Полный текст (2 051 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ التَّرْجِيحُ بِذَلِكَ يَتَعَدَّى تَحْصِيلًا لِكَمَالِ الْمَقْصُودِ.
وَمِنْهَا: فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ فِي الْإِحْرَامِ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، لِقَوْلِهِ : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] ، وَلِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَكَانَ مَعْذُورًا، فِيهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : احْلِقْ رَأْسَكَ، وَانْسُكْ نَسِيكَةً، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ: التَّخْيِيرُ لِلَفْظِ الْآيَةِ، وَالتَّرْتِيبُ تَغْلِيظًا عَلَى الْحَالِقِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَتَخْصِيصًا لِلتَّخْيِيرِ بِسَبَبِ الْآيَةِ، وَهُوَ حَالُ الْعُذْرِ.
وَمِنْهَا، الْفِدْيَةُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ فِي الْإِحْرَامِ. وَفِيهِ قَوْلَانِ عَنْ أَحْمَدَ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُخَيِّرَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ. إِنْ تَعَذَّرَ مِثْلُ الصَّيْدِ أَطْعَمَ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِطْعَامَ، صَامَ. وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ، إِلْحَاقُهَا بِالْكَفَّارَاتِ الْمُرَتَّبَةِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ خِلَافُهُ، فَيَكُونُ قِيَاسًا مُصَادِمًا لِلنَّصِّ.
وَمِنْهَا، الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ تَجْلِسُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، لِقَوْلِهِ ﵇ لِحَمْنَةَ
стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِنْتِ جَحْشٍ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً: تَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، فَهَذِهِ صِيغَةُ تَخْيِيرٍ، لَكِنَّهُ تَخْيِيرُ اجْتِهَادٍ، لَا تَخْيِيرُ تَشَهٍّ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا تَجْتَهِدُ فِي السِّتِّ وَالسَّبْعِ، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا جَلَسَتْهُ، إِذْ لَوْ كَانَ تَخْيِيرًا مَحْضًا، لَلَزِمَ مِنْهُ جَوَازُ أَنْ تَجْلِسَ سَبْعًا مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّهَا أَنَّ حَيْضَهَا سِتٌّ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَجْوِيزِ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا وَجُوبُهَا فِيهِ، وَلَيْسَ بِجَائِزٍ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْأَمْرِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، إِلَى أَنَّ «أَوْ» إِمَّا إِبْهَامِيَّةٌ، لِأَنَّ أَحَدَ الْمِقْدَارَيْنِ مِنَ الزَّمَانِ قَدِ اسْتَبْهَمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَتَعَيَّنَ لِلْجُلُوسِ فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ ضَبْطٌ لَهُ، وَقَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهَا. وَإِمَّا تَنْوِيعِيَّةٌ: أَيِ: الزَّمَنُ الَّذِي تَجْلِسِينَ فِيهِ شَرْعًا، يَتَنَوَّعُ إِلَى سِتَّةٍ وَسَبْعَةٍ، فَاجْلِسِي أَحَدَهُمَا بِالِاجْتِهَادِ.
وَمِنْهُ فِي الْبُيُوعِ: بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، نَحْوُ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ بِعِشْرِينَ نَسِيئَةً، فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِلْجَهَالَةِ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَيَصْلُحُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﵇: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [الْقَصَصِ: ٢٨] ، بِنَاءً عَلَى شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، إِذْ هُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: تَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ عَلَى أَنْ أَرْعَى لَكَ ثَمَانِيَ أَوْ عَشَرَ سِنِينَ، وَعَلَى هَذَا الِاحْتِجَاجِ كَلَامٌ لَا يَخْفَى.
стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذَا، وَأَنْكَحْتُكَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ أَوْ هَذِهِ، فَلَا يَصِحُّ، لِاقْتِضَاءِ «أَوْ» أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ. وَشَرْطُ صِحَّةِ ذَلِكَ التَّعْيِينُ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ.
وَمِنْهُ فِي الطَّلَاقِ: إِذَا قَالَ لِثَلَاثِ نِسْوَةٍ: هَذِهِ أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ طَالِقٌ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الثَّالِثَةَ تُطَلَّقُ مَعَ إِحْدَى الْأُولَتَيْنِ، وَتَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ، وَقِيلَ: بَلْ يُقْرِعُ بَيْنَ الْأُولَى وَبَيْنَ الْأُخْرَيَيْنِ مَعًا، فَإِنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْأُولَى طُلِّقَتْ وَحْدَهَا، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْأُخْرَيَيْنِ طُلِّقَتَا جَمِيعًا دُونَ الْأُولَى.
قُلْتُ: وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ: أَنَّ التَّرَدُّدَ بِأَوْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، هَلْ هُوَ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ، فَتَكُونُ إِحْدَاهُمَا الْمُطَلَّقَةَ مَعَ الثَّالِثَةِ، أَوْ بَيْنَ الْأُولَى وَحْدَهَا وَالْأُخْرَيَيْنِ مَعًا، فَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ إِحْدَى هَاتَيْنِ طَالِقٌ وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ طَالِقٌ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ الثَّالِثَةُ طَالِقٌ، وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ طَالِقٌ فَطَلَاقُ الثَّالِثَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَالتَّرَدُّدُ فِي إِحْدَى الْأُولَتَيْنِ؟
وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الْأُولَى طَالِقٌ، أَوْ هَاتَانِ الْأُخْرَيَانِ طَالِقَتَانِ فَالتَّرَدُّدُ بَيْنَ طَلَاقِ الْأُولَى وَحْدَهَا، وَطَلَاقِ الْأُخْرَيَيْنِ مَعًا. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يُطَلِّقُ
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْهُمَا اثْنَتَانِ بِالْجُمْلَةِ، لَكِنَّ عَلَى الْأَوَّلِ تُطَلَّقُ إِحْدَى الْأُولَتَيْنِ مَعَ الثَّالِثَةِ وَلَا بُدَّ، وَعَلَى الثَّانِي تُطَلَّقُ إِمَّا الْأُولَى وَحْدَهَا، وَإِمَّا الْأُخْرَيَانِ، فَطَلَاقُ الِاثْنَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هُوَ عَلَى أَحَدِ تَقْدِيرَيْنِ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ.
وَرُجْحَانُهُ مُسْتَمَدٌّ مِنْ قَاعِدَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وَهِيَ: أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لَهُ فِي الْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ، فَنَقُولُ: الزَّيْدُونَ قَائِمُونَ، وَلَا يَجُوزُ قَائِمٌ، وَزَيْدٌ قَائِمٌ، وَلَا يَجُوزُ قَائِمُونَ، وَتَقُولُ: زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو قَائِمٌ، وَلَا يَجُوزُ قَائِمَانِ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَزَيْدٌ وَعَمْرٌو قَائِمَانِ، وَلَا يَجُوزُ قَائِمٌ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، كَمَا لَا تَقُولُ: الزَّيْدَانِ قَائِمٌ إِلَّا بِتَقْدِيرِ تَكْرَارِ الْخَبَرِ تَقْدِيرًا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَتَقْدِيرُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ طَالِقٌ وَهَذِهِ، فَالْخَبَرَانِ مُطَابِقَانِ. وَتَقْدِيرُهَا عَلَى الثَّانِي: هَذِهِ طَالِقٌ، أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ طَالِقٌ، فَالْخَبَرُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ مُطَابِقٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ طَالِقَتَانِ، لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالطَّلَاقِ عَنْهُمَا جَمِيعًا لَا عَنْ إِحْدَاهُمَا، فَهَذَا كَشْفُ الْمَسْأَلَةِ. وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا عَلَيْكَ تَوَقُّفٌ فَاسْتَخْرِجْهُ بِالنَّظَرِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ ظَهَرَ.
أَمَّا لَوْ قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ أَوْ أَمَتَيْهِ: أَنْتِ أَوْ هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ، احْتُمِلَ أَنْ تُطَلَّقَ وَتُعْتَقَ الْمُخَاطَبَةُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْمُخَاطَبِ لِسَبْقِهِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، قَطْعًا لِإِشْكَالِ التَّرَدُّدِ بِالْقُرْعَةِ.
стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهُ الْحُكْمُ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٣] ، فَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ بِهِمْ. وَحَكَى ابْنُ الْبَنَّا فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ هَذَا التَّخْيِيرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ. قُلْتُ: هُوَ نَظَرٌ إِلَى اقْتِضَاءِ «أَوْ» التَّخْيِيرَ، وَمَنَعَ الْجُمْهُورُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ إِذَا جَازَ تَرْكُهُ لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ نُفِيَ، وَلَا يَكُونُ السُّلْطَانُ مُخَيَّرًا فِي قَتْلِهِ. وَهَؤُلَاءِ حَمَلُوا «أَوْ» فِي هَذِهِ بِهَذَا الدَّلِيلِ عَلَى التَّنْوِيعِ، أَيْ: إِنَّ عَذَابَ الْمُحَارِبِينَ يَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ تَنَوُّعِ أَفْعَالِهِمْ.
فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ أَخَافَ السَّبِيلَ إِخَافَةً مُجَرَّدَةً، نُفِيَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ أَخْذًا مُجَرَّدًا، قُطِّعَ فِيمَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ، وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ، قُتِلَ، وَفِي صَلْبِهِ قَوْلَانِ. وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُمْ إِذَا قَصَدُوا قَطْعَ الطَّرِيقِ، وَأُخِذُوا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوا مَالًا، أَوْ يَقْتُلُوا نَفْسًا، حَبَسَهُمُ الْإِمَامُ حَتَّى يَتُوبُوا، وَإِنْ أَخَذُوا مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ، قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَإِنْ قَتَلُوا وَلَمْ
стр. 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَأْخُذُوا مَالًا، قُتِلُوا حَدًّا، لَا يُسْقِطُهُ عَفْوُ أَوْلِيَاءِ مَنْ قَتَلُوهُ، وَإِنْ قَتَلُوا، وَأَخَذُوا الْمَالَ، فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ: إِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونَ، يَصْلُبُ أَحَدَهُمْ حَيًّا، وَيَبْعَجُ بَطْنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى يَمُوتَ، وَإِنْ شَاءَ، قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ.
وَمِنْهُ أَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ، وَمُسْتَنَدُهُ قَوْلُهُ ﷺ : فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ، وَفِي لَفْظٍ: مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَعْفُوَ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ وَلِهَذَا الْأَصْلِ فُرُوعٌ تَقَعُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ.
وَمِنْ فُرُوعِ التَّخْيِيرِ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَنَى خَطَأً، فَسَيِّدُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ فِي الْجِنَايَةِ، فَإِنِ اخْتَارَ فَدَاءَهُ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، وَلَهُ فِدَاؤُهُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، لِأَنَّهُ إِنْ أَدَّى أَقَلَّهُمَا، فَهُوَ الْوَاجِبُ، وَإِنْ أَدَّى أَكْثَرَهُمَا، فَقَدِ الْتُزِمَ ضَرَرَ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ لَا يُمْنَعُ، وَإِنِ اسْتَوَتِ الْقِيمَةُ وَالْأَرْشُ، صَارَ التَّخْيِيرُ ضَرُورِيًّا، إِذْ لَا أَقَلَّ، فَيَجِبُ، وَلَا أَكْثَرَ، فَيَلْزَمُ ضَرُورَةً، وَإِنْ سَلَّمَهُ، فَأَبَى وَلِيُّ الْجِنَايَةِ قَبُولَهُ، وَقَالَ: بِعْهُ أَنْتَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَشْبَهُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ، وَيَبْرَأُ بِالتَّسْلِيمِ، لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَيَبْرَأُ بِأَحَدِهِمَا، كَالتَّكْفِيرِ بِإِحْدَى الْخِصَالِ.
стр. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ عَمْدًا، فَعَفَا الْوَلِيُّ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى رَقَبَةِ الْعَبْدِ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ بِغَيْرِ رِضَا السَّيِّدِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا لَا يَمْلِكُهُ بِدُونِ رِضَاهُ، لِأَنَّهُ بِالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ صَارَتْ جِنَايَتُهُ كَالْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ كَمَا سَبَقَ، وَمِلْكُ الْوَلِيِّ لِرَقَبَتِهِ بِدُونِ رِضَا السَّيِّدِ يُنَافِي التَّخْيِيرَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَذَا فُرُوعٌ مُؤْنِسَةٌ بِهَذَا الْأَصْلِ، لِيَتَبَيَّنَ لِلنَّاظِرِ كَيْفَ تُفَرَّعُ الْأَحْكَامُ عَنْ أُصُولِهَا، وَاقْتِنَاصُهَا مِنْهَا.
وَثَمَّ فُرُوعٌ أُخَرُ لَمْ أَذْكُرْهَا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ اللُّغَوِيَّةَ وَالشَّرْعِيَّةَ فِي أَثْنَاءِ مَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ قَبْلَ كَمَالِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِنَا: «وَلِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ بِلَفْظِ» أَوْ «وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبْهَامِ» .
قَوْلُهُ: «قَالُوا: فَإِنِ اسْتَوَتِ الْخِصَالُ» إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ جَمِيعُ الْخِصَالِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ خِصَالَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، إِمَّا أَنْ تَسْتَوِيَ فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِ أَوْ لَا تَسْتَوِيَ؟ فَإِنِ اسْتَوَتْ، بِأَنْ كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ مَثَلًا فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ مِثْلَ مَصْلَحَتِهِ فِي التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا وَاجِبًا، لِأَنَّ اخْتِيَارَ التَّكْفِيرِ بِبَعْضِهَا مَعَ تَسَاوِيهَا فِي الْمَصْلَحَةِ يَكُونُ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ الْجَمِيعُ فِي الْمَصْلَحَةِ، بَلِ اخْتُصَّ بِهَا بَعْضُ الْخِصَالِ، أَوْ تَرَجَّحَ فِيهَا، مِثْلُ إِنِ اخْتُصَّ الْعِتْقُ
стр. 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِمَصْلَحَةِ التَّكْفِيرِ، أَوْ كَانَ أَرْجَحُ فِي حُصُولِهَا مِنَ الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَجَبَ أَنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ الْبَعْضُ فَيَكُونُ هُوَ الْوَاجِبَ عَيْنًا لَا عَلَى التَّخْيِيرِ.
стр. 254
قُلْنَا: مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ، وَعَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ذَاتِيَّانِ، أَوْ بِصِفَةٍ، وَهُمَا مَمْنُوعَانِ، بَلْ ذَلِكَ شَرْعِيٌّ، فَلِلشَّرْعِ فِعْلُ مَا شَاءَ مِنْ تَخْصِيصٍ وَإِبْهَامٍ.
ــ
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَبْنِيٌّ» أَيْ: قُلْنَا هَذَا الدَّلِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ مَمْنُوعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ لِلْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ أَصْلٌ مَمْنُوعٌ عِنْدَنَا، وَيَكْفِينَا مَنْعُهُ فِي إِبْطَالِ دَلِيلِكُمُ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ تَبَرَّعْنَا بِمُسْتَنَدِ الْمَنْعِ، فَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ أَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَلَزِمَ أَنَّ خَلْقَ الْكُفَّارِ، وَتَسْلِيطَ الشَّيْطَانِ الْمُضِلِّ، وَالشَّهَوَاتِ الْمُسْتَمِيلَةِ لَهُمْ إِلَى الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ، وَافْتِقَارَ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، وَتَخْلِيدَ الْجَمِيعِ فِي النَّارِ، أَصْلَحُ لَهُمْ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ، وَقَدِ اضْطُرَّ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي تَمْشِيَةِ هَذَا الْأَصْلِ إِلَى أَنِ الْتَزَمَ أَنَّ تَخْلِيدَ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ أَصْلَحُ لَهُمْ. وَمَذْهَبٌ يَنْتَهِي إِلَى هَذَا الْفَسَادِ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا. وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَصْدَ مِنَ التَّكْلِيفِ بِخِصَالِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ مَصْلَحَةُ الْمُكَلَّفِ، حَتَّى يَنْظُرَ: هَلْ تَسْتَوِي فِي حُصُولِهِ مَصْلَحَتُهُ أَوْ تَتَفَاوَتُ؟ بَلِ الْقَصْدُ مِنْ ذَلِكَ التَّعَبُّدُ الْمَحْضُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَصْلَحَةُ الْمُكَلَّفِ، وُجُوبًا عَلَى قَوْلِهِمْ، أَوْ تَفَضُّلًا عَلَى قَوْلِنَا، لَكِنْ لَا نَلْتَزِمُ أَنَّهَا اسْتَوَتْ فِي حُصُولِ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ.
وَفَوَّضَ اللَّهُ إِلَى الْمُكَلَّفِ اخْتِيَارَ بَعْضِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ التَّفْوِيضُ
стр. 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هُوَ الْمُرَجِّحُ، فَلَا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَدَلَّ عَلَى التَّفْوِيضِ الْمَذْكُورِ وُرُودُ النَّصِّ بِلَفْظِ «أَوْ» الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْيِيرِ فِي اللِّسَانِ.
الْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ وَقُبْحَ الْفِعْلِ عِنْدَهُمْ ذَاتِيَّانِ بِصِفَةٍ. أَيْ: أَنَّ الْأَفْعَالَ عِنْدَهُمْ، مِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ لِمَعْنًى، أَوْ وَصْفٍ قَائِمٍ بِهِ اقْتَضَى كَوْنَهُ حَسَنًا، وَمِنْهَا مَا هُوَ قَبِيحٌ لِوَصْفٍ قَامَ بِهِ اقْتَضَى أَحَدُهُمَا حُسْنَ الصِّدْقِ وَالْآخَرُ قُبْحَ الْكَذِبِ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ هَذَا، اقْتَضَى عِنْدَهُمْ أَنَّ خِصَالَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، لَا بُدَّ وَأَنْ تَقُومَ بِهَا أَوْصَافٌ تَقْتَضِي حُسْنَهَا، فَإِنْ تَسَاوَتْ فِي تِلْكَ الصِّفَاتِ تَسَاوَتْ فِي الْحُسْنِ، وَتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، فَيَلْزَمُ إِيجَابُ جَمِيعِهَا، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ فِي صِفَاتِهَا، تَعَيَّنَ مِنْهَا الْأَرْجَحُ الْأَصْلَحُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
وَهَذَا الْأَصْلُ مَمْنُوعٌ أَيْضًا عِنْدَنَا، بَلْ حُسْنُ الْأَفْعَالِ وَقُبْحُهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ وَنَهْيِهِ، لَا مِنْ ذَوَاتِهَا، وَلَا مِنْ صِفَاتٍ قَامَتْ بِهَا. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «بَلْ ذَلِكَ» يَعْنِي: الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ «شَرْعِيٌّ» «فَلِلشَّرْعِ فِعْلُ مَا شَاءَ مِنْ تَخْصِيصٍ وَإِبْهَامٍ» أَيْ: مِنْ تَعْيِينِ الْوَاجِبِ وَالتَّخْيِيرِ فِيهِ، وَلِهَذَا مَزِيدُ تَحْقِيقٍ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُنَا عَلَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ: ذَاتِيَّانِ بِصِفَةٍ، هُوَ مَنْقُولٌ ثَابِتٌ عَنِ
стр. 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأُصُولِيِّينَ، وَفِيهِ تَنَاقُضٌ نُنَبِّهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَالْكَرَّامِيَّةَ وَالْبَرَاهِمَةَ قَالُوا: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ أَوْ قَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هِيَ كَذَلِكَ بِصِفَةٍ كَمَا شَرَحْنَا. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ قَبِيحَةٌ بِصِفَةٍ قَامَتْ بِهَا، وَهِيَ حَسَنَةٌ لِذَاتِهَا بِغَيْرِ صِفَةٍ، وَالْقَوْلَانِ الْأَخِيرَانِ يَلْزَمُهُمَا التَّنَاقُضُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا: هَذَا قَبِيحٌ أَوْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ أَنَّ عِلَّةَ قُبْحِهِ وَحُسْنِهِ ذَاتُهُ وَحَقِيقَتُهُ، وَمَعْنَى قَوْلِنَا: هَذَا حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ بِصِفَةٍ، أَنَّ عِلَّةَ حُسْنِهِ أَوْ قُبْحِهِ صِفَةٌ قَامَتْ بِهِ، فَقَوْلُنَا مَثَلًا: الْكَذِبُ قَبِيحٌ لِذَاتِهِ، أَيْ: هُوَ قَبِيحٌ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وَإِذَا قُلْنَا هُوَ قَبِيحٌ بِصِفَةٍ، مَعْنَاهُ: هُوَ قَبِيحٌ لِقِيَامِ صِفَةٍ بِهِ أَوْجَبَتْ كَوْنَهُ قَبِيحًا، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الْأَفْعَالُ قَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا بِصِفَةٍ، وَإِسْنَادُهُمُ الْقُبْحَ إِلَيْهَا حُكْمٌ عَقْلِيٌّ، وَقَدْ جَعَلُوا لَهُ عِلَّتَيْنِ: ذَوَاتَ الْأَفْعَالِ وَصِفَاتِهَا الْقَائِمَةَ بِهَا، وَالْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ لَا تَتَعَدَّدُ عِلَّتُهُ، وَلَا يَجْتَمِعُ عَلَى أَثَرٍ وَاحِدٍ مُؤَثِّرَانِ عَقْلًا لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
وَحِينَئِذٍ يُقَالُ: إِنْ كَانَتِ الْأَفْعَالُ قَبِيحَةً لِذَاتِهَا وَلِصِفَةٍ قَامَتْ بِهَا، فَهُوَ تَنَاقُضٌ، وَإِثْبَاتُ الشَّيْءِ مَعَ مَا يَقْتَضِي عَدَمَهُ. وَعَلَى هَذَا فَالصَّوَابُ فِي عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ أَنْ يُقَالَ: «عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ذَاتِيَّانِ أَوْ بِصِفَةٍ» بِلَفْظِ «أَوْ» وَتَكُونُ لِتَنْوِيعِ مَذْهَبِهِمْ إِلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ حَسَنَةٌ أَوْ قَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا، وَإِلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ لِأَوْصَافٍ قَامَتْ بِهَا. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّنَاقُضِ إِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ قُلْنَا: الْأَفْعَالُ قَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا وَلِصِفَةٍ،
стр. 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَنَحْنُ إِنَّمَا قُلْنَا: هِيَ قَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا بِصِفَةٍ بِالْبَاءِ لَا بِاللَّامِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّعْلِيلِ، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ قُبْحِهَا ذَاتَهَا. وَالصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِهَا شَرْطٌ، لَا عِلَّةٌ ثَابِتَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْأَثَرِ مُؤَثِّرَانِ، فَلَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ، وَهَذَا اعْتِذَارٌ جَيِّدٌ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، فَتَصِحُّ عِبَارَةُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ أَصْلِ دَلِيلِهِمُ الْمَذْكُورِ بِجَوَابٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ تَسَاوِيَ الْخِصَالِ فِي الْمَصْلَحَةِ، عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ، يَمْنَعُ مِنْ تَعْيِينِ بَعْضِهَا، لِلُزُومِ التَّرْجِيحِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَحُصُولُ الْمَصْلَحَةِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا يَمْنَعُ مِنْ إِيجَابِ مَا فَوْقَهُ، لِأَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، حَصَلَتِ الْمَصْلَحَةُ بِدُونِهِ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ لِلْخَصْمِ هُنَا إِلَّا مَنْعُ حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ بِوَاحِدٍ، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ فِي الْكَفَّارَةِ.
стр. 258
قَالُوا: عَلِمَ مَا أَوْجَبَ، وَمَا يَفْعَلُ الْمُكَلَّفُ، فَكَانَ وَاجِبًا مُعَيَّنًا.
قُلْنَا: عِلْمُهُ تَابِعٌ لِإِيجَابِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنِ الْمَحَلِّ، وَإِلَّا لَعَلِمَهُ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَفِعْلُ الْمُكَلَّفِ يُعَيَّنُ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا.
ــ
قَوْلُهُ: «قَالُوا: عَلِمَ مَا أَوْجَبَ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُخَيَّرِ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ خِصَالِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَيَعْلَمُ الْخَصْلَةَ الَّتِي يُؤَدِّيهَا الْمُكَلَّفُ، فَيَكُونُ مُعَيَّنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: عِلْمُهُ تَابِعٌ لِإِيجَابِهِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابُ مَا ذَكَرُوهُ عَلَى تَعْيِينِ الْوَاجِبِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَا نَمْنَعُ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا أَوْجَبَ، لَكِنَّا نَقُولُ: عِلْمُهُ تَابِعٌ لِإِيجَابِهِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ يَتْبَعُ الْمَعْلُومَ، أَيْ: يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَإِيجَابُهُ غَيْرُ مُعَيَّنِ الْمَحَلِّ، أَيْ مَحَلِّ الْإِيجَابِ، أَيْ: مُتَعَلَّقُهُ مِنْ أَقْسَامِ الْوَاجِبِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: مَنْ حَنِثَ، فَكَفَّارَةُ حِنْثِهِ الْعِتْقُ بِعَيْنِهِ مَثَلًا، وَالْإِطْعَامُ بِعَيْنِهِ، بَلْ قَالَ: كَفَّارَتُهُ إِطْعَامٌ أَوْ كِسْوَةٌ أَوْ عِتْقٌ، فَثَبَتَ أَنَّ مَحَلَّ الْإِيجَابِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، إِذْ لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا لَعَلِمَهُ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُبْهَمٌ فِي أَقْسَامٍ وَهُوَ
стр. 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُبْحَانَهُ قَدْ عَلِمَهُ مُعَيَّنًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِاسْتِلْزَامِهِ انْقِلَابَ الْعِلْمِ جَهْلًا، فَثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ غَيْرُ مُعَيَّنِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ أَوْجَبَ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
وَأَمَّا فِعْلُ الْمُكَلَّفِ لِلْعِتْقِ، أَوِ الْإِطْعَامِ، أَوِ الْكِسْوَةِ، فَلَيْسَ فِعْلًا لِمَا كَانَ مُعَيَّنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ ، بَلْ هُوَ تَعْيِينٌ لِمَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ سَيُعَيِّنُهُ بِفِعْلِهِ. فَحَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّ اللَّهَ عِلْمُهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ سَيَتَعَيَّنُ، وَالْعِلْمُ أَنَّهُ سَيَتَعَيَّنُ لَيْسَ فِي لَفْظِ «الْمُخْتَصَرِ» دَلَالَةٌ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَوْ أَتَى الْمُكَلَّفُ بِالْجَمِيعِ، أَوْ تَرَكَ الْجَمِيعَ، كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ وَاحِدًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى؟
قُلْتُ: فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا لَا يَرِدُ، لِأَنَّ الْخَصْمَ يَقُولُ: إِنَّمَا يَكُونُ الْوَاجِبُ وَاحِدًا مُعَيَّنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُعَيِّنُ وَاحِدًا بِفِعْلِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَتَى بِالْجَمِيعِ، فَالْمُعَيَّنُ لِلْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ وَاحِدٌ، وَالزَّائِدُ تَطَوُّعٌ.
قُلْنَا: فَمَنْ تَرَكَ الْجَمِيعَ، يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَصْلًا.
قُلْتُ: وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ هُوَ هَذَا، وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، وَوَجْهُ الْقَدْحِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يُعَيِّنُ بِفِعْلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، بَلْ يُؤَدِّي مَا كَانَ مُتَعَيَّنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُكَلَّفَ أَدَّى مَا أُوجِبَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالَّذِي أَدَّاهُ مُتَعَيِّنٌ فِي
стр. 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَفْسِهِ، وَفِي عِلْمِ اللَّهِ . فَلْيَكُنْ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ هُوَ هُوَ.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ حِينَ أَوْجَبَهُ، إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ عَلِمَ عَيْنَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، كُلِّيِّهَا وَجَزِّئِيِّهَا، مَاضِيًا وَحَالًا وَمُسْتَقْبَلًا، أَوْ عَلِمَ عَيْنَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ، وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الْإِيجَابِ هُوَ عَيْنُ مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ أَوْ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقُ الْإِيجَابِ عَيْنَ مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ، فَقَدْ أَوْجَبَهُ مُعَيَّنًا، لِأَنَّهُ عَلِمَهُ مُعَيَّنًا، وَمُتَعَلِّقُهُمَا وَاحِدٌ، فَالْوَاجِبُ مُعَيَّنٌ. وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقُ الْإِيجَابِ غَيْرَ مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ، لَزِمَ أَنَّ مَا عَلِمَهُ غَيْرُ مَا أَوْجَبُهُ، فَالْمُكَلَّفُ إِنَّمَا أَدَّى الْمَعْلُومَ لَا الْوَاجِبَ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ، هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَقْصُودُهُمَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ طَرِيقُ تَقْرِيرِهِمَا وَالْعِبَارَةُ فِيهِمَا.
وَالْمُخْتَارُ فِي الْجَوَابِ: أَنَّ اللَّهَ يُوجِبُهُ مُعَيَّنًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عِلْمِهِ بِهِ، مُبْهَمًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عِلْمِ الْمُكَلَّفِينَ، لَكِنَّ مَوْضُوعَ النَّظَرِ فِي الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ أَوِ الْوَاجِبُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى عِلْمِ الْمُكَلَّفِينَ لَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ . وَهَذَا يُشْبِهُ مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ، مِنْ أَنَّ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ تَصْرِيفَيْنِ: تَكْوِينِيٌّ يَجْرِي عَلَيْهِمْ فِيهِ مَا لَا يُطِيقُونَهُ، وَتَكْلِيفِيٌّ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ فِيهِ إِلَّا مَا يُطِيقُونَهُ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّ مَا اخْتُصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنَّا، مِنْ عِلْمٍ وَإِرَادَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَيْسَ مَوْضُوعَ نَظَرِنَا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْنَا شَيْئًا مُعَيَّنًا فِي عِلْمِهِ، مُبْهَمًا فِي عِلْمِنَا، وَيَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ الْجِهَتَيْنِ.
стр. 261
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
وَقْتُ الْوَاجِبِ إِمَّا بِقَدْرِ فِعْلِهِ، وَهُوَ الْمُضَيَّقُ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، وَالتَّكْلِيفُ بِهِ خَارِجٌ عَلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُوَسَّعُ، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَنَا، لَهُ فِعْلُهُ فِي أَيِّ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ شَاءَ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، إِلَّا بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ فِيهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ أَبُو الْحُسَيْنِ.
وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُوَسَّعَ.
ــ
الْوَاجِبُ الْمُضَيَّقُ وَالْمُوَسَّعُ
«الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ» مِنْ مَسَائِلِ الْوَاجِبِ: «وَقْتُ الْوَاجِبِ إِمَّا بِقَدْرِ فِعْلِهِ» كَالْيَوْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْمِ «وَهُوَ» الْوَاجِبُ «الْمَضَيَّقُ» أَيْ: ضُيِّقَ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِيهِ، حَتَّى لَا يَجِدَ سَعَةً يُؤَخِّرُ فِيهَا الْفِعْلَ أَوْ بَعْضَهُ، ثُمَّ يَتَدَارَكُهُ، إِذْ كُلُّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ لَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُهُ إِلَّا قَضَاءً، أَوْ يَكُونُ وَقْتُ الْوَاجِبِ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ فِعْلِهِ كَإِيجَابِ عِشْرِينَ رَكْعَةً فِي زَمَنٍ لَا يَسَعُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَالتَّكْلِيفُ بِهِ خَارِجٌ عَلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ الْمَعْرُوفِ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، إِنْ جَازَ التَّكْلِيفُ بِفِعْلٍ لَا يَتَّسِعُ وَقْتُهُ الْمُقَدَّرُ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا لَا يُطَاقُ، «أَوْ» يَكُونُ وَقْتُ الْوَاجِبِ «أَكْثَرَ» مِنْ قَدْرِ فِعْلِهِ «وَهُوَ الْمُوَسَّعُ، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَنَا، لَهُ فِعْلُهُ» أَيْ: فِعْلُ الْوَاجِبِ مِنَ الصَّلَوَاتِ «فِي أَيِّ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ شَاءَ» فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أَوْ وَسَطِهِ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْهُ «وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ إِلَّا بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ فِيهِ» أَيْ: فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ «وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ أَبُو الْحُسَيْنِ» يَعْنِي الْعَزْمَ «وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُوَسَّعَ» وَقَالُوا: وَقْتُ الْوُجُوبِ هُوَ آخِرُ الْوَقْتِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْفِعْلِ
стр. 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَاقِعِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ نَفْلٌ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهِ، وَالْكَرْخِيُّ مِنْهُمْ، تَارَةً يَقُولُ بِتَعْيِينِ الْوَاجِبِ بِالْفِعْلِ، فِي أَيِّ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ كَانَ، وَتَارَةً يَقُولُ: إِنْ بَقِيَ الْفَاعِلُ مُكَلَّفًا إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ كَانَ فِعْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَاجِبًا، وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ.
стр. 263
لَنَا: الْقَطْعُ بِجَوَازِ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: افْعَلِ الْيَوْمَ كَذَا، فِي أَيِّ جُزْءٍ شِئْتَ مِنْهُ، وَأَنْتَ مُطِيعٌ إِنْ فَعَلْتَ، وَعَاصٍ إِنْ خَرَجَ الْيَوْمُ وَلَمْ تَفْعَلْ، وَأَيْضًا، النَّصُّ قَيَّدَ الْوُجُوبَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ، فَتَخْصِيصُ بَعْضِهِ بِالْإِيجَابِ تَحَكُّمٌ.
قَالُوا: جَوَازُ التَّرْكِ فِي بَعْضِ الْوَقْتِ يُنَافِي الْوُجُوبَ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْوُجُوبِ بِالْجُزْءِ الَّذِي لَا يَجُوزُ التَّرْكُ فِيهِ، وَهُوَ آخِرُهُ، وَجَوَازُ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ رُخْصَةٌ، كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ.
قُلْنَا: مَعَ اشْتِرَاطِ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ، لَا نُسَلِّمُ مُنَافَاةَ التَّرْكِ الْوُجُوبَ.
قَالُوا: لَا دَلِيلَ فِي النَّصِّ عَلَى وُجُوبِ الْعَزْمِ، فَإِيجَابُهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ.
قُلْنَا: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ، وَأَيْضًا، لَمَّا حَرُمَ الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ، حَرُمَ تَرْكُ الْعَزْمِ عَلَيْهَا، وَفِعْلُ مَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ وَاجِبٌ، وَمَحْذُورُ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ، كَوْنُهُ نَسْخًا عِنْدَكُمْ، وَنَحْنُ نَمْنَعُهُ.
ــ
«لَنَا: الْقَطْعُ بِجَوَازِ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: افْعَلِ الْيَوْمَ كَذَا» مِثْلُ أَنْ قَالَ: ابْنِ لِي هَذَا الْحَائِطَ، أَوْ خِطْ لِي هَذَا الثَّوْبَ «فِي أَيِّ جُزْءٍ شِئْتَ مِنْهُ وَأَنْتَ مُطِيعٌ إِنْ فَعَلْتَ، وَعَاصٍ إِنْ خَرَجَ الْيَوْمُ وَلَمْ تَفْعَلْ» فَإِنْ كَانَ الْإِنْكَارُ لِجَوَازِهِ عَقْلًا، فَهَذَا دَلِيلُ الْعَقْلِ قَاطِعٌ فِي جَوَازِهِ، وَإِنْ كَانَ الْإِنْكَارُ لَهُ شَرْعًا، فَدَلِيلُ الشَّرْعِ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ «أَيْضًا» وَذَلِكَ لِأَنَّ «النَّصَّ قَيَّدَ الْوُجُوبَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٨] ، وَقَوْلِهِ : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] ، وَقَوْلِهِ ﵇ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَبَيَّنَ لَهُ بِفِعْلِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ
стр. 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَيْنِ يَعْنِي: مَا بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَإِذَا قَيَّدَ النَّصُّ الْوُجُوبَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ «فَتَخْصِيصُ بَعْضِهِ» بِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ «تَحَكُّمٌ» عَلَى النَّصِّ بِالتَّخْصِيصِ.
«قَالُوا: جَوَازُ التَّرْكِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا حُجَّةُ مَنْ أَنْكَرَ الْمُوَسَّعَ، وَهُوَ أَنَّ جَوَازَ تَرْكِ الْفِعْلِ فِي بَعْضِ الْوَقْتِ يُنَافِي وُجُوبَهُ فِيهِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي زَمَنٍ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ فِيهِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْوَاجِبُ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِصَاصِ وُجُوبِ الْفِعْلِ بِالْجُزْءِ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ فِيهِ مِنَ الْوَقْتِ، وَهُوَ آخِرُهُ.
وَأَمَّا جَوَازُ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ عَلَى آخِرِ الْوَقْتِ كَفِعْلِ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا فَهُوَ رُخْصَةٌ، كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، الْعَامِ وَالْعَامَيْنِ، وَتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِ الْأَوْلَى بِالْجَمْعِ.
«قُلْنَا: مَعَ اشْتِرَاطِ الْعَزْمِ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: قُلْنَا: جَوَازُ التَّرْكِ فِي بَعْضِ الْوَقْتِ يُنَافِي الْوُجُوبَ فِيهِ، مَعَ اشْتِرَاطِ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ فِي آخِرِهِ، أَوْ مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ.
الْأَوَّلُ: مَمْنُوعٌ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعَ اشْتِرَاطِ الْعَزْمِ، يُنَافِي تَرْكُ الْفِعْلِ فِي بَعْضِ الْوَقْتِ وُجُوبَهُ فِيهِ، لِأَنَّ التَّرْكَ إِنَّمَا يُنَافِي الْوُجُوبَ إِذَا خَلَا الْوَقْتُ مِنَ الْوَاجِبِ أَوْ بَدَلِهِ، وَمَعَ اشْتِرَاطِ الْعَزْمِ لَمْ يَخْلُ الْوَقْتُ مِنْهُمَا، لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْفِعْلِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنْ فَاتَ، لَكِنَّ بَدَلَهُ - وَهُوَ الْعَزْمُ - لَمْ يَفُتْ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ جَوَازُ التَّرْكِ مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَزْمِ، مُسَلَّمٌ أَنَّهُ يُنَافِي الْوُجُوبَ، لَكِنَّا
стр. 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَا نَقُولُ بِهِ.
«قَالُوا: لَا دَلِيلَ فِي النَّصِّ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا مَنْعٌ لِاشْتِرَاطِ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ.
وَتَقْرِيرُهُ، أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي النَّصِّ عَلَى وُجُوبِ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إِذَا تُرِكَ فِي أَوَّلِهِ، لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمَوَاقِيتِ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى إِيقَاعِ الْعِبَادَةِ فِي الْوَقْتِ، فَإِيجَابُ الْعَزْمِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
«قُلْنَا» يَعْنِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَزْمِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ» ، وَالْعَزْمُ هَهُنَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا.
أَمَّا الْأُولَى: فَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهَا فِي مَكَانِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَتَقَرَّرَ بِبَيَانِ الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُ «لَمَّا حَرُمَ الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ، حُرُمَ تَرْكُ الْعَزْمِ عَلَيْهَا» فَكَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْآنَ الْعَزْمَ عَلَى فِعْلِهَا إِذَا دَخَلَ وَقْتُهَا، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ الشَّرْعِيَّ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْأَبْدَانِ بِالْأَفْعَالِ، وَإِلَى الْقُلُوبِ بِالنِّيَّاتِ وَالْعَزَائِمِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ الْعَزْمِ عَلَى الطَّاعَةِ تَهَاوُنٌ بِأَمْرِ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ حَرَامًا وَإِذَا حَرُمَ تَرْكُ الْعَزْمِ عَلَى الطَّاعَةِ، كَانَ الْعَزْمُ عَلَيْهَا وَاجِبًا، لِأَنَّ «فِعْلَ مَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ وَاجِبٌ» وَالْحَرَامُ يَجِبُ تَرْكُهُ،
стр. 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ إِلَّا بِفِعْلِ ضِدِّهِ، وَالْحَرَامُ هُنَا تَرْكُ الْعَزْمِ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ بِفِعْلِ الْعَزْمِ وَاجِبًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: «وَمَحْذُورُ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: إِيجَابُ الْعَزْمِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَمَعْنَى الْجَوَابِ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّنَا، لِأَنَّ الْمَحْذُورَ مِنْهُ كَوْنُ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخًا، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَكُمْ، وَنَحْنُ نَمْنَعُ ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ النَّسْخِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَانِعِينَ مِنَ اشْتِرَاطِ الْعَزْمِ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَسْئِلَةً:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِمَّا أَنْ يَعْزِمَ عَلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا، فَيَكُونُ عَاصِيًا، أَوْ عَلَى فِعْلِهَا، فَيَكُونُ مُطِيعًا، أَوْ لَا عَلَى تَرْكِهَا وَلَا فِعْلِهَا، وَهَذِهِ الْحَالُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّهَا حَرَامٌ، مَعَ أَنَّ تَرْكَ الْعَزْمِ عَلَى الصَّلَاةِ يُسَاوِي الْعَزْمَ عَلَى تَرْكِهَا؟
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا، قَدْ لَاحَ مِمَّا سَبَقَ وَنَزِيدُهُ إِيضَاحًا بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ أَسْبَابِ إِيقَاعِهَا، وَإِيقَاعُهَا وَاجِبٌ، وَسَبَبُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْعَزْمَ عَلَيْهَا مِنْ أَسْبَابِ إِيقَاعِهَا، لِأَنَّ سَبَبَ الْفِعْلِ مَا تُوُصِّلَ بِهِ إِلَيْهِ، وَأَعَانَ عَلَيْهِ. وَالْعَزْمُ عَلَى الْعِبَادَةِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَيْهَا، وَيُعِينُ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ مِنْ أَسْبَابِهَا، فَيَكُونُ وَاجِبًا.
ثُمَّ إِنَّ لَنَا مَنْعَ تَصَوُّرِ الْوَاسِطَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّخْصَ إِنْ كَانَ سَاهِيًا
стр. 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْ غَافِلًا، فَلَيْسَ مُكَلَّفًا، وَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا مُتَيَقِّظًا عَالِمًا بِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ، فَهَذَا لَا يَخْلُو مَنْ قَصْدٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ قَصْدُهُ بِأَنْ يَفْعَلَهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ، أَوْ بِأَنْ لَا يَفْعَلَهَا، وَالْوَاسِطَةُ الَّتِي وَسَّطْتُمُوهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى صَلَاةِ مَنْ قَصَدَ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَزْمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ أَصْلِ الْفِعْلِ، أَوْ عَنْ تَعْجِيلِهِ، فَإِنْ كَانَ بَدَلًا عَنِ الْفِعْلِ، لَزِمَ سُقُوطُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَنْ لَا يَجِبَ فِعْلُهُ آخِرَ الْوَقْتِ، لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ، وَإِنْ كَانَ بَدَلًا عَنْ تَعْجِيلِ الْفِعْلِ، فَقَدْ صَارَ مُخَيَّرًا بَيْنَ تَعْجِيلِهِ وَتَأْخِيرِهِ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ آخِرَ الْوَقْتِ، فَاسْتَحَالَتِ الْمَسْأَلَةُ، وَانْتَقَلَتْ إِلَى مَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَزَالَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَصَارَتِ الْمَسْأَلَتَانِ وَاحِدَةً.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْعَزْمَ بَدَلٌ عَنْ تَعْجِيلِ الْفِعْلِ، لَا عَنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّعْجِيلِ، وَالتَّأْخِيرِ مَعَ الْعَزْمِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي زَوَالَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا يُنَافِيهِ، بَلِ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ ثَابِتٌ، وَلَهُ نَظَرٌ إِلَى الْمُخَيَّرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَتَعَلُّقٌ بِهِ.
أَوْ نَقُولُ: هُوَ مُوَسَّعٌ مِنْ وَجْهٍ، مُخَيَّرٌ مِنْ وَجْهٍ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّخْيِيرُ، انْبَنَى عَلَيْهِ التَّوْسِيعُ. وَسَنُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ بَيْنَ الْمُوَسَّعِ وَالْمُخَيَّرِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ قَدْرًا مُشْتَرِكًا، تَصِيرُ جَمِيعُهَا مِنْ جِهَتِهِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: أَنَّ وُجُوبَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ الْعَامَّةِ، لَا مِنْ خَصَائِصِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا لَا يَنْفِي اشْتِرَاطَهُ وَبَدَلِيَّتَهُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ إِمَّا مِنَ
стр. 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْجِهَةِ الْعَامَّةِ، وَهِيَ جِهَةُ كَوْنِ الْوَاجِبِ إِيمَانًا، أَوْ مِنْ أَعْمَالِ الْإِيمَانِ، أَوْ مِنَ الْجِهَةِ الْخَاصَّةِ، وَهِيَ كَوْنُهُ شَرْطًا، وَبَدَلًا فِي الْمُوَسَّعِ، وَيَكُونُ ثُبُوتُهُ بِشَيْئَيْنِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ.
стр. 269
قَالُوا: نَدْبٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِجَوَازِ تَرْكِهِ فِيهِ. وَاجِبٌ فِي آخِرِهِ لِعَدَمِ ذَلِكَ.
قُلْنَا: النَّدْبُ يَجُوزُ تَرْكُهُ مُطْلَقًا، وَهَذَا بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ، فَلَيْسَ بِنَدْبٍ، بَلْ مُوَسَّعٌ فِي أَوَّلِهِ مُضَيَّقٌ عِنْدَ بَقَاءِ قَدْرِ فِعْلِهِ.
قَالُوا: لَوْ غَفَلَ عَنِ الْعَزْمِ وَمَاتَ، لَمْ يَعْصِ.
قُلْنَا: لِأَنَّ الْغَافِلَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، حَتَّى لَوْ تَنَبَّهَ لَهُ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَرْكِهِ عَصَى.
ــ
«قَالُوا: نَدْبٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ لَهُمْ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمُوَسَّعَ مَنْدُوبٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ فِيهِ، وَكُلُّ مَا جَازَ تَرْكُهُ فِي وَقْتٍ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِيهِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَهُوَ وَاجِبٌ فِي آخِرِهِ، لِعَدَمِ ذَلِكَ، أَيْ: لِعَدَمِ جَوَازِ تَرْكِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ نَظَرًا لَفْظِيًّا، وَهُوَ أَنَّ وَجْهَ تَقْرِيرِهِ عَلَى لَفْظِهِ، أَنَّ الْمُوَسَّعَ نَدْبٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَمَا جَازَ تَرْكُهُ، فَهُوَ نَدْبٌ، لَكِنَّهُ يَبْطُلُ بِالْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ، إِذْ كُلُّهَا يَجُوزُ تَرْكُهَا، وَلَيْسَتْ نَدْبًا، وَوَجْهُ تَصْحِيحِهِ، مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي تَقْرِيرِهِ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا: نَدْبٌ: أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَتَقْرِيرُهُ إِذًا هَكَذَا:
الْمُوَسَّعُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ فِيهِ، وَكُلُّ مَا جَازَ تَرْكُهُ فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ.
«قُلْنَا» : لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ نَدْبٌ فِي أَوَّلِهِ، وَلَا أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. قَوْلُكُمْ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ، قُلْنَا: مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ الْعَزْمِ. الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ
стр. 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَكُونُ نَدْبًا، لِأَنَّ النَّدْبَ يَجُوزُ تَرْكُهُ مُطْلَقًا، وَالْمُوَسَّعُ إِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ، فَلَيْسَ بِنَدْبٍ، بَلْ مُوَسَّعٌ فِي أَوَّلِهِ لِجَوَازِ تَرْكِهِ، مُضَيَّقٌ فِي آخِرِهِ عِنْدَ بَقَاءِ قَدْرِ فِعْلِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ: إِمَّا أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمُضَيَّقُ، أَوْ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ النَّدْبُ، أَوْ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ لَا فِي بَعْضِ أَجْزَائِهِ، وَهُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ.
سَمَّيْنَاهُ وَاجِبًا لِلُحُوقِ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ بِالْجُمْلَةِ، وَسَمَّيْنَاهُ مُوَسَّعًا لِحُصُولِ التَّوْسِعَةِ فِي وَقْتِهِ عَنْ قَدْرِ فِعْلِهِ، وَعَلَى الْمُكَلَّفِ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِهِ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ وَقْتِهِ.
«قَالُوا: لَوْ غَفَلَ عَنِ الْعَزْمِ وَمَاتَ لَمْ يَعْصِ» . أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْعَزْمُ وَاجِبًا لَعَصَى بِمَوْتِهِ وَهُوَ تَارِكٌ لَهُ، لِأَنَّ تَارِكَ الْوَاجِبِ عَاصٍ.
قُلْنَا: إِنَّمَا لَمْ يَعْصِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْغَافِلَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، لِمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي، حَتَّى إِنَّ هَذَا الْغَافِلَ لَوْ تَنَبَّهَ لِلْعَزْمِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَرْكِهِ عَصَى، لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي وُجُوبِ الْعَزْمِ. وَتَارِكُ الْوَاجِبِ إِنَّمَا يَكُونُ عَاصِيًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا. وَهَذَا مَعْذُورٌ بِالْغَفْلَةِ، فَلَا يَكُونُ عَاصِيًا.
стр. 271
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
إِذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُوَسَّعِ، قَبْلَ فِعْلِهِ وَضِيقِ وَقْتِهِ، لَمْ يَمُتْ عَاصِيًا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مُبَاحًا، وَهُوَ التَّأْخِيرُ الْجَائِزُ. لَا يُقَالُ: إِنَّمَا جَازَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ غَيْبٌ، فَلَيْسَ إِلَيْنَا، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ، الْعَزْمُ وَالتَّأْخِيرُ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إِلَيْهِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ، عَصَى اتِّفَاقًا، فَلَوْ لَمْ يَمُتْ، ثُمَّ فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَدَاءٌ لِوُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هُوَ قَضَاءٌ؛ لِأَنَّهُ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ الْمَوْتَ قَبْلَ فِعْلِهِ، فَفِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنِ الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ. وَقَدْ أَلْزَمَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، إِذْ لَا قَضَاءَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ لَوِ اعْتَقَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقِضَاءَهُ، عَصَى بِالتَّأْخِيرِ وَلَهُ الْتِزَامُهُ وَمَنْعُ وَقْتِ الْأَدَاءِ فِي الْأَوَّلِ، وَتَعْصِيَتُهُ فِي الثَّانِي، لِعُدُولِهِ عَمَّا ظَنَّهُ الْحَقَّ. وَالظَّنُّ مَنَاطُ التَّعَبُّدِ، بِدَلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ مِثْلَهُ.
"
ــ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ "
" إِذَا مَاتَ " يَعْنِي الْمُكَلَّفَ " فِي أَثْنَاءِ " وَقْتِ الْوَاجِبِ " الْمُوَسَّعِ قَبْلَ فِعْلِهِ، وَضِيقِ وَقْتِهِ " مِثْلَ أَنْ مَاتَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهَا، وَلَمْ يُصَلِّهَا " لَمْ يَمُتْ عَاصِيًا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مُبَاحًا وَهُوَ التَّأْخِيرُ الْجَائِزُ " بِحُكْمِ تَوْسِيعِ الْوَقْتِ.
أَمَّا لَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ فِعْلِهِ، مِثْلَ أَنْ مَاتَ وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَتَّسِعُ إِلَّا لِأَقَلِّ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ عَاصِيًا.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنْ يَكُونَ عِصْيَانُهُ مُقَدَّرًا بِقَدْرِ مَا أَخَّرَهُ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ. إِنْ
стр. 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَاقَ عَنْ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، كَانَ عَاصِيًا بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَلَا يُجْعَلُ فِي مَعْصِيَتِهِ كَمَنْ فَوَّتَ الْوَاجِبَ كُلَّهُ.
قَوْلُهُ: " لَا يُقَالُ " إِلَى آخِرِهِ، هَذَا إِيرَادُ اعْتِرَاضٍ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنْ يُقَالَ: " إِنَّمَا جَازَ " التَّأْخِيرُ فِي الْمُوَسَّعِ " بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ " وَهُوَ أَنْ يَبْقَى إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، فَيَفْعَلُ الْوَاجِبَ، أَمَّا مَعَ مَوْتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمِنْ أَيْنَ لَنَا جَوَازُ التَّأْخِيرِ؟
وَجَوَابُهُ: " أَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ " يَعْنِي سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ " غَيْبٌ، فَلَيْسَ " يَعْنِي الْغَيْبَ " إِلَيْنَا " أَيْ: لَمْ نُكَلَّفْ عِلْمَهُ، وَلَا بِنَاءَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ، إِذْ لَا نَعْلَمُ هَلْ يَبْقَى إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، فَيَفْعَلُ الْوَاجِبَ أَوْ لَا؟ وَلَا يَجُوزُ لَنَا لَوْ سَأَلْنَا أَنْ نُعَلِّقَ الْجَوَابَ، فَنَقُولُ: إِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّكَ تَعِيشُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، جَازَ لَكَ التَّأْخِيرُ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ إِحَالَةٌ لَهُ عَلَى الْجَهَالَةِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ الْبَيَانُ، وَإِنَّمَا سَأَلَ لِيُبَيَّنَ لَهُ.
قَوْلُهُ: " وَإِنَّمَا الشَّرْطُ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَيْسَتْ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ بِشَرْطٍ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْمُوَسَّعِ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ " الْعَزْمُ " فِيهِ كَمَا سَبَقَ " وَالتَّأْخِيرُ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إِلَيْهِ " كَأَوَاخِرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِعْلِهَا، وَإِلَى شَعْبَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي حَقِّ شَابٍّ، أَوْ شَيْخٍ صَحِيحِ الْجِسْمِ، لَيْسَ بِهِ سَبَبُ عِلَّةٍ، وَالسَّنَةِ
стр. 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالسَّنَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَجِّ فِي حَقِّ الشَّابِّ، وَنَحْوِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: يَخْتَلِفُ الظَّنُّ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَقُوَى الرِّجَالِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إِلَى وَقْتٍ، جَازَ تَأْخِيرُ الْمُوَسَّعِ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ، وَهُوَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَمُسْتَنَدٌ مَرْضِيٌّ.
قَوْلُهُ: " فَلَوْ أَخَّرَهُ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَوْ أَخَّرَ الْمُوَسَّعَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ، مَعَ ظَنِّهِ أَنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ، مِثْلَ أَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَمُوتُ بَعْدَ الزَّوَالِ بِقَدْرِ فِعْلِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأَخَّرَهُ مَعَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُبَادِرْ بِفِعْلِهِ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ، عَصَى بِمُجَرَّدِ هَذَا التَّأْخِيرِ بِاتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ، لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْوَاجِبَ فِي وَقْتِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى فِعْلِهِ، وَظَنَّ مَوْتَهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَعَدَمَ اسْتِدْرَاكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَارَ كَمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَتَرَكَ إِزَالَتَهَا مِنْ مَكَانٍ ظَنَّ أَنَّ النَّارَ سَتَأْتِي عَلَيْهَا فِيهِ فَتُحْرِقُهَا، وَمَنَاطُ الْإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ تَرْكُ إِحْرَازِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، مَعَ ظَنِّ فَوَاتِهِ.
قَوْلُهُ: " فَلَوْ لَمْ يَمُتْ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: فَلَوْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ مَعَ ظَنِّ فَوَاتِهِ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ بَانَ خَطَأُ ظَنِّهِ فَلَمْ يَمُتْ، ثُمَّ فَعَلَ الْوَاجِبَ فِي الْوَقْتِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَدَاءٌ لِوُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ.
стр. 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
" وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هُوَ قَضَاءٌ، لِأَنَّهُ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ الْمَوْتَ قَبْلَ فِعْلِهِ "، أَيْ: لَمَّا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَ فِعْلِهِ، صَارَ مُضَيَّقًا فِي حَقِّهِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ ذَلِكَ، وَصَارَ كَأَنَّ آخِرَ وَقْتِهِ هُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ يَمُوتُ فِيهِ، فَصَارَ فِعْلُهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَارِجًا عَنِ الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْأَصْلِيِّ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا، وَهُوَ عِنْدَ صَيْرُورَةِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ فِي الظُّهْرِ.
وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْمُلَاحَظَ هَاهُنَا هُوَ تَصَرُّفُ الشَّرْعِ فِي تَقْدِيرِ الْوَقْتِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ تَصَرُّفِهِ فِي التَّعَبُّدِ بِالظَّنِّ، لِأَنَّا إِنْ لَاحَظْنَا الْأَوَّلَ، فَالْوَقْتُ الْأَصْلِيُّ بَاقٍ، وَأَلْغَيْنَا ظَنَّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِهِ، وَإِنْ لَاحَظْنَا الثَّانِيَ، فَقَدْ عَصَى بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ الْمَذْكُورِ، وَاسْتَقَرَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَانْتَقَلَ الْحُكْمُ مِنَ التَّقْدِيرِ الشَّرْعِيِّ إِلَى مُقْتَضَى التَّعَبُّدِ الِاجْتِهَادِيِّ الظَّنِّيِّ.
قَوْلُهُ: " وَقَدْ أَلْزَمَ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَقَدْ أَلْزَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ " نِيَّةَ الْقَضَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ " أَيْ: أَلْزَمَهُ الْأُصُولِيُّونَ، فَقَالُوا لَهُ. إِذَا قُلْتَ: إِنَّ هَذَا الْفِعْلَ قَضَاءٌ، لَزِمَكَ أَنْ تُوجِبَ إِيقَاعَهُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ بَاقٍ، وَلَا قَضَاءَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ، لِأَنَّ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ مُتَنَافِيَانِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي
стр. 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيَانِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: " وَأَنَّهُ لَوِ اعْتَقَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقِضَاءَهُ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَأَلْزَمَ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوِ اعْتَقَدَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ انْقِضَاءَ الْوَقْتِ، مِثْلَ أَنْ ظَنَّ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ قَدِ انْقَضَى، أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا بِالتَّأْخِيرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إِلَى آخِرِهِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى شَيْءٍ غَلِطَ فِيهِ وَهْمُهُ، وَوَقْتُ الْعِبَادَةِ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ، وَلَمْ يُخَاطِبْ بِفِعْلِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَعْدُ. حَتَّى لَوْ صَلَّى حِينَئِذٍ يَنْوِي فَرِيضَةَ الْوَقْتِ انْقَلَبَتْ نَفْلًا، لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهَا وَقْتَهَا، فَالْقَوْلُ بِتَعْصِيَتِهِ مَعَ هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: " وَلَهُ الْتِزَامُهُ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لِأَبِي بَكْرٍ الْتِزَامُ مَا أَلْزَمَهُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُمَا وُجُوبُ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فِيمَا يَفْعَلُهُ هَذَا الشَّخْصُ، وَتَعْصِيَتُهُ فِيمَا إِذَا اعْتَقَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقِضَاءَهُ.
" وَمَنْعُ "، أَيْ: وَلَهُ مَنْعُ الْأَدَاءِ فِي الْأَوَّلِ، وَتَعْصِيَتُهُ فِي الثَّانِي ".
أَيْ: لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِلْزَامِ الْأَوَّلِ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ بَاقٍ، حَتَّى يَكُونَ إِيجَابِي نِيَّةَ الْقَضَاءِ فِيهِ عَلَيْهِ بَعِيدًا، بَلْ وَقْتُ الْأَدَاءِ خَرَجَ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ أَنَّ هَذَا
стр. 276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزَّمَنَ الَّذِي بَقِيَ هُوَ آخِرُ حَيَاتِهِ، فَإِذَا كَذَبَ ظَنُّهُ، وَاسْتَمَرَّتْ حَيَاتُهُ، صَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ، ثُمَّ عَاشَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ الصَّلَاةَ بِتَكْلِيفٍ ثَانٍ، مُنْقَطِعٍ عَنِ الْأَوَّلِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْأَدَاءِ بِظَنِّ الْمَوْتِ، وَيَتَضَيَّقُ الْوَقْتُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَتَكُونُ حَيَاتُهُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، كَالْمُسْتَجَدَّةِ فِي زَمَنٍ مُسْتَأْنَفٍ، وَنَشْأَةٍ ثَانِيَةٍ.
وَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِلْزَامِ الثَّانِي: يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ الَّذِي ظَنَّهُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ - وَلَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ قَدْ دَخَلَ بَعْدُ - لِعُدُولِهِ عَمَّا ظَنَّهُ الْحَقَّ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ ظَنَّ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهِ إِلَّا قَدْرُ فِعْلِهِ، فَلَمَّا عَدَلَ عَنْهُ بِالتَّأْخِيرِ، صَارَ مُخَالِفًا، فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ مَنْ ظَنَّ الْحَقَّ ظَنًّا صَحِيحًا مُطَابِقًا، ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهُ، فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ مَنْ خَالَفَ الظَّنَّ الْمُطَابِقَ، لِأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ التَّعَبُّدِ، أَيْ: مُتَعَلِّقُ التَّعَبُّدِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ التَّعَبُّدَاتِ بِوُجُودِ الظُّنُونِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُطَابِقَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَقَالَ مَثَلًا: إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّكُمْ أَنَّ هَذِهِ جِهَةُ الْقِبْلَةِ فَصَلُّوا إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا، وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ لَمْ يَأْثَمْ، وَلَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً أَثِمَ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْحَدُّ لِمُصَادَفَةِ الْمَحَلِّ الْقَابِلِ، كُلُّ هَذَا تَعْلِيقًا لِلْأَحْكَامِ بِالظَّنِّ وَالِاعْتِقَادِ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَقَدْ أُرِيقَتِ الدِّمَاءُ، وَاسْتُبِيحَتِ الْفُرُوجُ، وَمُلِكَتِ الْأَمْوَالُ شَرْعًا، بِنَاءً عَلَى ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ، وَالْعُمُومَاتِ وَالْأَقْيِسَةِ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَالْبَيِّنَاتِ الْمَالِيَّةِ. وَإِنَّمَا يُفِيدُ ذَلِكَ جَمِيعُهُ الظَّنَّ، وَلَيْسَ الْأَمْرَانِ اللَّازِمَانِ لِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَيَثْبُتَانِ بِمُقْتَضَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ الْمَذْكُورِ، الَّذِي جُعِلَ هُوَ وَحَقِيقَتُهُ مَنَاطًا لِلْأَحْكَامِ شَرْعًا.
стр. 277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: " بِدَلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ مِثْلَهُ " هَذَا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ الظَّنِّ مَنَاطَ التَّعَبُّدِ، أَيْ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ التَّعَبُّدِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ مِثْلِهِ، كَمَا ذَكَرَ فِي آخِرِ " الْمُخْتَصَرِ "، وَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ ظَنَّ الْمُجْتَهِدِ جُعِلَ مَنَاطًا لِتَعَبُّدِهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، كَانَ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ. وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَيْسَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ، بَلْ فِي حَقِّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، لِجَوَازِ تَفَاوُتِ الِاجْتِهَادَيْنِ بِأَنْ يُخْطِئَ أَحَدُهُمَا، وَيُصِيبَ الْآخَرُ، فَأُلْزِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ، لِأَنَّهُ كَسْبُهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ. فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي حَقِّ هَذَا الْمُكَلَّفِ الْمَذْكُورِ: يَلْزَمُهُ مُقْتَضَى ظَنِّهِ، لِأَنَّهُ مَنَاطُ تَكْلِيفِهِ، بِدَلِيلِ شَوَاهِدِ الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ، دُونَ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ.
وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ طَرِيقَةً أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ جَمِيعَ الْوَقْتِ كَانَ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ قَبْلَ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ تَضْيِيقَهُ بِالْمَوْتِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، ثُمَّ ظَنَّ الْمُكَلَّفُ الْمَذْكُورُ إِنَّمَا أَثَّرَ فِي تَأْثِيمِهِ بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْثِيمِهِ بِالتَّأْخِيرِ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ بَقَاءُ الْوَقْتِ الْأَصْلِيِّ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ فِي حَقِّهِ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ، فَإِنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ الْأَصْلِيِّ بَاقٍ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ.
стр. 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَهَذَا قَدْ لَاحَ مِنْهُ مَنْزَعٌ صَعْبٌ عَلَى الْقَاضِي. وَهُوَ أَنَّ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ وَنَحْوَهُ، مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَالْإِثْمُ عَلَى التَّأْخِيرِ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَظَنُّ الْمُكَلَّفِ إِنَّمَا يُنَاسِبُ تَأْثِيرَهُ فِي الْأُمُورِ التَّكْلِيفِيَّةِ، فَيَقْلِبُ حَقَائِقَهَا، لِأَنَّهَا أُمُورٌ تَقْدِيرِيَّةٌ أَوْ إِلْزَامِيَّةٌ، كَالْإِثْمِ وَالثَّوَابِ، فَجَازَ أَنْ تَتْبَعَ الظُّنُونَ وَالِاعْتِقَادَاتِ، أَمَّا الْأُمُورُ الْوَضْعِيَّةُ كَأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهَا، فَلَا يَقْوَى ظَنُّ الْمُكَلَّفِ عَلَى قَلْبِ حَقَائِقِهَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي: إِنَّ بِمُقْتَضَى ظَنِّ هَذَا الْمُكَلَّفِ صَارَ وَقْتُ الْأَدَاءِ الْأَصْلِيُّ وَقْتَ قَضَاءٍ فِي حَقِّهِ هُوَ قَلْبٌ لِحَقِيقَةِ أَمْرٍ وَضْعِيٍّ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ثُبُوتِهِ. أَمَّا الصُّورَةُ الَّتِي قَاسَ عَلَيْهَا الْآمِدِيُّ، وَهِيَ تَأْخِيرُ الْمُوَسَّعِ بِدُونِ الْعَزْمِ، فَلِلْقَاضِي أَنَّ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ هَذَا الْمُكَلَّفَ لَمَّا أَخَّرَ الْوَاجِبَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ فِعْلِهِ، حَصَلَ هُنَا ظَنٌّ نَاسَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَالظَّنُّ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ. بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخَّرَ الْوَاجِبَ تَارِكًا لِلْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ عَصَى مَعْصِيَةً عَدَمِيَّةً، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا، فَلَا يَقْوَى عَلَى مُنَاسَبَةِ تَغْيِيرِ أَمْرٍ وَضْعِيٍّ، بِخِلَافِ الظَّنِّ الْوُجُودِيِّ، الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَنَاطُ تَكْلِيفِهِ، وَأَمَارَةُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فِي حَقِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ: نَحْنُ إِلَى الْآنَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَفُرُوعِهِ، بِحَسَبِ تَقْرِيرِ مَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» فَلْنَذْكُرْ هَاهُنَا فِيهِ أَبْحَاثًا مِنْ بَابِ التَّحْقِيقِ وَالتَّكْمِلَةِ لَهُ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: النَّاسُ إِمَّا مُنْكِرٌ لِلْمُوَسَّعِ، أَوْ مُثْبِتٌ لَهُ، وَالْمُنْكِرُ إِمَّا مُخَصِّصٌ لِلْوُجُوبِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ بِآخِرِهِ، أَوْ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
стр. 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، فَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الشَّافِعِيَّةِ، مَنْقُولٌ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ عَلَى مَا حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ.
قُلْتُ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِمْ فِي الْمَغْرِبِ: يَنْقَضِي وَقْتُهَا بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ، لَكِنَّهُمُ الْيَوْمَ قَائِلُونَ بِالْمُوَسَّعِ، مُنْكِرُونَ لِخِلَافِهِ، وَمَدْرَكُ قَوْلِهِمْ فِي الْمَغْرِبِ سَمْعِي، مَعَ أَنَّ الْقَدِيمَ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ كَغَيْرِهَا، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي «الْمِنْهَاجِ» .
وَوَجْهُ هَذَا الْمَذْهَبِ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِهِ: أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبُ الْوُجُوبِ، وَبِدُخُولِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ يَتَحَقَّقُ دُخُولُهُ بِتَحَقُّقِ السَّبَبِ، وَالْأَصْلُ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا، فَيَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِمَا تَحَقَّقَتْ بِهِ سَبَبِيَّتُهُ، وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْوَاقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءً، سَدَّ مَسَدَّ الْأَدَاءِ.
وَضُعِّفَ هَذَا الْمَذْهَبُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِذْنُ فِي تَفْوِيتِ الْأَدَاءِ لِفِعْلِ الْقَضَاءِ، لِغَيْرِ عُذْرٍ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَوَاتِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الشَّرِيعَةِ، بِخِلَافِ تَفْوِيتِ الْأَدَاءِ لِفِعْلِ الْقَضَاءِ لِعُذْرٍ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْحَائِضِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْهُودٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ تَخْصِيصُ الْوُجُوبِ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ، قَالُوا: لِأَنَّ الشَّيْءَ يَدُورُ مَعَ خَاصَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، يَثْبُتُ لِثُبُوتِهَا، وَيَنْتَفِي لِانْتِفَائِهَا. وَخَاصَّةُ الْوُجُوبِ الْإِثْمُ عَلَى التَّرْكِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ
стр. 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَوَسَطِهِ، ثَابِتَةٌ فِي آخِرِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ لَا غَيْرُ.
وَيَرُدُّ عَلَى هَذَا، أَنَّ إِيقَاعَ الْفِعْلِ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا، وَإِجْزَاءُ غَيْرِ الْوَاجِبِ عَنِ الْوَاجِبِ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْقَوَاعِدِ، وَالرُّخْصَةُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلُهَا فِي الصَّلَاةِ، بِخِلَافِهَا فِي الزَّكَاةِ.
وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، مِنْهُ قَوْلَانِ لِلْكَرْخِيِّ الْمُتَقَدِّمُ حِكَايَتُهُمَا فِي الْكَلَامِ عَلَى عِبَارَةِ «الْمُخْتَصَرِ» :
أَحَدُهُمَا: إِنْ بَقِيَ الْفَاعِلُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ بِصِفَةِ التَّكْلِيفِ، كَانَ مَا فَعَلَهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَاجِبًا، فَمَا أَجْزَأَ عَنِ الْوَاجِبِ إِلَّا وَاجِبٌ، وَإِلَّا كَانَ نَفْلًا.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ مَوْقُوفًا مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إِلَى آخِرِهِ، لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ نَفْلٌ وَلَا فَرْضٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي لَهُ: أَنَّ زَمَنَ الْوُجُوبِ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ وَالْإِيقَاعِ، بِمَعْنَى أَنَّ زَمَنَ الْوُجُوبِ هُوَ زَمَنُ الْإِيقَاعِ، أَيَّ وَقْتٍ كَانَ لَا يَتَعَدَّاهُ، حَذَرًا مِنَ الْإِشْكَالَاتِ السَّابِقَةِ.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ تَحَقُّقَ الْوُجُوبِ لَابُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْفِعْلَ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، يَكُونُ الْوُجُوبُ تَابِعًا لِلْفِعْلِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْهُودٍ.
ثُمَّ قَوْلٌ خَامِسٌ لِمُنْكِرِي الْمُوَسَّعِ، ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَلَمْ أُحَقِّقْهُ أَنَا، وَكَأَنَّهُ مُكَرَّرٌ أَوْ مُتَدَاخِلٌ مَعَ مَا سَبَقَ، فَلَمْ أَذْكُرْهُ.
стр. 281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمَّا الْمُثْبِتُ لِلْمُوَسَّعِ، وَهُمْ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَصِفَتُهُ مَا سَبَقَ فِي الْكَلَامِ عَلَى «الْمُخْتَصَرِ» .
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ - وَهُوَ الْبَحْثُ الثَّانِي هَاهُنَا - أَنَّ الْخِطَابَ فِي الْمُوَسَّعِ وَالْمُخَيَّرِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ جَمِيعًا مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، فَيَجِبُ تَحْصِيلُهُ، وَيَحْرُمُ تَعْطِيلُهُ.
فَالْمُشْتَرَكُ فِي الْمُوَسَّعِ وَهُوَ مَفْهُومُ الزَّمَانِ وَمُطْلَقُهُ مِنَ الْوَقْتِ الْمُقَرَّرِ الْمَحْدُودِ شَرْعًا، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِيقَاعُهُ فِيمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ زَمَنٍ مِنْ أَزْمِنَةِ الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ. أَعْنِي مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنَّ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا، فَمَتَى أَوْقَعَ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْمُطْلَقِ كَانَ آتِيًا بِالْمُشْتَرَكِ، فَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ أَدَاءً، وَإِنْ أَخَّرَهُ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ الشَّرْعِيُّ، كَانَ مُعَطَّلًا لِلْمُشْتَرَكِ عَنِ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِدْرَاكُهُ قَضَاءً.
وَالْمُشْتَرَكُ فِي الْمُخَيَّرِ هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِ الْخِصَالِ، فَهُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَأَمَّا مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ، فَهُوَ خُصُوصِيَّاتُ الْخِصَالِ، مِنْ إِطْعَامٍ أَوْ كُسْوَةٍ أَوْ عِتْقٍ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِإِحْدَى الْخِصَالِ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ جَمِيعِهَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا إِحْدَى الْخِصَالِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْجَمِيعِ، لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ الْمُشْتَرَكُ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَعَمُّ مِنَ الْمُشْتَرَكِ، وَتَارِكُ الْأَعَمِّ تَارِكٌ لِلْأَخَصِّ وَمُعَطِّلٌ لَهُ، وَلَهُ
стр. 282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْخِيَارُ بَيْنَ خُصُوصِيَّاتِ الْخِصَالِ، إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ، أَوْ كَسَا، أَوْ عَتَقَ، فَالْوَاجِبُ - وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ - لَا تَخْيِيرَ فِيهِ، إِذْ لَا قَائِلَ بِأَنَّهُ إِنْ شَاءَ فَعَلَ إِحْدَى الْخِصَالِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ - وَهُوَ خُصُوصِيَّاتُ الْخِصَالِ - لَا وُجُوبَ فِيهِ، إِذْ لَا قَائِلَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْخِصَالِ عَلَى الْجَمْعِ.
وَالْمُشْتَرَكُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ هُوَ مَفْهُومُ أَيِّ طَوَائِفِ الْمُكَلَّفِينَ، كَإِحْدَى الْخِصَالِ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، غَيْرَ أَنَّ الْخِطَابَ تَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، لِتَعَذُّرِ خِطَابِ بَعْضِ مَجْهُولٍ أَوْ مُعَيَّنٍ، مَعَ تَسَاوِي الْجَمِيعِ فِيهِ، فَيَكُونُ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَلَا جَرَمَ أَنَّهُ سَقَطَ الْوُجُوبُ عَنِ الْجَمِيعِ بِفِعْلِ إِحْدَى الطَّوَائِفِ، لِحُصُولِ الْمُشْتَرَكِ الْوَافِي بِالْمَقْصُودِ، وَأَثِمَ الْجَمِيعُ بِتَرْكِ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ لَهُ، لِتَعَطُّلِ الْمُشْتَرَكِ، فَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ: وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ، وَفِي الْمُخَيَّرِ هُوَ الْوَاجِبُ نَفْسُهُ، وَهُوَ إِحْدَى الْخِصَالِ، وَفِي الْمُوَسَّعِ هُوَ الْوَاجِبُ فِيهِ، وَهُوَ الزَّمَانُ.
وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ عَنَّا سُؤَالٌ قَدْ يَسْتَصْعِبُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لِمَ لَمْ تَقُولُوا: إِنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُخَيَّرِ جَمِيعُ الْخِصَالِ، وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ بَعْضِهَا، كَمَا قُلْتُمْ: إِنَّ الْوُجُوبَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؟ فَيُقَالُ: لِأَنَّ إِيجَابَ أَحَدِ
стр. 283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَيْنِ، أَوْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى زَيْدٍ مَعْقُولٌ، وَيُجْعَلُ الْخِيَارُ فِي التَّعْيِينِ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْطِيلُ الْوَاجِبِ. بِخِلَافِ إِيجَابِ شَيْءٍ مَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ، أَوْ هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَتَوَاكَلُوا، وَيُحِيلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا مُرَجِّحَ فِيهِ، فَيَتَعَطَّلُ الْوَاجِبُ بِالْكُلِّيَّةِ، إِلَّا أَنْ يَعُودَ الْمُوجِبُ، فَيُعَيِّنَ لِلْفِعْلِ أَحَدَهُمْ، فَيَكُونَ إِيجَابًا مُبْتَدَأً مُعَيَّنًا، لَكِنْ فِيهِ تَطْوِيلٌ لِطَرِيقِ تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ، وَتَمَادٍ فِي إِيقَاعِهَا، فَكَانَ مَا سَلَكْنَاهُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَقْرَبُ، وَهُوَ أَنْ يُخَاطَبَ الْجَمِيعُ بِالْوَاجِبِ، فَإِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ تَوَفَّرَتْ دَوَاعِيهِمْ، أَوْ دَاعِيَةُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ، فَيَخْرُجُ الْجَمِيعُ بِذَلِكَ، وَلَا يَسَعُهُمُ التَّوَاكُلُ.
стр. 284
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، إِمَّا غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ، كَالْقُدْرَةِ وَالْيَدِ فِي الْكِتَابَةِ، وَحُضُورِ الْإِمَامِ وَالْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، إِلَّا عَلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ. أَوْ مَقْدُورٌ، فَإِنْ كَانَ شَرْطًا، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَهُوَ وَاجِبٌ إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَدَمِ إِيجَابِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا.
ــ
«الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ»
مِنْ مَسَائِلِ الْوَاجِبِ: فِيمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ «الْمُخْتَصَرِ» ، نَذْكُرُ تَحْقِيقًا، وَهُوَ أَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْوَاجِبِ، فَلَا يَجِبُ إِجْمَاعًا، سَوَاءً كَانَ سَبَبًا، أَوْ شَرْطًا، أَوِ انْتِفَاءَ مَانِعٍ.
فَالسَّبَبُ، كَالنِّصَابِ، يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ، فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، لِتَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ.
وَالشَّرْطُ، كَالْإِقَامَةِ، هِيَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ الصَّوْمِ، فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا إِذَا عَرَضَ مُقْتَضَى السَّفَرِ، لِيَجِبَ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّوْمِ.
وَالْمَانِعُ، كَالدَّيْنِ، لَا يَجِبُ نَفْيُهُ لِتَجِبَ الزَّكَاةُ.
وَأَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إِيقَاعُ الْوَاجِبِ، فَالنِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: «مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِمَّا غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ» إِلَى آخِرِهِ، مَعْنَاهُ: أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ، أَيْ: لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ وَوُسْعِهِ وَطَاقَتِهِ تَحْصِيلُهُ، وَلَا هُوَ إِلَيْهِ، كَالْقُدْرَةِ وَالْيَدِ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُمَا شَرْطٌ فِيهَا، وَهُمَا مَخْلُوقَانِ لِلَّهِ تَعَالَى
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْمُكَلَّفُ، لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى إِيجَادِهِمَا. وَحُضُورُ الْإِمَامِ وَالْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ لِلْجُمُعَةِ فِي الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُمَا شَرْطٌ لَهَا، وَلَيْسَ إِلَى آحَادِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْجُمُعَةِ إِحْضَارُ الْخَطِيبِ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ، وَلَا إِحْضَارُ آحَادِ النَّاسِ لِيُتِمَّ بِهِمُ الْعَدَدَ، فَهَذَا الضَّرْبُ غَيْرُ وَاجِبٍ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِ الْمُحَالِ، لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، لِأَنَّ مَنْ قِيلَ لَهُ: أَوْجَبْنَا عَلَيْكَ أَنْ تَعْمَلَ لِنَفْسِكَ قُدْرَةً وَيَدًا، ثُمَّ تَكْتُبُ، فَقَدْ كُلِّفَ مُحَالًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا الضَّرْبُ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا كَمَا سَبَقَ، لِأَنَّ الْيَدَ وَالْقُدْرَةَ شَرْطَانِ لِصِحَّةِ الْكِتَابَةِ عَقْلًا، وَحُضُورُ الْإِمَامِ وَالْعَدَدِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ شَرْعًا.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، ثُمَّ هُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الْفِعْلِ، أَوْ غَيْرَ شَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ شَرْطًا كَالطَّهَارَةِ وَسَائِرِ الشُّرُوطِ لِلصَّلَاةِ، وَكَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَإِنْ صَرَّحَ بِعَدَمِ إِيجَابِهِ، كَقَوْلِهِ: صَلِّ، وَلَا أُوجِبُ عَلَيْكَ الْوُضُوءَ، لَمْ يَجِبْ عَمَلًا بِمُوجِبِ التَّصْرِيحِ، وَإِنْ صَرَّحَ بِإِيجَابِهِ، وَجَبَ لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِيجَابٍ وَلَا عَدَمِهِ، بَلْ أَطْلَقَ، وَجَبَ أَيْضًا عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجِبُ، وَإِلَى التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ أَشَرْتُ. فَهُوَ وَاجِبٌ إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَدَمِ إِيجَابِهِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ، وَهُوَ مَا إِذَا صَرَّحَ بِالْإِيجَابِ أَوْ أَطْلَقَ.
قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا» هُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُقُوعُ الْوَاجِبِ لَوْ لَمْ يَجِبْ، لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لِلْوَاجِبِ، لَكِنَّهُ شَرْطٌ لَهُ، فَيَكُونُ وَاجِبًا.
أَمَّا الْمُلَازَمَةُ، فَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ لَوَازِمِ الشَّرْطِ، لِأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ فِي شَيْءٍ فَهُوَ وَاجِبٌ لَهُ. وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْمُتَنَازَعَ فِيهِ شَرْطٌ، فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَإِذَا كَانَ شَرْطًا، كَانَ وَاجِبًا، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ لَازِمٌ لِلشَّرْطِ، وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ - الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ
следующие страницы →