← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ بِاقْتِضَاءِ التَّرْكِ، إِمَّا مَعَ الْجَزْمِ الْمُقْتَضِي لِلْوَعِيدِ عَلَى الْفِعْلِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ، نَحْوَ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٠] ، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٢] . أَوْ لَا مَعَ الْجَزْمِ، وَهُوَ الْكَرَاهَةُ، كَقَوْلِهِ ﵇: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَالنَّوَاهِي الَّتِي أُرِيدَ بِهَا الْكَرَاهَةُ كَثِيرَةٌ. وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ بِالتَّخْيِيرِ، فَهُوَ الْإِبَاحَةُ، كَقَوْلِهِ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ: إِنْ شِئْتَ، فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ، فَلَا تَتَوَضَّأْ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الشَّرْعِ. قَوْلُهُ: «فَهِيَ» أَيِ: الْإِبَاحَةُ «حُكْمٌ شَرْعِيٌّ» ، لِأَنَّهَا «مِنْ خِطَابِ الشَّرْعِ» أَيْ: مُقْتَضَاهُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَإِذَا كَانَتْ مِنْ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ، كَانَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، كَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ. وَبَيَانُ أَنَّهَا مِنْ خِطَابِ الشَّرْعِ، هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنِ انْقِسَامِ خِطَابِ الشَّرْعِ إِلَى اقْتِضَاءٍ وَتَخْيِيرٍ، وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَقْسَامِهِ، «خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ» فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَتِ الْإِبَاحَةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا «لِأَنَّهَا» عِبَارَةٌ عَنِ «انْتِفَاءِ الْحَرَجِ» فِي الْفِعْلِ «وَهُوَ» مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ «قَبْلَ الشَّرْعِ» لِأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ، وَالتَّنَفُّسَ فِي الْهَوَاءِ، وَأَكْلَ الطَّيِّبَاتِ، وَلُبْسَ

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّاعِمَاتِ، كَانَ الْحَرَجُ فِيهِ مُنْتَفِيًا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَهُوَ بَعْدَ الشَّرْعِ عَلَى مَا كَانَ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، كَانَ الشَّرْعُ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهَا، كَالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، بَلْ هِيَ تَخْيِيرٌ شَرْعِيٌّ يَلْزَمُ عَنْهُ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، لَكِنْ إِنْ عَنَيْتُمْ بِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ الْمُسْتَفَادَ مِنْ تَخْيِيرِ الشَّرْعِ، فَهِيَ شَرْعِيَّةٌ كَمَا قُلْنَا. وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّهُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ حُكْمِ الْعَقْلِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ حَاكِمٌ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَهُمَا أَصْلَانِ مَمْنُوعَانِ، وَقَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ شَرْعِيَّةً، لَكَانَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهَا، قُلْنَا: كَذَلِكَ نَقُولُ: الشَّرْعُ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَهَا، وَلَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الشَّرْعِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ قَبْلَهُ عَلَى الْحَظْرِ. وَالتَّنَفُّسُ فِي الْهَوَاءِ أَمْرٌ طَبْعِيٌّ ضَرُورِيٌّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَذَلِكَ عِنْدَنَا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، فَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى أَخْبَارِ الشَّرْعِ، فَهُوَ مِنْ حُكْمِهِ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ ذَلِكَ بِإِخْبَارِهِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ حَتَّى وَرَدَ الشَّرْعُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ إِبَاحَتَهَا قَبْلَ الشَّرْعِ عَقْلِيَّةٌ، لَكُنَّا نَقُولُ: إِبَاحَةُ الْعَقْلِ انْتَهَتْ بِوُرُودِ الشَّرْعِ، وَالْإِبَاحَةُ الثَّابِتَةُ بِالشَّرْعِ أَنْشَأَهَا الشَّرْعُ، مِثْلُ الْعَقْلِيَّةِ لَا نَفْسُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا غَيْرَ هَاهُنَا أَنَّ الْعَقْلَ يَنْعَزِلُ بِوُرُودِ الشَّرْعِ مِنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ لَمْ يُفَوِّضْهُ الشَّرْعُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيِ الشَّرْعِ. قَوْلُهُ: «وَفِي كَوْنِهَا» أَيْ: فِي كَوْنِ الْإِبَاحَةِ «تَكْلِيفًا خِلَافٌ» . قُلْتُ: قَدْ حَكَيْنَا الْخِلَافَ فِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ: هَلْ هُمَا تَكْلِيفٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا خَرَجَ الْخِلَافُ فِيهِمَا مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ خِطَابِ الِاقْتِضَاءِ، فَخُرُوجُهُ فِي الْإِبَاحَةِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ خِطَابِ التَّخْيِيرِ أَوْلَى، مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِهَا تَكْلِيفًا لَفْظِيٌّ، إِذْ مَنْ قَالَ: لَيْسَتْ

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَكْلِيفًا، نَظَرَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَشَقَّةٌ جَازِمَةٌ، كَمَشَقَّةِ الْوَاجِبِ وَالْمَحْظُورِ، وَلَا غَيْرُ جَازِمَةٍ، كَمَا بَيَّنَّا فِي مَشَقَّةِ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، وَهِيَ مَشَقَّةُ فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ، إِذْ لَا فَضِيلَةَ فِي الْمُبَاحِ لِذَاتِهِ، يَشُقُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ فَوَاتُهَا بِتَرْكِهِ، وَمَنْ قَالَ: هِيَ تَكْلِيفٌ - وَهُوَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ - أَرَادَ ; أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ مُبَاحًا، وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ الْأَوَّلُ، وَالْأُسْتَاذُ لَا يَمْنَعُ أَنْ لَا مَشَقَّةَ فِي الْمُبَاحِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، إِذِ الْأَوَّلُ يَقُولُ: الْإِبَاحَةُ لَا مَشَقَّةَ فِيهَا، وَالْأُسْتَاذُ يَقُولُ: يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ الْمُبَاحَ لَيْسَ وَاجِبًا، وَلَا مَحْظُورًا، وَلَا مَنْدُوبًا، وَلَا مَكْرُوهًا.

стр. 214

فَ الْوَاجِبُ ، قِيلَ: مَا عُوقِبَ تَارِكُهُ. وَرُدَّ بِجَوَازِ الْعَفْوِ. وَقِيلَ: مَا تُوُعِّدَ عَلَى تَرْكِهِ بِالْعِقَابِ. وَرُدَّ بِصِدْقِ إِيعَادِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى أَصْلِنَا، لِجَوَازِ تَعْلِيقِ إِيقَاعِ الْوَعِيدِ بِالْمَشِيئَةِ، أَوْ لِأَنَّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ مِنَ الْكَرَمِ شَاهِدًا، فَلَا يَقْبُحُ غَائِبًا. ثُمَّ قَدْ حُكِيَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ، جَوَازُ أَنْ يُضْمَرَ فِي الْكَلَامِ مَا يَخْتَلُّ بِهِ مَعْنَى ظَاهِرِهِ، وَهَذَا مِنْهُ. وَالْمُخْتَارُ مَا ذُمَّ شَرْعًا تَارِكُهُ مُطْلَقًا. وَهُوَ مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، الْفَرْضُ: الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَالْوَاجِبُ: الْمَظْنُونُ، إِذِ الْوُجُوبُ لُغَةً: السُّقُوطُ، وَالْفَرْضُ: التَّأْثِيرُ وَهُوَ أَخَصُّ، فَوَجَبَ اخْتِصَاصُهُ بِقُوَّةٍ حُكْمًا، كَمَا اخْتُصَّ لُغَةً. وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ، إِذْ لَا نِزَاعَ فِي انْقِسَامِ الْوَاجِبِ إِلَى ظَنِّيٍ وَقَطْعِيٍ. فَلْيُسَمُّوا هُمُ الْقَطْعِيَّ مَا شَاءُوا. ثُمَّ لِنَتَكَلَّمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَحْكَامِ. ــ قَوْلُهُ: " فَالْوَاجِبُ، قِيلَ: مَا عُوقِبَ تَارِكُهُ ". لَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، وَقِسْمَةِ أَنْوَاعِهِ إِلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، أَخَذَ يُبَيِّنُ تَعْرِيفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ. وَنَحْنُ قَبْلَ ذَلِكَ نُشِيرُ إِلَى حُدُودِهَا الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ طَرِيقِ قِسْمَتِهَا. فَالْوَاجِبُ: هُوَ مَا اقْتَضَى الشَّرْعُ فِعْلَهُ اقْتِضَاءً جَازِمًا. وَالْمَنْدُوبُ: هُوَ مَا اقْتَضَى فِعْلُهُ اقْتِضَاءً غَيْرَ جَازِمٍ. وَالْمَحْظُورُ: مَا اقْتَضَى تَرْكُهُ اقْتِضَاءً جَازِمًا. وَالْمَكْرُوهُ: مَا اقْتَضَى تَرْكُهُ اقْتِضَاءً غَيْرَ جَازِمٍ. وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ هِيَ مَحَالُّ الْأَحْكَامِ وَمُتَعَلِّقَاتُهَا، أَمَّا الْأَحْكَامُ نَفْسُهَا فَهِيَ: الْإِيجَابُ: وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ الْجَازِمِ.

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالنَّدْبُ: وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ غَيْرِ الْجَازِمِ. وَالْحَظْرُ وَالْكَرَاهَةُ جَمِيعًا: اقْتِضَاءُ تَرْكِ الْفِعْلِ الْجَازِمِ أَوْ غَيْرِ الْجَازِمِ. وَالْوَاجِبُ، مُشْتَقٌّ مِنْ: وَجَبَ وُجُوبًا، وَالْوُجُوبُ فِي اللُّغَةِ: اللُّزُومُ، وَالِاسْتِحْقَاقُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَجَبَ الشَّيْءُ، أَيْ: لَزِمَ، يَجِبُ وُجُوبًا، وَأَوْجَبَهُ اللَّهُ، وَاسْتَوْجَبَهُ، أَيِ: اسْتَحَقَّهُ. قُلْتُ: فَالْوَاجِبُ، هُوَ اللَّازِمُ الْمُسْتَحَقُّ، وَقَدِ اشْتُهِرَ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي اللُّغَةِ: السُّقُوطُ، وَهُوَ أَيْضًا عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَجْبَةُ، السَّقْطَةُ مَعَ الْهَدَّةِ، وَوَجَبَ الْمَيِّتُ، إِذَا سَقَطَ وَمَاتَ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فَأَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ إِشْكَالًا، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: مَنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ مَنْ أَمَتِهِ لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ، وَقِيلَ: يَجِبُ وَيَسْقُطُ. قَالَ: فَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ مَعْنَاهُ السُّقُوطُ، لَكَانَ تَقْدِيرُ هَذَا الْكَلَامِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ وَيَسْقُطُ. وَهَذَا تَكْرَارٌ غَيْرُ مُفِيدٍ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا وَقَعَ اللَّبْسُ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ لَفْظِ السُّقُوطِ، فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى وُقُوعِ الشَّيْءِ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، كَقَوْلِنَا: سَقَطَ الْحَجَرُ مِنَ الْجَبَلِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سَبَأٍ: ٩] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٢] ، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطُّورِ: ٤٤] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ بِمَعْنَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِمَّا كَانَتْ مَشْغُولَةً بِهِ، وَزَوَالُ اللُّزُومِ، كَقَوْلِنَا: سَقَطَ الْمَهْرُ وَالدَّيْنُ وَنَحْوِهِ بِالْهِبَةِ أَوْ بِالْقَضَاءِ، أَيْ: بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِنْهُ، وَزَالَ لُزُومُهُ لَهَا، وَحِينَئِذٍ مَعْنَى قَوْلِنَا: الْوُجُوبُ فِي اللُّغَةِ: السُّقُوطُ، هُوَ أَنَّا نَتَخَيَّلُ الْحُكْمَ أَوِ الشَّيْءَ الْوَاجِبَ جَزْمًا سَقَطَ، أَيْ: وَقَعَ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنَ اللَّهِ ، الَّذِي هُوَ فَوْقَ عِبَادِهِ، سَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّهَا فَوْقِيَّةٌ رُتْبَةً، أَوْ

стр. 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَوْقِيَّةٌ جِهَةً، وَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ غَيْرَ مُفِيدَةٍ، لِأَنَّ أَحَدَ السُّقُوطَيْنِ فِيهَا غَيْرُ الْآخَرِ. قُلْتُ: وَالتَّحْقِيقُ فِي الْوُجُوبِ لُغَةً: أَنَّهُ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى تَرْجِعُ فُرُوعُ مَادَّتِهِ بِالِاسْتِقْرَاءِ. فَمَعْنَى وَجَبَتِ الشَّمْسُ: ثَبَتَ غُرُوبُهَا وَاسْتَقَرَّ، أَوْ أَنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي سُفْلِ الْفَلَكِ، وَوَجَبَ الْمَيِّتُ: ثَبَتَ مَوْتُهُ وَاسْتَقَرَّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الْحَجِّ: ٣٦] ، أَيْ: ثَبَتَتْ وَاسْتَقَرَّتْ بِالْأَرْضِ، وَوَجَبَ الْمَهْرُ وَالدَّيْنُ: ثَبَتَ فِي مَحَلِّهِ وَاسْتَقَرَّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُرُوعِ الْمَادَّةِ الْمَذْكُورَةِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا، عُدْنَا إِلَى قَوْلِهِ: " فَالْوَاجِبُ، قِيلَ: مَا عُوقِبَ تَارِكُهُ ". وَإِنَّمَا قُلْتُ: قِيلَ، لِأَنَّ الْمُخْتَارَ فِي حَدِّ الْوَاجِبِ يَأْتِي بَعْدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: " وَرُدَّ " يَعْنِي: هَذَا التَّعْرِيفُ لِلْوَاجِبِ مَرْدُودٌ " بِجَوَازِ الْعَفْوِ "، وَوَجْهُ رَدِّهِ: هُوَ أَنَّ قَوْلَهُمُ: الْوَاجِبُ مَا عُوقِبَ تَارِكُهُ، يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ، فَإِنَّ تَارِكَهُ يُعَاقَبُ، لَكِنَّ اللَّهَ يَجُوزُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ تَارِكِ الْوَاجِبِ، أَوْ يُسْقِطَ الْعِقَابَ عَنْهُ بِتَوْبَةٍ، أَوِ اسْتِغْفَارٍ، أَوْ دُعَاءِ دَاعٍ، أَوْ بِتَكْمِيلِ فَرْضٍ بِنَفْلٍ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَتَرْكُ الْوَاجِبِ، وَفِعْلُ الْمَحْظُورِ سَبَبٌ لِلْعِقَابِ، غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ يَجُوزُ

стр. 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَخَلُّفُهُ عَنْ سَبَبِهِ لِمَانِعٍ، أَوِ انْتِفَاءِ شَرْطٍ، أَوْ مُعَارِضٍ مُقَاوِمٍ أَوْ رَاجِحٍ، وَإِذَا جَازَ الْعَفْوُ عَنْ تَارِكِ الْوَاجِبِ، اقْتَضَى الْحَدُّ الْمَذْكُورُ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْوَاجِبُ الْمَتْرُوكُ وَاجِبًا، لِأَنَّ تَارِكَهُ لَمْ يُعَاقَبْ. مِثَالُهُ: لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، ثُمَّ تَخَلَّفَ الْعِقَابُ عَنْهُ لِأَحَدِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ، لَزِمَ بِمُقْتَضَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا تَكُونَ الْمَكْتُوبَةُ وَاجِبَةً، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَهَذَا النَّقْضُ مِنْ حَيْثُ الْعَكْسِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: كُلُّ مَا لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى تَرْكِهِ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَيَبْطُلُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الطَّرْدِ، ضَرْبُ ابْنِ عَشْرٍ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، إِذِ الصَّلَاةُ هَاهُنَا فِعْلٌ عُوقِبَ تَارِكُهُ، وَلَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا أُدِّبَ الصِّبْيَانُ عَلَى تَرْكِهِ هُوَ مُعَاقَبٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: " وَقِيلَ: مَا تُوُعِّدَ " أَيِ: الْوَاجِبُ مَا تُوُعِّدَ " عَلَى تَرْكِهِ بِالْعِقَابِ ". هَذَا تَعْرِيفٌ آخَرُ لِلْوَاجِبِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، لِأَنَّ كُلَّ مُعَاقَبٍ عَلَى تَرْكِهِ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُتَوَعَّدٍ عَلَى تَرْكِهِ بِالْعِقَابِ مُعَاقَبًا عَلَيْهِ، لِجَوَازِ الْعَفْوِ بَعْدَ الْوَعِيدِ، وَصَاحِبُ هَذَا التَّعْرِيفِ فَرَّ مِمَّا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّلِ.

стр. 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: " وَرُدَّ " هَذَا التَّعْرِيفُ أَيْضًا رُدَّ " بِصِدْقِ إِيعَادِ اللَّهِ تَعَالَى ". وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْوَعِيدَ خَبَرٌ، وَخَبَرُ اللَّهِ صَادِقٌ، لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ مَخْبَرِهِ، وَإِذَا لَزِمَ وُقُوعُ مُقْتَضَى الْوَعِيدِ، صَارَ هَذَا التَّعْرِيفُ مِثْلَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمُ: الْوَاجِبُ مَا عُوقِبَ تَارِكُهُ، فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: " وَلَيْسَ بِوَارِدٍ " أَيْ: لَيْسَ مَا ذُكِرَ مِنْ صِدْقِ إِيعَادِ اللَّهِ بِوَارِدٍ عَلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ. " عَلَى أَصْلِنَا ". وَالْأَصْلُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ مَا تَنَازَعَ فِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ مِنْ أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ فَاعِلِ الْكَبِيرَةِ مَا لَمْ يَتُبْ مُحَالٌ عِنْدَهُمْ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ: " إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ " وَبَيَانُ عَدَمِ وُرُودِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: " جَوَازُ تَعْلِيقِ إِيقَاعِ الْوَعِيدِ بِالْمَشِيئَةِ " مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: صَلِّ، فَإِنْ تَرَكْتَ الصَّلَاةَ عَذَّبْتُكَ إِنْ شِئْتُ، فَإِذَا تَرَكَهَا، بَقِيَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ بِمُقْتَضَى الْوَعِيدِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ بِمُقْتَضَى الرَّحْمَةِ وَالْجُودِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاءِ: ٤٨ وَ ١١٦] ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ فِي الصَّلَاةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ، مَنْ أَتَى بِهِنَّ، لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِذَا جَازَ تَعْلِيقُ إِيقَاعِ الْوَعِيدِ بِالْمَشِيئَةِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ صِدْقِ الْإِيعَادِ وُقُوعُ مُقْتَضَاهُ مِنَ الْعِقَابِ لِجَوَازِ أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ، وَلَمْ يَشَأْ إِيقَاعَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَوْلُنَا: الْوَاجِبُ: مَا تُوُعِّدَ عَلَى تَرْكِهِ، فَاسِدًا كَقَوْلِنَا: الْوَاجِبُ مَا عُوقِبَ تَارِكُهُ، لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِ الْوَعِيدِ الْوُقُوعَ، فَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا مَا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّلِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: " أَنَّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ مِنَ الْكَرَمِ شَاهِدًا " أَيْ: فِيمَا يُشَاهَدُ مِنْ أَحْوَالِ الْعُقَلَاءِ. " فَلَا يَقْبُحُ " يَعْنِي: إِخْلَافَ الْوَعِيدِ " غَائِبًا " أَيْ: فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ غَائِبٌ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَإِنْ كَانَ شَاهِدًا لِخَلْقِهِ كَمَا يَشَاءُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. أَمَّا أَنَّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ مِنَ الْكَرَمِ فِي الشَّاهِدِ، فَلِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ عَلَى حُسْنِ الْعَفْوِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ جَوَازِ الْعُقُوبَةِ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِإِخْلَافِ الْوَعِيدِ مُطْلَقًا أَوْ غَالِبًا، وَبِالْجُمْلَةِ فَتَرْكُ الْوَعِيدِ إِلَى الْعَفْوِ حَسَنٌ، مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي عُرْفِ النَّاسِ، وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ. بِأَنَّ خَبَرَ النَّاسِ يَجُوزُ إِخْلَافُهُ، بِخِلَافِ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الْخُلْفَ فِي الْخَبَرِ كَذِبٌ، وَالْكَذِبُ قَبِيحٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، خُصُوصًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّ قُبْحَهُ ذَاتِيٌّ لَا يَخْتَلِفُ. ثُمَّ قَدْ جَازَ إِخْلَافُ الْوَعِيدِ مِنَ الْعُقَلَاءِ فِي عُرْفِهِمْ، فَكَذَلِكَ إِخْلَافُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ مِنْ بَابِ الْكَرَمِ، لَا مِنْ بَابِ الْكَذِبِ، وَفِي هَذَا الْبَابِ أَنْشَدَ عَمْرُو بْنُ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَوْلَ الشَّاعِرِ:

стр. 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِنِّيَ إِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وَأَمَّا أَنَّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ لَا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ ، فَهُوَ لَازِمٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَصْلِهِمُ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ أَنَّ مَا قَبُحَ مِنَ الْخَلْقِ، قَبُحَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا لَا، فَلَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ لَا يَقْبُحُ مِنَ الْخَلْقِ، فَلَا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ لَازِمٌ لِقَاعِدَتِهِمْ، وَهِيَ أَنَّ الْأَفْعَالَ حَسَنَةٌ أَوْ قَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا، أَوْ لِوَصْفٍ قَائِمٍ بِهَا، وَحِينَئِذٍ مَا أَدْرَكَ الْعَقْلُ قُبْحَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْخَلْقِ أَوْ حُسْنَهُ، أَدْرَكَ حُسْنَهُ أَوْ قُبْحَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَقِّ. وَلِهَذَا قَطَعُوا بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا وَيُعَاقِبَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَكَذَلِكَ اللَّهُ تَعَالَى يَقْبُحُ ذَلِكَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: " ثُمَّ قَدْ حُكِيَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ "، جَوَازُ أَنْ يُضْمَرَ فِي الْكَلَامِ مَا يَخْتَلُّ بِهِ مَعْنَى ظَاهِرِهِ، وَهَذَا مِنْهُ ". هَذَا تَقْرِيرٌ لِجَوَازِ تَعْلِيقِ الْعِقَابِ بِالْمَشِيئَةِ عَلَى مَنْ يَسْتَبْعِدُهُ، وَإِلْزَامٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ بِمِثْلِهِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ. وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ: أَكْثَرُ مَا فِي تَعْلِيقِ الْعِقَابِ بِالْمَشِيئَةِ أَنَّهُ أَضْمَرَ فِي الْكَلَامِ مَا اخْتَلَّ بِهِ مَعْنَى ظَاهِرِهِ، إِذْ قَوْلُهُ: إِنْ تَرَكْتَ الصَّلَاةَ عَاقَبْتُكَ، ظَاهِرُهُ وُقُوعُ الْعِقَابِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَأَنَّهُ شَاءَ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُعَاقِبَكَ إِنْ شِئْتُ، تَقْيِيدٌ مُخَصِّصٌ رَافِعٌ لِحُكْمِ ظَاهِرِ

стр. 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ مُخِلٌّ بِالظَّاهِرِ، لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا جَائِزٌ عَقْلًا، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِهِ مُحَالٌ، وَوَاقِعٌ شَرْعًا، إِذْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْصِيصٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ كَثِيرًا، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ مِثْلُهُ فِي التَّعْرِيضِ، وَبَيَانُهُ: أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا فِي مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ: إِنَّ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا يُعْلَمُ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ بِالْعَقْلِ، كَالْكَذِبِ، فَإِنَّهُ قَبِيحٌ فِي الْعَقْلِ لِذَاتِهِ، قُلْنَا لَهُمْ: لَوْ كَانَ الْكَذِبُ قَبِيحًا لِذَاتِهِ، لَمَا اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، لَكِنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ، فَإِنَّا لَوْ رَأَيْنَا كَافِرًا يَطْلُبُ نَبِيًّا لِيَقْتُلَهُ، فَدَخَلَ دَارًا، فَجَاءَ الْكَافِرُ، فَقَالَ: أَيْنَ الرَّسُولُ، هَلْ هُوَ عِنْدَكُمْ؟ لَوَجَبَ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ الْكَذِبُ هَاهُنَا، لِئَلَّا يُهْدِرَ دَمَ الرَّسُولِ ظُلْمًا. وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنْ قَالُوا: لَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْكَذِبِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ دَافِعًا عَنِ الرَّسُولِ، إِذْ فِي التَّعْرِيضِ غَنْيَةٌ عَنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَنَا: هَلْ رَأَيْتُمُ الرَّسُولَ؟ فَنَقُولُ: مَا رَأَيْنَا الرَّسُولَ، وَنَعْنِي بِهِ رَسُولَ زَيْدٍ. أَوْ يَقُولُ لَنَا: هَلْ عِنْدَكُمُ الرَّسُولُ؟ فَنَقُولُ: لَا، وَنُرِيدُ بِهِ رَسُولَ السُّلْطَانِ، وَهَذَا إِضْمَارٌ يُخِلُّ بِمَعْنَى ظَاهِرِ الْكَلَامِ، وَقَدْ قَالُوا بِهِ، فَلْيَجُزْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي تَعْلِيقِ إِيقَاعِ الْعِقَابِ بِالْمَشِيئَةِ، لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ التَّعْرِيضِ، وَقَعَ لِفَائِدَةِ التَّرْهِيبِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " وَهَذَا مِنْهُ ". قَوْلُهُ: " وَالْمُخْتَارُ " أَيْ: وَالْمُخْتَارُ فِي حَدِّ الْوَاجِبِ أَنَّهُ: " مَا ذُمَّ شَرْعًا تَارِكُهُ مُطْلَقًا ". وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ التَّعْرِيفَيْنِ قَبْلَهُ، لِأَنَّ كُلَّ مُعَاقَبٍ أَوْ مُتَوَعَّدٍ بِالْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ

стр. 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَذْمُومٌ، أَيْ: يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ، وَلَيْسَ كُلُّ مَذْمُومٍ مُعَاقَبًا، أَوْ مُتَوَعَّدًا عَلَى التَّرْكِ، لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ: صَلِّ أَوْ صُمْ. فَإِنْ تَرَكْتَ، فَقَدْ أَخْطَأْتَ وَعَصَيْتَ وَلَا عِقَابَ عَلَيْكَ، لِأَنَّ الْعِقَابَ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ، فَلِلشَّرْعِ أَنْ يَضَعَهُ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ، وَالذَّمُّ هُوَ الْعَيْبُ، وَهُوَ نَقِيضُ الْمَدْحِ وَالْحَمْدِ، يُقَالُ: ذَمَّهُ يَذُمُّهُ: إِذَا عَابَهُ، وَالْعَيْبُ: النَّقْصُ. فَكَانَ الذَّمُّ نِسْبَةَ النَّقْصِ إِلَى الشَّخْصِ، فَقَوْلُنَا: " مَا ذُمَّ "، أَيْ: مَا عِيبَ " شَرْعًا "، أَيِ: احْتِرَازٌ مِمَّا عِيبَ عَقْلًا أَوْ عُرْفًا، وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَفْعَالِ يُذَمُّ فَاعِلُهُ عُرْفًا لَا شَرْعًا، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالذَّمِّ الشَّرْعِيِّ. وَقَوْلُنَا: " مُطْلَقًا ": احْتِرَازٌ مِنَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، وَالْمُخَيَّرِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِنَّ التَّرْكَ يَلْحَقُهَا بِالْجُمْلَةِ، وَهُوَ تَرْكُ الْمُوَسَّعِ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ وَقْتِهِ، وَتَرْكُ بَعْضِ أَعْيَانِ الْمُخَيَّرِ، وَتَرْكُ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَرْكًا مُطْلَقًا، إِذِ الْمُوَسَّعُ إِنْ تُرِكَ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ وَقْتِهِ فُعِلَ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَمُخَيَّرٌ إِنْ تَرَكَ بَعْضَ أَعْيَانِهِ، فَعَلَ الْبَعْضَ الْآخَرَ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ إِنْ تَرَكَهُ بَعْضُ الْمُكَلَّفِينَ، فَعَلَهُ الْبَعْضُ الْآخَرُ، وَكُلُّهُمْ فِيهِ كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا التَّرْكِ ذَمٌّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَرْكًا مُطْلَقًا، بِمَعْنَى خُلُوِّ مَحَلِّ التَّكْلِيفِ عَنْ إِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ. وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ قَيْدَ الْإِطْلَاقِ فِي " الرَّوْضَةِ "، بَلْ قَالَ: وَقِيلَ: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا. فَتُرَدُّ الْوَاجِبَاتُ الثَّلَاثَةُ حَيْثُ يَلْحَقُهَا التَّرْكُ.

стр. 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْوَاجِبُ: مَا تَرْكُهُ سَبَبٌ لِلذَّمِّ شَرْعًا فِي حَالَةٍ مَا. فَقَوْلُهُ: فِي حَالَةٍ مَا، مُحَافَظَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ تَرْكَهَا إِنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِلذَّمِّ. وَقَالَ ابْنُ الصَّيْقَلِ: الْوَاجِبُ: هُوَ الْفِعْلُ الْمُقْتَضَى مِنَ الشَّارِعِ، الَّذِي يُلَامُ تَارِكُهُ شَرْعًا، وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا، غَيْرَ أَنَّ اللَّوْمَ أَخَفُّ مِنَ الذَّمِّ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اللَّوْمُ: الْعَذْلُ. وَقَالَ أَيْضًا: اسْتَلَامَ الرَّجُلُ إِلَى النَّاسِ: اسْتَذَمَّ. فَعَلَى هَذَا هُمَا سَوَاءٌ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي حَدِّ الْوَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ، فَإِنَّ تَارِكَهُ مَذْمُومٌ شَرْعًا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالنَّائِمِ وَالنَّاسِي، فَإِنَّهُمَا يَتْرُكَانِ الْوَاجِبَاتِ حَالَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَلَا يُذَمَّانِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْوُجُوبَ وَالذَّمَّ مِنْ لَوَاحِقِ التَّكْلِيفِ، وَالنَّاسِي وَالنَّائِمِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ، غَيْرُ مُكَلَّفٍ عِنْدَنَا فِي حَالِ الْعُذْرِ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْخِطَابُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي. وَإِذَا كَانَا غَيْرَ مُكَلَّفَيْنِ لَمْ يَنْتَقِضِ الْحَدُّ بِهِمَا، كَمَا لَا يَنْتَقِضُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَقِيلَ: حَدُّ الْوَاجِبِ: مَا يَتَعَرَّضُ تَارِكُهُ لِلْعِقَابِ وَاللَّوْمِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي حَدِّ الْوَاجِبِ. الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْوَاجِبَ «مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ عَلَى الْأَصَحِّ» أَيْ: أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ﵁. «وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْفَرْضُ

стр. 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَالْوَاجِبُ الْمَظْنُونُ» يَعْنِي أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، فَقَالُوا: الْفَرْضُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ شَرْعًا، كَنَصِّ الْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَالْوَاجِبُ: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَمَعْنَى قَوْلِنَا: «مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ» ، أَيْ: مُسَاوِيهِ فِي الْمَعْنَى، تَشْبِيهًا لَهُ بِرَدِيفِ الرَّاكِبِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَى رِدْفِ الدَّابَّةِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَيْنِ اسْمَانِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّ ذَيْنَكَ رَاكِبَانِ عَلَى مَرْكُوبٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: «إِذِ الْوُجُوبُ لُغَةً: السُّقُوطُ، وَالْفَرْضُ: التَّأْثِيرُ، وَهُوَ أَخَصُّ، فَوَجَبَ اخْتِصَاصُهُ بِقُوَّةٍ حُكْمًا، كَمَا اخْتُصَّ لُغَةً» . هَذَا تَقْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْوُجُوبَ فِي اللُّغَةِ السُّقُوطُ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. وَالْفَرْضُ: التَّأْثِيرُ، وَإِلَى مَعْنَاهُ يَرْجِعُ أَكْثَرُ فُرُوعِ مَادَّتِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْفَرْضُ: الْحَزُّ فِي الشَّيْءِ، وَفَرْضُ الْقَوْسِ: هُوَ الْحَزُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْوَتَرُ، وَالْفَرِيضُ: السَّهْمُ الْمَفْرُوضُ فَوْقَهُ، وَالتَّفْرِيضُ: التَّحْزِيزُ، وَالْمِفْرَضُ: الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُحَزُّ بِهَا، وَالْفِرَاضُ: فُوَّهَةُ النَّهْرِ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَالْفَرْضُ أَخَصُّ مِنَ السُّقُوطِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مَثَلًا مِنْ سُقُوطِ

стр. 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْأَرْضِ، أَنْ يَحُزَّ وَيُؤَثِّرَ فِيهَا، وَيَلْزَمُ مِنْ حَزِّهِ وَتَأْثِيرِهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ سَقَطَ، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهَا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَجَبَ اخْتِصَاصُ الْفَرْضِ بِقُوَّةٍ فِي الْحُكْمِ، كَمَا اخْتُصَّ بِقُوَّةٍ فِي اللُّغَةِ، حَمْلًا لِلْمُسَمَّيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّغْيِيرِ. وَقَوْلُنَا: الْفَرْضُ مَا كَانَ طَرِيقُ ثُبُوتِهِ قَطْعِيًّا، هُوَ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ لَهُ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ. قَوْلُهُ: «وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ، إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظِ، مَعَ اتِّفَاقِنَا عَلَى الْمَعْنَى. إِذْ لَا نِزَاعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي انْقِسَامِ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ عَلَيْنَا وَأَلْزَمَنَا إِيَّاهُ مِنَ التَّكَالِيفِ، إِلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ. وَاتَّفَقْنَا عَلَى تَسْمِيَةِ الظَّنِّيِّ وَاجِبًا، وَبَقِيَ النِّزَاعُ فِي الْقَطْعِيِّ، فَنَحْنُ نُسَمِّيهِ وَاجِبًا وَفَرْضًا بِطَرِيقِ التَّرَادُفِ، وَهُمْ يَخُصُّونَهُ بِاسْمِ الْفَرْضِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَضُرُّنَا وَإِيَّاهُمْ، فَلْيُسَمُّوهُ مَا شَاءُوا. ثُمَّ قَدْ ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ لَهُ مَعَالِمَ وَحُدُودًا، وَقَالَ فِي الْبَابِ أَيْضًا: فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا كَذَا، وَافْتَرَضَ، أَيْ: أَوْجَبَ، وَالِاسْمُ الْفَرِيضَةُ. هَذَا نَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَإِذَا اسْتَوَى الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ فِيمَا قُلْنَا فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الشَّرْعِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ

стр. 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّغْيِيرِ، وَاخْتِلَافُ طَرِيقِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْقَطْعِ وَالظَّنِّ، لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ حَقِيقَتِهِ فِي نَفْسِهِ. تَنْبِيهٌ: الَّذِي نَصَرَهُ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ، لَكِنَّ أَحْكَامَ الْفُرُوعِ قَدْ بُنِيَتْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ ذَكَرُوا أَنَّ الصَّلَاةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى فُرُوضٍ وَوَاجِبَاتٍ وَمَسْنُونَاتٍ، وَأَرَادُوا بِالْفُرُوضِ الْأَرْكَانَ. وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ طَرِيقَ الْفَرْضِ مِنْهَا أَقْوَى مِنْ طَرِيقِ الْوَاجِبِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَاجِبَ يُجْبَرُ إِذَا تُرِكَ نِسْيَانًا بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَالْفَرْضُ لَا يَقْبَلُ الْجَبْرَ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي فُرُوضِ الْحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ، حَيْثُ جُبِرَتْ بِالدَّمِ دُونَ الْأَرْكَانِ. وَأَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إِلَى الْوَجْهَيْنِ، فَقَالَ: الْفَرْضُ: هُوَ الْوَاجِبُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، لِاسْتِوَاءِ حَدِّهِمَا، وَالثَّانِيَةُ: الْفَرْضُ آكَدٌ، فَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ لِمَا يُقْطَعُ بِوُجُوبِهِ، وَقِيلَ: مَا لَا يُسَامَحُ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، نَحْوَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ. قُلْتُ: وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: هِيَ وَاجِبَةٌ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَهَا، وَهَذَا تَسْوِيَةٌ مِنْهُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، وَأَنَا مَا أَجْتَرِئُ أَنْ أَقُولَ: إِنَّهَا فَرْضٌ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ يَدْفَعُ أَنَّهَا فَرْضٌ، وَهَذَا فَرْقٌ مِنْهُ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَهَلْ هُمَا فَرْضٌ أَوْ

стр. 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاجِبٌ؟ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ. وَصَحَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي «الْفُصُولِ» أَنَّهُمَا وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: «ثُمَّ لِنَتَكَلَّمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَحْكَامِ» يَعْنِي فِي مَسَائِلِهِ. وَالْكَلَامُ السَّابِقُ، كَأَنَّهُ فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ مُتَعَلِّقٍ بِالْوَاجِبِ، فَجُعِلَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ فِي حَدِّهِ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ مَسْأَلَةً مِنْ مَسَائِلِ الْوَاجِبِ. وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا حَرَجَ.

стр. 228

الْوَاجِبُ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْوَاجِبُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُعَيَّنٍ، كَإِعْتَاقِ هَذَا الْعَبْدِ، وَالتَّكْفِيرِ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ، وَإِلَى مُبْهَمٍ فِي أَقْسَامٍ مَحْصُورَةٍ كَإِحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجَمِيعُ وَاجِبٌ، وَهُوَ لَفْظِيٌّ. وَبَعْضُهُمْ: مَا يُفْعَلُ، وَبَعْضُهُمْ: وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، وَيَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ. ــ قَوْلُهُ: «الْوَاجِبُ» ، أَيْ: ذِكْرُ الْكَلَامِ عَلَى الْوَاجِبِ فِي أَحْكَامِهِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ. «وَفِيهِ مَسَائِلُ» : «الْأُولَى: الْوَاجِبُ يَنْقَسِمُ إِلَى مُعَيَّنٍ، كَإِعْتَاقِ هَذَا الْعَبْدِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَهُوَ وُجُوبٌ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ أَشْيَاءَ. وَتَلْخِيصُ الْقَوْلِ فِيهِ: إِنَّ الْوَاجِبَ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، كَإِعْتَاقِ هَذَا الْعَبْدِ، مِثْلَ أَنْ يَنْذُرَ عِتْقَ هَذَا الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ عِتْقَ زَيْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ، فَيَكُونُ مُخَاطَبًا بِعِتْقِهِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ بِعَيْنِهِ، كَهَذِهِ الدَّنَانِيرِ، أَوِ الْإِبِلِ أَوِ الْخَيْلِ وَنَحْوِهِ، كَانَ مُخَاطَبًا بِالصَّدَقَةِ بِهِ بِعَيْنِهِ حَسَبَ مَا الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ. وَكَذَا لَوْ فُرِضَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ التَّكْفِيرَ عَلَى عِبَادِهِ أَوْ بَعْضِهِمْ، فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ غَيْرِهَا، بِخَصْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمَشْرُوعَةِ، كَالْإِعْتَاقِ أَوِ الْإِطْعَامِ أَوِ الْكُسْوَةِ، وَجَبَتْ تِلْكَ الْخَصْلَةُ بِعَيْنِهَا.

стр. 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبْهَمًا فِي أَقْسَامٍ مَحْصُورَةٍ، كَإِحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] . قُلْتُ: وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى قَوْلِنَا: فِي أَقْسَامٍ مَحْصُورَةٍ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اخْدِمْنِي الْيَوْمَ نَوْعًا مِنَ الْخِدْمَةِ، أَيَّ أَنْوَاعِهَا شِئْتَ، أَوْ تَصَدَّقْ عَنِّي بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ مَالِي، أَيَّهَا شِئْتَ، أَوْ أَكْرِمْ شَخْصًا مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنْ أَصْحَابِي أَيَّهُمْ شِئْتَ، صَحَّ هَذَا الْكَلَامُ عَقْلًا، وَخَرَجَ بِهِ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَقْسَامُ مَحْصُورَةً فِي الْخِطَابِ. وَلَكِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ تَابَعَ أَبَا حَامِدٍ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَذَكَرَ صِفَةَ الْحَصْرِ وَهِيَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ. «وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجَمِيعُ وَاجِبٌ» وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ. أَطْلَقَا الْقَوْلَ بِوُجُوبِ جَمِيعِ الْخِصَالِ عَلَى التَّخْيِيرِ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ لَفْظِيٌّ» يَعْنِي الْخِلَافَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ، وَبَيْنَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ. وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي «شَرْحِ الْعَهْدِ» بِأَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، أَيْ: فِي اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ جَمِيعَ الْخِصَالِ، لَمْ يُثَبْ ثَوَابَ أَدَاءِ الْوَاجِبِ إِلَّا عَلَى وَاحِدَةٍ، وَلَوْ تَرَكَ الْجَمِيعَ، لَمْ يُعَاقَبْ عِقَابَ تَرْكِ الْوَاجِبِ إِلَّا عَلَى وَاحِدَةٍ، وَلَوْ وَجَبَ الْجَمِيعُ، لَتَرَتَّبَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى جَمِيعِ الْخِصَالِ، وَتَقَدَّرَ بِهِ، وَلَمَا خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ وَاحِدَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ

стр. 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالْإِجْمَاعِ. وَوَافَقَ الْخَصْمُ عَلَى هَذَا فَلَمْ يَبْقَ النِّزَاعُ إِلَّا فِي اللَّفْظِ. غَيْرَ أَنَّ نَصْبَ الْخِلَافِ مَعَهُمْ جَرَى عَلَى عَادَةِ الْأُصُولِيِّينَ، وَدَفْعًا لِشُبْهَةِ غَالِطٍ إِنْ كَانَ. ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُمْ: يَجِبُ الْجَمِيعُ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ، إِذْ مُقْتَضَى وُجُوبُ الْجَمِيعِ: أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إِلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ. وَمُقْتَضَى التَّخْيِيرِ: أَنَّهُ يَبْرَأُ بِفِعْلِ أَيِّهَا شَاءَ، وَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِوُجُوبِ الْجَمِيعِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجَمِيعِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ فِعْلِ الْجَمِيعِ، أَوْ وُجُوبُ الْجَمِيعِ عَلَى الْبَدَلِ، لَا عَلَى الْجَمْعِ. بِمَعْنَى: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذَا افْعَلْ هَذَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي مَعْنَاهُ: إِنَّ الْوُجُوبَ تَعَلُّقٌ بِالْجَمِيعِ عَلَى وَجْهٍ تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قُلْنَاهُ: وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ. وَأَقُولُ: إِنَّ الْغَلَطَ فِي الْمَسْأَلَةِ، إِمَّا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ الْوُجُوبَ مَعَ التَّخْيِيرِ لَا يَجْتَمِعَانِ، أَوْ مِنَ الْجُمْهُورِ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، بِأَنْ رَأَوْا لَهُمْ عِبَارَةً مُوهِمَةً أَوْ بَعِيدَةَ الْغَوْرِ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ أَرَادُوا وُجُوبَ الْجَمِيعِ، كَمَا وَهَّمُوا عَلَيْهِمْ فِي تَلْخِيصِ مَسْأَلَةِ تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُوجَدُ فِي كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ، عَلَى خِلَافِ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ فِيهَا، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِ «رَدِّ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ بِالتَّحْسِينِ

стр. 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالتَّقْبِيحِ» . قَوْلُهُ: «وَبَعْضُهُمْ: مَا يَفْعَلُ، وَبَعْضُهُمْ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ» أَيْ: وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْوَاجِبُ مِنْ خِصَالِ الْوَاجِبِ مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، «وَيَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ»

стр. 232

لَنَا: الْقَطْعُ بِجَوَازِ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ، أَوِ ابْنِ هَذِهِ الْحَائِطَ، لَا أُوجِبُهُمَا عَلَيْكَ جَمِيعًا، وَلَا وَاحِدًا مُعَيَّنًا، بَلْ أَنْتَ مُطِيعٌ بِفِعْلِ أَيِّهِمَا شِئْتَ. وَلِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ بِلَفْظِ (أَوْ) ، وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبْهَامِ. قَالُوا: فَإِنِ اسْتَوَتِ الْخِصَالُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِ وَجَبَتْ، وَإِلَّا اخْتُصَّ بَعْضُهَا بِذَلِكَ، فَيَجِبُ. ــ قَوْلُهُ: «لَنَا: الْقَطْعُ» هَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ. وَتَقْرِيرُ هَذَا الدَّلِيلِ: أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِيجَابِ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ جَائِزٌ عَقْلًا وَشَرْعًا. أَمَّا عَقْلًا، فَلِأَنَّ السَّيِّدَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: «خِطْ هَذَا الثَّوْبَ، أَوِ ابْنِ هَذَا الْحَائِطَ، لَا أُوجِبُهُمَا عَلَيْكَ جَمِيعًا، وَلَا وَاحِدًا» مِنْهُمَا «مُعَيَّنًا، بَلْ أَنْتَ مُطِيعٌ بِفِعْلِ أَيِّهِمَا شِئْتَ» فَهَذَا وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ، لِأَنَّهُ نَفَى وُجُوبَ الْجَمِيعِ، وَوُجُوبَ الْمُعَيَّنِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ أَحَدُهُمَا، فَلَا يَصِحُّ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهُمَا مَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ، إِذْ يَلْزَمُ أَنَّ قَبْلَ فِعْلِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِسَبْقِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ يُعَيِّنُهُ بِاخْتِيَارِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَمَّا شَرْعًا، فَلِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِلَفْظِ (أَوْ) ، وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبْهَامِ، فَيَقْتَضِي أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهَا وَاحِدٌ مُخَيَّرٌ، كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَاسْتِدْلَالُنَا هَهُنَا عَلَى الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ ثَبَتَ الْوُقُوعُ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَوَازِ. قُلْتُ: وَفِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْجَوَازِ بِالْوُقُوعِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ خَصْمٌ مُنَازِعٌ، كَانَ دَعْوَى الْوُقُوعِ مَحَلَّ النِّزَاعِ، بَلْ هُوَ يَقُولُ: الْوَاجِبُ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْجَمِيعُ، لِأَنَّهَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَحَلِّ النِّزَاعِ.

стр. 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، إِنَّمَا وَضَعَهَا الْأُصُولِيُّونَ لِأَجْلِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْأَحْكَامِ التَّخْيِيرِيَّةِ، وَلِهَذَا لَا تَكَادُ تَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُمَثِّلُ إِلَّا بِهَا. وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ قَوْلَهُ : ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] فِي فِدْيَةِ الْحَلْقِ فِي الْإِحْرَامِ. وَتَمَسُّكُ الْجُمْهُورِ فِي التَّخْيِيرِ إِنَّمَا هُوَ بِلَفْظِ «أَوْ» فِي الْكَفَّارَةِ وَشِبْهِهَا، فَيَنْبَغِي لَنَا تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى «أَوْ» لُغَةً، ثُمَّ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ شَرْعًا، إِذْ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَمْ يَعْقِدْ لِحُرُوفِ الْمَعَانِي بَابًا مُفْرَدًا عَلَى عَادَةِ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ، يَذْكُرُ أَحْكَامَ «أَوْ» وَغَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوفِ فِيهِ، وَتَابَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ. أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى «أَوْ» مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، فَأَنَا أُلَخِّصُ أَقْوَالَ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهَا، وَأُنَبِّهُ عَلَى مَا فِي كَلَامِهِمْ مِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ الْوَعْدُ مِنِّي بِذِكْرِ أَقْسَامِ «أَوْ» عِنْدَ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاقْتِضَاءِ، أَوِ التَّخْيِيرِ. فَقَالَ الْقَرَافِيُّ: «أَوْ» لَهَا خَمْسَةُ مَعَانٍ: الْإِبَاحَةُ وَالتَّخْيِيرُ، نَحْوَ: اصْحَبِ الْعُلَمَاءَ أَوِ الزُّهَّادَ، فَلَكَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَخُذِ الثَّوْبَ أَوِ الدِّينَارَ، فَلَيْسَ لَكَ الْجَمْعُ

стр. 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَيْنَهُمَا، وَالشَّكُّ، نَحْوَ: جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، وَأَنْتَ لَا تَدْرِي الْآتِيَ مِنْهُمَا، وَالْإِبْهَامُ نَحْوَ: جَاءَنِي زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، وَأَنْتَ تَعْلَمُ الْآتِيَ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا قَصَدْتَ الْإِبْهَامَ عَلَى السَّامِعِ خَشْيَةَ مَفْسَدَةِ التَّعْيِينِ. وَالتَّنْوِيعُ: نَحْوَ: الْعَدَدُ إِمَّا زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ، قَالَهُ الْمُبَرِّدُ. قُلْتُ: وَمُقْتَضَى تَقْسِيمِهِ، أَنَّ الْإِبَاحَةَ وَالتَّخْيِيرَ قِسْمَانِ مِنْ أَقْسَامِهَا الْخَمْسَةِ، وَكَلَامُهُ نَصٌّ فِي ذَلِكَ. وَالتَّحْقِيقُ، أَنَّهُمَا قِسْمٌ وَاحِدٌ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُبَرِّدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِبَاحَةِ هِيَ التَّخْيِيرُ، بِأَنْ يُقَالَ: إِنْ شِئْتَ افْعَلْ كَذَا، وَإِنْ شِئْتَ لَا تَفْعَلْ. هَذَا هُوَ مَعْنَاهَا عَلَى كُلِّ قَوْلٍ، فَجَعْلُهُمَا قِسْمَيْنِ يُوهِمُ أَنَّ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ فِي الصُّحْبَةِ، دُونَ الثَّوْبِ وَالدِّينَارِ فِي الْأَخْذِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ وَضْعِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَرِينَةٍ عُرْفِيَّةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ صُحْبَةِ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ لَا خَسَارَةَ فِيهِ وَلَا نَقْصَ، بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ فِي دِينِ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ وَمُرُوءَتِهِمَا، بِخِلَافِ أَخْذِ الثَّوْبِ وَالدِّينَارِ، فَإِنَّ اجْتِمَاعَهُمَا لِلْمَأْمُورِ نَقْصٌ فِي مَالِيَّةِ الْآمِرِ، إِذَا كَانَ بَائِعًا أَوْ وَاهِبًا وَنَحْوَهُ، وَهُوَ فِي الْعُرْفِ لَا يُوثِرُ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ مُشَارٌ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمُبَرِّدِ، فِي كِتَابِ «حُرُوفِ الْقُرْآنِ» ، لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩] ، حَيْثُ قَالَ: وَأَوْ، تَكُونُ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوِ الْأَشْيَاءِ، وَتَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ وَاحِدٌ.

стр. 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قُلْتُ: تَبَيَّنَ بِهَذَا مَا قُلْتُهُ، مِنْ أَنَّ الْإِبَاحَةَ وَالتَّخْيِيرَ قِسْمٌ وَاحِدٌ. ثُمَّ قَالَ الْمُبَرِّدُ فِي الْمِثَالِ: تَقُولُ: جَالِسْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا أَوْ خَالِدًا، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَهْلٌ لِلْمُجَالَسَةِ، فَإِنْ جَالَسْتَ الْجَمِيعَ، فَأَنْتَ مُطِيعٌ، وَإِنْ جَالَسْتَ وَاحِدًا لَمْ تَعْصِ. فَإِذَا قُلْتُ: خُذْ مِنِّي ثَوْبًا أَوْ دِينَارًا، فَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَهْلٌ لِأَنْ تَأْخُذَهُ، وَلَكِنَّ الْمُعْطِيَ يَمْنَعُكَ، فَإِنَّهُمَا وَاحِدٌ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرَضِيٌّ، إِلَّا أَنَّ لِأَحَدِهِمَا مَانِعًا. قُلْتُ: قَوْلُهُ: وَلَكِنَّ الْمُعْطِيَ يَمْنَعُكَ، يَعْنِي الْجَمْعَ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالدِّينَارِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْقَائِلِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ إِلَّا قَرِينَةُ الْعُرْفِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَإِلَّا فَلَفْظُ «أَوْ» مَعْنَاهَا فِي الصُّورَتَيْنِ وَاحِدٌ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَوْ: حَرْفٌ، إِذَا دَخَلَ عَلَى الْخَبَرِ دَلَّ عَلَى الشَّكِّ وَالْإِبْهَامِ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، دَلَّ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ. فَالشَّكُّ كَقَوْلِكَ: رَأَيْتُ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، وَالْإِبْهَامُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٍ: ٢٤] ، وَالتَّخْيِيرُ، كَقَوْلِكَ: كُلِ السَّمَكَ أَوِ اشْرَبِ اللَّبَنَ، أَيْ: لَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمَا، وَالْإِبَاحَةُ كَقَوْلِكَ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ. قُلْتُ: فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ، حَيْثُ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِلَفْظٍ

стр. 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِثَالٍ. وَكَذَلِكَ ابْنُ جِنِّي فِي «اللُّمَعِ» وَغَيْرُهُ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَكَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ جَوَازَ الْجَمْعِ فِي الْإِبَاحَةِ دُونَ التَّخْيِيرِ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْقَرِينَةِ الْعُرْفِيَّةِ كَمَا ذَكَرْتُ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ السَّمَكِ وَاللَّبَنِ فِي الْأَكْلِ مُضِرٌّ مَذْمُومٌ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ، بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ فِي الْمُجَالَسَةِ، فَلِذَلِكَ فَهِمُوا الْفَرْقَ، لَا لِمَعْنًى خَاصٍّ بِالتَّخْيِيرِ دُونَ الْإِبَاحَةِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي «مُشْكِلِ الْقُرْآنِ» : «أَوْ» تَأْتِي لِلشَّكِّ نَحْوَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ أَوْ مُحَمَّدًا، وَتَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ، كَمَا فِي آيَةِ الْكَفَّارَةِ، وَفِدْيَةِ الْحَلْقِ، وَتَلَاهُمَا. قُلْتُ: وَقَدْ لَاحَ مِنْ كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّخْيِيرِ، وَبَقِيَّةُ مَعَانِي «أَوْ» ، وَأَنَّ الْإِبَاحَةَ وَالتَّخْيِيرَ، فِي الطَّلَبِ، وَالشَّكِّ وَالْإِبْهَامِ وَالتَّنْوِيعِ، فِي الْخَبَرِ. وَصَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِهَذَا الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ، أَنَّ «أَوْ» جَاءَتْ عَلَى غَيْرِ بَابِهَا فِي اقْتِضَائِهَا أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، نَذْكُرُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ، وَنُبَيِّنُ أَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى مُقْتَضَى «أَوْ» فِي أَصْلِ الْبَابِ، وَأَنَّ خِلَافَ ذَلِكَ إِمَّا تَسَامُحٌ، أَوْ وَهْمٌ مِمَّنْ قَالَهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ جِنِّي فِي «اللُّمَعِ» - وَهُوَ مِنْ فُحُولِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَئِمَّتِهِمْ -: وَأَيْنَ وَقَعَتْ «أَوْ» فَهِيَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ. وَكَذَلِكَ حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي «الْعُدَّةِ» عَنْ أَحْمَدَ ﵀. وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُخْتَارُ، وَهُوَ حَمْلُ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِهَا الظَّاهِرَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ قَاطِعٌ أَوْ رَاجِحٌ، وَلَا يَتَسَارَعُ إِلَى تَحْرِيفِهَا عَنْ مَوْضُوعَاتِهَا بِأَدْنَى احْتِمَالٍ، فَمِنَ الْمَوَاضِعِ

стр. 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَذْكُورَةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي قَوْلِهِ : ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [الْمُرْسَلَاتِ: ٥ - ٦] ، ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] ، أَنَّ «أَوْ» فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ بِمَعْنَى وَاوِ النَّسَقِ. قُلْتُ: وَتَوْجِيهُهَا عَلَى أَصْلِ الْبَابِ، أَنَّهَا فِي قَوْلِهِ : ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ لِلتَّنْوِيعِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُلْقِي الذِّكْرَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مُنَوَّعًا، أَيْ: إِعْذَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ، وَإِنْذَارٌ لَهُمْ. وَالْكَلَامُ هُنَا فِي سِيَاقِ الْقَسَمِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَقْسَمْتُ بِالْمَلَائِكَةِ الْمُلْقِيَاتِ الذِّكْرَ، إِعْذَارًا أَوْ إِنْذَارًا، أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، أَوْ شِئْتُمْ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، فَهُوَ قَسَمٌ عَظِيمٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٧٥ - ٧٦] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] ، أَيْ: بِأَيِّهِمَا دَعَوْتَهُ فَهُوَ عَظِيمٌ، وَهُوَ اللَّهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ، فَمَعْنَاهُ: أَلِينَا لَهُ الْقَوْلَ، عَلَى رَجَاءٍ مِنْكُمَا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ، تَذَكُّرُهُ أَوْ خَشِيَتُهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ - وَهُوَ إِيمَانُهُ - يَتَرَتَّبُ غَالِبًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ تَعَالَى آمَنَ بِهِ، وَمَنْ تَذَكَّرَ وَأَجَادَ النَّظَرَ، تَرَتَّبَ عَلَى تَذَكُّرِهِ الْعِلْمُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ الْإِيمَانُ. وَكَذَا الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ﴾ - يَعْنِي الْقُرْآنَ - ﴿لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طَه: ١١٣] أَيْ: صَرَّفْنَا لَهُمُ الْوَعِيدَ فِي الْقُرْآنِ، وَعَامَلْنَاهُمْ

стр. 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُعَامَلَةَ مَنْ يَرْجُو مِنْهُمْ، أَوْ لَهُمْ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: التَّقْوَى أَوْ إِحْدَاثَ الذِّكْرَى، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بِالتَّقْوَى بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، أَوْ بِالذِّكْرِ بِوَاسِطَةِ التَّقْوَى، لِأَنَّ مَنْ حَدَثَ لَهُ ذِكْرٌ وَنَظَرٌ، اتَّقَى اللَّهَ غَالِبًا، كَمَا سَبَقَ. وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النَّحْلِ: ٧٧] ، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٤٧] ، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النَّجْمِ: ٩] فَقَالَ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ «أَوْ» فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، بِمَعْنَى بَلْ، عَلَى مَذْهَبِ التَّدَارُكِ لِكَلَامٍ غُلِطَ فِيهِ. قَالَ: وَلَيْسَ كَمَا تَأَوَّلُوا، بَلْ هِيَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِمَعْنَى الْوَاوِ. قُلْتُ: وَتَوْجِيهُ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى أَصْلِ الْبَابِ. أَمَّا قَوْلُهُ : ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ فَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: لَوْ كَشَفَ لَكُمْ عَنْ أَمْرِ السَّاعَةِ وَسُرْعَتِهِ، لَتَرَدَّدْتُمْ: هَلْ هُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ أَقْرَبَ مِنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ، فَقَدْ ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِيهَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى بَلْ يَزِيدُونَ، وَأَنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ: بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى ... وَصُورَتُهَا أَوْ أَنْتِ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ أَيْ: بَلْ أَنْتِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا عَلَى أَصْلِهَا فِي التَّرَدُّدِ وَالشَّكِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ: أَيْ: لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ، لَتَرَدَّدْتُمْ. هَلْ هُمْ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ؟ قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ كَقَوْلِهِ :

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣] ، قَالَ: هَذَا كَقَوْلِكَ: رَأَيْتُ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، لِأَنَّ هَهُنَا الْمَرْئِيَّ لَيْسَ إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُمَا، لَا يَجْتَمِعُ أَحَدُهُمَا مَعَ الْآخَرِ، وَهَهُنَا قَدْ ثَبَتَ مِائَةُ أَلْفٍ مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِهَا. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي هَذَا. قُلْتُ وَأَمَّا بَيْتُ ذِي الرُّمَّةِ، فَهُوَ مُتَّجِهٌ عَلَى أَصْلِ الْبَابِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْهُ أَنَّ مَحْبُوبَتَهُ لِفَرْطِ جَمَالِهَا يَتَرَدَّدُ النَّاظِرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صُورَةِ الشَّمْسِ أَيُّهُمَا أَمْلَحُ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَأَنْتِ كَمَا أَرَى ... أَمِ الْعَيْنُ مَزْهُوٌّ إِلَيْهَا حَبِيبُهَا أَيْ: إِنِّي مُتَرَدِّدٌ فِي أَمْرِكَ، فَمَا أَدْرِي: هَلْ بِجَمَالِكَ الَّذِي أُدْرِكُهُ تَحَقَّقَ فِيَّ نَفْسُ الْأَمْرِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ يُخَيَّلُ إِلَيَّ لِفَرْطِ حُبِّي إِيَّاكَ؟ وَمِنْهَا قَوْلُهُ : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩] ، زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَبَعْضُهُمْ بِمَعْنَى بَلْ، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْمُسْتَوْقِدِ وَالصَّيِّبِ، أَوْ كَمَثَلِ الْمُسْتَوْقَدِ بَلِ الصَّيِّبِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلْ هِيَ عَلَى أَصْلِهَا فِي التَّخْيِيرِ، كَأَنَّ اللَّهَ قَالَ لِلْمُخَاطَبِينَ: قَدْ عَلِمْتُمْ حَالَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، فَلَكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الْمُسْتَوْقِدِ، أَوِ الصَّيِّبِ، لِأَنَّ تَمَثُّلَهُمْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحِيحٌ مُطَابِقٌ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾

стр. 240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الْبَقَرَةِ: ٧٤] ، كَمَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: وَيَزِيدُونَ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا كَالَّتِي قَبْلَهَا، بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَوْ بَلْ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَتَخَرُّجُهُمَا عَلَى أَصْلِ الْبَابِ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُبَرِّدُ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ: لَوْ كَشَفَ لَكُمْ عَنْ قُلُوبِكُمْ فِي قَسَاوَتِهَا، لَتَرَدَّدْتُمْ، هَلْ هِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً؟ كَمَا ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا لِلتَّنْوِيعِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ بَعْضَكُمْ قُلُوبُهُمْ كَالْحِجَارَةِ، وَبَعْضَكُمْ قُلُوبُهُمْ أَقْسَى، كَمَا يُقَالُ: أَتَيْتُ بَنِي فُلَانٍ، فَمَا رَأَيْتُ إِلَّا فَقِيهًا أَوْ قَارِئًا. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ، لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ إِلَّا بِالْقُوَّةِ. وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ «أَوْ» تَكُونُ بِمَعْنَى «إِلَى» كَقَوْلِكَ: لَأَضْرِبَنَّهُ أَوْ يَتُوبَ. قُلْتُ: وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي يَنْتَصِبُ بَعْدَهَا الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ بِإِضْمَارِ «أَنْ» ، وَأَمْثِلَتُهَا كَثِيرَةٌ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلِ الْبَابِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: لَأُخَيِّرَنَّهُ بَيْنَ التَّوْبَةِ وَالضَّرْبِ. وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: خَسْفَانِ ثُكْلٌ وَغَدْرٌ أَنْتَ بَيْنَهُمَا ... فَاخْتَرْ وَمَا فِيهِمَا حَظٌّ لِمُخْتَارِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: [فَقُلْتُ لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنُكَ] إِنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا أَيْ: غَايَةُ سَعْيِنَا وَمُحَاوَلَتِنَا أَحَدُ شَيْئَيْنِ: إِمَّا الْمُلْكُ، أَوِ الْمَوْتُ دُونَهُ فَنُعْذَرُ.

стр. 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٢٤] ، فَلَمْ يَحْضُرْنِي الْآنَ كَلَامُ أَحَدٍ فِيهِ، إِلَّا الْقَاضِي أَبَا يَعْلَى فِي «الْعُدَّةِ» فَقَالَ: «أَوْ» إِذَا كَانَتْ فِي الْخَبَرِ، فَهِيَ لِلشَّكِّ، وَإِذَا كَانَتْ فِي الطَّلَبِ وَالْأَمْرِ فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، وَإِذَا كَانَتْ فِي النَّهْيِ، فَقَدْ تَكُونُ لِلْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ . وَقِيلَ: تَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ، لِأَنَّ النَّهْيَ أَمْرٌ بِالتَّرْكِ، وَأَيَّهُمَا تَرَكَ كَانَ مُطِيعًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ. قُلْتُ: أَمَّا التَّخْيِيرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ ﵇ مَأْمُورٌ بِمَعْصِيَةِ الْآثِمِ مِنْهُمْ وَالْكَفُورِ جَمِيعًا، فَلَا يَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِمَعْصِيَةِ أَحَدِهِمَا. وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْآيَةِ، فَالتَّخْيِيرُ مُحْتَمَلٌ، نَحْوَ: لَا تَأْكُلْ خُبْزًا أَوْ تَمْرًا، أَوْ لَا تَصْحَبْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا. أَيْ: أَنْتَ مَنْهِيٌّ عَنْ أَكْلِ أَوْ صُحْبَةِ أَحَدِهِمَا أَيَّهُمَا شِئْتَ. وَمَعْنَى كَوْنِ النَّهْيِ بِأَوْ لِلْجَمْعِ، مَا ذَكَرَهُ الْمُبَرِّدُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩] ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ أَنْ تَقُولَ: لَا تُجَالِسْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، لَيْسَ فِيهِمَا رِضًى، فَإِنْ جَالَسَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ، أَوْ الِاجْتِمَاعِ، فَهُوَ عَاصٍ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ «أَوْ» فِيهَا

стр. 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِمَعْنَى وَلَا، أَيْ لَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا وَلَا كَفُورًا، تَحْقِيقًا لِإِفَادَةِ الْجَمْعِ، وَهُوَ غُلُوٌّ فِي التَّحْرِيفِ. وَبَعْضُهُمْ قَالَ: هِيَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَتَقْدِيرُهُ: لَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا وَكَفُورًا. وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ طَاعَتِهِمَا جَمِيعًا، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ طَاعَةِ أَحَدِهِمَا. وَالْمَعْنَى عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ طَاعَتِهِمَا عَلَى الْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ. وَالْأَقْرَبُ فِي تَخْرِيجِهِمَا عَلَى أَصْلِ الْبَابِ، أَنَّهَا لِلتَّنْوِيعِ، إِذْ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ كَانَ يُكَذِّبُهُ وَلَا يَأْتَمِنُهُ عَلَى مَا يَقُولُ، فَهَذَا كَفُورٌ، كَأَبِي جَهْلٍ وَأَبِي لَهَبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ مُصَدِّقًا لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَكِنْ مَنَعَهُ الْحَيَاءُ وَالنَّخْوَةُ مِنْ مُتَابَعَتِهِ، كَأَبِي طَالِبٍ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٤] ، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٤٦] ، فَهَذَا النَّوْعُ، مِنْهُمْ آثِمٌ، وَلَيْسَ كَافِرًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، لِأَنَّهُ مُعْتَقِدٌ لِلصِّدْقِ وَإِنَّمَا كُفْرُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ الِاسْتِكْبَارُ وَالِاحْتِشَامُ عَنْ مُتَابَعَةِ الْحَقِّ، كَكُفْرِ إِبْلِيسَ بِالِاسْتِكْبَارِ مَعَ الْعِيَانِ، فَاللَّهُ تَعَالَى نَهَاهُ عَنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَوَّعَهُمْ لَهُ إِلَى مُصَدِّقٍ آثِمٍ بِالِاسْتِكْبَارِ، وَإِلَى

стр. 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُكَذِّبٍ كَافِرٍ بِالتَّكْذِيبِ، فَتَقْدِيرُهُ: لَا تُطِعْ مِنْهُمْ أَحَدًا، لَا مِنْ نَوْعِ الْأَثَمَةِ وَلَا مِنْ نَوْعِ الْكَفَرَةِ. مَعَ أَنَّ النَّوْعَيْنِ يَجْمَعُهُمُ الْكُفْرُ، لَكِنَّ جِهَةَ كُفْرِهِمْ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا بَيَّنَّا، فَهَذَا مَا اتَّفَقَ مِنْ تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى «أَوْ» لُغَةً. وَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَقِفُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ يَزْعُمُ أَنِّي أَطْنَبْتُ فِيهِ، وَخَرَجْتُ عَمًّا أَنَا بِصَدَدِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ إِلَى مَبَاحِثِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدْتُ أَنْ أُقَرِّرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ، لِأَنَّهَا مِنَ الْكُلِّيَّاتِ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهَا الْخُلْفُ وَالِاضْطِرَابُ، فَكَانَ فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِيهَا كَشْفُ اللَّبْسِ عَنِ النَّاظِرِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ تَخْرِيجَنَا لِلصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَصْلِ الْبَابِ فِي «أَوْ» ، أَمْكَنَهُ أَنْ يُخَرِّجَ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي لَمْ نَذْكُرْهَا، وَإِنَّمَا وَضَعْنَا هَذَا لِلْمُحَقِّقِينَ الْعَارِفِينَ لِلْعِلْمِ وَالنَّظَرِ فِيهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِأَهْلِ الضَّجَرِ وَضَعْفِ النَّظَرِ. وَأَمَّا مَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ شَرْعًا، فَمِنْهُ الْكَفَّارَاتُ، وَمِنْهَا كَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ، وَهَلْ هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ أَوِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ عِتْقِ رَقَبَةٍ وَصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَوْلَانِ لِأَحْمَدَ، أَظْهَرَهُمَا التَّرْتِيبُ، إِلْحَاقًا لَهَا بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ قِيَاسًا، وَلِظَاهِرِ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ حَيْثُ بَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ بِالْعِتْقِ، ثُمَّ الصِّيَامِ، ثُمَّ الْإِطْعَامِ.

стр. 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهَا كَفَّارَتَا الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، وَهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْخِصَالِ الثَّلَاثِ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا قَالَ فِيهِمَا بِالتَّخْيِيرِ، لِنَصِّ الْكِتَابِ عَلَى التَّرْتِيبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ، ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٤] . وَمِنْهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، وَهِيَ تَجْمَعُ التَّرْتِيبَ وَالتَّخْيِيرَ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] ، فَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثِ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] . قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلِلتَّخْيِيرِ وَالتَّرْتِيبِ أَلْفَاظٌ تَدُلُّ عَلَيْهِمَا فِي اللُّغَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتُهُ لِلْفُقَهَاءِ أَنَّ صِيغَةَ «أَوْ» تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ، نَحْوُ: افْعَلُوا كَذَا أَوْ كَذَا، وَكَذَلِكَ صِيغَةُ: افْعَلُوا إِمَّا كَذَا وَإِمَّا كَذَا، وَصِيغَةُ: مَنْ لَمْ يَجِدْ، أَوْ: إِنْ لَمْ تَجِدْ كَذَا فَكَذَا، تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَهُوَ أَلَّا يَعْدِلَ إِلَى الثَّانِي إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا سُؤَالًا، وَهُوَ أَنَّ مَا ذُكِرَ، يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ أَوْ لَا يُشَرَّعَ اسْتِشْهَادُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ رَجُلَيْنِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، فَيَلْزَمُ إِمَّا أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَإِمَّا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فِي امْتِنَاعِ اسْتِشْهَادِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، مَعَ وُجُودِ رَجُلَيْنِ. ثُمَّ أَجَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، بِمَا حَاصِلُهُ: إِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ صِيغَةَ الشَّرْطِ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِي دَلَالَتِهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، بَلْ كَمَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ تَارَةً، فَهِيَ تُفِيدُ الْحَصْرَ أُخْرَى، كَقَوْلِنَا: مَنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا، فَهُوَ مَيِّتٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُتَحَرِّكًا، فَهُوَ سَاكِنٌ،

стр. 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَيْ حَالُهُ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَإِذَا كَانَتْ تَصْلُحُ لِلتَّرْتِيبِ وَالْحَصْرِ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ أَوْ قَرِينَةٍ، فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي التَّرْتِيبَ أَوِ الْحَصْرَ، فَيَتَعَيَّنُ الْآخَرُ. وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ، مَعْنَاهَا حَصْرُ الْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْكَامِلَةِ، مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ، فِي الرَّجُلَيْنِ، وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ. أَمَّا الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، أَوِ النُّكُولُ وَالْيَمِينُ، فَلَيْسَ حُجَّةً كَامِلَةً مِنَ الشَّهَادَةِ الْمَحْضَةِ، بَلْ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ. قُلْتُ: هَذَا حَاصِلٌ جَوَابُهُ، وَهُوَ جَيِّدٌ، غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ: صِيغَةُ الشَّرْطِ لَا تَحْسُنُ إِلَّا فِي التَّرْتِيبِ وَالْحَصْرِ، فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ، فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ قَدْ جَاءَتْ لِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ فِي أَصْلِ الْمَقْصُودِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ تَفَاوَتَا فِي كَمَالِهِ. كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَقَدْ أُغِيرَ عَلَى أَمْوَالِهِ فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ إِلَّا أَعْنُزٌ: إِذَا مَا لَمْ يَكُنْ غَنَمٌ فَمِعْزًى ... كَأَنَّ قُرُونَ جِلَّتِهَا عِصِيُّ فَتَمْلَأُ بَيْتَنَا أَقِطًا وَسَمْنًا ... وَحَسْبُكَ مِنْ غِنًى شِبَعٌ وَرِيٌّ أَيِ: الْمَقْصُودُ مِنَ الْغَنَمِ حَاصِلٌ مِنَ الْمِعْزَى، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْغَنَمِ أَكْمَلَ، وَهَذَا الْمَعْنَى بِالْآيَةِ أَنْسَبُ، أَيْ: مَقْصُودُ الشَّاهِدَيْنِ حَاصِلٌ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الرَّجُلَيْنِ أَكْمَلَ، لِبُعْدِهِمَا عَنِ الْغَلَطِ، وَاحْتِيَاجِهِمَا إِلَى التَّذَاكُرِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَرْأَتَيْنِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] ، وَلِهَذَا قُلْنَا: لَا يَتَرَجَّحُ الرَّجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، لِحُصُولِ أَصْلِ

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ التَّرْجِيحُ بِذَلِكَ يَتَعَدَّى تَحْصِيلًا لِكَمَالِ الْمَقْصُودِ. وَمِنْهَا: فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ فِي الْإِحْرَامِ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، لِقَوْلِهِ : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] ، وَلِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَكَانَ مَعْذُورًا، فِيهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : احْلِقْ رَأْسَكَ، وَانْسُكْ نَسِيكَةً، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ: التَّخْيِيرُ لِلَفْظِ الْآيَةِ، وَالتَّرْتِيبُ تَغْلِيظًا عَلَى الْحَالِقِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَتَخْصِيصًا لِلتَّخْيِيرِ بِسَبَبِ الْآيَةِ، وَهُوَ حَالُ الْعُذْرِ. وَمِنْهَا، الْفِدْيَةُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ فِي الْإِحْرَامِ. وَفِيهِ قَوْلَانِ عَنْ أَحْمَدَ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُخَيِّرَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ. إِنْ تَعَذَّرَ مِثْلُ الصَّيْدِ أَطْعَمَ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِطْعَامَ، صَامَ. وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ، إِلْحَاقُهَا بِالْكَفَّارَاتِ الْمُرَتَّبَةِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ خِلَافُهُ، فَيَكُونُ قِيَاسًا مُصَادِمًا لِلنَّصِّ. وَمِنْهَا، الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ تَجْلِسُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، لِقَوْلِهِ ﵇ لِحَمْنَةَ

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِنْتِ جَحْشٍ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً: تَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، فَهَذِهِ صِيغَةُ تَخْيِيرٍ، لَكِنَّهُ تَخْيِيرُ اجْتِهَادٍ، لَا تَخْيِيرُ تَشَهٍّ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا تَجْتَهِدُ فِي السِّتِّ وَالسَّبْعِ، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا جَلَسَتْهُ، إِذْ لَوْ كَانَ تَخْيِيرًا مَحْضًا، لَلَزِمَ مِنْهُ جَوَازُ أَنْ تَجْلِسَ سَبْعًا مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّهَا أَنَّ حَيْضَهَا سِتٌّ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَجْوِيزِ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا وَجُوبُهَا فِيهِ، وَلَيْسَ بِجَائِزٍ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْأَمْرِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، إِلَى أَنَّ «أَوْ» إِمَّا إِبْهَامِيَّةٌ، لِأَنَّ أَحَدَ الْمِقْدَارَيْنِ مِنَ الزَّمَانِ قَدِ اسْتَبْهَمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَتَعَيَّنَ لِلْجُلُوسِ فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ ضَبْطٌ لَهُ، وَقَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهَا. وَإِمَّا تَنْوِيعِيَّةٌ: أَيِ: الزَّمَنُ الَّذِي تَجْلِسِينَ فِيهِ شَرْعًا، يَتَنَوَّعُ إِلَى سِتَّةٍ وَسَبْعَةٍ، فَاجْلِسِي أَحَدَهُمَا بِالِاجْتِهَادِ. وَمِنْهُ فِي الْبُيُوعِ: بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، نَحْوُ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ بِعِشْرِينَ نَسِيئَةً، فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِلْجَهَالَةِ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَيَصْلُحُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﵇: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [الْقَصَصِ: ٢٨] ، بِنَاءً عَلَى شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، إِذْ هُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ عَلَى أَنْ أَرْعَى لَكَ ثَمَانِيَ أَوْ عَشَرَ سِنِينَ، وَعَلَى هَذَا الِاحْتِجَاجِ كَلَامٌ لَا يَخْفَى.

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذَا، وَأَنْكَحْتُكَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ أَوْ هَذِهِ، فَلَا يَصِحُّ، لِاقْتِضَاءِ «أَوْ» أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ. وَشَرْطُ صِحَّةِ ذَلِكَ التَّعْيِينُ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ. وَمِنْهُ فِي الطَّلَاقِ: إِذَا قَالَ لِثَلَاثِ نِسْوَةٍ: هَذِهِ أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ طَالِقٌ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الثَّالِثَةَ تُطَلَّقُ مَعَ إِحْدَى الْأُولَتَيْنِ، وَتَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ، وَقِيلَ: بَلْ يُقْرِعُ بَيْنَ الْأُولَى وَبَيْنَ الْأُخْرَيَيْنِ مَعًا، فَإِنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْأُولَى طُلِّقَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْأُخْرَيَيْنِ طُلِّقَتَا جَمِيعًا دُونَ الْأُولَى. قُلْتُ: وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ: أَنَّ التَّرَدُّدَ بِأَوْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، هَلْ هُوَ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ، فَتَكُونُ إِحْدَاهُمَا الْمُطَلَّقَةَ مَعَ الثَّالِثَةِ، أَوْ بَيْنَ الْأُولَى وَحْدَهَا وَالْأُخْرَيَيْنِ مَعًا، فَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ إِحْدَى هَاتَيْنِ طَالِقٌ وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ طَالِقٌ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ الثَّالِثَةُ طَالِقٌ، وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ طَالِقٌ فَطَلَاقُ الثَّالِثَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَالتَّرَدُّدُ فِي إِحْدَى الْأُولَتَيْنِ؟ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الْأُولَى طَالِقٌ، أَوْ هَاتَانِ الْأُخْرَيَانِ طَالِقَتَانِ فَالتَّرَدُّدُ بَيْنَ طَلَاقِ الْأُولَى وَحْدَهَا، وَطَلَاقِ الْأُخْرَيَيْنِ مَعًا. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يُطَلِّقُ

стр. 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْهُمَا اثْنَتَانِ بِالْجُمْلَةِ، لَكِنَّ عَلَى الْأَوَّلِ تُطَلَّقُ إِحْدَى الْأُولَتَيْنِ مَعَ الثَّالِثَةِ وَلَا بُدَّ، وَعَلَى الثَّانِي تُطَلَّقُ إِمَّا الْأُولَى وَحْدَهَا، وَإِمَّا الْأُخْرَيَانِ، فَطَلَاقُ الِاثْنَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هُوَ عَلَى أَحَدِ تَقْدِيرَيْنِ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ. وَرُجْحَانُهُ مُسْتَمَدٌّ مِنْ قَاعِدَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وَهِيَ: أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لَهُ فِي الْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ، فَنَقُولُ: الزَّيْدُونَ قَائِمُونَ، وَلَا يَجُوزُ قَائِمٌ، وَزَيْدٌ قَائِمٌ، وَلَا يَجُوزُ قَائِمُونَ، وَتَقُولُ: زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو قَائِمٌ، وَلَا يَجُوزُ قَائِمَانِ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَزَيْدٌ وَعَمْرٌو قَائِمَانِ، وَلَا يَجُوزُ قَائِمٌ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، كَمَا لَا تَقُولُ: الزَّيْدَانِ قَائِمٌ إِلَّا بِتَقْدِيرِ تَكْرَارِ الْخَبَرِ تَقْدِيرًا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَتَقْدِيرُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ طَالِقٌ وَهَذِهِ، فَالْخَبَرَانِ مُطَابِقَانِ. وَتَقْدِيرُهَا عَلَى الثَّانِي: هَذِهِ طَالِقٌ، أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ طَالِقٌ، فَالْخَبَرُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ مُطَابِقٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ طَالِقَتَانِ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالطَّلَاقِ عَنْهُمَا جَمِيعًا لَا عَنْ إِحْدَاهُمَا، فَهَذَا كَشْفُ الْمَسْأَلَةِ. وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا عَلَيْكَ تَوَقُّفٌ فَاسْتَخْرِجْهُ بِالنَّظَرِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ ظَهَرَ. أَمَّا لَوْ قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ أَوْ أَمَتَيْهِ: أَنْتِ أَوْ هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ، احْتُمِلَ أَنْ تُطَلَّقَ وَتُعْتَقَ الْمُخَاطَبَةُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْمُخَاطَبِ لِسَبْقِهِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، قَطْعًا لِإِشْكَالِ التَّرَدُّدِ بِالْقُرْعَةِ.

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهُ الْحُكْمُ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٣] ، فَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ بِهِمْ. وَحَكَى ابْنُ الْبَنَّا فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ هَذَا التَّخْيِيرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ. قُلْتُ: هُوَ نَظَرٌ إِلَى اقْتِضَاءِ «أَوْ» التَّخْيِيرَ، وَمَنَعَ الْجُمْهُورُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ إِذَا جَازَ تَرْكُهُ لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ نُفِيَ، وَلَا يَكُونُ السُّلْطَانُ مُخَيَّرًا فِي قَتْلِهِ. وَهَؤُلَاءِ حَمَلُوا «أَوْ» فِي هَذِهِ بِهَذَا الدَّلِيلِ عَلَى التَّنْوِيعِ، أَيْ: إِنَّ عَذَابَ الْمُحَارِبِينَ يَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ تَنَوُّعِ أَفْعَالِهِمْ. فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ أَخَافَ السَّبِيلَ إِخَافَةً مُجَرَّدَةً، نُفِيَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ أَخْذًا مُجَرَّدًا، قُطِّعَ فِيمَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ، وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ، قُتِلَ، وَفِي صَلْبِهِ قَوْلَانِ. وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُمْ إِذَا قَصَدُوا قَطْعَ الطَّرِيقِ، وَأُخِذُوا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوا مَالًا، أَوْ يَقْتُلُوا نَفْسًا، حَبَسَهُمُ الْإِمَامُ حَتَّى يَتُوبُوا، وَإِنْ أَخَذُوا مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ، قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِنْ قَتَلُوا وَلَمْ
следующие страницы →