّ ضِدَّ الشَّيْءِ مَا لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ، وَعَدَمُ اجْتِمَاعِ الزِّنَى وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ مِنَ الْبَدِيهِيَّاتِ، نَعَمْ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّ حَدَّ ضِدِّ الشَّيْءِ مَا لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَضُرُّ، لِأَنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ رَاجِعَةٌ إِلَى الْأَلْفَاظِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، لَا إِلَى الْحَقَائِقِ وَالذَّوَاتِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الْإِدْرَاكِيَّةِ مُتَصَوِّرٌ جَازِمٌ بِأَنَّ تَرْكَ الزِّنَى ضِدٌّ لَهُ. وَالْغَفْلَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ تَعْرِيفَ الضِّدِّ مَا هُوَ؟ أَوْ أَنَّ مَا تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهُ مَعَ غَيْرِهِ ضِدٌّ لَهُ أَوْ لَا؟ ثُمَّ عَلَى أَبِي هَاشِمٍ فِي حُجَّتِهِ سُؤَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَعْوَاكَ فِي أَنَّ مُتَعَلِّقَ التَّكْلِيفِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ كُلِّيَّةً، وَإِنَّمَا أَثْبَتَهَا بِمِثَالٍ جُزْئِيٍّ، وَهُوَ مَدْحُ تَارِكِ الزِّنَى مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ أَنَّ تَرْكَهُ ضِدٌّ لَهُ، وَالصُّوَرُ الْجُزْئِيَّةُ لَا تُثْبِتُ الدَّعَاوَى الْكُلِّيَّةَ، إِذْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كُلُّ إِنْسَانٍ عَالِمٌ، لِأَنَّ زَيْدًا عَالِمٌ، أَوْ كُلُّ حَيَوَانٍ عَاقِلٌ، لِأَنَّ نَوْعَ الْإِنْسَانِ عَاقِلٌ، لَمَا صَحَّ ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ الْفِعْلَ، وَفِي بَعْضِهَا الْعَدَمَ، فَقَدْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ تُبَرْهِنَ عَلَى عُمُومِ دَعَوَاكَ بِبُرْهَانٍ عَامٍّ. السُّؤَالُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ فِي النَّهْيِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْمُكَلَّفِ يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ عِنْدَهُ الْعَدَمُ الْمَحْضُ، وَقَصْدُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، إِنَّمَا الْمُمْكِنُ قَصْدُ إِعْدَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْإِعْدَامُ فِعْلٌ كَمَا نَقُولُ نَحْنُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعَدَمِ وَالْإِعْدَامِ، كَمَا بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْإِيجَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 196

الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ وَهِيَ خَمْسَةٌ كَمَا سَيَأْتِي قِسْمَتُهَا. وَالْحُكْمُ، قِيلَ: خِطَابُ الشَّرْعِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ. وَقِيلَ: أَوِ الْوَضْعِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ، فَلَا يَرِدُ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْخِطَابُ قَدِيمٌ، فَكَيْفَ يُعَلَّلُ بِالْعِلَلِ الْحَادِثَةِ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ نَظْمَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ لَيْسَ هُوَ الْحُكْمُ قَطْعًا، بَلْ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمُ الزِّنَى عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ الشَّرْعِ مِنَّا تَنْجِيزُ التَّكْلِيفِ. ــ أَحْكَامُ التَّكْلِيفِ قَوْلُهُ: «الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ، كَمَا سَيَأْتِي قِسْمَتُهَا» . الْأَحْكَامُ: جَمْعُ حُكْمٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحُكْمُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: حَكَمَ بَيْنَهُمْ يَحْكُمُ حُكْمًا، إِذَا قَضَى. قُلْتُ: وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ تَرَاكِيبُ مَادَّةِ «ح ك م» ، أَوْ أَكْثَرُهَا، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: حَكَّمْتُ الرَّجُلَ تَحْكِيمًا، إِذَا مَنَعْتَهُ مِمَّا أَرَادَ، وَحَكَمْتُ السَّفِيهَ - بِالتَّخْفِيفِ - وَأَحْكَمْتُهُ، إِذَا أَخَذْتَ عَلَى يَدِهِ. أَنْشَدَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ لِجَرِيرٍ: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا وَسُمِّي الْقَاضِي حَاكِمًا، لِمَنْعِهِ الْخُصُومَ مِنَ التَّظَالُمِ.

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمَّا بَيَانُ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ فِي الِاصْطِلَاحِ، فَقَدْ ذُكِرَتْ بَعْدُ. وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي، نَحْوُ: الْوُجُوبُ وَالْحَظْرُ وَغَيْرُهُمَا أَحْكَامًا، لِأَنَّ مَعْنَى الْمَنْعِ مَوْجُودٌ فِيهَا، إِذْ حَقِيقَةُ الْوُجُوبِ مُرَكَّبَةٌ مِنَ اسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ وَالْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ، وَالْحَظْرُ مُرَكَّبٌ مِنَ اسْتِدْعَاءِ التَّرْكِ وَالْمَنْعِ مِنَ الْفِعْلِ. أَمَّا النَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ، فَمَعْنَى الْمَنْعِ فِيهِمَا مَوْجُودٌ، لَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ فِي الْوُجُوبِ وَالْحَظْرِ، وَلِهَذَا، أَوْ نَحْوِهِ، اخْتُلِفَ فِي تَنَاوُلِ التَّكْلِيفِ لَهُمَا لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِيهِمَا. أَمَّا النَّدْبُ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَرْكِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى طَلَبِ ثَوَابِهِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ ثَوَابُ مَنْ تَرَكَ الْمَنْدُوبَاتِ كَثَوَابِ مَنْ فَعَلَهَا، وَحَافَظَ عَلَيْهَا، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِين﴾ َ لَا يَعْلَمُونَ [الزُّمَرِ: ٩] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂: ثَوَابُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ. وَالْإِجْمَاعُ عَلَى هَذَا، وَهُوَ مِنْ

стр. 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضَرُورِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ إِلَّا مَا نَدَرَ مِنْ إِلْحَاقِ بَعْضِ الْقَاصِرِينَ بِالْمُجْتَهِدِينَ بِحَسَبِ السَّابِقَةِ، وَالسَّعَادَةِ اللَّاحِقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ، أَوْ شُبْهَةِ سَبَبٍ. فَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ يَمْنَعَانِ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ اسْتِصْلَاحًا وَنَظَرًا، لَا عَزْمًا وَجَزْمًا، وَإِذَا ثَبَتَ مَعْنَى الْمَنْعِ فِي فِعْلِ الْمَنْدُوبِ، فَافْهَمْ مِثْلَهُ فِي تَرْكِ الْمَكْرُوهِ، لِأَنَّهُمَا مُتَقَابِلَانِ وَسِيَّانِ فِي الْوَزْنِ، فَكَمَا يُمْنَعُ الْمُكَلَّفُ الْمُفْطِرُ مِنْ تَرْكِ السِّوَاكِ مَنْعًا غَيْرَ جَازِمٍ، كَذَلِكَ يُمْنَعُ الصَّائِمُ مِنَ السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَنْعًا غَيْرَ جَازِمٍ، لِأَنَّ تَرْكَ السِّوَاكِ لِلْأَوَّلِ مَكْرُوهٌ، وَلِلثَّانِي مَنْدُوبٌ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى وُجُودِ مُطْلَقِ مَعْنَى الْمَنْعِ فِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ، لَحِقَا بِالْوُجُوبِ وَالْحَظْرِ، فِي تَنَاوُلِ التَّكْلِيفِ لَهُمَا، وَبِالنَّظَرِ إِلَى [أَنَّ] الْمَنْعَ فِيهِمَا اصْطِلَاحٌ لَا عَزْمَ وَجَزْمَ قَصْرًا، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا التَّكْلِيفُ. وَإِضَافَةُ الْأَحْكَامِ إِلَى التَّكْلِيفِ، فِي قَوْلِنَا: «أَحْكَامُ التَّكْلِيفِ» هِيَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَقِّنَا، لِأَنَّا لَمَّا أُلْزِمْنَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ تَرْكَ الْمَعَاصِيَ، وَفِعْلَ الطَّاعَاتِ، ثَبَتَ فِي حَقِّنَا تَحْرِيمُ الْمَحْظُورَاتِ، وَوُجُوبُ الْوَاجِبَاتِ.

стр. 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَالْحُكْمُ، قِيلَ: خِطَابُ الشَّرْعِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ» . أَقُولُ: إِنَّمَا قُلْتُ: قِيلَ، لِمَا ذَكَرْتُ بَعْدُ، مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْحُكْمُ، مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ، وَالْكَلَامُ الْآنَ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالْكَلَامُ أَوَّلًا فِي حَقَائِقِ أَلْفَاظِهِ لُغَةً، ثُمَّ فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهِ وَاحْتِرَازَاتِهِ. أَمَّا حَقَائِقُ أَلْفَاظِهِ، فَالْحُكْمُ قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ لُغَةً. وَأَمَّا الْخِطَابُ، فَهُوَ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ خَاطَبَهُ بِالْكَلَامِ يُخَاطِبُهُ مُخَاطَبَةً وَخِطَابًا، وَهُوَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُفَاعَلَةِ، نَحْوَ ضَارَبَهُ مُضَارَبَةً وَضِرَابًا، وَلَيْسَ الْخِطَابُ هُوَ الْكَلَامُ وَالْمُكَالَمَةُ، وَهِيَ تَوَجُّهُ الْكَلَامِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ خَاطَبَهُ بِالْكَلَامِ، فَلَوْ كَانَ الْخِطَابُ هُوَ الْكَلَامُ، لَكَانَ التَّقْدِيرُ: كَالَمَهُ أَوْ كَلَّمَهُ بِالْكَلَامِ، فَيَكُونُ تَكْرَارًا أَوْ تَأْكِيدًا، وَالْأَصْلُ، خِلَافُهُ. نَعَمِ، اسْتُعْمِلَ الْخِطَابُ فِي الِاصْطِلَاحِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ، فَصَارَ حَقِيقَةً اصْطِلَاحِيَّةً. وَالْأَفْعَالُ: جَمْعُ فِعْلٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَشْهُورٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الْجَوْهَرِيُّ حَقِيقَتَهُ، بَلْ تَصَارِيفَ مَادَّتِهِ. أَمَّا فِي التَّحْقِيقِ، فَهُوَ مَعْنَى ذَاتٍ تَشْمَلُ مَا صَدَرَ مِنَ الْأَفْعَالِ عَنِ اللَّهِ ، وَعَنْ غَيْرِهِ. وَقَوْلُنَا: اخْتِيَارًا وَاضْطِرَارًا، لِيَتَنَاوَلَ فِعْلَ الْمُرْتَعِشِ مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ، فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ اضْطِرَارِيَّةٌ.

стр. 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالِاقْتِضَاءُ: افْتِعَالٌ، مِنْ قَضَى يَقْضِي: إِذَا طَلَبَ وَحَكَمَ، فَالِاقْتِضَاءُ: هُوَ الطَّلَبُ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعُقَلَاءِ نَحْوَ: اقْتَضَى زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو الدَّيْنَ، أَيْ: طَلَبَهُ، وَاقْتَضَى مِنْهُ أَنْ يَخْدِمَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ، نَحْوُ قَوْلِنَا: الْعِلَّةُ تَقْتَضِي الْمَعْلُولَ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي كَذَا، أَيْ يَطْلُبُ الْمَعْنَى الْفُلَانِيَّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ فِي الِاصْطِلَاحِ يَشْعُرُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَالتَّخْيِيرُ: تَفْعِيلٌ مِنْ خَارَ يَخِيرُ، وَاخْتَارَ يَخْتَارُ، وَهُوَ رَدُّ الْعَاقِلِ إِلَى اخْتِيَارِهِ، إِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ. هَذَا الْكَلَامُ عَلَيْهِ لُغَةً. أَمَّا بَيَانُ حَقِيقَتِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِرَازَاتِ، فَقَوْلُهُمْ: خِطَابُ اللَّهِ، أَيْ: كَلَامُهُ، وَقَدْ عَدَلَ الْقَرَافِيُّ فِي «شَرْحِ التَّنْقِيحِ» عَنْ لَفْظِ: خِطَابِ اللَّهِ إِلَى لَفْظِ: كَلَامِ اللَّهِ، قَالَ: لِأَنَّ الْخِطَابَ وَالْمُخَاطَبَةَ لُغَةً، إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ، فَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْخِطَابُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَادِثِ، وَكَانَ هَذَا مِنْهُ بِنَاءً عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ عِنْدَهُ، فَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَكُونَ خِطَابًا. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْأَزَلِ مَنْ يُخَاطِبُهُ. وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ - هُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي اللُّغَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْخَطْبُ فِيهِ يَسِيرٌ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَاطَبَةِ

стр. 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَخِطَابِهِ لِخَلْقِهِ، أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ أَزَلًا، إِذْ قَدِ اتَّفَقْنَا وَالْأَشَاعِرَةُ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ، بِمَعْنَى تَوَجُّهِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَيْهِ إِذَا وُجِدَ، فَكَذَا يَتَوَجَّهُ الْخِطَابُ إِلَيْهِ إِذَا وُجِدَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِطَابَ صَارَ فِي الِاصْطِلَاحِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ. نَعَمِ، الْعُدُولُ عَنْ لَفْظِ الْخِطَابِ إِلَى لَفْظِ الْكَلَامِ يَكُونُ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَعَدَلَ الْآمِدِيُّ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ إِلَى «خِطَابِ الشَّارِعِ» كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَشْمَلَ كَلَامَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَكَلَامَ الرَّسُولِ ﷺ ، وَهُوَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ أَوْلَى. وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ خِطَابَ الرَّسُولِ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ مُسْتَمَدٌّ مِنْهُ، وَمُبَيِّنٌ لَهُ. وَزَادَ الْقَرَافِيُّ صِفَةَ الْقَدِيمِ، فَقَالَ: «كَلَامُ اللَّهِ قَدِيمٌ» احْتِرَازًا مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، الَّتِي هِيَ أَدِلَّةُ الْحُكْمِ، لَا نَفْسُ الْحُكْمِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ، مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ، فَلَوْ لَمْ يَقُلِ: الْقَدِيمُ، لَدَخَلَتْ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ فِي حَدِّ الْحُكْمِ، وَلَيْسَتْ هِيَ الْحُكْمَ، بَلْ أَدِلَّةَ الْحُكْمِ، فَكَانَ يَتَّحِدُ الدَّلِيلُ وَالْمَدْلُولُ، وَهَذَا أَصْلٌ مُنَازَعٌ فِيهِ. وَقَوْلُهُمُ: «الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ» احْتِرَازٌ مِمَّا تَعَلَّقَ بِذَوَاتِ الْمُكَلَّفِينَ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ [النَّحْلِ: ٧٠] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الرُّومِ: ٢٠] ، وَاحْتِرَازٌ مِمَّا تَعَلَّقَ بِأَفْعَالِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ، كَالْجَمَادَاتِ وَنَحْوِهَا، كَقَوْلِهِ : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النَّمْلِ: ٨٨] ، ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الْكَهْفِ: ٤٧] . فَبِقَوْلِهِمُ: الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ، خَرَجَ الْمُتَعَلِّقُ بِذَوَاتِ الْمُكَلَّفِينَ.

стр. 202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَبِقَوْلِهِمُ: الْمُكَلَّفِينَ، خَرَجَ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ. وَقَوْلُهُمْ: «بِالِاقْتِضَاءِ» احْتِرَازٌ مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠] ، ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٥٨] ، ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْلِ: ٥١] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَيْسَ بِحُكْمٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ، بَلْ هُوَ خَبَرٌ عَنْ تَكْلِيفٍ سَابِقٍ أَوْ حَاضِرٍ، إِذْ قَوْلُهُ : ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْلِ: ٥١] ، هُوَ إِخْبَارٌ حَالِيٌّ لِلْمُخَاطَبِينَ بِنَهْيهِ لَهُمْ عَنِ الشِّرْكِ. وَقَوْلُهُمْ: «أَوِ التَّخْيِيرِ» تَكْمِيلٌ لِلْحَدِّ، لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمُبَاحُ، إِذْ الِاقْتِضَاءُ لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، وَهِيَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمَحْظُورُ وَالْمَكْرُوهُ، فَلَوِ اقْتُصِرَ، لَكَانَ نَاقِصًا. فَبِقَوْلِهِمْ: أَوِ التَّخْيِيرِ، كَمُلَ بِدُخُولِ الْمُبَاحِ فِيهِ. وَيُورِدُ الْمُتَعَنِّتُونَ عَلَى مِثْلِ قَوْلِنَا: أَوِ التَّخْيِيرِ، أَنَّ «أَوْ» لِلشَّكِّ وَالتَّرْدِيدِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحُدُودِ الْكَشْفُ وَالتَّحْقِيقُ، وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ. وَأُجِيبُ عَنْهُ، بِأَنَّ «أَوْ» لَهَا مَعَانٍ تُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فِي مَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، مِنْهَا التَّنْوِيعُ، نَحْوُ: الْإِنْسَانُ إِمَّا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَالْعَدَدُ: إِمَّا زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ، أَيْ: هُوَ مُتَنَوِّعٌ إِلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، أَيِ: الْحُكْمُ لَهُ نَوْعَانِ: اقْتِضَاءٌ وَتَخْيِيرٌ، وَالتَّنْوِيعُ، هُوَ نَفْسُ الْكَشْفِ وَالتَّحْقِيقِ، لَا مُنَافٍ لَهُ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ مِثْلِ هَذَا، أَنَّهُ حُكْمٌ بِالتَّرْدِيدِ، لَا تَرْدِيدٌ فِي

стр. 203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحُكْمِ، وَالشَّكُّ، هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ جَزْمٌ لَا شَكٌّ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ لِـ «أَوْ» مَعَانٍ، فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ، وَالْمُشْتَرَكَاتُ لَا تَصْلُحُ فِي الْحُدُودِ لِإِجْمَالِهَا. قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ الْإِجْمَالُ، لِجَوَازِ تَعْيِينِ الْمُرَادِ بِقَرِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَيَزُولُ الْإِجْمَالُ، فَيَجُوزُ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا وَنَحْوُهُ عِنْدَ تَعْرِيفِ الْأَصْلِ: بِـ: مِنْهُ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: أَوِ الْوَضْعِ» أَيْ: قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: الْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ، الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، بِالِاقْتِضَاءِ، أَوِ التَّخْيِيرِ، أَوِ الْوَضْعِ. وَأَرَادَ بِذَلِكَ دُخُولَ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِأَسْبَابٍ وَضْعِيَّةٍ، وَهُوَ الْمُسَمَّى خِطَابُ الْوَضْعِ وَالْإِخْبَارِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَلِكَ نَحْوُ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ، وَقَضَاءِ الْعِبَادَةِ وَأَدَائِهَا، وَنَصْبُ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ عَلَامَاتٌ عَلَى أَحْكَامِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ خِطَابًا اقْتِضَاءً وَلَا تَخْيِيرًا، فَإِذَا قِيلَ: أَوِ الْوَضْعِ، دَخَلَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ فَكَمُلَ، وَالْعُذْرُ لِمَنْ لَمْ يَقُلْ: أَوِ الْوَضْعِ، هُوَ أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ ضَرْبَانِ: خِطَابِيٌّ، أَيْ: ثَابِتٌ بِالْخِطَابِ، وَوَضْعِيٌّ إِخْبَارِيٌّ، أَيْ: ثَابِتٌ بِالْوَضْعِ وَالْإِخْبَارِ، وَغَرَضُهُ بِالتَّعْرِيفِ هَاهُنَا الْحُكْمُ الْخِطَابِيُّ لَا الْوَضْعِيُّ، إِذْ ذَلِكَ يُعْقَدُ لَهُ بَابٌ مُسْتَقِلٌّ يُذْكَرُ فِيهِ. وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا: أَنَّ أَحَدَهُمَا يُرِيدُ تَعْرِيفَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ الْخِطَابِيُّ. أَمَّا الْوَضْعِيُّ، فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، لِضَرُورَةٍ قَدْ بَيَّنَّاهَا عِنْدَ ذِكْرِ خِطَابِ الْوَضْعِ. وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِيمَا سَبَقَ: إِنَّ الْأَحْكَامَ السَّبَبِيَّةَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.

стр. 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ» الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا، فَقَوْلُنَا: خِطَابُ الشَّرْعِ، لِيَتَنَاوَلَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنِ الْآمِدِيِّ، وَهُوَ أَوْلَى. وَأَمَّا قَوْلُنَا: مُقْتَضَى الْخِطَابِ، فَقَدْ بَيَّنَ فَائِدَتَهُ بِقَوْلِهِ: «فَلَا يَرِدُ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ الْخِطَابُ قَدِيمٌ» إِلَى آخِرِهِ. وَفَائِدَتُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ أَوْرَدُوا عَلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ أَسْئِلَةً: مِنْهَا: أَنَّ الْخِطَابَ، هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَدِيمٌ عِنْدَكُمْ. وَالْحُكْمُ يُعَلَّلُ بِالْعِلَلِ الْحَادِثَةِ، نَحْوَ قَوْلِنَا: حَلَّتِ الْمَرْأَةُ بِالنِّكَاحِ، وَحَرُمَتْ بِالطَّلَاقِ، وَالْمُعَلَّلُ بِالْحَوَادِثِ حَادِثٌ، فَيَلْزَمُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَكُمْ حَادِثٌ. السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ صِفَةُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ، وَهَذَا فِعْلٌ وَاجِبٌ، وَصِفَةُ الْحَادِثِ تَكُونُ حَادِثَةً، فَإِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ الْحُكْمَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْفِعْلِ الْحَادِثِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى حَادِثًا. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْأَحْكَامَ مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ، إِذْ يُقَالُ: حَلَّتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَلَالًا، وَحَرُمَتْ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَرَامًا، وَحَرُمَ الْعَصِيرُ بِالتَّخْمِيرِ، وَحَلَّ بِالِانْقِلَابِ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَالْمَسْبُوقُ بِالْعَدَمِ حَادِثٌ، فَاحْتَاجَ الَّذِينَ عَرَّفُوا الْحُكْمَ بِالْخِطَابِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ.

стр. 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَأَجَابُوا عَنِ الْأَوَّلِ - وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ يُعَلَّلُ بِالْحَوَادِثِ فَيَكُونُ حَادِثًا - بِأَنْ قَالُوا: عِلَلُ الشَّرْعِ مُعَرِّفَاتٌ لَا مُؤَثِّرَاتٌ، وَالْمُعَرِّفُ لِلشَّيْءِ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ، كَمَا عُرِفَ اللَّهُ بِصَنْعَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ. وَأَجَابُوا عَنِ الثَّانِي - وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ صِفَةُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَصِفَةُ الْحَادِثِ حَادِثَةٌ - بِأَنْ قَالُوا: إِنَّمَا تَكُونُ صِفَةُ الْحَادِثِ حَادِثَةً إِذَا قَامَتْ بِهِ، كَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَنَحْوِهِمَا بِالْجِسْمِ. أَمَّا إِذَا لَمْ تَقُمِ الصِّفَةُ بِالْمَوْصُوفِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ حَادِثَةً، كَقَوْلِنَا فِي قِيَامِ السَّاعَةِ: إِنَّهُ مَعْلُومٌ وَمَذْكُورٌ، أَيْ: بِعِلْمٍ وَذِكْرٍ قَائِمٍ بِنَا لَا بِهِ، وَتَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ قَائِمَةٌ بِالْمُكَلَّفِينَ، وَالْأَحْكَامُ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ مَعْنًى أَوْ عِبَارَةً، كَمَا إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَسْرِجِ الدَّابَّةَ، فَإِنَّ الْإِسْرَاجَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِإِيجَابٍ قَامَ بِالسَّيِّدِ. وَأَجَابُوا عَنِ الثَّالِثِ - وَهُوَ أَنَّ الْأَحْكَامَ مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ فَتَكُونُ حَادِثَةً - بِأَنْ قَالُوا: لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا: حَلَّتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَلَالًا، أَنَّ الْحِلَّ وُجِدَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، حَتَّى يَلْزَمَ حُدُوثُ الْحُكْمِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْقَائِمَ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى - وَهُوَ الْحِلُّ أَوِ الْإِحْلَالُ - تَعَلَّقَ فِي الْأَزَلِ بِوُجُودِ حَالَةٍ، وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ شَرَائِطِ النِّكَاحِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، فَتِلْكَ الْحَالَةُ هِيَ الَّتِي وُجِدَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تُوجَدْ، لَا الْحُكْمُ. قُلْتُ: فَإِذَا قُلْنَا: الْحُكْمُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ، لَمْ تَرِدْ عَلَيْنَا هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ،

стр. 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِأَنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّلَ بِالْحَوَادِثِ هُوَ نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ اللَّهِ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْكَلَامِ وَمُقْتَضَاهُ، إِذِ الْكَلَامُ إِمَّا مَعْنًى نَفْسِيٌّ، أَوْ قَوْلٌ دَالٌّ. وَمُقْتَضَى الْكَلَامِ هُوَ مَدْلُولُ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَالْمَطْلُوبُ بِهِ. وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْجَوَابِ عَنْ أَسْئِلَةِ الْمُعْتَزِلَةِ، نَوْعُ تَكَلُّفٍ وَلَعَلَّهُمْ إِذَا حُوقِقُوا عَلَيْهِ رُبَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ تَمْشِيَتُهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ أَسْئِلَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَاحِدًا عَلَى جِهَةِ ضَرْبِ الْمِثَالِ لِمَا يَرِدُ عَلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ، وَهَاهُنَا زِدْتُ السُّؤَالَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَجَوَابَهُمَا تَكْمِيلًا لِفَائِدَةِ النَّاظِرِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُنَا: مُقْتَضَى الْخِطَابِ هُوَ أَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ نَظْمَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٣] ، فِي الْأَمْرِ، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٢] ، فِي النَّهْيِ، لَيْسَ هُوَ الْحُكْمُ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ هُوَ مُقْتَضَى هَذِهِ الصِّيَغِ الْمَنْظُومَةِ وَمَدْلُولُهَا، وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ، وَتَحْرِيمُ الزِّنَى الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ، وَإِذَا كُنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ، لَيْسَ هُوَ الْحُكْمُ، فَلَا مَعْنًى لِتَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ. وَقَوْلُنَا: «عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ الشَّرْعِ مِنَّا تَنْجِيزُ التَّكْلِيفِ» أَيِ: الْحُكْمُ مُقْتَضَى الْخِطَابِ، وَهُوَ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ، عِنْدَ أَمْرِ الشَّارِعِ لَنَا بِإِيقَاعِ الْوَاجِبَاتِ،

стр. 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَهَذَا احْتِرَازٌ مِنْ قَوْلِ قَائِلٍ يَقُولُ: الَّذِي فَرَرْتُمْ مِنْهُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ، هُوَ لَازِمٌ لَكُمْ فِي تَعْرِيفِهِ بِمُقْتَضَى الْخِطَابِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ مُقْتَضَى الْكَلَامِ قَدِيمٌ، كَمَا أَنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ قَدِيمٌ، إِذْ كَلَامٌ لَا مُقْتَضًى لَهُ يَكُونُ لَغْوًا مُهْمَلًا، وَكَلَامُ الشَّارِعِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مُقْتَضَى الْكَلَامِ قَدِيمٌ، وَقَدْ فَسَّرْتُمُ الْحُكْمَ بِهِ، لَزِمَكُمْ مَا سَبَقَ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِالْحَوَادِثِ وَنَحْوِهِ. وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا، أَنْ يُقَالَ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ لَهُ مُقْتَضًى لَازِمٌ لَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا وَحَيْثُ كَانَ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّ الْحُكْمَ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ عِنْدَ طَلَبِهِ مِنَّا إِيقَاعَ الْوَاجِبَاتِ، وَاجْتِنَابَ الْمُحَرَّمَاتِ، لَا مُطْلَقًا، إِذْ قَبْلَ تَكْلِيفِ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّهِ حُكْمٌ أَصْلًا، فَكَيْفَ قَبْلَ وُجُودِهِ؟ فَكَيْفَ فِي الْأَزَلِ قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ؟ فَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: تَعَلَّقَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ بِاقْتِضَاءِ الْأَفْعَالِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ إِذَا وُجِدُوا، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ، وَهِيَ إِذَا حُقِّقَتْ لَفْظِيَّةٌ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ: إِنَّ الشَّارِعَ اسْتَدْعَى مِنَّا التَّكَالِيفَ لِنُوقِعَهَا حَالَ عَدَمِنَا، وَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ عِلْمُهُ وَأَمْرُهُ لَنَا بِإِيقَاعِهَا بَعْدَ الْوُجُودِ وَأَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ، بِنَاءً عَلَى تَحْقِيقِ كَلَامِ النَّفْسِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَوْلُكُمْ: إِنَّ نَظْمَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ، لَيْسَ هُوَ الْحُكْمُ، بَلْ مُقْتَضَاهُ، إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى رَبِّكُمْ فِي أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْعِبَارَاتُ الْمَسْمُوعَةُ. أَمَّا الْمُثْبِتُونَ لِكَلَامِ النَّفْسِ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ بِالْحَقِيقَةِ، وَهُوَ حُكْمُهُ الْمُتَوَجِّهُ إِلَى خَلْقِهِ بِإِيقَاعِ التَّكَالِيفِ عِنْدَ وُجُودِهِمْ،

стр. 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَيْضًا، فَإِنَّ حُكْمَهُ إِيجَابٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، لَا وُجُوبَ، بَلِ الْوُجُوبُ أَثَرُ الْإِيجَابِ، وَكَذَلِكَ الْحَظْرُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهِيَةُ، هِيَ أَحْكَامٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَهِيَ نَفْسُ كَلَامِهِ. قُلْنَا: أَمَّا كَلَامُ النَّفْسِ، فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي اللُّغَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا كَلَامٌ وَرَاءَ مَا نَزَلْ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْحُكْمِ هُوَ الْإِيجَابُ لَا الْوُجُوبُ، فَهُوَ قَرِيبٌ، لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّنَا، فَإِنَّا إِذَا حَقَّقْنَا مَعْنَى الْإِيجَابِ، وَجَدْنَاهُ أَيْضًا مُقْتَضَى الْكَلَامِ، لِأَنَّا نَقُولُ: أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِكَلَامِهِ كَذَا وَكَذَا إِيجَابًا، وَالْكَلَامُ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلْإِيجَابِ، وَالْإِيجَابُ مُقْتَضَى الْكَلَامِ، إِذْ مَعْنَى الْإِيجَابِ: الْإِثْبَاتُ وَالْإِلْزَامُ، فَمَعْنَى إِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا الصَّلَاةَ إِثْبَاتُهَا عَلَيْنَا، وَإِلْزَامُهُ إِيَّانَا بِهَا، وَلَيْسَتْ حَقِيقَةُ الْإِلْزَامِ هِيَ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعْنًى أَوْ عِبَارَةً، وَهَذَا ضَرُورِيٌّ، وَالنِّزَاعُ فِيهِ سَفْسَطَةٌ، لِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْإِلْزَامَ هُوَ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ وَاجِبًا وَلَازِمًا، وَالتَّصْيِيرُ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَالْكَلَامُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ مُقْتَضَى الْخِطَابِ لَا نَفْسُ الْخِطَابِ لَازِمٌ لِلْقَائِلِينَ بِكَلَامِ النَّفْسِ بِحَقِّ الْأَصْلِ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ خِلَافِنَا لَهُمْ فِي كَلَامِ النَّفْسِ، وَلَازِمٌ لِمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ أَوِ الْكَلَامِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ الْمَتْلُوُّ الْمَسْمُوعُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ صِيغَتَهُ لَيْسَتْ هِيَ الْأَحْكَامُ، بَلْ مُقْتَضَاهَا، وَهُوَ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمُ الزِّنَى، وَمَنْدُوبِيَّةُ السِّوَاكِ، وَكَرَاهَةُ رَفْعِ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا، وَإِبَاحَةُ الْمُبَاحَاتِ.

стр. 209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَلَا جَرَمَ أَنَّ ابْنَ الصَّيْقَلِ مِنْ أَصْحَابِنَا كَأَنَّهُ حَقَّقَ هَذَا الْأَمْرَ، فَذَكَرَ لِلْحُكْمِ حُدُودًا، وَهِيَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْحُكْمُ تَعَلُّقُ خِطَابِ الشَّرْعِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعِبَادِ، لِيَتَنَاوَلَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمُ: الْحُكْمُ وُرُودُ خِطَابِ الشَّرْعِ فِي أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِاقْتِضَاءٍ أَوْ تَخْيِيرٍ، أَوْ نَصْبِ سَبَبٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ مَانِعٍ، ثُمَّ أَبْطَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَاخْتَارَ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ قَضَاءُ الشَّارِعِ عَلَى الْمَعْلُومِ بِوَصْفٍ شَرْعِيٍّ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْوَصْفِ الشَّرْعِيِّ، هُوَ مَا لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، لَا مَعْنًى لَهُ سِوَى ذَلِكَ، نَحْوَ كَوْنِ الْفِعْلِ حَرَامًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَنَحْوَهُ. قُلْتُ: فَالْقَضَاءُ فِعْلٌ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا: إِنَّ الْحُكْمَ مُقْتَضَى الْخِطَابِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ وَنَحْوُهُ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّهُ فِعْلٌ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ: حَكَمَ الْحَاكِمُ: إِذَا قَضَى. وَقَدْ أَطَلْتُ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يَسْتَحِقُّ التَّطْوِيلَ لِكَثْرَةِ الْخَبْطِ فِيهِ.

стр. 210

ثُمَّ الْخِطَابُ، إِمَّا أَنْ يَرِدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ مَعَ الْجَزْمِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ، أَوْ لَا مَعَ الْجَزْمِ، وَهُوَ النَّدْبُ، أَوْ بِاقْتِضَاءِ التَّرْكِ مَعَ الْجَزْمِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ. أَوْ لَا مَعَ الْجَزْمِ، وَهُوَ الْكَرَاهَةُ. أَوْ بِالتَّخْيِيرِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ. فَهِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، إِذْ هِيَ مِنْ خِطَابِ الشَّرْعِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، لِأَنَّهَا انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَهُوَ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَفِي كَوْنِهَا تَكْلِيفًا خِلَافٌ. ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْخِطَابُ، إِمَّا أَنْ يَرِدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مَوْضِعُ قِسْمَةِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ الَّتِي وَعَدْنَا بِهَا أَوَّلَ الْفَصْلِ. وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّ خِطَابَ الشَّرْعِ، إِمَّا أَنْ يَرِدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ، أَوْ بِاقْتِضَاءِ التَّرْكِ، أَوْ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. فَإِنْ وَرَدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ، فَهُوَ إِمَّا مَعَ الْجَزْمِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ اقْتِضَاؤُهُ الْفِعْلَ مَعَ الْجَزْمِ - وَهُوَ الْقَطْعُ الْمُقْتَضِي لِلْوَعِيدِ عَلَى التَّرْكِ - فَهُوَ الْإِيجَابُ نَحْوَ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٣] . وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ مَعَ الْجَزْمِ، فَهُوَ النَّدْبُ، نَحْوَ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] ، ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٦] ، وَقَوْلِهِ ﵇: اسْتَاكُوا.

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ بِاقْتِضَاءِ التَّرْكِ، إِمَّا مَعَ الْجَزْمِ الْمُقْتَضِي لِلْوَعِيدِ عَلَى الْفِعْلِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ، نَحْوَ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٠] ، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٢] . أَوْ لَا مَعَ الْجَزْمِ، وَهُوَ الْكَرَاهَةُ، كَقَوْلِهِ ﵇: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَالنَّوَاهِي الَّتِي أُرِيدَ بِهَا الْكَرَاهَةُ كَثِيرَةٌ. وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ بِالتَّخْيِيرِ، فَهُوَ الْإِبَاحَةُ، كَقَوْلِهِ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ: إِنْ شِئْتَ، فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ، فَلَا تَتَوَضَّأْ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الشَّرْعِ. قَوْلُهُ: «فَهِيَ» أَيِ: الْإِبَاحَةُ «حُكْمٌ شَرْعِيٌّ» ، لِأَنَّهَا «مِنْ خِطَابِ الشَّرْعِ» أَيْ: مُقْتَضَاهُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَإِذَا كَانَتْ مِنْ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ، كَانَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، كَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ. وَبَيَانُ أَنَّهَا مِنْ خِطَابِ الشَّرْعِ، هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنِ انْقِسَامِ خِطَابِ الشَّرْعِ إِلَى اقْتِضَاءٍ وَتَخْيِيرٍ، وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَقْسَامِهِ، «خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ» فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَتِ الْإِبَاحَةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا «لِأَنَّهَا» عِبَارَةٌ عَنِ «انْتِفَاءِ الْحَرَجِ» فِي الْفِعْلِ «وَهُوَ» مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ «قَبْلَ الشَّرْعِ» لِأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ، وَالتَّنَفُّسَ فِي الْهَوَاءِ، وَأَكْلَ الطَّيِّبَاتِ، وَلُبْسَ

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّاعِمَاتِ، كَانَ الْحَرَجُ فِيهِ مُنْتَفِيًا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَهُوَ بَعْدَ الشَّرْعِ عَلَى مَا كَانَ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، كَانَ الشَّرْعُ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهَا، كَالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، بَلْ هِيَ تَخْيِيرٌ شَرْعِيٌّ يَلْزَمُ عَنْهُ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، لَكِنْ إِنْ عَنَيْتُمْ بِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ الْمُسْتَفَادَ مِنْ تَخْيِيرِ الشَّرْعِ، فَهِيَ شَرْعِيَّةٌ كَمَا قُلْنَا. وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّهُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ حُكْمِ الْعَقْلِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ حَاكِمٌ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَهُمَا أَصْلَانِ مَمْنُوعَانِ، وَقَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ شَرْعِيَّةً، لَكَانَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهَا، قُلْنَا: كَذَلِكَ نَقُولُ: الشَّرْعُ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهَا، وَلَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الشَّرْعِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ قَبْلَهُ عَلَى الْحَظْرِ. وَالتَّنَفُّسُ فِي الْهَوَاءِ أَمْرٌ طَبْعِيٌّ ضَرُورِيٌّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَذَلِكَ عِنْدَنَا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، فَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى أَخْبَارِ الشَّرْعِ، فَهُوَ مِنْ حُكْمِهِ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ ذَلِكَ بِإِخْبَارِهِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ حَتَّى وَرَدَ الشَّرْعُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ إِبَاحَتَهَا قَبْلَ الشَّرْعِ عَقْلِيَّةٌ، لَكُنَّا نَقُولُ: إِبَاحَةُ الْعَقْلِ انْتَهَتْ بِوُرُودِ الشَّرْعِ، وَالْإِبَاحَةُ الثَّابِتَةُ بِالشَّرْعِ أَنْشَأَهَا الشَّرْعُ، مِثْلُ الْعَقْلِيَّةِ لَا نَفْسُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا غَيْرَ هَاهُنَا أَنَّ الْعَقْلَ يَنْعَزِلُ بِوُرُودِ الشَّرْعِ مِنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ لَمْ يُفَوِّضْهُ الشَّرْعُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيِ الشَّرْعِ. قَوْلُهُ: «وَفِي كَوْنِهَا» أَيْ: فِي كَوْنِ الْإِبَاحَةِ «تَكْلِيفًا خِلَافٌ» . قُلْتُ: قَدْ حَكَيْنَا الْخِلَافَ فِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ: هَلْ هُمَا تَكْلِيفٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا خَرَجَ الْخِلَافُ فِيهِمَا مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ خِطَابِ الِاقْتِضَاءِ، فَخُرُوجُهُ فِي الْإِبَاحَةِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ خِطَابِ التَّخْيِيرِ أَوْلَى، مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِهَا تَكْلِيفًا لَفْظِيٌّ، إِذْ مَنْ قَالَ: لَيْسَتْ

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَكْلِيفًا، نَظَرَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَشَقَّةٌ جَازِمَةٌ، كَمَشَقَّةِ الْوَاجِبِ وَالْمَحْظُورِ، وَلَا غَيْرُ جَازِمَةٍ، كَمَا بَيَّنَّا فِي مَشَقَّةِ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، وَهِيَ مَشَقَّةُ فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ، إِذْ لَا فَضِيلَةَ فِي الْمُبَاحِ لِذَاتِهِ، يَشُقُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ فَوَاتُهَا بِتَرْكِهِ، وَمَنْ قَالَ: هِيَ تَكْلِيفٌ - وَهُوَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ - أَرَادَ ; أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ مُبَاحًا، وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ الْأَوَّلُ، وَالْأُسْتَاذُ لَا يَمْنَعُ أَنْ لَا مَشَقَّةَ فِي الْمُبَاحِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، إِذِ الْأَوَّلُ يَقُولُ: الْإِبَاحَةُ لَا مَشَقَّةَ فِيهَا، وَالْأُسْتَاذُ يَقُولُ: يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الْمُبَاحَ لَيْسَ وَاجِبًا، وَلَا مَحْظُورًا، وَلَا مَنْدُوبًا، وَلَا مَكْرُوهًا.

стр. 214

فَ الْوَاجِبُ ، قِيلَ: مَا عُوقِبَ تَارِكُهُ. وَرُدَّ بِجَوَازِ الْعَفْوِ. وَقِيلَ: مَا تُوُعِّدَ عَلَى تَرْكِهِ بِالْعِقَابِ. وَرُدَّ بِصِدْقِ إِيعَادِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى أَصْلِنَا، لِجَوَازِ تَعْلِيقِ إِيقَاعِ الْوَعِيدِ بِالْمَشِيئَةِ، أَوْ لِأَنَّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ مِنَ الْكَرَمِ شَاهِدًا، فَلَا يَقْبُحُ غَائِبًا. ثُمَّ قَدْ حُكِيَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ، جَوَازُ أَنْ يُضْمَرَ فِي الْكَلَامِ مَا يَخْتَلُّ بِهِ مَعْنَى ظَاهِرِهِ، وَهَذَا مِنْهُ. وَالْمُخْتَارُ مَا ذُمَّ شَرْعًا تَارِكُهُ مُطْلَقًا. وَهُوَ مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، الْفَرْضُ: الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَالْوَاجِبُ: الْمَظْنُونُ، إِذِ الْوُجُوبُ لُغَةً: السُّقُوطُ، وَالْفَرْضُ: التَّأْثِيرُ وَهُوَ أَخَصُّ، فَوَجَبَ اخْتِصَاصُهُ بِقُوَّةٍ حُكْمًا، كَمَا اخْتُصَّ لُغَةً. وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ، إِذْ لَا نِزَاعَ فِي انْقِسَامِ الْوَاجِبِ إِلَى ظَنِّيٍ وَقَطْعِيٍ. فَلْيُسَمُّوا هُمُ الْقَطْعِيَّ مَا شَاءُوا. ثُمَّ لِنَتَكَلَّمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَحْكَامِ. ــ قَوْلُهُ: " فَالْوَاجِبُ، قِيلَ: مَا عُوقِبَ تَارِكُهُ ". لَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، وَقِسْمَةِ أَنْوَاعِهِ إِلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، أَخَذَ يُبَيِّنُ تَعْرِيفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ. وَنَحْنُ قَبْلَ ذَلِكَ نُشِيرُ إِلَى حُدُودِهَا الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ طَرِيقِ قِسْمَتِهَا. فَالْوَاجِبُ: هُوَ مَا اقْتَضَى الشَّرْعُ فِعْلَهُ اقْتِضَاءً جَازِمًا. وَالْمَنْدُوبُ: هُوَ مَا اقْتَضَى فِعْلُهُ اقْتِضَاءً غَيْرَ جَازِمٍ. وَالْمَحْظُورُ: مَا اقْتَضَى تَرْكُهُ اقْتِضَاءً جَازِمًا. وَالْمَكْرُوهُ: مَا اقْتَضَى تَرْكُهُ اقْتِضَاءً غَيْرَ جَازِمٍ. وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ هِيَ مَحَالُّ الْأَحْكَامِ وَمُتَعَلِّقَاتُهَا، أَمَّا الْأَحْكَامُ نَفْسُهَا فَهِيَ: الْإِيجَابُ: وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ الْجَازِمِ.

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالنَّدْبُ: وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ غَيْرِ الْجَازِمِ. وَالْحَظْرُ وَالْكَرَاهَةُ جَمِيعًا: اقْتِضَاءُ تَرْكِ الْفِعْلِ الْجَازِمِ أَوْ غَيْرِ الْجَازِمِ. وَالْوَاجِبُ، مُشْتَقٌّ مِنْ: وَجَبَ وُجُوبًا، وَالْوُجُوبُ فِي اللُّغَةِ: اللُّزُومُ، وَالِاسْتِحْقَاقُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَجَبَ الشَّيْءُ، أَيْ: لَزِمَ، يَجِبُ وُجُوبًا، وَأَوْجَبَهُ اللَّهُ، وَاسْتَوْجَبَهُ، أَيِ: اسْتَحَقَّهُ. قُلْتُ: فَالْوَاجِبُ، هُوَ اللَّازِمُ الْمُسْتَحَقُّ، وَقَدِ اشْتُهِرَ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي اللُّغَةِ: السُّقُوطُ، وَهُوَ أَيْضًا عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَجْبَةُ، السَّقْطَةُ مَعَ الْهَدَّةِ، وَوَجَبَ الْمَيِّتُ، إِذَا سَقَطَ وَمَاتَ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فَأَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ إِشْكَالًا، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: مَنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ مَنْ أَمَتِهِ لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ، وَقِيلَ: يَجِبُ وَيَسْقُطُ. قَالَ: فَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ مَعْنَاهُ السُّقُوطُ، لَكَانَ تَقْدِيرُ هَذَا الْكَلَامِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ وَيَسْقُطُ. وَهَذَا تَكْرَارٌ غَيْرُ مُفِيدٍ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا وَقَعَ اللَّبْسُ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ لَفْظِ السُّقُوطِ، فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى وُقُوعِ الشَّيْءِ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، كَقَوْلِنَا: سَقَطَ الْحَجَرُ مِنَ الْجَبَلِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سَبَأٍ: ٩] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٢] ، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطُّورِ: ٤٤] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ بِمَعْنَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِمَّا كَانَتْ مَشْغُولَةً بِهِ، وَزَوَالُ اللُّزُومِ، كَقَوْلِنَا: سَقَطَ الْمَهْرُ وَالدَّيْنُ وَنَحْوِهِ بِالْهِبَةِ أَوْ بِالْقَضَاءِ، أَيْ: بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِنْهُ، وَزَالَ لُزُومُهُ لَهَا، وَحِينَئِذٍ مَعْنَى قَوْلِنَا: الْوُجُوبُ فِي اللُّغَةِ: السُّقُوطُ، هُوَ أَنَّا نَتَخَيَّلُ الْحُكْمَ أَوِ الشَّيْءَ الْوَاجِبَ جَزْمًا سَقَطَ، أَيْ: وَقَعَ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنَ اللَّهِ ، الَّذِي هُوَ فَوْقَ عِبَادِهِ، سَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّهَا فَوْقِيَّةٌ رُتْبَةً، أَوْ
следующие страницы →