Полный текст (2 051 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ، اسْتِصْحَابُ كُلِّ حَالٍ أَصْلَهُ، فِيمَا جُهِلَ دَلِيلُهُ سَمْعًا.
ــ
قَوْلُهُ: «وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ» ، إِلَى آخِرِهِ أَيْ: فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَفْعَالَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوِ الْحَظْرِ أَوِ الْوَقْفِ «اسْتِصْحَابُ كُلِّ» ، أَيْ: كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَائِلِينَ «حَالَ أَصْلِهِ» قَبْلَ الشَّرْعِ «فِيمَا جُهِلَ دَلِيلُهُ سَمْعًا» بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ.
مِثَالُهُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي إِبَاحَةِ أَكْلِ الْخَيْلِ وَالضَّبِّ وَالضَّبُعِ وَالْأَرْنَبِ وَالثَّعْلَبِ وَسِنَّوْرِ الْبَرِّ وَالزَّرَافَةِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ وَالْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامِّ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، أَوْ وُجِدَ دَلِيلٌ مُتَعَارِضٌ مُتَكَافِئٌ، رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَصْلِهِ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَاسْتَصْحَبَ حَالَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الشَّرْعِ، فَالْمُبِيحُ يَقُولُ: الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
ثُمَّ هَذَا الْمَوْضِعُ هُوَ مَوْضِعُ الْكَلَامِ فِي تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ، وَالْكَلَامُ فِي تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، ثُمَّ فِي دَلِيلِهِ بِاخْتِصَارٍ، إِذْ كُنَّا قَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ وَهُوَ كِتَابُ «رَدِّ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ بِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ:
ذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي آخَرِينَ إِلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ لِذَوَاتِهَا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى حَسَنَةٍ وَقَبِيحَةٍ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُدْرَكُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، كَحُسْنِ الْإِيمَانِ، وَقُبْحِ الْكُفْرِ، وَمِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِنَظَرِ الْعَقْلِ كَحُسْنِ الصِّدْقِ الضَّارِّ، وَقُبْحِ الْكَذِبِ النَّافِعِ، إِذْ قَدِ اشْتَمَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى جِهَتَيْنِ: حُسْنٍ وَقُبْحٍ، وَمَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ، فَاحْتِيجَ فِي مَعْرِفَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ
стр. 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْهُمَا إِلَى نَظَرٍ يُرَجِّحُ إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَمِنْهَا مَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالسَّمْعِ كَحُسْنِ الْعِبَادَاتِ وَاخْتِصَاصِهَا بِالْأَمْكِنَةِ وَالْأَوْقَاتِ، إِذْ تَقْدِيرُ نَصْبِ الزَّكَوَاتِ وَقَدْرُ الْوَاجِبِ فِيهَا، وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ، وَالْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لَهَا، وَإِيجَابُ صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَتَحْرِيمِ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَاسْتِحْبَابُ صَوْمِ تِسْعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَتَحْرِيمُ صَوْمِ أَرْبَعَةٍ بَعْدَهَا، وَصِحَّةُ الصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ إِلَّا خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ، وَفِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ إِلَّا سَبْعَةُ مَوَاضِعَ، مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ، فَيَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مَوْقِفٍ مِنَ الشَّرْعِ، فَهَذِهِ حِكَايَةُ الْمُحَقِّقِينَ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ.
ثُمَّ اسْتَفَاضَ ذِكْرُ مَذْهَبِهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى اسْتَعْمَلُوا فِيهِ عِبَارَاتٍ مُجْمَلَةً مُوهِمَةً كَقَوْلِهِمْ: الْعَقْلُ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ، أَوِ الْعَقْلُ يُوجِبُ وَيُحَرِّمُ، أَوْ حَاظِرٌ وَمُبِيحٌ، حَتَّى صَارَ بَعْضُهُمْ يَفْهَمُ أَنَّ الْعَقْلَ شَارِعٌ فَوْقَ الشَّرْعِ، وَأَنَّهُ مُلْزِمٌ لَهُ بِالْحُكْمِ بِمُقْتَضَاهُ إِلْزَامَ الْغَرِيمِ غَرِيمَهُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ تَلَقِّي بَعْضِهِمْ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ عَنْ بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَتَدَبُّرٍ.
وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا حَقَّقَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ قَدْ يُرَادُ بِهِمَا مَا لَاءَمَ الطَّبْعَ وَنَافَرَهُ، كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَاتِّهَامِ الْبَرِيءِ.
وَقَدْ يُرَادُ بِهِمَا صِفَةُ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ، نَحْوَ: الْعِلْمُ حَسَنٌ، وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ.
وَقَدْ يُرَادُ بِهِمَا مَا يُوجِبُ الْمَدْحَ وَالذَّمَّ الشَّرْعِيَّيْنِ عَاجِلًا، وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ آجِلًا. وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُمَا بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عَقْلِيَّانِ أَيْ: يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِ
стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِيهِمَا.
أَمَّا الثَّالِثُ، فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: هُوَ عَقْلِيٌّ أَيْضًا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهِ بِدُونِ الشَّرْعِ وَقَبْلَهُ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ قَالُوا: هُوَ شَرْعِيٌّ، أَيْ: لَا يُعْلَمُ اسْتِحْقَاقُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَلَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ شَرْعًا عَلَى الْفِعْلِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ.
وَعَلَى هَذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي تَعْرِيفِ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ، فَقِيلَ: الْحَسَنُ: مَا لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَالْقَبِيحُ: مَا لَيْسَ لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، يَعْنِي عَقْلًا، وَهُوَ تَعْرِيفٌ اعْتِزَالِيٌّ.
وَقِيلَ: الْحَسَنُ: مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِ فَاعِلِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالْقَبِيحُ يُقَابِلُهُ، وَهَذَا تَعْرِيفٌ سُنِّيٌّ جُمْهُورِيٌّ، وَإِنَّمَا غَلِطُ الْمُعْتَزِلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ غَالِبَ مَا اسْتُحْسِنَ أَوِ اسْتُقْبِحَ فِي الشَّرْعِ هُوَ مُسْتَحْسَنٌ أَوْ مُسْتَقْبَحٌ فِي الْعَقْلِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَهُمَا الْمُلَاءَمَةُ وَالْمُنَافَرَةُ وَالنَّقْصُ وَالذَّمُّ.
مِثَالُهُ: أَنَّ إِنْقَاذَ الْغَرِيقِ وَنَحْوَهُ اشْتَمَلَ عَلَى أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْمُنَاسَبَةُ الْعَقْلِيَّةُ، فَالْعَقْلُ يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِهَا، وَالثَّانِي: تَرَتُّبُ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، فَالْعَقْلُ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِهِ جَزْمًا، بَلْ جَوَازًا، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي جَانِبِ الْقُبْحِ، وَلِلنِّزَاعِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مَآخِذُ أَشَارَ إِلَيْهَا الْأُصُولِيُّونَ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّرْعَ هَلْ هُوَ مُؤَكَّدٌ وَكَاشِفٌ، أَوْ مُنْشِئٌ وَمُبْتَدِئٌ.
فَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: الشَّرْعُ مُؤَكِّدٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ فِيمَا أَدْرَكَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحِهَا
стр. 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَرُورَةً أَوْ نَظَرًا، كَاشِفٌ عَمَّا لَا يُدْرِكُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ شَرْعًا كَالْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا، وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ الْحَسَنَ فِي الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا مُنَافِيًا لِقَوْلِهِمْ: إِنَّهَا حَسَنَةٌ فِي الْعَقْلِ، لِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِحُسْنِهَا فِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى إِدْرَاكِ حَقَائِقِهَا تَامَّةٌ، لَأَدْرَكَهَا حَسَنَةً، وَمَدْرَكُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ عَقْلًا إِهْمَالُ الْمَصَالِحِ أَنْ لَا يَأْمُرَ بِهَا، وَيُثِيبَ عَلَيْهَا، وَإِهْمَالُ الْمَفَاسِدِ أَنْ لَا يَنْهَى عَنْهَا وَيُعَاقِبَ عَلَيْهَا، وَمَا اسْتَحَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَسْتَحِيلَ عَلَيْهِ دَائِمًا فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ مَا ثَبَتَ بَعْدَ الشَّرْعِ، فَهُوَ ثَابِتٌ قَبْلَهُ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمُسْتَحِيلُ عَلَيْهِ جَائِزًا عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ الْحَسَنَ وَالْقُبْحَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ، فَلَمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ، كَانَ مُؤَكِّدًا لِحُكْمِ الْعَقْلِ فِيمَا أَدْرَكَهُ، كَاشِفًا لَهُ عَمَّا لَمْ يُدْرِكْهُ.
أَمَّا الْجُمْهُورُ، فَقَالُوا: الشَّرْعُ مُنْشِئُ الْأَحْكَامِ، وَمُخْتَرِعٌ لَهَا وَلَمْ يَكُنْ مِنْهَا قَبْلَ الشَّرْعِ شَيْءٌ، وَلَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِ شَيْءٍ مِنْهَا جَزْمًا بَلْ جَوَازًا، وَهَذَا هُوَ مَحَزُّ الْخِلَافِ وَغَايَتُهُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ وَهُوَ أَنَّ إِدْرَاكَ الْعَقْلِ لِإِثَابَةِ اللَّهِ لِلطَّائِعِ وَعِقَابِهِ لِلْعَاصِي، هَلْ هُوَ إِدْرَاكٌ جَازِمٌ قَاطِعٌ كَمَا يُدْرِكُ أَنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ؟ أَوْ إِدْرَاكٌ مُحْتَمَلٌ عَلَى جِهَةِ الْجَوَازِ كَمَا يُدْرِكُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوقِعَ الْمَطَرَ غَدًا وَأَنْ لَا يُوقِعَهُ؟ وَلَيْسَ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الْمُوجِبُ وَالْمُحَرِّمُ، بَلِ اللَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ وَالْمُحَرِّمُ، وَالْعَقْلُ يُدْرِكُ كَوْنَهُ مُوجِبًا
стр. 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِدْرَاكًا قَاطِعًا أَوْ جَائِزًا عَلَى الْخِلَافِ.
وَمَدْرَكُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيمَا قَالُوهُ عَقْلِيٌّ وَسَمْعِيٌّ:
أَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ مَصَالِحِ الْخَلْقِ، بَلْ لَهُ أَنْ يُرَاعِيَهَا وَأَنْ يُهْمِلَهَا، وَيَفْعَلَ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ.
وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ فِي أَزْمِنَةٍ تَقْدِيرِيَّةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ، فَإِحْدَاثُ الْبَارِئِ ﷻ لِلْعَالَمِ حِينَ أَحْدَثَهُ إِمَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ مَصْلَحَةً أَوْ لَا، فَإِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً، فَقَدْ أَهْمَلَ مَصْلَحَةَ خَلْقِهِ فِيمَا سَبَقَ مِنَ الْأَزْمِنَةِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ أَزَلًا، وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ مَصْلَحَةً، فَقَدْ أَهْمَلَ مَصْلَحَتَهُمْ أَزَلًا وَأَبَدًا، فَإِهْمَالُ مَصْلَحَتِهِمْ لَازِمٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَإِذَا جَازَ عَلَيْهِ إِهْمَالُ مَصَالِحِ خَلْقِهِ، لَمْ يَبْقَ لِلْعَقْلِ طَرِيقٌ إِلَى الْجَزْمِ بِرِعَايَتِهَا، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ مَا يُصْلِحُهُمْ وَيُبِيحُ لَهُمْ مَا يُفْسِدُهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ الْمُطِيعَ وَيَذُمَّهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَفْسَدَةً فِي حَقِّهِ، وَيُثِيبَ الْعَاصِيَ وَيَمْدَحَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً فِي حَقِّهِ لَا يَسْتَحِقُّهَا، فَقَدْ بَانَ بِهَذَا الْبُرْهَانِ أَنَّ إِدْرَاكَ الْعَقْلِ الذَّمُّ وَالْمَدْحُ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى جِهَةِ الْجَوَازِ لَا اللُّزُومِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا السَّمْعِيُّ فَقَوْلُهُ : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٥] ، وَنَظَائِرُهَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدَةٌ.
стр. 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَوَجْهُ دَلَالَتِهَا أَنَّهُ نَفَى الْعِقَابَ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَلَوِ اسْتَقَلَّ الْعَقْلُ بِإِثْبَاتِهِ لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ وَلَتَنَاقَضَ دَلِيلُ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ، وَتَنَاقُضُهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُحَالٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِمَا يُنَافِي الْعَقْلَ، فَإِذَا رَأَيْنَا دَلِيلَ الْعَقْلِ قَدْ نَاقَضَ قَاطِعَ السَّمْعِ وَصَرِيحَهُ، عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ عَقْلِيَّةٌ لَا حُجَّةٌ.
الْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ مُشْتَقَّانِ مِنَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، فَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْمُشْتَقَّ مِنْهُ وَهُوَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ مَعْنِيَّانِ قَائِمَانِ بِالْمُشْتَقِّ، وَهُمَا الْحَسَنُ وَالْقَبِيحُ، كَمَا أَنَّ الْأَسْوَدَ وَالْأَبْيَضَ لَمَّا كَانَا مُشْتَقَّيْنِ مِنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ كَانَا - أَعْنِي السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ - مَعْنَيَيْنِ قَائِمَيْنِ بِالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ مَعْنَيَانِ قَائِمَانِ بِالْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ، كَانَ إِدْرَاكُ قِيَامِهِمَا بِهِمَا عَقْلِيًّا قِيَاسًا لِإِدْرَاكِ بَصِيرَةِ الْعَقْلِ لِأَحْكَامِ الْأَفْعَالِ عَلَى إِدْرَاكِ الْبَصَرِ لِأَحْكَامِ الْأَجْسَامِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ قُبْحَهَا لِصِفَاتٍ قَامَتْ بِهَا عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ، بَلِ الْحَسَنُ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ أَذِنَ فِيهِ، وَالْقَبِيحُ: مَا نَهَى عَنْهُ أَوْ مَنَعَ مِنْهُ. وَمَا قَرَّرَهُ الْمُعْتَزِلَةُ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
стр. 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قِيَاسٌ لِلْأَعْرَاضِ عَلَى الْأَجْسَامِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ قِيَاسَ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ جِنْسِهِ لَا يَصِحُّ، وَأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ اتِّحَادُ بَابِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْقِيَاسِ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ قِيَامُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ وَهُوَ مُحَالٌ، أَمَّا لُزُومُ قِيَامِ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ فَلِأَنَّ الْأَفْعَالَ أَعْرَاضٌ، وَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ وَالصِّفَاتُ أَعْرَاضٌ، فَلَوْ قَامَ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ بِالْأَفْعَالِ، لَزِمَ قَطْعًا قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ، وَأَمَّا أَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فَلِأَنَّ الْعَرَضَ مَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ كَالْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ، فَلَوْ صَحَّ قِيَامُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِالْأَفْعَالِ لَكَانَتِ الْأَفْعَالُ جَوَاهِرَ وَأَجْسَامًا لَا أَعْرَاضًا وَهُوَ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ السُّرْعَةَ وَالْبُطْءَ تَقُومُ بِالْحَرَكَةِ فَيُقَالُ: حَرَكَةٌ سَرِيعَةٌ أَوْ بَطِيئَةٌ، وَهُمَا عَرَضَانِ، فَقَدْ قَامَ الْعَرَضُ بِالْعَرَضِ، وَكَذَلِكَ الشِّدَّةُ وَالضَّعْفُ عَرَضَانِ يَقُومَانِ بِالْأَلْوَانِ وَهِيَ أَعْرَاضٌ، فَيُقَالُ: سَوَادٌ وَبَيَاضٌ شَدِيدٌ أَوْ ضَعِيفٌ.
قُلْنَا: السُّرْعَةُ وَالْبُطْءُ قَائِمَانِ بِالْمُتَحَرِّكِ بِوَاسِطَةِ الْحَرَكَةِ لَا بِنَفْسِ الْحَرَكَةِ، وَكَذَلِكَ الشِّدَّةُ وَالضَّعْفُ فِي الْأَلْوَانِ، إِنَّمَا قَامَا بِالْجِسْمِ الْمُتَلَوِّنِ لَا بِاللَّوْنِ.
стр. 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: فَهَذَا يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ أَوْ قَبِيحَةٌ بِصِفَةٍ، وَعَلَيْهِ دَلَّ بَحْثُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ حَيْثُ أَلْزَمُوهُمْ قِيَامَ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْقُبْحُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: هُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى صِفَةٍ لِأَجْلِهَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الذَّمَّ، وَالْحُسْنُ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَقْصُودُهُمْ بِالصِّفَةِ الْمَفْسَدَةُ.
قُلْتُ: وَظَاهِرُ الْقَوْلَيْنِ الِاخْتِلَافُ، وَرُبَّمَا أَمْكَنَ التَّلَطُّفُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
هَلْ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ رِعَايَةُ الْمَصْلَحَةِ
الْمَأْخَذُ الثَّالِثُ: النِّزَاعُ فِي مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ، فَعِنْدَهُمْ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ رِعَايَةُ مَصَالِحِ خَلْقِهِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ وُجُوبَ ذَلِكَ مِنْهُ جَزْمًا تَحْقِيقًا لِلْجُودِ وَالْعَدْلِ، ثُمَّ قَالُوا: لَوْلَا مُرَاعَاةُ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، لَكَانَ تَخْصِيصُ الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَحْكَامِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَلَمَّا خَصَّ بَعْضَ الْأَفْعَالِ بِالْوُجُوبِ وَبَعْضَهَا بِالتَّحْرِيمِ وَبَعْضَهَا بِالْإِبَاحَةِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيجَابَ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَالتَّحْرِيمَ لِدَفْعِهَا، وَالْإِبَاحَةَ لِخُلُوِّ الْأَفْعَالِ عَنْ مَصْلَحَةٍ وَمُفْسِدَةٍ.
وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ رِعَايَةُ الْمَصَالِحِ، وَإِنَّمَا يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ.
فَأَمَّا ثُبُوتُ الْأَحْكَامِ فِي الْأَفْعَالِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعَبُّدًا مَحْضًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رِعَايَةً لِلْمَصَالِحِ تَفَضُّلًا، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي رِعَايَتِهَا وُجُوبًا، وَلِلَّهِ
стр. 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِرِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، وَأَنَّ لِإِكْمَالِهِ أَنَّ يَتَفَضَّلَ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالْغِنَى وَالْعِزِّ وَالْعِلْمِ وَأَنْ لَا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُشَاهَدًا فِي الْعَالَمِ، حَيْثُ النَّاسُ مَا بَيْنَ مُعَافًى وَمُبْتَلًى، وَفَقِيرٍ وَغَنِيٍّ، وَعَزِيزٍ وَذَلِيلٍ، وَعَالِمٍ وَجَاهِلٍ.
فَهَذَا مَا أَرَدْنَا إِثْبَاتَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، لِأَنَّ مَدَارَ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَيْهِ.
وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ أَيْدِينَا مَبَاحِثُ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَتُحَالُ عَلَيْهِ.
وَمِنْ فُرُوعِهِ، مَسْأَلَةُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ، وَأَحْكَامُ الْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَتَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَأَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ. وَقَدْ ذَكَرْةُ جُمْلَةً مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ فِي كِتَابِ: «رَدِّ الْقَوْلِ الْقَبِيحِ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 360
خَاتِمَةٌ: خِطَابُ الْوَضْعِ: مَا اسْتُفِيدَ بِوَاسِطَةِ نَصْبِ الشَّارِعِ عَلَمًا مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ، لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ خِطَابِهِ فِي كُلِّ حَالٍ. وَإِنْ قِيلَ: خِطَابُ الشَّرْعِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، لَا بِالِاقْتِضَاءِ وَلَا بِالتَّخْيِيرِ. صَحَّ، عَلَى مَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
ــ
قَوْلُهُ: «خَاتِمَةٌ» ، أَيْ: لِهَذَا الْفَصْلِ، قَدْ بَيَّنَّا عِنْدَ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ أَنَّ خِطَابَ الشَّرْعِ إِمَّا اقْتِضَائِيٌّ أَوْ وَضْعِيٌّ.
قَالَ الْآمِدِيٌّ: الْحُكْمُ خِطَابُ الشَّارِعِ الْمُفِيدُ فَائِدَةً شَرْعِيَّةً.
وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الطَّلَبِ أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَالطَّلَبُ إِمَّا لِلْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا جَازِمٌ أَوْ غَيْرُ جَازِمٍ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبًا، فَهُوَ إِمَّا تَخْيِيرٌ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ الْإِبَاحَةُ، وَالثَّانِي: هُوَ الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ، كَالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ، وَنَصْبُ الْأَسْبَابِ، وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ، وَكَوْنُ الْفِعْلِ إِعَادَةً، أَوْ قَضَاءً، أَوْ أَدَاءً، أَوْ رُخْصَةً، أَوْ عَزِيمَةً.
هَذَا تَقْسِيمُهُ، وَذَكَرْتُهُ هَاهُنَا تَطْرِيَةً لِذِهْنِ النَّاظِرِ بِتَصَوُّرِ الْحُكْمِ وَتَقْسِيمِهِ وَأَقْسَامِهِ، وَتَكْمِيلًا لِلْقِسْمَةِ إِلَى نَوْعَيِ الْخِطَابِ، أَعْنِي: اللَّفْظِيَّ وَالْوَضْعِيَّ، وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ: خِطَابَ الْوَضْعِ وَالْإِخْبَارِ.
أَمَّا مَعْنَى الْوَضْعِ، فَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ، أَيْ: شَرَعَ أُمُورًا سُمِّيَتْ أَسْبَابًا وَشُرُوطًا وَمَوَانِعَ تُعْرَفُ عِنْدَ وُجُودِهَا أَحْكَامُ الشَّرْعِ مِنْ إِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ، فَالْأَحْكَامُ تُوجَدُ بِوُجُودِ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ، وَتَنْتَفِي لِوُجُودِ الْمَوَانِعِ وَانْتِفَاءِ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ.
стр. 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمَّا مَعْنَى الْإِخْبَارِ، فَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ بِوَضْعِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَخْبَرَنَا بِوُجُودِ أَحْكَامِهِ أَوِ انْتِفَائِهَا عِنْدَ وُجُودِ تِلْكَ الْأُمُورِ أَوِ انْتِفَائِهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ مَثَلًا: إِذَا وُجِدَ النِّصَابُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَالْحَوْلُ الَّذِي هُوَ شَرْطُهُ، فَاعْلَمُوا أَنِّي أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ أَدَاءَ الزَّكَاةِ، وَإِنْ وُجِدَ الدَّيْنُ الَّذِي هُوَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهَا، أَوِ انْتَفَى السَّوْمُ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِهَا فِي السَّائِمَةِ، فَاعْلَمُوا أَنِّي لَمْ أُوجِبْ عَلَيْكُمُ الزَّكَاةَ.
وَكَذَا الْكَلَامُ فِي الْقِصَاصِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالزِّنَى، وَكَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، بِالنَّظَرِ إِلَى وُجُودِ أَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا، وَعَكْسِ ذَلِكَ.
عُدْنَا إِلَى الْكَلَامِ عَلَى أَلْفَاظِ «الْمُخْتَصَرِ» .
قَوْلُهُ: «خِطَابُ الْوَضْعِ، مَا اسْتُفِيدَ بِوَاسِطَةِ نَصْبِ الشَّارِعِ عَلَمًا مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ خِطَابِهِ فِي كُلِّ حَالٍ» .
قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَعْنَى الْخِطَابِ وَالْوَضْعِ، وَمَعْنَى كَوْنِ هَذَا خِطَابُ وَضْعٍ.
وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالشَّرِيعَةِ لَمَّا كَانَ دَائِمًا إِلَى انْقِضَاءِ الْوُجُودِ بِقِيَامِ السَّاعَةِ، كَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَ خِطَابُ الشَّارِعِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ سَمَاعُهُ وَمَعْرِفَتُهُ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَعْصَارِ وَتَعَدُّدِ الْأُمَمِ وَالْقُرُونِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ إِمَّا اللَّهُ ، وَخِطَابُهُ لَا يَعْرِفُهُ الْمُكَلَّفُونَ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الرُّسُلِ ﵈ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، أَوِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى النَّاسِ، وَهُوَ غَيْرُ مُخَلَّدٍ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُعْرَفَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامُهُ فِي الْحَوَادِثِ بِوَاسِطَتِهِ فِي
стр. 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كُلِّ وَقْتٍ، بَلْ هُوَ بَشَرٌ عَاشَ بَيْنَ النَّاسِ زَمَانًا حَتَّى عَرَّفَهُمْ أَحْكَامَ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، ثُمَّ صَارَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، اقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ نَصْبَ أَشْيَاءَ تَكُونُ أَعْلَامًا عَلَى حُكْمِهِ وَمُعَرِّفَاتٍ لَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ كَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ، تَحْصِيلًا لِدَوَامِ حُكْمِهَا وَأَحْكَامِهَا مُدَّةَ بَقَاءِ الْمُكَلَّفِينَ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ، وَتِلْكَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي نُصِبَتْ مُعَرِّفَاتٍ لِحُكْمِ الشَّرْعِ هِيَ الْأَسْبَابُ وَالشُّرُوطُ وَالْمَوَانِعُ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يُمْكِنُهُمْ لِوُجُودِهِ بَيْنَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ حُكْمِ أَعْيَانِ الْحَوَادِثِ بِأَشْخَاصِهَا، فَيُجِيبُهُمْ عَنْهَا، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ أَحْكَامَهَا، فَلَوِ اتَّفَقَ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، مَثَلًا، مِائَةُ زَانٍ أَوْ سَارِقٍ أَوْ شَارِبِ خَمْرٍ، أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، إِمَّا بِاجْتِهَادِهِ أَوْ بِالْوَحْيِ، وَجَازَ أَنْ تَكُونَ أَحْكَامُهُ فِيهِمْ مُتَّفِقَةً وَمُخْتَلِفَةً، لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَأَحْكَامُهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهَا بِالْأَقْيِسَةِ.
كَمَا أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْجُهَنِيَّةِ دُونَ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا مَرْجُومٌ فِي الْحَدِّ بِإِقْرَارِهِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقِيَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا مَنْ لَيْسَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ حُكْمِ اللَّهِ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ بِعَيْنِهَا، فَكَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَضْعُ أُمُورٍ كُلِّيَّةٍ تَكُونُ مُعَرِّفَاتٍ لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، كَقَوْلِهِ: مَنْ زَنَى مُحْصَنًا، فَارْجُمُوهُ، وَمَنْ سَرَقَ، فَاقْطَعُوهُ، وَمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ فَاجْلِدُوهُ، وَمَنْ قَتَلَ أَوِ ارْتَدَّ، فَاقْتُلُوهُ. وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ الْجَارِيَةِ عَلَى أَسْبَابِهَا وَعِلَلِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ طَرِيقًا لَنَا إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ وَانْتِظَامِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الدَّوَامِ.
فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ - أَعْنِي: وُجُوبَ الرَّجْمِ وَالْقَطْعِ وَالْجَلْدِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوَهَا - هِيَ الَّتِي اسْتُفِيدَتْ بِوَاسِطَةِ نَصْبِ الشَّارِعِ أَعْلَامَهَا الَّتِي هِيَ أَسْبَابُهَا وَهِيَ الزِّنَى وَالسَّرِقَةُ وَالشُّرْبُ وَالْقَتْلُ وَالرِّدَّةُ، وَهِيَ - أَعْنِي الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ - خِطَابُ الْوَضْعِ.
قَوْلُهُ: «وَإِنْ قِيلَ: خِطَابُ الشَّرْعِ» ، أَيْ: وَإِنْ قِيلَ خِطَابُ الْوَضْعِ هُوَ خِطَابُ الشَّرْعِ «الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لَا بِالِاقْتِضَاءِ وَلَا بِالتَّخْيِيرِ، صَحَّ عَلَى مَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ» .
قُلْتُ: هَذَا تَعْرِيفٌ آخَرُ لِخِطَابِ الْوَضْعِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الطَّلَبِيِّ، حَيْثُ حَكَيْنَا عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: هُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ، أَوِ التَّخْيِيرِ، أَوِ الْوَضْعِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: أَوِ الْوَضْعِ، لِيَتَنَاوَلَ خِطَابَ الْوَضْعِ الَّذِي نَحْنُ الْآنَ نَتَكَلَّمُ فِيهِ.
فَإِذَا قِيلَ هَاهُنَا: خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ لَا بِالِاقْتِضَاءِ، وَلَا بِالتَّخْيِيرِ، لَمْ يَبْقَ إِلَّا خِطَابُ الْوَضْعِ الْمُرَادِ هَاهُنَا، غَيْرَ أَنَّ
стр. 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التَّعْرِيفَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ «لَا» ، وَ «لَا» فِيهِ نَافِيَةٌ، لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ مَنْ يَقُولُ فِي تَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ: هُوَ مَا لَيْسَ بِفَرَسٍ، وَلَا شَاةٍ، وَلَا ثَوْرٍ، وَلَا طَائِرٍ، وَيَعُدُّ أَنْوَاعَ الْحَيَوَانِ وَيَنْفِيهَا، وَهُوَ مُسْتَكْرَهٌ، فَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا فِي خِطَابِ الْوَضْعِ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ.
وَقَدْ سَبَقَ أَيْضًا التَّنْبِيهُ عَلَى تَعْرِيفِ خِطَابِ الْوَضْعِ بِتَعْرِيفِهِ الثَّانِي مِنْ تَقْسِيمِ الْآمِدِيِّ الْمَذْكُورِ آنِفًا.
ثُمَّ هَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ خِطَابَ الطَّلَبِ هُوَ الْأَصْلُ، وَخِطَابُ الْوَضْعِ عَلَى خِلَافِهِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَذُّرِ خِطَابِ اللَّفْظِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ لَاحَ لَكَ ذَلِكَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا، فَالْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: أَوْجَبْتُ أَوْ حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ، أَوِ افْعَلُوا أَوْ لَا تَفْعَلُوا، أَوِ ارْجُمُوا هَذَا الزَّانِيَ، أَوِ اقْطَعُوا هَذَا السَّاقَ.
أَمَّا جَعْلُهُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةَ عَلَمًا عَلَى الرَّجْمِ وَالْقَطْعِ، فَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
نَعَمْ خِطَابُ الْوَضْعِ يَسْتَلْزِمُ خِطَابَ اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِهِ، كَقَوْلِهِ : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٨] ، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النُّورِ: ٢] ، وَقَوْلِهِ ﵇: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْخِطَابَاتِ اللَّفْظِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ، بِخِلَافِ خِطَابِ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ خِطَابَ الْوَضْعِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَنَا الشَّارِعُ: تَوَضَّئُوا لَا عَنْ حَدَثٍ، فَإِنَّ هَذَا خِطَابٌ لَفْظِيٌّ بِفِعْلٍ مُجَرَّدٍ عَنْ سَبَبٍ مَوْضُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
стр. 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّانِي: أَنَّ بَعْضَ الْأُصُولِيِّينَ يُقَسِّمُ خِطَابَ الشَّرْعِ إِلَى خِطَابِ تَكْلِيفٍ وَخِطَابِ وَضْعٍ، وَهِيَ قِسْمَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ هُوَ التَّكْلِيفُ، وَكَذَلِكَ مَا فُهِمَ مِنْ قِسْمَةِ الْآمِدِيِّ لِلْحُكْمِ مِنْ أَنَّهُ طَلَبِيٌّ وَوَضْعِيٌّ، هُوَ مُتَدَاخِلٌ أَيْضًا، لِأَنَّ مَقْصُودَ خِطَابِ الْوَضْعِ الطَّلَبُ، إِذْ لَا مَعْنَى لِخِطَابِ الْوَضْعِ، إِلَّا أَنَّ الشَّرْعَ طَلَبَ مِنَّا عِنْدَ قِيَامِ الْأَعْلَامِ الَّتِي نَصَبَهَا، أَوْ عِنْدَ بَعْضِهَا فِعْلًا أَوْ كَفًّا، كَقَوْلِهِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وُجُودِ الزِّنَى مِنْ هَذَا: رَجْمَهُ، وَعِنْدَ وُجُودِ السَّرِقَةِ مِنْ هَذَا: قَطْعَهُ، وَعِنْدَ مِلْكِ النَّصَّابِ وَوُجُودِ الْحَوْلِ: الزَّكَاةَ، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْحَلِفِ وَالْحِنْثِ: الْكَفَّارَةَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَالصَّوَابُ فِي الْقِسْمَةِ أَنْ يُقَالَ: خِطَابُ الشَّرْعِ إِمَّا لَفْظِيٌّ أَوْ وَضْعِيٌّ، أَيْ: إِمَّا ثَابِتٌ بِالْأَلْفَاظِ نَحْوَ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٣] ، أَوْ عِنْدَ الْأَسْبَابِ وَنَحْوِهَا: كَقَوْلِهِ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَجَبَتْ عَلَيْكُمُ الظُّهْرُ، فَاللَّفْظُ أَثْبَتَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَالْوَضْعُ عَيَّنَ وَقْتَ وُجُوبِهَا.
الثَّالِثُ: قَدْ عُرِفَ الْفَرْقُ بَيْنَ خِطَابِ اللَّفْظِ وَالْوَضْعِ مِنْ حَيْثُ الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ.
أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ، فَهُوَ أَنَّ خِطَابَ اللَّفْظِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ، يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْفِعْلِ وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ، كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوِهَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ التَّكْلِيفِ. أَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا يُسْتَثْنَى بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ، فَكَالنَّائِمِ يُتْلِفُ شَيْئًا حَالَ نَوْمِهِ، وَالرَّامِي إِلَى صَيْدٍ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ وَرَاءَ حَائِلٍ يَقْتُلُ إِنْسَانًا، فَإِنَّهُمَا يُضَمَّنَانِ مَا أَتْلَفَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا، وَكَالْمَرْأَةِ تَحِلُّ بِعَقْدِ وَلِيِّهَا عَلَيْهَا، وَتَحْرُمُ بِطَلَاقِ زَوْجِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً لَا تَعْلَمُ.
وَأَمَّا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ وَالْكَسْبِ، فَكَالدَّابَّةِ تُتْلِفُ شَيْئًا، وَالصَّبِيِّ أَوِ الْبَالِغِ يَقْتُلُ خَطَأً، فَيَضْمَنُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَالْعَاقِلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِتْلَافُ وَالْقَتْلُ مَقْدُورًا وَلَا مُكْتَسَبًا لَهُمْ، وَطَلَاقُ الْمُكْرَهِ عِنْدَ مَوْقِعِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ بِمُطْلَقِ الْإِكْرَاهِ أَوْ مَعَ الْإِلْجَاءِ، كَمَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ.
أَمَّا الْمُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فَهُوَ قَاعِدَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ، كَالْقِصَاصِ لَا يَجِبُ عَلَى مُخْطِئٍ فِي الْقَتْلِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَحَدُّ الزِّنَى لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ أَيْضًا، وَلَا عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِامْتِنَاعِ، إِذِ الْعُقُوبَاتُ تَسْتَدْعِي وُجُودَ الْجِنَايَاتِ الَّتِي تُنْتَهَكُ بِهَا حُرْمَةُ الشَّرْعِ زَجْرًا عَنْهَا وَرَدْعًا، وَالِانْتِهَاكُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ، وَالْقَادِرُ الْمُخْتَارُ هُوَ الَّذِي إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَالْجَاهِلُ وَالْمُكْرَهُ قَدِ انْتَفَى ذَلِكَ فِيهِ، وَهُوَ شَرْطُ تَحَقُّقِ الِانْتِهَاكِ، فَيَنْتَفِي الِانْتِهَاكُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ، فَتَنْتَفِي الْعُقُوبَةُ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهَا.
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: الْأَسْبَابُ النَّاقِلَةُ لِلْأَمْلَاكِ، كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَنَحْوِهَا: يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ، فَلَوْ تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مُقْتَضَاهُ لِكَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا بَيْنَ الْعَرَبِ، أَوْ عَرَبِيًّا بَيْنَ الْعَجَمِ، أَوْ طَارِئًا عَلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ مُقْتَضَاهُ، لِقَوْلِهِ ﵇: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، وَقَوْلِهِ : ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٩] ، وَلَا يَحْصُلُ الرِّضَى إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَالِاخْتِيَارِ.
стр. 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِثْنَاءِ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ الْتِزَامُ الشَّرْعِ قَانُونَ الْعَدْلِ فِي الْخَلْقِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَإِعْفَائِهِمْ مِنْ تَكْلِيفِ الْمَشَاقِّ، أَوِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: لَوْ لَفَظَ أَعْجَمِيٌّ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، أَوْ عَرَبِيٌّ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْعَجَمِ، وَهُوَ «بِهَشْنَمْ» وَلَمْ يَعْلَمَا مَعْنَاهُ، لَمْ يَقَعْ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: إِنْ نَوَى مُوجِبَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ وَقَعَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ وَارِدًا عَلَى الْقَاعِدَةِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُخْتَارٌ عَالِمٌ، غَايَةُ مَا هُنَاكَ أَنَّ عِلْمَهُ مُبْهَمٌ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى النِّيَّةِ.
стр. 368
وَلِلْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ أَصْنَافٌ
أَحَدُهَا الْعِلَّةُ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْعَرَضُ الْمُوجِبُ لِخُرُوجِ الْبَدَنِ الْحَيَوَانِيِّ عَنِ الِاعْتِدَالِ الطَّبِيعِيِّ. ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ عَقْلًا لِمَا أَوْجَبَ الْحُكْمَ الْعَقْلِيَّ لِذَاتِهِ، كَالْكَسْرِ لِلِانْكِسَارِ، وَالتَّسْوِيدِ لِلسَّوَادِ. ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ شَرْعًا لَمَعَانٍ: أَحَدُهَا: مَا أَوْجَبَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ مُقْتَضَى الْحُكْمِ وَشَرْطِهِ وَمَحَلِّهِ وَأَهْلِهِ، تَشْبِيهًا بِأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ. الثَّانِي: مُقْتَضَى الْحُكْمِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ. الثَّالِثُ: الْحِكْمَةُ، كَمَشَقَّةِ السَّفَرِ لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، وَالدَّيْنِ لِمَنْعِ الزَّكَاةِ، وَالْأُبُوَّةِ لِمَنْعِ الْقِصَاصِ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَلِلْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ أَصْنَافٌ» ، أَيِ: الْعَلَمُ الَّذِي نَصَبَهُ الشَّارِعُ مُعَرِّفًا لِلْحُكْمِ لَهُ أَصْنَافٌ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: أَنْوَاعٌ أَوْ أَقْسَامٌ، كَالْعِلَّةِ، وَالسَّبَبِ، وَالشَّرْطِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا ذَكَرَ، فَالْعَلَمُ كَالْجِنْسِ، وَهَذِهِ أَنْوَاعُهُ، أَوْ كَالنَّوْعِ، وَهَذِهِ أَصْنَافُهُ.
وَالْعَلَمُ فِي اللُّغَةِ: الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ عَلَمُ الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَنْصَابٌ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا شَاخِصَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «أَحَدُهَا» ، أَيْ: أَحَدُ أَصْنَافِ الْعِلْمِ «الْعِلَّةُ» . قَوْلُهُ: «وَهِيَ» ، يَعْنِي: الْعِلَّةَ، «فِي الْأَصْلِ» ، أَيْ: فِي أَصْلِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ أَوِ الِاصْطِلَاحِيِّ: هِيَ «الْعَرَضُ الْمُوجِبُ لِخُرُوجِ الْبَدَنِ الْحَيَوَانِيِّ عَنِ الِاعْتِدَالِ الطَّبِيعِيِّ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي اللُّغَةِ هِيَ الْمَرَضُ، وَالْمَرَضُ هُوَ هَذَا الْعَرَضُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الظَّاهِرُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: عَرَضَ لَهُ أَمْرُ كَذَا يَعْرِضُ، أَيْ: ظَهَرَ، وَفِي اصْطِلَاحِ
стр. 369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُتَكَلِّمِينَ: هُوَ مَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، كَالْأَلْوَانِ، وَالطُّعُومِ، وَالْحَرَكَاتِ، وَالْأَصْوَاتِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ حَادِثٍ مَا، إِذَا قَامَ بِالْبَدَنِ أَخْرَجَهُ عَنِ الِاعْتِدَالِ.
وَقَوْلُنَا: «الْمُوجِبُ لِخُرُوجِ الْبَدَنِ» هُوَ إِيجَابٌ حِسِّيٌّ، كَإِيجَابِ الْكَسْرِ لِلِانْكِسَارِ، وَالتَّسْوِيدِ، لِلِاسْوِدَادِ، فَكَذَلِكَ الْأَمْرَاضُ الْبَدَنِيَّةُ مُوجِبَةٌ لِاضْطِرَابِ الْأَبْدَانِ إِيجَابًا مَحْسُوسًا.
وَقَوْلُنَا: «الْبَدَنُ الْحَيَوَانِيُّ» احْتِرَازٌ مِنَ النَّبَاتِيِّ وَالْجَمَادِيِّ، فَإِنَّ الْأَعْرَاضَ الْمُخْرِجَةَ لَهَا عَنْ حَالِ اعْتِدَالٍ مَا مِنْ شَأْنِهِ الِاعْتِدَالُ مِنْهَا لَا يُسَمَّى فِي الِاصْطِلَاحِ عِلَلًا.
وَقَوْلُنَا: «عَنِ الِاعْتِدَالِ الطَّبِيعِيِّ» هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى حَقِيقَةِ الْمِزَاجِ، وَهُوَ الْحَالُ الْمُتَوَسِّطَةُ الْحَاصِلَةُ عَنْ تَفَاعُلِ كَيْفِيَّاتِ الْعَنَاصِرِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ عَلَى مَا أَوْضَحْتُهُ فِي الْقَوَاعِدِ، فَتِلْكَ الْحَالُ هِيَ الِاعْتِدَالُ الطَّبِيعِيِّ، فَإِذَا انْحَرَفَتْ عَنِ التَّوَسُّطِ بِغَلَبَةِ الْحَرَارَةِ، أَوِ الْبُرُودَةِ، أَوِ الرُّطُوبَةِ، أَوِ الْيُبُوسَةِ، كَانَ ذَلِكَ هُوَ انْحِرَافُ الْمِزَاجِ، وَهُوَ الْعِلَّةُ وَالْمَرَضُ وَالسَّقَمُ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ عَقْلًا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: ثُمَّ اسْتُعِيرَتِ الْعِلَّةُ مِنَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، فَجُعِلَتْ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْعَقْلِيَّةِ «لِمَا أَوْجَبَ الْحُكْمَ الْعَقْلِيَّ لِذَاتِهِ، كَالْكَسْرِ لِلِانْكِسَارِ، وَالتَّسْوِيدِ» الْمُوجِبِ، أَيْ: الْمُؤْثِرِ «لِلسَّوَادِ» لِذَاتِهِ، أَيْ: لِكَوْنِهِ كَسْرًا، أَوْ تَسْوِيدًا، لَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ وَضْعٍ أَوِ اصْطِلَاحٍ.
وَهَكَذَا الْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ لِذَوَاتِهَا بِهَذَا الْمَعْنَى، كَالتَّحَرُّكِ الْمُوجِبِ لِلْحَرَكَةِ، وَالتَّسْكِينِ الْمُوجِبِ لِلسُّكُونِ.
«ثُمَّ اسْتُعِيرَتِ» الْعِلَّةُ مِنَ التَّصَرُّفِ الْعَقْلِيِّ إِلَى التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ، فَجُعِلَتْ فِيهِ
стр. 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«لِمَعَانٍ» ثَلَاثَةٍ:
«أَحَدُهَا: مَا أَوْجَبَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ» ، أَيْ: مَا وُجِدَ عِنْدَهُ «لَا مَحَالَةَ» ، أَيْ: يُوجَدُ عِنْدَهُ قَطْعًا وَلَابُدَّ «وَهُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ مُقْتَضَى الْحُكْمِ وَشَرْطِهِ وَمَحَلِّهِ وَأَهْلِهِ تَشْبِيهًا بِأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ» .
وَذَلِكَ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرَهُمْ قَالُوا: كُلُّ حَادِثٍ، فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، لَكِنَّ الْعِلَّةَ إِمَّا مَادِّيَّةٌ: كَالْفِضَّةِ لِلْخَاتَمِ، وَالْخَشَبِ لِلسَّرِيرِ، أَوْ صُورِيَّةٌ: كَاسْتِدَارَةِ الْخَاتَمِ، وَتَرْبِيعِ السَّرِيرِ، أَوْ فَاعِلِيَّةٌ: كَالصَّائِغِ وَالنَّجَّارِ، أَوْ غَائِيَّةٌ: كَالتَّحَلِّي بِالْخَاتَمِ، وَالنَّوْمِ عَلَى السَّرِيرِ. فَهَذِهِ أَجْزَاءُ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَمَجْمُوعُهَا الْمُرَكَّبُ مِنْ أَجْزَائِهَا هُوَ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ، فَكَذَلِكَ اسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْعِلَّةِ بِإِزَاءِ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَالْمُوجِبُ لَهُ لَا مَحَالَةَ هُوَ مُقْتَضِيهِ وَشَرْطُهُ وَمَحَلُّهُ وَأَهْلُهُ.
مِثَالُهُ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَمُقْتَضِيهِ: أَمْرُ الشَّارِعِ بِالصَّلَاةِ، وَشَرْطُهُ: أَهْلِيَّةُ الْمُصَلِّي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ إِلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا، وَمَحَلُّهُ: الصَّلَاةُ، وَأَهْلُهُ: الْمُصَلِّي.
وَكَذَلِكَ حُصُولُ الْمُلْكِ فِي الْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَمُقْتَضِيهِ: حِكْمَةُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا، وَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِيهِمَا، وَشَرْطُهُ: مَا ذُكِرَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَمَحَلُّهُ: هُوَ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ وَالْمَرْأَةُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا، وَأَهْلُهُ: كَوْنُ الْعَاقِدِ صَحِيحَ الْعِبَارَةِ وَالتَّصَرُّفِ.
وَافْرِضْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الزِّنَى وَالْقَتْلِ وَالرِّدَّةِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْعُقُوبَاتِ فِيهَا أَحْكَامٌ لَهَا مُقْتَضَيَاتٌ وَشُرُوطٌ وَمَحَالٌّ وَأَهْلٌ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
стр. 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُقْتَضِي وَالشَّرْطِ وَالْمَحَلِّ وَالْأَهْلِ، بَلِ الْعِلَّةُ الْمَجْمُوعُ، وَالْأَهْلُ وَالْمَحَلُّ وَصْفَانِ مِنْ أَوْصَافِهَا.
قُلْتُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُمَا رُكْنَانِ مِنْ أَرْكَانِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمَا جُزْءَانِ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَرُكْنُ الشَّيْءِ: هُوَ جُزْؤُهُ الدَّاخِلُ فِي حَقِيقَتِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْأَرْبَعَةُ مَجْمُوعُهَا يُسَمَّى عِلَّةً، وَمُقْتَضَى الْحُكْمِ: هُوَ الْمَعْنَى الطَّالِبُ لَهُ، وَشَرْطُهُ: يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَهْلُهُ: هُوَ الْمُخَاطَبُ بِهِ، وَمَحَلُّهُ: مَا تَعَلَّقَ بِهِ. وَقَدْ بَانَ الْمِثَالُ.
قَوْلُهُ: «الثَّانِي» أَيِ: الثَّانِي مِنَ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي اسْتُعِيرَتْ لَهَا الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهُوَ «مُقْتَضَى الْحُكْمِ وَإِنْ تَخَلَّفَ» ، أَيْ: وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ الْحُكْمُ «لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ» ، مِثَالُهُ: الْيَمِينُ هِيَ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَتُسَمَّى عِلَّةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِمَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ: الْحَلِفُ الَّذِي هُوَ الْيَمِينُ وَالْحِنْثُ فِيهَا، لَكِنَّ الْحِنْثَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَالْحَلِفُ هُوَ السَّبَبُ الْمُقْتَضِي لَهُ فَقَالُوا: هُوَ عِلَّةٌ، فَإِذَا حَلَفَ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ، قِيلَ: قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ عِلَّةُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ لَا يُوجَدُ حَتَّى يَحْنَثَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمُجَرَّدِ الْحَلِفِ، انْعَقَدَ سَبَبُهُ. وَكَذَا الْكَلَامُ فِي مُجَرَّدِ مِلْكِ النَّصَّابِ، يُقَالُ: وُجِدَتْ عِلَّةُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّ مِلْكَ النَّصَّابِ مُقْتَضٍ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْوُجُوبُ إِلَّا بَعْدَ
стр. 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُؤُولِ الْحَوْلِ، وَلَكِنْ بِمِلْكِ النَّصَّابِ، انْعَقَدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ. وَكَذَلِكَ الْجَرْحُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، وَزَهُوقُ نَفْسِ الْمَجْرُوحِ شَرْطٌ. وَلِهَذَا لَمَّا انْعَقَدَتْ أَسْبَابُ الْوُجُوبِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْمُقْتَضَيَاتِ، جَازَ فِعْلُ الْوَاجِبِ بَعْدَ وُجُودِهَا وَقَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهَا عِنْدَنَا، كَالتَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَقَوْلُهُ: «لِفَوَاتِ شَرْطٍ» ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ: يُسَمَّى عِلَّةً لِوُجُوبِ الْقَوَدِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ وُجُوبُهُ لِفَوَاتِ الْمُكَافَأَةِ، وَهِيَ شَرْطٌ لَهُ، بِأَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا، «أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ» ، مِثْلِ: إِنْ كَانَ الْقَاتِلُ وَالِدًا، فَإِنَّ الْإِيلَادَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَكَذَلِكَ النِّصَابُ يُسَمَّى: عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ الْوُجُوبُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، كَحُؤُولِ الْحَوْلِ، أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ، كَالدَّيْنِ، فَإِنَّهُ مَانِعٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: «الثَّالِثُ» ، أَيْ: مِنَ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي اسْتُعِيرَتْ لَهَا الْعِلَّةُ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ حِكْمَةُ الْحُكْمِ، «كَمَشَقَّةِ السَّفَرِ لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، وَالدَّيْنِ لِمَنْعِ الزَّكَاةِ، وَالْأُبُوَّةِ لِمَنْعِ الْقِصَاصِ» ، فَيَقُولُونَ: مَشَقَّةُ السَّفَرِ هِيَ عِلَّةُ اسْتِبَاحَةِ الْقَصْرِ، وَالْفِطْرُ لِلْمُسَافِرِ، وَالدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ مَالِكِ النِّصَابِ عِلَّةٌ لِمَنْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَالْأُبُوَّةُ، أَيْ: كَوْنُ الْقَاتِلِ أَبًا، عِلَّةٌ لِمَنْعِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ.
وَالْمُرَادُ بِحِكْمَةِ الْحُكْمِ: هُوَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْحُكْمُ.
وَبَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ: أَنَّ حُصُولَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُسَافِرِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ
стр. 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ عَنْهُ بِقَصْرِهَا وَالتَّخْفِيفُ عَنْهُ بِالْفِطْرِ، وَانْقِهَارُ مَالِكِ النَّصَّابِ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِإِسْقَاطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَنْهُ، وَكَوْنُ الْأَبِ سَبَبُ وُجُودِ الْوَلَدِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبَ إِيجَادِهِ لَمْ تَقْتَضِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ سَبَبَ إِعْدَامِهِ وَهَلَاكِهِ لِمَحْضِ حَقِّهِ.
وَاحْتَرَزْنَا بِهَذَا عَنْ وُجُوبِ رَجْمِهِ إِذَا زَنَى بِابْنَتِهِ، فَهِيَ إِذًا سَبَبُ إِعْدَامِهِ مَعَ كَوْنِهِ سَبَبَ إِيجَادِهَا، لَكِنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ حَقِّ اللَّهِ ، حَتَّى لَوْ قَتَلَهَا، لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ بِهَا، لَأَنَّ الْحَقَّ لَهَا.
стр. 374
الثَّانِي: السَّبَبُ ، وَهُوَ لُغَةً مَا تُوُصِّلَ بِهِ إِلَى الْغَرَضِ، وَاشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحَبْلِ أَوْ بِالْعَكْسِ. وَاسْتُعِيرَ شَرْعًا لَمَعَانٍ: أَحُدُهَا: مَا يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ مَعَ التَّرْدِيَةِ، فَالْأَوَّلُ سَبَبٌ، وَالثَّانِي: عِلَّةٌ. الثَّانِي: عِلَّةُ الْعِلَّةِ، كَالرَّمْيِ، هُوَ سَبَبٌ لِلْقَتْلِ، وَهُوَ عِلَّةُ الْإِصَابَةِ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ الزُّهُوقِ. الثَّالِثُ: الْعِلَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا، كَالنِّصَابِ بِدُونِ الْحَوْلِ. الرَّابِعُ: الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كَامِلَةً، وَسُمِّيَتْ سَبَبًا، لِأَنَّ عِلِّيَّتَهَا لَيْسَتْ لِذَاتِهَا، بَلْ بِنَصْبِ الشَّارِعِ لَهَا، فَأَشْبَهَتِ السَّبَبَ، وَهُوَ مَا يَحْصُلُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ لَا بِهِ.
ــ
قَوْلُهُ: «الثَّانِي» : أَيْ: مِنْ أَصْنَافِ الْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ، وَالَّذِي سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ هِيَ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ فِيهَا الْعِلَّةُ، فَالثَّانِي مِنْ أَصْنَافِ الْعَلَمِ الْمُعَرِّفِ لِحُكْمِ الشَّرْعِ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ هُوَ «السَّبَبُ» .
«وَهُوَ لُغَةً» ، أَيْ: فِي اللُّغَةِ: «مَا تُوُصِّلَ بِهِ إِلَى الْغَرَضِ» الْمَقْصُودِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو حَامِدٍ: السَّبَبُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَحْصُلُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ لَا بِهِ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْتُهُ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السَّبَبُ: الْحَبْلُ، وَالسَّبَبُ أَيْضًا: كُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ. نَعَمْ حُكْمُ السَّبَبِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ يُوجَدُ عِنْدَهُ لَا بِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ فِي الْوُجُودِ، بَلْ وَصْلَةٍ وَوَسِيلَةٍ إِلَيْهِ، فَالْحَبْلُ مَثَلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى إِخْرَاجِ الْمَاءِ مِنَ الْبِئْرِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ فِي الْإِخْرَاجِ، إِنَّمَا الْمُؤَثِّرُ حَرَكَةُ الْمُسْتَقِي لِلْمَاءِ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الْحَجِّ: ١٥] فَهُوَ الْحَبْلُ أَيْضًا، وَالْمَعْنَى: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ، فَلْيَمْدُدْ حَبْلًا إِلَى سَمَاءِ بَيْتِهِ، وَلْيَجْعَلْهُ فِي حَلْقِهِ، ثُمَّ يَصْلُبْ نَفْسَهُ حَتَّى يَخْتَنِقَ، وَقِيلَ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَلْيَخْنُقْ نَفْسَهُ،
стр. 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَبْطِئُونَ نُصْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «وَاشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحَبْلِ أَوْ بِالْعَكْسِ» ، أَيِ: السَّبَبُ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ مَا ذَكَرَ، وَاشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ فِي الْحَبْلِ، أَوْ أَنَّهُ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ الْحَبْلُ، وَاشْتُهِرَ فِي الْعُرْفِ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا تُوُصِّلَ بِهِ إِلَى الْغَرَضِ. هَذَا مَعْنَى الْعَكْسِ الْمُرَادِ هُنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا تَرَدُّدٌ فِي وَقْتِ الِاخْتِصَارِ، فَإِنِّي لَمْ أُطَالِعْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ الْمَوْثُوقِ بِهَا. ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ السَّبَبَ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ عَلَى الْحَبْلِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ رَأَيْتُ أَنَّ كُلَّ مَا تُوُصِّلَ بِهِ إِلَى مَقْصُودٍ مَا، فَهُوَ سَبَبٌ لَهُ، وَرَأَيْتُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، فَبَقِيتُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَنَّ السَّبَبَ مَوْضُوعٌ لِمَا تُوُصِّلُ بِهِ إِلَى الْغَرَضِ مُتَعَارَفٌ فِي الْحَبْلِ، أَوْ مَوْضُوعٌ لِلْحَبْلِ مُتَعَارَفٌ فِيمَا تُوُصِّلَ بِهِ إِلَى الْغَرَضِ فَأَطْلَقْتُ الْقَوْلَ بِالتَّرَدُّدِ حَذَرًا مِنَ الْخَطَأِ فِي الْجَزْمِ بِأَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ، فَالْآنَ عِنْدَ الشَّرْحِ طَالَعْتُهُ فِي «الصِّحَاحِ» ، فَوَجَدْتُهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كَمَا حَكَيْتُهُ لَكَ آنِفًا.
قَوْلُهُ: «وَاسْتُعِيرَ شَرْعًا» ، أَيْ: وَاسْتُعِيرَ السَّبَبُ مِنَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ إِلَى التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ «لِمَعَانٍ» أَرْبَعَةٍ:
«أَحَدُهَا: مَا يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ مَعَ التَّرْدِيَةِ» فِيهَا، فَإِذَا حَفَرَ شَخْصٌ بِئْرًا، وَدَفَعَ آخَرُ إِنْسَانًا فَتَرَدَّى فِيهَا فَهَلَكَ، «فَالْأَوَّلُ» ، وَهُوَ الْحَافِرُ، «سَبَبٌ» إِلَى هَلَاكِهِ،
стр. 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«وَالثَّانِي» ، وَهُوَ الدَّافِعُ، مُبَاشِرٌ لَهُ، فَأَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ السَّبَبَ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ، فَقَالُوا: إِذَا اجْتَمَعَ الْمُتَسَبِّبُ وَالْمُبَاشِرُ، غَلَبَتِ الْمُبَاشَرَةُ، وَوَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُبَاشِرِ، وَانْقَطَعَ حُكْمُ الْمُتَسَبِّبِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: لَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ، فَقَدَّهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتَلَقِّي بِالسَّيْفِ، وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ، فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ؛ فَابْتَلَعَهُ؛ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُلْقِي؛ لِعَدَمِ قَبُولِ الْحُوتِ لِلضَّمَانِ، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ، وَكَذَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ، بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ طَارَ؛ فَأَخَذَهُ إِنْسَانٌ مِنَ الْقَفَصِ فِي يَدِهِ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى هَذَا، لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِتَفْوِيتِهِ، وَلَوْ حَلَّ وِعَاءَ مَائِعٍ، بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ سَالَ؛ فَجَاءَ آخَرُ فَدَفَقَهُ؛ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ. وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الصُّوَرَ.
وَقَوْلِي: «فَالْأَوَّلُ سَبَبٌ، وَالثَّانِي عِلَّةٌ» : إِشَارَةٌ إِلَى الْحَفْرِ وَالتَّرْدِيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ، وَالْمُتَسَبِّبُ وَالْمُبَاشِرُ فَاعِلَانِ.
«الثَّانِي» مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي اسْتُعِيرَ لَهَا لَفْظُ السَّبَبِ شَرْعًا «عِلَّةُ الْعِلَّةِ، كَالرَّمْيِ» ، سُمِّيَ سَبَبًا لِلْقَتْلِ، وَهُوَ - أَعْنِي الرَّمْيَ - عِلَّةُ الْإِصَابَةِ، وَالْإِصَابَةُ عِلَّةٌ لِزَهُوقِ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ؛ فَالرَّمْيُ هُوَ عِلَّةُ عِلَّةِ الْقَتْلِ، وَقَدْ سَمَّوْهُ سَبَبًا لَهُ.
стр. 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الثَّالِثُ» مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي اسْتُعِيرَ لَهَا لَفْظُ السَّبَبِ «الْعِلَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا» ، كَالنِّصَابِ بِدُونِ حَوَلَانِ الْحَوْلِ يُسَمَّى سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَسْمِيَتِهِ عِلَّةً. «الرَّابِعُ» مِنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ: «الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ كَامِلَةً» وَهِيَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْمُقْتَضِي وَالشَّرْطُ وَانْتِفَاءُ الْمَانِعِ وَوُجُودُ الْأَهْلِ وَالْمَحَلُّ يُسَمَّى سَبَبًا.
قَوْلُهُ: «وَسُمِّيَتْ سَبَبًا» إِلَى آخِرِهِ، إِشَارَةً إِلَى بَحْثٍ عَقْلِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْعِلَلَ الْعَقْلِيَّةَ مُوجِبَةٌ لِوُجُودِ مَعْلُولِهَا، كَمَا عَرَفَ مِنَ الْكَسْرِ لِلِانْكِسَارِ، وَسَائِرُ الْأَفْعَالِ مَعَ الِانْفِعَالَاتِ، فَإِنَّهُ مَتَى وَجَدَ الْفِعْلَ الْقَابِلَ، وَانْتَفَى الْمَانِعَ، وَجَدَ الِانْفِعَالَ بِخِلَافِ الْأَسْبَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ مُسَبِّبَاتِهَا. وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِتَسْمِيدِ الزَّرْعِ، وَهُوَ إِطْعَامُهُ التُّرَابَ لِيَنْمُوَ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ النُّمُوُّ، بَلْ قَدْ يَنْمُو، وَقَدْ لَا. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَنَحْنُ قَدْ سَمَّيْنَا الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الْكَامِلَةَ الَّتِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ مَعْلُولِهَا سَبَبًا، مَعَ أَنَّ السَّبَبَ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ مُسَبِّبِهِ، وَهَذَا تَسْمِيَةٌ لِلْعِلَّةِ بِدُونِ اسْمِهَا، وَوَضْعٌ لَهَا دُونَ مَوْضِعِهَا، فَهَذَا سُؤَالٌ مُقَدَّرٌ، وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْعِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ عِلِّيَّتُهَا لِذَاتِهَا، أَيْ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ فِي مَعْلُولِهَا لِذَاتِهَا لَا بِوَاسِطَةٍ، وَالْعِلَّةُ
стр. 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّرْعِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ كَامِلَةً، وَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ مَعْلُولِهَا، وَهُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، لَكِنْ عِلِّيَّتُهَا لَيْسَتْ لِذَاتِهَا، بَلْ بِوَاسِطَةِ نَصْبِ الشَّارِعِ لَهَا؛ فَضَعُفَتْ لِذَلِكَ عَنِ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَأَشْبَهَتِ السَّبَبَ الَّذِي حُكْمُهُ أَنْ يَحْصُلَ عِنْدَهُ لَا بِهِ، كَمَا بَيَّنَّا قَبْلُ، وَحَيْثُ أَشْبَهَتِ السَّبَبَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ سُمِّيَتْ سَبَبًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِذَاتِهَا، أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الشَّرْعِ، وَلَمْ تُوجَدْ أَحْكَامُهَا، كَالْإِسْكَارِ فِي الْخَمْرِ، وَالْكَيْلِ فِي الْبُرِّ، وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يُوجَدِ التَّحْرِيمُ، وَالرِّبَا، وَلَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِحُكْمِهَا بِذَاتِهَا لَمَا تَخَلَّفَتْ عَنْهَا أَحْكَامُهَا فِي وَقْتٍ مَا مَعَ زَوَالِ مَانِعِهَا مِنَ التَّأْثِيرِ، كَمَا لَا يَتَخَلَّفُ الِانْفِعَالُ عَنِ الْفِعْلِ، فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ تَأْثِيرَهَا وَضْعِيٌّ لَا ذَاتِيٌّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 379
الثَّالِثُ: الشَّرْطُ ، وَهُوَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ ﴿جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ، وَشَرْعًا: مَا لَزِمَ مِنِ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ أَمْرٍ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ. كَالْإِحْصَانِ وَالْحَوْلِ، يَنْتَفِي الرَّجْمُ وَالزَّكَاةُ لِانْتِفَائِهِمَا. وَهُوَ عَقْلِيٌّ، كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَلُغَوِيٌّ، كَدُخُولِ الدَّارِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ. وَشَرْعِيٌّ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ. وَعَكْسُهُ الْمَانِعُ، وَهُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ عَدَمُ الْحُكْمِ. وَنَصْبُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، مُفِيدَةً مُقْتَضَيَاتِهَا، حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. إِذْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي حُكْمَانِ: وُجُوبُ الْحَدِّ وَسَبَبُهُ الزِّنَى لَهُ.
ــ
قَوْلُهُ: «الثَّالِثُ: الشَّرْطُ» أَيِ: الثَّالِثُ مِنْ أَصْنَافِ الْعَلَمِ الشَّرْعِيِّ الْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ، هُوَ الشَّرْطُ.
«وَهُوَ لُغَةً» : أَيْ: فِي اللُّغَةِ: «الْعَلَامَةُ» لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٨] ، أَيْ: عَلَامَاتُهَا، كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّرْطُ مَعْرُوفٌ - يَعْنِي: بِالسُّكُونِ - وَالشَّرَطُ بِالتَّحْرِيكِ: الْعَلَامَةُ، وَأَشْرَاطُ السَّاعَةِ: عَلَامَاتُهَا.
قُلْتُ: وَمَعَ اتِّفَاقِ الْمَادَّةِ لَا أَثَرَ لِاخْتِلَافِ الْحَرَكَاتِ، وَالْكُلُّ ثَابِتٌ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. قَوْلُهُ: «وَشَرْعًا» أَيْ: وَالشَّرْطُ فِي الشَّرْعِ «مَا لَزِمَ مِنِ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ أَمْرٍ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ» .
فَقَوْلُنَا: مَا لَزِمَ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ أَمْرٍ، يَتَنَاوَلُ الشَّرْطَ، وَالسَّبَبَ، وَجُزْءَ السَّبَبِ، فَإِنَّ الشَّرْطَ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ، كَالْإِحْصَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ وُجُوبِ رَجْمِ الزَّانِي، يَنْتَفِي وُجُوبُ الرَّجْمِ لِانْتِفَائِهِ، فَلَا يُرْجَمُ إِلَّا مُحْصَنٌ. وَكَالْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، يَنْتَفِي وُجُوبُهَا لِانْتِفَائِهِ، فَلَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَهَذَا
стр. 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعْنَى قَوْلِهِ: «كَالْإِحْصَانِ وَالْحَوَلِ يَنْتَفِي الرَّجْمُ وَالزَّكَاةُ لِانْتِفَائِهِمَا» .
وَالسَّبَبُ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ الْكَامِلَةُ أَوِ الْعِلَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا، يَنْتَفِي الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ مَعْلُولُهَا بِانْتِفَائِهَا، أَوْ بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْهَا، كَانْتِفَاءِ الْبَيْعِ لِانْتِفَاءِ الْعَقْدِ وَالْمُتَعَاقِدَيْنِ وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ وَانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانْتِفَاءِ الْحَدِّ وَالزَّكَاةِ لِانْتِفَاءِ الزِّنَى وَالنِّصَابِ.
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُنَا: مَا لَزِمَ مِنِ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ أَمْرٍ يَتَنَاوَلُ السَّبَبَ أَيْضًا؛ فَيَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ مَانِعٍ قَالَ: «عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ» لِيَخْرُجَ السَّبَبُ وَجُزْؤُهُ. وَثَمَّ تَحْقِيقٌ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ وَالشَّرْطِ، وَجُزْئِهِمَا يُذْكَرُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ عَقْلِيٌّ» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَالشَّرْطُ عَلَى أَضْرُبٍ: عَقْلِيٌّ وَلُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ.
فَالْعَقْلِيُّ: «كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ» ، فَإِنَّهَا شَرْطٌ لَهُ، إِذْ لَا يَعْقِلُ عَالِمٌ إِلَّا وَهُوَ حَيٌّ، فَالْحَيَاةُ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَائِهَا انْتِفَاءُ الْعِلْمِ، إِذِ الْجِسْمُ بِدُونِهَا جَمَادٌ، وَقِيَامُ الْعِلْمِ بِالْجَمَادِ مُحَالٌ. نَعَمْ لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْعِلْمِ انْتِفَاءُ الْحَيَاةِ، كَمَا فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ لِلْمَشْرُوطِ، وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّ الْمَلْزُومَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ، وَلَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ اللَّازِمِ لِانْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ، لَكِنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْلَالٌ عَلَى الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، إِذْ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ: وَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ لِلْمَشْرُوطِ؟ فَإِنَّ هَذَا هُوَ قَوْلُكُمْ: الشَّرْطُ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ مَشْرُوطِهِ، كَمَا يُقَالُ: اللَّازِمُ مَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا شَرْطًا عَقْلِيًّا، لِأَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ لُزُومَهُ لِمَشْرُوطِهِ، وَعَدَمَ تَصَوُّرِ انْفِكَاكِهِ عَنْهُ، كَمَا أَدْرَكَ لُزُومَ الْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ.
стр. 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ: «كَدُخُولِ الدَّارِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ» أَوِ الْعَتَاقِ «الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ» فِيمَا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لِأَمَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ. فَدُخُولُ الدَّارِ شَرْطٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْحُرِّيَّةِ وَلَازِمٌ لَهُ حَتَّى إِنَّهُ مَادَامَ الدُّخُولُ مُنْتَفِيًا، فَالطَّلَاقُ وَالْحُرِّيَّةُ مُنْتَفِيَانِ، وَإِذَا وُجِدَ الدُّخُولُ وُجِدَ الطَّلَاقُ وَالْحُرِّيَّةُ.
وَالشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ: «كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ» فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ انْتِفَاءُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، لِجَوَازِ انْتِفَائِهَا لِانْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ.
تَنْبِيهٌ: وَلِلشَّرْطِ قِسْمٌ رَابِعٌ، وَهُوَ الْعَادِيُّ، كَالْغِذَاءِ لِلْحَيَوَانِ، وَالْغَالِبُ فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْغِذَاءِ [انْتِفَاءُ] الْحَيَاةِ، وَمِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهَا، إِذْ لَا يَتَغَذَّى إِلَّا حَيٌّ، فَعَلَى هَذَا الشَّرْطِ الْعَادِيِّ كَاللُّغَوِيِّ، فِي أَنَّهُ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ، وَيَكُونَانِ مِنْ قَبِيلِ الْأَسْبَابِ، لَا مِنْ قَبِيلِ الشُّرُوطِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا الْوُجُودُ وَمِنْ عَدِمِهَا الْعَدَمُ بِخِلَافِ الشُّرُوطِ الْعَقْلِيَّةِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْحَيَّاتِ فِي الشِّتَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ، فَقِيلَ: تَتَغَذَّى بِالتُّرَابِ، وَقِيلَ: لَا تَتَغَذَّى مُدَّةَ مُكْثِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنِ انْتِفَاءِ الْغِذَاءِ فِي حَقِّهَا انْتِفَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْعَكِسُ الْحَالُ، وَتَصِيرُ الْحَيَاةُ هِيَ شَرْطُ الْغِذَاءِ، إِذْ يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْحَيَاةِ انْتِفَاؤُهُ. وَاعْلَمْ أَنْ مُكْثَ الْحَيَّةِ مُدَّةَ الشِّتَاءِ بِغَيْرِ غِذَاءٍ بَعِيدٌ جِدًّا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ وَهَبٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا مَسَخَهَا، وَأَخْرَجَهَا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ لَهَا: «إِنِّي
стр. 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَعَلْتُ مَسْكَنَكَ الظُّلُمَاتِ، وَطَعَامَكَ التُّرَابَ» . وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهَا تَمْكُثُ بِغَيْرِ غِذَاءٍ ظَاهِرٍ، لَكِنَّهَا تَسْتَعِدُّ مِنَ الصَّيْفِ لِلشِّتَاءِ بِأَنْ تَأْكُلَ فِيهِ مَا يَكْفِيهَا بِحَسَبِ الْإِلْهَامِ الْإِلَهِيِّ.
قَوْلُهُ: «وَعَكْسُهُ» ، أَيْ: وَعَكْسُ الشَّرْطِ «الْمَانِعِ، وَهُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ عَدَمُ الْحُكْمِ» كَالدَّيْنِ مَعَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَالْأُبُوَّةِ مَعَ الْقِصَاصِ.
وَوَجْهُ الْعَكْسِ فِيهِ أَنَّ الشَّرْطَ يَنْتَفِي الْحُكْمُ لِانْتِفَائِهِ، وَالْمَانِعُ يَنْتَفِي الْحُكْمُ لِوُجُودِهِ. فَوُجُودُ الْمَانِعِ وَانْتِفَاءُ الشَّرْطِ سَوَاءٌ فِي اسْتِلْزَامِهِمَا انْتِفَاءَ الْحُكْمِ، وَانْتِفَاءُ الْمَانِعِ وَوُجُودُ الشَّرْطِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُمَا وُجُودُ الْحُكْمِ وَلَا عَدَمُهُ.
تَنْبِيهٌ، يَتَضَمَّنُ فَوَائِدَ ، كَالتَّكْمِلَةِ لِمَا فِي «الْمُخْتَصَرِ» :
إِحْدَاهُنَّ: فِي الْكَلَامِ عَلَى السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَالْمَانِعِ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: السَّبَبُ عِبَارَةٌ عَنْ وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ دَلَّ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى كَوْنِهِ مُعَرِّفًا لِثُبُوتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، طَرْدِيًّا كَانَ، كَجَعْلِ زَوَالِ الشَّمْسِ سَبَبًا لِلصَّلَاةِ، أَوْ غَيْرَ طَرْدِيٍّ، كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، سَوَاءٌ اطَّرَدَ الْحُكْمُ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَطَّرِدْ.
قُلْتُ: قَوْلُهُ: وَصْفٌ، احْتِرَازٌ مِنَ الذَّوَاتِ، فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ أَسْبَابًا.
وَقَوْلُهُ: ظَاهِرٌ: احْتِرَازٌ مِنَ الْوَصْفِ الْخَفِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا.
وَقَوْلُهُ: مُنْضَبِطٌ احْتِرَازٌ مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ حَتَّى يَتَرَتَّبَ
стр. 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُمَثَّلُ الْخَفِيُّ وَغَيْرُ الْمُنْضَبِطِ جَمِيعًا بِخُرُوجِ الْحَدَثِ حَالَ النَّوْمِ، وَبِحَقِيقَةِ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ، وَكَذَلِكَ رَبَطَ الْحُكْمَ بِوُجُودِ النَّوْمِ وَالسَّفَرِ لِانْضِبَاطِهِمَا.
وَقَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ طَرْدِيًّا، أَيْ: غَيْرَ مُنَاسِبٍ عَقْلًا، أَوْ غَيْرَ طَرْدِيٍّ، أَيْ: مُنَاسِبًا عَقْلًا، كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، فَإِنَّهَا تُنَاسِبُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، بِخِلَافِ الزَّوَالِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَاسِبُ عَقْلًا وُجُوبَ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ شَرْعًا، وَلَوْلَاهُ مَا ثَبَتَ.
وَقَوْلُهُ: اطَّرَدَ الْحُكْمُ أَوْ لَمْ يَطَّرِدْ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ السَّبَبَ الشَّرْعِيَّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ، إِذْ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ إِلَّا وُجُودُ حُكْمِهَا فِي بَعْضِ صُوَرِ وُجُودِهَا دُونَ بَعْضٍ، وَهُوَ عَدَمُ الِاطِّرَادِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: السَّبَبُ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، وَمَنْ عَدِمَهُ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ.
فَالْأَوَّلُ: احْتِرَازٌ مِنَ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ.
وَالثَّانِي: احْتِرَازٌ مِنَ الْمَانِعِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ.
وَالثَّالِثُ: احْتِرَازٌ مِمَّا لَوْ قَارَنَ السَّبَبُ فِقْدَانَ الشَّرْطِ أَوْ وُجُودَ الْمَانِعِ، كَالنِّصَابِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، أَوْ مَعَ وُجُودِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ، بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ وَوُجُودُ الْمَانِعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَّفَ السَّبَبَ سَبَبٌ آخَرُ لَمْ يَلْزَمْ مَنْ عَدِمَهُ الْعَدَمُ، كَالزِّنَى إِذَا عُدِمَ، لَا يَلْزَمُ مَنْ عَدِمَهُ عَدَمُ الْجَلْدِ، لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ بِالْقَذْفِ، وَكَالرِّدَّةِ إِذَا انْتَفَتْ، لَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْقَتْلِ لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ قِصَاصًا، لَكِنَّ كَوْنَهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَهُوَ كَوْنُ السَّبَبِ الْآخَرِ خَلَّفَهُ.
قُلْتُ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ حُكْمِهِ الْخَاصِّ بِهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ لَا مُطْلَقًا، وَحُكْمُ السَّبَبِ الْخَالِفِ غَيْرُ حُكْمِ السَّبَبِ الزَّائِلِ، إِذِ الْجَلْدُ
стр. 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِالْقَذْفِ غَيْرُ الْجَلْدِ بِالزِّنَى.
وَأَمَّا الشَّرْطُ، فَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَلَا الْعَدَمُ لِذَاتِهِ.
فَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنَ الْمَانِعِ.
قُلْتُ: لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ، كَالدَّيْنِ: يَجُوزُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ مَعَ انْتِفَائِهِ لِوُجُودِ الْغِنَى، وَعَدَمُ وُجُوبِهَا لِوُجُودِ الْفَقْرِ مَعَ انْتِفَاءِ الدَّيْنِ.
وَالثَّانِي: احْتِرَازٌ مِنَ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ أَيْضًا. أَمَّا مِنَ السَّبَبِ، فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ لِذَاتِهِ كَمَا سَبَقَ، وَأَمَّا مِنَ الْمَانِعِ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ.
وَالثَّالِثُ: احْتِرَازٌ مِنْ مُقَارَنَةِ الشَّرْطِ وُجُودَ السَّبَبِ، فَيَلْزَمُ الْوُجُودُ، أَوْ قِيَامَ الْمَانِعِ، فَيَلْزَمُ الْعَدَمُ، لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ شَرْطًا، بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَهُوَ مُقَارَنَةُ السَّبَبِ، أَوْ قِيَامُ الْمَانِعِ، وَقِيلَ: الشَّرْطُ عِبَارَةٌ عَنْ وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ دَلَّ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَائِهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ عَدَمُهُ مُخِلًّا بِحُكْمِهِ السَّبَبَ فَهُوَ شَرْطُ السَّبَبِ كَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنَّ عَدَمَهُ مُخِلٌّ بِحِكْمَةِ النِّصَابِ، إِذْ حِكْمَتُهُ الْغِنَى، وَكَمَالُ الْغِنَى بِالْحَوْلِ لِتَحَقُّقِ تَنْمِيَةِ الْمَالِ لِمَنْ أَرَادَهَا، فَتَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ، فَعَدَمُ تَمَامِ الْحَوْلِ مُخِلٌّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ، فَهُوَ شَرْطُ السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَ عَدَمُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى حِكْمَةٍ مُنَاقِضَةٍ لِحِكْمَةِ السَّبَبِ مَعَ بَقَائِهَا، فَهُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ كَانْتِفَاءِ الْأُبُوَّةِ هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ، فَعَدَمُ هَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْأُبُوَّةِ، غَيْرُ مُخِلٍّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ، وَهِيَ الْقَتْلُ قِصَاصًا، إِذْ لَوْ قُتِلَ الْأَبُ بِوَلَدِهِ، لَحَصَلَتِ الْحِكْمَةُ، وَهِيَ الزَّجْرُ، لَكِنَّهُ مُشْتَمِلٌ
стр. 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى حِكْمَةٍ مُنَاقِضَةٍ لِحِكْمَةِ السَّبَبِ، وَهِيَ قَتْلُ الْأَبِ قِصَاصًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إِعْدَامَ الْأَبِ، وَكَوْنُهُ سَبَبَ وُجُودِ الِابْنِ يَقْتَضِي اسْتِبْقَاءَهُ كَمَا سَبَقَ، فَتَنَاقَضَتِ الْحِكْمَتَانِ: حِكْمَةُ السَّبَبِ، وَحِكْمَةُ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ.
وَأَمَّا الْمَانِعُ: فَهُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ، وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ.
فَالْأَوَّلُ: احْتِرَازٌ مِنَ السَّبَبِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ.
وَالثَّانِي: احْتِرَازٌ مِنَ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ.
وَالثَّالِثُ: احْتِرَازٌ مِنْ مُقَارَنَةِ عَدَمِهِ لِوُجُودِ السَّبَبِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوُجُودُ لَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ بَلْ لِوُجُودِ السَّبَبِ.
ثُمَّ قَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَانِعِ الْحُكْمِ، وَهُوَ كُلُّ وَصْفٍ وُجُودِيٍّ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ، مُقْتَضَاهُ نَفْيُ السَّبَبِ مَعَ بَقَاءِ حِكْمَةِ السَّبَبِ، كَالْأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ.
وَإِلَى مَانِعِ السَّبَبِ، وَهُوَ كُلُّ وَصْفٍ وُجُودِيٍّ يُخِلُّ وُجُودُهُ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ يَقِينًا، كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ.
قُلْتُ: وَمِثَالُهُ قَدْ ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّرْطِ.
ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ مِنَ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وُجُودُهُمَا، وَمِنَ الْمَانِعِ انْتِفَاؤُهُ.
قُلْتُ: وَمَدَارُ هَذَا الْفَصْلِ عَلَى كَلَامِ الْآمِدِيِّ وَالْقَرَافِيِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِي فُرُوقٍ نَافِعَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ:
فَمِنْهَا: أَنَّ الشَّرْطَ وَجُزْأَهُ وَجُزْءَ الْعِلَّةِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ، فَهِيَ تَلْتَبِسُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ مُنَاسَبَةَ الشَّرْطِ، وَجُزْأَهُ فِي غَيْرِهِ، وَمُنَاسَبَةَ جُزْءِ الْعِلَّةِ فِي نَفْسِهِ.
стр. 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِثَالُهُ: الْحَوْلُ: مُنَاسَبَتُهُ فِي السَّبَبِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ لِتَكْمِيلِهِ الْغِنَى الْحَاصِلَ بِهِ بِالتَّنْمِيَةِ. وَجُزْءُ الْعِلَّةِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ مُنَاسَبَتُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَعْضِ الْغِنَى. فَالْعِلَّةُ وَجُزْؤُهَا مُؤَثِّرَانِ، وَالشَّرْطُ مُكَمِّلٌ لِتَأْثِيرِ الْعِلَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ عَرَّفَ بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ بِمَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْحُكْمَ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ سَبَبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ شَرْطِهِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟
وَالْجَوَابُ بِمَا سَبَقَ مِنْ كَوْنِ السَّبَبِ مُؤَثِّرًا مُنَاسِبًا فِي نَفْسِهِ، وَالشَّرْطُ مُكَمِّلٌ مُنَاسِبٌ فِي غَيْرِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ أَجْزَاءَ الْعِلَّةِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ، وَالْعِلَلُ الْمُتَعَدِّدَةُ إِذَا وُجِدَتْ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ، فَمَا الْفَرْقُ؟
وَالْجَوَابُ أَنَّ جُزْءَ الْعِلَّةِ إِذَا انْفَرَدَ لَا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا، كَأَوْصَافِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ إِذَا اجْتَمَعَتْ وَجَبَ الْقَوَدُ، وَلَوِ انْفَرَدَ بَعْضُهَا كَالْقَتْلِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ قَتْلِ الْعَادِلِ الْبَاغِي لَمْ يَجِبِ الْقَوَدُ، بِخِلَافِ الْعِلَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ، فَإِنَّ بَعْضَهَا إِذَا انْفَرَدَ اسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ، كَمَنْ لَمَسَ وَنَامَ وَبَالَ،
стр. 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجَبَ الْوُضُوءُ بِجَمِيعِهَا وَبِكُلِّ وَاحِدٍ، نَعَمْ إِذَا اجْتَمَعَتْ كَانَ حُكْمًا ثَابِتًا بِعِلَلٍ كَمَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ:
مِنْهَا: مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ وَاسْتِمْرَارَهُ، كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَاسْتِمْرَارَهُ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ فَقَطْ، كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَلَا تُبْطِلُ اسْتِمْرَارَهُ.
وَمِنْهَا: مَا اخْتُلِفَ فِيهِ، كَالْإِحْرَامِ، يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الصَّيْدِ، فَإِنْ طَرَأَ عَلَى الصَّيْدِ، فَهَلْ تَجِبُ إِزَالَةُ الْيَدِ عَنْهُ؟
وَكَالطَّوْلِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الْأَمَةِ، فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ فَهَلْ يُبْطِلُهُ؟
وَكَوُجُودِ الْمَاءِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ التَّيَمُّمِ، فَلَوْ طَرَأَ وُجُودُ الْمَاءِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ هَلْ يُبْطِلُهُ أَمْ لَا؟
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ خِلَافٌ لِتَرَدُّدِ هَذَا الْقِسْمِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَنَصْبُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُفِيدَةً مُقْتَضَيَاتِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، إِذْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي حُكْمَانِ: وُجُوبُ الْحَدِّ وَسَبَبُهُ الزِّنَى لَهُ» .
هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَصْنَافِ الْعِلْمِ الْمَنْصُوبِ لِتَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْوَضْعِيِّ، وَهِيَ الْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ.
وَقَوْلُهُ: مُفِيدَةً، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: نَصْبُهَا حَالَ إِفَادَتِهَا أَوْ مُعَدَّةً لِإِفَادَتِهَا.
стр. 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ نَصْبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِتُفِيدَ مَا اقْتَضَتْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، أَيْ: قَضَاءٌ مِنَ الشَّارِعِ بِذَلِكَ، وَمُقْتَضَيَاتُهَا أَيْضًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَجَعْلُ الزِّنَى سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ حُكْمٌ، وَوُجُوبُ الْحَدِّ حُكْمٌ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: إِذْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي حُكْمَانِ: وُجُوبُ الْحَدِّ، وَهُوَ حُكْمٌ لَفْظِيٌّ، وَسَبَبُهُ الزِّنَى، أَيْ: كَوْنُ الزِّنَى سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ حُكْمٌ آخَرُ.
وَكَذَلِكَ وُجُوبُ حَدِّ الْقَذْفِ مَعَ جَعْلِ الْقَذْفِ سَبَبًا لَهُ.
وَوُجُوبُ الْقَطْعِ مَعَ نَصْبِ السَّرِقَةِ سَبَبًا لَهُ.
وَوُجُوبُ الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ وَالْقِصَاصِ مَعَ نَصْبِ الرِّدَّةِ وَالْقَتْلِ سَبَبًا لَهُمَا. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
فَائِدَةٌ: قَدْ تَضَمَّنَتِ الْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ وَالطَّلَبِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا اجْتِمَاعُهُمَا فَكَالزِّنَى هُوَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحَدِّ خِطَابٌ وَضْعِيٌّ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ حَرَامًا خِطَابٌ طَلَبِيٌّ، وَكَذَا نَظَائِرُهُ.
وَأَمَّا انْفِرَادُ خِطَابِ الْوَضْعِ، فَكَزَوَالِ الشَّمْسِ، وَسَائِرُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ أَسْبَابٌ لِوُجُوبِهَا، وَطُلُوعُ الْهِلَالِ سَبَبُ وُجُوبِ رَمَضَانَ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالشَّكِّ، وَالْحَيْضُ مَانِعٌ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَالْبُلُوغُ شَرْطٌ لِوُجُوبِهَا، وَحُئُولُ الْحَوْلِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَكُلُّ هَذِهِ مُتَجَرِّدَةٌ عَنْ خِطَابِ الطَّلَبِ، لَيْسَ هُوَ فِيهَا أَنْفُسِهَا، بَلْ فِي
стр. 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَيْرِهَا، كَالْوُجُوبِ مَثَلًا مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ لَا بِالزَّوَالِ، وَبِصَوْمِ رَمَضَانَ لَا بِطُلُوعِ الْهِلَالِ. وَأَمَّا انْفِرَادُ خِطَابِ الطَّلَبِ، فَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي «الْفُرُوقِ» : هُوَ كَأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الشَّرْعِ قَدْ جَعَلَهَا سَبَبًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ، وَدَرْءِ الْعِقَابِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَفْعَالًا لِلْمُكَلَّفِ، وَلَا نَعْنِي بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا إِلَّا كَوْنَهُ وُضِعَ سَبَبًا لِفِعْلٍ مِنْ قِبَلِ الْمُكَلِّفِ.
وَقَالَ فِي «شَرْحِ التَّنْقِيحِ» : لَا يُتَصَوَّرُ انْفِرَادُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، إِذْ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا وَلَهُ سَبَبٌ أَوْ شَرْطٌ أَوْ مَانِعٌ.
قُلْتُ وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ.
стр. 390
ثُمَّ هُنَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وُقُوعُ الْفِعْلِ كَافِيًا فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ.
وَقِيلَ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ. وَلَا يَرُدُّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ. فَصَلَاةُ الْمُحْدِثِ يَظُنُّ الطَّهَارَةَ، صَحِيحَةٌ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَالْبُطْلَانُ يُقَابِلُهَا عَلَى الرَّأْيَيْنِ. وَفِي الْمُعَامَلَاتِ، تُرَتَّبُ أَحْكَامُهَا الْمَقْصُودَةُ بِهَا عَلَيْهَا. وَالْبُطْلَانُ وَالْفَسَادُ مُتَرَادِفَيْنِ يُقَابِلَانِهَا، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا تَرَادُفَ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِمَا سَبَقَ.
ــ
قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُنَا أُمُورٌ، أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ» إِلَى آخِرِهِ، يَعْنِي أَنَّنَا ذَكَرْنَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ مَا هُوَ كَالْكُلِّيَّاتِ لَهُ، ثُمَّ هَاهُنَا أُمُورٌ وَهِيَ - وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ - لَكِنَّهَا كَاللَّوَاحِقِ الْجُزْئِيَّةِ لَهُ فَنَذْكُرُهَا:
أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وُقُوعُ الْفِعْلِ كَافِيًا فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ.
وَقِيلَ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ.
مَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، فَالْفُقَهَاءُ قَالُوا: الصِّحَّةُ وُقُوعُ الْفِعْلِ كَافِيًا فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، كَالصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا مَعَ انْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا، فَكَوْنُهَا كَافِيَةً فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، أَيْ أَنَّهَا لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا، هُوَ صِحَّتُهَا.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ قَالُوا: الصِّحَّةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، فَكُلُّ مَنْ أُمِرَ بِعِبَادَةٍ، فَوَافَقَ الْأَمْرَ بِفِعْلِهَا، كَانَ قَدْ أَتَى بِهَا صَحِيحَةً، وَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا، أَوْ وُجِدَ مَانِعٌ.
وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّ كُلَّ صِحَّةٍ، فَهِيَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُوَافَقَةِ الْأَمْرِ صِحَّةً عِنْدِهِمْ، وَالنِّزَاعُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ أَوْ كَاللَّفْظِيِّ.
следующие страницы →