Полный текст (2 051 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلْفَوْرِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ الْفَوْرُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ " وَمَالِكٍ، " وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ " وَعِنْدَ مَغَارِبَةِ الْمَالِكِيَّةِ. " وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ فِي الْفَوْرِ وَالتَّكْرَارِ، وَضِدِّهِمَا "، مَعَ التَّرَاخِي وَالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْوَاقِفِيَّةَ، تَوَقَّفُوا فِي اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ، فَلَمْ يَجْزِمُوا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَكَذَلِكَ تَوَقَّفُوا فِي اقْتِضَائِهِ التَّكْرَارَ وَالْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ. وَقَدْ سَبَقَتْ مَسْأَلَةُ التَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: كُلُّ مَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ عَلَى التَّكْرَارِ، حَمَلَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ إِلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُبَادِرُ مُمْتَثِلٌ قَطْعًا ; لَكِنْ هَلْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالتَّوَقُّفُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُؤَخِّرِ ; هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُبَادِرُ أَيْضًا مُتَوَقَّفٌ فِيهِ ; هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَوْ لَا؟ وَخَالَفَ بِذَلِكَ إِجْمَاعَ السَّلَفِ. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ بِفِعْلِهِ مُمْتَثِلٌ ; قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَمَعْنَى الْفَوْرِ: هُوَ الشُّرُوعُ فِي الِامْتِثَالِ عَقِيبَ الْأَمْرِ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَارَتِ الْقِدْرُ، إِذَا غَلَتْ، وَذَهَبْتُ مَكَانَ كَذَا، ثُمَّ أَتَيْتُ فُلَانًا مِنْ فَوْرِي، أَيْ: قَبْلَ أَنْ أَسْكُنَ. وَالتَّرَاخِي تَأْخِيرُ الِامْتِثَالِ عَنِ انْقِضَاءِ الْأَمْرِ، زَمَنًا يُمْكِنُ إِيقَاعُ الْفِعْلِ فِيهِ ; فَصَاعِدًا.
- قَوْلُهُ: الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا عَنْ أَحْمَدَ ; فَإِنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي، مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهُوَ
стр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي هَذَا الْأَصْلِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي هَذَا الْأَصْلِ ; اسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْحَجِّ ; فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْقَوَاعِدَ وَالْأُصُولَ يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهَا عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وُجِدَ عَنْهُ نَصٌّ، بِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى التَّرَاخِي ; فَذَاكَ.
قَوْلُهُ: " لَنَا: سَارِعُوا، سَابِقُوا "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٣] ، وَقَوْلُهُ : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢١] .
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمُسَارَعَةِ، وَالْمُسَابَقَةِ إِلَى الْمَغْفِرَةِ، وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ عَلَى الْفَوْرِ مُسَارَعَةً إِلَى الْمَغْفِرَةِ، أَيْ: إِلَى سَبَبِهَا، وَهِيَ مَأْمُورٌ بِهَا، " وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ "، كَمَا سَبَقَ ; فَيَكُونُ الْفَوْرُ وَاجِبًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخَّرَ أَمْرَ سَيِّدِهِ الْمُطْلَقِ، زَمَنًا يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ
стр. 913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِيهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ ; اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، وَلَوْلَا أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْفَوْرِ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ أَمْكَنَ امْتِثَالُهُ، فِي أَيِّ زَمَنٍ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ، لَكِنَّ أَوْلَى الْأَزْمِنَةِ بِأَنْ يُمْتَثَلَ الْأَمْرُ فِيهِ، الزَّمَنُ الَّذِي هُوَ عَقِيبُ الْأَمْرِ، لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَحْوَطُ، لِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى التَّأْخِيرِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ عَقِيبَ الْأَمْرِ، يُعَدُّ بِهِ مُمْتَثِلًا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِذَا أَخَّرَ، كَانَ مُخْتَلَفًا فِي امْتِثَالِهِ، لَكِنْ هَذَانِ الْوَجْهَانِ، إِنَّمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْمُبَادَرَةَ أَوْلَى، لَا أَنَّهُ وَاجِبٌ، لَكِنْ قَدْ يُوَجَّهُ الْوُجُوبُ، بِأَنَّ فِي الْمُبَادَرَةِ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ ; فَيَكُونُ وَاجِبًا، لِمَا تَقَرَّرَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّأْخِيرَ لَوْ جَازَ، لَكَانَ إِمَّا لَا إِلَى غَايَةٍ، أَوْ إِلَى غَايَةٍ.
وَالْأَوَّلُ: وَهُوَ التَّأْخِيرُ لَا إِلَى غَايَةٍ، مُفَوِّتٌ لِلْمَقْصُودِ بِالْكُلِّيَّةِ ; لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ لَا إِلَى بَدَلٍ ; فَيُلْحَقُ بِالْمَنْدُوبَاتِ، أَيْ: يَصِيرُ مَنْدُوبًا، إِذِ الْمَنْدُوبُ هُوَ الَّذِي يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، وَتَرْكُهُ لَا إِلَى بَدَلٍ، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ، لَا يُؤَخَّرُ إِلَّا إِلَى بَدَلٍ، كَمَا فِي الْمُوَسَّعِ، أَوْ يُؤَخِّرُهُ إِلَى بَدَلٍ ; فَذَلِكَ الْبَدَلُ إِمَّا الْوَصِيَّةُ بِفِعْلِهِ، أَوِ الْعَزْمُ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَصِحُّ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، لِعَدَمِ دُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا، وَالثَّانِي أَيْضًا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْعَزْمَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْمُبْدَلِ، كَالْعَزْمِ عَلَى الظُّهْرِ
стр. 914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَبْلَ الزَّوَالِ هُوَ وَاجِبٌ، وَالظُّهْرُ الَّتِي يُقَدَّرُ أَنَّهَا مُبْدَلٌ ; لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا قَبْلَ الزَّوَالِ ; فَثَبَتَ أَنَّ الْعَزْمَ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنِ الْفِعْلِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ، إِذْ شَأْنُ الْبَدَلِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُبْدَلِ، وَالْعَزْمُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، إِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنِ التَّعْجِيلِ، لَا عَنْ نَفْسِ الْوَاجِبِ كَمَا سَبَقَ، وَإِذَا بَطَلَ تَأْخِيرُ الِامْتِثَالِ إِلَى بَدَلٍ، أَوْ لَا إِلَى بَدَلٍ، بَطَلَ تَأْخِيرُهُ لَا إِلَى غَايَةٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ التَّأْخِيرُ إِلَى غَايَةٍ ; فَبَاطِلٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ تِلْكَ الْغَايَةَ ; إِمَّا مَجْهُولَةٌ، أَوْ مَعْلُومَةٌ، أَوْ مُغَلَّبَةٌ عَلَى الظَّنِّ، وَالْكُلُّ بَاطِلٌ ; فَالْقَوْلُ بِتَأْخِيرِ الِامْتِثَالِ إِلَى غَايَةٍ بَاطِلٌ: أَمَّا التَّأْخِيرُ إِلَى غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ ; فَهُوَ جَهَالَةٌ لَا تُنَاطُ بِهَا الْأَحْكَامُ ; لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَضْيِيعِهَا، وَغَرَضُ الشَّرْعِ حِفْظُهَا.
وَأَمَّا التَّأْخِيرُ إِلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ ; فَبَاطِلٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ الْغَايَاتِ الزَّمَانِيَّةِ، بِالتَّأْخِيرِ إِلَيْهِ، دُونَ بَعْضٍ، تَحَكُّمٌ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، إِذِ الْأَزْمِنَةُ كُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِيقَاعِ الْفِعْلِ مُتَسَاوِيَةٌ، عَدَا الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، الَّذِي هُوَ عَقِيبُ الْأَمْرِ، وَلِذَلِكَ تَرَجَّحَ بِقُرْبِهِ مِنْ زَمَنِ الْأَمْرِ ; فَلَوْ قِيلَ لِلْمُكَلَّفِ: صُمْ أَوْ صَلِّ، أَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: سَافِرْ إِلَى بِلَادِي ; فَانْظُرْ فِي مَصَالِحِهَا ; فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ الْآنَ عَلَى الْفَوْرِ، لَكِنِّي أَفْعَلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ لَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْلَى بِالِامْتِثَالِ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ أَوِ السَّبْتِ؟ فَإِنْ طَلَبَ الْمُرَجِّحَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: الْمُرَجِّحُ اخْتِيَارِي لِذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: أَنْتَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ، لَا اخْتِيَارَ لَكَ.
وَأَمَّا التَّأْخِيرُ إِلَى غَايَةٍ مُغَلَّبَةٍ عَلَى الظَّنِّ، أَيْ: تَأْخِيرُ الْفِعْلِ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ
стр. 915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى ظَنِّهِ إِدْرَاكُهُ ; فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً ; فَلَا يُمْكِنُهُ الْجَزْمُ بِظَنٍّ مِنَ الظُّنُونِ، إِذِ الْمَوْتُ رُبَّمَا أَسْرَعَ إِلَى الشَّابِّ الْجَذَعِ، وَتَأَخَّرَ عَنِ الشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَلَيْسَ لِوَقْتِ مَجِيئِهِ ضَابِطٌ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَوَّزْتُمْ تَأْخِيرَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، مَعَ الْعَزْمِ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ الْبَقَاءُ إِلَيْهِ، فَلِمَ لَا يُجَوَّزُ هَاهُنَا كَذَلِكَ؟ .
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ: بِأَنَّ الْمُوَسَّعَ وَقَعَتْ فِيهِ الْمُسَامَحَةُ الزَّمَانِيَّةُ، مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، بِالتَّوَسُّعِ، بِخِلَافِ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ، وَلَسْنَا عَلَى يَقِينٍ، وَالظَّنُّ مِنَ الْمُتَسَامَحِ فِيهِ ; فَظَهَرَ الْفَرْقُ.
- قَوْلُهُ: " قَالُوا: " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِالتَّرَاخِي، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ " الْأَمْرَ يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَاهِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهَا " مِنْ زَمَانٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: صَلِّ، إِنَّمَا يَقْتَضِي إِيقَاعَ حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَوْرٍ وَلَا تَرَاخٍ ; فَوَجَبَ أَنْ يُجَوَّزَا
стр. 916
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَمِيعًا، وَإِلَّا كُنَّا قَدْ أَوْجَبْنَا مَا لَا دَلَالَةَ فِي اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ كَالنَّقْصِ مِنْهُ فِي الْمُخَالَفَةِ، وَهِيَ حَرَامٌ ; فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ أَيْضًا حَرَامٌ ; فَإِيجَابُ الْفَوْرِ إِذَنْ حَرَامٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ " نِسْبَةَ الْفِعْلِ إِلَى جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ سَوَاءٌ "، لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، وَلِصِحَّةِ وُقُوعِهِ فِي كُلِّ زَمَنٍ مِنْهَا، وَإِذَا اسْتَوَتْ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى جَمِيعِهَا، كَانَ تَخْصِيصُهُ بِالْفَوْرِ تَحَكُّمًا، وَتَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ " تَعَلُّقَ الزَّمَانِ بِالْفِعْلِ "، أَيْ: احْتِيَاجُ الْفِعْلِ إِلَى الزَّمَانِ، " ضَرُورِيٌّ "، أَيْ: لِضَرُورَةِ أَنَّ الْفِعْلَ يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ لَا فِي زَمَانٍ، وَإِذَا كَانَ تَعَلُّقُ الزَّمَنِ بِهِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ ; فَهِيَ تَنْدَفِعُ بِإِيقَاعِهِ فِي أَيِّ زَمَنٍ كَانَ، تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَوْرَ لَا يَتَعَيَّنُ، وَأَنَّ التَّأْخِيرَ جَائِزٌ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ " الزَّمَانَ مِنْ لَوَازِمِ الْفِعْلِ "، أَيْ: لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، كَمَا أَنَّ الْمَكَانَ، وَالْآلَةَ، وَالْمَحَلَّ مِنْ لَوَازِمِهِ أَيْضًا، ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي تَعْيِينَ مَكَانٍ، أَوْ آلَةٍ، أَوْ مَحَلٍّ، دُونَ غَيْرِهِ ; فَلِذَلِكَ لَا يَقْتَضِي تَعْيِينَ زَمَانٍ دُونَ غَيْرِهِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ لَوْ قَالَ: تَوَضَّأْ، لَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي أَيِّ مَكَانٍ شَاءَ، بِأَيِّ
стр. 917
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَاءٍ طَهُورٍ شَاءَ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِلْوُضُوءِ مَكَانٌ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا مَاءٌ مِنَ الْمِيَاهِ الطَّهُورِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اصْنَعْ لِي سَرِيرًا أَوْ بَابًا ; لَمْ يَتَعَيَّنْ لِعَمَلِ الْبَابِ مَكَانٌ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا قَدُومٌ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا خَشَبٌ دُونَ خَشَبٍ، وَهُوَ مَحَلُّ الْفِعْلِ ; فَكَذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ زَمَانٌ دُونَ غَيْرِهِ.
- قَوْلُهُ: " وَالْأَدِلَّةُ مُتَقَارِبَةٌ "، يَعْنِي أَدِلَّةَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي مِنَ الطَّرَفَيْنِ، مُتَقَارِبَةٌ فِي الْقُوَّةِ وَلِكُلٍّ مِنْهَا اتِّجَاهٌ، فَإِنْ جَازَ لَنَا نُصْرَةُ الْمَذْهَبِ الظَّاهِرِ - وَهُوَ الْفَوْرُ - أَجَبْنَا عَنْ أَدِلَّةِ أَصْحَابِ التَّرَاخِي.
أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي فِعْلَ الْمَاهِيَّةِ لَا غَيْرَ ; فَبِأَنَّ هَذَا مُطَالَبَةٌ بِدَلِيلِ الْفَوْرِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ بِأَدِلَّتِنَا.
وَأَمَّا عَنِ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ نِسْبَةَ الْفِعْلِ إِلَى الْأَزْمِنَةِ سَوَاءٌ ; فَالتَّخْصِيصُ بِالْفَوْرِ تَحَكُّمٌ ; فَبِأَنْ نَقُولَ: نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْأَزْمِنَةِ سَوَاءٌ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ كَمَا ذَكَرْتُمْ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، إِذْ قَدْ يَتَعَلَّقُ قَصْدُ الشَّرْعِ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، لِمَصْلَحَةٍ عَلِمَهَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ التَّخْصِيصُ تَحَكُّمًا، كَيْفَ وَقَدْ بَيَّنَّا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الشَّاهِدِ، وَهُوَ جَوَازُ عُقُوبَةِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ عَلَى تَأْخِيرِ الِامْتِثَالِ.
وَأَمَّا عَنِ الثَّالِثِ: وَهُوَ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّمَانِ بِالْفِعْلِ ضَرُورِيٌّ ; فَبِنَحْوِ مَا سَبَقَ، وَهُوَ أَنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ ضَرُورِيٌّ عَقْلًا مِنْ جِهَةِ اسْتِحَالَةِ وُقُوعِهِ، لَا فِي زَمَانٍ. أَمَّا شَرْعًا ; فَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ، يَخْتَارُ الشَّرْعُ إِيقَاعَهُ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ
стр. 918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَعْضٍ لِأَجْلِهَا ; فَلَا يَكُونُ تَعَلُّقُهُ بِالْفِعْلِ حِينَئِذٍ ضَرُورِيًّا، بَلِ اخْتِيَارِيًّا.
وَأَمَّا عَنِ الرَّابِعِ ; فَبِالْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّ عَدَمَ تَعْيِينِ الزَّمَانِ لِلْفِعْلِ يُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِهِ وَإِضَاعَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، بِخِلَافِ عَدَمِ تَعْيِينِ الْمَكَانِ، وَالْآلَةِ، وَالْمَحَلِّ ; فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَعْيِينِ زَمَانِ الْفِعْلِ ; فَالزَّمَنُ الْأَوَّلُ وَهُوَ زَمَنُ الْفَوْرِ أَوْلَى بِالتَّعْيِينِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ أَخَّرَ امْتِثَالَ أَمْرِ سَيِّدِهِ عَنْ زَمَنِ فَوْرِهِ، جَازَ لَهُ عُقُوبَتُهُ، وَلَوْ فَعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ فِي غَيْرِ مَكَانِ الْأَمْرِ ; لَمْ يَجُزْ لَهُ عُقُوبَتُهُ ; فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
- قَوْلُهُ: " وَقَوْلُ الْوَاقِفِيَّةِ ضَعِيفٌ "، وَذَلِكَ لِأَنَّ حُجَّتَهُمْ أَنَّ أَدِلَّةَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي تَعَارَضَتْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ; فَوَجَبَ الْوَقْفُ عَلَى الْمُرَجِّحِ.
وَبَيَانُ ضَعْفِهَا: أَنَّهُ لَيْسَ مُطْلَقُ التَّعَارُضِ يُبِيحُ الْوَقْفَ، بَلِ التَّعَارُضُ بَعْدَ الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ الصَّحِيحِ، لَا التَّعَارُضُ فِي بَادِي الرَّأْيِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنْ طَرَفَ الْفَوْرِ رَاجِحٌ ; فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. فَلَا يَتَّسِعُ لَهُمْ أَنْ يَقِفُوا عَنْ مُتَابَعَةِ مَا ظَهَرَ رُجْحَانُهُ، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ لَنَا الرُّجْحَانُ ; فَتَوَقَّفْنَا.
стр. 919
السَّادِسَةُ: الْوَاجِبُ الْمُوَقَّتُ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ، وَلَا يَفْتَقِرُ قَضَاؤُهُ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ وَالْأَكْثَرِينَ.
لَنَا: اسْتِصْحَابُ حَالِ شَغْلِ الذِّمَّةِ إِلَّا بِامْتِثَالٍ أَوْ إِبْرَاءٍ.
قَالُوا: الْمُوَقَّتُ غَيْرُ الْمُطْلَقِ ; فَالْأَمْرُ بِأَحَدِهِمَا لَيْسَ أَمْرًا بِالْآخَرِ.
قُلْنَا: بَلْ مُقْتَضَى الْمُوَقَّتِ الْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ، بَقِيَ وُجُوبُ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ: «السَّادِسَةُ: الْوَاجِبُ الْمُوَقَّتُ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ ، وَلَا يَفْتَقِرُ قَضَاؤُهُ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ» ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، «خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَالْأَكْثَرِينَ» ، مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالْأَشْعَرِيَّةُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِقِيَاسِ الشَّرْعِ، عِنْدَ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: مَا إِذَا أَمَرَ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ فِي وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ لَهَا، فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ; فَهَلْ تَسْقُطُ بِذَلِكَ صَلَاةُ الْفَجْرِ، وَيَتَوَقَّفُ وُجُوبُ قَضَائِهَا عَلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ؟
أَوْ لَا تَسْقُطُ، وَيَجِبُ قَضَاؤُهَا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ، الَّذِي وَجَبَتْ بِهِ صَلَاةُ الْفَجْرِ فِي وَقْتِهَا؟
أَوْ يَجِبُ بِقِيَاسِ الشَّرْعِ، كَمَا قَالَ أَبُو زَيْدٍ؟
يُرِيدُ بِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا عُهِدَ مِنْهُ إِيثَارُ اسْتِدْرَاكِ عُمُومِ الْمَصَالِحِ الْفَائِتَةِ، عَلِمْنَا مِنْ عَادَتِهِ بِذَلِكَ، أَنَّهُ يُؤْثِرُ اسْتِدْرَاكَ الْوَاجِبِ الْفَائِتِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، بِقَضَائِهِ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي ; فَكَانَ هَذَا ضَرْبًا مِنَ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: اسْتِصْحَابُ حَالِ شَغْلِ الذِّمَّةِ، إِلَّا بِامْتِثَالٍ، أَوْ إِبْرَاءٍ» . هَذَا
стр. 920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَلِيلُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَسْقُطُ بِتَرْكِهِ فِي وَقْتِهِ، وَأَنَّ قَضَاءَهُ بَعْدَهُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الذِّمَّةَ إِذَا اشْتَغَلَتْ بِوَاجِبٍ لِلشَّرْعِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ، لَمْ تَبْرَأْ مِنْهُ إِلَّا بِالِامْتِثَالِ، وَهُوَ الْأَدَاءُ، أَوْ إِبْرَاءٌ مِنَ الْمُسْتَحِقِّ لِلْوَاجِبِ، بِأَنْ يَقُولَ الشَّرْعُ: نَسَخْتُ عَنْكَ هَذِهِ الْعِبَادَةَ، أَوِ الْآدَمِيُّ: أَبْرَأْتُكَ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، وَإِذَا كَانَتِ الذِّمَّةُ مَشْغُولَةً بِالْوَاجِبِ، مَا لَمْ يُوجَدْ أَدَاءٌ لَهُ، أَوْ إِبْرَاءٌ مِنْ مُسْتَحَقِّهِ ; فَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الذِّمَّةَ مَشْغُولَةٌ بِالْوَاجِبِ الْمُؤَقَّتِ فِي وَقْتِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ فِيهِ عَلَى مَا كَانَ.
وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَدَاءٌ، وَلَا مِنَ الشَّرْعِ إِبْرَاءٌ ; فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ ; فَتَكُونُ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْأَدَاءِ، أَوِ الْإِبْرَاءِ، لَكِنَّ الْإِبْرَاءَ صَارَ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَنِ الْوَحْيِ مُمْتَنِعًا ; فَتَعَيَّنَ الْأَدَاءُ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، لَكِنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ اصْطِلَاحًا قَدْ فَاتَ بِالتَّأْخِيرِ ; فَتَعَيَّنَ الْقَضَاءُ فِيمَا بَعْدَهُ، لِإِبْرَاءِ الذِّمَّةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْمُؤَقَّتُ غَيْرُ الْمُطْلَقِ ; فَالْأَمْرُ بِأَحَدِهِمَا لَيْسَ أَمْرًا بِالْآخَرِ» .
هَذَا حُجَّةُ الْخَصْمِ.
وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ مَثَلًا: صَلِّ فِي هَذَا الْوَقْتِ، أَمْرٌ مُقَيَّدٌ بِزَمَانٍ. وَقَوْلُهُ: اقْضِ هَذَا الْفَائِتَ، أَمْرٌ مُطْلَقٌ، لَا تَقْيِيدَ فِيهِ، وَالْمُقَيَّدُ غَيْرُ الْمُطْلَقِ ; فَالْأَمْرُ بِأَحَدِهِمَا، أَيْ: بِالْمُقَيَّدِ، لَا يَكُونُ أَمْرًا بِالْآخَرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْعِبَادَةِ بِالْوَقْتِ، كَتَخْصِيصِ الْفِعْلِ بِمَكَانٍ، أَوْ شَخْصٍ، أَوْ جِهَةٍ ; فَتَخْصِيصُ الْعِبَادَةِ بِوَقْتِ الزَّوَالِ، وَشَهْرِ رَمَضَانَ، كَتَخْصِيصِ الْحَجِّ بِمَكَّةَ، وَالزَّكَاةِ بِالْمَسَاكِينِ،
стр. 921
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْقَتْلِ بِالْكُفَّارِ، وَالصَّلَاةِ بِالْقِبْلَةِ. ثُمَّ إِنَّ مَا عُلِّقَ بِمَكَانٍ، أَوْ شَخْصٍ، أَوْ جِهَةٍ، لَا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِغَيْرِهِ ; فَلَا يَجُوزُ الْحَجُّ فِي غَيْرِ مَكَّةَ، وَلَا صَرْفُ الزَّكَاةِ إِلَى غَيْرِ أَصْنَافِهَا الْمَذْكُورَةِ، وَلَا قَتْلُ غَيْرِ مَنْ خُصَّ الْقَتْلُ بِهِ، مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْعُصَاةِ، وَلَا الصَّلَاةُ إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ حَالَ الِاخْتِيَارِ ; فَكَذَلِكَ مَا عُلِّقَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، لَا يُعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، إِلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا:» إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا جَوَابُ دَلِيلِ الْخَصْمِ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُؤَقَّتَ غَيْرُ الْمُطْلَقِ، بَلِ الْمُطْلَقُ جُزْءُ الْمُؤَقَّتِ، عَلَى مَا قَرَّرْتُمُوهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْوَاجِبِ الْمُؤَقَّتِ، اقْتَضَى الْإِتْيَانَ بِشَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْوَاجِبُ، وَهُوَ صَلَاةُ الْفَجْرِ مَثَلًا.
وَالثَّانِي: إِيقَاعُ ذَلِكَ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ الْمُعَيَّنُ، بِالتَّأْخِيرِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ اقْتَضَاهُمَا الْأَمْرُ بَقِيَ وُجُوبُ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْآخَرُ ; فَيَأْتِي بِهِ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ، لِاسْتِحَالَةِ إِيقَاعِهِ فِي غَيْرِ زَمَانٍ، حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ إِيقَاعُهُ لَا فِي زَمَانٍ، لَمَا أَوْجَبْنَا إِلَّا حَقِيقَةَ الْفِعْلِ مُجَرَّدَةً ; لِأَنَّهَا الْبَاقِي فِي الذِّمَّةِ مِنْ مُقْتَضَى الْأَمْرِ، وَصَارَ هَذَا تَخْصِيصًا ضَرُورِيًّا ; فَهُوَ كَالتَّخْصِيصِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّ الْعَامَّ إِذَا خُصَّ مِنْهُ صُورَةٌ بِدَلِيلٍ، وَجَبَ امْتِثَالُهُ فِيمَا عَدَا مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَمَا لَوْ أُمِرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمَيْنِ ; فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، أَوْ يُعْتِقَ عَبْدَيْنِ ; فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ; لَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ، وَيُعْتِقَ الْبَاقِيَ، بِمُوجِبِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ تَعَلُّقَ الْفِعْلِ بِالزَّمَانِ، عَلَى تَعَلُّقِهِ بِالْمَكَانِ، وَالشَّخْصِ، وَالْجِهَةِ ; فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّمَانَ حَقِيقَةٌ سَيَّالَةٌ، غَيْرُ قَارَّةٍ ; فَالْمُتَأَخِّرُ مِنْهُ تَابِعٌ لِلْمُتَقَدِّمِ ; فَمَا ثَبَتَ فِيهِ، ثَبَتَ فِيمَا بَعْدَهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِ لَهُ ; بِخِلَافِ الْأَمْكِنَةِ، وَالْأَشْخَاصِ، وَالْجِهَاتِ ; فَإِنَّهَا حَقَائِقُ قَارَّةٌ، لَيْسَ بَعْضُهَا تَابِعًا لِبَعْضٍ، حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِبَعْضِهَا مَا تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ.
قُلْتُ: فَتَلْخِيصُ مَأْخَذِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّنَا نَحْنُ نَقُولُ: الْوَاجِبُ الْوَاقِعُ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ، هُوَ جُزْءُ الْوَاجِبِ فِي زَمَنِ الْأَدَاءِ، وَالْخَصْمُ يَقُولُ: هُوَ غَيْرُهُ. وَقَدْ بَانَ تَقْرِيرُ الْقَوْلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 923
السَّابِعَةُ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ إِذَا أَتَى بِجَمِيعِ مُصَحِّحَاتِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
لَنَا: لَوْ لَمْ يُجْزِئْهُ، لَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ عَبَثًا، وَلِأَنَّ الذِّمَّةَ اشْتَغَلَتْ بَعْدَ بَرَاءَتِهَا مِنْهُ ; فَالْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَتِهِ بِفِعْلِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ.
قَالُوا: يَجِبُ إِتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ، وَلَا يُجْزِئُ. وَظَانُّ الطَّهَارَةِ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ وَلَا تُجْزِئُهُ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ ; فَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَمْنَعُ إِيجَابَ مِثْلِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ فِي الصُّورَتَيْنِ لِفَوَاتِ بَعْضِ الْمُصَحِّحَاتِ، وَلَسْنَا فِيهِ، وَالْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ مَمْنُوعٌ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «السَّابِعَةُ: مُقْتَضَى الْأَمْرِ: حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ ; إِذَا أَتَى بِجَمِيعِ مُصَحِّحَاتِهِ» مِنْ رُكْنٍ وَشَرْطٍ، «خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ» مِنْهُمُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَتْبَاعُهُ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ فِعْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ، بِجَمِيعِ مُصَحِّحَاتِهَا، هَلْ يَقْتَضِي حُصُولَ الْإِجْزَاءِ، بِحَيْثُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا فِيمَا بَعْدُ؟
قَوْلُهُ: «لَنَا: لَوْ لَمْ يُجْزِئْهُ، لَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ عَبَثًا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِالْإِجْزَاءِ.
وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ لَوْ لَمْ يَقَعْ مُجْزِئًا ; لَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ عَبَثًا، وَالْعَبَثُ عَلَى الشَّرْعِ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وُقُوعُهُ مُجْزِئًا ; لَكَانَ وَجُوُدُهُ كَعَدَمِهِ، وَمَا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ مُجْزِئًا، لَكَانَ لَا
стр. 924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَائِدَةَ فِيهِ، وَالْأَمْرُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ عَبَثٌ ; فَالْمَأْمُورُ بِهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبَثًا، لَكِنَّهُ مُحَالٌ مِنَ الشَّرْعِ، لِمَا سَبَقَ وَعُرِفَ ; فَثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْمَأْمُورِ بِهِ بِشُرُوطِهِ، مُجْزِئًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الذِّمَّةَ كَانَتْ بَرِيئَةً مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ التَّكْلِيفِ، بِحَقِّ الْأَصْلِ، فَلَمَّا اشْتَغَلَتْ بِهِ بَعْدَ بَرَاءَتِهَا مِنْهُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ، وَعَوْدُهَا بَرِيئَةً كَمَا كَانَتْ ; هُوَ فِعْلُهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ لِعِلَّةٍ، زَالَ بِزَوَالِهَا، كَمَا أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّ هُوَ أَدَاؤُهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْإِجْزَاءِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَلَمْ يُذْكَرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ ; فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ ﵇ لِلْخَثْعَمِيَّةِ حِينَ سَأَلَتْهُ: هَلْ يُجْزِئُ أَبَاهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِجْزَاءَ
стр. 925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَهُمْ فِي الشَّرْعِ، حَتَّى جَعَلَهُ نَظِيرًا لِمَا سَأَلَتْ عَنْهُ، تَقْرِيبًا إِلَى فَهْمِهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ دَيْنَ اللَّهِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، كَمَا يَجِبُ قَضَاءُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ ; فَيَلْزَمُ فِيهِ مِنَ الْإِجْزَاءِ مَا لَزِمَ فِي دَيْنِ الْآدَمِيِّ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: يَجِبُ إِتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِهِ، وَلَا يَقَعُ مُجْزِئًا، وَالْمُحْدِثُ يَظُنُّ
стр. 926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطَّهَارَةَ، وَإِذَا صَلَّى لَا يُجْزِئُهُ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ لَا يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ لُزُومًا، بَلْ جَوَازًا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِجْزَاءَ مُفَسَّرٌ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ ; لَكِنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَإِذَا كَانَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ ; فَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَمْنَعُ إِيجَابَ مِثْلِهِ بَعْدَ وَقْتِهِ.
مَثَلًا الْأَمْرُ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَا يَمْنَعُ الْأَمْرَ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
- قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ» ، يَعْنِي عَمَّا ذَكَرُوهُ، بِأَنَّ «عَدَمَ الْإِجْزَاءِ فِي الصُّورَتَيْنِ» وَهُمَا إِتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ، وَصَلَاةُ الْمُحْدِثِ يَظُنُّ الطَّهَارَةَ، إِنَّمَا كَانَ لِفَوَاتِ بَعْضِ الْمُصَحِّحَاتِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْوَطْءِ فِي الْحَجِّ، وَالطَّهَارَةُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ، إِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا أَتَى بِالْمَأْمُورِ بِهِ بِجَمِيعِ مُصَحِّحَاتِهِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى الصُّورَتَيْنِ، عِنْدَ ذِكْرِ الْقَضَاءِ وَالْإِجْزَاءِ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ، بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا.
وَأَمَّا كَوْنُ الْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ ; فَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ; فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي الْمَقْضِيِّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 927
الثَّامِنَةُ: الْأَمْرُ لِجَمَاعَةٍ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا لِدَلِيلٍ، أَوْ يَكُونُ الْخِطَابُ بِلَفْظٍ لَا يَعُمُّ، نَحْوَ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٤] ; فَيَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَهُوَ مَا مَقْصُودُ الشَّرْعِ فِعْلُهُ، لِتَضَمُّنِهِ مَصْلَحَةً، لَا تَعَبُّدُ أَعْيَانِ الْمُكَلَّفِينَ بِهِ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَالْجِهَادِ، لَا الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَاسْتِبْعَادُهُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ، وَتَكْلِيفُ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَا يُعْقَلُ بِخِلَافِ التَّكْلِيفِ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ إِيجَابٌ عَلَى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ.
قُلْنَا: بَلْ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُنْتَدَبِ الْمُسْقِطِ لَهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْأَمْرُ لِجَمَاعَةٍ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، إِلَى آخِرِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُتَوَجِّهَ إِلَى جَمَاعَةٍ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي تَعْمِيمَهُمْ بِهِ، أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي تَعْمِيمَهُمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١٠] ; فَإِمَّا أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْخِطَابِ بِبَعْضِهِمْ، أَوْ يَعْتَرِضَ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَى الْعُمُومِ دَلِيلٌ، اقْتَضَى وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ الْوَاوَ فِي افْعَلُوا كَالْوَاوِ فِي الزَّيْدُونَ وَكِلَاهُمَا لِلْجَمْعِ، ثُمَّ الْوَاوُ فِي الزَّيْدُونَ تَدُلُّ عَلَى أَشْخَاصٍ مُتَعَدِّدَةٍ، نَحْوَ: زَيْدٍ وَزَيْدٍ وَزَيْدٍ ; فَكَذَلِكَ الْوَاوُ فِي افْعَلُوا تَدُلُّ عَلَى عِدَّةِ مُخَاطَبِينَ ; فَهِيَ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: افْعَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ وَأَنْتَ، كَذَلِكَ، حَتَّى يَسْتَغْرِقَ الْمُخَاطَبِينَ.
стр. 928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنِ اعْتَرَضَ عَلَى الْعُمُومِ دَلِيلٌ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِبَعْضِهِمْ ; فَالْبَعْضُ إِمَّا مُعَيَّنٌ، أَوْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.
فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا ; فَذَلِكَ هُوَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ، سَوَاءٌ كَانَ التَّعْيِينُ بِاسْمٍ، كَقَوْلِهِ : ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٥٨، ٥٩] ، وَقَوْلِ الْقَائِلِ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا، أَوْ بِصِفَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] ، وَقَوْلِهِ : ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٣٥] .
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ كَانَ الْخِطَابُ بِلَفْظٍ لَا يَعُمُّ الْجَمِيعَ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَصْلِ التَّقْسِيمِ، نَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٤] ; فَهَذَا هُوَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ .
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، أَيْ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ، «مَا مَقْصُودُ الشَّرْعِ فِعْلُهُ، لِتَضَمُّنِهِ مَصْلَحَةً، لَا تَعَبُّدُ أَعْيَانِ الْمُكَلَّفِينَ بِهِ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَالْجِهَادِ، لَا الْجُمُعَةِ، وَالْحَجِّ» ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ وَالْجِهَادِ مَقْصُودُ الشَّرْعِ فِعْلُهُمَا، لِمَا تَضَمَّنَاهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الشَّفَاعَةِ لِلْمَيِّتِ، وَحِمَايَةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنِ اسْتِبَاحَةِ الْعَدُوِّ لَهَا، وَلَمْ يُرِدْ بِهَا تَعَبُّدَ أَعْيَانِ الْمُكَلَّفِينَ، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا تَعَبُّدُ أَعْيَانِ الْمُكَلَّفِينَ، مِمَّنْ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ وُجُوبِهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعَبُّدَ وَالْمَصْلَحَةَ مُشْتَرِكَانِ بَيْنَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالْعَيْنِ، أَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِبَادَةٌ يَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً ; فَالْجِهَادُ عِبَادَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ، وَطَاعَتُهُ فِيهِ وَاجِبَةٌ، وَالِانْقِيَادُ إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ فِيهِ لَازِمٌ، وَمَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَالْمَصْلَحَةُ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ بِفِعْلِهَا، تَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا لِلْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْفَوَائِدِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَالتَّعَبُّدُ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَإِذَا كَانَ التَّعَبُّدُ وَالْمَصْلَحَةُ مَوْجُودَيْنِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالْعَيْنِ ; فَالْفَرْقُ
стр. 929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا، وَفِي فَرْضِ الْعَيْنِ تَعَبُّدُ الْأَعْيَانِ بِفِعْلِهِ.
وَيُمْكِنُ تَقْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْحُقُوقَ ; إِمَّا خَالِصٌ لِلَّهِ ، كَالتَّوْحِيدِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ. أَوْ خَالِصٌ لِلْآدَمِيِّ، كَالتَّمَلُّكَاتِ بِالْعُقُودِ، وَالتَّشَفِّي بِالْقِصَاصِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. أَوْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، بِمَعْنَى: أَنَّ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةً خَالِصَةً، وَلِلْعَبْدِ فِيهِ مَصْلَحَةً عَامَّةً.
فَالْأَوَّلُ - وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ هُوَ فَرْضُ الْعَيْنِ، وَالثَّالِثُ - وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ - هُوَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، كَتَجْهِيزِ الْمَوْتَى، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَدَفْنِهِمْ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَلَهُمْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ. وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ، وَوِلَايَةُ الْقَضَاءِ، وَالْإِعَانَةُ عَلَيْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، الْمَأْمُورِ بِهَا شَرْعًا.
وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ صَلَاةُ الْعِيدِ، وَنَحْوُهَا، عِنْدَ مَنْ يَرَاهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ، فَإِنَّ التَّعَبُّدَ بِهَا أَظْهَرُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ الْعَامَّةِ. وَأَشَارَ الْقَرَافِيُّ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ مَا تَكَرَّرَتْ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ، كَالصَّلَاةِ الْخَمْسِ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: مَا لَا يَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ، كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ، وَنَحْوِهِ.
وَالْفَرْقُ الْعَامُّ بَيْنَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالْعَيْنِ: هُوَ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مَا وَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَسَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ مَا وَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَسْقُطْ إِلَّا بِفِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فَرْقٌ حُكْمِيٌّ.
- قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي فَرْضَ الْكِفَايَةِ «وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ» ، أَيْ: عَلَى جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ، «وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ» ، أَيْ: بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ.
هَذَا بَيَانُ حُكْمِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَذَلِكَ كَالْجِهَادِ مَثَلًا ; وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ
стр. 930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُكَلَّفِينَ بِقَوْلِهِ : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٣] ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُقُوطِهِ عَنْ جَمِيعِهِمْ، بِفِعْلِ مَنْ يَقُومُ بِطَرْدِ الْعَدُوِّ وَكَفِّ شَرِّهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْخِرَقِيُّ بِهَذَا الْمَعْنَى، حَيْثُ قَالَ: وَالْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ، سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا فَرْضَ كِفَايَةٍ، لِاكْتِفَاءِ الْجَمِيعِ بِالْبَعْضِ فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ.
- قَوْلُهُ: «وَاسْتِبْعَادُهُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ» . هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِينَ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْجَمِيعِ، يَقْتَضِي وُجُوبَ الْأَدَاءِ عَلَى الْجَمِيعِ لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ إِلَيْهِمْ كَمَا سَبَقَ. وَحِينَئِذٍ سُقُوطُهُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ بَعِيدٌ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ ضِدُّ الْحَرَامِ، كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِهِ، ثُمَّ الْحَرَامُ لَا يَخْرُجُ الْجَمِيعُ عَنْ عُهْدَةِ تَرْكِهِ ; بِتَرْكِ الْبَعْضِ لَهُ، كَذَلِكَ الْوَاجِبُ لَا يَخْرُجُ الْجَمِيعُ عَنْ عُهْدَةِ فِعْلِهِ ; بِفِعْلِ الْبَعْضِ لَهُ.
وَالْجَوَابُ بِمَا ذُكِرَ، وَهُوَ أَنَّ سُقُوطَ الْوَاجِبِ عَنِ الْجَمِيعِ، بِفِعْلِ الْبَعْضِ لَيْسَ مُحَالًا لِذَاتِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحَالًا ; فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَبْعَدًا كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ، لَكِنَّ اسْتِبْعَادَهُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ إِذَا قَامَ دَلِيلُهُ، إِذْ قَدْ وَقَعَ فِي الْوُجُودِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْتَبْعَدَاتِ، وَالنَّوَادِرِ، وَالْخَوَارِقِ لِلْعَادَاتِ.
وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّرْعُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، مَعَ أَنَّ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ يَسْتَبْعِدَانِ جِدًّا أَنْ تَزِرَ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، أَوْ يُعَاقَبَ أَحَدٌ بِجَرِيمَةِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ مِنْهُ فِيهَا.
стр. 931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمَّا عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ فِي خُرُوجِ الْجَمِيعِ عَنْ عُهْدَةِ تَرْكِ الْحَرَامِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ; فَلِأَنَّ الْحَرَامَ لَا فَرْضَ كِفَايَةٍ فِيهِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ حَدِّ الْحَرَامِ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
- قَوْلُهُ: «وَتَكْلِيفُ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَا يُعْقَلُ، بِخِلَافِ التَّكْلِيفِ بِهِ» . هَذَا جَوَابُ إِلْزَامٍ مِنْ جِهَةِ الْخَصْمِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لِمَ لَمْ تَقُولُوا: إِنَّ الْمُكَلَّفَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، كَمَا قُلْتُمْ: إِنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، كَإِحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ وَالْمُكَلَّفَ بِهِ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ التَّكْلِيفِ ; فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بَعْضًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ; يَنْبَغِي أَنْ يُجَوَّزَ فِي الْآخَرِ، وَلَا يُرْتَكَبُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاسْتِبْعَادِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى قَوْلِكُمْ.
وَالْجَوَابُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّ تَكْلِيفَ وَاحِدٍ، أَوْ بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ: أَوْجَبْتُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ، غَيْرُ مَعْقُولٍ، بِخِلَافِ التَّكْلِيفِ بِبَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، نَحْوَ: أَوْجَبْتُ أَحَدَ هَذِهِ الْخِصَالِ.
وَوَجْهُ تَأْثِيرِ هَذَا الْفَرْقِ: أَنَّ الْأَوَّلَ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ لِلتَّوَاكُلِ، وَالثَّانِي لَا يُفْضِي إِلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذَا عِنْدَ ذِكْرِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ.
- قَوْلُهُ: «فَإِنْ قِيلَ» : إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ لِمَانِعِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَمُنِعَ لِامْتِنَاعِ تَكْلِيفِ بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. فَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُم﴾ ْ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] ، الْآيَةَ ;
стр. 932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَأَوْجَبَ النَّفِيرَ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وَهُوَ تَكْلِيفٌ لِبَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ يَنْفِي قَوْلَكُمْ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْقَلُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ هُوَ الْإِيجَابُ عَلَى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَا عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ إِيجَابٌ عَلَى بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، بَلْ هُوَ إِيجَابٌ عَلَى الْجَمِيعِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَبَعْدَهَا، مِنَ الْخِطَابِ الْعَامِّ. وَقَوْلُهُ : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَعْضِ الْمُنْتَدَبِ، لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنِ الْجَمِيعِ، كَأَنَّهُ قَالَ: قَدْ أَوْجَبْنَا النَّفِيرَ لِلتَّفَقُّهِ وَالْإِنْذَارِ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، لَكِنَّ جَمِيعَهُمْ لَا يُمْكِنُهُمُ النَّفِيرُ لِذَلِكَ، وَلَا هُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَيْهِ، لِقِيَامِ الْبَعْضِ بِمَصْلَحَتِهِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ ; فَلْيُنْتَدَبْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لِإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ عَنِ الْكُلِّ فَلْيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَيَعْلَمُوا حُدُودَهُ وَمَعَالِمَهُ، ثُمَّ لْيَرْجِعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ ; فَلْيُنْذِرُوهُمْ عَذَابَ اللَّهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَيُعَلِّمُوهُمْ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ تَعَلُّمُهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ.
- قَوْلُهُ: «جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ» ، أَيْ: حَمَلْنَا هَذِهِ الْأَدِلَّةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّا قَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ تَكْلِيفَ بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَا يُعْقَلُ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ تَفْوِيتُ الْمَأْمُورِ بِهِ أَصْلًا وَرَأْسًا، وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ ظَاهِرَةٌ فِي صِحَّةِ
стр. 933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَكْلِيفِ بَعْضٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ; فَاحْتَجْنَا إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَذَلِكَ بِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ; فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَنَافُرِ الْأَدِلَّةِ، وَتَفَرُّقِهَا، وَتَنَافِيهَا، وَتَنَاقُضِهَا، بَلِ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فَوَائِدُ تَتَعَلَّقُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ:
إِحْدَاهُنَّ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ مِنْ بَعْضِ الطَّوَائِفِ، بَلْ أَيُّ طَائِفَةٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّ غَيْرَهَا قَامَ بِهِ، سَقَطَ عَنْهَا، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ كُلٍّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَوِ الطَّوَائِفِ، أَنَّ الْأُخْرَى قَامَتْ بِهِ، سَقَطَ عَنِ الْجَمِيعِ، عَمَلًا بِمُوجِبِ الظَّنِّ ; لِأَنَّهُ كَمَا صَلَحَ مُثْبِتًا لِلتَّكَالِيفِ، صَلَحَ مُسْقِطًا لَهَا.
الثَّانِيَةُ: الْقَائِمُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ الْقَائِمِ بِهِ، ضَرُورَةَ أَنَّهُ حَصَّلَ مَصْلَحَتَهُ دُونَ غَيْرِهِ، نَعَمْ هُمَا سِيَّانِ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ، لَكِنَّ هَذَا خَرَجَ عَنْهَا بِفِعْلِهِ، وَذَلِكَ خَرَجَ عَنْهَا لِانْتِفَاءِ الْقَابِلِ لِفِعْلِهِ ; لِأَنَّ الْقَائِمَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، لَمَّا حَصَّلَ مَصْلَحَتَهُ بِفِعْلِهِ، لَمْ تَبْقَ مَصْلَحَةٌ يَفْعَلُهَا الْآخَرُ ; فَسَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ لِذَلِكَ.
مِثَالُهُ: إِذَا قَامَ جَمَاعَةٌ بِطَرْدِ الْعَدُوِّ ; فَبَقِيَّةُ النَّاسِ لَا يَجِدُونَ عَدُوًّا يَطْرُدُونَهُ، وَإِذَا قَامَ جَمَاعَةٌ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ ; فَغَيْرُهُمْ لَا يَجِدُ مَيِّتًا يُجَهِّزُهُ ; فَالْفَاعِلُ خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بِحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ بِفِعْلِهِ، وَالتَّارِكُ خَرَجَ عَنْهَا لِانْتِفَاءِ الْقَابِلِ لِفِعْلِهِ.
الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: فَاعِلُ فَرْضِ الْعَيْنِ، أَوْ فَاعِلُ فَرْضِ
стр. 934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْكِفَايَةِ؟ فَقِيلَ: فَاعِلُ فَرْضِ الْعَيْنِ ; لِأَنَّ فَرْضَهُ أَهَمُّ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَقِيلَ: فَاعِلُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ نَفْعَهُ أَعَمُّ، إِذْ هُوَ يُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا مَنْسُوبٌ إِلَى إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْ وَجْهٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الرَّابِعَةُ: هَلْ يَتَعَيَّنُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، وَيَجِبُ إِتْمَامُهُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ أَمْ لَا؟ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ، كَالْمُجَاهِدِ يَحْضُرُ الصَّفَّ، وَطَالِبِ الْعِلْمِ يَشْرَعُ فِي الِاشْتِغَالِ بِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِهِ.
وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ بِالشُّرُوعِ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَهُوَ انْعِقَادُ سَبَبِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، مِنَ التَّكْلِيفِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ عُهْدَتِهِ ; فَلَا يَجُوزُ لَهُ إِبْطَالُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ: أَنَّ مَا لَا يَجِبُ الشُّرُوعُ فِيهِ، لَا يَجِبُ إِتْمَامُهُ فِي غَيْرِ الْحَجِّ، كَصَوْمِ التَّطَوُّعِ وَصَلَاتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ بِالشُّرُوعِ، لَمَا جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَهُ حَظٌّ فِي الْوُجُوبِ بِالْجُمْلَةِ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى التَّحْقِيقِ كَمَا تَقَرَّرَ، بِخِلَافِ صَوْمِ النَّفْلِ ; فَإِنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْوُجُوبِ أَصْلًا، مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَوْجَبَ إِتْمَامَهُ ; فَيَلْتَزِمُ عَلَى قَوْلِهِ ; فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْقَاضِي، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالنَّاسِ، وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، جَازَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ وَكِيلَ الْإِمَامِ وَنَائِبَهُ، وَالْوَكِيلُ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 935
التَّاسِعَةُ: مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ﵇ مِنَ الْأَحْكَامِ، أَوْ خُوطِبَ بِهِ، نَحْوَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١] ، تَنَاوَلَ أُمَّتَهُ، وَمَا تَوَجَّهَ إِلَى صَحَابِيٍّ تَنَاوَلَ غَيْرَهُ حَتَّى النَّبِيَّ ﷺ ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ عِنْدَ الْقَاضِي، وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالتَّمِيمِيُّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَعُمَّ.
لَنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٧] ، وَأَيْضًا ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٠] ، دَلَّ عَلَى تَنَاوُلِ الْحُكْمِ لَهُمْ لَوْلَا التَّخْصِيصُ، وَإِلَّا كَانَ عَبَثًا، وَقَوْلُهُ ﵇: خِطَابِي لِلْوَاحِدِ، خِطَابِي لِلْجَمَاعَةِ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الرُّجُوعِ فِي الْقَضَايَا الْعَامَّةِ إِلَى قَضَايَاهُ الْخَاصَّةِ، وَلَوْلَا صِحَّةُ مَا قُلْنَاهُ، لَكَانَ خَطَأً مِنْهُمْ لِجَوَازِ اخْتِصَاصِ قَضَايَاهُ بِمَجَالِهَا، وَقَالَ ﷺ : «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» . فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ لَهُ: لَسْتَ مِثْلَنَا ; فَدَلَّ عَلَى التَّسَاوِي.
قَالُوا: أَمْرُ السَّيِّدِ بَعْضَ عَبِيدِهِ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ بَاقِيهِمْ، وَأَمْرُ اللَّهِ بِعِبَادَةٍ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهَا، وَالْعُمُومُ لَا يُفِيدُ الْخُصُوصَ بِمُطْلَقِهِ، فَكَذَا الْعَكْسُ، وَكَأَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، إِذْ هَؤُلَاءِ يَتَمَسَّكُونَ بِالْمُقْتَضَى اللُّغَوِيِّ، وَالْأَوَّلُونَ بِالْوَاقِعِ الشَّرْعِيِّ.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «التَّاسِعَةُ: مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ» يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، مِنَ الْأَحْكَامِ أَوْ «خُوطِبَ بِهِ» مِنَ الْكَلَامِ «نَحْوَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١] ، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ١] ، تَنَاوَلَ أُمَّتَهُ» ، أَيْ: ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ مِنْهُ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ، وَكَذَلِكَ «مَا تَوَجَّهَ إِلَى صَحَابِيٍّ مِنَ الْخِطَابِ» ، تَنَاوَلَ غَيْرَهُ «مِنَ الْمُكَلَّفِينَ» ، الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، «حَتَّى النَّبِيِّ، ﷺ » ، أَيْ: حَتَّى إِنَّهُ يَتَنَاوَلُ النَّبِيَّ، ﷺ ، «مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ» ، يَعْنِي لِلنَّبِيِّ، ﷺ ، بِمَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ
стр. 936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَوُجُوبِ السِّوَاكِ وَالضُّحَى وَالْوِتْرِ، أَوْ بِمَا خُوطِبَ بِهِ، نَحْوَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٠] ، أَوْ لِلصَّحَابِيِّ بِمَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ ﵇ لِأَبِي بُرْدَةَ: تُجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ.
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ: إِنَّهُ إِنْ قَامَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ، اخْتَصَّ الْحُكْمُ بِمَنْ دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ ; وَإِلَّا كَانَ الْحُكْمُ بِمَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ﵇، أَوْ خُوطِبَ بِهِ هُوَ، أَوْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، عَامًّا لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ «عِنْدَ الْقَاضِي، وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ.
стр. 937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ» ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ غَيْرِهِ، إِلَّا بِمُعَمِّمٍ، أَيْ: إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ كَوْنِهِ عَامًّا لِلْجَمِيعِ ; فَهَؤُلَاءِ عَكْسُ الْأَوَّلِينَ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَخُصُّ الْحُكْمُ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ إِلَّا لِدَلِيلٍ مُعَمِّمٍ، وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: يَعُمُّ الْحُكْمَ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ وَغَيْرَهُ، إِلَّا لِدَلِيلٍ مُخَصِّصٍ.
- قَوْلُهُ: «لَنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ » إِلَى آخِرِهِ. هَذَا حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالتَّعْمِيمِ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ : ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: ٣٧] ; فَأَخْبَرَ ، أَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَ لِنَبِيِّهِ زَوْجَةَ ابْنِهِ بِالتَّبَنِّي، لِيَتَأَسَّى بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، رَفْعًا لِلْحَرَجِ عَنْهُمْ ; فَلَوْلَا أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ، لَكَانَ هَذَا التَّعْلِيلُ عَبَثًا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ، هُوَ دَلِيلُ التَّعْمِيمِ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلِ التَّعْمِيمِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥٠] ، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ لَوْلَا تَنَاوُلُ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ أُمَّتَهُ ; لَكَانَ هَذَا التَّخْصِيصُ عَبَثًا غَيْرَ مُفِيدٍ ; لِأَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِالْحُكْمِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، يَكُونُ ثَابِتًا بِالْوَضْعِ أَوْ
стр. 938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعُرْفِ ; فَيَبْقَى قَوْلُهُ : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ غَيْرَ مُفِيدٍ فَائِدَةً زَائِدَةً ; فَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَهُوَ عَبَثٌ، مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ .
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا اقْتَضَاهُ الْخِطَابُ لَهُ مِنَ الِاخْتِصَاصِ.
قُلْنَا: حَمْلُنَا لَهُ عَلَى التَّأْسِيسِ وَهُوَ إِفَادَةُ التَّخْصِيصِ أَوْلَى، لِاسْتِقْلَالِهِ بِالْفَائِدَةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﵇: خِطَابِي لِلْوَاحِدِ خِطَابِي لِلْجَمَاعَةِ، وَيُرْوَى: حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي أَنَّ مَا تَوَجَّهَ إِلَى صَحَابِيٍّ تَنَاوَلَ غَيْرَهُ، وَمِمَّا يُنَاسِبُ هَذَا وَيُقَوِّيهِ، مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَمَسُّ جَسَدُهُ جَسَدَ امْرَأَةٍ، إِلَّا زَوْجَةً أَوْ مِلْكَ يَمِينٍ، وَكَانَ النِّسَاءُ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ رُبَّمَا أَرَدْنَ مُصَافَحَتَهُ لِلْبَيْعَةِ فَيَمْتَنِعُ، وَيَقُولُ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ. وَيَقُولُ: إِنَّمَا قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِي لِأَلْفِ امْرَأَةٍ. أَوْ نَحْوٍ مِنْ هَذَا، وَاللَّهُ
стр. 939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعُوا عَلَى الرُّجُوعِ فِي قَضَايَاهُمُ الْعَامَّةِ إِلَى قَضَايَا النَّبِيِّ ﷺ ، الْخَاصَّةِ، كَرُجُوعِهِمْ فِي حَدِّ الزَّانِي إِلَى قِصَّةِ مَاعِزٍ، وَفِي دِيَةِ الْجَنِينِ إِلَى حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ، وَفِي الْمُفَوِّضَةِ إِلَى قِصَّةِ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، وَفِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ إِلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وَفُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِلَى حَدِيثِ صَفِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ، فِي سُقُوطِ طَوَافِ الْوَدَاعِ عَنِ الْحَائِضِ.
стр. 940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَإِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، كَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ; فَلَوْلَا أَنَّ مَا تَوَجَّهَ إِلَى بَعْضِ الْأُمَّةِ يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ، لَكَانَ ذَلِكَ خَطَأً مِنَ الصَّحَابَةِ، حَيْثُ رَجَعُوا فِي أَحْكَامِهِمُ الْعَامَّةِ إِلَى أَحْكَامِهِ الْخَاصَّةِ، لِجَوَازِ اخْتِصَاصِ قَضَايَاهُ بِمِحَالِّهَا، الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا، بَلْ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عِنْدَ الْخَصْمِ ; فَيَكُونُ الْخَطَأُ أَشَدَّ وَأَشْنَعَ، لَكِنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ شَهِدَ النَّبِيُّ ﷺ ، لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ، وَالْإِجْمَاعِ مُطْلَقًا بِالْعِصْمَةِ مِنَ الْخَطَأِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عُمُومَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عُمُومِ الْحُكْمِ، وَإِنَّ تَوَجَّهَ إِلَى وَاحِدٍ.
стр. 941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ; فَقَالَ: تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ، أَفَأَصُومُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ ; فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ; فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي.
وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، مِثْلُ ذَلِكَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَسَاوِيهِ وَأُمَّتِهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِذَا اسْتَوَوْا فِي الْأَحْكَامِ، تَنَاوَلَهُ مَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ، بِمُقْتَضَى التَّسَاوِي.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: أَمْرُ السَّيِّدِ بَعْضَ عَبِيدِهِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ التَّعْمِيمِ إِلَّا لِدَلِيلٍ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ بَعْضَ عَبِيدِهِ، اخْتَصَّ مُوجِبُ الْأَمْرِ بِهِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنْهُمْ، فِي حُكْمِ اللُّغَةِ ; فَكَذَلِكَ اللَّهُ مَعَ عَبِيدِهِ، لَا يَتَجَاوَزُ أَمْرُهُ لِبَعْضِهِمْ إِلَى غَيْرِهِ كَذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَمَرَ بِعِبَادَةٍ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، لَا يَتَنَاوَلُ الْأَمْرُ بِمُطْلَقِهِ عِبَادَةً أُخْرَى غَيْرَهَا ; فَكَذَلِكَ إِذَا أَمَرَ عَبْدًا، لَا يَتَنَاوَلُ الْأَمْرُ بِمُطْلَقِهِ عَبْدًا آخَرَ غَيْرَهُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ لَا يُفِيدُ الْخُصُوصَ بِمُطْلَقِهِ، وَلَا يُحْمَلُ
стр. 942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِ ; فَكَذَا الْعَكْسُ، وَهُوَ أَنْ لَفْظَ الْخُصُوصِ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ بِمُطْلَقِهِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
- قَوْلُهُ: «وَكَأَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ» ، أَيْ: يُشْبِهُ أَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ، إِذْ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَخُصُّ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، يَتَمَسَّكُونَ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ لِذَلِكَ، وَالْأَوَّلُونَ وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، وَغَيْرُهُ يَتَمَسَّكُونَ بِالْوَاقِعِ الشَّرْعِيِّ ; لِأَنَّ أَدِلَّتَهُمْ كُلَّهَا وَقَائِعُ شَرْعِيَّةٌ خَاصَّةٌ، عُدِّيَ حُكْمُهَا إِلَى غَيْرِهَا، كَمَا سَبَقَ.
وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: أَنَّ اللُّغَةَ تَقْتَضِي أَنَّ الْخِطَابَ لِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ يَخْتَصُّ بِهِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ، وَالْوَاقِعَةُ الشَّرْعِيَّةُ الْخَاصَّةُ، إِذَا قَامَ دَلِيلُ عُمُومِهَا، عَمَّتْ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِيهِ بَيْنَهُمْ ; فَعَادَ النِّزَاعُ كَمَا قُلْنَا لَفْظِيًّا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 943
الْعَاشِرَةُ: تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِالْمَعْدُومِ بِمَعْنَى طَلَبِ إِيقَاعِ الْفِعْلِ مِنْهُ حَالَ عَدَمِهِ مُحَالٌ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، أَمَّا بِمَعْنَى تَنَاوُلِ الْخِطَابِ لَهُ بِتَقْدِيرِ وَجُودِهِ فَجَائِزٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
لَنَا: تَكْلِيفُ أَوَاخِرِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ أَوَائِلُهُمْ مِنْ مُقْتَضَى كُتُبِهِمُ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَتَكْلِيفُنَا بِمُقْتَضَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِهِمَا غَيْرُنَا.
قَالُوا: يَسْتَحِيلُ خِطَابُهُ ; فَكَذَا تَكْلِيفُهُ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ اسْتِحَالَةَ خِطَابِهِ، سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِتَحَقُّقِهِ وُجُودَ الْمُكَلَّفِ، وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِيجَادِهِ، لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ، وَإِنَّ تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ لَيْسَتْ فِي إِيجَادِ الْمَعْدُومِ، بَلْ فِي إِظْهَارِ الْأَشْيَاءِ مِنْ رُتْبَةِ الْخَفَاءِ إِلَى رُتْبَةِ الْجَلَاءِ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُخَاطِبُ وَلَدًا يَتَوَقَّعُهُ فِي كِتَابٍ: يَا بُنَيَّ، تَعَلَّمِ الْعِلْمَ، وَافْعَلْ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يُعَدُّ سَفِيهًا.
ــ
الْمَسْأَلَةُ «الْعَاشِرَةُ: تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِالْمَعْدُومِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: تَوَجُّهُ الْأَمْرِ إِلَى الْمَعْدُومِ ; إِنْ كَانَ بِمَعْنَى طَلَبِ إِيقَاعِ الْفِعْلِ مِنْهُ حَالَ عَدَمِهِ ; فَهُوَ مُحَالٌ، بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ ; فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَلِأَنَّ شُرُوطَ التَّكْلِيفِ كُلَّهَا مُنْتَفِيَةٌ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْخِطَابِ لَهُ بِتَقْدِيرِ وَجُودِهِ، وَوُجُودِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ فِيهِ ; فَهُوَ
стр. 944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
قُلْتُ: وَالْأَشْعَرِيَّةُ يُفَرِّعُونَ هَذَا عَلَى تَحْقِيقِ كَلَامِ النَّفْسِ، بِمَعْنَى أَنَّ طَلَبَ إِيقَاعِ الْفِعْلِ مِنَ الْمَعْدُومِ ; إِذَا وُجِدَ، وَتَأَهَّلَ لِلتَّكْلِيفِ، قَامَ بِذَاتِ اللَّهِ أَزَلًا.
قُلْتُ: وَقَدْ أَبْطَلْنَا كَلَامَ النَّفْسِ فِيمَا سَبَقَ، وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْمَسْأَلَةُ مُمْكِنَةٌ. سَوَاءٌ قُلْنَا: كَلَامُ اللَّهِ مَعْنًى مُجَرَّدٌ، أَوْ لَفْظٌ وَمَعْنًى، عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْأَثَرِ.
«لَنَا» فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ تَكْلِيفَ الْمَعْدُومِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَدْ وَقَعَ، وَالْجَوَازُ لَازِمٌ لِلْوُقُوعِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ وَقَعَ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَوَاخِرَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ كُلِّفُوا بِمَا كُلِّفَ بِهِ أَوَائِلُهُمْ، مِنْ مُقْتَضَى كُتُبِهِمُ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، كَالتَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، وَصُحُفِ شِيتَ، وَإِبْرَاهِيمَ ﵉، مَعَ أَنَّ الْآخَرَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ تَكْلِيفِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
ثُمَّ إِذَا صَحَّ خِطَابُ الْمَعْدُومِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ أَوَّلِ الْأُمَّةِ وَآخِرِهَا ; صَحَّ قَبْلَ وُجُودِهِ بِمَا لَا يَتَنَاهَى، وَهُوَ تَكْلِيفُهُ فِي الْأَزَلِ، بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي قُلْنَاهُ، إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ، وَلِأَنَّ دَلِيلَ الْخَصْمِ فِي الْمَنْعِ يَعُمُّ الْحَالَيْنِ، فَإِذَا بَطَلَ فِي أَحَدِهِمَا ; بَطَلَ فِي الْآخَرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّنَا نَحْنُ كُلِّفْنَا بِمُقْتَضَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمُخَاطَبُ بِهِمَا غَيْرُنَا، قَبْلَ وُجُودِنَا بِسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وَيَتَزَايَدُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَنَا.
وَالتَّقْرِيرُ: مَا سَبَقَ فِي الْوَجْهِ قَبْلَهُ ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
- قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى الْمَنْعِ.
стр. 945
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمَعْدُومَ يَسْتَحِيلُ خِطَابُهُ ; فَكَذَا يَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُهُ:
أَمَّا اسْتِحَالَةُ خِطَابِهِ ; فَلِأَنَّ خِطَابَهُ يَسْتَدْعِي مُخَاطِبًا وَمُخَاطَبًا، وَالْمُخَاطَبُ بِفَتْحِ الطَّاءِ هَاهُنَا مُنْتَفٍ ; فَاسْتَحَالَ الْخِطَابُ لِانْتِفَاءِ رُكْنِهِ.
وَأَمَّا اسْتِحَالَةُ تَكْلِيفِهِ ; فَلِأَنَّ الْخِطَابَ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَاسْتِحَالَةُ اللَّازِمِ يَقْتَضِي اسْتِحَالَةَ الْمَلْزُومِ.
- قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ» ، إِلَى آخِرِهِ: أَيْ: لَا نُسَلِّمُ اسْتِحَالَةَ خِطَابِ الْمَعْدُومِ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرْنَاهُ، إِنَّمَا يَسْتَحِيلُ بِمَعْنَى مُشَافَهَتِهِ فِي حَالِ عَدَمِهِ، لَكِنَّا لَا نَقُولُ بِهِ، إِنَّمَا نَقُولُ بِخِطَابِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ اسْتَدْعَى مِنْهُ الْفِعْلَ إِذَا وُجِدَ وَكُلِّفَ ; فَخِطَابُهُ فِي التَّحْقِيقِ، إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ وُجُودِهِ، «سَلَّمْنَاهُ» ، أَيْ: سَلَّمْنَا اسْتِحَالَةَ خِطَابِ الْمَعْدُومِ، لَكِنْ لَا مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ مُسْتَحِيلٌ «مِنْ غَيْرِ اللَّهِ » ، أَمَّا مِنَ اللَّهِ ; فَلَا يَسْتَحِيلُ خِطَابُهُ «لِتَحَقُّقِهِ» ، أَيْ: لِتَحَقُّقِ اللَّهِ «وُجُودَ الْمُكَلَّفِ، وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِيجَادِهِ» ; فَهُوَ كَالْمَوْجُودِ فِي عِلْمِهِ فِي الْحَالِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ «لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ» ، أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ: «إِنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ» ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِجَوْهَرٍ، «وَإِنَّ تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ لَيْسَتْ فِي إِيجَادِ مَعْدُومٍ، بَلْ فِي إِظْهَارِ الْأَشْيَاءِ مِنْ رُتْبَةِ الْخَفَاءِ إِلَى رُتْبَةِ الْجَلَاءِ» ، أَيْ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ خَفِيَّةٌ فِي الْعَدَمِ ; فَيُظْهِرُهَا اللَّهُ وَيُجَلِّيهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي نُسَمِّيهَا الْآنَ مَعْدُومَةً: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الْحَجِّ: ١] ; فَسَمَّاهَا شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ
стр. 946
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٧] ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْقُرَّاءِ، أَيْ: أُظْهِرُهَا، وَإِذَا كَانَ مَعْنَى إِيجَادِ الْمَعْدُومِ عِنْدَهُمْ هُوَ إِظْهَارُ أَشْيَاءَ بَعْدَ خَفَائِهَا ; فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ الْأَزَلِيِّ إِلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، بِشَرْطِ ظُهُورِهَا وَتَأَهُّلِهَا لِلِامْتِثَالِ، هَذَا مِمَّا لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَهُوَ لَازِمٌ لِمَنْ قَالَ بِهِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، عَلَى مَا حَكَيْتُهُ عَنْهُمْ فِي كِتَابِ إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ.
قَوْلُهُ: «وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عُرْفِيٌّ عَلَى الْجَوَازِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَ وَلَدًا يَتَوَقَّعُ وُجُودَهُ، مِثْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ، أَوْ غَيْبَةٌ طَوِيلَةٌ وَلَهُ حَمْلٌ ; فَيَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا يُخَاطِبُهُ بِهِ، بِتَقْدِيرِ وِلَادَتِهِ، يَقُولُ فِيهِ: يَا بُنَيَّ تَعَلَّمِ الْعِلْمَ ; فَإِنَّهُ يُزَيِّنُكَ، وَاحْذَرِ الْجَهْلَ ; فَإِنَّهُ يَشِينُكَ، وَحَافِظْ عَلَى التَّقْوَى ; فَإِنَّهَا تُنْجِيكَ مِمَّا تَحْذَرُ، وَلَا تَعْذُرْ نَفْسَكَ فِي مُوَاقَعَةِ الدَّنَاءَةِ ; فَإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا يَعِظُ بِهِ الْوَالِدُ وَلَدَهُ «وَلَا يُعَدُّ سَفِيهًا» بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: خَاطَبْتَ مَعْدُومًا ; فَكَذَلِكَ الْمُكَلَّفُ مَعَ الشَّرْعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 947
خَاتِمَةٌ: الْأَمْرُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْإِمَامِ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ إِلَى النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً كَمَا سَبَقَ.
لَنَا: تَكْلِيفٌ مُفِيدٌ ; فَيَصِحُّ، كَمَا لَوْ وُجِدَ شَرْطُ وُقُوعِهِ. وَبَيَانُ فَائِدَتِهِ عَزْمُ الْمُكَلَّفِ عَلَى الِامْتِثَالِ فَيُطِيعُ، أَوِ الِامْتِنَاعِ فَيَعْصِي، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مُكَلَّفٌ بِصَوْمِ رَمَضَانَ مَعَ جَوَازِ مَوْتِهِ قَبْلَهُ.
قَالُوا: اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ يَسْتَدْعِي صِحَّةَ وُقُوعِهِ فِيهِ، وَهُوَ بِدُونِ شَرْطِهِ مُحَالٌ.
قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلْ إِنَّمَا يَسْتَدْعِي الْعَزْمَ عَلَى الِامْتِثَالِ. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ لَا مُطْلَقًا، بَلْ بِشَرْطِ وُجُودِ شَرْطِهِ.
ــ
قَوْلُهُ: «خَاتِمَةٌ» أَيْ: لِبَابِ الْأَوَامِرِ.
قَوْلُهُ: «الْأَمْرُ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَالْإِمَامِ» ، وَهُوَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْآمِرُ عَالِمًا بِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْوُقُوعِ، كَالْبَارِئِ مَعَ عَبْدِهِ ; فِيمَا إِذَا أَمَرَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ مَثَلًا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي شَعْبَانَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ جَاهِلَيْنِ بِذَلِكَ، كَالسَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ ; فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ.
وَقِسْمَةُ الْمَسْأَلَةِ رُبَاعِيَّةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْآمِرَ وَالْمَأْمُورَ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِانْتِفَاءِ شَرْطِ التَّكْلِيفِ ; فَلَا يَصِحُّ، لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ، أَوْ جَاهِلَيْنِ بِانْتِفَائِهِ ; فَيَصِحُّ لِحُصُولِ فَائِدَتِهِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ، وَصِحَّةِ الطَّلَبِ مِنَ الْآمِرِ، إِذْ مَا يُعْلَمُ انْتِفَاءُ شَرْطِهِ، لَا يَصِحُّ طَلَبُهُ مِمَّنْ يَجُوزُ جَهْلُهُ بِهِ، أَوِ الْآمِرُ عَالِمٌ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ ; فَيَصِحُّ، إِذَا كَانَ هُوَ الْبَارِئَ ﷻ ، أَوِ الْمَأْمُورُ عَالِمٌ بِهِ دُونَ
стр. 948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْآمِرِ ; فَلَا يَصِحُّ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُكَلَّفِ، وَعَدَمِ صِحَّةِ طَلَبِهِ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ.
- قَوْلُهُ: «وَفِيهِ» : أَيْ: فِي هَذَا الْحُكْمِ «الْتِفَاتٌ إِلَى النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً كَمَا سَبَقَ» ، هُنَاكَ، أَيْ: هَذَا يُشْبِهُ ذَاكَ، بَلْ ذَلِكَ، أَعْنِي النَّسْخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ، مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ ; لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ أَنَّهُ أَمْرٌ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْخَلِيلَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَبْحِهِ، وَالتَّمَكُّنُ مِنْ ذَبْحِهِ شَرْطٌ لَهُ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ انْتِفَاءَهُ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: تَكْلِيفٌ مُفِيدٌ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْجَوَازِ. وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّكْلِيفَ بِمَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ تَكْلِيفٌ مُفِيدٌ، وَكُلُّ تَكْلِيفٍ مُفِيدٍ ; فَهُوَ صَحِيحٌ ; فَهَذَا تَكْلِيفٌ صَحِيحٌ، كَمَا لَوْ وُجِدَ شَرْطُ وُقُوعِهِ.
أَمَّا أَنَّهُ مُفِيدٌ ; فَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إِمَّا أَنْ يَعْزِمَ عَلَى الِامْتِثَالِ ; فَيَكُونَ مُطِيعًا، أَوْ عَلَى الِامْتِنَاعِ ; فَيَكُونَ عَاصِيًا بِالْعَزْمِ. وَفَائِدَةُ التَّكْلِيفِ: إِظْهَارُ الْمُطِيعِ مِنَ الْعَاصِي، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الْمُلْكِ: ٢] ، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾
стр. 949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[مُحَمَّدٍ: ٣١] ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَفَائِدَةُ التَّكْلِيفِ الِامْتِحَانُ.
وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ مُفِيدٍ ; فَهُوَ صَحِيحٌ ; فَلِوُجُودِ فَائِدَتِهِ الَّتِي جُعِلَ لِأَجْلِهَا، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ صِحَّةَ الشَّيْءِ تَرَتُّبُ آثَارِهِ عَلَيْهِ، وَحُصُولُ مَقَاصِدِهِ مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِذَا وُجِدَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ ; فَامْتَثَلَ هَذَا الْمُكَلَّفُ، أَوِ امْتَنَعَ وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ، لِوُجُودِ فَائِدَةِ التَّكْلِيفِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ كَثِيرًا، وَالْجَوَازُ مِنْ لَوَازِمِ الْوُقُوعِ. وَبَيَانُ وُقُوعِهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، مُكَلَّفٌ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْيَوْمِيَّةِ، وَغَيْرِهَا، مَعَ جَوَازِ مَوْتِهِ قَبْلَهُ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَمُوتُ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ ; فَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّتِهِ.
- قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى امْتِنَاعِ هَذَا التَّكْلِيفِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، يَسْتَدْعِي صِحَّةَ وُقُوعِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَكِنَّ وُقُوعَهُ فِيهِ بِدُونِ شَرْطٍ مُحَالٌ ; فَلَوْ صَحَّ هَذَا التَّكْلِيفُ، لَكَانَ تَكْلِيفًا بِالْفِعْلِ فِي وَقْتٍ بِدُونِ شَرْطِهِ ; فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِالْمُحَالِ، وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ سَلَّمْنَا جَوَازَهُ، لَا نُسَلِّمُ وُقُوعَهُ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَمْنُوعٌ» ، أَيْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِفِعْلٍ فِي وَقْتٍ يَسْتَدْعِي وُقُوعَهُ، حَتَّى يَلْزَمَ مَا ذَكَرْتُمْ، «وَإِنَّمَا يَسْتَدْعِي الْعَزْمَ عَلَى الِامْتِثَالِ»
стр. 950
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَحْصِيلًا لِفَائِدَةِ التَّكْلِيفِ، وَحِينَئِذٍ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْعَزْمِ عَلَى الِامْتِثَالِ، وَبَيْنَ انْتِفَاءِ شَرْطِ الْفِعْلِ قَبْلَ وَقْتِهِ «سَلَّمْنَاهُ» أَيْ: سَلَّمْنَا أَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ يَسْتَدْعِي وُقُوعَهُ فِيهِ، لَكِنْ «لَا مُطْلَقًا، بَلْ بِشَرْطِ وُجُودِ شَرْطِهِ» فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَمَّا أَنَّهُ يَسْتَدْعِي وُقُوعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ شَرْطِهِ، فَمَمْنُوعٌ، وَإِلَّا، لَزِمَ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِفِعْلٍ فِي وَقْتٍ يَسْتَدْعِي الْمُحَالَ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ: أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ جُنَّ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ عِصْيَانُهُ، بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْإِفْسَادِ ; فَحَصَلَتْ فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ ; فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ انْتِفَاءُ شَرْطِ صِحَّةِ صَوْمِ الْيَوْمِ، بِمَوْتِهِ قَبْلَ إِكْمَالِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ فِي يَوْمٍ قَدْ وَطِئَ فِيهِ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّ عِصْيَانَهُ اسْتَقَرَّ قَبْلَ وُجُودِ الْمُبِيحِ لِلْإِفْطَارِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ يَجِبُ عَلَيْهَا الشُّرُوعُ فِي صَوْمِ يَوْمٍ، عَلِمَ اللَّهُ أَنْ تَحِيضَ فِيهِ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الصَّوْمِ بِكَمَالِهِ، وَإِنْ فَاتَتْ بِطَرَآنِ الْحَيْضِ، لَكِنَّ طَاعَتَهَا بِالْعَزْمِ عَلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ، بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْحَيْضِ، أَوْ مَعْصِيَتَهَا بِعَدِمِ الْعَزْمِ، لَمْ تَفُتْ.
وَمِنْهَا: قَالَ الْآمِدِيُّ: لَوْ عَلَّقَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَى شُرُوعِهِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَمَاتَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ.
قُلْتُ: وَفِي كَوْنِ هَذَا مِنْ فُرُوعِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ، لِوُجُودِ شَرْطِهِ اللُّغَوِيِّ، فَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى الشُّرُوعِ، ثُمَّ
следующие страницы →