← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وُجُودَ اللَّازِمِ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَلْزُومِ، بِخِلَافِ الْأَثَرِ، فَإِنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْمُؤَثِّرِ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى لَازِمِهِ، وَالْأَمْرُ الْمُلَازِمُ لِلشَّيْءِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ كَمُلَازَمَةِ وُجُودِ النَّهَارِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ لِوُجُودِ النَّهَارِ. وَهَكَذَا عِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: وَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ أَثَرٍ، أَوْ أَمْرٍ يُلَازِمُهُ، وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ عِبَارَةِ «الْمُخْتَصَرِ» لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَذَلِكَ كَدَلَالَةِ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ عَلَى كَوْنِهِ عَمْدًا، لِأَنَّ الْعَمْدَ مِنْ لَوَازِمِ التَّحْرِيمِ، وَدَلَالَةِ الدِّيَةِ عَلَى الْقَتْلِ، لِأَنَّهَا مِنْ آثَارِهِ، وَدَلَالَةِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الشُّبْهَةِ لَازِمٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ، وَكَلُحُوقِ النَّسَبِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ، لِأَنَّ لُحُوقَ النَّسَبِ مِنْ آثَارِ الْوَطْءِ الَّذِي لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَكَدَلَالَةِ فَسَادِ الْعَقْلِ عَلَى إِسْكَارِ الشَّرَابِ، وَجَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَعَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِصْحَابِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «وَمَنْعُ عِلِّيَتِهِ، وَمَنْعُ وَجُودِهَا فِي الْفَرْعِ» . هَذَانِ الْمَنْعَانِ الْآخَرَانِ، أَيْ: وَمِنَ الْمُنُوعِ مَنْعُ عِلَّةِ الْوَصْفِ، أَيْ: مَنْعُ كَوْنِهِ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ، وَمَنْعُ وُجُودِهِ فِي الْفَرْعِ كَمَا سَبَقَ مِثَالُهُ، فَيُثْبِتُهُمَا الْمُسْتَدِلُّ بِطَرِيقِهِمَا «كَمَا سَبَقَ» إِشَارَةً إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدِلَّةِ إِثْبَاتِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَهِيَ النَّصُّ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالِاسْتِنْبَاطُ بِالْمُنَاسَبَةِ، وَالسَّبْرُ، وَالدَّوَرَانُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَإِلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ دَلِيلِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ مِنْ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ، وَهُوَ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ وَنَحْوِهِ.

стр. 1787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَلَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَحُرِّمَ كَالْخَمْرِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِسْكَارَ عِلَّةٌ، وَلَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي النَّبِيذِ. لَكَانَ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْإِسْكَارَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لَهُ، لِإِفْضَائِهِ إِلَى مَصْلَحَةِ صِيَانَةِ الْعُقُولِ عَنِ الْفَسَادِ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ إِمَّا لِلَوْنِهِ، أَوْ مَيَعَانِهِ، أَوْ إِزْبَادِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مِنَ الْعِنَبِ، أَوْ لِإِسْكَارِهِ، وَالْأَوْصَافُ كُلُّهَا طَرْدِيَّةٌ إِلَّا الْإِسْكَارَ، فَكَانَ هُوَ الْعِلَّةَ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النَّبِيذِ، بِدَلِيلِ الْوِجْدَانِ وَالْعَقْلِ، فَإِنَّ الشَّارِبَ لَهُ يَجِدُ النَّشَاطَ، وَغُرُوبَ الْعَقْلِ، وَدَبِيبَ الْأَعْضَاءِ، وَكَذَلِكَ يَرَى زَوَالَ الْعَقْلِ يَدُورُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَذَلِكَ دَلِيلُ كَوْنِهِ مُسْكِرًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 1788

الْخَامِسُ: التَّقْسِيمُ: وَمَحَلُّهُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ لِأَنَّهُ مَنْعٌ، وَهُوَ تَسْلِيمٌ، وَهُوَ مَقْبُولٌ بَعْدَ الْمَنْعِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَهُوَ حَصْرُ الْمُعْتَرِضِ مَدَارِكَ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً وَإِلْغَاءُ جَمِيعِهَا، وَشَرْطُهُ صِحَّةُ انْقِسَامِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى مَمْنُوعٍ وَمُسَلَّمٍ، وَإِلَّا كَانَ مُكَابَرَةً، وَحَصْرُهُ لِجَمِيعِ الْأَقْسَامِ، وَإِلَّا جَازَ أَنْ يَنْهَضَ الْخَارِجُ عَنْهَا بِغَرَضِ الْمُسْتَدِلِّ وَمُطَابَقَتِهِ لِمَا ذَكَرَهُ، فَلَوْ زَادَ عَلَيْهِ؛ لَكَانَ مُنَاظِرًا لِنَفْسِهِ لَا لِلْمُسْتَدِلِّ. وَطَرِيقُ صِيَانَةِ التَّقْسِيمِ أَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ: إِنْ عَنَيْتَ بِمَا ذَكَرْتَ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ مُسَلَّمٌ، وَالْمُطَالَبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ، وَإِنْ عَنَيْتَ غَيْرَهُ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ مَمْنُوعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ــ السُّؤَالُ «الْخَامِسُ: التَّقْسِيمُ» ، وَقَدْ ذُكِرَ مَعْنَاهُ بَعْدُ. قَوْلُهُ: «وَمَحَلُّهُ» ، أَيْ: وَمَحَلُّ سُؤَالِ التَّقْسِيمِ، وَمَوْضِعُهُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ «قَبْلَ» سُؤَالِ «الْمُطَالَبَةِ» ، وَهُوَ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً كَمَا سَبَقَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَحَلُّهُ قَبْلَ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ؛ «لِأَنَّهُ» - يَعْنِي سُؤَالَ التَّقْسِيمِ - «مَنْعٌ» لِوُجُودِ الْعِلَّةِ كَمَا ذُكِرَ بَعْدُ «وَهُوَ» - يَعْنِي الْمُطَالَبَةَ - «تَسْلِيمٌ» ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُعْتَرِضِ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي ذَكَرْتَهُ، هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ الَّذِي ادَّعَيْتَهُ؟ يَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ. وَإِذَا كَانَ التَّقْسِيمُ مَنْعًا لِلْعِلَّةِ، وَالْمُطَالَبَةُ تَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَهَا، فَالتَّسْلِيمُ «مَقْبُولٌ بَعْدَ الْمَنْعِ، بِخِلَافِ

стр. 1789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْعَكْسِ» وَهُوَ الْمَنْعُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، لِأَنَّهُ إِنْكَارٌ لِمَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ. مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: الْأُرْزُ مَكِيلٌ، فَحَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْبُرِّ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْكَيْلَ عِلَّةٌ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِيهِ: إِمَّا الْكَيْلُ، أَوِ الطَّعْمُ، أَوِ الْقُوتُ، وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ يَصْلُحُ عِلَّةً، وَقَرَّرَ ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ: سَلَّمْتُ أَنَّ الْبُرَّ مُشْتَمِلٌ عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الْكَيْلَ هُوَ الْعِلَّةُ؟ لَصَحَّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ بَعْدَ مَنْعٍ، وَرُجُوعٌ عَنِ النِّزَاعِ فِي وُجُودِ الْوَصْفِ. وَلَوْ قَالَ أَوَّلًا: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الْكَيْلَ عِلَّةٌ؟ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: الْعِلَّةُ إِمَّا الْكَيْلُ، أَوِ الطَّعْمُ، أَوِ الْقُوتُ، وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ عِلَّةٌ؛ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ سُؤَالَهُ عَنْ دَلِيلِ عِلِّيَّةِ الْكَيْلِ تَسْلِيمٌ لِوُجُودِهِ، وَلِصَلَاحِيَتِهِ لِلْعِلَّةِ، وَإِنْكَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَلَاحِيَتَهُ لِلتَّعْلِيلِ إِنْكَارٌ لِمَا سَلَّمَهُ. قُلْتُ: وَفِي تَحَقُّقِ هَذَا نَظَرٌ، إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ التَّقْسِيمِ وَالْمُطَالَبَةِ، حَتَّى يَكُونَ إِيرَادُ التَّقْسِيمِ بَعْدَهَا إِنْكَارًا بَعْدَ اعْتِرَافٍ، إِذْ حَاصِلُ التَّقْسِيمِ هُوَ إِنْكَارُ وُجُودِ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي قَوْلَ الْمُعْتَرِضِ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْتَهُ عِلَّةٌ؟ مِثَالُهُ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: الْأُرْزُ مَكِيلٌ، فَحَرُمَ فِيهِ الرِّبَا كَالْبُرِّ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ هُوَ الْعِلَّةُ فِي الْبُرِّ؛ كَانَ هَذَا إِنْكَارًا

стр. 1790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِعِلِّيَّةِ الْكَيْلِ. ثُمَّ لَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: الْعِلَّةُ فِي الْبُرِّ إِمَّا الْكَيْلُ، أَوِ الْقُوتُ، أَوِ الطَّعْمُ، وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ صَالِحٌ لِلْعِلَّةِ، لَكَانَ ذَلِكَ كَلَامًا صَحِيحًا مُوَافِقًا لِمَا قَبْلَهُ، إِذْ كِلَاهُمَا يَدُلُّ عَلَى إِنْكَارِ عِلِّيَّةِ الْكَيْلِ. وَإِنَّمَا كَانَ يَتَّجِهُ التَّنَافِي بَيْنَ التَّقْسِيمِ وَالْمُطَالَبَةِ، لَوْ كَانَ مَعْنَى التَّقْسِيمِ إِنْكَارَ نَفْسِ الْوَصْفِ، وَالْمُطَالَبَةُ طَلَبَ الدَّلِيلِ عَلَى عِلِّيَّتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَيْلَ عِلَّةُ الرِّبَا؟ ثُمَّ قَالَ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْبُرَّ مَكِيلٌ، لِأَنَّ إِنْكَارَهُ وُجُودَ الْكَيْلِ بَعْدَ طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَى عِلِّيَّتِهِ إِنْكَارٌ لَهُ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُودِهِ. أَمَّا إِنْكَارُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ بَعْدَ طَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا إِنْكَارٌ لَهَا، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْإِنْكَارِ الْحَاصِلِ مِنَ التَّقْسِيمِ. نَعَمْ قَدْ قِيلَ: إِنَّ ذِكْرَ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ التَّقْسِيمِ تَكْرَارٌ لِأَنَّ حَاصِلَهَا مَنْعُ الْعِلِّيَّةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنَ التَّقْسِيمِ كَمَا عُرِفَ. فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي كَوْنِ التَّقْسِيمِ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ إِنْكَارًا بَعْدَ اعْتِرَافٍ - كَمَا ذَكَرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَأَصَّلَهُ - نَظَرًا قَدْ أَوْضَحْتُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» - يَعْنِي التَّقْسِيمَ - «حَصْرُ الْمُعْتَرِضِ مَدَارِكَ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً، وَإِلْغَاءُ جَمِيعِهَا» . الْمَدَارِكُ: جَمْعُ مَدْرَكٍ - بِفَتْحِ الْمِيمِ - وَهُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى إِدْرَاكِ الشَّيْءِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ عَلَى هَذَا: أَنَّ التَّقْسِيمَ هُوَ أَنْ يَحْصِرَ الْمُعْتَرِضُ

стр. 1791

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الطُّرُقَ الَّتِي يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِ الْوَصْفِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً، ثُمَّ يُلْغِي جَمِيعَ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ لَهُ ذَلِكَ، بَطَلَ التَّعْلِيلُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَإِلَّا فَلَهُ تَصْحِيحُ مَا ادَّعَاهُ؛ بِالْقَدْحِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ، وَكَأَنَّ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ انْحِرَافًا عَنِ الْمَقْصُودِ عَنْ عِبَارَةِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْصِرَ الْمُعْتَرِضُ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ إِلْغَاءَهَا وَعَدَمَ صَلَاحِيَّتِهَا لِلتَّعْلِيلِ، كَقَوْلِهِ: عِلَّةُ الرِّبَا فِي الْبُرِّ إِمَّا الْكَيْلُ، أَوِ الطَّعْمُ، أَوِ الْقُوتُ، وَلَا وَاحِدَ مِنْهَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا عِلَّةَ لَهُ، فَيَنْقَطِعُ الْإِلْحَاقُ كَمَا سَبَقَ، أَوْ أَنَّ الْعِلَّةَ وَصْفٌ غَيْرُ ذَلِكَ، فَعَلَيْكَ أَيُّهَا الْمُسْتَدِلُّ إِبْدَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ صَالِحًا سَلَّمْنَاهُ، وَإِلَّا أَلْغَيْنَاهُ كَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: التَّقْسِيمُ تَرْدِيدُ اللَّفْظِ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ، وَاخْتِصَاصُ كُلِّ احْتِمَالٍ بِاعْتِرَاضٍ مُخَالِفٍ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى الْآخَرِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ فِي أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي الْآخَرِ، وَجَبَ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَلَوِ اشْتَرَكَ الِاحْتِمَالَانِ فِي اعْتِرَاضٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى. قُلْتُ: وَهَذَا أَوْلَى بِتَفْسِيرِ التَّقْسِيمِ الْمُرَادِ هَهُنَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الَّذِي أَرَادَهُ فِي «الرَّوْضَةِ» لَكِنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ بِهِ غَايَةَ الْإِفْصَاحِ، فَوَهِمْتُ فِيهِ عِنْدَ الِاخْتِصَارِ، وَذَهَبْتُ فِيهِ إِلَى التَّقْسِيمِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّقْسِيمَ فِي الْقِيَاسِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنَ النَّاظِرِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْعِلَّةِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، كَمَا ذَكَرْنَا مِثَالَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَالثَّانِي: تَقْسِيمٌ مِنَ الْمُعْتَرِضِ الْمُنَاظِرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَهَذَا هُوَ

стр. 1792

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُرَادُ هَهُنَا، وَسَيَأْتِي لَهُ أَمْثِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَشَرْطُهُ: صِحَّةُ انْقِسَامِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى مَمْنُوعٍ وَمُسَلَّمٍ، وَإِلَّا كَانَ مُكَابَرَةَ، وَحَصْرَهُ لِجَمِيعِ الْأَقْسَامِ، وَإِلَّا جَازَ أَنْ يَنْهَضَ الْخَارِجُ عَنْهَا بِغَرَضِ الْمُسْتَدِلِّ، وَمُطَابَقَتِهِ لِمَا ذَكَرَهُ» . أَيْ: وَشَرْطُ التَّقْسِيمِ، أَيْ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مِمَّا يَصِحُّ انْقِسَامُهُ إِلَى مَا يَجُوزُ مَنْعُهُ وَتَسْلِيمُهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: احْتِمَالًا مُتَسَاوِيًا، لَكِنْ يَكْفِي الْمُعْتَرِضَ بَيَانُ مُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَيَانُ التَّسَاوِي لِتَعَذُّرِهِ، أَوْ لِصُعُوبَتِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي سُؤَالِ الِاسْتِفْسَارِ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي نَذْرِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ: إِنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْمَعَاصِي، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هُوَ مَعْصِيَةٌ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّ الصَّوْمَ لِعَيْنِهِ قُرْبَةٌ وَعِبَادَةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْصِيَةً، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي. الْمَثَّالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ فِي الصَّبِيِّ إِذَا صَلَّى فِي الْوَقْتِ ثُمَّ بَلَغَ: إِنَّهَا وَظِيفَةٌ صَحَّتْ مِنَ الصَّبِيِّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إِعَادَتُهَا، كَالْبَالِغِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: صَحَّتْ مِنْهُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهَا، فَكَيْفَ تَكُونُ فَرْضًا مَعَ عَدَمِ الْخِطَابِ بِهَا، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ، لِأَنَّ النَّفْلَ لَا يُجَزِئُ عَنِ الْفَرْضِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْبَالِغِ، فَإِنَّهَا صَحَّتْ

стр. 1793

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَرْضًا، فَلِذَلِكَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ. الْمِثَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، أَوْ غَيْرُ مَحْضَةٍ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ سُقُوطُهَا عَنْ مَالِهِ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ جِهَةٍ؛ وَمُؤْنَةٌ مَالِيَّةٌ مِنْ جِهَةٍ، فَنَحْنُ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ نُوجِبُهَا فِي مَالِهِ، كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَقَارِبِ، وَالْمُخَاطَبُ بِإِخْرَاجِهَا الْوَلِيُّ. قَوْلُهُ: «وَإِلَّا كَانَ مُكَابَرَةً» . أَيْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَصِحُّ انْقِسَامُهُ إِلَى مَمْنُوعٍ وَمُسَلَّمٍ؛ كَانَ التَّقْسِيمُ مُكَابَرَةً وَشَغَبًا وَلَعِبًا، كَمَا لَوْ قَالَ: شَرَابٌ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ مَثَلًا: مُسْكِرٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ لُغَوِيٌّ، أَوْ عَقْلِيٌّ؟ أَوْ يَقُولُ: مُسْكِرٌ ذَوْقِيٌّ، أَوْ حَقِيقِيٌّ؟ وَكَمَا لَوْ قَالَ: مَكِيلٌ، فَحَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْبُرِّ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: مَكِيلٌ لُغَوِيٌّ، أَوْ شَرْعِيٌّ؟ فَإِنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ تَقْسِيمٌ لَا مَعْنًى لَهُ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ، فَيَكُونُ عِنَادًا، أَوْ لَعِبًا، أَوْ جَهْلًا، فَلَا يُسْمَعُ. الْأَمْرُ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ: أَنْ يَكُونَ حَاصِرًا لِجَمِيعِ الْأَقْسَامِ الَّتِي يَحْتَمِلُهَا لَفْظُ الْمُسْتَدِلِّ، كَمَا ذَكَرَ مِنِ انْحِصَارِ الْمَعْصِيَةِ فِي كَوْنِهَا لِعَيْنِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا، وَانْحِصَارِ الصَّلَاةِ فِي كَوْنِهَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِرًا، لَمْ يَصِحَّ التَّقْسِيمُ، لِجَوَازِ أَنْ يَنْهَضَ الْقِسْمُ الْبَاقِي الْخَارِجُ عَنِ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُعْتَرِضُ بِفَرْضِ الْمُسْتَدِلِّ. وَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْعَدَدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِهَذَا الْعَدَدِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لَا هَذَا وَلَا هَذَا، بَلْ يَكُونُ أَكْثَرَ، وَهُوَ مُرَادِي.

стр. 1794

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ، فَكَانَ مُجْزِئًا، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْفَرْضِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ؟ فَيَقُولُ: لَا هَذَا وَلَا هَذَا، بَلْ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ أَوِ الْوُجُوبِ، إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ الْحَنْبَلِيُّ: لْوَتْرُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، لِأَنَّهُ إِمَّا فَرْضٌ أَوْ نَفْلٌ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: لَا فَرْضٌ وَلَا نَفْلٌ، بَلْ وَاجِبٌ. الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ فِي الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ: تَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ، لِأَنَّهَا عَاقِلَةٌ، فَصَحَّ مِنْهَا التَّصَرُّفُ لِلْمَصْلَحَةِ كَالرَّجُلِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا تَعْنِي بِالْعَقْلِ؛ التَّجْرِبَةُ، أَوْ كَمَالُ الرَّأْيِ وَحُسْنُ السِّيرَةِ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، فَيَقُولُ: لَا هَذَا، وَلَا هَذَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ قُوَّةٌ غَرِيزِيَّةٌ، يَتَأَتَّى بِهَا دَرْكُ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ. الْأَمْرُ الثَّالِثُ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ التَّقْسِيمِ: «مُطَابَقَتُهُ لِمَا ذَكَرَهُ» الْمُسْتَدِلُّ، أَيْ: إِنَّ الْمُعْتَرِضَ لَا يُورِدُ فِي التَّقْسِيمِ زِيَادَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ فِي دَلِيلِهِ، فَإِنْ زَادَ فِي التَّقْسِيمِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُنَاظِرًا لِنَفْسِهِ لَا لِلْمُسْتَدِلِّ، حَيْثُ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَظِيفَةُ الْمُعْتَرِضِ هَدْمُ مَا يَبْنِيهِ، لَا بِنَاءَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ، فَأَوْجَبَ الْقَصَاصَ، قِيَاسًا عَلَى الْحُرِّ بِالْحُرِّ، فَيُقَالُ لَهُ: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ فِي رَقِيقٍ أَوْ غَيْرِ رَقِيقٍ؟ وَكَذَا إِذَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ إِجْبَارِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ: إِنَّهَا عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ، فَلَا تُجْبَرُ عَلَى نِكَاحِ الرَّجُلِ، فَيُقَالُ: عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ، وَهِيَ بِكْرٌ أَوْ

стр. 1795

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَيْسَتْ بِبَكْرٍ؟ فَهَذَا تَقْسِيمٌ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلرَّقِيقِ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ، وَلَا لِلْبِكْرِ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي، وُجُودًا وَلَا عَدَمًا، فَذِكْرُ الْمُعْتَرِضِ لَهُ تَقْوِيلًا لِلْمُسْتَدِلِّ مَا لَمْ يَقُلْ، أَوْ إِعْرَاضًا عَنْ مُنَاظَرَتِهِ إِلَى مُنَاظَرَةِ الْمُعْتَرِضِ نَفْسَهُ كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ جَهْلًا مِنْهُ بِطَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ. وَأَيًّا مَا كَانَ يَبْطُلُ التَّقْسِيمُ. وَإِذَا تَوَجَّهَ سُؤَالُ التَّقْسِيمِ، فَلِلْمُسْتَدِلِّ فِي دَفْعِهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُبَيِّنَ فَسَادَهُ، بِانْتِفَاءِ شُرُوطِهِ أَوْ بَعْضِهَا، فَيَقُولُ مَثَلًا: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظِي يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرْتَ مِنَ التَّقْسِيمِ، أَوْ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ تَقْسِيمَكَ حَاصِرٌ، بَلْ هُنَاكَ قِسْمٌ آخَرُ مُرَادِي، أَوْ أَنَّكَ زِدْتَ فِي تَقْسِيمِكَ عَلَى مَا ذَكَرْتُ، فَأَنْتَ تُنَاظِرُ نَفْسَكَ، وَلَا يَلْزَمُنِي جَوَابُكَ. الثَّانِي: أَنْ يُبَيِّنَ ظُهُورَهُ فِي بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ: التَّقْسِيمِ بِالْوَضْعِ، أَوْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ لُغَةً أَوْ عُرْفًا أَوْ شَرْعًا، أَوْ بِقَرِينَةٍ، وَإِذَا بَانَ ظُهُورُهُ فِي بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ، وَجَبَ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَسَقَطَ التَّقْسِيمُ. مِثَالُ الظَّاهِرِ بِالْوَضْعِ: لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ فِي مَسْأَلَةِ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ مَعْصِيَةً لِعَيْنِهِ، وَكَوْنُهُ لِغَيْرِهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَلَا يَصِحُّ التَّقْسِيمُ إِلَيْهِ. وَمِثَالُ الظَّاهِرِ بِالْعُرْفِ شَرْعًا: مَا يُذْكَرُ مِنَ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ، فَلَا يَصِحُّ التَّقْسِيمُ إِلَيْهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا قَسَّمَ الْمُعْتَرِضُ إِلَيْهِ اللَّفْظَ مُتَّحِدٌ، وَلَكِنَّهُ وَهِمَ فِي اعْتِقَادِ التَّعَدُّدِ، أَوْ أَنَّ الْأَقْسَامَ كُلَّهَا مُرَادَةٌ لَهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَهُ دَلَّ عَلَيْهَا بِالتَّوَاطُؤِ.

стр. 1796

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمْثِلَةُ هَذَا تَظْهَرُ فِي مَحَلِّ النَّظَرِ بِمَا يَسْتَشْعِرُهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَيُحْتَمَلُ مِنْ شَاهِدِ الْحَالِ. قَوْلُهُ: «وَطَرِيقُ صِيَانَةِ التَّقْسِيمِ: أَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ: إِنْ عَنَيْتَ بِمَا ذَكَرْتَ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ مُحْتَمَلٌ مُسَلَّمٌ، وَالْمُطَالَبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ، وَإِنْ عَنَيْتَ غَيْرَهُ، فَهُوَ مُمْتَنِعٌ مَمْنُوعٌ» . أَيْ أَنَّ التَّقْسِيمَ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ يَعْرِضُ لَهُ الْفَسَادُ، لِجَوَازِ فَوَاتِ بَعْضِ الْأَقْسَامِ، فَيَبْطُلُ، فَالطَّرِيقُ إِلَى صِيَانَتِهِ وَحِفْظِهِ عَنْ ذَلِكَ، أَنْ يَجْعَلَ الْمُعْتَرِضُ تَقْسِيمَهُ دَائِرًا بَيْنَ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَعُمُّ مَا سِوَى الْقِسْمِ الْآخَرِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَقْسَامِ، فَيَقُولُ: إِنْ أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ كَذَا، فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَدْتَ غَيْرَهُ، فَمَمْنُوعٌ، لِأَنَّ لَفْظَ: غَيْرُهُ، يَتَنَاوَلُ مَا عَدَا الْقِسْمَ الْمُصَرَّحَ بِهِ. مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْعَدَدُ إِمَّا مُسَاوٍ أَوْ غَيْرُ مُسَاوٍ فَيَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْمُسَاوِي وَالْأَقَلَّ وَالْأَكْثَرَ، فَتَنْحَصِرُ الْأَقْسَامُ، وَيَقُولُ: مَا تَعْنِي بِقَوْلِكَ: مَأْمُورٌ بِهِ، أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ غَيْرُهُ؟ ، وَصِحَّةُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ فَرْضًا أَوْ غَيْرَهُ؟ وَتُرِيدُ بِالْعَقْلِ: التَّجْرِبَةَ، أَوْ غَيْرَهَا؟ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «فَهُوَ مُحْتَمَلٌ مُسَلَّمٌ» ، أَيْ: إِنْ أَرَدْتَ كَذَا، فَمُحْتَمَلٌ تَنْزِيلُ لَفْظِكَ عَلَيْهِ، وَمُسَلَّمٌ صَلَاحِيَتُهُ لِلْعِلِّيَّةِ، «وَالْمُطَالَبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ» ، أَيْ: أَنَا أُطَالِبُكَ بِالدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صَلَاحِيَتِهِ لِلْعِلِّيَّةِ كَوْنُهُ عِلَّةً، وَإِنْ أَرَدْتَ غَيْرَ ذَلِكَ، «فَهُوَ مُمْتَنِعٌ مَمْنُوعٌ» ، أَيْ: يَمْتَنِعُ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ لَفْظِكَ عَلَيْهِ، وَمَمْنُوعٌ صَلَاحِيَتُهُ لِلْعِلِّيَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1797

السَّادِسُ: الْمُطَالَبَةُ: وَهِيَ طَلَبُ دَلِيلِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ، وَيَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ الْحُكْمِ، وَوُجُودَ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَهُوَ ثَالِثُ الْمُنُوعِ الْمُتَقَدِّمَةِ. السَّابِعُ: النَّقْضُ: وَهُوَ إِبْدَاءُ الْعِلَّةِ بِدُونِ الْحُكْمِ، وَفِي بُطْلَانِ الْعِلَّةِ بِهِ خِلَافٌ، وَيَجِبُ احْتِرَازُ الْمُسْتَدِلِّ فِي دَلِيلِهِ عَنْ صُورَةِ النَّقْضِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَدَفْعُهُ إِمَّا بِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ أَوِ الْحُكْمِ فِي صُورَتِهِ، وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ قَوْلُهُ: لَا أَعْرِفُ الرِّوَايَةَ فِيهَا، إِذْ دَلِيلُهُ صَحِيحٌ، فَلَا يَبْطُلُ بِمَشْكُوكٍ فِيهِ، وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ وَغَصْبٌ، أَوْ بِبَيَانٍ مَانِعٍ، أَوِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ تَخَلَّفَ لِأَجْلِهِ الْحُكْمُ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، وَيُسْمَعُ مِنَ الْمُعْتَرِضِ نَقْضُ أَصْلِ خَصْمِهِ، فَيَلْزَمُهُ الْعُذْرُ عَنْهُ، لَا أَصْلَ نَفْسِهِ، نَحْوَ: هَذَا الْوَصْفُ لَا يَطَّرِدُ عَلَى أَصْلِي، فَكَيْفَ يَلْزَمُنِي؟ إِذْ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ كَمَحَلِّ النِّزَاعِ، أَوْ بِبَيَانِ وُرُودِ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ كَالْعَرَايَا عَلَى الْمَذَاهِبِ، وَقَوْلُ الْمُعْتَرِضِ: دَلِيلُ عِلِّيَّةِ وَصْفِكَ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، غَيْرُ مَسْمُوعٍ، إِذْ هُوَ نَقْضٌ لِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، لَا لِنَفْسِ الْعِلَّةِ، فَهُوَ انْتِقَالٌ، وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ فِي رَدِّهِ أَدْنَى دَلِيلٍ يَلِيقُ بِأَصْلِهِ. ــ السُّؤَالُ «السَّادِسُ» : سُؤَالُ «الْمُطَالَبَةِ» وَهِيَ طَلَبُ دَلِيلِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ، أَيْ أَنْ يَطْلُبَ الْمُعْتَرِضُ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي جَعَلَهُ جَامِعًا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عِلَّةً، كَقَوْلِهِ فِيمَا إِذَا قَالَ: مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ، أَوْ مَكِيلٌ، فَحَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْبُرِّ: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ الْإِسْكَارَ عِلَّةُ

стр. 1798

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّحْرِيمِ، وَإِنَّ الْكَيْلَ عِلَّةُ الرِّبَا؟ وَلِمَ قُلْتَ: إِنَّ تَبْدِيلَ الدِّينِ عِلَّةُ الْقَتْلِ فِيمَا إِذَا قَالَ: إِنْسَانٌ بَدَّلَ دِينَهُ فَقُتِلَ كَالرَّجُلِ؟ قَوْلُهُ: «وَيَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ الْحُكْمِ، وَوُجُودَ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ» . أَيْ: سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ يَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ هَذِهِ الْأُمُورِ لِلْمُسْتَدِلِّ. أَمَّا تَضَمُّنُهُ تَسْلِيمَ الْحُكْمِ، كَتَسْلِيمِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالرِّبَا، وَوُجُوبِ الْقَتْلِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ فَلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْعِلَّةَ فَرْعُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، لِاسْتِنْبَاطِهَا مِنْهُ، وَالْحُكْمَ أَصْلٌ لَهَا، فَمُنَازَعَةُ الْمُعْتَرِضِ فِي الْفَرْعِ - الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ - يُشْعِرُ بِتَسْلِيمِ الْأَصْلِ - الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ - إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمًا لَهُ، لَكَانَ مَنْعُهُ أَوْلَى وَأَجْدَى عَلَى الْمُعْتَرِضِ. وَأَمَّا تَضَمُّنُهُ تَسْلِيمَ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، فَلِأَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ عِلِّيَتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ عِلَّةً، وَذَلِكَ فَرْعٌ عَلَى تَحَقُّقِ الْوَصْفِ فِي نَفْسِهِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، لَكَانَ مَنْعُهُ وُجُودَ الْوَصْفِ أَوْلَى بِهِ، وَأَجْدَى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي سُؤَالِ الْمَنْعِ أَنَّ أَقْسَامَهُ أَرْبَعَةٌ، وَتَرْتِيبُهَا فِي الِاصْطِلَاحِ هَكَذَا: مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ فِيهِ، ثُمَّ مَنْعُ كَوْنِهِ عِلَّةً، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِهِ فِي الْفَرْعِ. وَصُورَةُ إِيرَادِهَا فِي قَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ؛ أَنْ يُقَالَ: لَا

стр. 1799

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نُسَلِّمُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْإِسْكَارِ فِيهِ، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ عِلَّةً، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْإِسْكَارِ فِي النَّبِيذِ، فَقَوْلُهُ: لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ عِلَّةً هُوَ سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ، «وَهُوَ ثَالِثُ الْمُنُوعِ» ، وَالْعَادَةُ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ يَبْتَدِئُ بِالْمُنُوعِ أَوَّلَ أَوَّلَ، فَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى مَنْعٍ إِلَّا وَقَدْ سَلَّمَ الَّذِي قَبْلَهُ، انْقِطَاعًا أَوْ تَنَزُّلًا. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ قَبْلَ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ مَنْعَيْنِ، فَيَتَضَمَّنُ إِيرَادُهُ تَسْلِيمَهُمَا، وَبَعْدَهُ مَنْعُ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ فَرْعٌ عَلَيْهِ، فَيَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَهُ أَيْضًا كَمَا تَقَرَّرَ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي سُؤَالَ الْمُطَالَبَةِ «ثَالِثُ الْمُنُوعِ الْمُتَقَدِّمَةِ» يَعْنِي أَقْسَامَ الْمَنْعِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا، وَفِي مَوْضِعِهَا فِي السُّؤَالِ الرَّابِعِ، وَالْإِشَارَةُ بِكَوْنِهِ ثَالِثَ الْمُنُوعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِأَنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ هَهُنَا بِالْجَوَابِ هُنَاكَ، وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى عِلِّيَّتِهِ بِمَا سَبَقَ، مِنْ نَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوِ اسْتِنْبَاطٍ. وَقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ مِنْ قَبُولِ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِمَا لَا حَاصِلَ لَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى قَبُولِهِ: أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إِمَّا لَا يَعْتَقِدُ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ الَّذِي يَذْكُرُهُ فَيَحْرُمْ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ، وَلَا يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ عِلِّيَّتَهُ، فَإِمَّا تَحَكُّمًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَا يُقْبَلُ، أَوْ بِدَلِيلٍ، فَيَجِبُ إِبْدَاؤُهُ لِتَحْصُلَ بِهِ الْفَائِدَةُ، وَيَلْزَمُ الِانْقِيَادُ، وَكَالنَّبِيِّ، لَا يُسْمَعُ مُجَرَّدُ دَعْوَاهُ النُّبُوَّةِ، حَتَّى يُبَرْهِنَ عَلَيْهَا بِالْمُعْجِزَةِ. السُّؤَالُ " السَّابِعُ: النَّقْضُ ". اعْلَمْ أَنَّ اسْتِعْمَالَ النَّقْضِ فِي الْمَعَانِي كَالْعِلَّةِ وَالْوُضُوءِ وَالرَّأْيِ وَنَحْوِهَا

стр. 1800

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَجَازٌ، وَإِنَّمَا حَقِيقَتُهُ فِي الْبِنَاءِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْمَعَانِي بِعَلَاقَةِ الْإِبْطَالِ، وَتَغْيِيرِ الْوَضْعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالْمَعْنَى الْمَنْقُوضَيْنِ. قَوْلُهُ: " وَهُوَ إِبْدَاءُ الْعِلَّةِ بِدُونِ الْحُكْمِ "، وَقِيلَ: تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَمَّا عُلِّلَ بِهِ مِنَ الْوَصْفِ، وَقِيلَ: إِبْدَاءُ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَدِلِّ، مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ وِفَاقًا، وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ. وَمِثَالُهُ: أَنْ يُقَالَ فِي مَسْأَلَةِ النَّبَّاشِ: سَرَقَ نِصَابًا كَامِلًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، كَسَارِقِ مَالِ الْحَيِّ، فَيُقَالُ: هَذَا يَنْتَقِضُ بِالْوَالِدِ يَسْرِقُ مَالَ وَلَدِهِ، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ يَسْرِقُ مَالَ مَدْيُونِهِ، فَإِنَّ الْوَصْفَ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، وَلَا يُقْطَعَانِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ، فَأَوْجَبَ الْقَصَاصَ، فَقِيلَ: يَنْتَقِضُ بِقَتْلِ الْأَبِ وَلَدَهُ، وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ، وَالْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ، فَإِنَّ الْوَصْفَ مَوْجُودٌ، وَالْقِصَاصَ مُنْتَفٍ. قَوْلُهُ: " وَفِي بُطْلَانِ الْعِلَّةِ بِهِ " أَيْ: بِالنَّقْضِ، " خِلَافٌ " سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَرَجَّحْنَا هُنَاكَ عَدَمَ الْبُطْلَانِ عَلَى مَا مَرَّ. قَوْلُهُ: " وَيَجِبُ احْتِرَازُ الْمُسْتَدِلِّ فِي دَلِيلِهِ عَنْ صُورَةِ النَّقْضِ عَلَى الْأَصَحِّ ". مِثَالُهُ فِي الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ؛ أَنْ يَقُولَ: سَرَقَ نِصَابًا كَامِلًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، وَلَيْسَ أَبًا وَلَا مَدْيُونًا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ، وَيَقُولُ: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ، خَالٍ عَنْ مَانِعِ الْإِيلَادِ، وَالْمِلْكِ، وَالتَّفَاوُتِ فِي الدِّينِ، فَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ، وَلَا نِزَاعَ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا الِاحْتِرَازِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي وُجُوبِهِ، فَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّقْضَ سُؤَالٌ خَارِجٌ عَنِ الْقِيَاسِ، فَلَا يَجِبُ إِدْخَالُهُ فِي

стр. 1801

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صُلْبِ الْقِيَاسِ، بَلْ إِذَا أَوْرَدَهُ الْمُعْتَرِضُ، لَزِمَ جَوَابُهُ بِمَا يَدْفَعُهُ كَسَائِرِ الْأَسْئِلَةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا لِلْمُعْتَرِضِ عَلَى مَوْضِعِ النَّقْضِ، وَفِي ذَلِكَ نَشْرُ الْكَلَامِ وَتَبَدُّدُهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَطْلُوبِ مِنَ الْمُنَاظَرَةِ، وَمَنْ أَوْجَبَهُ، قَالَ: لِأَنَّ فِيهِ حَسْمَ مَادَّةِ الشَّغْبِ، وَانْتِشَارَ الْكَلَامِ، وَسَدًّا لِبَابِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا، لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الْكَلَامِ عَنِ التَّبْدِيلِ، وَلِلْقَوْلَيْنِ اتِّجَاهٌ، وَهَذَا الْأَخِيرُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: سُؤَالُ النَّقْضِ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنِ الْقِيَاسِ، إِلَّا أَنَّ الْمُقْتَضِيَ وَالْمُصَحِّحَ لَهُ خَلَلٌ فِي طَلَبِ الْقِيَاسِ، فَوَجَبَ الِاعْتِنَاءُ بِسَدِّهِ، كَسُجُودِ السَّهْوِ مَعَ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُمْ: فِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْمُعْتَرِضِ عَلَى مَوْضِعِ النَّقْضِ. قُلْنَا: فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا يَقْدَحُ فِي وُجُوبِ الِاحْتِرَازِ، لِأَنَّ الْمُنَاظَرَةَ الْمَشْرُوعَةَ مَقَامُ عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ، يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ لَهُ وَعَلَيْهِ، مُتَوَخِّيًا لِلْحَقِّ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرْتُمْ مَانِعًا مِنْ الِاحْتِرَازِ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْمُنَاظَرَةِ غَلَبَةَ الْخَصْمِ بِالْمُخَادَعَةِ، وَتَخْيِيلِ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] ،

стр. 1802

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٦] ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاحْتِرَازِ عَنْ صُورَةِ النَّقْضِ أَحْسَنُ، لِمَا فِيهِ مِنْ جَمْعِ الْكَلَامِ، وَصِيَانَتِهِ عَنِ النَّقْضِ وَالنَّشْرِ، فَكَانَ وَاجِبًا، عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ بِهِ. قَوْلُهُ: " وَدَفْعُهُ: إِمَّا بِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ، أَوِ الْحُكْمِ فِي صُورَتِهِ ". أَيْ: وَدَفْعُ سُؤَالِ النَّقْضِ بِالْجَوَابِ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، لِأَنَّ النَّقْضَ إِنَّمَا تَحَقَّقَ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ، وَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا، فَإِذَا مُنِعَ وُجُودُ الْعِلَّةِ، لَمْ يَتَحَقَّقِ النَّقْضُ، ثُمَّ تَقُولُ: إِنَّمَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِعَدَمِ عِلَّتِهِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِي عَكْسًا، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَائِهَا. مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ، كَمَا فِي الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَنْتَقِضُ بِقَتْلِ الْمُعَاهَدِ، فَإِنَّهُ قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ، وَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ، فَيَقُولُ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ عُدْوَانٌ، فَيَنْدَفِعُ النَّقْضُ بِذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ لَهُ. وَهَلْ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: لَا، لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يَصِيرُ مُسْتَدِلًّا، وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا، فَتَنْقَلِبُ قَاعِدَةُ النَّظَرِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ قَتْلَ الْمُعَاهَدِ عُدْوَانٌ: إِنَّهُ قَتْلٌ مُخْفِرٌ لِذِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ مَا كَانَ مُخْفِرًا لِذِمَّةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ عُدْوَانٌ كَقَتْلِ الْمُسْلِمِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخْفِرٌ لِذِمَّةِ الْإِسْلَامِ فَيُفْضِي إِلَى مَا ذَكَرْنَا. الثَّانِي: لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ بِهِ يَتَحَقَّقُ سُؤَالُهُ، وَيَتِمُّ مَقْصُودُهُ، أَشْبَهَ الْمُسْتَدِلَّ إِذَا

стр. 1803

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَنَعَ حُكْمَ الْأَصْلِ، لَهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، كَمَا سَبَقَ. الثَّالِثُ - وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ - إِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمُعْتَرِضِ الِاعْتِرَاضُ بِغَيْرِ النَّقْضِ، جَازَ لَهُ إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ فِي صُورَتِهِ، تَحْصِيلًا لِفَائِدَةِ النَّظَرِ، وَإِنْ أَمْكَنَ الِاعْتِرَاضُ بِغَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ الْقَاعِدَةِ مَعَ إِمْكَانِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي فِي جَوَابِ النَّقْضِ مَنْعُ الْحُكْمِ فِي صُورَتِهِ. مِثَالُهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ يَقُولَ: لَا أُسَلِّمُ الْحُكْمَ فِي الْمُعَاهِدِ، فَإِنَّ عِنْدِي يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُعَاهَدِ، وَهُوَ عَدَمُ الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ إِلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى. قَوْلُهُ: " وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ قَوْلُهُ: لَا أَعْرِفُ الرِّوَايَةَ فِيهَا، إِذْ دَلِيلُهُ صَحِيحٌ، فَلَا يَبْطُلُ بِمَشْكُوكٍ فِيهِ "، أَيْ: إِذَا نَقَضَ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ عِلَّتَهُ بِصُورَةٍ، فَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُجِيبَ عَنِ النَّقْضِ بِالتَّصْرِيحِ بِمَنْعِ الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرِّوَايَةَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، كَفَاهُ ذَلِكَ فِي دَفْعِهِ، لِأَنَّ دَلِيلَهُ عَلَى الْعِلَّةِ صَحِيحٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قَتْلُ عَمْدٍ عَدْوَانٌ، فَلَا يَبْطُلُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الرِّوَايَةَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى وَفْقِ الْعِلَّةِ، فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِهَا، فَيَرِدُ، وَإِذَا احْتُمِلَ وُرُودُهُ وَعَدَمُ وُرُودِهِ، وَعِلَّةُ الْقِيَاسِ صَحِيحَةٌ بِإِحْدَى الطُّرُقِ الْمُصَحَّحَةِ لِلْعِلَّةِ، فَلَا يَبْطُلُ بِأَمْرٍ مُتَرَدَّدٍ فِيهِ. قَوْلُهُ: " وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ "، أَيْ: عَلَى ثُبُوتِ الْعِلَّةِ

стр. 1804

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَوِ الْحُكْمِ، إِذَا مَنَعَهُمَا الْمُسْتَدِلُّ " فِي صُورَةِ النَّقْضِ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ " عَنْ مَحَلِّ النَّظَرِ، " وَغَصْبٌ " لِمَنْصِبِ الْمُسْتَدِلِّ، حَيْثُ يَنْقَلِبُ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًّا وَقَدْ سَبَقَ هَذَا، وَبَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْعِلَّةِ دُونَ الْحُكْمِ. قَوْلُهُ: " أَوْ بِبَيَانٍ مَانِعٍ، أَوِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ تَخَلَّفَ لِأَجْلِهِ الْحُكْمُ فِي صُورَةِ النَّقْضِ ". هَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي الْجَوَابِ عَنِ النَّقْضِ، وَهُوَ أَنْ يُبَيِّنَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ وُجُودَ مَانِعٍ، أَوِ انْتِفَاءَ شَرْطٍ يُحِيلُ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ فِيهَا عَلَيْهِ، كَمَا سَبَقَ فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، كَمَا إِذَا أَوْرَدَ الْمُعْتَرِضُ قَتْلَ الْوَالِدِ وَلَدَهُ، عَلَى عِلَّةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، فَقَالَ الْمُسْتَدِلُّ: تَخَلَّفَ الْحُكْمُ لِمَانِعِ الْأُبُوَّةِ، وَإِذَا قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: سَرَقَ نِصَابًا كَامِلًا وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ فَقُطِعَ، فَأَوْرَدَ الْمُعْتَرِضُ السَّرِقَةَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، فَقَالَ الْمُسْتَدِلُّ: تَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِيهَا لِانْتِفَاءِ شَرْطٍ، وَهُوَ الْحِرْزُ، وَكَمَا إِذَا قَالَ: نِصَابٌ كَامِلٌ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْمَضْرُوبِ، فَأَوْرَدَ الْمُعْتَرِضُ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَدْيُونِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: مَالُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَاتَ فِيهِ شَرْطُ التَّكْلِيفِ، تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ، وَمَالُ الْمَدْيُونِ وُجِدَ فِيهِ مَانِعُ الدَّيْنِ، فَلِذَلِكَ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. قَوْلُهُ: وَيُسْمَعُ مِنَ الْمُعْتَرِضِ نَقْضُ أَصْلِ خَصْمِهِ، فَيَلْزَمُهُ الْعُذْرُ عَنْهُ، لَا أَصْلَ نَفْسِهِ، نَحْوَ: هَذَا الْوَصْفُ لَا يَطَّرِدُ عَلَى أَصْلِي، فَكَيْفَ يَلْزَمُنِي؟ ، إِذْ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، كَمَحَلِّ النِّزَاعِ ". يَعْنِي أَنَّ النَّقْضَ مِنَ الْمُعْتَرِضِ، إِمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى أَصْلِ خَصْمِهِ الْمُسْتَدِلِّ، أَوْ إِلَى أَصْلِ نَفْسِهِ - يَعْنِي الْمُعْتَرِضَ - فَإِنْ كَانَ النَّقْضُ مُتَوَجِّهًا إِلَى أَصْلِ

стр. 1805

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمُسْتَدِلِّ، لَزِمَهُ الْجَوَابُ وَالِاعْتِذَارُ عَنْهُ، كَمَا سَبَقَتْ أَمْثِلَتُهُ، لِاخْتِصَاصِ النَّقْضِ بِمَذْهَبِهِ، فَبِدُونِ الْجَوَابِ عَنْهُ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ، كَمَا إِذَا قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ: إِنَّهُ قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ، فَيُوجِبُ الْقِصَاصَ، قِيَاسًا عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ، فَيَقُولُ الْحَنْبَلِيُّ: هَذَا يَنْتَقِضُ عَلَى أَصْلِكَ بِمَا إِذَا قَتَلَهُ بِالْمُثَقَّلِ، فَإِنَّ الْأَوْصَافَ مَوْجُودَةٌ، وَالْقِصَاصُ مُنْتَفٍ عِنْدَكَ، فَلَهُ أَنْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ بِأَدْنَى عُذْرٍ يَلِيقُ بِمَذْهَبِهِ، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ فِيهِ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَأْخَذِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ ذَلِكَ قَتْلًا، وَلَيْسَ عَمْدًا، أَوْ مَا شَاءَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَإِنْ كَانَ النَّقْضُ مُتَوَجِّهًا مِنَ الْمُعْتَرِضِ إِلَى أَصْلِ نَفْسِهِ، لَمْ يَقْدَحْ فِي عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْعُذْرُ عَنْهُ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا قَالَ الْحَنْبَلِيُّ: لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ قِيَاسًا عَلَى الْحَرْبِيِّ، فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: هَذَا الْوَصْفُ لَا يَطَّرِدُ عَلَى أَصْلِي، إِذْ هُوَ بَاطِلٌ بِالْمُعَاهَدِ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ، وَيُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ عِنْدِي. وَكَذَا لَوْ قَالَ حَنْبَلِيٌّ: يُقْطَعُ النَّبَّاشُ، لِأَنَّهُ سَارِقٌ، فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: هَذَا بَاطِلٌ عَلَى أَصْلِي بِسَارِقِ الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ، فَإِنَّهُ سَارِقٌ، وَلَا يَجِبُ قَطْعُهُ عِنْدِي، وَإِذَا كَانَ وَصْفُكَ أَيُّهَا الْمُسْتَدِلُّ غَيْرَ مُطَّرِدٍ عِنْدِي، فَكَيْفَ يَلْزَمُنِي؟ فَهَذَا لَا يُسْمَعُ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ - وَهُوَ الْوَصْفُ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ، وَهُوَ الْكُفْرُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، وَالسَّرِقَةُ فِي مَسْأَلَةِ النَّبَّاشِ - حُجَّةٌ عَلَى الْمُعْتَرِضِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، كَمَا أَنَّهَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: الْعِلَّةُ فِي قَطْعِ السَّارِقِ عِنْدِي كَوْنُهُ سَارِقًا، فَأَنَا أَقُولُ بِوُجُوبِ الْقَطْعِ فِي الصُّورَتَيْنِ: صُورَةِ النِّزَاعِ، وَهُوَ قَطْعُ النَّبَّاشِ، وَصُورَةِ النَّقْضِ، وَهُوَ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ، فَالْوَصْفُ الَّذِي

стр. 1806

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَكَرْتَهُ حُجَّةٌ عَلَيْكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ قَادِحٌ فِي نَفْسِ الْعِلَّةِ، فَأَبْدِهِ. أَمَّا كَوْنُهَا لَا تَطَّرِدُ عَلَى أَصْلِكَ، فَلَا يَلْزَمُنِي، إِذْ هَذَا حَمْلٌ لِي عَلَى مَذْهَبِكَ بِالْقُوَّةِ. قَوْلُهُ: " أَوْ بِبَيَانِ وُرُودِ النَّقْضِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ، كَالْعَرَايَا عَلَى الْمَذَاهِبِ ". هَذَا الْوَجْهُ الرَّابِعُ فِي الْجَوَابِ عَنِ النَّقْضِ، وَهُوَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ، أَنَّ صُورَةَ النَّقْضِ وَارِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ خَصْمِهِ، كَمَا إِذَا قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: مَكِيلٌ، فَحَرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، فَأَوْرَدَ الْمُعْتَرِضُ الْعَرَايَا، إِذْ هِيَ مَكِيلٌ، وَقَدْ جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ الْمَبِيعِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: هَذَا وَارِدٌ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ جَمِيعًا، فَلَيْسَ بُطْلَانُ مَذْهَبِي بِهِ أَوْلَى مِنْ بُطْلَانِ مَذْهَبِكَ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَلَيْسَ فِي " الْمُخْتَصَرِ "، بَلْ ذَكَرَهُ النِّيلِيُّ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: هَذِهِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةٌ، فَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ بِالنَّصِّ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهَا نَقْضٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٨] إِذَا عَلَّلَ بِالسَّرِقَةِ فِي مَسْأَلَةِ النَّبَّاشِ وَغَيْرِهِ، فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضَ النُّقُوضِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَذَلِكَ عِلَّةُ الْعَرَايَا مَنْصُوصَةٌ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا النَّقْضُ بِالْعَرَايَا. قَوْلُهُ: " وَقَوْلُ الْمُعْتَرِضِ: دَلِيلُ عِلِّيَّةِ وَصْفِكَ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، غَيْرُ مَسْمُوعٍ، إِذْ هُوَ نَقْضٌ لِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، لَا لِنَفْسِ الْعِلَّةِ، فَهُوَ انْتِقَالٌ " يَعْنِي إِذَا نَقَضَ الْمُعْتَرِضُ عِلَّةَ الْمُسْتَدِلِّ بِصُورَةٍ، فَأَجَابَ الْمُسْتَدِلُّ عَنْ ذَلِكَ بِأَحَدِ الْأَجْوِبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، إِمَّا بِمَنْعِ الْعِلَّةِ، أَوِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، أَوْ يُورِدُ النَّقْضَ

стр. 1807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ وَصْفَكَ الَّذِي عَلَّلْتَ بِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعَ عِلَّةٌ؛ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، فَيَلْزَمُكَ الْإِقْرَارُ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهَا، عَمَلًا بِوُجُودِ الْوَصْفِ الْمُقْتَضِي لَهُ، لَكِنَّكَ لَمْ تَقُلْ بِهِ، فَيَلْزَمُكَ النَّقْضُ. مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ: قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ، فَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ، كَقَتْلِ الْمُسْلِمِ، فَيَقُولُ الْحَنْبَلِيُّ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ قَتْلَ الذِّمِّيِّ عُدْوَانٌ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَتْلَ الذِّمِّيِّ عُدْوَانٌ أَنَّهُ مَعْصُومٌ بِعَهْدِ الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مَعْصُومًا بِعِصْمَةِ الْإِسْلَامِ، فَقَتْلُهُ عُدْوَانٌ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: دَلِيلُ الْعُدْوَانِيَّةِ فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ مَوْجُودٌ فِي قَتْلِ الْمُعَاهَدِ، فَلْيَكُنْ عُدْوَانًا يَجِبُ بِهِ الْقَصَاصٌ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَهَذَا نَقْضٌ لِدَلِيلِ الْعِلَّةِ، لَا لِنَفْسِ الْعِلَّةِ، فَلَا يُسْمَعُ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْكَلَامَ أَوَّلًا كَانَ فِي نَقْضِ وُجُوبِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِعَدَمِ وُجُوبِ قَتْلِهِ بِالْمُعَاهَدِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعِلَّةِ، وَهُوَ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي نَقْضِ كَوْنِ إِخْفَارِ ذِمَّةِ الْإِسْلَامِ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ عُدْوَانًا عَلَيْهِ بِكَوْنِ الْإِخْفَارِ الْمَذْكُورِ بِقَتْلِ الْمُعَاهَدِ لَيْسَ عُدْوَانًا عَلَيْهِ، وَهُوَ نَقْضٌ لِدَلِيلِ الْعِلَّةِ كَمَا ذُكِرَ، فَقَدَ انْتَقَلَ مِنَ النَّقْضِ لِعِلَّةِ الْحُكْمِ إِلَى النَّقْضِ لِدَلِيلِ عِلَّةِ الْحُكْمِ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا إِذَا انْتَقَلَ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ إِلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُكَ أَنْ تَعْتَرِفَ بِالْعُدْوَانِيَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ لِوُجُودِ دَلِيلِهَا الَّذِي اعْتَمَدْتَ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.

стр. 1808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: " وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ فِي رَدِّهِ أَدْنَى دَلِيلٍ يَلِيقُ بِأَصْلِهِ ". أَيْ: وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ فِي رَدِّ هَذَا النَّقْضِ عَلَى دَلِيلٍ يَلِيقُ بِأَصْلِهِ، أَيْ: يُوَافِقُهُ وَيُطَابِقُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا لَمْ أَحْكُمْ بِالْعُدْوَانِيَّةِ فِي صُورَةِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْحَرْبِيِّ لِمُعَارِضٍ لِي فِي مَذْهَبِي، وَهُوَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُعَاهَدَ مُؤَقَّتُ الْعَهْدِ، فَالْمُقْتَضِي لِانْتِفَاءِ الْقِصَاصِ فِيهِ قَوِيٌّ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ، وَالْمُقْتَضِي لِإِثْبَاتِهِ ضَعِيفٌ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ، فَإِنَّ الْمُقْتَضِيَ لِقَتْلِ الْمُسَلِمِ بِهِ قَوِيٌّ لِتَأَبُّدِ عَهْدِهِ وَذِمَّتِهِ، فَصَارَ كَالْمُسْلِمِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْذَارِ.

стр. 1809

وَ الْكَسْرُ: وَهُوَ إِبْدَاءُ الْحِكْمَةِ بِدُونِ الْحُكْمِ، غَيْرُ لَازِمٍ، إِذِ الْحِكَمُ لَا تَنْضَبِطُ بِالرَّأْيِ، فَرُدَّ ضَبْطُهَا إِلَى تَقْدِيرِ الشَّارِعِ، وَفِي انْدِفَاعِ النَّقْضِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِذِكْرِ وَصْفٍ فِي الْعِلَّةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَعْدَمُ فِي الْأَصْلِ لِعَدَمِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ فِي الِاسْتِجْمَارِ: حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْجَارِ، يَسْتَوِي فِيهِ الثَّيِّبُ وَالْأَبْكَارُ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ الْعَدَدُ كَرَمْيِ الْجِمَارِ، خِلَافُ، الظَّاهِرِ، لَا لِأَنَّ الطَّرْدِيَّ لَا يُؤَثِّرُ مُفْرَدًا، فَكَذَا مَعَ غَيْرِهِ، كَالْفَاسِقِ فِي الشَّهَادَةِ، وَيَنْدَفِعُ بِالِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِذِكْرِ شَرْطٍ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، نَحْوَ: حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ مَحْقُونَا الدَّمِ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ كَالْمُسْلِمِينَ، إِذِ الْعَمْدُ أَحَدُ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ حُكْمًا؛ وَإِنْ تَأَخَّرَ لَفْظًا، وَالْعِبْرَةُ بِالْأَحْكَامِ لَا الْأَلْفَاظِ، وَقِيلَ: لَا، إِذْ قَوْلُهُ فِي الْعَمْدِ، اعْتِرَافٌ بِتَخَلُّفِ حُكْمِ عِلَّتِهِ عَنْهَا فِي الْخَطَأِ، وَهُوَ نَقْضٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. ــ قَوْلُهُ: «وَالْكَسْرُ: وَهُوَ إِبْدَاءُ الْحِكْمَةِ بِدُونِ الْحُكْمِ غَيْرُ لَازِمٍ» . هَذَا كَلَامٌ يَتَضَمَّنُ تَعْرِيفَ الْكَسْرِ وَحُكْمَهُ. أَمَّا تَعْرِيفُهُ، فَهُوَ إِبْدَاءُ الْحِكْمَةِ بِدُونِ الْحُكْمِ، وَالْحِكْمَةُ قَدْ سَبَقَ أَنَّهَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الضَّابِطُ الْوَصْفِيُّ كَالْمَشَقَّةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا السَّفَرُ الْمُبَاحُ، وَالْعُقُوبَةُ الرَّادِعَةُ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ - يَعْنِي الْكَسْرَ - نَقْضٌ عَلَى الْعِلَّةِ دُونَ ضَابِطِهَا.

стр. 1810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: الضَّابِطُ: هُوَ مَا رَتَّبَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ، لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ حُصُولِ الْحِكْمَةِ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ الَّذِي رَتَّبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ حِفْظِ النُّفُوسَ، وَكَإِيلَاجِ الْفَرْجِ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ رَتَّبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ حِفْظِ الْأَنْسَابِ وَأَشْبَاهِ هَذَا. مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ: يَتَرَخَّصُ، لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، فَيَتَرَخَّصُ كَالْمُسَافِرِ سَفَرًا مُبَاحًا، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: لِمَ قُلْتَ: إِنَّهُ يَتَرَخَّصُ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَجِدُ مَشَقَّةً فِي سَفَرِهِ، فَنَاسَبَ التَّرَخُّصَ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ بِالِاعْتِبَارِ، فَيَقُولُ الْحَنْبَلِيُّ: هَذَا يَنْكَسِرُ بِالْمُكَارِي وَالْفَيِّجِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ دَأْبُهُ السَّفَرُ؛ يَجِدُ الْمَشَقَّةَ وَلَا يَتَرَخَّصُ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الْحَاضِرُ؛ يَجِدُ الْمَشَقَّةَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْنَا فِي قَطْعِ الْيَدِ بِالْيَدِ: إِنَّ الْقَطْعَ الْعَمْدَ الْعُدْوَانَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ، لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جِنَايَةٌ، وَالْجِنَايَةُ تُنَاسِبُ الْعُقُوبَةَ، فَيُقَالُ: هَذَا يَنْكَسِرُ بِالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ، وَسَائِرُ الْجِنَايَاتِ هِيَ جِنَايَاتٌ، وَلَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَعْرِيفِ الْكَسْرِ وَتَمْثِيلِهِ. وَأَمَّا حُكْمُهُ، فَهُوَ أَنَّهُ «غَيْرُ لَازِمٍ» ، أَيْ: غَيْرُ وَارِدٍ نَقْضًا عَلَى الْعِلَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. قَوْلُهُ: «إِذِ الْحِكَمُ لَا تَنْضَبِطُ بِالرَّأْيِ، فَرُدَّ ضَبْطُهَا إِلَى تَقْدِيرِ الشَّارِعِ» . هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَسْرَ لَا يَرُدُّ نَقْضًا. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْحِكَمَ لَيْسَتْ مَضْبُوطَةً فِي نَفْسِهَا، وَمَا لَيْسَ مَضْبُوطًا فِي نَفْسِهِ، وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى تَقْدِيرِ الشَّارِعِ وَضَبْطِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْحِكَمَ لَيْسَتْ مَضْبُوطَةً فِي أَنْفُسِهَا، لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ

стр. 1811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَلْبِ مَصَالِحَ، وَدَرْءِ مَفَاسِدَ، وَالْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ تَخْتَلِفُ وَتَتَفَاوَتُ كَثِيرًا بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَا تَتَمَيَّزُ بِأَنْفُسِهَا، وَمَا لَا يَتَمَيَّزُ لَا يَنْضَبِطُ، لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مِنْ لَوَازِمِ الِانْضِبَاطِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَإِنَّمَا تَتَمَيَّزُ وَتَتَنَوَّعُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَوْصَافِ الضَّابِطَةِ لَهَا مِنَ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ. مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُنَا: مَشَقَّةُ السَّفَرِ، وَمَشَقَّةُ الْمَرَضِ، وَمَشَقَّةُ الْحَمْلِ، وَجِنَايَةُ السَّرِقَةِ، وَجِنَايَةُ الْغَصْبِ، وَجِنَايَةُ الْقَتْلِ. وَالْقَطْعُ، فَأَنْوَاعُ الْمَشَقَّةِ وَالْجِنَايَةِ إِنَّمَا تَمَيَّزَتْ بِتَمَيُّزِ الْأَفْعَالِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهَا، أَمَّا هِيَ لِذَاتِهَا؛ فَلَا تَمَيُّزَ فِيهَا لِنَوْعٍ مِنْ نَوْعٍ. إِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ فِي نَفْسِهَا، لَمْ يَجُزْ رَبْطُ الْأَحْكَامِ بِهَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لُحُوقُ الْمَشَقَّةِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِرَبْطِ مَصَالِحِهِمْ بِأُمُورٍ خَفِيَّةٍ غَيْرِ مَضْبُوطَةٍ، فَتَخْتَلِفُ عَلَيْهِمُ الْأَحْكَامُ، وَتَضْطَرِبُ الْأَحْوَالُ. الثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ قَانُونًا كُلِّيًّا مُؤَبَّدًا، فَلَوْ عُلِّقَ بِالْحِكَمِ، لَكَثُرَ اخْتِلَافُهُ وَاضْطِرَابُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ شَأْنَ الْقَوَانِينِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مَا لَا يَنْضَبِطُ بِنَفْسِهِ يَجِبُ رَدُّهُ إِلَى تَقْدِيرِ الشَّارِعِ وَضَبْطِهِ، فَلِأَنَّ مَا لَا يَنْضَبِطُ بِنَفْسِهِ يَقَعُ فِيهِ النِّزَاعُ، وَمَا وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ، وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩] . قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ لَمْ يَقَعْ بِالْحِكْمَةِ لِخَفَائِهَا وَاضْطِرَابِهَا، بَلْ

стр. 1812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالضَّابِطِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا، وَلَا مَعْنًى لِإِبْطَالِ مَا لَمْ يُعَلَّلْ بِهِ. قَالَ: فَيَحْتَاجُ الْمُعْتَرِضُ إِلَى بَيَانِ اسْتِوَاءِ الْحِكْمَةِ فِي الْقِيَاسِ. وَصُورَةُ النَّقْضِ كَاسْتِوَاءِ الْجِنَايَةِ الْحَاصِلَةِ بِالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ، وَالْجِنَايَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْقَطْعِ، وَكَذَلِكَ اسْتِوَاءُ مَشَقَّةِ الْمُسَافِرِ، وَمَشَقَّةِ الْمُكَارِي، وَالْفَيِّجِ وَالْمَرِيضِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْمَشَقَّةِ وَالْجِنَايَةُ فِي نَفْسِهَا. وَتَلْخِيصُ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ سُؤَالِ الْكَسْرِ، لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ الْمُعَلَّلُ بِهَا مَوْجُودَةً بِكَمَالِهَا فِي صُورَةِ الْكَسْرِ، وَلَا أُسَلِّمُ ذَلِكَ، لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ وُجُودُ الْمَظِنَّةِ، وَلَمْ تُوجَدْ. وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ سُؤَالَ الْكَسْرِ لَازِمٌ مُفْسِدٌ لِلْعِلَّةِ، احْتِجَاجًا مِنْهُمْ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ إِنَّمَا هُوَ الْحِكْمَةُ دُونَ ضَابِطِهَا، فَإِذَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا، ظَهَرَ إِلْغَاءُ مَا ثَبَتَ لِأَجْلِهِ الْحُكْمُ، فَبَطَلَتْ كَضَابِطِ الْحُكْمِ إِذَا بَطَلَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِ الْحِكَمِ الْحِكْمَةُ الْمُطْلَقَةُ أَوِ الْمُنْضَبِطَةُ بِنَفْسِهَا أَوْ بِضَابِطِهَا، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، لَكِنْ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ انْضِبَاطَ الْحِكْمَةِ بِنَفْسِهَا مُتَعَذِّرٌ، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَى ضَبْطِهَا بِضَابِطِهَا، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّلَامَةِ وَالنَّقْضِ ذَلِكَ الضَّابِطَ الَّذِي تَحَقَّقَ بِهِ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ. قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ دُونَ الضَّابِطِ،

стр. 1813

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَالْخِلَافُ هُنَا يَقْرُبُ تَخْرِيجُهُ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ اعْتِبَارِ الْحِكْمَةِ بِضَابِطِهَا: أَنَّ الْمَشَقَّةَ الْمُبِيحَةَ لِلتَّرَخُّصِ لَمَّا كَانَتْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فِي الضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ، وَاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فِي الْفَقْرِ وَالْجِدَةِ، ضُبِطَتْ بِالسَّفَرِ الشَّرْعِيِّ، لِأَنَّهُ وَصْفٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَخْتَلِفُ، فَاسْتَوَى فِي مَنَاطِ التَّرَخُّصِ الْمَلِكُ وَالْمَمْلُوكُ، وَالْغَنِيُّ وَالصُّعْلُوكُ. وَمِنْهَا: أَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ لَمَّا كَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْزِجَةِ وَالطِّبَاعِ، فَبَعْضُ النَّاسِ يَزُولُ عَقْلُهُ بِتَنَاوُلِ الْجُرْعَةِ وَالْجُرْعَتَيْنِ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَزُولُ بِالزِّقِّ وَالزِّقَّيْنِ؛ جُعِلَ ضَابِطُ التَّحْرِيمِ مُطْلَقَ الْخَمْرِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَاسْتَوَى فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِهِ شَارِبُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِنْزَالَ فِي الْوَطْءِ لَمَّا كَانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءِ سُرْعَةً وَبُطْأً؛ حَتَّى إِنَّ مَنِ اشْتَدَّتْ غُلْمَتُهُ رُبَّمَا أَنْزَلَ قَبْلَ أَنْ يُولِجَ، وَمَنْ ضَعُفَتْ هِمَّتُهُ لِمَرَضٍ، أَوْ تَقَدُّمِ وَطْءٍ، أَوْ ضَعْفِ جِبِلَّةٍ، رُبَّمَا أَوْلَجَ وَلَمْ يُنْزِلْ؛ جَعَلَ الشَّرْعُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ ضَابِطًا لِأَحْكَامِ الْإِنْزَالِ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ، وَحَدٍّ، وَبُطْلَانِ عِبَادَةٍ، وَتَحْلِيلِ زَوْجَةٍ، وَخُرُوجٍ مِنْ فِئَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، كُلُّ هَذَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مَظَانُّ هَذِهِ الْحِكَمِ، فَتُرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «وَفِي انْدِفَاعِ النَّقْضِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِذِكْرِ وَصْفٍ فِي الْعِلَّةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يُعْدَمُ فِي الْأَصْلِ لِعَدَمِهِ - نَحْوَ قَوْلِهِمْ فِي الِاسْتِجْمَارِ: حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْجَارِ، يَسْتَوِي فِيهِ الثَّيِّبُ وَالْأَبْكَارُ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ الْعَدَدُ كَرَمْيِ الْجِمَارِ، خِلَافُ الظَّاهِرِ: لَا، لِأَنَّ الطَّرْدِيَّ لَا يُؤَثِّرُ مُفْرَدًا، فَكَذَا مَعَ غَيْرِهِ، كَالْفَاسِقِ فِي

стр. 1814

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّهَادَةِ» . هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ، فَالْمُبْتَدَأُ قَوْلُهُ: «خِلَافُ» ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: «وَفِي انْدِفَاعِ النَّقْضِ» ، إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ كَقَوْلِهِمْ: فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، وَفِي الدَّارِ رَجُلٌ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ. وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ أَنَّ الْمُعَلِّلَ إِذَا احْتَرَزَ عَنِ النَّقْضِ بِذِكْرِ وَصْفٍ فِي الْعِلَّةِ غَيْرِ مُؤَثِّرٍ فِي الْحُكْمِ وُجُودًا وَعَدَمًا، بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى وُجُودِهِ، وَلَا يُعْدَمُ بِعَدَمِهِ، فَهَلْ يَنْدَفِعُ النَّقْضُ عَنْ عِلَّتِهِ بِذَلِكَ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَمِثَالُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّ قَوْلَنَا: «الِاسْتِجْمَارُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْجَارِ» وَصْفٌ شَبَهِيٌّ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُمْ: «يَسْتَوِي فِيهِ الثَّيِّبُ وَالْأَبْكَارُ» ؛ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَلَا عَدَمِهِ، وَإِنَّمَا أُتِيَ بِهِ دَفْعًا لِنَقْضِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ بِحَدِّ الرَّجْمِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْجَارِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ فِي الِاسْتِجْمَارِ، لَوَرَدَ عَلَيْهِ حَدُّ الرَّجْمِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْأَحْجَارِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَدُ، فَلَمَّا قِيلَ: يَسْتَوِي فِيهِ الثَّيِّبُ وَالْأَبْكَارُ، خَرَجَ حَدُّ الرَّجْمِ، وَزَالَ النَّقْضُ بِهِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حُكْمًا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْجَارِ، لَكِنَّهُ فَارَقَ الِاسْتِجْمَارَ بِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيهِ الثَّيِّبُ وَالْأَبْكَارُ، فَالثَّيِّبُ إِذَا زَنَى يُرْجَمُ، وَالْبِكْرُ لَا يُرْجَمُ، بَلْ يُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ، بِخِلَافِ الِاسْتِجْمَارِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ، لِأَنَّهُ إِزَالَةُ نَجَاسَةٍ، وَهُمَا مُخَاطَبَانِ بِهَا. فَمَنْ قَالَ: يَنْدَفِعُ النَّقْضُ عَنِ الْعِلَّةِ بِذَلِكَ، قَالَ: لِأَنَّ الْعِلَّةَ يُشْتَرَطُ اطِّرَادُهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْوَصْفُ الْمُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ مُطَّرِدًا، ضَمَمْنَا إِلَيْهِ وَصْفًا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ لِيَتَحَقَّقَ اطِّرَادُهَا، وَتَكُونُ فَائِدَةُ الْمُؤَثِّرِ الْعِلِّيَّةُ، وَفَائِدَةُ غَيْرِ الْمُؤَثِّرِ دَفْعُ النَّقْضِ.

стр. 1815

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمَنْ قَالَ: لَا يَنْدَفِعُ النَّقْضُ بِذَلِكَ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - قَالَ: إِنَّ الْوَصْفَ الطَّرْدِيَّ غَيْرَ الْمُؤَثِّرِ وَلَا الْمُنَاسِبِ لَا يُعْتَبَرُ إِذَا كَانَ مُفْرَدًا، فَكَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُعْتَبَرَةِ، «كَالْفَاسِقِ فِي الشَّهَادَةِ» لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَحْدَهُ فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ؛ كَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مَعَ غَيْرِهِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَهَادَةُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ. وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَكُلُّ مَا لَا يُعْتَبَرُ مُفْرَدًا، لَا يُعْتَبَرُ مَعَ غَيْرِهِ إِلَّا لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكِيبَهُ مَعَ غَيْرِهِ أَوْجَبَ لَهُ حُكْمَ الِاعْتِبَارِ، كَالْمَاءِ النَّجِسِ إِذَا أُضِيفَ إِلَى مَاءٍ طَهُورٍ كَثِيرٍ، أَزَالَ حُكْمَ نَجَاسَتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَحَاصِلُ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ النَّقْضَ هَلْ يَنْدَفِعُ بِذِكْرِ وَصْفٍ طَرْدِيٍّ فِي الْعِلَّةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، الْأَصَحُّ لَا، لِأَنَّ الطَّرْدِيَّ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِقْلَالِ فِي الْعِلَّةِ الْمُفْرَدَةِ، فَلَا يَصْلُحُ لِلْإِعَانَةِ فِي الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ. قَوْلُهُ: «وَيَنْدَفِعُ بِالِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِذِكْرِ شَرْطٍ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ» ، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: إِذَا احْتَرَزَ عَنْ نَقْضِ الْعِلَّةِ بِذِكْرِ شَرْطٍ فِي الْحُكْمِ بِأَنْ قَيَّدَهُ بِشَرْطٍ أَوْ وَصْفٍ؛ هَلْ يَنْدَفِعُ النَّقْضُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ. مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ الْمُعَلِّلُ: «حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ مَحْقُونَا الدَّمِ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ كَالْمُسْلِمِينَ» ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّقْضَ لَا يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ، قَالَ: لِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْأَوْصَافُ الْمَذْكُورَةُ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَيَجِبُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ حَيْثُ

стр. 1816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثَبَتَتْ، فَتَقْيِيدُ الْحُكْمِ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ أَوْ وَصْفٍ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهَا، إِذْ لَوْ صَحَّتْ، لَمَا احْتَاجَ إِلَى الِاحْتِرَازِ بِتَقْيِيدِ الْحُكْمِ. مِثَالُهُ هَهُنَا: أَنَّ الْعِلَّةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ مَحْقُونَا الدَّمِ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ حَتَّى فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ، فَلَمَّا انْتَقَضَتِ الْعِلَّةُ بِذَلِكَ، كَانَ احْتِرَازُهُ فِي الْحُكْمِ بِذِكْرِ الْعَمْدِ لَاحِقًا لَهَا بَعْدَ فَسَادِهَا، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَصْحِيحِهَا، كَمَا إِذَا وَلَغَ كَلْبٌ فِي قُلَّتَيْ مَاءٍ إِلَّا رِطْلَيْنِ، ثُمَّ وُضِعَ فِيهِ رِطْلُ مَاءٍ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا فِي زَوَالِ نَجَاسَتِهِ بِالْوُلُوغِ السَّابِقِ. وَمَنْ زَعَمَ انْدِفَاعَ النَّقْضِ بِذَلِكَ قَالَ: الشَّرْطُ الَّذِي قُيِّدَ بِهِ الْحُكْمُ هُوَ «أَحَدُ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ حُكْمًا، وَإِنْ تَأَخَّرَ» فِي اللَّفْظِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْمِثَالِ: حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ مَحْقُونَا الدَّمِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ عَمْدًا، فَجَرَى بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ كَالْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي الْمَعْنَى هَذَا الْمِثَالَ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَقِّ الْأَصْلِ إِنَّمَا هِيَ بِالْأَحْكَامِ لَا بِالْأَلْفَاظِ. وَهَذَا أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ. وَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْخَصْمُ إِلَّا عَنْ مَسْأَلَةِ الْقُلَّتَيْنِ الَّتِي اسْتَشْهَدُوا بِهَا، فَالْجَوَابُ عَنْهَا بِالْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمَاءَ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَ أَجْزَائِهِ الْمُنْفَصِلِ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، فَإِذَا حَصَلَ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ مِنْهُ نَجَاسَةٌ، اسْتَقَرَّ لَهُ حُكْمُ التَّنْجِيسِ، فَلُحُوقُ تَكْمِلَةِ

стр. 1817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْقُلَّتَيْنِ لَهُ لَا يَرْفَعُ عَنْهُ التَّنْجِيسَ الْمُسْتَقِرَّ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ أَجْزَاءَ الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَلَا يَسْتَقِرُّ لِبَعْضِهَا حُكْمٌ حَتَّى تَكْمُلَ، فَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ النَّقْضَ لَمْ يَسْتَقِرَّ لِأَوْصَافِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ لَا يَلْحَقُهَا أَصْلًا قَبْلَ وُرُودِ الْوَصْفِ الَّذِي قُيِّدَ بِهِ الْحُكْمُ، فَكَانَ وُرُودُهُ مَانِعًا لِوُرُودِ النَّقْضِ، لَا رَافِعًا لَهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ بِخِلَافِ الْمَاءِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ، وَصَارَ ذَلِكَ كَسَائِرِ التَّوَابِعِ اللَّفْظِيَّةِ، كَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ وَنَحْوِهِ، وَالْحَالِ وَالتَّمْيِيزِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ، لَا يَسْتَقِرُّ حُكْمُ الْجُمْلَةِ بِدُونِهَا، حَتَّى لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَعِشْرُونَ دِينَارًا، وَثَلَاثُونَ قِنْطَارًا دَيْنًا إِلَّا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ عَدَدٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لَصَحَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ حَتَّى يَتِمَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِمَّا أَشْبَهَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1818

الثَّامِنُ: الْقَلْبُ ، وَهُوَ تَعْلِيقُ نَقِيضِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى عِلَّتِهِ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ الْمُعْتَرِضُ تَارَةً يُصَحِّحُ مَذْهَبَهُ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ: الِاعْتِكَافُ لُبْثٌ مَحْضٌ، فَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: لُبْثٌ مَحْضٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ الصَّوْمُ فِي كَوْنِهِ قُرْبَةً، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَتَارَةً يُبْطِلُ مَذْهَبَ خَصْمِهِ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ: الرَّأْسُ مَمْسُوحٌ، فَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ بِالْمَسْحِ كَالْخُفِّ؛ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: مَمْسُوحٌ، فَلَا يُقَدَّرُ بِالرُّبُعِ كَالْخُفِّ، وَكَقَوْلِهِ: بَيْعُ الْغَائِبِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَنْعَقِدُ مَعَ جَهْلِ الْمُعَوَّضِ كَالنِّكَاحِ، فَيَقُولُ خَصْمُهُ: فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ، فَيَبْطُلُ مَذْهَبُ الْمُسْتَدِلِّ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ بِتَعْلِيقِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْقَلْبُ مُعَارَضَةٌ خَاصَّةٌ فَجَوَابُهُ جَوَابُهَا إِلَّا بِمَنْعِ وَصْفِ الْحُكْمِ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ فِي اسْتِدْلَالِهِ فَكَيْفَ يَمْنَعُهُ. ــ السُّؤَالُ «الثَّامِنُ: الْقَلْبُ، وَهُوَ تَعْلِيقُ نَقِيضِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى عِلَّتِهِ بِعَيْنِهَا» . مَعْنَى الْقَلْبِ: أَنَّ الْمُعْتَرِضَ يَقْلِبُ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ وَقَدْ ذَكَرْتُ أَمْثِلَتَهُ بَعْدُ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْصِيلٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْمُعْتَرِضُ تَارَةً يُصَحِّحُ مَذْهَبَهُ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ تَارَةً يَكُونُ مَقْصُودُهُ بِقَلْبِ الدَّلِيلِ تَصْحِيحَ مَذْهَبِ نَفْسِهِ، وَإِبْطَالَ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، وَتَارَةً يَتَعَرَّضُ فِيهِ لِبُطْلَانِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ دُونَ تَصْحِيحِ مَذْهَبِ نَفْسِهِ.

стр. 1819

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثَالُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إِذَا قَصَدَ تَصْحِيحَ مَذْهَبِ نَفْسِهِ وَإِبْطَالَ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ: مَا إِذَا قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ لِلِاعْتِكَافِ، لِأَنَّهُ «لُبْثٌ مَحْضٌ، فَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ» فَإِنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الْإِحْرَامُ وَالنِّيَّةُ، فَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَذَلِكَ هُوَ الصَّوْمُ بِالْإِجْمَاعِ، إِذْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ مُقَارَنَةَ غَيْرِ الصَّوْمِ لِلِاعْتِكَافِ، فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدَّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالِاعْتِكَافِ غَيْرُهُ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ هُوَ الصَّوْمُ، وَمَدْرَكُ الْأُولَى هَذَا الْقِيَاسُ، وَمَدْرَكُ الثَّانِيَةِ الْإِجْمَاعُ الْمَذْكُورُ، «فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ» الشَّافِعِيُّ أَوِ الْحَنْبَلِيُّ فِي قَلْبِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ: الِاعْتِكَافُ «لُبْثٌ مَحْضٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ الصَّوْمُ فِي كَوْنِهِ قُرْبَةً» ، أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ لَهُ، «كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ» ، فَإِنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الصَّوْمُ، فَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ لِلِاعْتِكَافِ عَمَلًا بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ كَوْنُ الْوُقُوفِ وَالِاعْتِكَافِ لُبْثًا مَحْضًا، وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ يُنَاسِبُ دَعْوَاهُ وَعَدَمَهَا، لَمْ يَكُنْ بِإِثْبَاتِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِثْبَاتِ الْآخَرِ، فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَهَهُنَا الْمُعْتَرِضُ قَصَدَ بِقَلْبِ الدَّلِيلِ تَصْحِيحَ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ لِلِاعْتِكَافِ وَإِبْطَالَ مَذْهَبِ خَصْمِهِ. وَمِثَالُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا إِذَا قَصَدَ إِبْطَالَ مَذْهَبِ خَصْمِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ

стр. 1820

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِ نَفْسِهِ: قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي عَدَمِ وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ: «مَمْسُوحٌ فَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ بِالْمَسْحِ كَالْخُفِّ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ» : هَذَا يَنْقَلِبُ عَلَيْكَ بِأَنْ يُقَالَ: «مَمْسُوحٌ فَلَا يُقَدَّرُ بِالرُّبُعِ كَالْخُفِّ» ، فَإِنَّ أَحْمَدَ وَمَالِكًا ﵄ يُوجِبَانِ اسْتِيعَابَ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ. وَقَدْ أَبْطَلَهُ الْحَنَفِيُّ فِي قِيَاسِهِ، فَتَعَرَّضَ الْخَصْمُ لِذَلِكَ بِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالرُّبُعِ، لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقْتَصِرُ عَلَى مَسْحِ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ إِجْزَاءُ مَا يُسَمَّى مَسْحًا وَلَوْ عَلَى شَعْرَةٍ أَوْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقَالِبَ إِذْ قَصَدَ بُطْلَانَ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، فَتَارَةً يُبْطِلُهُ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ كَمَا قِيلَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، وَتَارَةً يُبْطِلُهُ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ، وَذَلِكَ كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بَعْدُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ مَا إِذَا قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي «بَيْعِ الْغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَنْعَقِدُ مَعَ جَهْلِ» الْعِوَضِ، أَوْ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُعَوَّضِ «كَالنِّكَاحِ» ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ جَهْلِ الزَّوْجِ بِصُورَةِ الزَّوْجَةِ، وَكَوْنِهِ لَمْ يَرَهَا، فَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ بِجَامِعِ كَوْنِهِمَا عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ: هَذَا الدَّلِيلُ يَنْقَلِبُ بِأَنْ يُقَالَ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ إِذَا رَأَى الزَّوْجَةَ لَمْ تُعْجِبْهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، فَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ لَهُ خِيَارٌ إِذَا رَأَى الْمَبِيعَ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ بِمُقْتَضَى الْجَامِعِ الْمَذْكُورِ، وَالْخَصْمُ لَمْ يُصَرِّحْ هَهُنَا بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، لَكِنَّهُ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِهِ

стр. 1821

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِبُطْلَانِ لَازِمِهِ عِنْدَ الْخَصْمِ وَهُوَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجِيزُ بِيعَ الْغَائِبِ بِشَرْطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي إِذَا رَآهُ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَا الشَّرْطُ بِمُوجِبِ قِيَاسِهِ عَلَى النِّكَاحِ، بَطَلَ مَشْرُوطُهُ وَهُوَ صِحَّةُ الْبَيْعِ، فَهُوَ إِبْطَالٌ لَهُ بِالْمُلَازَمَةِ لَا بِالتَّصْرِيحِ. قَوْلُهُ: «فَيَبْطُلُ مَذْهَبُ الْمُسْتَدِلِّ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ بِتَعْلِيقِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ» . أَيْ: إِذَا تَوَجَّهَ سُؤَالُ الْقَلْبِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، بَطَلَ مَذْهَبُهُ، إِذْ لَيْسَ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوْلَى مِنْ تَعْلِيقِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ عَلَيْهَا، إِذْ ذَلِكَ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ. وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ قَبْلُ. قَوْلُهُ: «وَالْقَلْبُ مُعَارَضَةٌ خَاصَّةٌ، فَجَوَابُهُ جَوَابُهَا إِلَّا بِمَنْعِ وَصْفِ الْحُكْمِ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ فِي اسْتِدْلَالِهِ، فَكَيْفَ يَمْنَعُهُ» ؟ يَعْنِي أَنَّ قَلْبَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ، فَهُوَ مُعَارَضَةٌ خَاصَّةٌ، لِأَنَّ النَّوْعَ أَخَصُّ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ مُعَارَضَةٌ خَاصَّةٌ، لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ هِيَ إِبْدَاءُ مَعْنًى فِي الْأَصْلِ أَوِ الْفَرْعِ، أَوْ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ يَقْتَضِي خِلَافَ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنَ الْحُكْمِ، وَهَذَا الْوَصْفُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ إِبْدَاءُ مُنَاسَبَةِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ بِخِلَافِ حُكْمِهِ، فَحَقِيقَةُ الْمُعَارَضَةِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ، لَكِنَّهُ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْهَا، وَاخْتَصَّ عَلَيْهَا بِخَصَائِصَ: مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَصْلٍ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ الْوَصْفِ، فَكُلُّ قَلْبٍ مُعَارَضَةٌ وَلَيْسَ كُلُّ

стр. 1822

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُعَارَضَةٍ قَلْبًا. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ، فَجَوَابُهُ جَوَابُ الْمُعَارَضَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهَا بَعْدُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخُفَّ لَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ، فَيَمْنَعُ حُكْمَ الْأَصْلِ فِي قَلْبِ الْمُعْتَرِضِ، إِلَّا مَنْعَ الْوَصْفِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمُعَارَضَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْقَلْبِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ وَالْوُقُوفَ لُبْثٌ مَحْضٌ، أَوْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَالْخُفِّ مَسْحٌ، أَوْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيْعَ أَوِ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَارَضَةِ وَالْقَلْبِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ فِي الْمُعَارَضَةِ لَمْ يُعَلِّلْ بِوَصْفِ الْمُعْتَرِضِ، وَلَا الْتَزَمَهُ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي قِيَاسِهِ، فَجَازَ لَهُ مَنْعُهُ بِخِلَافِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ الْتَزَمَ فِي قِيَاسِهِ صِحَّةَ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ وَهُوَ اللُّبْثُ وَالْمَسْحُ، وَعَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَيْسَ لَهُ فِي جَوَابِ الْقَلْبِ مَنْعُهُ، لِأَنَّهُ هَدْمٌ لِمَا بَنَى، وَرُجُوعٌ عَمَّا الْتَزَمَهُ وَاعْتَرَفَ بِصِحَّتِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ. هَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ فِي سُؤَالِ الْقَلْبِ. وَقَدْ تَضَمَّنَ أَنَّ سُؤَالَ الْقَلْبِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُصَحِّحًا لِمَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، كَمَا فِي مِثَالِ الِاعْتِكَافِ، أَوْ مُبْطِلًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، إِمَّا نَصًّا كَمَا فِي مِثَالِ مَسْحِ الرَّأْسِ، أَوِ التِزَامًا كَمَا فِي مِثَالِ بَيْعِ الْغَائِبِ. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَقْسَامَهُ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ. وَتَلْخِيصُ مَا ذَكَرَهُ فِيهَا: أَنَّ قَلْبَ الدَّلِيلِ هُوَ أَنْ يُبَيِّنَ الْقَالِبُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ، أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَهُ. قَالَ: وَالْأَوَّلُ: قَلَّ مَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثَالٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ فِي غَيْرِ النُّصُوصِ، أَيْ: لَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثَالٌ فِي الْأَقْيِسَةِ. وَمَثَّلَهُ مِنَ النُّصُوصِ بِاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ فِي تَوْرِيثِ الْخَالِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ

стр. 1823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السَّلَامُ: الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَأَثْبَتَ إِرْثَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَيْكَ لَا لَكَ، إِذْ مَعْنَاهُ نَفِيُ تَوْرِيثِ الْخَالِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، أَيِ: الْخَالُ لَا يَرِثُ، كَمَا يُقَالُ: الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ، وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ، أَيْ: لَيْسَ الْجُوعُ زَادًا، وَلَا الصَّبْرُ حِيلَةً. وَالثَّانِي، وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ وَلَهُ: إِمَّا أَنْ يَتَعَرَّضَ الْقَالِبُ فِيهِ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِ نَفْسِهِ كَمَسْأَلَةِ الِاعْتِكَافِ، أَوْ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، كَمَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ، أَوِ التِزَامًا كَمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْخِيَارِ. قَالَ: وَيَلْحَقُ بِهَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْقَلْبِ: قَلْبُ التَّسْوِيَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي الْخَلِّ: مَائِعٌ طَاهِرٌ مُزِيلٌ لِلْعَيْنِ وَالْأَثَرِ، فَتَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ كَالْمَاءِ، إِذْ يَلْزَمُ مِنَ التَّسْوِيَةِ فِي الْخَلِّ بَيْنَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ أَنَّهُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا فِيهِ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ مُسْتَفَادٍ مِمَّا قَالَهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ: أَنَّ الْقَلْبَ إِمَّا قَلْبُ تَسْوِيَةٍ كَمَسْأَلَةِ الْخَلِّ، أَوْ قَلْبُ مُخَالَفَةٍ. ثُمَّ هُوَ إِمَّا أَنْ يُصَحِّحَ مَذْهَبَ الْمُعْتَرِضِ كَمَسْأَلَةِ الِاعْتِكَافِ، أَوْ يُبْطِلَ مَذْهَبَ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، كَمَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ، أَوْ إِلْزَامًا، كَمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ.

стр. 1824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَالَ النِّيلِيُّ وَغَيْرُهُ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنَ الْقَلْبِ وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَلَا يَتَّجِهُ فِي قَبُولِهِ خِلَافٌ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، كَمِثَالِ الِاعْتِكَافِ، وَمَسْحِ الرَّأْسِ، وَبَيْعِ الْغَائِبِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: هَلْ هُوَ اعْتِرَاضٌ أَوْ مُعَارَضَةٌ؟ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِرَاضِ، لِأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى ضَعْفٍ فِي الْعِلَّةِ، حَيْثُ أَمْكَنَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى نَقِيضِ الْحُكْمِ فَصَارَ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ. وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ، لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُعَارِضُ دَلَالَةَ الْمُسْتَدِلِّ بِدَلَالَةٍ أُخْرَى. فَحَقِيقَةُ الْمُعَارَضَةِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّا. وَذَكَرَ النِّيلِيُّ لِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدَ، مِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ قِيلَ: هُوَ مُعَارَضَةٌ، جَازَتِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، كَالنِّكَاحِ، وَإِنْ قِيلَ: هُوَ اعْتِرَاضٌ؛ لَمْ يَجُزْ مِثْلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ وَالِاعْتِرَاضِ: أَنَّ الْمُعَارَضَةَ، كَدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، بِخِلَافِ الِاعْتِرَاضِ، فَإِنَّهُ مَنْعٌ لِلدَّلِيلِ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، إِذْ يَكُونُ كَالْكَذِبِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ حَيْثُ يُقَوِّلُهُ مَا لَمْ يَقُلْ.

стр. 1825

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ قِيلَ: إِنَّ الْقَلْبَ مُعَارَضَةٌ؛ جَازَ قَلْبُهُ مِنَ الْمُسْتَدِلِّ كَمَا يُعَارِضُ الْمُعَارَضَةَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي أَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ، وَلَا نِيَابَةٍ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى الشِّرَاءِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: أَنَا أَقْلِبُ هَذَا الدَّلِيلَ، فَأَقُولُ: تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ، فَلَا يَقَعُ لِمَنْ أَضَافَهُ إِلَيْهِ كَالشِّرَاءِ فَإِنَّ الشِّرَاءَ لَمْ يَصِحَّ لِمَنْ أُضِيفَ إِلَيْهِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي لَهُ، بَلْ يَصِحُّ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ الْفُضُولِيُّ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ اعْتِرَاضٌ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَنْعٌ، وَالْمَنْعُ لَا يَمْنَعُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُعَارَضَةً، جَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنِ الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ اعْتِرَاضًا، لَمْ يَجُزْ وَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الْمَنْعَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُعَارَضَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ مُعَارَضَةً قَبِلَ فِيهِ الْمُرَجِّحَ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ اعْتِرَاضٌ، مَنَعَ ذَلِكَ. قَالَ: وَمِثَالُهُ ظَاهِرٌ فِي سَائِرِ الِاعْتِرَاضَاتِ. قُلْتُ: أَصْلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، كَالدَّلِيلِ الْمُبْتَدَأِ، وَالْمَنْعُ لَا يَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
следующие страницы →