← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الْمُثْبِتُ: لَا مَانِعَ إِلَّا اتِّحَادُ الْمُتَعَلِّقَيْنِ إِجْمَاعًا، وَلَا اتِّحَادَ، إِذِ الصَّلَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْغَصْبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَصْبٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَعْقُولٌ بِدُونِ الْآخَرِ، وَجَمْعُ الْمُكَلَّفِ لَهُمَا لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حُكْمِهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ. وَأَيْضًا، طَاعَةُ الْعَبْدِ وَعِصْيَانُهُ، بِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أُمِرَ بِخِيَاطَتِهِ، فِي مَكَانٍ نُهِيَ عَنْ دُخُولِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَلَوْ مَرَقَ سَهْمُهُ مِنْ كَافِرٍ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ، ضَمِنَ قِصَاصًا أَوْ دِيَةً، وَاسْتَحَقَّ سَلَبَ الْكَافِرِ. ــ - قَوْلُهُ: «الْمُثْبِتُ» أَيْ: هَذِهِ حُجَّةُ الْمُثْبِتِ، لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ. وَتَقْرِيرُهَا أَنَّهُ «لَا مَانِعَ» مِنَ الصِّحَّةِ «إِلَّا اتِّحَادُ الْمُتَعَلِّقَيْنِ» يَعْنِي مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ «إِجْمَاعًا» أَيْ: لَا مَانِعَ إِلَّا اتِّحَادُ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، «وَلَا اتِّحَادَ» أَيْ: لَيْسَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُتَّحِدًا، فَلَا مَانِعَ حِينَئِذٍ مِنَ الصِّحَّةِ، وَبَيَانُ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُمَا غَيْرُ مُتَّحِدٍ هُوَ أَنَّ «الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ - أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَلْحَقُهَا مِنْ مَكَانٍ وَغَيْرِهِ - مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْغَصْبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَصْبٌ - أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يُلَابِسُهُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا - مَنْهِيٌّ عَنْهُ» ، وَكُلٌّ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْغَصْبِ مَعْقُولٌ بِدُونِ الْآخَرِ، وَيُمْكِنُ وُجُودُ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ، كَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَغْصِبْ، أَوْ غَصَبَ وَلَمْ يُصَلِّ، «وَجَمْعُ الْمُكَلَّفِ لَهُمَا» بِالصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حُكْمِهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ - أَيْ: فِي حَالِ انْفِرَادِهِمَا، وَهُوَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ، وَكَوْنُهَا طَاعَةً، وَالنَّهْيُ عَنِ الْغَصْبِ، وَكَوْنُهُ مَعْصِيَةً - وَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا مُجْتَمَعَيْنِ مَا يَثْبُتُ لَهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لَا يَقْلِبُ حَقِيقَتَهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا.

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَدْ ظَهَرَ لَكَ مِنْ تَقْرِيرِ حُجَّةِ النَّافِي وَالْمُثْبِتِ صِحَّةُ الْمَأْخَذِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِلْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ النَّافِيَ نَظَرَ إِلَى عَيْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَفْعَالٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا، فَحَكَمَ بِبُطْلَانِهَا، وَالْمُثْبِتُ نَظَرَ إِلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ وَحَقِيقَتِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ، لَا مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهَا فِي مَوْضِعٍ مَغْصُوبٍ، فَتَحَقَّقَ لَهُ الْجِهَتَانِ. قَوْلُهُ: «وَأَيْضًا طَاعَةُ الْعَبْدِ وَعِصْيَانُهُ بِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أُمِرَ بِخِيَاطَتِهِ فِي مَكَانٍ نُهِيَ عَنْ دُخُولِهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ» . هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرَى لِمَنْ صَحَّحَ الصَّلَاةَ. وَقَوْلُنَا: طَاعَةُ الْعَبْدِ مُبْتَدَأٌ، وَعِصْيَانُهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَ «يَدُلُّ عَلَيْهِ» خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، تَقْدِيرُهُ طَاعَةُ الْعَبْدِ وَعِصْيَانُهُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ بِالشَّخْصِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ جِهَتَيْنِ. وَتَقْرِيرُ الْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ، وَلَا تَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ، فَخَاطَ الْعَبْدُ الثَّوْبَ فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ، لَعُدَّ مُطِيعًا لِسَيِّدِهِ عَاصِيًا لَهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، أَيْ: مُطِيعًا لَهُ مِنْ جِهَةِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ بِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ، عَاصِيًا لَهُ مِنْ جِهَةِ ارْتِكَابِ نَهْيِهِ بِدُخُولِ الدَّارِ الَّتِي نَهَاهُ عَنْ دُخُولِهَا. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَالصَّلَاةُ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَغْصُوبِ مِثْلُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ عَبْدَهُ بِالصَّلَاةِ وَنَهَاهُ عَنِ الْغَصْبِ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا جَمَعَ الْعَبْدُ الْخَيَّاطُ بَيْنَ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَدُخُولِ الدَّارِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ حَرَكَةَ الْعَبْدِ الْخَيَّاطِ فِي الدَّارِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ دُخُولِهَا، وَحَرَكَةَ الْمُصَلِّي

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فِي الْمَكَانِ لَيْسَتْ مَنْهِيًّا عَنْهَا لِكَوْنِهَا حَرَكَاتٍ، إِذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، لَكَانَتْ حَرَكَاتُهُمَا مَنْهِيًّا عَنْهَا حَيْثُ وُجِدَتْ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهَا، لِكَوْنِهَا حَرَكَاتٍ وَاقِعَةً فِي مَكَانٍ نُهِيَ عَنْ دُخُولِهِ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ مُجَرَّدِ كَوْنِهَا حَرَكَاتٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الْأَعَمِّ. وَيَرْجِعُ هَذَا التَّقْرِيرُ إِلَى تَحْقِيقِ الْجِهَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: «وَلَوْ مَرَقَ سَهْمُهُ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى الصِّحَّةِ. وَتَقْرِيرُهُ: لَوْ رَمَى كَافِرًا، فَمَرَقَ السَّهْمُ مِنْهُ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمُسْلِمِ قِصَاصًا إِنْ كَانَ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِذَلِكَ، أَوْ دِيَتَهُ إِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَمَّدْ، أَوْ عَفَا عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ، وَلَاسْتَحَقَّ سَلَبَ الْكَافِرِ بِشُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفِقْهِ. وَهَذَا فِعْلٌ وَاحِدٌ اشْتَمَلَ عَلَى حَرَامٍ وَحَلَالٍ، وَخَسَارَةٍ وَرِبْحٍ، وَهُمَا مُتَقَابِلَانِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، وَالصَّلَاةُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا مِثْلُهُ، هِيَ فِعْلٌ وَاحِدٌ اشْتَمَلَ عَلَى حَرَامٍ وَهُوَ الْغَصْبُ، وَحَلَالٍ أَوْ وَاجِبٍ وَهُوَ الصَّلَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ.

стр. 319

وَأُجِيبَ عَنِ الْكُلِّ، بِأَنَّ مَعَ النَّظَرِ إِلَى عَيْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، لَا جِهَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ، ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِالْجِهَتَيْنِ، وَلَا فَرْقَ. ثُمَّ إِنَّ الْإِخْلَالَ بِشَرْطِ الْعِبَادَةِ مُبْطِلٌ، وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِالصَّلَاةِ شَرْطٌ. وَالتَّقَرُّبُ بِالْمَعْصِيَةِ مُحَالٌ. وَالْمُخْتَارُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ، نَظَرًا إِلَى جِنْسِهَا، لَا إِلَى عَيْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ. ــ قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ عَنِ الْكُلِّ» أَيْ: عَنِ الْحُجَجِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ: «بِأَنَّ مَعَ النَّظَرِ إِلَى عَيْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا جِهَتَيْنِ» . هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَأْخَذِ السَّابِقِ لِلْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى عَيْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، لَمْ تَتَحَقَّقِ الْجِهَتَانِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ النَّافِي لِلصِّحَّةِ، إِذَا لَمْ تَتَحَقَّقِ الْجِهَتَانِ، امْتَنَعَ قِيَاسُهَا فِي الصِّحَّةِ عَلَى طَاعَةِ الْعَبْدِ الْخَيَّاطِ وَعِصْيَانِهِ، وَمُرُوقُ السَّهْمِ مِنْ كَافِرٍ إِلَى مُسْلِمٍ، وَاتَّحَدَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ عَيْنُ هَذِهِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الصُّوَرِ تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْجِهَتَانِ. قَوْلُهُ: «ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَيْهِ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا إِلْزَامٌ عَلَى مَنْ صَحَّحَ هَذِهِ الصَّلَاةَ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْغَصْبِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ كَمَا قَرَّرْتُمْ، يَلْزَمُ عَلَيْهِ صِحَّةُ «صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ» وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَزْمِنَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْ صِيَامِهَا بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَطْلُوبٌ، وَإِنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِيقَاعُهُ فِي هَذَا الزَّمَنِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّوْمِ فِيهِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَصِحُّ. وَالْفَرْقُ عَسِيرٌ، وَرُبَّمَا فَرَّقَ

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْفِعْلَ أَخَصُّ بِالزَّمَانِ، وَأَلْزَمُ لَهُ مِنَ الْمَكَانِ بِدَلِيلِ انْقِسَامِ الْفِعْلِ بِانْقِسَامِ الزَّمَانِ إِلَى مَاضٍ وَحَالٍ وَمُسْتَقْبَلٍ، وَلَمْ يَنْقَسِمْ بِانْقِسَامِ الْأَمْكِنَةِ، وَالْفِعْلُ وَالزَّمَانُ عَرَضَانِ وَالْمَكَانُ جِسْمٌ، وَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ الزَّمَانُ فِي الْفِعْلِ مِنَ الْبُطْلَانِ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَلُزُومِهِ مَا لَا يُؤْثِرُهُ الْمَكَانُ لِعَدَمِ ذَلِكَ، وَهَذَا فَرْقٌ لَكِنْ فِي تَأْثِيرِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا أَعْنِي: صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ نَفْسُ الصَّوْمِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِيقَاعُ الصَّوْمِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ لَا نَفْسُ الصَّوْمِ، فَلَا تَضَادَّ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ بَعْضُ مُصَحِّحِي هَذِهِ الصَّلَاةِ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، لَمَا صَحَّ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ عَلَى جَمَلٍ مَغْصُوبٍ، لَكِنْ قَدْ صَحَّ هُنَاكَ فَلْتَصِحَّ الصَّلَاةُ هُنَا. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَحْكَامَ الْحَجِّ قَدْ دَخَلَهَا مِنَ الِاحْتِيَاطِ لِصِحَّتِهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ، حَتَّى قَالُوا: يَلْزَمُ نَفْلُ الْحَجِّ بِالشُّرُوعِ دُونَ نَفْلِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّ مَنْ أَحْرَمَ عَنْ نَذْرٍ أَوْ عَنْ نَفْلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، انْقَلَبَ الْإِحْرَامُ إِلَى فَرْضِهِ، وَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يَزُولُ بِرَفْضِهَا. وَلَمْ يَقُولُوا كَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْحَجِّ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّلَاةَ لِلْمَكَانِ أَلْزَمُ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى الْبَعِيرِ إِذْ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى غَيْرِ بَعِيرٍ وَلَا دَابَّةٍ أَصْلًا، وَلَا يُمْكِنُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ مَكَانٍ أَصْلًا.

стр. 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «ثُمَّ إِنَّ الْإِخْلَالَ بِشَرْطِ الْعِبَادَةِ مُبْطِلٌ» إِلَى آخِرِهِ، هَذَا تَأْكِيدٌ وَتَقْوِيَةٌ لِلْقَوْلِ بِبُطْلَانِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ نِيَّةَ التَّقَرُّبِ بِالصَّلَاةِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، وَكَوْنُ هَذِهِ الصَّلَاةِ مُعَيَّنَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا بِمَا سَبَقَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ مُخِلٌّ بِشَرْطِ صِحَّتِهَا، إِذِ التَّقَرُّبُ بِالْمَعْصِيَةِ مُحَالٌ، لِتَنَاقُضِ الْمَعْصِيَةِ وَالْقُرْبَةِ، وَالْإِخْلَالُ بِشَرْطِ الْعِبَادَةِ مُبْطِلٌ لَهَا، فَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدِ اخْتَلَّ شَرْطُ صِحَّتِهَا، وَهُوَ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِهَا، فَتَكُونُ بَاطِلَةً. وَاعْلَمْ: أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ الْمَأْخَذِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ النَّظَرُ إِلَى عَيْنِ الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ، لَا إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ. قَوْلُهُ: «وَالْمُخْتَارُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ» فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ «نَظَرًا إِلَى جِنْسِهَا» أَيْ: إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ «لَا إِلَى عَيْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ» يَعْنِي الصَّلَاةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ، وَهُوَ اخْتِيَارٌ لِأَحَدِ الْمَأْخَذَيْنِ السَّابِقَيْنِ. وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ هَذَا الْمَأْخَذَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ وَنَحْوَهُمَا أَحْكَامٌ مِنَ الشَّرْعِ، وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ مِنْ حَيْثُ هِيَ كُلِّيَّةٌ، وَالتَّخْصِيصُ وَالتَّعْيِينُ فِيهَا عَارِضٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ مَثَلًا يَفْرِضُ صُورَةَ فِعْلٍ كُلِّيٍّ، ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمَا يَرَاهُ، فَيَقُولُ: السَّرِقَةُ فِيهَا الْقَطْعُ، وَالزِّنَى فِيهِ الْحَدُّ، وَالْقَتْلُ فِيهِ الْقَوَدُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ، أَمَّا هَذِهِ السَّرِقَةُ، أَوْ هَذَا الزِّنَى، أَوْ هَذَا الْقَتْلُ الْمُعَيَّنُ، أَوْ سَرِقَةُ زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو أَوْ زِنَاهُمَا أَوْ قَتْلُهُمَا، فَإِنَّمَا عَرَضَ ذَلِكَ ضَرُورَةُ تَعَيُّنِ الْمَحَلِّ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الشَّرْعِ هَاهُنَا إِنَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى الصَّلَاةِ الْكُلِّيَّةِ، أَعْنِي صُورَةَ الصَّلَاةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الذِّهْنِ الَّتِي يَصِحُّ صُدُورُهَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ

стр. 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَحِقَهَا حُكْمُ الشَّرْعِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَصٌّ خَالٍ عَنْ مَعَارِضٍ، وَحِينَئِذٍ تَتَحَقَّقُ الْجِهَتَانِ كَمَا قُلْنَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَاعِدَةَ وُجُوبُ تَصْحِيحِ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ الْمُكَلَّفِينَ مَا وُجِدَ السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ، خُصُوصًا الْعِبَادَاتُ الَّتِي هِيَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ . فَقَوْلُنَا فِي تَصْحِيحِهَا جَارٍ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَقَوْلُ الْخَصْمِ فِي إِبْطَالِهَا خَارِجٌ عَنْهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مُوَافَقَةَ الْقَوَاعِدِ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهَا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً، وَالْغَصْبَ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً، وَالْعِنَايَةُ بِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ أَشَدَّ مِنَ الْعِنَايَةِ بِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَسَاوِيَهَا، لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْمَصْلَحَةِ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ، وَدَفْعَ الْمُفْسِدَةِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مَا يَعْرِضُ مِنَ الضَّرَرِ بِسَبَبِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، فَنَحْنُ فِي تَصْحِيحِنَا لِلصَّلَاةِ جَمَعْنَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ: تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بِتَصْحِيحِهَا، وَدَفْعِ مَفْسَدَةِ الْغَصْبِ بِتَأْثِيمِ فَاعِلِهِ، وَالْخَصْمُ بِإِبْطَالِ الصَّلَاةِ أَلْغَى تَحْصِيلَ مَصْلَحَتِهَا، فَكَانَ مَا اخْتَرْنَاهُ أَوْلَى. وَقَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: كَمَا أَنَّ دَفْعَ الْمُفْسِدَةِ مَقْصُودٌ لِمَا يَعْرِضُ مِنْهَا مِنَ الضَّرَرِ كَذَلِكَ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ مَقْصُودٌ لِمَا يَعْرِضُ مِنْهُ مِنَ النَّفْعِ، فَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ، فَلَا تَكُونُ الْعِنَايَةُ بِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ أَرْجَحُ. وَالْجَوَابُ أَنَّا قَدْ قُلْنَا: إِنْ لَمْ تَكُنِ الْعِنَايَةُ بِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ أَشَدُّ فَلَا أَقَلَّ مِنَ التَّسَاوِي، وَإِذَا تَسَاوَيَا كَانَ تَعْيِينُ دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْغَصْبِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ،

стр. 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَحْصِيلُ الْأَمْرَيْنِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ قِيلَ: تَصْحِيحُ الصَّلَاةِ حَقُّ اللَّهِ ، وَدَفْعُ مَفْسَدَةِ الْغَصْبِ بِإِبْطَالِهَا حَقَّ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ مُحَافَظَةِ الشَّرْعِ عَلَى حَقِّهِ لِفَقْرِهِ، وَغِنَى اللَّهِ . قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ رُجْحَانَ حَقِّ الْعَبْدِ. وَالْقَاعِدَةُ الَّتِي يَقُولُهَا الْفُقَهَاءُ بَاطِلَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇: دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى وَتَتَحَاصُّ الزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالدَّيْنُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا تَرْجِيحَ حَقِّ الْعَبْدِ، لَكِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ هُنَا يَحْصُلُ بِتَأْثِيمِ الْغَاصِبِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِبْطَالِ الصَّلَاةِ، غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ إِبْطَالَ الصَّلَاةِ أَبْلَغُ فِي تَحْصِيلِ حَقِّ الْعَبْدِ بِدَفْعِ مَفْسَدَتِهِ وَحَسْمِ بَابِ الْغَصْبِ عَنْهُ، لَكِنَّ الْأَبْلَغِيَّةَ لَا ضَرُورَةَ إِلَيْهَا وَلَا حَاجَةَ مَعَ مُعَارَضَةِ مَفْسَدَةِ إِبْطَالِ الْعِبَادَةِ لَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 324

تَنْبِيهٌ: مُصَحِّحُو هَذِهِ الصَّلَاةِ قَالُوا: النَّهْيُ، إِمَّا رَاجِعٌ إِلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَيُضَادُّ وُجُوبَهُ، نَحْوُ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ، أَوْ إِلَى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، نَحْوُ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ مَعَ «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ» ، فَلَا يُضَادُّهُ، فَيَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، أَوْ إِلَى وَصْفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَطْ، نَحْوَ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ مَعَ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ وَ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» ، وَكَالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَمَاكِنِ وَالْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَكَإِحْلَالِ الْبَيْعِ مَعَ الْمَنْعِ مَعَ الرِّبَا فَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. ــ «تَنْبِيهٌ» : مِنْ أَصْلِ الْمُخْتَصَرِ. قَوْلُهُ: «مُصَحِّحُو هَذِهِ الصَّلَاةِ» يَعْنِي: الصَّلَاةَ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ. «قَالُوا: النَّهْيُ» إِلَى آخِرِهِ، يَعْنِي: قَالُوا: النَّهْيُ إِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ إِلَى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، أَوْ إِلَى وَصْفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. فَالرَّاجِعُ إِلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يُضَادُّ وُجُوبَهُ، نَحْوُ: لَا تَقْرَبُوا الزِّنَى، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ، وَنَحْوُهُ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ لِأَعْيَانِهَا وَحَقَائِقِهَا، فَإِيجَابُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَنْهِيَّاتِ مَعَ قِيَامِ النَّهْيِ عَنْهَا مُتَضَادٌّ قَطْعًا، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا تَقْرَبُوا الزِّنَى وَقَدْ أَوْجَبْتُهُ عَلَيْكُمْ، إِذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَطْلُوبُ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ. وَالنَّهْيُ الرَّاجِعُ إِلَى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٨] ، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٣] ، مَعَ قَوْلِهِ ﵇: لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي النَّهْيِ لِلصَّلَاةِ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ مُضَادًّا لِلنَّهْيِ، فَيَصِحَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ حَرِيرٍ أَوْ ذَهَبٍ. «لِكُلٍّ» ، أَيْ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ «حُكْمُهُ» ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ مُطِيعًا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، وَيُثَابُ عَلَيْهَا، عَاصِيًا بِلُبْسِ الْحَرِيرِ، وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ.

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَوْلُنَا: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي النَّهْيِ لِلصَّلَاةِ احْتِرَازٌ مِمَّا لَوْ تَعَرَّضَ لَهَا فِيهِ بِأَنْ قَالَ: لَا تُصَلِّ فِي ثَوْبٍ حَرِيرٍ، أَوْ لَا تَلْبَسِ الْحَرِيرَ فِي الصَّلَاةِ، إِذْ يَصِيرُ النَّهْيُ رَاجِعًا إِلَى ذَاتِ الصَّلَاةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَإِلَى شَرْطِهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَكِلَاهُمَا مُبْطِلٌ. وَقَدْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ الْغَصْبِ وَالْحَرِيرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَلْبُوسَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، بِنَاءً عَلَى مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَا دَامَ عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَعَلَّلَ بِالْحُرْمَةِ فِي ثَمَنِ الثَّوْبِ، فَيَحْرُمُ لُبْسُهُ لِذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي صَلَاةِ مَنْ فِي يَدِهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، لِأَنَّهُ ارْتِكَابٌ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ رُجُوعِ النَّهْيِ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْأَشْبَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَا اخْتَرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، وَبَعْضُهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ بَعْضٍ. وَالرَّاجِعُ إِلَى وَصْفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَطْ، نَحْوُ قَوْلِهِ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٣] ، مَعَ قَوْلِهِ : ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النِّسَاءِ: ٤٣] ، وَقَوْلِهِ ﵇: دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ، وَكَالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَمَاكِنِ السَّبْعَةِ وَأَوْقَاتِ النَّهْيِ الْخَمْسَةِ، وَكَإِحْلَالِ الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] ، مَعَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٠] ، ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٨] ، فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِمَا سَيَأْتِي فِي الدَّلِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 326

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ فَاسِدٌ غَيْرُ بَاطِلٍ، إِعْمَالًا لِدَلِيلَيِ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ. لَنَا: أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ، لَيْسَ هَذِهِ الصِّفَةَ، بَلِ الْمَوْصُوفُ بِهَا، وَإِلَّا لَلَزِمَ صِحَّةُ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ، إِذِ النَّهْيُ عَنْهَا لِوَصْفِهَا، وَهُوَ تَضَمُّنُهَا الْغَرَرَ، لَا لِكَوْنِهَا بَيْعًا، إِذِ الْبَيْعُ مَشْرُوعٌ إِجْمَاعًا. ــ «وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ» يَعْنِي هَذَا الْمَنْهِيَّ عَنْ وَصْفِهِ «فَاسِدٌ غَيْرُ بَاطِلٍ» ، وَهُوَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى «إِعْمَالًا» أَيْ: فَرَّقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ «إِعْمَالًا لِدَلِيلَيِ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ» وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ نَظَرَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَنَحْوِهَا، فَرَآهَا مِنْ حَيْثُ ذَوَاتِهَا مَشْرُوعَةً، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِهَا مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهَا عَلَى حَالٍ وَوَصْفٍ مَمْنُوعٍ، كَالصَّلَاةِ: هِيَ فِي نَفْسِهَا مَشْرُوعَةٌ، لَكِنَّ إِيقَاعَهَا فِي حَالِ السُّكْرِ وَالْحَيْضِ أَوْ فِي الْأَمَاكِنِ وَالْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَاتِّصَافَهَا بِذَلِكَ هُوَ الْمَمْنُوعُ، وَالْبَيْعُ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مَشْرُوعٌ، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ إِيقَاعُهُ عَلَى صِفَةِ الرِّبَا أَوْ مُقْتَرِنًا بِشَرْطٍ فَاسِدٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ: إِنَّ بَيْعَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ يَصِحُّ، وَتَلْغُو الزِّيَادَةُ وَتَلْزَمُ بِاتِّصَالِ الْقَبْضِ بِهِ، وَيَكُونُ مَكْرُوهًا لِتَعَلُّقِ النَّهْيِ بِوَصْفِهِ وَاتِّصَافِهِ بِالْفَسَادِ وَكَذَلِكَ الطَّوَافُ مَشْرُوعٌ، وَإِيقَاعُهُ مَعَ الْحَدَثِ مَمْنُوعٌ، وَالطَّلَاقُ مَشْرُوعٌ، وَإِيقَاعُهُ فِي الْحَيْضِ مَمْنُوعٌ، وَالسَّفَرُ مَشْرُوعٌ، وَقَصْدُ الْإِبَاقِ فِيهِ عَنِ السَّيِّدِ مَمْنُوعٌ، فَلِذَلِكَ أَجَازَ التَّرَخُّصَ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ، وَصَحَّحَ طَوَافَ الْمُحْدِثِ، وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ. قَالَ: فَمَطْلُوبِيَّةُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ حَيْثُ ذَوَاتِهَا دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَتَعَلُّقُ النَّهْيِ بِهَا مِنْ

стр. 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جِهَةِ أَوْصَافِهَا دَلِيلُ الْمَنْعِ، وَإِعْمَالُ الدَّلِيلِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، فَأَعْمَلْنَا الدَّلِيلَيْنِ، وَجَعَلْنَا هَذَا الْقِسْمَ وَاسِطَةً بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَسَمَّيْنَاهُ: الْفَاسِدَ، فَيَصِحُّ لِدَلِيلِ الصِّحَّةِ، لَكِنْ مَعَ ضَعْفٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْضِمَامٍ مُقَوٍّ إِلَيْهِ، كَالْقَبْضِ فِي بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، أَوْ مَعَ كَرَاهَةٍ كَطَوَافِ الْمُحْدِثِ لِدَلِيلِ الْمَنْعِ. قَوْلُهُ: «لَنَا» أَيْ: عَلَى أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَرْجِعُ النَّهْيُ عَنْهُ إِلَى ذَاتِهِ «أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لَيْسَ هَذِهِ الصِّفَةَ بَلِ الْمَوْصُوفُ بِهَا» ، فَلَيْسَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَصْفَ الصَّلَاةِ بِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي حَالِ السُّكْرِ، وَلَا وَصْفَ الْبَيْعِ بِأَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى زِيَادَةٍ رِبَوِيَّةٍ، وَلَا وَصْفَ الطَّوَافِ بِوُقُوعِهِ فِي حَالِ الْحَدَثِ، وَنَحْوَهُ مِنَ الصُّوَرِ، بَلِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ نَفْسُ الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ حَالَ السُّكْرِ، وَنَفْسُ الْبَيْعِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الزِّيَادَةِ، وَنَفْسُ الطَّوَافِ الْوَاقِعِ حَالَ الْحَدَثِ، كَمَا أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ نَفْسُ الزِّنَى الْوَاقِعِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَرْثِ شَرْعًا. قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَلَزِمَ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَةِ لَلَزِمَ صِحَّةُ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِهَا إِنَّمَا هُوَ لِصِفَةٍ وَهُوَ تَضَمُّنُهُ الْغَرَرَ، لَا لِكَوْنِهِ بَيْعًا، إِذِ الْبَيْعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ بَيْعٌ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَمَا بَطَلَ بَيْعُ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ بِاتِّفَاقٍ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى جِهَةِ بَيْعٍ

стр. 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَشْرُوعٍ وَوَصْفٍ مَمْنُوعٍ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مَا قَالَ فِي بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ لَا إِلَى صِفَةِ الذَّاتِ، وَقَدْ نَبَّهْتُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى أَنَّ تَلْخِيصَ مَأْخَذِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّهْيَ فِيهَا عَنِ الْمَوْصُوفِ أَوْ عَنِ الصِّفَةِ. تَنْبِيهَانِ: اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَدْخَلُ فِي التَّدْقِيقِ وَأَشْبَهُ بِالتَّحْقِيقِ، ثُمَّ لَمَّا تَقَرَّرَ هَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، خَرَجَ عَنْ قَاعِدَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ بَعْضُ الصُّوَرِ، فَاحْتَاجَ ذَلِكَ إِلَى جَوَابٍ. أَمَّا مَنْ قَالَ: يَرْجِعُ النَّهْيُ إِلَى الْمَوْصُوفِ لَا إِلَى الصِّفَةِ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ نَحْوُ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، فَإِنَّهُ يُنْفِذُهُ وَيُوقِعُهُ، مَعَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ يَقْتَضِي تَعَلُّقَهُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الدَّلِيلَ لَمَّا قَامَ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، صَرَفْنَا النَّهْيَ عَنْهُ إِلَى مَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، جَمْعًا بَيْنَ دَلِيلِ النُّفُوذِ وَاحْتِيَاجِ النَّهْيِ إِلَى مُتَعَلِّقٍ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: يَرْجِعُ النَّهْيُ إِلَى وَصْفِ الْفِعْلِ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ مِثْلُ صَلَاةِ الْمُحْدِثِ وَالْحَائِضِ، فَإِنَّ دَلِيلَهُ يَقْتَضِي صِحَّتَهَا، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الصَّلَاةَ لِذَاتِهَا مَطْلُوبَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ إِيقَاعُهَا حَالَ الْحَدَثِ وَالْحَيْضِ. فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ، فَانْتَفَتْ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهَا بِالْحَدَثِ وَالْحَيْضِ، بِخِلَافِ طَوَافِ الْمُحْدِثِ، إِذْ لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لِلطَّوَافِ.

стр. 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَذَلِكَ يَتَأَتَّى الْجَوَابُ عَنْ لُحُوقِ النَّسَبِ فِي الزِّنَى، حَيْثُ كَانَ طَلَبُ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ مَشْرُوعًا، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ إِيقَاعُهُ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ. فَيُقَالُ: دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ لُحُوقِهِ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ شَرْعًا بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، فَانْتَفَى اللُّحُوقُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُ الْأَمْرِ يَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الْقَوَاعِدِ بِالدَّلِيلِ، وَهُوَ جَائِزٌ، كَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَالْقِيَاسِ. نَعَمْ قَدْ يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِقِلَّةِ التَّخْصِيصِ، لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَأَيُّ الْمَذْهَبَيْنِ كَانَ التَّخْصِيصُ عَلَيْهِ أَقَلَّ كَانَ رَاجِحًا، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِاسْتِقْرَاءِ فُرُوعِ الْقَاعِدَةِ. التَّنْبِيهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلِي فِي «الْمُخْتَصَرِ» : «أَوْ إِلَى وَصْفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَطْ» ، مَعَ قَوْلِي بَعْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لَيْسَ هَذِهِ الصِّفَةَ بَلِ الْمَوْصُوفُ بِهَا» ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ، لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْمَوْصُوفَ لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ رَاجِعًا إِلَى وَصْفِهِ فَقَطْ. وَإِنَّمَا تَابَعْتُ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ وَهُوَ تَابَعَ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ، وَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَاهُ جَمِيعًا، وَإِذَا تَأَمَّلْتَهُ أَنْتَ عَرَفْتَهُ، وَلَمْ أَتَنَبَّهْ لِهَذَا إِلَّا الْآنَ. وَكَذَلِكَ قَوْلِي فِيهِ: «وَإِلَّا لَلَزِمَ صِحَّةُ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ إِذِ النَّهْيُ عَنْهَا لِوَصْفِهَا وَهُوَ تَضَمُّنُهَا الْغَرَرَ» . الصَّوَابُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِذِ النَّهْيُ عَنْهُ لِوَصْفِهِ وَهُوَ تَضَمُّنُهُ

стр. 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْغَرَرَ رَدًّا لِلضَّمِيرِ إِلَى الْبَيْعِ لَا إِلَى الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا أَقْرَبُ، وَالْمَضَامِينُ: مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ مِنَ الْمَاءِ، وَالْمَلَاقِيحُ: مَا فِي بُطُونِ النُّوقِ مِنَ الْأَجِنَّةِ، الْوَاحِدُ مَلْقُوحَةٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْجَوْهَرِيُّ.

стр. 331

الْمَكْرُوهُ: ضِدُّ الْمَنْدُوبِ. وَهُوَ مَا مُدِحَ تَارِكُهُ، وَلَمْ يُذَمَّ فَاعِلُهُ. وَقِيلَ: مَا تَرَجَّحَ تَرْكُهُ عَلَى فِعْلِهِ، مِنْ غَيْرِ وَعِيدٍ فِيهِ. وَقِيلَ: مَا تَرْكُهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهِ، كَذَلِكَ. وَمَعَانِيهَا وَاحِدَةٌ. وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِانْقِسَامِ النَّهْيِ إِلَى كَرَاهَةٍ وَحَظْرٍ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِتَنَافِيهِمَا. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحَرَامِ، كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُتَوَضَّأَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَعَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى. وَإِطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ يَنْصَرِفُ إِلَى التَّنْزِيهِ. ــ «قَوْلُهُ: الْمَكْرُوهُ ضِدُّ الْمَنْدُوبِ» قُلْتُ: يَظْهَرُ تَضَادُّهُمَا مِنْ حُدُودِهِمَا عَلَى مَا مَضَى فِي الْمَنْدُوبِ وَذُكِرَ هُنَا. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ تَقْسِيمِ الْخِطَابِ إِلَى الْأَحْكَامِ أَنَّ الْمَنْدُوبَ: هُوَ الْمَأْمُورُ غَيْرُ الْجَازِمِ، وَالْمَكْرُوهَ: الْمَنْهِيُّ غَيْرُ الْجَازِمِ، فَالْمَنْدُوبُ قَسِيمُ الْوَاجِبِ فِي الْأَمْرِ، وَالْمَكْرُوهُ قَسِيمُ الْحَرَامِ فِي النَّهْيِ، فَتَحَقَّقَتِ الضِّدِّيَّةُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَادَّةِ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتِهِمَا وَمَادَّتِهِمَا، وَالْمَنْهِيُّ وَالْمَكْرُوهُ مَا نَفَرَ عَنْهُ الطَّبْعُ وَالشَّرْعُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْكَرِيهَةُ: الشِّدَّةُ فِي الْحَرْبِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْكُرْهُ بِالضَّمِّ: الْمَشَقَّةُ. قُلْتُ: فَيَجُوزُ اشْتِقَاقُ الْمَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الطَّبْعَ وَالشَّرْعَ لَا يُنَفِّرَانِ إِلَّا عَنْ

стр. 332

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شِدَّةٍ وَمَشَقَّةٍ بِحَسَبِ حَالِهِمَا. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْمَكْرُوهَ «مَا مُدِحَ تَارِكُهُ وَلَمْ يُذَمَّ فَاعِلُهُ» فَمَا مُدِحَ تَارِكُهُ يَتَنَاوَلُ الْحَرَامَ. وَبِقَوْلِنَا: «وَلَمْ يُذَمَّ فَاعِلُهُ» يَخْرُجُ الْحَرَامُ، لِأَنَّ فَاعِلَهُ مَذْمُومٌ. «وَقِيلَ: مَا تَرَجَّحَ تَرْكُهُ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ وَعِيدٍ فِيهِ» وَبِهَذَا الْقَيْدِ الْأَخِيرِ أَيْضًا يَخْرُجُ الْحَرَامُ. «وَقِيلَ: مَا تَرْكُهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهِ» وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يَتَنَاوَلُ الْحَرَامَ، لِأَنَّ تَرْكَهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهِ، لَكِنْ إِنَّمَا قَيَّدْتُهُ بِقَوْلِي، «كَذَلِكَ» أَيْ: مِنْ غَيْرِ وَعِيدٍ فِي فِعْلِهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْحَدِّ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ: هُوَ مَا تَرَجَّحَ تَرْكُهُ عَلَى فِعْلِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ، وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَ. قَوْلُهُ: «وَمَعَانِيهَا وَاحِدَةٌ» أَيْ: مَعَانِي هَذِهِ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ لِلْمَكْرُوهِ وَاحِدَةٌ لِاشْتِرَاكِ جَمِيعِهَا فِي أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهَا الْمَطْلُوبُ تَرْكُهُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْمَكْرُوهَ «مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِانْقِسَامِ النَّهْيِ إِلَى كَرَاهَةٍ وَحَظْرٍ» ، وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرِكٌ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَيَتَّجِهُ فِي كَوْنِ الْمَكْرُوهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ مَا اتَّجَهَ فِي كَوْنِ الْمَنْدُوبِ مَأْمُورًا بِهِ، لِأَنَّهُ مُقَابِلُهُ وَفِي وِزَانِهِ. قَوْلُهُ: «فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِتَنَافِيهِمَا» . هَذِهِ الْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ، أَيْ: لَمَّا كَانَ الْمَكْرُوهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ، فَكَوْنُهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ هُوَ السَّبَبُ فِي عَدَمِ

стр. 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ لَهُ لِتَنَافِيهِمَا، أَيْ: لِتَنَافِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي إِيجَادَ الْفِعْلِ، وَالنَّهْيَ الصَّادِقَ عَلَى الْكَرَاهَةِ يَقْتَضِي الْكَفَّ عَنِ الْفِعْلِ بِالْجُمْلَةِ فَيَتَنَافَيَانِ. فَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ بِالصَّلَاةِ لَا يَتَنَاوَلُ الصَّلَاةَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى السَّدْلِ وَالتَّخَصُّرِ وَرَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ وَاشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَالِالْتِفَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ فِيهَا، وَالْأَمْرُ بِالطَّوَافِ لَا يَتَنَاوَلُ طَوَافَ الْمُحْدِثِ عِنْدَ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ لَهُ الْوُضُوءَ. قَوْلُهُ: «وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحَرَامِ» أَيِ: الْمَكْرُوهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحَرَامِ «كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُتَوَضَّأَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» أَيْ: يَحْرُمُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى، كَقَوْلِهِ: وَمَنْ صَلَّى صَلَاةً بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ كَرِهْنَا لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُعِيدُ، أَيِ: الْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ أَوْ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا تَرَكَ ذَلِكَ الْأَوْلَى. قَالَ الْآمِدِيُّ: قَدْ يُطْلَقُ الْمَكْرُوهُ عَلَى الْحَرَامِ وَعَلَى مَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَعَلَى تَرْكِ مَا فِعْلُهُ رَاجِحٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهُ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ تَرْكُ الْأَوْلَى كَمَا ذَكَرْنَا، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَنْفِرُ مِنْهَا النَّفْسُ شَرْعًا. قَوْلُهُ: «وَإِطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ يَنْصَرِفُ إِلَى التَّنْزِيهِ» أَيْ: إِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الْمَكْرُوهِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، وَانْصَرَفَ إِلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَحْظُورِ، وَهُوَ مَا تَرَجَّحَ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ وَعِيدٍ فِيهِ إِلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَصْرِفُهُ إِلَى التَّحْرِيمِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ وَأَئِمَّةِ الْعِلْمِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا لَفْظُ الْكَرَاهَةِ وَمَعْنَاهَا التَّحْرِيمُ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى إِرَادَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ إِطْلَاقَ الْكَرَاهَةِ يَنْصَرِفُ إِلَى التَّنْزِيهِ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ كَمَا ذَكَرْنَا خَمْسَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَدْ خُصَّ بِاسْمٍ غَلَبَ عَلَيْهِ، كَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْحَرَامِ وَالْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ اخْتِصَاصَ مُسَمَّى الْمَكْرُوهِ بِاسْمِهِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ أُسْوَةً بِبَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ، وَلَا مَعْنَى لِغَلَبَةِ اسْمِهِ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إِلَى مُسَمَّاهُ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ.

стр. 335

الْمُبَاحُ: مَا اقْتَضَى خِطَابُ الشَّرْعِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، مِنْ غَيْرِ مَدْحٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَلَا ذَمٍّ. ــ قَوْلُهُ: «الْمُبَاحُ» إِلَى آخِرِهِ، اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى أَقْسَامِ اقْتِضَاءِ الْخِطَابِ فِعْلًا أَوْ كَفًّا، وَهِيَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمَحْظُورُ وَالْمَكْرُوهُ، أَخَذَ يُبَيِّنُ قِسْمَ تَخْيِيرِ الْخِطَابِ وَهُوَ الْمُبَاحُ. وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِبَاحَةِ، وَهِيَ الْإِظْهَارُ، يُقَالُ: بَاحَ بِسِرِّهِ، إِذَا: أَظْهَرَهُ، وَقِيلَ: مِنْ بَاحَةِ الدَّارِ وَهِيَ سَاحَتُهَا، وَفِيهِ مَعْنَى السِّعَةِ وَانْتِفَاءِ الْعَائِقِ، لِأَنَّ السَّاحَةَ تَتَّسِعُ لِلتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالسَّعْيِ وَالْحَرَكَةِ بِحَسْبِهَا، وَالْعَائِقُ مِنْ ذَلِكَ مُنْتَفٍ فِيهَا. أَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ: «مَا اقْتَضَى خِطَابُ الشَّرْعِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ مَدْحٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَلَا ذَمٍّ» أَيْ: مِنْ غَيْرِ مَدْحٍ يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا ذَمٍّ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلَى خِطَابِ الشَّارِعِ بِالتَّخْيِيرِ فِيهِ «مِنْ غَيْرٍ بَدَلٍ» . قُلْتُ: احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ «مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ» مِنَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَالْمُخَيَّرِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّ التَّخْيِيرَ لَاحِقٌ لَهَا، لَكِنْ بِشَرْطِ الْإِتْيَانِ بِالْبَدَلِ كَمَا سَبَقَ.

стр. 336

وَهُنَا مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ. لَنَا: الْأَمْرُ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ، وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ. قَالَ: الْمُبَاحُ تَرْكُ الْحَرَامِ، وَهُوَ وَاجِبٌ، فَالْمُبَاحُ وَاجِبٌ. قُلْنَا: يَسْتَلْزِمُهُ، وَيَحْصُلُ بِهِ، لَا أَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِهِ. ثُمَّ يُتْرَكُ الْحَرَامُ بِبَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ، فَلْتَكُنْ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ. وَهُوَ بَاطِلٌ. ــ قَوْلُهُ: " وَهُنَا " أَيْ: فِي الْمُبَاحِ، " مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ " عِنْدَ الْجُمْهُورِ " خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ " مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِ. وَقَوْلُهُ: " لَنَا " إِلَى آخِرِهِ، هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ " الْأَمْرَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ " أَيْ: تَرْجِيحَ إِيجَادِ الْفِعْلِ، " وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ " أَمَّا أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ، فَلِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ، وَالطَّلَبُ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ، وَإِلَّا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى اقْتِضَاءِ إِيجَادِ الْفِعْلِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: افْعَلْ كَذَا، يُفْهَمُ مِنْهُ اقْتِضَاءُ إِيجَادِ ذَلِكَ الْفِعْلِ لُغَةً وَعُرْفًا، فَلَوْ كَانَتْ دَلَالَةُ قَوْلِهِ: " افْعَلْ " عَلَى إِيجَادِ الْفِعْلِ وَعَدَمِهِ سَوَاءً، لَكَانَ فَهْمُ اقْتِضَاءِ الْإِيجَادِ دُونَ عَدَمِهِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ، فَلَمَّا مَرَّ فِي حَدِّهِ مِنْ أَنَّهُ خِطَابُ تَخْيِيرٍ وَتَسْوِيَةٍ بَيْنَ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ، وَذَلِكَ لَا رُجْحَانَ فِيهِ.

стр. 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ - وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمُبَاحِ - لَزِمَ أَنَّ الْمُبَاحَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، فَالْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ. وَيَنْتَظِمُ شَكْلُ الدَّلِيلِ هَكَذَا: الْمُبَاحُ لَا تَرْجِيحَ فِيهِ، وَكُلُّ مَا لَا تَرْجِيحَ فِيهِ فَهُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، فَالْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ. أَوْ هَكَذَا: الْمَأْمُورُ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ، وَكُلُّ مَا اسْتَلْزَمَ التَّرْجِيحَ، فَلَيْسَ بِمُبَاحٍ اصْطِلَاحِيٍّ، فَالْمَأْمُورُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ اصْطِلَاحِيٍّ، ثُمَّ تَنْعَكِسُ كِلْتَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْمُبَاحُ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ. قَوْلُهُ: " قَالَ " يَعْنِي: الْكَعْبِيَّ مُحْتَجًّا عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ مَأْمُورٌ بِهِ. وَتَقْرِيرُ حُجَّتِهِ: أَنَّ الْمُبَاحَ تَرْكُ حَرَامٍ وَهُوَ " أَيْ: تَرْكُ الْحَرَامِ " وَاجِبٌ " فَالْمُبَاحُ وَاجِبٌ. أَمَّا أَنَّ الْمُبَاحَ تَرْكُ حَرَامٍ، فَلِأَنَّهُ مَا مِنْ مُبَاحٍ إِلَّا وَالتَّلَبُّسُ بِهِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ مُحَرَّمٍ، بَلْ مُحَرَّمَاتٍ، كَشُرْبِ الْمَاءِ، وَأَكْلِ الطَّعَامِ، وَالتَّنَزُّهِ فِي الْأَمَاكِنِ بِالْمَشْيِ وَالْحَرَكَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الزِّنَى وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَقَطْعَ الطَّرِيقِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ. وَأَمَّا أَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، فَبِاتِّفَاقٍ. قَوْلُهُ: " قُلْنَا يَسْتَلْزِمُهُ " إِلَى آخِرِهِ، هَذَا جَوَابُ حُجَّةِ الْكَعْبِيِّ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُبَاحَ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْحَرَامِ، وَيَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، لَا أَنَّ الْمُبَاحَ هُوَ تَرْكُ الْحَرَامِ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ تَرْكَ الشَّيْءِ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَهُ، لِيَصِحَّ قَصْدُ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ، كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَهُ، لِيَصِحَّ قَصْدُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فَاعِلَ الْمُبَاحِ قَدْ يَكُونُ غَافِلًا عَنْ تَصَوُّرِ حَقِيقَةِ تَرْكِ الْحَرَامِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ فَضْلًا عَنْ تَصَوُّرِ حَقِيقَةِ الْحَرَامِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْمُبَاحِ هُوَ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَامِ؟ وَنَحْنُ ذَكَرْنَا هَذَا تَقْرِيرًا لِدَعْوَانَا، وَإِلَّا فَالْكَعْبِيُّ قَدْ كَفَانَا مُؤْنَةَ ذَلِكَ بِمُوَافَقَتِهِ

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ فِي تَقْرِيرِ حُجَّتِهِ: مَا مِنْ مُبَاحٍ إِلَّا وَالتَّلَبُّسُ بِهِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ حَرَامٍ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: تَرْكُ الْحَرَامِ لَازِمٌ لِفِعْلِ الْمُبَاحِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ اللَّازِمِ وَاجِبًا لِذَاتِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَلْزُومُ كَذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أَدَّعِي وُجُوبَ الْمُبَاحِ لِذَاتِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ اسْتِلْزَامُهُ الْوَاجِبَ، وَكَوْنُهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، فَيَصِيرُ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ. قُلْنَا: رَجَعَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا لِأَنَّا لَا نُنَازِعُكَ فِي وُجُوبِهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، فَأَنْتَ تَقُولُ: الْمُبَاحُ وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَيْسَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: " ثُمَّ قَدْ يُتْرَكُ الْحَرَامُ "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا إِلْزَامٌ لِلْكَعْبِيِّ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ إِنْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُبَاحُ مَأْمُورًا بِهِ وَاجِبًا، لِأَنَّهُ يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ، لَزِمَ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ كَالْمَكْتُوبَةِ مَثَلًا إِذْ يُتْرَكُ بِهَا الزِّنَى وَاجِبًا، وَالْمَنْدُوبُ كَالسِّوَاكِ، إِذْ يُتْرَكُ بِهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَاجِبًا، وَالْحَرَامُ كَشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا، إِذْ يُتْرَكُ بِهِ اللِّوَاطُ وَسَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ وَاجِبًا وَهُوَ بَاطِلٌ. إِذْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْدُوبُ وَالْحَرَامُ وَاجِبًا، وَيَكُونُ الْوَاجِبُ وَاجِبًا مَرَّتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ وُجُوبِهِ فِي نَفْسِهِ، وَمِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْحَرَامِ بِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا قَدِ الْتَزَمَهُ الْكَعْبِيُّ. وَإِذَا تَحَقَّقَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ بِمَا ذَكَرْنَا، فَلَيْسَ الْتِزَامُ ذَلِكَ مُحَالًا وَلَا

стр. 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَعِيدًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْجِهَتَيْنِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ وَاجِبًا مَرَّتَيْنِ مِنْ جِهَتَيْنِ، وَالسِّوَاكُ مَنْدُوبًا وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْحَرَامُ أَوِ الْمَكْرُوهُ وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَا أَلْزَمُوهُ مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ خَمْسَةٌ، وَعَلَى قَوْلِكَ: إِنَّ الْمُبَاحَ وَاجِبٌ تَكُونُ أَرْبَعَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّهُ حَمَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَوَاتِ الْأَحْكَامِ مِنْ جِهَةِ تَحَقُّقِهَا فِي أَنْفُسِهَا، أَمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّلَبُّسَ بِهَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ، فَهِيَ أَرْبَعَةٌ. بَلْ هِيَ حُكْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْوَاجِبُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ يُلَاحِظُ الْجِهَتَيْنِ، فَيَصِحُّ قَوْلُهُ، وَيَصِيرُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا كَمَا قَرَّرْنَاهُ.

стр. 340

الثَّانِيَةُ: الِانْتِفَاعُ بِالْأَعْيَانِ قَبْلَ الشَّرْعِ، عَلَى الْإِبَاحَةِ عِنْدَ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَى الْحَظْرِ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَعَلَى الْوَقْفِ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْخَرَزِيِّ وَالْوَاقِفِيَّةِ. ــ الْمَسْأَلَةُ «الثَّانِيَةُ» : يَعْنِي مِنْ مَسْأَلَتَيِ الْمُبَاحِ «الِانْتِفَاعُ بِالْأَعْيَانِ قَبْلَ» وُرُودِ «الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ» أَيْ: عَلَى حُكْمِ الْإِبَاحَةِ مَحْكُومٌ بِإِبَاحَتِهِ «عِنْدَ» أَبِي الْحَسَنِ «التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ» مِنْ أَصْحَابِنَا «وَ» عِنْدَ «الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ» يَعْنِي الِانْتِفَاعَ بِالْأَعْيَانِ «عَلَى الْحَظْرِ» وَهُوَ الْمَنْعُ «عِنْدَ» أَبِي عَبْدِ اللَّهِ «ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي» أَبِي يَعْلَى «وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ» ، وَهُوَ - أَعْنِي الِانْتِفَاعَ - «عَلَى الْوَقْفِ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْخَرَزِيِّ» مِنْ أَصْحَابِنَا «وَالْوَاقِفِيَّةِ» وَهُمُ الَّذِينَ يَقِفُونَ فِي الْأَحْكَامِ عِنْدَ تَجَاذُبِ الْأَدِلَّةِ لَهَا. هَذَا نَقْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ مُطْلَقًا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْقَصَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالْحَظْرِ مُطْلَقًا الْأَبْهَرِيُّ مِنْهُمْ أَيْضًا. أَمَّا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، فَحَكَى عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ فِيمَا لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فِيهِ مِنَ الْأَفْعَالِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ ضَرُورَةً أَوْ نَظَرًا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْإِبَاحَةُ وَالْحَظْرُ وَالْوَقْفُ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ فِرَقِهِمْ. وَالْآمِدِيُّ حَقَّقَ هَذَا النَّقْلَ وَفَصَّلَهُ فَقَالَ: الْمُعْتَزِلَةُ قَسَّمُوا الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ إِلَى مَا حَسَّنَهُ الْعَقْلُ، فَمِنْهُ وَاجِبٌ وَمِنْهُ مَنْدُوبٌ وَمِنْهُ مُبَاحٌ، وَإِلَى مَا قَبَّحَهُ الْعَقْلُ، فَمِنْهُ حَرَامٌ، وَمِنْهُ مَكْرُوهٌ، وَإِلَى مَا لَمْ يَقْضِ الْعَقْلُ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ. قُلْتُ: هَذَا بَعْضُ مَا نُقِلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ مِنْ فُرُوعِ تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ لِنَتَكَلَّمْ عَلَى أَدِلَّةِ «الْمُخْتَصَرِ» .

стр. 341

الْمُبِيحُ: خَلْقُهَا لَا لِحِكْمَةٍ عَبَثٌ، وَلَا حِكْمَةَ إِلَّا انْتِفَاعُنَا بِهَا إِذْ هُوَ خَالٍ عَنْ مَفْسَدَةٍ كَالشَّاهِدِ. ــ قَوْلُهُ: «الْمُبِيحُ» ، أَيِ، احْتَجَّ الْقَائِلُ بِإِبَاحَةِ الْأَفْعَالِ فِي الْأَعْيَانِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِأَنْ قَالَ: «خَلْقُهَا لَا لِحِكْمَةٍ عَبَثٌ» إِلَى آخِرِهِ. وَتَقْرِيرُ حُجَّتِهِ أَنَّ خَلْقَ الْأَعْيَانِ لِغَيْرِ حِكْمَةٍ عَبَثٌ، وَالْبَارِئُ ﷻ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَبَثِ، «وَلَا حِكْمَةَ» فِي خَلْقِهَا «إِلَّا انْتِفَاعُنَا بِهَا» فَيَكُونُ مُبَاحًا، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ خَالٍ عَنْ مَفْسَدَةٍ كَمَا فِي الشَّاهِدِ، أَيِ: الْحُكْمُ الْمُشَاهَدُ بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَهُوَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ الْخَالِي عَنْ مَفْسَدَةٍ مُبَاحٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَالِاسْتِظْلَالِ بِجِدَارِ الْغَيْرِ وَالِاسْتِضَاءَةِ بِنَارِهِ. أَمَّا أَنَّ خَلْقَ الْأَعْيَانِ لِغَيْرِ حِكْمَةٍ عَبَثٌ، فَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا فَائِدَةَ لَهُ عَبَثٌ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعَبَثِ هُوَ الْفِعْلُ الْخَالِي عَنْ حِكْمَةٍ أَوْ خُلُوِّ الْفِعْلِ عَنْ حِكْمَةٍ، وَأَمَّا أَنَّ الْبَارِئَ ﷻ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَبَثِ فَلِقَوْلِهِ : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٥] ، أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ حُسْبَانَهُمْ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ عَبَثًا لَا لِحِكْمَةٍ وَلَا لِفَائِدَةٍ، وَالْعَبَثُ فِي اللُّغَةِ: اللَّعِبُ، بَلْ إِنَّمَا خَلَقَهُمْ لِحِكْمَةٍ، وَهِيَ الِامْتِحَانُ بِالتَّكْلِيفِ ثُمَّ الْجَزَاءُ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْهُمْ فِي الْمَعَادِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٦] ، أَيْ: عَمَّا ظَنَنْتُمُوهُ مِنَ الْعَبَثِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا حِكْمَةَ فِي خَلْقِهَا إِلَّا انْتِفَاعُنَا بِهَا، فَلِأَنَّ الْعَقْلَ وَالْعُرْفَ جَارِيَانِ بِأَنَّ الْحَكِيمَ إِذَا بَنَى دَارًا، وَمَلَأَهَا مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ، وَأَنْوَاعِ مَا

стр. 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وَدَعَا إِلَيْهَا النَّاسَ، أَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَالِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ، فَاللَّهُ أَحْكَمُ الْحُكَمَاءِ، وَهَذِهِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا دَارُهُ وَمُلْكُهُ، وَالْخَلْقُ ضُيُوفُهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إِذْنًا لَهُمْ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا هُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَمَّا أَنَّهُ انْتِفَاعٌ خَالٍ عَنْ مَفْسَدَةٍ، فَلِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ إِمَّا لُحُوقُ الضَّرَرِ بِالْمُنْتَفِعِ أَوْ بِالْمَالِكِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ. أَمَّا الْمُنْتَفِعُ، فَلِأَنَّ تَضَرُّرَهُ إِمَّا مِنْ جِهَةِ انْتِفَاعِهِ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ، أَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَأَمَّا الْمَالِكُ، فَهُوَ اللَّهُ ، وَلُحُوقُ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ لَهُ مُحَالٌ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْأَعْيَانِ قَبْلَ الشَّرْعِ مُبَاحٌ.

стр. 343

وَرُدَّ، بِأَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى لَا تُعَلَّلُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ صَبْرَ الْمُكَلَّفِ عَنْهَا فَيُثَابُ، وَخُلُوُّهُ عَنْ مَفْسَدَةٍ مَمْنُوعٌ، إِذْ هُوَ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ كَالشَّاهِدِ. ــ قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: رُدَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ وَأُبْطِلَ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالْأَغْرَاضِ وَالْعِلَلِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: خَلْقُهَا لَا لِحِكْمَةٍ عَبَثٌ، بَلْ أَفْعَالُهُ لَا تُعَلَّلُ، فَجَازَ أَنَّهُ خَلَقَهَا كَمَا شَاءَ، وَتَعَبَّدَنَا بِاجْتِنَابِهَا تَعَبُّدًا مَحْضًا. سَلَّمْنَا أَنَّ أَفْعَالَهُ مُعَلَّلَةٌ، وَأَنْ لَابُدَّ لَهَا مِنْ حِكْمَةٍ ظَاهِرَةٍ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ الْحِكْمَةِ فِي انْتِفَاعِنَا بِهَا، بَلْ جَازَ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِهَا امْتِحَانَ الْمُكَلَّفِ بِالصَّبْرِ عَنْهَا لِيُثَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] ، ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ١٢] ، أَيْ: بِمَا صَبَرُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَعَلَى الطَّاعَاتِ. وَأَمَّا خُلُوُّ الِانْتِفَاعِ بِهَا عَنْ مَفْسَدَةٍ فَمَمْنُوعٌ، بَلْ فِيهِ مَفْسَدَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: بُطْلَانُ مَقْصُودِ الِامْتِحَانِ الْمَذْكُورِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، مَحْظُورًا كَالشَّاهِدِ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ طَعَامِ غَيْرِهِ أَوْ شُرْبُ شَرَابِهِ، أَوْ رُكُوبُ دَابَّتِهِ أَوْ لُبْسُ ثَوْبِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَكَذَلِكَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.

стр. 344

الْحَاظِرُ: تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَحَرُمَ، كَالشَّاهِدِ، ثُمَّ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ خَطَرٌ، فَالْإِمْسَاكُ أَحْوَطُ. ــ قَوْلُهُ: «الْحَاظِرُ» أَيِ: احْتَجَّ الْقَائِلُ بِالْحَظْرِ بِأَنْ قَالَ: «تَصَرُّفٌ» أَيِ: الِانْتِفَاعُ الْمَذْكُورُ، تَصَرُّفٌ «فِي مُلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَحَرُمَ كَالشَّاهِدِ» وَقَدْ تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى حُجَّةِ الْمُبِيحِ آنِفًا. قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْإِقْدَامُ» ، إِلَى آخِرِهِ. حُجَّةٌ أُخْرَى عَلَى الْقَوْلِ بِالْحَظْرِ، وَتَقْرِيرُهَا أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى هَذَا الِانْتِفَاعِ خَطَرٌ أَيْ: مُخَاطَرَةٌ بِالنَّفْسِ، فَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ أَحْوَطُ لَهَا فِي الْعَقْلِ. أَمَّا أَنَّهُ خَطَرٌ، فَلِأَنَّ بِتَقْدِيرِ الْحِلِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَكُونُ أَمَنَةً مِنَ الْعَذَابِ، وَبِتَقْدِيرِ التَّحْرِيمِ يَكُونُ مَعْرَضَةً لَهُ، فَهَذَا وَجْهُ الْمُخَاطَرَةِ وَهُوَ رُكُوبُ أَمْرٍ يَلْحَقُ فِيهِ الضَّرَرُ عَلَى بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ. وَأَمَّا أَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنِ الِانْتِفَاعِ الْمَذْكُورِ يَكُونُ أَحْوَطَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَهُوَ مِنَ الْقَضَايَا الضَّرُورِيَّةِ عَقْلًا وَشَرْعًا وَعُرْفًا، وَهُوَ غَنِيٌّ بِذَاتِهِ عَنْ بَيَانٍ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحُجَّتَيْنِ أَنَّ الِانْتِفَاعَ الْمَذْكُورَ مَحْظُورٌ.

стр. 345

وَرُدَّ، بِأَنَّ مَنْعَ التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ، وَالْكَلَامُ قَبْلَهُ، ثُمَّ الْمَنْعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَالِاحْتِيَاطُ مَعَارِضٌ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ عَلَى سِمَاطِ الْمَلِكِ يُعَدُّ مُبَخِّلًا لَهُ، مُفْتَاتًا مُتَكَبِّرًا عَلَيْهِ، فَالْإِقْدَامُ أَحْوَطُ، أَوْ مُسَاوٍ، فَلَا تَرْجِيحَ. ــ قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» ، يَعْنِي: احْتِجَاجَ الْحَاظِرِ بِمَا ذَكَرَهُ. أَمَّا الْحُجَّةُ الْأُولَى: فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ، أَيْ: قِيَاسِ أَحْكَامِ اللَّهِ عَلَى أَحْكَامِ الْخَلْقِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ مَنْعَ التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فِيمَا بَيْنَ الْخَلْقِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الْقِيَاسِ اتِّحَادُ بَابِ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ، فَإِنِ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ مَنْعَ التَّصَرُّفِ فِيمَا بَيْنَ الْخَلْقِ عَقْلِيٌّ مَنَعْنَاهُ، إِذْ لَا مَدْرَكَ لِلْأَحْكَامِ عِنْدَنَا إِلَّا الشَّرْعُ، وَالْعَقْلُ عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ، وَإِنْ سَلَّمْتُمْ أَنَّهُ شَرْعِيٌّ امْتَنَعَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ مَا قَبْلَ الشَّرْعِ عَقْلِيٌّ عِنْدَكُمْ، وَمَا بَعْدَهُ شَرْعِيٌّ، فَاخْتَلَفَ الْبَابَانِ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَاسُ مَثَلًا عَقْلِيٌّ عَلَى عَقْلِيٍّ، أَوْ شَرْعِيٌّ عَلَى شَرْعِيٍّ، أَوْ عَادِيٌّ عَلَى عَادِيٍّ، أَمَّا قِيَاسُ بَعْضِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ عَلَى بَعْضٍ فَلَا يَصِحُّ. قَوْلُهُ: «ثُمَّ الْمَنْعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَتَضَرَّرُ بِهِ» هَذَا جَوَابٌ آخَرُ عَنِ الْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِالْفَرْقِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ إِنَّمَا يُنَاسِبُ وَيَتَحَقَّقُ مُقْتَضِيهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الشَّاهِدِ دُونَ الْغَائِبِ، فَإِنَّ

стр. 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّهَ لَا يَتَضَرَّرُ بِاسْتِهْلَاكِ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ الْإِلْحَاقُ وَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ. وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ لِلْحَاظِرِ، فَالِاحْتِيَاطُ فِيهَا مُعَارِضٌ بِمَا يُبْطِلُ دَلَالَتَهُ، وَهُوَ أَنَّ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ لَوْ مَدَّ سِمَاطًا، وَدَعَا إِلَيْهِ النَّاسَ، فَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْأَكْلِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ طَبْعًا، عُدَّ ذَلِكَ الْمُمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ مُبَخِّلًا لِلْمَلِكِ، أَيْ: مُعْتَقِدًا بُخْلَهُ مُفْتَاتًا مُتَكَبِّرًا عَلَيْهِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَّةً وَيَدًا عُلْيَا، وَذَلِكَ أَيْضًا خَطَرٌ، إِذْ فَاعِلُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ وَالْإِهَانَةَ عَقْلًا وَعُرْفًا، وَاللَّهُ مَعَ خَلْقِهِ، كَمَلِكٍ دَعَا النَّاسَ إِلَى سِمَاطِهِ، فَيَكُونُ الْإِقْدَامُ عَلَى الِانْتِفَاعِ أَحْوَطَ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنْهُ، أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا تَرْجِيحَ لِلْحَظْرِ، وَالْحَاظِرُ فِي مَقَامِ تَرْجِيحِهِ مُحَاوِلًا لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ لَهُ رُجْحَانُهُ، بَطَلَ احْتِجَاجُهُ.

стр. 347

الْوَاقِفُ: الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ مِنَ الشَّرْعِ، فَلَا حُكْمَ قَبْلَهُ، وَالْعَقْلُ مُعَرِّفٌ لَا حَاكِمٌ. ــ قَوْلُهُ: «الْوَاقِفُ» أَيْ: حُجَّةُ الْوَاقِفِ عَلَى تَوَقُّفِهِ عَنِ الْجَزْمِ بِإِبَاحَةٍ أَوْ حَظْرٍ، هُوَ أَنَّ «الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ مِنَ الشَّرْعِ فَلَا حُكْمَ قَبْلَهُ» . أَمَّا أَنَّ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ مِنَ الشَّرْعِ، فَلِأَنَّ مَعْنَى الْحَظْرِ قَوْلُ الشَّارِعِ: حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ هَذَا، أَوْ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، وَمَعْنَى الْإِبَاحَةِ قَوْلُهُ: أَبَحْتُ لَكُمْ هَذَا، أَوْ أَنْتُمْ مُخَيَّرُونَ فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَهُ، فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَبِالضَّرُورَةِ إِذْ لَا حَاكِمَ، فَلَا حُكْمَ، وَإِذْ لَا قَائِلَ، فَلَا قَوْلَ. قَوْلُهُ: «وَالْعَقْلُ مُعَرِّفٌ لَا حَاكِمٌ» ، هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ لَا يَكُونَانِ إِلَّا مِنَ الشَّرْعِ، بَلْ قَدْ جَازَ أَنْ يَصْدُرَا عَنِ الْعَقْلِ قَبْلَ الشَّرْعِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ. فَأَجَبْتُ: بِأَنَّ هَذَا بِنَاءٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ قَبْلَ الشَّرْعِ حَاكِمٌ، وَنَحْنُ نَمْنَعُ

стр. 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَرِّفٌ، أَيْ: هَادٍ وَمُرْشِدٌ إِلَى فَهْمِ الْخِطَابِ. وَوَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ وَنَحْوِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مُقْتَضَيَاتِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، لَا أَنَّهُ حَاكِمٌ بِهَا مُثْبِتٌ لَهَا قَبْلَ الشَّرْعِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ فِي سِيَاقِ هَذَا الْكَلَامِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي كُنَّا وَعْدَنَا بِذِكْرِهِ فِيهِ لِتَعَرُّضِنَا بِهِ هَاهُنَا. ثُمَّ إِنَّ الْوَاقِفِيَّةَ تَارَةً يُفَسِّرُونَ الْوَقْفَ بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ أَصْلًا، فَنَقِفُ حَتَّى يَرِدَ الْحُكْمُ مِنْ حَاكِمِ الشَّرْعِ، وَهَذَا الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ. وَتَارَةً يُفَسِّرُونَ الْوَقْفَ بِأَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا لَا نَعْلَمُ مَا هُوَ فَنَقِفُ حَتَّى يَظْهَرَ لَنَا عَيْنُهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيَرُدُّ عَلَى حُجَّةِ الْوَاقِفِيَّةِ الْمُعَارَضَةِ بِحُجَّةِ الْحَاظِرِ وَالْمُبِيحِ. وَالْمُخْتَارُ: الْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ قَبْلَ الشَّرْعِ - وَهُوَ وَفْقُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: الْأَصْلُ فِي الْأَطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا الْحِلُّ - لَيْسَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ، بَلِ الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاسْتِدْلَالُ. أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٩] ، وَقَوْلُهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ١٢ - ١٣] ، وَنَظَائِرُهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ عَلَيْهِمْ، وَتَذْكِيرِهِمُ النِّعْمَةَ، أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَسَخَّرَهُ لَهُمْ، وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ أَوِ

стр. 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمِلْكِ إِذَا صَادَفَتْ قَابِلًا لَهُ، وَالْخَلْقُ قَابَلُونِ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ بِانْتِفَاعِهِمْ بِهِ، إِذْ لَا مَالِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ مَتَى اجْتَمَعُوا وَمَا خَلَقَ وَسَخَّرَ لَهُمْ فِي الْوُجُودِ، مَلَكُوهُ، وَإِذَا مَلَكُوهُ، جَازَ انْتِفَاعُهُمْ، إِذْ فَائِدَةُ الْمُلْكِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ - إِنْ لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا - فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ، وَالتَّحْرِيمُ عَارِضٌ، وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ، فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَى عَنْهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ فِيمَا سَبَقَ، وَهُوَ - وَإِنْ عُورِضَ بِمَا ذَكَرَ - يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَفْعَالَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَأَنَّ الْمَدْرَكَ لِذَلِكَ سَمْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ.

стр. 351

وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ، اسْتِصْحَابُ كُلِّ حَالٍ أَصْلَهُ، فِيمَا جُهِلَ دَلِيلُهُ سَمْعًا. ــ قَوْلُهُ: «وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ» ، إِلَى آخِرِهِ أَيْ: فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَفْعَالَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوِ الْحَظْرِ أَوِ الْوَقْفِ «اسْتِصْحَابُ كُلِّ» ، أَيْ: كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَائِلِينَ «حَالَ أَصْلِهِ» قَبْلَ الشَّرْعِ «فِيمَا جُهِلَ دَلِيلُهُ سَمْعًا» بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ. مِثَالُهُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي إِبَاحَةِ أَكْلِ الْخَيْلِ وَالضَّبِّ وَالضَّبُعِ وَالْأَرْنَبِ وَالثَّعْلَبِ وَسِنَّوْرِ الْبَرِّ وَالزَّرَافَةِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ وَالْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامِّ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، أَوْ وُجِدَ دَلِيلٌ مُتَعَارِضٌ مُتَكَافِئٌ، رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَصْلِهِ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَاسْتَصْحَبَ حَالَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الشَّرْعِ، فَالْمُبِيحُ يَقُولُ: الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ــ ثُمَّ هَذَا الْمَوْضِعُ هُوَ مَوْضِعُ الْكَلَامِ فِي تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ، وَالْكَلَامُ فِي تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، ثُمَّ فِي دَلِيلِهِ بِاخْتِصَارٍ، إِذْ كُنَّا قَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ وَهُوَ كِتَابُ «رَدِّ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ بِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: ذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي آخَرِينَ إِلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ لِذَوَاتِهَا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى حَسَنَةٍ وَقَبِيحَةٍ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُدْرَكُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، كَحُسْنِ الْإِيمَانِ، وَقُبْحِ الْكُفْرِ، وَمِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِنَظَرِ الْعَقْلِ كَحُسْنِ الصِّدْقِ الضَّارِّ، وَقُبْحِ الْكَذِبِ النَّافِعِ، إِذْ قَدِ اشْتَمَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى جِهَتَيْنِ: حُسْنٍ وَقُبْحٍ، وَمَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ، فَاحْتِيجَ فِي مَعْرِفَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ

стр. 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْهُمَا إِلَى نَظَرٍ يُرَجِّحُ إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَمِنْهَا مَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالسَّمْعِ كَحُسْنِ الْعِبَادَاتِ وَاخْتِصَاصِهَا بِالْأَمْكِنَةِ وَالْأَوْقَاتِ، إِذْ تَقْدِيرُ نَصْبِ الزَّكَوَاتِ وَقَدْرُ الْوَاجِبِ فِيهَا، وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ، وَالْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لَهَا، وَإِيجَابُ صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَتَحْرِيمِ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَاسْتِحْبَابُ صَوْمِ تِسْعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَتَحْرِيمُ صَوْمِ أَرْبَعَةٍ بَعْدَهَا، وَصِحَّةُ الصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ إِلَّا خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ، وَفِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ إِلَّا سَبْعَةُ مَوَاضِعَ، مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ، فَيَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مَوْقِفٍ مِنَ الشَّرْعِ، فَهَذِهِ حِكَايَةُ الْمُحَقِّقِينَ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ. ثُمَّ اسْتَفَاضَ ذِكْرُ مَذْهَبِهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى اسْتَعْمَلُوا فِيهِ عِبَارَاتٍ مُجْمَلَةً مُوهِمَةً كَقَوْلِهِمْ: الْعَقْلُ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ، أَوِ الْعَقْلُ يُوجِبُ وَيُحَرِّمُ، أَوْ حَاظِرٌ وَمُبِيحٌ، حَتَّى صَارَ بَعْضُهُمْ يَفْهَمُ أَنَّ الْعَقْلَ شَارِعٌ فَوْقَ الشَّرْعِ، وَأَنَّهُ مُلْزِمٌ لَهُ بِالْحُكْمِ بِمُقْتَضَاهُ إِلْزَامَ الْغَرِيمِ غَرِيمَهُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ تَلَقِّي بَعْضِهِمْ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ عَنْ بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَتَدَبُّرٍ. وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا حَقَّقَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ قَدْ يُرَادُ بِهِمَا مَا لَاءَمَ الطَّبْعَ وَنَافَرَهُ، كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَاتِّهَامِ الْبَرِيءِ. وَقَدْ يُرَادُ بِهِمَا صِفَةُ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ، نَحْوَ: الْعِلْمُ حَسَنٌ، وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ. وَقَدْ يُرَادُ بِهِمَا مَا يُوجِبُ الْمَدْحَ وَالذَّمَّ الشَّرْعِيَّيْنِ عَاجِلًا، وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ آجِلًا. وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُمَا بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عَقْلِيَّانِ أَيْ: يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِ

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِيهِمَا. أَمَّا الثَّالِثُ، فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: هُوَ عَقْلِيٌّ أَيْضًا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهِ بِدُونِ الشَّرْعِ وَقَبْلَهُ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ قَالُوا: هُوَ شَرْعِيٌّ، أَيْ: لَا يُعْلَمُ اسْتِحْقَاقُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَلَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ شَرْعًا عَلَى الْفِعْلِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ. وَعَلَى هَذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي تَعْرِيفِ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ، فَقِيلَ: الْحَسَنُ: مَا لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَالْقَبِيحُ: مَا لَيْسَ لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، يَعْنِي عَقْلًا، وَهُوَ تَعْرِيفٌ اعْتِزَالِيٌّ. وَقِيلَ: الْحَسَنُ: مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِ فَاعِلِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالْقَبِيحُ يُقَابِلُهُ، وَهَذَا تَعْرِيفٌ سُنِّيٌّ جُمْهُورِيٌّ، وَإِنَّمَا غَلِطُ الْمُعْتَزِلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ غَالِبَ مَا اسْتُحْسِنَ أَوِ اسْتُقْبِحَ فِي الشَّرْعِ هُوَ مُسْتَحْسَنٌ أَوْ مُسْتَقْبَحٌ فِي الْعَقْلِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَهُمَا الْمُلَاءَمَةُ وَالْمُنَافَرَةُ وَالنَّقْصُ وَالذَّمُّ. مِثَالُهُ: أَنَّ إِنْقَاذَ الْغَرِيقِ وَنَحْوَهُ اشْتَمَلَ عَلَى أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْمُنَاسَبَةُ الْعَقْلِيَّةُ، فَالْعَقْلُ يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِهَا، وَالثَّانِي: تَرَتُّبُ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، فَالْعَقْلُ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِهِ جَزْمًا، بَلْ جَوَازًا، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي جَانِبِ الْقُبْحِ، وَلِلنِّزَاعِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مَآخِذُ أَشَارَ إِلَيْهَا الْأُصُولِيُّونَ. أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّرْعَ هَلْ هُوَ مُؤَكَّدٌ وَكَاشِفٌ، أَوْ مُنْشِئٌ وَمُبْتَدِئٌ. فَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: الشَّرْعُ مُؤَكِّدٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ فِيمَا أَدْرَكَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحِهَا

стр. 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضَرُورَةً أَوْ نَظَرًا، كَاشِفٌ عَمَّا لَا يُدْرِكُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ شَرْعًا كَالْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا، وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ الْحَسَنَ فِي الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا مُنَافِيًا لِقَوْلِهِمْ: إِنَّهَا حَسَنَةٌ فِي الْعَقْلِ، لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِحُسْنِهَا فِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى إِدْرَاكِ حَقَائِقِهَا تَامَّةٌ، لَأَدْرَكَهَا حَسَنَةً، وَمَدْرَكُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عَقْلًا إِهْمَالُ الْمَصَالِحِ أَنْ لَا يَأْمُرَ بِهَا، وَيُثِيبَ عَلَيْهَا، وَإِهْمَالُ الْمَفَاسِدِ أَنْ لَا يَنْهَى عَنْهَا وَيُعَاقِبَ عَلَيْهَا، وَمَا اسْتَحَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَسْتَحِيلَ عَلَيْهِ دَائِمًا فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ مَا ثَبَتَ بَعْدَ الشَّرْعِ، فَهُوَ ثَابِتٌ قَبْلَهُ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمُسْتَحِيلُ عَلَيْهِ جَائِزًا عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ الْحَسَنَ وَالْقُبْحَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ، فَلَمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ، كَانَ مُؤَكِّدًا لِحُكْمِ الْعَقْلِ فِيمَا أَدْرَكَهُ، كَاشِفًا لَهُ عَمَّا لَمْ يُدْرِكْهُ. أَمَّا الْجُمْهُورُ، فَقَالُوا: الشَّرْعُ مُنْشِئُ الْأَحْكَامِ، وَمُخْتَرِعٌ لَهَا وَلَمْ يَكُنْ مِنْهَا قَبْلَ الشَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِ شَيْءٍ مِنْهَا جَزْمًا بَلْ جَوَازًا، وَهَذَا هُوَ مَحَزُّ الْخِلَافِ وَغَايَتُهُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ وَهُوَ أَنَّ إِدْرَاكَ الْعَقْلِ لِإِثَابَةِ اللَّهِ لِلطَّائِعِ وَعِقَابِهِ لِلْعَاصِي، هَلْ هُوَ إِدْرَاكٌ جَازِمٌ قَاطِعٌ كَمَا يُدْرِكُ أَنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ؟ أَوْ إِدْرَاكٌ مُحْتَمَلٌ عَلَى جِهَةِ الْجَوَازِ كَمَا يُدْرِكُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوقِعَ الْمَطَرَ غَدًا وَأَنْ لَا يُوقِعَهُ؟ وَلَيْسَ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الْمُوجِبُ وَالْمُحَرِّمُ، بَلِ اللَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ وَالْمُحَرِّمُ، وَالْعَقْلُ يُدْرِكُ كَوْنَهُ مُوجِبًا

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِدْرَاكًا قَاطِعًا أَوْ جَائِزًا عَلَى الْخِلَافِ. وَمَدْرَكُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيمَا قَالُوهُ عَقْلِيٌّ وَسَمْعِيٌّ: أَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ مَصَالِحِ الْخَلْقِ، بَلْ لَهُ أَنْ يُرَاعِيَهَا وَأَنْ يُهْمِلَهَا، وَيَفْعَلَ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ. وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ فِي أَزْمِنَةٍ تَقْدِيرِيَّةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ، فَإِحْدَاثُ الْبَارِئِ ﷻ لِلْعَالَمِ حِينَ أَحْدَثَهُ إِمَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ مَصْلَحَةً أَوْ لَا، فَإِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً، فَقَدْ أَهْمَلَ مَصْلَحَةَ خَلْقِهِ فِيمَا سَبَقَ مِنَ الْأَزْمِنَةِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ أَزَلًا، وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ مَصْلَحَةً، فَقَدْ أَهْمَلَ مَصْلَحَتَهُمْ أَزَلًا وَأَبَدًا، فَإِهْمَالُ مَصْلَحَتِهِمْ لَازِمٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَإِذَا جَازَ عَلَيْهِ إِهْمَالُ مَصَالِحِ خَلْقِهِ، لَمْ يَبْقَ لِلْعَقْلِ طَرِيقٌ إِلَى الْجَزْمِ بِرِعَايَتِهَا، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ مَا يُصْلِحُهُمْ وَيُبِيحُ لَهُمْ مَا يُفْسِدُهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ الْمُطِيعَ وَيَذُمَّهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَفْسَدَةً فِي حَقِّهِ، وَيُثِيبَ الْعَاصِيَ وَيَمْدَحَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً فِي حَقِّهِ لَا يَسْتَحِقُّهَا، فَقَدْ بَانَ بِهَذَا الْبُرْهَانِ أَنَّ إِدْرَاكَ الْعَقْلِ الذَّمُّ وَالْمَدْحُ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى جِهَةِ الْجَوَازِ لَا اللُّزُومِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَمَّا السَّمْعِيُّ فَقَوْلُهُ : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٥] ، وَنَظَائِرُهَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدَةٌ.
следующие страницы →