← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «فِي رُتْبَةِ الْحَاجَةِ» ، أَيْ: تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، «كَتَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ؛ لِحَاجَةِ تَقْيِيدِ الْكُفْءِ» خِشْيَةَ أَنْ يَفُوتَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَيَحْصُلُ بِحُصُولِهِ نَفْعٌ، وَيَلْحَقُ بِفَوَاتِهِ ضَرَرٌ ; وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا قَاطِعًا، وَنِسْبَةُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِلَى هَذَا نِسْبَةُ كِتَابِ «الزِّينَةِ» مِنَ الطِّبِّ إِلَى بَاقِي كُتُبِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِيهِ. قَوْلُهُ: «وَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ هَذَيْنِ» ، يَعْنِي الضَّرْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَهُمَا التَحْسِينِيُّ وَالْحَاجِيُّ «مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ» يَشْهَدُ لَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ، أَيْ: لَا يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ كُلَّمَا لَاحَ لَهُ مَصْلَحَةٌ تَحْسِينِيَّةٌ أَوْ حَاجِيَّةٌ اعْتَبَرَهَا، وَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْأَحْكَامَ حَتَّى يَجِدَ لِاعْتِبَارِهَا شَاهِدًا مِنْ جِنْسِهَا، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ لِلتَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ وُجُودُ أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهَا، لَلَزِمَ مِنْهُ مَحْذُورَاتٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ «وَضْعًا لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ» ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ هُوَ مَا اسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ: إِجْمَاعٌ، أَوْ نَصٌّ، أَوْ مَعْقُولُ نَصٍّ، وَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ لَا تَسْتَنِدُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ رَأْيًّا مُجَرَدًا. الثَّانِي: لَوْ جَازَ ذَلِكَ، «لَاسْتَوَى الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ» ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْرِفُ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ الْوَاقِعَةَ مَوْقِعَ التَحْسِينِ أَوِ الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ مَعْرِفَةُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَاسْتِخْرَاجُ الْأَحْكَامِ مِنْهَا. الثَّالِثُ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَاسْتُغْنِيَ عَنْ بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَصَارَ النَّاسُ بَرَاهِمَةً

стр. 1507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى الرُّسُلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ كَافٍ لَنَا فِي التَّأْدِيبِ وَمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، إِذْ مَا حَسَّنَهُ الْعَقْلُ، أَتَيْنَاهُ، وَمَا قَبَّحَهُ، اجْتَنَبْنَاهُ، وَمَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، فَعَلْنَا مِنْهُ الضَّرُورِيَّ، وَتَرَكْنَا الْبَاقِيَ احْتِيَاطًا، فَالتَّمَسُّكُ بِهَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ مِنَ الْمَصَالِحِ مِنْ غَيْرِ شَاهِدٍ لَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ يُؤَدِّي إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا.

стр. 1508

أَوْ ضَرُورِيٌّ: وَهُوَ مَا عُرِفَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ كَحِفْظِ الدِّينِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالدَّاعِيَةِ، وَالْعَقْلِ بِحَدِّ السُّكْرِ، وَالنَّفْسِ بِالْقِصَاصِ، وَالنَّسَبِ وَالْعِرْضِ بِحَدِّ الزِّنَى وَالْقَذْفِ، وَالْمَالِ بِقَطْعِ السَّارِقِ. قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ حُجَّةٌ لِعِلْمِنَا أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ. وَسَمَّوْهَا: مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، لَا قِيَاسًا؛ لِرُجُوعِ الْقِيَاسِ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ دُونَهَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً، إِذْ لَمْ تُعْلَمْ مُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ، كَالْقَتْلِ فِي السَّرِقَةِ، فَإِثْبَاتُهَا حُجَّةً وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ كَقَوْلِ مَالِكٍ: يَجُوزُ قَتْلُ ثُلُثِ الْخَلْقِ لِاسْتِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَى مَصْلَحَتِهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ. ــ الضَّرْبُ الثَّالِثُ: " الضَّرُورِيُّ "، أَيِ: الْوَاقِعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ، أَيْ: هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِ سِيَاسَةِ الْعَالَمِ وَبَقَائِهِ وَانْتِظَامِ أَحْوَالِهِ، " وَهُوَ مَا عُرِفَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ " وَالْعِنَايَةُ بِهِ كَالضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ " حِفْظُ الدِّينِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالدَّاعِيَةِ " إِلَى الرِّدَّةِ، وَعُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَةِ، وَحِفْظُ " الْعَقْلِ بِحَدِّ السُّكْرِ "، وَحِفْظُ النَّفْسِ بِالْقِصَاصِ "، وَحِفْظُ النَّسَبِ بِحَدِّ الزِّنَى الْمُفْضِي إِلَى تَضْيِيعِ الْأَنْسَابِ بِاخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَحِفْظُ الْعِرْضِ بِحَدِّ الْقَذْفِ، وَحِفْظُ " الْمَالِ بِقَطْعِ السَّارِقِ ". وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَ ضَرُورِيَّةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي " الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى " مُسْتَقْصًى، فَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ.

стр. 1509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ " قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ حُجَّةٌ " لِأَنَّا عَلِمْنَا " أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ " لَا حَصْرَ لَهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ، " وَسَمَّوْهَا: مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً "، وَلَمْ يُسَمُّوهَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ " إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ " دُونَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ رَأَيْنَا الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا حَيْثُ وُجِدَتْ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّ جِنْسَهَا مَقْصُودٌ لَهُ. " وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً ". هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ. قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: " قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا "، وَلَمْ أَقُلْ: قَالَ أَصْحَابُنَا؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ مِنْهُمْ حَتَّى الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِ إِذَا اسْتَغْرَقُوا فِي تَوْجِيهِ الْأَحْكَامِ، يَتَمَسَّكُونَ بِمُنَاسَبَاتٍ مَصْلَحِيَّةٍ، يَكَادُ الشَّخْصُ يَجْزِمُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَادَةً لِلشَّارِعِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهَا يُشْبِهُ التَّمَسُّكَ بِحِبَالِ الْقَمَرِ، فَلَمْ أُقْدِمْ عَلَى الْجَزْمِ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِعَدَمِ الْقَوْلِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَقَوُّلًا عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً احْتَجَّ بِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ مُحَافَظَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهَا، " وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ "، كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ حُجَّةً، لَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ

стр. 1510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِفِعْلِ ذَلِكَ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً، " فَإِثْبَاتُهَا حُجَّةً وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ "، كَمَا حُكِيَ أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ " قَتْلَ ثُلُثِ الْخَلْقِ لِاسْتِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَى مَصْلَحَتِهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ". قُلْتُ: لَمْ أَجِدْ هَذَا مَنْقُولًا فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ جَمَاعَةً مِنْ فُضَلَائِهِمْ، فَقَالُوا: لَا نَعْرِفُهُ. قُلْتُ: مَعَ أَنَّهُ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ مُتَّجِهٌ جِدًّا، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ مِنْهُمُ الْحَوَارِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ فِي جَدَلَيْهِمَا. قُلْتُ: الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمَصَالِحُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَمَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ، نَحْوُ الْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ لِئَلَّا يُعْصَرَ الْخَمْرُ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ خَشْيَةَ الزِّنَى. وَمَا لَمْ يَشْهَدْ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا إِلْغَائِهِ وَهِيَ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ، وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ حُجَّةٌ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ أَوِ التَّتِمَّةِ، لَمْ تُعْتَبَرْ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ جَازَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، وَحَكَى مِثَالَ ذَلِكَ وَتَفْصِيلَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهَا حُجَّةً ; بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، عَلِمْنَا

стр. 1511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ، فَمَهْمَا وَجَدْنَا مَصْلَحَةً غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ، فَنَعْتَبِرُهَا؛ لِأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ الْعَمَلِ. قُلْتُ: هَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ لَا يَتَّجِهُ الْقَدْحُ فِيهِ بِوَجْهٍ، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ وَنَحْوِهِ، إِذْ هُوَ مَصْلَحَةٌ ; لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ مَصْلَحَةٌ نَصَّ الشَّرْعُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَالْعَمَلُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِنَّمَا هُوَ اجْتِهَادِيٌّ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَا الْمَصْلَحَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، لَكَانَ دَفْعًا لِلنَّصِّ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: يُنْقَلُ عَنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ مِنْ خَوَاصِّهِ اعْتِبَارَ الْعَوَائِدِ، وَالْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ، وَسَدَّ الذَّرَائِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. أَمَّا الْعُرْفُ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَمَنِ اسْتَقْرَأَهَا وَجَدَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ فِيهَا. قُلْتُ أَنَا: هَذَا كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يَرْجِعُ فِي الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ وَكُلِّ مَا لَمْ يَرِدْ مِنَ الشَّرْعِ تَحْدِيدٌ فِيهِ إِلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ، فَغَيْرُنَا يُصَرِّحُ بِإِنْكَارِهَا، وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ التَّفْرِيعِ تَجِدُهُمْ يُعَلِّلُونَ بِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يُطَالِبُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ الْفُرُوقِ وَالْجَوَامِعِ بِإِبْدَاءِ الشَّاهِدِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ، بَلْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَةِ. قَالَ: وَأَمَّا الذَّرَائِعُ، فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مُعْتَبَرٌ إِجْمَاعًا، كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ، وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ -

стр. 1512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عِنْدَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ. وَثَانِيهَا: مُلْغًى إِجْمَاعًا، كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ خَشْيَةَ عَصْرِهِ خَمْرًا، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ خَشْيَةَ الزِّنَى، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَثَالِثُهَا: مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَبُيُوعِ الْآجَالِ، اعْتَبَرْنَا نَحْنُ الذَّرِيعَةَ فِيهَا، وَخَالَفْنَا غَيْرُنَا، فَحَاصِلُ الْقَضِيَّةِ أَنَّا قُلْنَا بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِنَا، لَا أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِنَا. وَقَالَ أَيْضًا: الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقِيسُونَ، وَيُفَرِّقُونَ بِالْمُنَاسَبَاتِ، وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا يُعْنَى بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ إِلَّا ذَلِكَ. وَمِمَّا يُؤَكِّدُ الْعَمَلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ عَمِلُوا أُمُورًا لِمُطْلِقِ الْمَصْلَحَةِ، لَا لِتَقَدُّمِ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ، نَحْوُ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ، وَوِلَايَةُ الْعَهْدِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ ﵄ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْخِلَافَةَ شُورَى، وَتَدْوِينُ الدَّوَاوِينِ، وَعَمَلُ السِّكَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاتِّخَاذُ السِّجْنِ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ وَهَدَمَ الْأَوْقَافَ الَّتِي بِإِزَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالتَّوْسِعَةُ فِيهِ عِنْدَ ضِيقِهِ، وَتَجْدِيدُ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ فِي الْجُمْعَةِ ; فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ ﵁ كُلُّ ذَلِكَ لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ.

стр. 1513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَمِنْ مَذْهَبِنَا أَيْضًا سَدُّ الذَّرَائِعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا بِإِبْطَالِ الْحِيَلِ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَبِي الْخَطَّابِ وَمَنْ تَابَعَهُ عَقْدَ بَابٍ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ يَتَضَمَّنُ الْحِيلَةَ عَلَى تَخْلِيصِ الْحَالِفِ مِنْ يَمِينِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ، وَهِيَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْمُحَرَّمِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، وَقَدْ صَنَّفَ شَيْخُنَا تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - كَتَابًا بَنَاهُ عَلَى بُطْلَانِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، وَأَدْرَجَ جَمِيعَ قَوَاعِدِ الْحِيَلِ، وَبَيَّنَ بُطْلَانَهَا بِأَدِلَّتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: اعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْمَصْلَحَةَ إِلَى مُعْتَبَرَةٍ، وَمُلْغَاةٍ وَمُرْسَلَةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَغَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ تَعَسَّفُوا وَتَكَلَّفُوا، وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْمَصَالِحِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَأَقْرَبُ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَقُولَ: قَدْ ثَبَتَ مُرَاعَاةُ الشَّرْعِ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ بِالْجُمْلَةِ إِجْمَاعًا، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الْفِعْلُ إِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مُجَرَّدَةً، حَصَّلْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً مُجَرَّدَةً، نَفَيْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مِنْ وَجْهٍ وَمَفْسَدَةً مِنْ وَجْهٍ، فَإِنِ اسْتَوَى فِي نَظَرِنَا تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ، وَدَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، تَوَقَّفْنَا عَلَى الْمُرَجِّحِ، أَوْ خَيَّرْنَا بَيْنَهُمَا كَمَا قِيلَ فِي مَنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ السُّتْرَةِ إِلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَ فَرْجَيْهِ فَقَطْ. هَلْ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ مَكْشُوفًا أَفْحَشُ، أَوِ الْقُبُلَ؛ لِاسْتِقْبَالِهِ بِهِ الْقِبْلَةَ؟ أَوْ يَتَخَيَّرُ لِتَعَارُضِ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَالْمَفْسَدَتَيْنِ؟ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ ذَلِكَ، بَلْ تَرَجَّحَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، فَعَلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ شَرْعًا، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَتَخَرَّجُ كُلُّ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَفْصِيلِهِمُ الْمَصْلَحَةَ.

стр. 1514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمَّا الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا كَالْقِيَاسِ، فَمَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ مُجَرَّدَةٌ، أَوْ رَاجِحَةٌ، وَأَمَّا الْمُلْغَاةُ كَمَنْعِ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ، فَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ تَعَارَضَتَا فِيهِمَا، لَكِنَّ مَصْلَحَتَهُمَا ضَعِيفَةٌ وَمَفْسَدَتَهُمَا عَظِيمَةٌ، فَكَانَ نَفْيُهَا أَرْجَحَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ النَّفْعِ الْمُتَحَقِّقِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالِارْتِفَاقِ الْمُتَحَقِّقِ بِالشَّرِكَةِ فِي السُّكْنَى لِأَجْلِ مَفْسَدَةٍ مَوْهُومَةٍ، وَهِيَ اعْتِصَارُ الْخَمْرِ، وَحُصُولُ الزِّنَى، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ مَظْنُونَةٌ، لَكِنَّهَا غَيْرُ قَاطِعَةٍ. وَالْمَصْلَحَةُ الَّتِي تُقَابِلُهَا قَاطِعَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا بِالْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الْمَظْنُونَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وأَيْضًا فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمَذْكُورَةَ خَاصَّةٌ، وَالْمَصْلَحَةَ الَّتِي تُقَابِلُهَا عَامَّةٌ، وَالْتِزَامُ مَفْسَدَةٍ خَاصَّةٍ، أَيْ: قَلِيلَةٍ؛ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كَثِيرَةٍ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ مَنَافِعَ الْعِنَبِ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ حُصْرُمًا عَلَى حَالِهِ، وَطَبِيخًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهَذِهِ خَمْسُ مَنَافِعَ، وَلَعَلَّ فِيهِ غَيْرَهَا، وَالْمَمْنُوعُ مِنْ مَنَافِعِهِ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْخَمْرُ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي عَلَى لِسَانِ الشَّرْعِ: ابْنُ آدَمَ، لَكَ ثَمَرَةُ الْكَرْمِ حُصْرُمًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهُنَّ أَرْبَعٌ لَكَ، فَاتْرُكْ لِيَ الْخَامِسَةَ: النَّصِيرُ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٤١] ، فَتَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ بِزِرَاعَةِ الْعِنَبِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا لِمَفْسَدَةِ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُحَرَّمَةٍ.

стр. 1515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَمَّا تَعْيِينُ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُوسِرِ، فَلَيْسَ يَبْعُدُ إِذَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ عَامٌّ ضَعِيفٌ فَيُخَصُّ بِهَذَا الِاجْتِهَادِ الْمَصْلَحِيِّ الْمُنَاسِبِ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ طَرِيقٌ مَهْيَعٌ. وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ. وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْوَاقِعَةُ مَوْقِعَ التَحْسِينِ أَوِ الْحَاجَةِ، كَمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهِيَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا. وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ كَحِفْظِ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسَبِ، وَالْعِرْضِ، وَالْمَالِ، فَهِيَ وَإِنْ عَارَضَتْهَا مَفْسَدَةٌ، وَهِيَ إِتْلَافُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ، وَيَدِ السَّارِقِ بِالْقَطْعِ، وَإِيلَامُ الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالْقَاذِفِ بِالضَّرْبِ، لَكِنَّ نَفْيَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْصِيلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمَسْجِدِ وَالْفَرَسِ الْحَبِيسِ إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ، تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً، وَهِيَ اسْتِخْلَافُ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ الْمَقْصُودَةِ بِبَيْعِهِ، وَمَفْسَدَةً، وَهِيَ إِسْقَاطُ حَقِّ اللَّهِ مِنْ عَيْنِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِيهَا، فَنَحْنُ رَجَّحْنَا تَحْصِيلَ الْمَصْلَحَةِ، وَغَيْرُنَا رَجَّحَ نَفْيَ الْمَفْسَدَةِ.

стр. 1516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَعَلَى هَذَا تَتَخَرَّجُ الْأَحْكَامُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِيهَا، أَوْ عِنْدَ تَجَرُّدِهَا، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا بِتَقْسِيمٍ وَتَنْوِيعٍ لَا يَتَحَقَّقُ، وَيُوجِبُ الْخِلَافَ وَالتَّفَرُّقَ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِذَا تَحَقَّقَهَا الْعَاقِلُ، لَمْ يَسْتَطِعْ إِنْكَارَهَا لِاضْطِرَارِ عَقْلِهِ لَهُ إِلَى قَبُولِهَا، وَيَصِيرُ الْخِلَافُ وِفَاقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ نَجَزَ عِنْدَ هَذَا الْكَلَامِ الْقَوْلُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَوَاحِقِهَا، وَالْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا سِوَى الْقِيَاسِ، وَهَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 1517

الْقِيَاسُ لُغَةً: التَّقْدِيرُ، نَحْوُ: قِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ ; وَالْجِرَاحَةَ بِالْمِسْبَارِ ; أَقِيسُ وَأَقُوسُ قَيْسًا وَقَوْسًا وَقِيَاسًا فِيهِمَا. وشَرْعًا: حَمَلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ فِي حُكْمٍ بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: إِثْبَاتُ مِثْلِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِمُقْتَضٍ مُشْتَرَكٍ. وَقِيلَ: تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ بِجَامِعٍ مُشْتَرَكٍ، وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ. وَقِيلَ: هُوَ الِاجْتِهَادُ، وَهُوَ خَطَأٌ لَفْظًا وَحُكْمًا. ــ قَوْلُهُ: «الْقِيَاسُ» ، أَيِ: الْقَوْلُ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ «لُغَةً» ، أَيْ: فِي اللُّغَةِ «التَّقْدِيرُ، نَحْوُ: قِسْتُ الثَّوْبَ بِالذِّرَاعِ» ، أَيْ: قَدَّرْتُهُ بِهِ، «وَالْجِرَاحَةَ بِالْمِسْبَارِ» ، وَهُوَ مَا يُسْبَرُ بِهِ الْجُرْحُ، أَيْ: يُرَازُ بِهِ لِيُعْلَمَ عُمْقُهُ، وَهُوَ مَعَ الْجِرَاحِيَّةِ شِبْهُ الْمِيلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قِسْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، أَيْ: قَدَّرْتُهُ عَلَى مِثَالِهِ، يُقَالُ: قِسْتُ «أَقِيسُ وَأَقُوسُ» ، فَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَنَظَائِرُهُ فِي اللُّغَةِ كَثِيرَةٌ، وَالْمَصْدَرُ قَيْسًا وَقَوْسًا بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ مِنْ بِنَاءٍ أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ «قَوْسًا» . قَوْلُهُ: «وَقِيَاسًا فِيهِمَا» ، أَيْ: فِي اللُّغَتَيْنِ تَقُولُ: قِيَاسًا، فَتَقُولُ: أَقِيسُ قِيَاسًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ فِي مَصْدَرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، وَأَقُوسُ قِيَاسًا، وَقِيَاسُهُ: قِوَاسًا، لَكِنْ لَمَّا انْكَسَرَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ، انْقَلَبَتْ يَاءً، كَمَا قَالُوا: قَامَ قِيَامًا، وَصَامَ

стр. 1518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صِيَامًا، وِصَالَ صِيَالًا، وَأَصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ الْوَاوُ. وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَّسْوِيَةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ تَسْوِيَةٌ خَاصَّةٌ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَهُوَ كَتَخْصِيصِ لَفَظِ الدَّابَّةِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهَا، فَهُوَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، مَجَازٌ لُغَوِيٌّ. قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا» ، أَيْ: وَالْقِيَاسُ شَرْعًا، أَيْ: فِي الشَّرْعِ وَاصْطِلَاحِ عُلَمَائِهِ ; قِيلَ: «حَمْلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ فِي حُكْمٍ ; بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا» ، كَحَمْلِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ بِجَامِعِ الْإِسْكَارِ، وَنَعْنِي بِالْحَمْلِ: الْإِلْحَاقَ وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَرُبَّمَا أَوْرَدَ عَلَى هَذَا أَنَّ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ لَا يُعْرَفَانِ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْقِيَاسِ، فَأَخْذُهُمَا فِي تَعْرِيفِهَا دَوْرٌ. «وَقِيلَ» : الْقِيَاسُ: «إِثْبَاتُ مِثْلِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِمُقْتَضٍ مُشْتَرَكٍ» ، كَإِثْبَاتِ مِثْلِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فِي النَّبِيذِ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَلِّ النَّصِّ عَلَى التَّحْرِيمِ، إِذْ مَحَلُّهُ الْخَمْرُ لِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ وَهُوَ الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ. «وَقِيلَ» : الْقِيَاسُ «تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ بِجَامِعٍ» كَتَعْدِيَةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى النَّبِيذِ الَّذِي لَمْ يُنَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِلْجَامِعِ الْمَذْكُورِ الْمُشْتَرَكِ، وَكَتَعْدِيَةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى الْأَرُزِّ الَّذِي لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لِعِلَّةِ حُصُولِ التَّفَاضُلِ وَالتَّغَابُنِ فِيهِمَا، وَهُوَ الْجَامِعُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: «وَمَعَانِيهَا» ، أَيْ: مَعَانِي هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ لِلْقِيَاسِ «مُتَقَارِبَةٌ» ، أَيْ:

стр. 1519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَعْضُهَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَسَاوِيَةً حَقِيقَةً. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ» أَيْ: فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ «غَيْرُ مَا ذُكِرَ» ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ التَّعْرِيفَاتِ. فَمِنْهَا مَا يُعْزَى إِلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ بَلَغَهُ، وَهُوَ أَنَّهُ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا، أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا عَنْهُمَا. وَقَدْ زَيَّفَ هَذَا عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا، غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُطْلَبُ بِهِ مَعْرِفَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ، إِذْ حُكْمُهُ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ بِهِ حُكْمُ الْفَرْعِ. وَقِيلَ فِيهِ: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ نَفْيِهِ بِنَاءً عَلَى جَامِعٍ مِنْ صِفَةٍ أَوْ حُكْمٍ وُجُودًا وَانْتِفَاءً. مِثَالُ الْوُجُودِ قَوْلُهُمْ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٍ، فَأَوْجَبَ الْقَوَدَ كَالْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ. وَمِثَالُ الِانْتِفَاءِ قَوْلُهُمْ فِيهِ. قَتْلٌ لَا يَخْلُو مِنْ شُبْهَةٍ، أَوْ قَتْلٌ تَمَكَّنَتْ مِنْهُ الشُّبْهَةُ، فَلَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ قِيَاسًا عَلَى الْعَصَا الصَّغِيرَةِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هُوَ إِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ لِمَعْلُومٍ آخَرَ لِأَجْلِ اشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمُثْبِتِ. فَقَوْلُهُ: إِثْبَاتُ، يُرَادُ بِهِ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ وَالِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّا إِذَا أَثْبَتْنَا

стр. 1520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حُكْمًا بِالْقِيَاسِ، فَقَدْ يَعْلَمُ ثُبُوتَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ قَطْعًا، وَقَدْ يَظُنُّهُ ظَنًّا، وَقَدْ يَعْتَقِدُهُ اعْتِقَادًا، وَالْعِلْمُ وَالظَّنُّ وَالِاعْتِقَادُ مُشْتَرَكَةٌ فِي كَوْنِهَا إَثْبَاتًا. وَقَوْلُنَا: مِثْلُ حُكْمٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ حُكْمِ الْأَصْلِ، إِذِ الْحُكْمُ وَصْفٌ لِمَحَلِّهِ، وَوَصْفُ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ لَيْسَ وَصْفًا لِلْآخَرِ، فَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ، بَلْ هُوَ مِثْلُهُ. وَقَوْلُنَا: حُكْمُ مَعْلُومٍ لِمَعْلُومٍ لِيَتَنَاوَلَ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ، وَلَمْ نَقُلْ: حُكْمُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ؛ لِئَلَّا يَخْتَصَّ بِالْمَوْجُودِ عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ جَارٍ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِي. وَقَوْلُنَا: لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى تَنَاوُلِهِ قِيَاسَ الشَّبَهِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُنَا: عِنْدَ الْمُثْبِتِ؛ لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ تَكُونُ مَنْصُوصَةً، وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَنْبَطَةٌ، كَعِلَّةِ الرِّبَا الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ بِطَرِيقِ تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، وَهَلْ هِيَ الْكَيْلُ، أَوِ الطَّعْمُ، أَوِ الْوَزْنُ، أَوِ الِاقْتِيَاتُ؟ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَمُرَادُ الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، فَلَوِ اقْتَصَرْنَا عَلَى قَوْلِنَا: لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، لَكَانَ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الْمُرَادَةُ مِنَ الْحَدِيثِ هِيَ الْكَيْلَ، يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِغَيْرِهَا قِيَاسًا فَاسِدًا خَارِجًا عَنِ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ الْعِلَّةِ الْمُرَادَةِ لِلشَّارِعِ، فَإِذَا قُلْنَا: لِاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْمُثْبِتِ، وَهُوَ الْقَائِسُ، كَانَ إِثْبَاتُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ لِلْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الَّذِي رَآهُ عِلَّةً قِيَاسًا شَرْعِيًّا دَاخِلًا فِي

стр. 1521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ قِيَاسٌ شَرْعِيٌّ. وَإِنْ قُلْنَا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لَا غَيْرُ، فَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ أَقْيِسَةً شَرْعِيَّةً، إِذْ لَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ أَوِ الْبُطْلَانِ مِنْ بَعْضٍ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي «الْمُنْتَهَى» : الْقِيَاسُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ مُنْقَسِمٌ إِلَى قِيَاسِ الْعَكْسِ، وَهُوَ تَحْصِيلُ نَقِيضِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ فِي غَيْرِهِ؛ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَإِلَى قِيَاسِ الطَّرْدِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِوَاءِ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ. قُلْتُ: وَيَرِدُ عَلَى ظَاهِرِهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُسْتَنْبَطَةً. قُلْتُ: وَمِنْ أَمْثِلَةِ قِيَاسِ الْعَكْسِ قَوْلُهُ ﵇ حِينَ عَدَّدَ لِأَصْحَابِهِ وُجُوهَ الصَّدَقَةِ: وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ أَوْ قَالَ: وَالرَّجُلُ يَأْتِي أَهْلَهُ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ يَعْنِي: أَكَانَ يُعَاقَبُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَهْ، يَعْنِي كَمَا أَنَّهُ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ يَأْثَمُ، كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ يُؤْجَرُ، فَقَدْ حَصَّلَ النَّبِيُّ ﷺ نَقِيضَ حُكْمِ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ، وَهُوَ الْإِثْمُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَطْءُ الْحَرَامُ؛ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَهِيَ كَوْنُ هَذَا مُبَاحًا وَهَذَا حَرَامًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُشْبِهُ مَا سَبَقَ مِنْ مَذْهَبِ الْكَعْبِيِّ أَنَّ الْمُبَاحَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَحْثٌ طَوِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ أَيْضًا فِي «جَدَلِهِ» : الَّذِي نَرَاهُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ

стр. 1522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِنَاءً عَلَى جَامِعٍ مَعْلُومٍ. وَقِيلَ: الْقِيَاسُ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ سَبَقَ نَحْوُهُ. وَالْعِبَارَاتُ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ كَثِيرَةٌ، وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ اعْتِبَارُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ فِي حُكْمِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْقِيَاسِ أَقْسَامًا بِاعْتِبَارَاتٍ: أَحَدُهَا: إِمَّا جَلِيٌّ: وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَنْصُوصَةً، أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، أَوْ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ، كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي تَقْوِيمِ النَّصِيبِ. وَإِمَّا خَفِيٌّ: وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مُسْتَنْبَطَةً، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ. الثَّانِي: إِمَّا مُؤَثِّرٌ: وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِيهِ ثَابِتَةً بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ كَانَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ فِيهِ قَدْ أَثَّرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ فِي جِنْسِهِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ. وَإِمَّا مُلَائِمٌ: وَهُوَ مَا أَثَّرَ جِنْسُ الْعِلَّةِ فِيهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْقِيَاسَ إِمَّا أَنْ يُصَرَّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ أَوْ بِمَا يُلَازِمُهَا، أَوْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهَا فِيهِ، فَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، وَالثَّانِي قِيَاسُ الدَّلَالَةِ، وَالثَّالِثُ الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى

стр. 1523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَصْلِ، وَهُوَ مَا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ. الرَّابِعُ: أَنَّ طَرِيقَ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، إِمَّا الْمُنَاسَبَةُ، أَوِ الشَّبَهُ، أَوِ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، أَوِ الطَّرْدُ أَوِ الْعَكْسُ، فَالْأَوَّلُ يُسَمَّى: قِيَاسَ الْإِخَالَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَتَخَيَّلُ لَهُ مُنَاسَبَةَ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ، فَيُعَلِّقُهُ بِهِ، وَالثَّانِي قِيَاسُ الشَّبَهِ، وَالثَّالِثُ قِيَاسُ السَّبْرِ، وَالرَّابِعُ قِيَاسُ الطَّرْدِ. قُلْتُ: ذَكَرَ الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ الْآمِدِيُّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا لَمْ يَسْبِقْ بَيَانُهُ مِنْهَا مَشْرُوحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: هُوَ» ، يَعْنِي الْقِيَاسَ هُوَ: «الِاجْتِهَادُ، وَهُوَ» يَعْنِي هَذَا التَّعْرِيفَ «خَطَأٌ لَفْظًا وَحُكْمًا» ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ. أَمَّا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، فَلِأَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَالِاجْتِهَادُ لَا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَنْبَأَ عَنْهُ، فَلَيْسَ هُوَ بِلَازِمٍ لَهُ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، فَلِأَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِالنَّظَرِ فِي الْعُمُومَاتِ، وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ طُرُقِ الْأَدِلَّةِ طَلَبًا لِلْحُكْمِ، فَإِنَّهُ اجْتِهَادٌ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ؛ وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يُنْبِئُ عَنْ بَذْلِ الْجُهْدِ فِي النَّظَرِ، وَالْقِيَاسِ قَدْ يَكُونُ جَلِيًّا، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: فَرَجَعَ حَاصِلُ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الْقِيَاسِ بِالِاجْتِهَادِ تَعْرِيفٌ بِالْأَعَمِّ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ، إِذْ كَلُّ قِيَاسٍ اجْتِهَادٌ، وَلَيْسَ كُلُّ اجْتِهَادٍ قِيَاسًا، فَكَانَ الْحَدُّ غَيْرَ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ مِنْهُ، وَلَا مَانِعَ لِدُخُولِ

стр. 1524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَا لَيْسَ بِقِيَاسٍ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَمِنَ التَّعْرِيفَاتِ الْفَاسِدَةِ لِلْقِيَاسِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ إِصَابَةُ الْحَقِّ، وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ بِالنَّصِّ أَوِ الْإِجْمَاعِ، لَا يَكُونُ قِيَاسًا. وَقَدْ يُطْلَقُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْمَوْضُوعَتَيْنِ وَضْعًا خَاصًّا بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُمَا نَتِيجَةٌ. وَيَرْسُمُهُ الْمَنْطِقِيُّونَ بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ أَقْوَالٍ إِذَا سُلِّمَتْ، لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ، نَحْوُ: كُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ، وَكُلُّ جِسْمٍ مُؤَلَّفٌ، يَلْزَمُ عَنْهُ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ مُؤَلَّفٌ، فَهَذِهِ نَتِيجَةٌ لَازِمَةٌ عَنْ مُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَوْ أَضَفْنَا إِلَيْهِمَا مُقَدِّمَةً أُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُنَا: كُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ ; لَزِمَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ مُحْدَثٌ، فَهِيَ نَتِيجَةٌ لَازِمَةٌ عَنْ مُقَدِّمَاتٍ بِطْرِيقِ التَّرْكِيبِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِطْلَاقُ الْقِيَاسِ عَلَى هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ اسْمٌ إِضَافِيٌّ يَسْتَدْعِي أَمْرَيْنِ يُضَافُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ وَيُقَدَّرُ بِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ تَقْدِيرُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ. قُلْتُ: تَسْمِيَةُ الْمَنْطِقِيِّينَ لِهَذَا قَيَاسًا هُوَ اصْطِلَاحٌ بَيْنِهِمْ، وَالْأَمْرُ فِي الِاصْطِلَاحِيَّاتِ قَرِيبٌ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَرِيًّا عَنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالِاعْتِبَارِ، إِذْ هُوَ اعْتِبَارٌ لِلنَّتِيجَةِ بِالْمُقْدِّمَتَيْنِ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ، وَتَقْدِيرٌ لَهَا بِنَظَائِرِهَا مِنَ النَّتَائِجِ فِي طَرِيقِ لُزُومِهَا عَنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَغَايَةُ مَا ثَمَّ أَنَّ مَعْنَى التَّقْدِيرِ فِي هَذَا أَخْفَى مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قِيَاسًا لُغَةً أَوْ فِي مَعْنَاهُ.

стр. 1525

وَأَرْكَانُهُ: أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ، وَحُكْمٌ. فَالْأَصْلُ: قِيلَ: النَّصُّ، كَحَدِيثِ الرِّبَا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ كَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ. وَالْفَرْعُ مَا عُدِّيَ إِلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْجَامِعِ. وَالْعِلَّةُ وَالْحُكْمُ مَضَى ذِكْرُهُمَا، وَهِيَ فَرْعٌ فِي الْأَصْلِ لِاسْتِنْبَاطِهَا مِنَ الْحُكْمِ، أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ بِهَا. وَالِاجْتِهَادُ فِيهَا إِمَّا بَيَانُ وُجُودِ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ أَوِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ، أَوْ بَيَانُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ، نَحْوُ: فِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَالضَّبُعِ مِثْلُهُمَا، وَالْبَقَرَةُ وَالْكَبْشُ مِثْلُهُمَا، فَوُجُوبُ الْمِثْلِ اتِّفَاقِيٌّ نَصِّيٌّ، وَكَوْنُ هَذَا مِثْلًا تَحْقِيقِيٌّ اجْتِهَادِيٌّ، وَمِثُلُهُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاجِبٌ، وَهَذِهِ جِهَتُهَا، وَقَدْرُ الْكِفَايَةِ فِي النَّفَقَةِ وَاجِبٌ ; وَهَذَا قَدْرُهَا، وَنَحْوُ: الطَّوَافُ عِلَّةٌ لِطَهَارَةِ الْهِرَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا قِيَاسٌ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ دُونَ الْقِيَاسِ، وَيُسَمَّيَانِ: تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ. ــ قَوْلُهُ: «وَأَرْكَانُهُ» ، أَيْ: أَرْكَانُ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ: «أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ، وَحُكْمٌ» . اعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا بَحْثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ هُوَ جُزْؤُهُ الدَّاخِلُ فِي حَقِيقَتِهِ، كَرُكْنِ الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ وَالْعُرْفُ بَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ أَنَّ رُكْنَ الْبَيْتِ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي فِيهِ الزَّاوِيَةُ خَاصَّةً، وَهُوَ عُرْفٌ غَالِبٌ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الضِّلْعُ الَّذِي بَيْنَ الزَّاوِيَتَيْنِ، فَهَذَا رُكْنٌ كَبِيرٌ، ثُمَّ كَلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ رَكَنٌ لِلْبَيْتِ عَلَى

стр. 1526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَسَبِهِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ. وَاعْلَمْ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ يَتَوَقَّفُ وُجُودُ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّكْنَ دَاخِلٌ فِي الْمَاهِيَّةِ كَالرُّكُوعِ لِلصَّلَاةِ وَسَائِرِ أَرْكَانِهَا، وَالشَّرْطُ خَارِجٌ عَنْهَا، كَالْوُضُوءِ لَهَا وَسَائِرِ شُرُوطِهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الرُّكْنَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ وَالْخَارِجِيُّ جَمِيعًا، وَالشَّرْطُ إِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُودُ الْخَارِجِيُّ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ الْوُجُودِ فِي الذِّهْنِ، فَيُمْكِنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَ صُورَةَ الصَّلَاةِ بِلَا وُضُوءٍ، وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَهَا فِي أَذْهَانِنَا بِلَا رُكُوعٍ. وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا أَنَّنَا نَتَصَوَّرُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ بِدُونِ تَصَوُّرِ حَقِيقَةِ الْحَيَاةِ، لَكِنَّ قِيَامَ الْعِلْمِ بِمَحَلِّهِ فِي الْخَارِجِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُهُ. الْبَحْثُ الثَّانِي: فِي أَنَّهُ لِمَ كَانَتْ أَرْكَانُ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةً؟ وَلَهُ تَوْجِيهَاتٌ إِقْنَاعِيَّةٌ وَحَقِيقِيَّةٌ. مِنْهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ مَعْنًى مَعْقُولٌ، وَالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ الْمَحْسُوسَةِ. وَقَدْ تُقُرِّرَ أَنَّ أَرْكَانَ الْمَحْسُوسَاتِ هِيَ الْعَنَاصِرُ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، فَكَذَلِكَ الْمَعْقُولَاتُ تَقْتَضِي بِحُكْمِ هَذَا أَنْ تَكُونَ أَرْكَانُهَا أَرْبَعَةً، فَإِنْ زَادَ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْأَصْلِ لِمُقْتَضىً خَاصٍّ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ مَدَارَ الْمُحْدَثَاتِ عَلَى عِلَلِهَا الْأَرْبَعِ: الْمَادِّيَّةُ، وَالصُّورِيَّةُ، وَالْفَاعِلِيَّةُ، وَالْغَائِيَّةُ، وَهِيَ أَرْكَانٌ لَهَا، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَعْقُولَاتِ مُلْحَقَةٌ بِهَا كَمَا سَبَقَ آنِفًا. وَمِنْهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَنْطِقِيِّ

стр. 1527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُؤَلَّفِ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ ; مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَقَوْلُنَا: الْأَرُزُّ مَكِيلٌ، فَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْبُرِّ، مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِنَا: الْأَرُزُّ مَكِيلٌ، وَكُلُّ مَكِيلٍ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ. وَلَيْسَ فِي الْأَوَّلِ زِيَادَةً عَلَى الثَّانِي إِلَّا ذِكْرُ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ عَلَى جِهَةِ التَّنْظِيرِ بِهِ وَالتَّآنُسِ. وَلِهَذَا لَوْ قُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ، وَالْأَرُزُّ مَكِيلٌ فَهُوَ رِبَوِيٌّ، لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ إِلَى الْعَقْلِيِّ ; لَزِمَ فِيهِ مَا لَزِمَ فِي الْعَقْلِيِّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَالنَّتِيجَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ مَا بَيْنَ مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ، يَسْقُطُ مِنْهَا بِالتَّكْرَارِ جُزْءَانِ، وَهُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ، يَبْقَى أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ هِيَ أَرْكَانُ الْمَقْصُودِ، وَهِيَ الَّتِي يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَقْيِسَتِهِمْ. مِثَالُهُ: أَنَّا نَقُولُ: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، هَذَانِ جُزْءَانِ: مَوْضُوعٌ: وَهُوَ النَّبِيذُ، وَمَحْمُولٌ: وَهُوَ مُسْكِرٌ، وَهُمَا فِي عُرْفِ النُّحَاةِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. ثُمَّ نَقُولُ: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَهَذَانِ جُزْءَانِ، وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ، النَّبِيذُ حَرَامٌ، وَهُمَا جُزْءَانِ آخَرَانِ ; صَارَتْ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ ; يَسْقُطُ مِنْهَا لَفْظُ مُسْكِرٍ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأَوْلَى مَوْضُوعٌ فِي الثَّانِيَةِ ; يَبْقَى هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ، وَهُمَا صُورَةُ قِيَاسِ الْفُقَهَاءِ. فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَقْلِيِّ فِي بِنَائِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ بِالْجُمْلَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ مَعْنًى إِضَافِيٌّ يَفْتَقِرُ فِي تَحْقِيقِهِ إِلَى مَقِيسٍ - وَهُوَ

стр. 1528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُسَمَّى: فَرْعًا - وَإِلَى مَقِيسٍ عَلَيْهِ - وَهُوَ الْمُسَمَّى: أَصْلًا - وَإِلَى مَقِيسٍ لَهُ - وَهُوَ الْمُسَمَّى: عِلَّةً - وَإِلَى مَقِيسٍ فِيهِ - وَهُوَ الْمُسَمَّى: حُكْمًا - فَلَمَّا تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ، وَافْتَقَرَ فِي تَحَقُّقِهِ إِلَيْهَا، لَا جَرَمَ كَانَتْ أَرْكَانًا لَهُ. قَوْلُهُ: «فَالْأَصْلُ: قِيلَ» : هُوَ «النَّصُّ، كَحَدِيثِ الرِّبَا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ كَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ» . لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَقَائِقِهَا رُكْنًا رُكْنًا. أَمَّا الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَلْ هُوَ النَّصُّ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ «كَحَدِيثِ الرِّبَا» ، أَوْ مَحَلُّ النَّصِّ «كَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ» الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الرِّبَا، وَهِيَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَنَحْوُهُمَا، أَوِ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ، فَمَعَنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ: النَّصُّ وَمَحَلُّ النَّصِّ وَهُوَ الْعَيْنُ، أَوِ الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ النَّصِّ، وَالْحُكْمُ الَّذِي ثَبَتَ بِالنَّصِّ فِي الْمَحَلِّ، فَاخْتُلِفَ فِي الْأَصْلِ، أَيُّ الثَّلَاثَةِ هُوَ؟ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْحُكْمُ لَمْ يُذْكَرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَكَذَلِكَ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ حَيْثُ قُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ، هَلِ الْأَصْلُ فِيهِ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّارِعِ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ، أَوْ مَحَلُّ هَذَا النَّصُّ وَهُوَ الْخَمْرُ، أَوْ حُكْمُ النَّصِّ الْمُتَعَلِّقِ بِالْخَمْرِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَالنِّزَاعُ فِي هَذَا لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّ أَصْلَ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْقِيَاسُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ:

стр. 1529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّصُّ، وَحُكْمُهُ، وَمَحَلُّهُ، وَكَذَلِكَ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فَلَا يَمْتَنِعُ إِطْلَاقُ اسْمِ الْأَصْلِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالنَّصُّ أَصْلٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِهِ، وَالْمَحَلُّ أَصْلٌ كَالْخَمْرِ وَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهِ، وَالْحُكْمُ أَصْلٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مُسْتَفَادٌ مِنْهُ وَمُلْحَقٌ بِهِ، وَالْعِلَّةُ أَصْلٌ؛ لِأَنَّهَا مُصَحِّحَةٌ لِلْإِلْحَاقِ، فَأَرْكَانُ الْقِيَاسِ الْأَرْبَعَةِ أُصُولٌ لَهُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي مُنَاظَرَاتِهِمْ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ مَحَلُّ حُكْمِ النَّصِّ كَالْخَمْرِ وَالْبُرِّ، وَسُمِّيَ هَذَا مَحَلًّا لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ عَقْلًا تَعَلُّقَ الْحَالِّ بِمَحَلِّهِ حِسًّا. وَحَدِيثُ الرِّبَا وَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي عِبَارَةِ «الْمُخْتَصَرِ» هُوَ مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمَثَلٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرُ مَثَلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الْحَدِيثَ. قَوْلُهُ: «وَالْفَرْعُ مَا عُدِّيَ إِلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْجَامِعِ» . قُلْتُ: وَذَلِكَ كَالنَّبِيذِ وَالْأَرُزِّ فِي قَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَيَحْرُمُ كَالْخَمْرِ، وَالْأَرُزُّ مَكِيلٌ، فَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْبُرِّ، وَكَالْأَمَةِ فِي قَوْلِنَا: رَقِيقٌ، فَيَسْرِي فِيهِ الْعِتْقُ كَالْعَبْدِ، وَكَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ فِي قَوْلِنَا: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٍ، فَيَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ كَالْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْفَرْعِ أَنَّهُ الْمَحَلُّ الَّذِي تَعَدَّى إِلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْوَصْفِ الْجَامِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ النَّصِّ. وَقِيلَ: الْفَرْعُ هُوَ الْحُكْمُ الْمُنَازَعُ فِيهِ، وَهُوَ تَحْرِيمُ النَّبِيذِ، وَتَحْرِيمُ

стр. 1530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّفَاضُلِ فِي الْأَرُزِّ، وَسِرَايَةُ الْعِتْقِ فِي الْأَمَةِ مَثَلًا، وَوُجُوبُ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، فَالْفَرْعُ إِذَنْ هُوَ النَّبِيذُ مَثَلًا أَوْ تَحْرِيِمُهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. قَوْلُهُ: «وَالْعِلَّةُ وَالْحُكْمُ مَضَى ذِكْرُهُمَا» . قُلْتُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ، وَحُكْمٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَةَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَا هِيَ، وَبَقِيَ عَلَيْنَا بَيَانُ حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ، لَكِنْ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا مُفَصَّلًا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَكْرَارِهِ، فَلْنَقْنَعْ بِالْإِحَالَةِ عَلَى مَا سَبَقَ فِيهِمَا، غَيْرَ أَنَّا نُشِيرُ إِلَيْهِمَا هَاهُنَا إِشَارَةً خَفِيفَةً؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ بَيَانِهِمَا. فَنَقُولُ: الْعِلَّةُ: هِيَ الْوَصْفُ أَوِ الْمَعْنَى الْجَامِعُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ الَّذِي بِاعْتِبَارِهِ صَحَّتْ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ، كَالْإِسْكَارِ فِي الْخَمْرِ، وَتَبْدِيلِ الدِّينِ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدِّ، حَيْثُ قُلْنَا فِي الْمُرْتَدَّةِ: بَدَّلَتْ دِينَهَا، فَتُقْتَلُ كَالْمُرْتَدِّ، وَسُمِّيَ هَذَا عِلَّةً؛ لِوُجُودِ الْحُكْمِ بِهِ حَيْثُ وُجِدَ، كَوُجُودِ السَّقَمِ بِالْعِلَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ حَيْثُ وُجِدَتْ. وَأَمَّا الْحُكْمُ: فَهُوَ قَضَاءُ الشَّرْعِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ خِطَابِهِ أَوْ إِخْبَارِهِ الْوَضْعِيِّ بِوُجُوبٍ، أَوْ نَدْبٍ، أَوْ كَرَاهَةٍ، أَوْ حَظْرٍ، أَوْ إِبَاحَةٍ، أَوْ صِحَّةٍ، أَوْ فَسَادٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ قَضَائِهِ. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ أَوِ الْوَضْعِ، وَهُنَاكَ لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ،

стр. 1531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَارْجِعْ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: «وَهِيَ» ، يَعْنِي الْعِلَّةَ «فَرْعٌ فِي الْأَصْلِ» ، «أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ» . أَمَّا أَنَّهَا «فَرْعٌ فِي الْأَصْلِ» ، فَلِأَنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِهِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ، اسْتَنْبَطْنَا مِنْهُ أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيِمِهَا الْإِسْكَارُ الْمُفْسِدُ لِلْعُقُولِ؛ إِذْ لَا مُنَاسِبَ لِلتَّحْرِيمِ فِيهَا سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ لَمَّا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ، اسْتَخْرَجْنَا مِنْ تَحْرِيمِهِ أَنَّ عِلَّتَهُ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ جَزْمٌ بِالْحُكْمِ وَهُوَ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ وَتَحْرِيمُ الْحُكْمِ مَعَ الْغَضَبِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ تَبْدِيلُ الدِّينِ وَاضْطِرَابُ رَأْيِ الْقَاضِي بِالْغَضَبِ، فَكَانَتِ الْعِلَّةُ فَرْعًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِالْحُكْمِ جَزَمًا، وَأَشَارَ إِلَيْهَا إِشَارَةً، وَالِاهْتِمَامُ بِالْأُصُولِ أَوْلَى مِنَ الِاهْتِمَامِ بِالْفُرُوعِ، فَكَانَ الْمَجْزُومُ بِهِ أَصْلًا، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ فَرْعًا. وَأَمَّا أَنَّ الْعِلَّةَ «أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ» ; فَلِأَنَّهَا إِذَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهَا إِثْبَاتُ حُكْمِ الْأَصْلِ، كَالْإِسْكَارِ لَمَّا تَحَقَّقَ فِي النَّبِيذِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ التَّحْرِيمِ، فَالْعِلَّةُ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْمُسْتَخْرَجُ فَرْعٌ عَلَى الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ، وَالْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ مَبْنِيٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، وَالْمَبْنِيُّ فَرْعٌ عَلَى الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ، وَالْمُتَرَتِّبُ فَرْعٌ عَلَى الْمُتَرَتَّبِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: «وَالِاجْتِهَادُ فِيهَا» ، أَيْ: فِي الْعِلَّةِ، «إِمَّا بِبَيَانِ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ

стр. 1532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ» عَلَيْهَا «أَوِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَقْيِسَةِ، وَهُوَ إِمَّا بِ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ ، أَوْ تَنْقِيحِهِ، أَوْ تَخْرِيجِهِ، وَالْمَنَاطُ: مَا نِيطَ بِهِ الْحُكْمُ، أَيْ: عُلِّقَ بِهِ، وَهُوَ الْعِلَّةُ الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ، يُقَالُ: نُطْتُ الْحَبَلَ بِالْوَتَدِ، أَنُوطُهُ نَوْطًا: إِذَا عَلَّقْتُهُ، وَمِنْهُ ذَاتُ أَنْوَاطٍ: شَجَرَةٌ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَلِّقُونَ فِيهَا سِلَاحَهُمْ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ. أَمَّا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ، فَنَوْعَانِ وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ: «وَهَذَا قِيَاسٌ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ» -: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، أَوْ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْأَصْلُ، فَيَتَبَيَّنُ الْمُجْتَهِدُ وُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: «إِمَّا بِبَيَانِ وُجُودِ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ، أَوِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ» . وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَعْرِفَ عِلَّةَ حُكْمٍ مَا فِي مَحَلِّهِ بِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، فَيَتَبَيَّنُ الْمُجْتَهِدُ وُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: «أَوْ بَيَانُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ» . مِثَالُ النَّوْعِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَالَ: «فِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَالضَّبُعِ مَثَلُهُمَا» ، أَيْ: فِي حِمَارِ الْوَحْشِ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ مِثْلُهُ، وَفِي الضَّبُعِ أَيْضًا يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ مِثْلُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [الْمَائِدَةِ:

стр. 1533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٩٥] ، «وَالْبَقَرَةُ وَالْكَبْشُ» كَذَلِكَ، أَيِ: الْبَقَرَةُ مِثْلُ حِمَارِ الْوَحْشِ، وَالْكَبْشُ مِثْلُ الضَّبُعِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْجَزَاءُ، «فَوُجُوبُ الْمِثْلِ اتِّفَاقِيٌّ نَصِّيٌّ» ، أَيْ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ الْمَذْكُورِ، «وَكَوْنُ هَذَا مِثْلًا» يَعْنِي كَوْنَ الْبَقَرَةِ مِثْلَ الْحِمَارِ، وَالْكَبْشِ مِثْلَ الضَّبُعِ «تَحْقِيقِيٌّ اجْتِهَادِيٌّ» أَيْ: ثَابِتٌ بِالِاجْتِهَادِ فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ؛ إِذْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا إِجْمَاعَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّ الْكَبْشَ مَثَلًا مِثْلُ الضَّبُعِ، إِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا مِثْلُهَا، وَفَوَّضَ تَعْيِينَ الْمِثْلِ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، فَتَحَقَقَ مِثْلِيَّتُهَا فِي الْكَبْشِ. قَوْلُهُ: «وَمِثْلُهُ» ، أَيْ: وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُقَالَ: «اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاجِبٌ، وَهَذِهِ جِهَتُهَا» ، فَوُجُوبُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا كَوْنُ هَذِهِ جِهَتُهَا فِي حَقِّ مَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، فَيَثْبُتُ بِالِاجْتِهَادِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا: «قَدْرُ الْكِفَايَةِ فِي» نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَنَحْوِهُمْ «وَاجِبٌ» ، وَكَذَلِكَ قَدْرُهَا كَالرِّطْلِ وَالرِّطْلَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَوُجُوبُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَمَّا كَوْنُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ رِطْلًا أَوْ رِطْلَيْنِ، فَيُعْلَمُ بِالِاجْتِهَادِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ، فَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ كَوْنَ هَذَا مِثْلًا لَهُ، أَوْ هَذَا الْمِقْدَارِ قِيمَتَهُ، فَهُوَ اجْتِهَادِيُّ. وَقَوْلُنَا: هَذَا الْفِعْلُ يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ الرَّادِعُ، لَكِنَّ كَوْنَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ وَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا رَادِعًا، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ فِي التَّعْزِيزِ بِخَبَرِ أَبِي بُرْدَةَ.

стр. 1534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا: نَصْبُ الْإِمَامِ وَالْوَالِي وَالْقَاضِي وَاجِبٌ، لَكِنَّ تَعْيِينَ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ لِذَلِكَ هُوَ إِلَى اجْتِهَادِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي ذَلِكَ، فَهَذَا تَمَامُ الْقَوْلِ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَهُوَ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ. وَمِثَالُ النَّوْعِ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: «الطَّوَافُ عِلَّةٌ لِطَهَارَةِ الْهِرَّةِ» بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ ﵇: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ، وَالطَّوَّافُ «مَوْجُودٌ فِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا» مِنْ صِغَارِ الْحَشَرَاتِ، وَفِي الْكَلْبِ أَيْضًا حَيْثُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الطَّوَافُ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: الْحَيَاءُ عِلَّةُ الِاكْتِفَاءِ مِنَ الْبِكْرِ فِي تَزْوِيجِهَا بِالصُّمَاتِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيمَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِغَيْرِ نِكَاحٍ. قَوْلُهُ: «وَهَذَا قِيَاسٌ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ» ، أَيْ: هَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ الَّذِي هُوَ بَيَانُ وُجُودِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ، هُوَ قِيَاسٌ دُونَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ بَيَانُ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَوِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ الْأَوَّلَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَهُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ النَّصِّ عَلَى جُزْئِيَّاتِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ فِيهَا، كَعَدَالَةِ الْأَشْخَاصِ وَتَقْدِيرِ كِفَايَةِ كُلِّ شَخْصٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مُتَغَايِرَانِ، وَالثَّانِي قِيَاسٌ،

стр. 1535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ. قَوْلُهُ: «وَيُسَمَّيَانِ: تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ» ، يَعْنِي: النَّوْعَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَمَّى تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ هُوَ إِثْبَاتُ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، أَوْ إِثْبَاتُ مَعْنًى مَعْلُومٍ فِي مَحَلٍّ خَفِيَ فِيهِ ثُبُوتُ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النَّوْعَيْنِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا قِيَاسٌ دُونَ الْآخَرِ، فَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ أَعَمُّ مِنَ الْقِيَاسِ.

стр. 1536

أَوْ بِإِضَافَةِ الْعِلِّيَّةِ إِلَى بَعْضِ الْأَوْصَافِ الْمُقَارِنَةِ لِلْحُكْمِ عِنْدَ صُدُورِهِ مِنَ الشَّارِعِ وَإِلْغَاءِ مَا عَدَاهَا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، كَجَعْلِ عِلَّةِ وُجُوبِ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ وِقَاعُ مُكَلَّفٍ أَعْرَابِيٍّ لَاطِمٍ فِي صَدْرِهِ فِي زَوْجَةٍ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ أَعْرَابِيًّا وَلَا لَاطِمًا، وَالزَّانِي، وَمَنْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ. وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ نَحْوُ: هَلِ الْعِلَّةُ خُصُوصُ الْجِمَاعِ أَوْ عُمُومُ الْإِفْسَادِ فَتَلْزَمُ الْآكِلَ وَالشَّارِبَ؟ وَيُسَمَّى: تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ ، وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ. ــ وَأَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ وَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَالْمَنَاطُ قَدْ عُرِفَ مَا هُوَ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا. أَمَّا التَّنْقِيحُ، فَهُوَ فِي اللُّغَةِ: التَّخْلِيصُ، وَالتَّهْذِيبُ، يُقَالُ: نَقَّحْتُ الْعَظْمَ، إِذَا اسْتَخْرَجْتُ مُخَّهُ. وَأَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ فِي الِاصْطِلَاحِ، فَهُوَ إِلْغَاءُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ الَّتِي أَضَافَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ إِلَيْهَا لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهَا لِلِاعْتِبَارِ فِي الْعِلَّةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : «أَوْ بِإِضَافَةِ الْعِلِّيَّةِ إِلَى بَعْضِ الْأَوْصَافِ الْمُقَارِنَةِ لِلْحُكْمِ عِنْدَ صُدُورِهِ مِنَ الشَّارِعِ، وَإِلْغَاءِ مَا عَدَاهَا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، كَجَعْلِ عِلَّةِ وُجُوبِ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ وِقَاعُ مُكَلَّفٍ» ، أَيْ: وِقَاعُ إِنْسَانٍ مُكَلَّفٍ «أَعْرَابِيٍّ لَاطِمٍ فِي صَدْرِهِ فِي زَوْجَةٍ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ أَعْرَابِيًّا، وَلَا لَاطِمًا، وَالزَّانِي، وَمَنْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ» . وَمَعْنَى هَذَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ

стр. 1537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. الْحَدِيثَ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَوَامُّ الْفُقَهَاءِ يَذْكُرُونَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ أَعْرَابِيًّا، وَأَنَّهُ جَاءَ يَلْطِمُ وَجْهَهُ وَصَدْرَهُ، وَيَنْعِي نَفْسَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ جَاءَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ أَثَرٌ، فَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوهَا مِنْ قَوْلِهِ: هَلَكْتُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَأَهْلَكْتُ، لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ يَعْنِي أَهْلَكْتُ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتٍ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابُ سُفْيَانَ لَمْ يَرْوُوهَا عَنْهُ، إِنَّمَا ذَكَرُوا قَوْلَهُ: هَلَكْتُ، فَحَسْبُ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ يَنْتِفُ شَعْرَهُ، وَيَضْرِبُ نَحْرَهُ، وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَدُ، الْحَدِيثَ. وَيُقَالُ: إِنَّ الرَّجُلَ: هُوَ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ صَاحِبُ قِصَّةِ الظِّهَارِ، وَخَلِيقٌ أَنْ يَكُونَ هُوَ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ أَنَّهُ كَانَ مُولَعًا بِالْجِمَاعِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ مَعَ مَجِيئِهِ عَلَى الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَرُبَّمَا خُيِّلَ لِلسَّامِعِ أَنَّ مَجْمُوعَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ الْوِقَاعِ فِي رَمَضَانَ هِيَ مَنَاطُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَعِلَّتُهُ، لَكِنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا مَا لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لِكَوْنِهِ عِلَّةً وَلَا جُزْءَ عِلَّةٍ، فَاحْتِيجَ إِلَى إِلْغَائِهِ، وَتَنْقِيحُ الْعِلَّةِ وَتَخْلِيصُهَا بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، فَيُقَالُ

стр. 1538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حِينَئِذٍ: كَوْنُ هَذَا الرَّجُلِ أَعْرِابِيًّا لَا أَثَرَ لَهُ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ أَعْرَابِيًّا، كَالتُّرْكِيِّ وَالْعَجَمِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَكَوْنُهُ لَاطِمًا وَجْهَهُ وَصَدْرَهُ لَا أَثَرَ لَهُ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ جَاءَ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَثَبَاتٍ، وَكَوْنُ الْوَطْءِ فِي زَوْجَةٍ لَا أَثَرَ لَهُ، فَيَلْحَقُ بِهِ الْوَطْءُ فِي ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، أَوْ أَمَةٍ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، اعْتِبَارًا لِصُورَةِ الْوِقَاعِ، وَكَوْنُهُ ذَلِكَ الشَّهْرَ الْمُعَيَّنَ لَا أَثَرَ لَهُ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَا أَثَرَ لَهَا لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهَا؛ إِذِ الْوَصْفُ الَّذِي تَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ كَوْنُهُ وِقَاعَ مُكَلَّفٍ هُتِكَتْ بِهِ حُرْمَةُ عِبَادَةِ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ أَدَاءً، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ التَّعْيِينَاتِ وَالْأَوْصَافِ لَاغٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَقْلِيلِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ تَكْثِيرًا لِأَحْكَامِهَا لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَسُهُولَتِهِ لِقِلَّةِ أَوْصَافِهَا. مِثَالُهُ: أَنَّا لَوْ جَعَلْنَا عَيْنَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ جُزْءًا لِعِلَّةِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، لَمَا وَجَبَتْ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَانَتْ تَكُونُ عِلَّةً قَاصِرَةً عَلَى مَحَلِّهَا، كَالنَّقْدِيَّةِ فِي النَّقْدَيْنِ، وَكَذَا إِذَا اعْتَبَرْنَا عَيْنَ ذَلِكَ الشَّهْرِ، أَوْ عَيْنَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَلَوِ اعْتَبَرْنَا وَصْفَ الْأَعْرَابِيَّةِ، أَوْ كَوْنَ الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَةً، لَمَا وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا عَلَى أَعْرَابِيٍّ وَطِئَ أَمَةً أَوْ أَجْنَبِيَّةً، فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ فِي تَقْلِيلِ الْأَوْصَافِ تَكْثِيرَ الْأَحْكَامِ. قَوْلُهُ: «وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ، نَحْوُ: هَلِ الْعِلَّةُ خُصُوصُ الْجِمَاعِ، أَوْ عُمُومُ الْإِفْسَادِ، فَتَلْزَمُ» يَعْنِي الْكَفَّارَةَ «الْآكِلَ وَالشَّارِبَ» ؟ .

стр. 1539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اعْلَمْ أَنَّ أَوْصَافَ الْعِلَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا اتُّفِقَ عَلَى مُنَاسَبَتِهِ لِلْحُكْمِ كَوِقَاعِ الْمُكَلَّفِ هَاهُنَا. الثَّانِي: مَا اتُّفِقَ عَلَى طَرْدِيَّتِهِ وَعَدَمِ مُنَاسَبَتهِ كَكَوْنِ الْوَاطِئِ أَعْرَابِيًّا لِزَوْجَةٍ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ. الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي مُنَاسَبَتِهِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الطَّرْدِيِّ وَالْمُنَاسِبِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مُنَاسِبًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، كَكَوْنِ الْفِعْلِ إَفْسَادًا لِلصَّوْمِ، وَهُوَ وَصْفٌ عَامٌّ، أَوْ جِمَاعًا وَهُوَ خَاصٌّ. وَلِهَذَا وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، وَخَالَفَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، فَقَالُوا، لَا كَفَّارَةَ إِلَّا بِخُصُوصِ الْجِمَاعِ. حُجَّةُ الْأَوَّلِينَ أَنَّ إِفْسَادَ الصَّوْمِ جِنَايَةٌ عَلَى الْعِبَادَةِ، فَنَاسَبَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ زَجْرًا وَرَدْعًا، وَالْجِمَاعُ آلَةٌ لِلْإِفْسَادِ وَسَبَبٌ لَهُ فَيَلْحَقُ بِهِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، كَمَا أَنَّ مَنَاطَ الْقِصَاصِ ; لَمَّا كَانَ هُوَ إِزْهَاقَ النَّفْسِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَالسَّيْفُ آلَةٌ لَهُ، لَمْ يَخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ، بَلْ تَعَدَّى إِلَى السِّكِّينِ وَالْخِنْجَرِ وَالرُّمْحِ وَسَائِرِ الْمُحَدَّدَاتِ، وَإِلَى الْمُثْقَلِ كَالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَقَرَّرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ذَلِكَ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِذَا وَجَبَتْ بِالْجِمَاعِ، كَانَ وُجُوبُهَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا مَادَّةُ الْجِمَاعِ وَسَبَبُهُ الْمُقَوِّي عَلَيْهِ، وَوَسِيلَتُهُ الْمُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهِ؛ إِذِ الْجَائِعُ لَا يَسْتَطِيعُهُ، وَالشَّبْعَانُ يَنْشَطُ لَهُ، فَكَانَ إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ وَحَسْمِ مَوَادِّ الْفَسَادِ.

стр. 1540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حُجَّةُ الْآخَرِينَ أَنَّ الْجِمَاعَ اخْتُصَّ بِمَا يُنَاسِبُ اخْتِصَاصَهُ بِالْكَفَّارَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّفْسَ لَا تَنْزَجِرُ عَنْهُ عِنْدَ هَيَجَانِ شَهْوَتِهِ بِمُجَرَّدِ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ، فَاحْتِيجَ فِيهِ إِلَى زِيَادَةٍ فِي الْوَازِعِ، وَهِيَ الْكَفَّارَةُ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي ذَلِكَ. فَقَدْ ثَبَتَ بِذَلِكَ مُنَاسَبَةُ خُصُوصِ الْجِمَاعِ لِاخْتِصَاصِهِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَإِلْغَاءُ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ لَا يَجُوزُ. قُلْتُ: وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا أَنَّ أَوْصَافَ الْعِلَلِ فِي الْقِيَاسِ الْمَعْقُولِ كَالْأَخْبَارِ فِي النَّصِّ الْمَنْقُولِ. ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ خَبَرَانِ عَامٌّ وَخَاصٌّ ; قُدِّمَ الْخَاصُّ، فَكَذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَنَا وَصْفَانِ عَامٌّ وَخَاصٌّ ; وَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ الْوَصْفُ الْخَاصُّ، وَهُوَ الْجِمَاعُ هَاهُنَا. وأَيْضًا فَإِنَّ اعْتِبَارَ خُصُوصِ الْجِمَاعِ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ؛ إِذِ الْأَصْلُ أَنَّ مَا رُتِّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ يَكُونُ بِمَجْمُوعِهِ عِلَّةً، فَإِلْغَاءُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَقَدْ يُعَارَضُ هَذَا بِأَنَّ اعْتِبَارَ خُصُوصِ الْجِمَاعِ تَكْثِيرٌ لِأَوْصَافِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَهِيَ مُتَجَاذَبَةٌ. قَوْلُهُ: «وَيُسَمَّى: تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ» يَعْنِي هَذَا النَّوْعَ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ» ، أَيْ: أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ اسْتَعْمَلُوا هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ، حَتَّى إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْكِرُ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ فِيهَا، وَسَمَّاهُ اسْتِدْلَالًا، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ عِنْدَهُ فِيهَا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ وَتَخْرِيِجُهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 1541

أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ عَلَى وَصْفٍ بِالِاجْتِهَادِ، نَحْوُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ، وَالرِّبَا فِي الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلُ جِنْسٍ فَالْأَرُزُّ مِثْلُهُ، وَيُسَمَّى: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ ، وَهُوَ الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ، وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا التَّعَبُّدَ بِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَالنَّظَّامِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَحُمِلَ عَلَى قِيَاسٍ خَالَفَ نَصًّا، وَقِيلَ: هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْجَوَازِ، وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِيهِ بِإِحَالَةٍ وَلَا إِيجَابٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ. ــ وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ، وَهُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالتَّخْرِيجُ: هُوَ الِاسْتِخْرَاجُ وَالِاسْتِنْبَاطُ، وَهُوَ إِضَافَةُ حُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّرْعُ لِعِلَّتِهِ إِلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» بِقَوْلِهِ: «أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ» ، أَيْ: وَالِاجْتِهَادُ فِي الْعِلَّةِ إِمَّا بِبَيَانِ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، أَوْ بِإِضَافَةِ الْعِلَّةِ إِلَى بَعْضِ الْأَوْصَافِ، «أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ عَلَى وَصْفٍ بِالِاجْتِهَادِ، نَحْوُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا» ؛ لِأَنَّهُ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ لِتَحْرِيِمِهَا، «فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ» لِوُجُودِ الْإِسْكَارِ فِيهِ، وَحُرِّمَ «الرِّبَا فِي الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلُ جِنْسٍ» أَوْ مَطْعُومُ جِنْسٍ، «فَالْأَرُزُّ مِثْلُهُ» لِأَنَّهُ كَذَلِكَ، «وَيُسَمَّى: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ» ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ اسْتِخْرَاجُ عِلَّةِ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: وَجَبَ الْعُشْرُ فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ قُوتًا، فَتَلْحَقُ بِهِ

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْأَقْوَاتُ، أَوْ لِكَوْنِهِ نَبَاتَ الْأَرْضِ وَفَائِدَتَهَا فَتَلْحَقُ بِهِ الْخَضْرَاوَاتُ وَأَنْوَاعُ النَّبَاتِ. وَتَحْرِيرُ الْكَلَامِ هَاهُنَا أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا الشَّارِعَ قَدْ نَصَّ عَلَى حُكْمٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ، قُلْنَا: هَذَا حُكْمٌ حَادِثٌ لَا بُدَّ لَهُ بِحَقِّ الْأَصْلِ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ، فَيَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فِي اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنْ مَحَلِّ الْحُكْمِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لَهُ، وَاجْتَهَدَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ هُوَ سَبَبُ ذَلِكَ الْحُكْمِ. قَالَ الْبَزْدَوِيُّ فِي «الْمُقْتَرَحِ» : مِثَالُهُ: تَعْلِيلُ حِرْمَانِ الْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ بِمُعَارَضَتِهِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْإِرْثِ حَتَّى يَقِيسَ عَلَيْهِ حِيَازَةَ الْمَبْتُوتَةِ لِمِيرَاثِهَا مُعَارَضَةً لِلْمُطَلِّقِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ. فَائِدَةٌ: هَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ: تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ، وَتَنْقِيحُهُ، وَتَخْرِيِجُهُ يَشْتَبِهُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ خُصُوصًا عَلَى الْمُبْتَدِئِ فِي النَّظَرِ، فَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ مُهِمٌّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ. فَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ: بَيَانُ وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، أَوْ بَيَانُ وُجُودِ عِلَّةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، كَبَيَانِ وُجُودِ الطَّوَافِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الْهِرَّةِ فِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا. وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ: تَعْيِينُ وَصْفٍ لِلتَّعْلِيلِ مِنْ أَوْصَافٍ مَذْكُورَةٍ، كَتَعْيِينِ وِقَاعِ الْمُكَلَّفِ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ. وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ مِنْ أَوْصَافٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ، كَاسْتِخْرَاجِ الْكَيْلِ مِنْ حَدِيثِ الرِّبَا دُونَ الطَّعْمِ وَالِاقْتِيَاتِ وَهِيَ أَوْصَافُ الْأَصْلِ. كَذَلِكَ حُكِيَ عَنِ الْحَسْكَفِيِّ فِي «جَدَلِهِ» .

стр. 1543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَلْزَمُ فِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ تَعْدَادُ الْأَوْصَافِ، بَلْ قَدْ لَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ إِلَّا وَصْفٌ وَاحِدٌ هُوَ الْعِلَّةُ، فَتُسْتَخْرَجُ بِالِاجْتِهَادِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ غَيْرِ الْمَذْكُورَةِ بِالِاجْتِهَادِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا فِي نَفْسِهَا. وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي تَعْيِينِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، بِحَذْفِ مَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُقْتَرِنَةِ بِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ. وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي إِثْبَاتِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالرَّأْي وَالِاجْتِهَادِ، كَالنَّظَرِ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ. قَالَ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ الْحَوَارِيُّ فِي «لُبَابِ الْقِيَاسِ» : الْعِلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلُّ مَا جَعَلَهُ الشَّرْعُ أَمَارَةً مُعَرِّفَةً لِثُبُوتِ الْحُكْمِ، ثُمَّ كَوْنُهُ مُعَرِّفًا فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ يُعْرَفُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَفِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ بِالِاجْتِهَادِ. وَحَكَى الْقَرَافِيُّ: أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ هُوَ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ، نَحْوُ: لَا فَارِقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي مَفْهُومِ الرِّقِّ وَتَشْطِيرِ الْحَدِّ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِذَلِكَ فِي الْإِمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قُلْتُ: لَا بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ تَنْقِيحًا، إِذِ التَّنْقِيحُ هُوَ التَّخْلِيصُ وَالتَّصْفِيَةُ، وَبِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ يَصْفُو الْوَصْفُ، وَيَخْلُصُ لِلْعِلِّيَّةِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا قَوْلًا

стр. 1544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثَانِيًا فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ، كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ، بَلْ يَكُونُ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ ضَرْبًا مِنْ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ. قُلْتُ: فَقَدْ ذَكَرْتُ لَكَ جُمْلَةً مِنْ كَلَامِ الْفُضَلَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِهِ تَارَةً، وَبِمَعْنَاهُ أُخْرَى، وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَّحِدٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ؛ لِتُقَابِلَ بَيْنَ كَلَامِهِمْ وَنَتَائِجِ قَرَائِحِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَيَتَلَخَّصُ لَكَ الْمَقْصُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ هُوَ «الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ» ، أَيِ: الْقِيَاسُ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، «وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا التَّعَبُّدَ بِهِ عَقْلًا وشَرْعًا» ، أَيْ: دَلَّ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ، «وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَالنَّظَّامِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ» ، أَيْ: إِلَى مَذْهَبِ النَّظَّامِ فِي إِنْكَارِ الْقِيَاسِ، فَقَالَ: يَجْتَنِبُ الْمُتَكَلِّمُ فِي الْفِقْهِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْمُجْمَلَ وَالْقِيَاسَ، «وَحُمِلَ» يَعْنِي إِنْكَارَ أَحْمَدَ لَهُ «عَلَى قِيَاسٍ خَالَفَ نَصًّا» ، أَيْ: عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ مُخَالِفًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ. كَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ. وَمِمَّنْ أَنْكَرَ جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقَلًا الشِّيعَةُ مَعَ النَّظَّامِ، وَيَحْيَى الْإِسْكَافِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ مَنِ الْمُعْتَزِلَةِ. ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. قُلْتُ: لَعَلَّهُمْ هَؤُلَاءِ. «وَقِيلَ: هُوَ» يَعْنِي الْقِيَاسَ «فِي مَظِنَّةِ الْجَوَازِ، وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِيهِ بِإِحَالَةٍ وَلَا إِيجَابٍ» ، أَيْ: لَا يُوجِبُ الْعَقْلُ التَّعَبُّدَ بِهِ، وَلَا يُحِيلُهُ بَلْ يُجِيزُ الْأَمْرَيْنِ.

стр. 1545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ «وَاجِبٌ شَرْعًا» عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ. قُلْتُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ مَا حَكَاهُ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْقِيَاسِ: فَفِرَقُ الْمُبْطِلَةِ ثَلَاثَةٌ: الْمُحِيلُ لَهُ عَقْلًا، وَالْمُوجِبُ لَهُ عَقْلًا، وَالْحَاظِرُ لَهُ شَرْعًا. قُلْتُ: النِّزَاعُ فِي التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ إِمَّا عَقْلًا، أَوْ شَرْعًا، وَعَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ فِي جَوَازِهِ، أَوْ وُجُوبِهِ، أَوِ امْتِنَاعِهِ، أَوْ وُقُوعِهِ، فَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَكْثَرِهَا ذَاهِبُونَ، فَمِمَّنْ أَوْجَبَ وُرُودَ التَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا: الْقَفَّالُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَمِمَّنْ أَحَالَهُ مَنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ عَقْلًا وَشَرْعًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ، فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَمَنَعَهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ وَالْقَاشَانِيُّ وَالنَّهْرَوَانِيُّ. وَاخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ لِوُقُوعِهِ، هَلْ هُوَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوِ السَّمْعِ؟ وَهَلْ دَلِيلُ السَّمْعِ قَطْعِيٌّ؟ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ، أَوْ ظَنِّيٌّ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْآمِدِيِّ.
следующие страницы →