← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا الْمُثْبِتُ لِلْمُوَسَّعِ، وَهُمْ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَصِفَتُهُ مَا سَبَقَ فِي الْكَلَامِ عَلَى «الْمُخْتَصَرِ» . وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ - وَهُوَ الْبَحْثُ الثَّانِي هَاهُنَا - أَنَّ الْخِطَابَ فِي الْمُوَسَّعِ وَالْمُخَيَّرِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ جَمِيعًا مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، فَيَجِبُ تَحْصِيلُهُ، وَيَحْرُمُ تَعْطِيلُهُ. فَالْمُشْتَرَكُ فِي الْمُوَسَّعِ وَهُوَ مَفْهُومُ الزَّمَانِ وَمُطْلَقُهُ مِنَ الْوَقْتِ الْمُقَرَّرِ الْمَحْدُودِ شَرْعًا، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِيقَاعُهُ فِيمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ زَمَنٍ مِنْ أَزْمِنَةِ الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ. أَعْنِي مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنَّ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا، فَمَتَى أَوْقَعَ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْمُطْلَقِ كَانَ آتِيًا بِالْمُشْتَرَكِ، فَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ أَدَاءً، وَإِنْ أَخَّرَهُ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ الشَّرْعِيُّ، كَانَ مُعَطَّلًا لِلْمُشْتَرَكِ عَنِ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِدْرَاكُهُ قَضَاءً. وَالْمُشْتَرَكُ فِي الْمُخَيَّرِ هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِ الْخِصَالِ، فَهُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَأَمَّا مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ، فَهُوَ خُصُوصِيَّاتُ الْخِصَالِ، مِنْ إِطْعَامٍ أَوْ كُسْوَةٍ أَوْ عِتْقٍ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِإِحْدَى الْخِصَالِ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ جَمِيعِهَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا إِحْدَى الْخِصَالِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْجَمِيعِ، لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ الْمُشْتَرَكُ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَعَمُّ مِنَ الْمُشْتَرَكِ، وَتَارِكُ الْأَعَمِّ تَارِكٌ لِلْأَخَصِّ وَمُعَطِّلٌ لَهُ، وَلَهُ

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْخِيَارُ بَيْنَ خُصُوصِيَّاتِ الْخِصَالِ، إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ، أَوْ كَسَا، أَوْ عَتَقَ، فَالْوَاجِبُ - وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ - لَا تَخْيِيرَ فِيهِ، إِذْ لَا قَائِلَ بِأَنَّهُ إِنْ شَاءَ فَعَلَ إِحْدَى الْخِصَالِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ - وَهُوَ خُصُوصِيَّاتُ الْخِصَالِ - لَا وُجُوبَ فِيهِ، إِذْ لَا قَائِلَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْخِصَالِ عَلَى الْجَمْعِ. وَالْمُشْتَرَكُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ هُوَ مَفْهُومُ أَيِّ طَوَائِفِ الْمُكَلَّفِينَ، كَإِحْدَى الْخِصَالِ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، غَيْرَ أَنَّ الْخِطَابَ تَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، لِتَعَذُّرِ خِطَابِ بَعْضِ مَجْهُولٍ أَوْ مُعَيَّنٍ، مَعَ تَسَاوِي الْجَمِيعِ فِيهِ، فَيَكُونُ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَلَا جَرَمَ أَنَّهُ سَقَطَ الْوُجُوبُ عَنِ الْجَمِيعِ بِفِعْلِ إِحْدَى الطَّوَائِفِ، لِحُصُولِ الْمُشْتَرَكِ الْوَافِي بِالْمَقْصُودِ، وَأَثِمَ الْجَمِيعُ بِتَرْكِ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ لَهُ، لِتَعَطُّلِ الْمُشْتَرَكِ، فَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ. الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ: وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ، وَفِي الْمُخَيَّرِ هُوَ الْوَاجِبُ نَفْسُهُ، وَهُوَ إِحْدَى الْخِصَالِ، وَفِي الْمُوَسَّعِ هُوَ الْوَاجِبُ فِيهِ، وَهُوَ الزَّمَانُ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ عَنَّا سُؤَالٌ قَدْ يَسْتَصْعِبُ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لِمَ لَمْ تَقُولُوا: إِنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُخَيَّرِ جَمِيعُ الْخِصَالِ، وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ بَعْضِهَا، كَمَا قُلْتُمْ: إِنَّ الْوُجُوبَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؟ فَيُقَالُ: لِأَنَّ إِيجَابَ أَحَدِ

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَيْنِ، أَوْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى زَيْدٍ مَعْقُولٌ، وَيُجْعَلُ الْخِيَارُ فِي التَّعْيِينِ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْطِيلُ الْوَاجِبِ. بِخِلَافِ إِيجَابِ شَيْءٍ مَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ، أَوْ هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَتَوَاكَلُوا، وَيُحِيلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا مُرَجِّحَ فِيهِ، فَيَتَعَطَّلُ الْوَاجِبُ بِالْكُلِّيَّةِ، إِلَّا أَنْ يَعُودَ الْمُوجِبُ، فَيُعَيِّنَ لِلْفِعْلِ أَحَدَهُمْ، فَيَكُونَ إِيجَابًا مُبْتَدَأً مُعَيَّنًا، لَكِنْ فِيهِ تَطْوِيلٌ لِطَرِيقِ تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ، وَتَمَادٍ فِي إِيقَاعِهَا، فَكَانَ مَا سَلَكْنَاهُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَقْرَبُ، وَهُوَ أَنْ يُخَاطَبَ الْجَمِيعُ بِالْوَاجِبِ، فَإِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ تَوَفَّرَتْ دَوَاعِيهِمْ، أَوْ دَاعِيَةُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ، فَيَخْرُجُ الْجَمِيعُ بِذَلِكَ، وَلَا يَسَعُهُمُ التَّوَاكُلُ.

стр. 284

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، إِمَّا غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ، كَالْقُدْرَةِ وَالْيَدِ فِي الْكِتَابَةِ، وَحُضُورِ الْإِمَامِ وَالْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، إِلَّا عَلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ. أَوْ مَقْدُورٌ، فَإِنْ كَانَ شَرْطًا، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَهُوَ وَاجِبٌ إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَدَمِ إِيجَابِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا. ــ «الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ» مِنْ مَسَائِلِ الْوَاجِبِ: فِيمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ «الْمُخْتَصَرِ» ، نَذْكُرُ تَحْقِيقًا، وَهُوَ أَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْوَاجِبِ، فَلَا يَجِبُ إِجْمَاعًا، سَوَاءً كَانَ سَبَبًا، أَوْ شَرْطًا، أَوِ انْتِفَاءَ مَانِعٍ. فَالسَّبَبُ، كَالنِّصَابِ، يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ، فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، لِتَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ. وَالشَّرْطُ، كَالْإِقَامَةِ، هِيَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ الصَّوْمِ، فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا إِذَا عَرَضَ مُقْتَضَى السَّفَرِ، لِيَجِبَ عَلَيْهِ فِعْلُ الصَّوْمِ. وَالْمَانِعُ، كَالدَّيْنِ، لَا يَجِبُ نَفْيُهُ لِتَجِبَ الزَّكَاةُ. وَأَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إِيقَاعُ الْوَاجِبِ، فَالنِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ. قَوْلُهُ: «مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ إِمَّا غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ» إِلَى آخِرِهِ، مَعْنَاهُ: أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ، أَيْ: لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ وَوُسْعِهِ وَطَاقَتِهِ تَحْصِيلُهُ، وَلَا هُوَ إِلَيْهِ، كَالْقُدْرَةِ وَالْيَدِ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُمَا شَرْطٌ فِيهَا، وَهُمَا مَخْلُوقَانِ لِلَّهِ تَعَالَى

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْمُكَلَّفُ، لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى إِيجَادِهِمَا. وَحُضُورُ الْإِمَامِ وَالْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ لِلْجُمُعَةِ فِي الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُمَا شَرْطٌ لَهَا، وَلَيْسَ إِلَى آحَادِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْجُمُعَةِ إِحْضَارُ الْخَطِيبِ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ، وَلَا إِحْضَارُ آحَادِ النَّاسِ لِيُتِمَّ بِهِمُ الْعَدَدَ، فَهَذَا الضَّرْبُ غَيْرُ وَاجِبٍ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِ الْمُحَالِ، لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، لِأَنَّ مَنْ قِيلَ لَهُ: أَوْجَبْنَا عَلَيْكَ أَنْ تَعْمَلَ لِنَفْسِكَ قُدْرَةً وَيَدًا، ثُمَّ تَكْتُبُ، فَقَدْ كُلِّفَ مُحَالًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا الضَّرْبُ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا كَمَا سَبَقَ، لِأَنَّ الْيَدَ وَالْقُدْرَةَ شَرْطَانِ لِصِحَّةِ الْكِتَابَةِ عَقْلًا، وَحُضُورُ الْإِمَامِ وَالْعَدَدِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ شَرْعًا. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ، ثُمَّ هُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الْفِعْلِ، أَوْ غَيْرَ شَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ شَرْطًا كَالطَّهَارَةِ وَسَائِرِ الشُّرُوطِ لِلصَّلَاةِ، وَكَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَإِنْ صَرَّحَ بِعَدَمِ إِيجَابِهِ، كَقَوْلِهِ: صَلِّ، وَلَا أُوجِبُ عَلَيْكَ الْوُضُوءَ، لَمْ يَجِبْ عَمَلًا بِمُوجِبِ التَّصْرِيحِ، وَإِنْ صَرَّحَ بِإِيجَابِهِ، وَجَبَ لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِيجَابٍ وَلَا عَدَمِهِ، بَلْ أَطْلَقَ، وَجَبَ أَيْضًا عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجِبُ، وَإِلَى التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ أَشَرْتُ. فَهُوَ وَاجِبٌ إِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَدَمِ إِيجَابِهِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ، وَهُوَ مَا إِذَا صَرَّحَ بِالْإِيجَابِ أَوْ أَطْلَقَ. قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا» هُوَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُقُوعُ الْوَاجِبِ لَوْ لَمْ يَجِبْ، لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لِلْوَاجِبِ، لَكِنَّهُ شَرْطٌ لَهُ، فَيَكُونُ وَاجِبًا. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ، فَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ لَوَازِمِ الشَّرْطِ، لِأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ فِي شَيْءٍ فَهُوَ وَاجِبٌ لَهُ. وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْمُتَنَازَعَ فِيهِ شَرْطٌ، فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَإِذَا كَانَ شَرْطًا، كَانَ وَاجِبًا، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ لَازِمٌ لِلشَّرْطِ، وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ - الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ

стр. 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هُنَا - يُوجِبُ وُجُودَ اللَّازِمِ - الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ -، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمُتَنَازَعُ فِيهِ شَرْطًا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ شَرْطٌ. هَذَا خُلْفٌ. وَتَلْخِيصُ الدَّلِيلِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطُ الْفِعْلِ وَاجِبًا، لَمَا كَانَ شَرْطًا، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ شَرْطًا، هَذَا تَنَاقُضٌ.

стр. 287

فَإِنْ قِيلَ: الْخِطَابُ اسْتِدْعَاءُ الْمَشْرُوطِ، فَأَيْنَ دَلِيلُ وُجُوبِ الشَّرْطِ؟ قُلْنَا: الشَّرْطُ لَازِمٌ لِلْمَشْرُوطِ، وَالْأَمْرُ بِاللَّازِمِ مِنْ لَوَازِمِ الْأَمْرِ بِالْمَلْزُومِ، وَإِلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِالْمُحَالِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا، لَمْ يَجِبْ، خِلَافًا لِلْأَكْثَرِينَ. قَالُوا: لَابُدَّ مِنْهُ فِيهِ. قُلْنَا: لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَوَجَبَتْ نِيَّتُهُ، وَلَزِمَ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ لَهُ، وَعُصِيَ بِتَرْكِهِ بِتَقْدِيرِ إِمْكَانِ انْفِكَاكِهِ. ــ قَوْلُهُ: «فَإِنْ قِيلَ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الشَّرْطِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا اسْتَدْعَى الْمَشْرُوطَ - وَهُوَ الصَّلَاةُ مَثَلًا - فِي قَوْلِهِ: صَلِّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِإِيجَابِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ، وَالسُّتْرَةِ، وَالِاسْتِقْبَالُ، وَغَيْرُهَا، وَمَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِإِيجَابِهِ لَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِهِ، فَأَيْنَ دَلِيلُهُ؟ قَوْلُهُ: «قُلْنَا: الشَّرْطُ لَازِمٌ لِلْمَشْرُوطِ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابُ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ لِلْمَشْرُوطِ، أَيْ: لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، كَمَا لَا يَنْفَكُّ الْجِدَارُ عَنِ السَّقْفِ، حَيْثُ كَانَ لَازِمًا لَهُ، «وَالْأَمْرُ مِنْ لَوَازِمِ الْأَمْرِ بِالْمَلْزُومِ» أَيْ: يَلْزَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَلْزُومِ - وَهُوَ الصَّلَاةُ هَاهُنَا - الْأَمْرَ بِاللَّازِمِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ، كَمَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِبِنَاءِ السَّقْفِ الْأَمْرُ بِبِنَاءِ الْحَائِطِ عَقْلًا «وَإِلَّا» أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِاللَّازِمِ مِنْ لَوَازِمِ الْأَمْرِ بِالْمَلْزُومِ، لَكَانَ تَكْلِيفًا بِالْمُحَالِ، إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: صَلِّ صَلَاةً شَرْعِيَّةً، مِنْ

стр. 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَرْطِ صِحَّتِهَا الْوُضُوءُ، وَلَسْتَ مَأْمُورًا بِهِ، أَوْ بِغَيْرِ وُضُوءٍ. وَوُجُودُ صَلَاةٍ شَرْعِيَّةٍ بِدُونِ وُضُوءٍ مُحَالٌ، كَمَا أَنَّ وُجُودَ سَقْفٍ لَا جِدَارَ تَحْتَهُ يَلْزَمُهُ مُحَالٌ. قَوْلُهُ: «وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ» ، أَيْ: عَدَمُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، لَا أَنَّا نَمْنَعُ جَوَازَهُ، إِذْ قَدْ قَرَّرْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ، فَلَا يَسَعُنَا هَاهُنَا مَنْعُهُ، بَلْ هُوَ جَائِزٌ، لَكِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. وَلِأَنَّ التَّكَالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ الْفَرْعِيَّةَ لَمْ يَقَعْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمُحَالِ، فَجَعْلُ هَذَا الْحُكْمِ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ إِخْرَاجِهِ عَنْهَا. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ لَمْ يَقَعْ إِلَّا فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ. وَتَلْخِيصُ هَذَا الْجَوَابِ: أَنَّهُ بِالْمَنْعِ، لِقَوْلِهِمْ: مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِإِيجَابِ الشَّرْطِ لَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِهِ. وَمَعْنَاهُ: لَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ طَرِيقِ الْإِيجَابِ فِي التَّصْرِيحِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْإِيجَابُ تَصْرِيحًا وَمُطَابَقَةً، وَقَدْ يَكُونُ إِيمَاءً وَالْتِزَامًا، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ لِلْمَشْرُوطِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَلْزُومِ أَمْرٌ بِاللَّازِمِ. قَوْلُهُ: «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ شَرْطًا، كَمَسْحِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْوُضُوءِ، وَالثَّانِي لَيْسَ شَرْطًا فِي الصَّوْمِ، بِخِلَافِ النِّيَّةِ فِيهِمَا، وَالْوُضُوءِ فِي الصَّلَاةِ، فَهَذَا لَا يَجِبُ، خِلَافًا لِلْأَكْثَرِينَ، حَيْثُ قَالُوا بِوُجُوبِهِ. قَوْلُهُ: «قَالُوا: لَابُدَّ مِنْهُ فِيهِ» . هَذَا دَلِيلُ الْأَكْثَرِينَ عَلَى وُجُوبِهِ.

стр. 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَابُدَّ مِنْهُ فِي الْوَاجِبِ، وَمَا لَابُدَّ مِنْهُ فِي الْوَاجِبِ يَكُونُ وَاجِبًا. أَمَّا الْأُولَى: فَبِاتِّفَاقٍ. إِذْ لَابُدَّ فِي الْوُضُوءِ مِنْ غَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ اللَّازِمُ، وَمَا لَابُدَّ مِنْهُ لَازِمٌ، فَمَا لَابُدَّ مِنْهُ وَاجِبٌ، فَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ» أَيْ: كَوْنُ مَا لَا يُتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ لَابُدَّ مِنْهُ فِي الْوَاجِبِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا. أَمَّا أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، فَلِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا: لَابُدَّ مِنَ الشَّيْءِ أَنَّ فِعْلَهُ لَازِمٌ، لَكِنَّ اللُّزُومَ تَارَةً شَرْعِيٌّ، وَتَارَةً عَقْلِيٌّ، وَالشَّرْعِيُّ مُنْتَفٍ، لِانْتِفَاءِ الْخِطَابِ الْمُقْتَضِي، إِذِ الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالْوَاجِبِ مُطْلَقًا، لِمَنْ يَتَعَرَّضُ لِمَا لَمْ يَتِمَّ إِلَّا بِهِ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. وَالْعَقْلِيُّ أَيْضًا. مُنْتَفٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ اللُّزُومَ الْعَقْلِيَّ مَوْجُودٌ، لَكِنْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، إِذْ مَوْضُوعُ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ اللُّزُومُ الشَّرْعِيُّ. أَعْنِي مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الشَّرْعِيُّ شَرْعًا إِلَّا بِهِ، وَلَيْسَ شَرْطًا فِيهِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّ الْخِطَابَ الشَّرْعِيَّ مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي الْوُجُوبُ. قُلْتُ: وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ يَلْزَمُ نَافِي الْوُجُوبِ هُنَا مَا لَزِمَ نَافِيهِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَابُدَّ مِنْهُ فِي الْوَاجِبِ هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَلْزُومِ أَمْرٌ بِاللَّازِمِ. وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَمَدَارُ حُجَّةِ الْمُثْبِتِينَ هَاهُنَا عَلَيْهِ.

стр. 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَوَجَبَتْ نِيَّتُهُ إِلَى آخِرِهِ» هَذِهِ إِلْزَامَاتٌ ثَلَاثَةٌ، تُلْزِمُ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ هُنَا. وَتَقْرِيرُهَا: أَمَّا الْإِلْزَامُ الْأَوَّلُ، فَيُقَالُ: لَوْ كَانَ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ - وَهُوَ غَيْرُ شَرْطٍ - وَاجِبًا، لَوَجَبَتْ نِيَّتُهُ، أَيِ: النِّيَّةُ لِفِعْلِهِ، كَالنِّيَّةِ لِغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، لَكِنْ لَا تَجِبُ نِيَّتُهُ بِاتِّفَاقٍ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا. أَمَّا الْمُلَازَمَةُ، فَلِأَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ تَجِبُ لَهُ النِّيَّةُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ، فَكُلُّ وَاجِبٍ تَجِبُ لَهُ النِّيَّةُ. وَأَمَّا أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَجِبُ نِيَّتُهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا، فَلِأَنَّ النِّيَّةَ مِنْ لَوَازِمِ الْوَاجِبِ، وَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ انْتَفَى مَلْزُومُهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ لَوَازِمِ الْوَاجِبِ، إِذْ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ لَا تَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ مَسَائِلِ الْوَاجِبِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وُجُوبُ نِيَّتِهِ. قُلْنَا: النِّيَّةُ إِنَّمَا تَسْقُطُ فِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَوْنِهِ عِبَادَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فِعْلًا وَتَرْكًا، فَلَا، وَنَحْنُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ نَعْتَبِرُهُ، وَنَشْتَرِطُ فِيهِ النِّيَّةَ. وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الثَّانِي، فَيُقَالُ: لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبًا، لَزِمَ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ لَهُ، أَيْ: لَزِمَ أَنْ يَتَعَقَّلَ الْمُكَلَّفُ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَجِبُ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ لَهُ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمُلَازَمَةَ صَحِيحَةٌ، إِذْ لَابُدَّ فِي الْوَاجِبِ مِنْ مُوجِبٍ لَهُ، يَلْزَمُ مِنْ تَعَقُّلِ الْوَاجِبِ تَعَقُّلُهُ، كَمَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَقُّلِ الْفِعْلِ تَعَقُّلُ فَاعِلِهِ، وَمِنْ تَعَقُّلِ الْأَثَرِ تَعَقُّلُ

стр. 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُؤَثِّرِهِ، لَكِنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ - وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ لِمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ - مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: لَمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ الِالْتِزَامِيُّ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ تَحْقِيقًا لِغَسْلِ الْوَجْهِ، كَانَ الْمُوجِبُ لِغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ هُوَ الْمُوجِبُ لِغَسْلِ الْوَجْهِ، فَالْمُوجِبُ الْمُتَعَقَّلُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ هُوَ بِعَيْنِهِ مُتَعَقَّلٌ فِي غَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ. وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الثَّالِثُ، فَيُقَالُ: لَوْ كَانَ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبًا، لَكَانَ بِتَقْدِيرِ انْفِكَاكِهِ عَنِ الْوَاجِبِ يَعْصِي الْمُكَلَّفُ بِتَرْكِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَعْصِي بِتَرْكِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ إِمْكَانُ اسْتِيعَابِ غَسْلِ الْوَجْهِ بِدُونِ غَسْلِ شَيْءٍ مِنَ الرَّأْسِ وَاسْتِيعَابِ الْيَوْمِ بِدُونِ إِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، لَمَا عَصَى بِتَرْكِ الْجُزْءِ مِنْهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَعْصِ بِتَرْكِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا، لِأَنَّ الْعِصْيَانَ بِالتَّرْكِ مِنْ خَوَاصِّ الْوَاجِبِ، وَإِذَا انْتَفَتْ خَاصَّةُ الشَّيْءِ انْتَفَى ذَلِكَ الشَّيْءُ. وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا الْإِلْزَامِ أَنْ يُقَالَ: الِانْفِكَاكُ الَّذِي قَدَّرْتُمُوهُ مُحَالٌ فِي الْعَادَةِ، لِأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ حَدِّ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ تَحْقِيقًا، بِحَيْثُ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِحُكْمِهِ دُونَ جُزْءٍ مِنْ مُجَاوَرِهِ مِمَّا لَا قُوَّةَ لِلْبَشَرِ عَلَى تَحْقِيقِهِ، وَإِذَا كَانَ مُحَالًا فِي الْعَادَةِ جَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ مُحَالٌ عَادِيٌّ، وَهُوَ عَدَمُ التَّعْصِيَةِ بِتَرْكِهِ، فَيَكُونُ عَدَمُ تَعْصِيَتِهِ بِتَرْكِهِ مُحَالًا لَازِمًا لِمُحَالٍ، وَالْمُحَالُ يَلْزَمُهُ الْمُحَالُ. أَوْ يُقَالُ: الْوَاجِبُ شَرْعًا عَلَى وِزَانِ الْوَاجِبِ عَقْلًا، وَكَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَقْلًا تَارَةً يَكُونُ وُجُوبُهُ لِذَاتِهِ، وَتَارَةً لِغَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ شَرْعًا، تَارَةً يَجِبُ قَصْدًا بِالنَّظَرِ إِلَى

стр. 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَفْسِهِ، وَتَارَةً يَجِبُ تَبَعًا بِالنَّظَرِ إِلَى غَيْرِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنَّ غَسْلَ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ وَنَحْوَهُ لَيْسَ وَاجِبًا بِالْقَصْدِ، بَلْ تَبَعًا لِغَسْلِ الْوَجْهِ، مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ غَسْلُهُ إِلَّا بِهِ، فَإِذَا أَمْكَنَ اسْتِيعَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ بِدُونِهِ انْتَفَتِ الْجِهَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا وَجَبَ، وَعَادَ إِلَى جِهَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَدَمُ وُجُوبِهِ بِتَقْدِيرِ الِانْفِكَاكِ مَحَلَّ وِفَاقٍ، خَارِجًا عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ مَادَامَ كَذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ قَدْ يَتَعَارَضُ مِنْ جِهَتَيْنِ، فَيُرَجِّحُ أَهَمَّهُمَا، أَوْ يَتَوَقَّفُ إِنِ اسْتَوَيَا، وَذَلِكَ كَالْمُحْرِمَةِ يَجِبُ عَلَيْهَا كَشْفُ وَجْهِهَا، وَسَتْرُ رَأْسِهَا، وَلَابُدَّ فِي اسْتِيعَابِ كَشْفِ الْوَجْهِ مِنْ كَشْفِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، وَلَابُدَّ فِي اسْتِيعَابِ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، مِنْ تَغْطِيَةِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تُغَطِّيَ جُزْءًا مِنْ وَجْهِهَا تَبَعًا لِرَأْسِهَا، مُحَافَظَةً عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، إِذْ أَمْرُهَا فِي الْإِحْرَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ لِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكْشِفَ جُزْءًا مِنْ رَأْسِهَا تَبَعًا لِوَجْهِهَا، مُحَافَظَةً عَلَى وَظِيفَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ الْعِبَادَةُ الْحَاضِرَةُ النَّادِرَةُ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُنَا: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ أَوْلَى مِنْ قَوْلِنَا: يَجِبُ التَّوَصُّلُ إِلَى الْوَاجِبِ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، إِذْ قَوْلُنَا: يَجِبُ مَا لَيْسَ

стр. 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِوَاجِبٍ مُتَنَاقِضٌ. قُلْتُ: وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ، وَإِنَّمَا تَابَعَ فِيهِ أَبَا حَامِدٍ ﵄. وَبَيَانُ عَدَمِ التَّنَاقُضِ فِيهِ: هُوَ أَنَّ مَوْضُوعَ إِثْبَاتِ الْوُجُوبِ وَنَفْيِهِ فِي الْعِبَارَةِ لَيْسَ مُتَّحِدًا، بَلْ مُتَعَدِّدًا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ التَّنَاقُضُ لَوْ كَانَ مُتَّحِدًا، كَقَوْلِنَا: يَجِبُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَوْ يَجِبُ التَّوَصُّلُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَبَيَانُ تَعَدُّدِ مَوْضُوعِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ قَوْلُنَا: يَجِبُ مَوْضُوعُهُ، أَيِ: التَّوَصُّلُ، فَهُوَ مُسْنَدٌ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ لَهُ. وَقَوْلُنَا بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ مَوْضُوعُهُ الَّذِي سُلِبَ عَنْهُ هُوَ «مَا» الَّتِي بِمَعْنَى الَّذِي. وَتَقْدِيرُهُ بِالْمِثَالِ: يَجِبُ التَّوَصُّلُ إِلَى غَسْلِ الْوَجْهِ الْوَاجِبِ بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، فَمَا صَارَ قَوْلُهُ يَجِبُ التَّوَصُّلُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، كَقَوْلِهِ: يَجِبُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ حَتَّى يَكُونَ مُتَنَاقِضًا، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْعِبَارَتَيْنِ سَوَاءٌ، لَكِنَّ قَوْلَنَا: يَجِبُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ مُتَنَاقِضًا، لِأَنَّ شَرْطَ التَّنَاقُضِ اتِّحَادُ الْجِهَةِ، وَهِيَ هَاهُنَا غَيْرُ مُتَّحِدَةٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: يَجِبُ مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالنَّظَرِ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا شَرَحْنَاهُ. وَثَبَتَ بِهَذَا، أَنَّ قَوْلَنَا: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ، وَقَوْلَنَا: التَّوَصُّلُ إِلَى الْوَاجِبِ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، سَوَاءٌ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مَقْصُودِ هَذَا الْبَابِ. وَإِنَّمَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَنَاقُضٌ لَفْظِيٌّ، لِكَوْنِهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى إِثْبَاتِ لَفْظِ الْوُجُوبِ وَنَفْيِهِ، مَعَ اخْتِلَافِ مَحَلِّهِ، فَظَنَّاهُ تَنَاقُضًا مَعْنَوِيًّا، أَوْ لَعَلَّهُمَا كَرِهَا التَّنَاقُضَ اللَّفْظِيَّ فَعَدَلَا عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 294

فَرْعَانِ أَحَدُهُمَا: إِذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ، حَرُمَتَا، إِحْدَاهُمَا بِالْأَصَالَةِ، وَالْأُخْرَى بِعَارِضِ الِاشْتِبَاهِ. وَقِيلَ: تُبَاحُ الْمُذَكَّاةُ وَالْأَجْنَبِيَّةُ، لَكِنْ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمَا، وَهُوَ تَنَاقُضٌ، إِذْ لَا مَعْنَى لِتَحْرِيمِهِمَا إِلَّا وُجُوبُ الْكَفِّ. وَلَعَلَّ هَذَا الْقَائِلَ، يَعْنِي أَنَّ تَحْرِيمَهُمَا عَرَضِيٌّ، وَتَحْرِيمُ الْأُخْرَيَيْنِ أَصْلِيٌّ، فَالْخِلَافُ إِذَنْ لَفْظِيٌّ. ــ قَوْلُهُ: «فَرْعَانِ» يَعْنِي لِمَسْأَلَةٍ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ وَسِيلَةٌ إِلَى الْوَاجِبِ الْمَقْصُودِ. ثُمَّ الْوَسِيلَةُ، إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَيْهَا وُجُودُ الْمَقْصُودِ، أَوْ وُجُودُ مَعْنًى فِي الْمَقْصُودِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَقْصُودِ. وَالتَّوَقُّفُ فِي الْأَوَّلِ، إِمَّا شَرْعِيٌّ، كَتَوَقُّفِ وُجُودِ الصَّلَاةِ عَلَى الطَّهَارَةِ، أَوْ عُرْفِيٌّ، كَتَوَقُّفِ وُجُودِ صُعُودِ السَّطْحِ عَلَى نَصْبِ السُّلَّمِ، أَوْ عَقْلِيٌّ، كَتَوَقُّفِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا عَلَى تَرْكِ الِاسْتِدْبَارِ. وَالثَّانِي: كَإِيجَابِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ لِتَعْيِينِ صَلَاةٍ مَنْسِيَّةٍ فِي نَفْسِهَا، أَوْ لِلْقَطْعِ بِفِعْلِهَا، وَكَالتَّوَقُّفِ عِنْدَ اشْتِبَاهِ النَّجِسِ بِالطَّاهِرِ، وَالْمَيْتَةِ بِالْمُذَكَّاةِ، وَالْمَنْكُوحَةِ بِالْأُخْتِ، وَكَغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ تَحْصِيلًا لِلِاسْتِيعَابِ. وَهَذَا الْكَلَامُ كَالْمُقَدِّمَةِ عَلَى هَذَا الْفَرْعِ، لِأَنَّهُ كُلِّيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ تَكْمِيلًا لِفَائِدَتِهِ. قَوْلُهُ: «إِذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ حَرُمَتَا» يَعْنِي الْأُخْتَ فِيمَا إِذَا اشْتَبَهَتْ بِأَجْنَبِيَّةٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِمَا، وَالزَّوْجَةُ إِذَا اشْتَبَهَتْ

стр. 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِأَجْنَبِيَّةٍ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهُمَا، وَالْمُذَكَّاةُ إِذَا اشْتَبَهَتْ بِالْمَيْتَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَهُمَا، «إِحْدَاهُمَا بِالْأَصَالَةِ» وَهِيَ الْأُخْتُ وَالْأَجْنَبِيَّةُ وَالْمَيْتَةُ، «وَالْأُخْرَى بِعَارِضِ الِاشْتِبَاهِ» وَهِيَ الزَّوْجَةُ وَالْمُذَكَّاةُ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالْأَصَالَةِ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ، وَلَا يَتِمُّ اجْتِنَابُهُ إِلَّا بِاجْتِنَابِ مَا اشْتَبَهَ بِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ، فَاجْتِنَابُ مَا اشْتَبَهَ بِالْمُحَرَّمِ بِالْأَصَالَةِ وَاجِبٌ. «وَقِيلَ: تُبَاحُ الْمُذَكَّاةُ وَالْأَجْنَبِيَّةُ، لَكِنْ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمَا. وَهُوَ تَنَاقُضٌ، إِذْ لَا مَعْنَى لِتَحْرِيمِهِمَا إِلَّا وُجُوبُ الْكَفِّ» عَنْهُمَا، فَقَوْلُهُ: يُبَاحَانِ وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمَا، كَقَوْلِهِ: يُبَاحَانِ وَيَحْرُمَانِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو حَامِدٍ: وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ هَذَا مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَهُمَا، قَائِمٌ بِذَاتَيْهِمَا، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ بِالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ مُتَعَلِّقَانِ بِالْفِعْلِ، وَهَمَا: الْإِذْنُ فِي الْفِعْلِ، وَوُجُوبُ الْكَفِّ، وَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ. قَوْلُهُ: «وَلَعَلَّ هَذَا الْقَائِلَ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا مُحَاوَلَةٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ: يُبَاحَانِ، وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمَا، يُرِيدُ أَنَّ تَحْرِيمَهُمَا - يَعْنِي تَحْرِيمَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَالْمُذَكَّاةِ - عَرَضِيٌّ، أَيْ: بِعَارِضِ الِاشْتِبَاهِ كَمَا سَبَقَ، وَهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُبَاحَانِ، وَتَحْرِيمَ الْأُخْرَيَيْنِ، وَهُمَا الْأُخْتُ وَالْمَيْتَةُ، أَصْلِيٌّ، أَيْ: بِالْأَصَالَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بِدَلِيلِ الشَّرْعِ الْأَصْلِيِّ الِابْتِدَائِيِّ، «فَالْخِلَافُ

стр. 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِذًا» أَيْ: عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ «لَفْظِيٌّ» أَيْ: فِي اللَّفْظِ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَارَ كَالْأَوَّلِ، سَوَاءً فِي أَنَّ إِحْدَاهُمَا حَرُمَتْ بِالْأَصَالَةِ، وَالْأُخْرَى بِعَارِضِ الِاشْتِبَاهِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا قَرَّرْنَا شَيْئًا، ثُمَّ قُلْنَا: فَالْحُكْمُ إِذًا كَذَا، مَعْنَاهُ، الْحُكْمُ إِذْ ذَاكَ، أَوْ إِذِ الْحَالُ عَلَى مَا وَصَفَ كَذَا، فَإِذًا هَاهُنَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ إِذِ الَّتِي هِيَ ظَرْفُ زَمَنٍ مَاضٍ، وَمِنْ جُمْلَةٍ بَعْدَهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا لَكِنْ حُذِفَتِ الْجُمْلَةُ تَخْفِيفًا، وَأُبْدِلَ مِنْهَا التَّنْوِينُ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: حِينَئِذٍ وَسَاعَتَئِذٍ وَلَيْلَتَئِذٍ، وَالْمَعْنَى: حِينَ إِذْ كَانَ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: نَهَيْتُكَ عَنْ طِلَابِكَ أُمَّ عَمْرٍو ... بِعَافِيَةٍ وَأَنْتَ إِذٍ صَحِيحُ أَيْ: وَأَنْتَ إِذْ نَهَيْتُكَ صَحِيحٌ، وَلَيْسَتْ «إِذًا» هَذِهِ هِيَ النَّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، لِأَنَّ تِلْكَ تَخْتَصُّ بِهِ، وَلِذَلِكَ عَمِلَتْ فِيهِ، وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا مَا يَخْتَصُّ، وَهَذِهِ لَا تَخْتَصُّ بِهِ بَلْ تَدْخُلُ عَلَى الْمَاضِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٧] ، ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٠] ، ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٥] ، وَعَلَى الِاسْمِ كَقَوْلِكَ: إِذَا كُنْتُ ظَالِمًا فَإِذًا حُكْمُكَ فِيَّ مَاضٍ. عَلَى أَنِّي لَوْلَا قَوْلُ النُّحَاةِ: أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إِلَّا مَا اخْتَصَّ، وَإِذًا عَامِلَةٌ فِي الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ النَّصْبَ، فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، لَقُلْتُ: إِنَّ «إِذًا» فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّ مَعْنَاهُ تَقْيِيدُ مَا بَعْدَهَا بِزَمَنٍ أَوْ حَالٍ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: أَنَا إِذَنْ أُكْرِمَكَ، وَأَنَا إِذَنْ أَزُورَكَ، فَيَقُولُ السَّامِعُ: إِذَنْ أُكْرِمَكَ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنَا أُكْرِمَكَ زَمَنَ، أَوْ حَالَ، أَوْ عِنْدَ زِيَارَتِكَ لِي.

стр. 297

الثَّانِي: الزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاجِبِ، إِنْ تَمَيَّزَتْ، كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَكْتُوبَاتِ، فَنَدْبٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ، كَالزِّيَادَةِ فِي الطُّمَأْنِينَةِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَمُدَّةِ الْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ عَلَى أَقَلِّ الْوَاجِبِ، فَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الْقَاضِي، نَدْبٌ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ تَرْكُهُ. وَالنَّدْبُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ. ــ قَوْلُهُ: «الثَّانِي» يَعْنِي: الْفَرْعَ الثَّانِيَ مِنَ الْفَرْعَيْنِ عَلَى مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ. وَوَجْهُ فَرْعِيَّتِهِ: أَنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ فِيهِ لَاحِقٌ لَهُ مِنْ آخِرِهِ، وَفِيمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ هُوَ لَاحِقٌ لَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَكِلَاهُمَا فِيهِ اخْتِلَافٌ كَمَا رَأَيْتَ، وَسَتَرَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. «الزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاجِبِ» ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَمَيِّزَةً عَنْهُ أَوْ لَا. «فَإِنْ تَمَيَّزَتْ» عَنْهُ «كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَكْتُوبَاتِ» فَهِيَ - يَعْنِي الزِّيَادَةَ الْمُتَمَيِّزَةَ - «نَدْبٌ اتِّفَاقًا» ، إِذْ لَا نَصَّ فِي وُجُوبِهَا وَلَا إِجْمَاعَ، وَلَا جَامِعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَاجِبِ حَتَّى تُقَاسَ عَلَيْهِ، وَلَا اشْتَدَّتْ مُلَابَسَتُهَا لِلْوَاجِبِ حَتَّى تَلْحَقَ بِهِ، وَلَا مَدْرَكَ لِثُبُوتِ الْأَحْكَامِ شَرْعًا إِلَّا هَذِهِ الْأَدِلَّةُ: النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَالِاسْتِدْلَالُ. «وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ» الزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاجِبِ، أَيْ: لَا تَنْفَصِلُ حَقِيقَتُهَا مِنْ حَقِيقَتِهِ حِسًّا، «كَالزِّيَادَةِ فِي الطُّمَأْنِينَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمُدَّةِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ عَلَى أَقَلِّ الْوَاجِبِ» ، وَهُوَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، فَهِيَ - يَعْنِي الزِّيَادَةَ الَّتِي هَذَا شَأْنُهَا -

стр. 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «وَاجِبٌ عِنْدَ الْقَاضِي» أَبِي يَعْلَى، «نَدْبٌ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَهُوَ الصَّوَابُ» . قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَمَا جَازَ تَرْكُهُ» ، أَيْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ نَدْبًا «لَمَا جَازَ تَرْكُهُ» أَيْ: تَرْكُ النَّدْبِ، أَوِ الْفِعْلِ الَّذِي تَحَقَّقَتْ بِهِ الزِّيَادَةُ، لَكِنْ قَدْ جَازَ تَرْكُهُ، فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا. بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ التَّرْكِ مِنْ لَوَازِمِ الْوَاجِبِ وَخَوَاصِّهِ. فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَاجِبًا لَثَبَتَتْ لَهُ هَذِهِ الْخَاصَّةُ، وَهِيَ عَدَمُ جَوَازِ التَّرْكِ، لَكِنَّهَا مَا ثَبَتَتْ، بِدَلِيلِ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُجْزِئِ دُونَهَا، وَتَرْكِهَا بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهَا، مِثْلَ: أَنْ زَادَ فِي الرُّكُوعِ عَلَى الِانْحِنَاءِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُجْزِئُ فِيهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، وَإِذَا جَازَ تَرْكُهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا، لِأَنَّ جَوَازَ التَّرْكِ وَالْوُجُوبِ مُتَنَافِيَانِ، فَيَكُونُ مَنْدُوبًا. قَوْلُهُ: «وَالنَّدْبُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ» هَذَا اسْتِيفَاءٌ لِلدَّلِيلِ وَجَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ يَجُوزُ تَرْكُهَا، بِمَعْنَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُجْزِئِ دُونَهَا، وَتَرْكُهَا ابْتِدَاءً، فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّهُ إِذَا أَتَى بِهَا عَلَى الْقَدْرِ الْمُجْزِئِ، وَتَلَبَّسَ بِهَا لَا تَجِبُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الِاقْتِصَارِ دُونَهَا عَدَمُ وُجُوبِهَا إِذَا تَلَبَّسَ بِهَا؟ فَكَانَ الْجَوَابُ مَا ذَكَرْتُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ بِالتَّلَبُّسِ بِهَا، لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ لُزُومِ النَّقْلِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَالنَّدْبُ عِنْدَنَا لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَالْقَاضِي يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ. حُجَّةُ الْقَاضِي عَلَى الْوُجُوبِ: أَنَّ نِسْبَةَ الْوَاجِبِ وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ إِلَى الْأَمْرِ وَاحِدَةٌ،

стр. 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ، وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ مِنَ الْآخَرِ، فَانْتَظَمَهُمَا انْتِظَامًا وَاحِدًا، وَالْكُلُّ امْتِثَالٌ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ مَمْنُوعَةٌ، إِذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نِسْبَتَهَا إِلَى الْأَمْرِ وَاحِدَةٌ، بَلِ الْوَاجِبُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ بِالْوُجُوبِ، وَالزِّيَادَةُ بِالنُّدْبِيَّةِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ فِي لَفْظِهِ، أَمَّا فِي حَقِيقَتِهِ فَهُوَ فِي تَقْدِيرِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا جَازِمٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاجِبِ، وَالثَّانِي غَيْرُ جَازِمٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزِّيَادَةِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ انْتَظَمَهُمَا انْتِظَامًا وَاحِدًا، بَلْ بِالْوُجُوبِ وَالنُّدْبِيَّةِ كَمَا قَرَّرْنَا. وَاعْلَمْ أَنَّ لِهَذَا الْأَصْلِ مَأْخَذًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُعَلَّقَ عَلَى الِاسْمِ: هَلْ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى أَوَّلِ ذَلِكَ الِاسْمِ وَالْبَاقِي سَاقِطٌ، أَوْ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ ذَلِكَ الِاسْمِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ الْأُصُولِيِّينَ، وَأَكْثَرُ مَنْ يَلْهَجُ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَأْخَذًا لِهَذَا الْفَرْعِ، وَإِلَّا فَهُوَ يُشْبِهُهُ. تَنْبِيهٌ: لَوْ مَسَحَ جَمِيعَ الرَّأْسِ، فَعِنْدَ مَنْ لَا يَرَى وُجُوبَ اسْتِيعَابِهِ، هَلْ يَقَعُ مَسْحُ جَمِيعِهِ وَاجِبًا، أَوِ الزَّائِدُ عَلَى الْمُجْزِئِ مِنْهُ نَفْلٌ؟ عَلَى الْخِلَافِ. أَمَّا تَطْوِيلُ التَّحْجِيلِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَهُوَ نَدْبٌ بِلَا خِلَافٍ، لِتَمَيُّزِهِ بِتَمْيِيزِ أَجْزَاءِ مَحَلِّهِ، وَهُوَ الْعُضْوُ الْمَغْسُولُ، وَقَدْ نُقِلَ مِثْلُ هَذَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مُعْتَمَدَ الْفَرْقِ غَسْلُ الْيَدِ مَحْدُودٌ، يَعْنِي بِخِلَافِ مَسْحِ

стр. 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرَّأْسِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَيْسَ كُلُّ وَاجِبٍ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا كُلُّ مُحَرَّمٍ يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالدَّوَابِّ، وَرَدِّ الْغُصُوبِ وَالْوَدَائِعِ وَالدُّيُونِ وَالْعَوَارِي، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَإِذَا فَعَلَهَا الْإِنْسَانُ غَافِلًا عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا وَقَعَتْ وَاجِبَةً، مُجْزِئَةً، مُبْرِئَةً، وَلَا يُثَابُ عَلَيْهَا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ عَنْ عُهْدَتِهَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ، فَضْلًا عَنِ الْقَصْدِ إِلَيْهَا، حَتَّى يَنْوِيَ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا، فَلَا ثَوَابَ حِينَئِذٍ. نَعَمْ مَتَى اقْتَرَنَ قَصْدُ الِامْتِثَالِ فِي الْجَمِيعِ حَصَلَ الثَّوَابُ. قُلْتُ: هَذَا الْكَلَامُ مُوهِمٌ، بَلْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، وَالْآخَرُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ. وَكَذَلِكَ الْحَرَامُ ضَرْبَانِ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ الثَّوَابُ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ. وَعِنْدِي فِي هَذَا نَظَرٌ. بَلِ التَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ: الْوَاجِبُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ جَزْمًا، وَشَرْطُ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِفِعْلِهِ، وَالْحَرَامُ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ جَزْمًا، وَشَرْطُ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى تَرْكِهِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِهِ، فَتَرَتُّبُ الثَّوَابِ وَعَدَمُهُ فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِ الْحَرَامِ وَعَدَمِهِمَا رَاجِعٌ إِلَى وُجُودِ شَرْطِ الثَّوَابِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ النِّيَّةُ، لَا إِلَى انْقِسَامِ الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ فِي نَفْسِهِمَا.

стр. 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا قَوْلُهُ: الْمُحَرَّمَاتُ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ عَنْ عُهْدَتِهَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ، فَفِيهِ تَحْقِيقٌ سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ. وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ فِي الْوَاجِبِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 302

النَّدْبُ لُغَةً: الدُّعَاءُ إِلَى الْفِعْلِ، وَشَرْعًا: مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ، وَلَمْ يُعَاقَبْ تَارِكُهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: مَأْمُورٌ بِهِ، يَجُوزُ تَرْكُهُ، لَا إِلَى بَدَلٍ. وَهُوَ مُرَادِفُ السُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ. لَنَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِسْمَةِ الْأَمْرِ إِلَى إِيجَابٍ وَنَدْبٍ. وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ، وَلِأَنَّهُ طَاعَةٌ، وَكُلُّ طَاعَةٍ مَأْمُورٌ بِهَا. ــ قَوْلُهُ: «النَّدْبُ لُغَةً» ، أَيْ: فِي اللُّغَةِ «الدُّعَاءُ إِلَى الْفِعْلِ» . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: نَدَبَهُ لِلْأَمْرِ، فَانْتَدَبَ لَهُ، أَيْ: دَعَاهُ لَهُ، فَأَجَابَ. وَأَنْشَدَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ الْحَمَاسِيِّ: لَا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ ... فِي النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانًا وَقَالَ الْآمِدِيُّ: النَّدْبُ فِي اللُّغَةِ، هُوَ الدُّعَاءُ إِلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنْسَبُ وَأَشْهَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَغْلَبُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ عُمُومُ كَلَامِ غَيْرِهِ. وَالنَّدْبُ فِي الْأَصْلِ: مَصْدَرُ نَدَبَهُ يَنْدُبُهُ نَدْبًا، وَالْمَفْعُولُ مَنْدُوبٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا، لِأَنَّهُ الْمُقَابِلُ، وَيُقَالُ لَهُ: نَدَبَ، إِطْلَاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ مَجَازًا. قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا» أَيْ: وَالنَّدْبُ فِي الشَّرْعِ: «مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ وَلَمْ يُعَاقَبْ تَارِكُهُ» . فَالْأَوَّلُ جِنْسٌ يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالنَّدَبَ - أَعْنِي الْمَنْدُوبَ -، وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُنَا: وَلَمْ يُعَاقَبْ تَارِكُهُ، فَصْلٌ لَهُ عَنِ الْوَاجِبِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ يُعَاقَبُ تَارِكُهُ.

стр. 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «وَقِيلَ: مَأْمُورٌ بِهِ» أَيْ: وَقِيلَ فِي الْمَنْدُوبِ تَعْرِيفٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ «يَجُوزُ تَرْكُهُ لَا إِلَى بَدَلٍ» فَقَوْلُنَا: مَأْمُورٌ بِهِ. جِنْسٌ يَتَنَاوَلُهُ وَالْوَاجِبَ، لِأَنَّهُ قَسِيمُهُ عَلَى مَا مَرَّ وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَوْلُنَا: يَجُوزُ تَرْكُهُ: هُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ مُطْلَقًا، أَوْ إِلَى بَدَلٍ، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ وَالْمُخَيَّرَ وَفَرْضَ الْكِفَايَةِ، لِأَنَّ جَمِيعَهَا مَأْمُورٌ بِهِ يَجُوزُ تَرْكُهُ، لَكِنْ إِلَى بَدَلٍ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. فَبِقَوْلِنَا: لَا إِلَى بَدَلٍ، خَرَجَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَنَحْوُهَا. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْمَنْدُوبُ هُوَ الْمَطْلُوبُ فِعْلُهُ شَرْعًا وَلَا ذَمَّ عَلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هُوَ مَا رَجَحَ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ. وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْمَنْدُوبَ «مُرَادِفُ السُّنَّةِ، وَالْمُسْتَحَبِّ» ، أَيْ: هُوَ مُسَاوِيهِمَا فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ، وَالْمُتَرَادِفُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُتَعَدِّدُ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ، كَالْأَسَدِ وَالْغَضَنْفَرِ، وَالْمُدَامِ وَالْخَمْرِ، وَالْحَرَامِ وَالْمَحْظُورِ، وَالْمَنْدُوبِ وَالسُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ. فَالسِّوَاكُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ وَنَحْوُهُ، يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ وَمُسْتَحَبٌّ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْمَنْدُوبَ «مَأْمُورٌ بِهِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ» مِنَ الْحَنَفِيَّةِ «وَ» أَبِي بَكْرٍ «الرَّازِيِّ. لَنَا» أَيْ عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ «مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِسْمَةِ الْأَمْرِ إِلَى إِيجَابٍ وَنَدْبٍ، وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ» ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِسْمَةِ الْأَحْكَامِ إِلَى خَمْسَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ إِمَّا أَنْ يَرِدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ أَوْ تَرْكِهِ، وَاقْتِضَاءُ الْفِعْلِ هُوَ طَلَبُهُ وَالْأَمْرُ بِهِ، ثُمَّ الْأَمْرُ إِمَّا مَعَ الْجَزْمِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ، أَوْ لَا مَعَ الْجَزْمِ، وَهُوَ النَّدْبُ. فَقَدِ انْقَسَمَ الْأَمْرُ إِلَى إِيجَابٍ وَنَدْبٍ. وَكُلُّ شَيْءٍ قُسِّمَ أَقْسَامًا، فَاسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ

стр. 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَادِقٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ، كَمَا إِذَا قُلْنَا: الْحَيَوَانُ إِمَّا نَاطِقٌ أَوْ غَيْرُ نَاطِقٍ كَالْفَرَسِ وَالشَّاةِ وَالطَّائِرِ، فَاسْمُ الْحَيَوَانِ صَادِقٌ عَلَى الْجَمِيعِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ يُسَمَّى حَيَوَانًا، فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاجِبِ وَالنَّدْبِ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: مَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَقْسَامِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَيَكُونُ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ، كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: «وَلِأَنَّهُ طَاعَةٌ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ ثَانٍ عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ طَاعَةٌ، وَلِأَنَّهُ مُثَابٌ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مُثَابٍ عَلَيْهِ طَاعَةٌ، فَالْمَنْدُوبُ طَاعَةٌ. وَالْمُقَدِّمَتَانِ ظَاهِرَتَانِ، وَأَمَّا أَنَّ كَلَّ طَاعَةٍ مَأْمُورٌ بِهَا، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النِّسَاءِ: ٥٩] ، وَقَوْلُهُ ﵇ بِلِسَانِ الْحَالِ وَالْمَقَالِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: أَطِيعُونِي، وَلِأَنَّ الطَّاعَةَ امْتِثَالُ الطَّلَبِ، وَامْتِثَالُ الطَّلَبِ مَأْمُورٌ بِهِ. فَالطَّاعَةُ مَأْمُورٌ بِهَا. وَيَعْنِي امْتِثَالَ الطَّلَبِ أَنَّ الشَّارِعَ إِذَا طَلَبَ مِنَّا شَيْئًا، أَمَرَنَا بِامْتِثَالِهِ، كَقَوْلِهِ: صَلُّوا وَاسْتَاكُو. وَقَالَ الْكِنَانِيُّ: كَوْنُ الْمَنْدُوبِ طَاعَةً لَا يَدُلُّ فِي الْأَصَحِّ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، إِذْ لَيْسَتِ الطَّاعَةُ مِنْ خَصَائِصِ الْأَمْرِ، لِتَنَاوُلِهَا السُّؤَالَ وَالشَّفَاعَةَ. قُلْتُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُوَافَقَتَهُ السُّؤَالَ وَالشَّفَاعَةَ طَاعَةٌ مُوَافِقَةٌ لِلْأَمْرِ فَقَطْ.

стр. 305

قَالَا: لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، لَعَصَى تَارِكُهُ، إِذِ الْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَلَتَنَاقَضَ «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» ، مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالْأَمْرِ مُؤَكِّدًا. قُلْنَا: الْمُرَادُ: أَمْرُ الْإِيجَابِ فِيهِمَا. ــ قَوْلُهُ: «قَالَا» يَعْنِي الْكَرْخِيَّ وَالرَّازِيَّ، هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: «لَوْ كَانَ» الْمَنْدُوبُ «مَأْمُورًا بِهِ لَعَصَى تَارِكُهُ» لَكِنَّهُ لَا يَعْصِي تَارِكُهُ، فَلَا يَكُونُ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ، أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ «الْمَعْصِيَةَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ» لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طَه: ٩٣] ، وَالْمَعْنَى: عَصَيْتَنِي بِمُخَالَفَةِ أَمْرِي. فَلَوْ كَانَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ، لَعَصَى تَارِكُهُ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَمْرِ، وَمُخَالِفُ الْأَمْرِ عَاصٍ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَعْصِي بِتَرْكِ الْمَنْدُوبِ، فَبِالِاتِّفَاقِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ كَانَ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورًا بِهِ «لَتَنَاقَضَ» قَوْلُهُ ﷺ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، «مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالْأَمْرِ» بِالسِّوَاكِ أَمْرًا «مُؤَكَّدًا» نَحْوَ قَوْلِهِ ﵇: اسْتَاكُوا طَهِّرُوا مَسَالِكَ الْقُرْآنِ فِي أَحَادِيثَ غَيْرِ ذَلِكَ. وَوَجْهُ التَّنَاقُضِ: أَنَّ «لَوْلَا» تَقْتَضِي فِي اللِّسَانِ امْتِنَاعَ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِالسِّوَاكِ، لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ. وَقَوْلُهُ: اسْتَاكُوا وَنَحْوُهُ، تَصْرِيحٌ بِالْأَمْرِ بِهِ،

стр. 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَصَارَ آمِرًا بِهِ غَيْرَ آمِرٍ بِهِ وَهُوَ عَيْنُ التَّنَاقُضِ، وَإِنَّمَا لَزِمَ هَذَا التَّنَاقُضَ مِنْ قَوْلِنَا: الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِهِ، لِأَنَّ مَلْزُومَ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْمَنْدُوبَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، لَا يَلْزَمُ هَذَا التَّنَاقُضَ، لِأَنَّا نَقُولُ مَثَلًا: السِّوَاكُ مَنْدُوبٌ، وَهُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَا فُهِمْ مِنْ قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مِنْ عَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: الْمُرَادُ أَمْرُ الْإِيجَابِ فِيهِمَا» . هَذَا جَوَابٌ عَنِ الدَّلِيلَيْنِ جَمِيعًا. وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ عَنِ الْأَوَّلِ أَنْ نَقُولَ: قَوْلُكُمْ: لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، لَعَصَى تَارِكُهُ. إِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّ الْمَأْمُورَ مُطْلَقًا يَعْصِي تَارِكُهُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، كَمَا أَنَّ فَاعِلَ الْمَنْهِيِّ مُطْلَقًا لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا، بِدَلِيلِ فَاعِلِ الْمَكْرُوهِ. ثُمَّ يَلْزَمُهُمْ أَنَّ الْمَكْرُوهَ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، لِأَنَّهُ مُقَابِلُ الْمَنْدُوبِ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّ الْمَأْمُورَ الْجَازِمَ يَعْصِي تَارِكُهُ، فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ الْمَنْدُوبَ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ جَزْمًا حَتَّى يَعْصِيَ تَارِكُهُ. وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ عَنِ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ الْمُرَادُ بِهِ: لَأَمَرْتُهُمْ أَمْرَ إِيجَابٍ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْمَشَقَّةُ. أَمَّا الْأَمْرُ لَا عَلَى طَرِيقِ الْإِيجَابِ، فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي تَصْرِيحَهُ بِالْأَمْرِ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ. قُلْتُ: مَأْخَذُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَرَدُّدُ الْمَنْدُوبِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُبَاحِ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُقْتَضًى وَمُسْتَدْعًى وَمَطْلُوبٌ وَمُثَابٌ عَلَيْهِ أَشْبَهَ الْوَاجِبَ، فَأُلْحِقَ بِهِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا عِقَابَ فِي تَرْكِهِ أَشْبَهَ الْمُبَاحَ، فَأُلْحِقَ بِهِ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ قُصُورِ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ عَنْ تَنَاوُلِ التَّكْلِيفِ لَهُمَا، وَالْمَادَّةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُتَقَارِبَةٌ.

стр. 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَالَ الْكِنَانِيُّ: مَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْمَنْدُوبَ هَلْ يُشَارِكُ الْوَاجِبَ فِي حَقِيقَتِهِ؟ قُلْتُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ إِنْ عَنَى أَنَّ بَيْنَهُمَا قَدْرًا مُشْتَرَكًا، فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَهُوَ الثَّوَابُ عَلَى الْفِعْلِ، وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ يُشَارِكُ الْوَاجِبَ فِي كَمَالِ حَقِيقَتِهِ، فَلَا نِزَاعَ أَيْضًا فِي عَدَمِ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمَنْدُوبُ وَاجِبًا. وَقَدِ افْتَرَقَا فِي الْعِقَابِ أَوِ الْوَعِيدِ عَلَى التَّرْكِ وَعَدَمِهِ. قَالَ: وَفَائِدَةُ الْمَسْأَلَةِ تَظْهَرُ فِي تَعْيِينِ مُجْمَلِ قَوْلِهِ ﵇: أَمَرْتُكُمْ بِكَذَا، أَوْ قَوْلِ الرَّاوِي عَنْهُ: أَمَرَ بِكَذَا. قُلْتُ: يَعْنِي إِنْ قُلْنَا: الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ، كَانَ الْأَمْرُ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ ﵇ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ إِرَادَةِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ تَعَيَّنَ لِلْوُجُوبِ.

стр. 308

الْحَرَامُ ، ضِدُّ الْوَاجِبِ. وَهُوَ مَا ذُمَّ فَاعِلُهُ شَرْعًا. وَلَا حَاجَةَ هُنَا إِلَى مُطْلَقًا، لِعَدَمِ الْحَرَامِ الْمُوَسَّعِ، وَعَلَى الْكِفَايَةِ، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ. ــ قَوْلُهُ: «الْحَرَامُ ضِدُّ الْوَاجِبِ» ، لَمَّا ذَكَرَ الِاقْتِضَاءَ الْفِعْلِيَّ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِقِسْمَيْهِ، وَهُمَا الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، أَخَذَ هُنَا يُبَيِّنُ حُكْمَ اقْتِضَاءِ الْكَفِّ، وَهُوَ النَّهْيُ بِقِسْمَيْهِ، وَهُمَا الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ، ثُمَّ قَسَّمَ التَّخْيِيرَ، وَهُوَ الْمُبَاحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَالْحَرَامُ ضِدُّ الْوَاجِبِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى الْجَزْمِ، مُثَابٌ عَلَى فِعْلِهِ، مُعَاقَبٌ عَلَى تَرْكِهِ، فَالْحَرَامُ إِذًا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عَلَى الْجَزْمِ، مُثَابٌ عَلَى تَرْكِهِ، مُعَاقَبٌ عَلَى فِعْلِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَرَامُ ضِدُّ الْحَلَالِ. قُلْتُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحُرْمَةِ، وَهِيَ مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهُ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْحَرَامَ «مَا ذُمَّ فَاعِلُهُ شَرْعًا» كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ مَا ذُمَّ تَارِكُهُ شَرْعًا. قَوْلُهُ: «وَلَا حَاجَةَ هُنَا إِلَى مُطْلَقًا» ، أَيْ لَا يُحْتَاجُ أَنْ نَقُولَ: الْحَرَامُ مَا ذُمَّ شَرْعًا فَاعِلُهُ مُطْلَقًا، كَمَا قُلْنَا فِي الْوَاجِبِ مَا ذُمَّ شَرْعًا تَارِكُهُ مُطْلَقًا «لِعَدَمِ الْحَرَامِ الْمُوَسَّعِ، وَعَلَى الْكِفَايَةِ بِخِلَافِ الْوَاجِبِ» وَذَلِكَ لِأَنَّا إِنَّمَا قَيَّدْنَا فِي الْوَاجِبِ بِقَوْلِنَا: مُطْلَقًا، لِيَتَنَاوَلَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ، وَالْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ، كَمَا شَرَحَ هُنَاكَ، وَالْحَرَامُ لَيْسَ

стр. 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِيهِ مُوَسَّعٌ وَلَا مُضَيَّقٌ، وَلَا عَلَى الْعَيْنِ وَالْكِفَايَةِ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِيهِ إِلَى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِنَا مُطْلَقًا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ فِي ذَلِكَ، هُوَ أَنَّ مَقْصُودَ الْوَاجِبِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمُوَسَّعُ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ، تَعْلِيقًا لِحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَالْأَعْيَانِ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، بِخِلَافِ الْحَرَامِ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ نَفْيُ الْمَفْسَدَةِ. وَالْمَفْسَدَةُ يَجِبُ نَفْيُهَا عَقْلًا وَشَرْعًا مُطْلَقًا، فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، مِنْ جَمِيعِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَعْيَانِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. أَمَّا الْحَرَامُ الْمُخَيَّرُ، فَيَجُوزُ وُرُودُهُ، كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَالْأَشْيَاءِ، كَمَا تَتَعَلَّقُ الْمَصْلَحَةُ بِهِ، فَكَمَا جَازَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: إِذَا حَنِثْتَ فِي يَمِينِكَ فَأَطْعِمْ، أَوِ اكْسُ، أَوْ أَعْتِقْ، كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لَا تَنْكِحْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، أَوْ أُخْتَهَا، أَوْ بِنْتَ أُخْتِهَا، أَوْ أَخِيهَا، فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُمَا عَلَى التَّخْيِيرِ، أَيَّتَهُمَا شَاءَ اجْتَنَبَ وَنَكَحَ الْأُخْرَى، كَمَا أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِمَا، قِيلَ لَهُ: طَلِّقْ إِحْدَاهُمَا وَأَمْسِكِ الْأُخْرَى أَيَّتَهُمَا شِئْتَ.

стр. 310

ثُمَّ الْوَاحِدُ بِالْجِنْسِ أَوِ النَّوْعِ. . يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ وَأَشْخَاصِهِ، كَالْأَمْرِ بِالزَّكَاةِ، وَصَلَاةِ الضُّحَى مَثَلًا، وَالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ. أَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مَوْرِدًا لَهُمَا، مِنْ جِهَةٍ. أَمَّا مِنْ جِهَتَيْنِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَلَا تَصِحُّ فِي أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ لَنَا، خِلَافًا لِلْأَكْثَرِينَ. وَقِيلَ: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لَا بِهَا. وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ، أَنَّ النَّظَرَ إِلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْ إِلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ. ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْوَاحِدُ بِالْجِنْسِ أَوِ النَّوْعِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ وَأَشْخَاصِهِ» إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ: أَنَّ الْأَشْيَاءَ بِالنَّظَرِ إِلَى كُلِّيَّتِهَا وَجُزْئِيَّتِهَا وَعُمُومِهَا وَخُصُوصِهَا مَرَاتِبُ، أَعْلَاهَا الْجِنْسُ، ثُمَّ النَّوْعُ، ثُمَّ الشَّخْصُ. كَقَوْلِنَا: الْحَيَوَانُ، الْإِنْسَانُ، زَيْدٌ، فَالْحَيَوَانُ جِنْسٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَالْإِنْسَانُ نَوْعٌ لَهُ، وَزَيْدٌ شَخْصٌ مِنَ النَّوْعِ، وَكَقَوْلِنَا: الْعِبَادَةُ، الزَّكَاةُ وَالصَّلَاةُ، هَذِهِ الصَّلَاةُ، فَالْعِبَادَةُ جِنْسٌ، وَالزَّكَاةُ وَالصَّلَاةُ نَوْعٌ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ شَخْصٌ. وَمَعْنَى قَوْلِنَا: الْوَاحِدُ بِالْجِنْسِ أَوِ النَّوْعِ أَنَّهُ لَفْظٌ وَاحِدٌ، وَمُسَمًّى وَاحِدٌ، دَلَّ عَلَى جِنْسٍ كَالْحَيَوَانِ، أَوْ دَلَّ عَلَى نَوْعٍ كَالْإِنْسَانِ.

стр. 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَالْوَاحِدُ بِالْجِنْسِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، أَيْ: يُرَدُّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَيَتَوَجَّهَانِ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ، أَيْ يَتَوَجَّهُ الْأَمْرُ إِلَى بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَالنَّهْيُ إِلَى بَعْضٍ آخَرَ مِنْهَا. وَكَذَلِكَ الْوَاحِدُ بِالنَّوْعِ يَجُوزُ تَوَجُّهُ الْأَمْرِ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَشْخَاصِهِ أَيِ: الْأَمْرُ إِلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، وَالنَّهْيُ إِلَى بَعْضٍ آخَرَ، كَالْأَمْرِ بِالزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ نَوْعٌ لِجِنْسِ الْعِبَادَةِ، وَالْأَمْرُ بِصَلَاةِ الضُّحَى الَّتِي هِيَ بِاعْتِبَارِ إِطْلَاقِ نَوْعٍ أَوْ صِنْفٍ لِلصَّلَاةِ، وَبِاعْتِبَارِ تَقْيِيدِهَا بِيَوْمٍ بِعَيْنِهِ شَخْصٌ مِنْ أَشْخَاصِ نَوْعِ الصَّلَاةِ، وَكَالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، فَقَدْ تَوَجَّهَ الْأَمْرُ إِلَى الزَّكَاةِ وَصَلَاةِ الضُّحَى مِنْ حَيْثُ هُمَا نَوْعَانِ لِلْعِبَادَةِ، وَتَوَجَّهَ النَّهْيُ إِلَى صَلَاةِ الضُّحَى وَالصَّلَاةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ مِنْ حَيْثُ هُمَا شَخْصَانِ لِنَوْعِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الصَّلَاةُ. وَهَذَا الْمِثَالُ إِنْ لَاحَ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مُطَابَقَتِهِ شَيْءٌ، فَأَنْتَ قَدْ عَرَفْتَ الْقَاعِدَةَ، وَهِيَ صِحَّةُ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَى الْجِنْسِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ أَنْوَاعِهِ وَإِلَى النَّوْعِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ أَشْخَاصِهِ. قَوْلُهُ: «أَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ» إِلَى آخِرِهِ أَيِ: اللَّفْظُ وَالْمُسَمَّى الْوَاحِدُ إِذَا كَانَ مَفْهُومُهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا «فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مَوْرِدًا لَهُمَا» أَيْ: لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، أَيْ: يَمْتَنِعُ تَوَجُّهُهُمَا إِلَيْهِ وَوُرُودُهُمَا عَلَيْهِ «مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ» لِأَنَّهُ تَنَاقُضٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: صَلِّ هَذِهِ الظُّهْرَ، لَا تُصَلِّ هَذِهِ الظُّهْرَ، أَعْتِقْ هَذَا الْعَبْدَ، لَا تَعْتِقْ هَذَا الْعَبْدَ. قَوْلُهُ: «أَمَّا مِنْ جِهَتَيْنِ» أَيْ: أَمَّا كَوْنُ الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ مَوْرِدًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ جِهَتَيْنِ «كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ» مِنْ عَمْرٍو، «فَلَا تَصِحُّ فِي أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ» عَنْ

стр. 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُ، عَلَى مَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ «خِلَافًا لِلْأَكْثَرِينَ» فِي صِحَّةِ ذَلِكَ. «وَقِيلَ: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا» أَيْ: عِنْدَ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ «لَا بِهَا» ، وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ بِمَا سَنُقَرِّرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ أَلْزَمَهُ الْخَصْمُ إِجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوا الظَّلَمَةَ بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ، مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ فِي أَمَاكِنِ الْغَصْبِ، فَأَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَحَاوَلَ الْخَلَاصَ بِهَذَا التَّوَسُّطِ، فَقَالَ: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَ هَذِهِ الصَّلَاةِ لِلْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ لَا بِهَا، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهَا. قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا سَبَبًا لِسُقُوطِ الْفَرْضِ، أَوْ أَمَارَةً عَلَيْهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا عِلَّةً لِسُقُوطِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي صِحَّتِهَا. قُلْتُ: وَهَذَا مَسْلَكٌ ظَاهِرُ الضَّعْفِ، لِأَنَّ سُقُوطَ الْفَرْضِ بِدُونِ أَدَائِهِ شَرْعًا غَيْرُ مَعْهُودٍ، بَلْ لَوْ مَنَعَ الْإِجْمَاعَ الْمَذْكُورَ لَكَانَ أَيْسَرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ عَلَى الْخَصْمِ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ ظَالِمًا فِي زَمَنِ السَّلَفِ صَلَّى فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ وَعَلِمَ بِهِ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الظَّلَمَةِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ، وَلَوْ سُلِّمَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا الظَّلَمَةَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ نَقْلِ ذَلِكَ عَدَمُ وُجُودِهِ، لِجَوَازِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِعَادَةِ وُجِدَ وَلَمْ يُنْقَلْ، لِاسْتِيلَاءِ الظَّلَمَةِ وَسَطْوَتِهِمْ، أَوْ كَوْنِ الْحُكْمِ لَيْسَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ الْإِنْكَارِ فِيهِ، وَأَحْسَبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الْإِجْمَاعَ الْمَذْكُورَ بَنَوْهُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ مَعَ كَثْرَةِ الظَّلَمَةِ فِي تِلْكَ الْأَعْصَارِ عَادَةً لَا يَخْلُو مِنْ إِيقَاعِ صَلَاةٍ فِي مَكَانٍ غُصِبَ مِنْ بَعْضِهِمْ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ السَّلَفَ يَمْتَنِعُ عَادَةً وَشَرْعًا تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْإِنْكَارِ وَالْأَمْرِ

стр. 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِالْإِعَادَةِ، بِنَاءً مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى مَا ظَنُّوهُ مِنْ دَلِيلِ الْبُطْلَانِ، وَإِلَّا فَلَا إِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ مَنْقُولٌ، تَوَاتُرًا وَلَا آحَادًا، وَالْمُقَدِّمَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالْوَهَاَءِ. قَوْلُهُ: «وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: مَأْخَذُ الْخِلَافِ فِي بُطْلَانِ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَصِحَّتِهَا هُوَ «أَنَّ النَّظَرَ إِلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ» الْوَاقِعَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، «أَوْ إِلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ» مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَكَانِ إِيقَاعِهَا، إِنْ نَظَرْنَا إِلَى عَيْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ اتَّجَهَ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ، لِأَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الصَّلَاةِ حَرَامٌ مَعْصِيَةٌ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ نَظَرْنَا إِلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ اتَّجَهَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مَطْلُوبَةً لِلشَّارِعِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ. وَسَيَأْتِي الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 314

النَّافِي: مَاهِيَّةُ الصَّلَاةِ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَالْمُرَكَّبُ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَهَذِهِ الصَّلَاةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَا يَكُونُ طَاعَةً، وَلَا مَأْمُورًا بِهِ، وَإِلَّا اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ. ــ قَوْلُهُ: «النَّافِي» أَيِ: احْتَجَّ النَّافِي لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ قَالَ: «مَاهِيَّةُ الصَّلَاةِ» أَيْ حَقِيقَتُهَا «مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَالْمُرَكَّبُ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَهَذِهِ الصَّلَاةُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا» . أَمَّا أَنَّ الصَّلَاةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَفْعَالِهَا الْوَاجِبَةِ وَالْمَسْنُونَةِ فِيهَا، وَتِلْكَ الْأَفْعَالُ إِمَّا حَرَكَةٌ كَالْهُوِيِّ إِلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِمَّا سُكُونٌ كَالْقِيَامِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَأَمَّا أَنَّ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، فَلِوُقُوعِهَا فِي مُلْكِ الْغَيْرِ وَشَغْلِ حَيِّزِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَأَمَّا أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلِأَنَّ الْمُرَكَّبَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْبَسَائِطِ الَّتِي هِيَ مَادَّتُهُ إِلَّا بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَهِيَ لَا تُؤَثِّرُ فِي قَلْبِ حَقِيقَةِ الْبَسَائِطِ، وَبَسَائِطُ هَذِهِ الصَّلَاةِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَهِيَ الْحَرَكَاتُ وَالسَّكَنَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا، وَمَا لَا يَزِيدُ عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا. «وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَا يَكُونُ طَاعَةً وَلَا مَأْمُورًا بِهِ وَإِلَّا اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ» لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ نَقِيضُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالطَّاعَةُ تَسْتَدْعِي تَعَلُّقَ الطَّلَبِ بِهَا وَتَوَجُّهَهُ إِلَيْهَا، فَلَوْ كَانَتْ

стр. 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَنْهِيًّا عَنْهَا، لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ أَيْضًا، وَهَذِهِ هِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي اضْطَرَّتْ أَبَا بَكْرٍ مَعَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي أَلْزَمَهُ مَا حُكِيَ عَنْهُ.

стр. 316

الْمُثْبِتُ: لَا مَانِعَ إِلَّا اتِّحَادُ الْمُتَعَلِّقَيْنِ إِجْمَاعًا، وَلَا اتِّحَادَ، إِذِ الصَّلَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْغَصْبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَصْبٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَعْقُولٌ بِدُونِ الْآخَرِ، وَجَمْعُ الْمُكَلَّفِ لَهُمَا لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حُكْمِهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ. وَأَيْضًا، طَاعَةُ الْعَبْدِ وَعِصْيَانُهُ، بِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أُمِرَ بِخِيَاطَتِهِ، فِي مَكَانٍ نُهِيَ عَنْ دُخُولِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَلَوْ مَرَقَ سَهْمُهُ مِنْ كَافِرٍ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ، ضَمِنَ قِصَاصًا أَوْ دِيَةً، وَاسْتَحَقَّ سَلَبَ الْكَافِرِ. ــ - قَوْلُهُ: «الْمُثْبِتُ» أَيْ: هَذِهِ حُجَّةُ الْمُثْبِتِ، لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ. وَتَقْرِيرُهَا أَنَّهُ «لَا مَانِعَ» مِنَ الصِّحَّةِ «إِلَّا اتِّحَادُ الْمُتَعَلِّقَيْنِ» يَعْنِي مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ «إِجْمَاعًا» أَيْ: لَا مَانِعَ إِلَّا اتِّحَادُ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، «وَلَا اتِّحَادَ» أَيْ: لَيْسَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُتَّحِدًا، فَلَا مَانِعَ حِينَئِذٍ مِنَ الصِّحَّةِ، وَبَيَانُ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُمَا غَيْرُ مُتَّحِدٍ هُوَ أَنَّ «الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ - أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَلْحَقُهَا مِنْ مَكَانٍ وَغَيْرِهِ - مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْغَصْبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَصْبٌ - أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يُلَابِسُهُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - مَنْهِيٌّ عَنْهُ» ، وَكُلٌّ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْغَصْبِ مَعْقُولٌ بِدُونِ الْآخَرِ، وَيُمْكِنُ وُجُودُ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ، كَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَغْصِبْ، أَوْ غَصَبَ وَلَمْ يُصَلِّ، «وَجَمْعُ الْمُكَلَّفِ لَهُمَا» بِالصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حُكْمِهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ - أَيْ: فِي حَالِ انْفِرَادِهِمَا، وَهُوَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ، وَكَوْنُهَا طَاعَةً، وَالنَّهْيُ عَنِ الْغَصْبِ، وَكَوْنُهُ مَعْصِيَةً - وَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا مُجْتَمَعَيْنِ مَا يَثْبُتُ لَهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لَا يَقْلِبُ حَقِيقَتَهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا.

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَدْ ظَهَرَ لَكَ مِنْ تَقْرِيرِ حُجَّةِ النَّافِي وَالْمُثْبِتِ صِحَّةُ الْمَأْخَذِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِلْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ النَّافِيَ نَظَرَ إِلَى عَيْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَفْعَالٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا، فَحَكَمَ بِبُطْلَانِهَا، وَالْمُثْبِتُ نَظَرَ إِلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ وَحَقِيقَتِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ، لَا مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهَا فِي مَوْضِعٍ مَغْصُوبٍ، فَتَحَقَّقَ لَهُ الْجِهَتَانِ. قَوْلُهُ: «وَأَيْضًا طَاعَةُ الْعَبْدِ وَعِصْيَانُهُ بِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أُمِرَ بِخِيَاطَتِهِ فِي مَكَانٍ نُهِيَ عَنْ دُخُولِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ» . هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرَى لِمَنْ صَحَّحَ الصَّلَاةَ. وَقَوْلُنَا: طَاعَةُ الْعَبْدِ مُبْتَدَأٌ، وَعِصْيَانُهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَ «يَدُلُّ عَلَيْهِ» خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، تَقْدِيرُهُ طَاعَةُ الْعَبْدِ وَعِصْيَانُهُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ بِالشَّخْصِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ جِهَتَيْنِ. وَتَقْرِيرُ الْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ، وَلَا تَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ، فَخَاطَ الْعَبْدُ الثَّوْبَ فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ، لَعُدَّ مُطِيعًا لِسَيِّدِهِ عَاصِيًا لَهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، أَيْ: مُطِيعًا لَهُ مِنْ جِهَةِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ بِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ، عَاصِيًا لَهُ مِنْ جِهَةِ ارْتِكَابِ نَهْيِهِ بِدُخُولِ الدَّارِ الَّتِي نَهَاهُ عَنْ دُخُولِهَا. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَالصَّلَاةُ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَغْصُوبِ مِثْلُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ عَبْدَهُ بِالصَّلَاةِ وَنَهَاهُ عَنِ الْغَصْبِ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا جَمَعَ الْعَبْدُ الْخَيَّاطُ بَيْنَ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَدُخُولِ الدَّارِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ حَرَكَةَ الْعَبْدِ الْخَيَّاطِ فِي الدَّارِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ دُخُولِهَا، وَحَرَكَةَ الْمُصَلِّي

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي الْمَكَانِ لَيْسَتْ مَنْهِيًّا عَنْهَا لِكَوْنِهَا حَرَكَاتٍ، إِذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، لَكَانَتْ حَرَكَاتُهُمَا مَنْهِيًّا عَنْهَا حَيْثُ وُجِدَتْ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهَا، لِكَوْنِهَا حَرَكَاتٍ وَاقِعَةً فِي مَكَانٍ نُهِيَ عَنْ دُخُولِهِ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ مُجَرَّدِ كَوْنِهَا حَرَكَاتٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الْأَعَمِّ. وَيَرْجِعُ هَذَا التَّقْرِيرُ إِلَى تَحْقِيقِ الْجِهَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: «وَلَوْ مَرَقَ سَهْمُهُ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الصِّحَّةِ. وَتَقْرِيرُهُ: لَوْ رَمَى كَافِرًا، فَمَرَقَ السَّهْمُ مِنْهُ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمُسْلِمِ قِصَاصًا إِنْ كَانَ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِذَلِكَ، أَوْ دِيَتَهُ إِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَمَّدْ، أَوْ عَفَا عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ، وَلَاسْتَحَقَّ سَلَبَ الْكَافِرِ بِشُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفِقْهِ. وَهَذَا فِعْلٌ وَاحِدٌ اشْتَمَلَ عَلَى حَرَامٍ وَحَلَالٍ، وَخَسَارَةٍ وَرِبْحٍ، وَهُمَا مُتَقَابِلَانِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، وَالصَّلَاةُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا مِثْلُهُ، هِيَ فِعْلٌ وَاحِدٌ اشْتَمَلَ عَلَى حَرَامٍ وَهُوَ الْغَصْبُ، وَحَلَالٍ أَوْ وَاجِبٍ وَهُوَ الصَّلَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ.

стр. 319

وَأُجِيبَ عَنِ الْكُلِّ، بِأَنَّ مَعَ النَّظَرِ إِلَى عَيْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، لَا جِهَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ، ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِالْجِهَتَيْنِ، وَلَا فَرْقَ. ثُمَّ إِنَّ الْإِخْلَالَ بِشَرْطِ الْعِبَادَةِ مُبْطِلٌ، وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِالصَّلَاةِ شَرْطٌ. وَالتَّقَرُّبُ بِالْمَعْصِيَةِ مُحَالٌ. وَالْمُخْتَارُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ، نَظَرًا إِلَى جِنْسِهَا، لَا إِلَى عَيْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ. ــ قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ عَنِ الْكُلِّ» أَيْ: عَنِ الْحُجَجِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ: «بِأَنَّ مَعَ النَّظَرِ إِلَى عَيْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا جِهَتَيْنِ» . هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَأْخَذِ السَّابِقِ لِلْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى عَيْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، لَمْ تَتَحَقَّقِ الْجِهَتَانِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ النَّافِي لِلصِّحَّةِ، إِذَا لَمْ تَتَحَقَّقِ الْجِهَتَانِ، امْتَنَعَ قِيَاسُهَا فِي الصِّحَّةِ عَلَى طَاعَةِ الْعَبْدِ الْخَيَّاطِ وَعِصْيَانِهِ، وَمُرُوقُ السَّهْمِ مِنْ كَافِرٍ إِلَى مُسْلِمٍ، وَاتَّحَدَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ عَيْنُ هَذِهِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الصُّوَرِ تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْجِهَتَانِ. قَوْلُهُ: «ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَيْهِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا إِلْزَامٌ عَلَى مَنْ صَحَّحَ هَذِهِ الصَّلَاةَ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْغَصْبِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ كَمَا قَرَّرْتُمْ، يَلْزَمُ عَلَيْهِ صِحَّةُ «صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ» وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَزْمِنَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْ صِيَامِهَا بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَطْلُوبٌ، وَإِنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِيقَاعُهُ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّوْمِ فِيهِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَصِحُّ. وَالْفَرْقُ عَسِيرٌ، وَرُبَّمَا فَرَّقَ

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْفِعْلَ أَخَصُّ بِالزَّمَانِ، وَأَلْزَمُ لَهُ مِنَ الْمَكَانِ بِدَلِيلِ انْقِسَامِ الْفِعْلِ بِانْقِسَامِ الزَّمَانِ إِلَى مَاضٍ وَحَالٍ وَمُسْتَقْبَلٍ، وَلَمْ يَنْقَسِمْ بِانْقِسَامِ الْأَمْكِنَةِ، وَالْفِعْلُ وَالزَّمَانُ عَرَضَانِ وَالْمَكَانُ جِسْمٌ، وَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ الزَّمَانُ فِي الْفِعْلِ مِنَ الْبُطْلَانِ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَلُزُومِهِ مَا لَا يُؤْثِرُهُ الْمَكَانُ لِعَدَمِ ذَلِكَ، وَهَذَا فَرْقٌ لَكِنْ فِي تَأْثِيرِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا أَعْنِي: صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ نَفْسُ الصَّوْمِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِيقَاعُ الصَّوْمِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ لَا نَفْسُ الصَّوْمِ، فَلَا تَضَادَّ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ بَعْضُ مُصَحِّحِي هَذِهِ الصَّلَاةِ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، لَمَا صَحَّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ عَلَى جَمَلٍ مَغْصُوبٍ، لَكِنْ قَدْ صَحَّ هُنَاكَ فَلْتَصِحَّ الصَّلَاةُ هُنَا. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَحْكَامَ الْحَجِّ قَدْ دَخَلَهَا مِنَ الِاحْتِيَاطِ لِصِحَّتِهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ، حَتَّى قَالُوا: يَلْزَمُ نَفْلُ الْحَجِّ بِالشُّرُوعِ دُونَ نَفْلِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّ مَنْ أَحْرَمَ عَنْ نَذْرٍ أَوْ عَنْ نَفْلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، انْقَلَبَ الْإِحْرَامُ إِلَى فَرْضِهِ، وَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يَزُولُ بِرَفْضِهَا. وَلَمْ يَقُولُوا كَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْحَجِّ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّلَاةَ لِلْمَكَانِ أَلْزَمُ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى الْبَعِيرِ إِذْ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى غَيْرِ بَعِيرٍ وَلَا دَابَّةٍ أَصْلًا، وَلَا يُمْكِنُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ مَكَانٍ أَصْلًا.
следующие страницы →