وقرأت بخط محمد بن أسعد الجواني النسابة في كتاب الجوهر المكنون:
خناصرة فخذ في عذرة كلب، هم ولد خناصرة بن عمرو أحد بني عبد ود بن عوف بن كنانة بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، وبه سميت خناصره.
وقرأت في جمهرة نسب اليمن، ولا أعلم مؤلفه، في ذكر كعب المعروف بالوكّاء بن عمرو بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن زيد بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان، قال: فمن بني الوكاء بن عمرو خناصر بن الحارث بن كعب الوكاء، كان قد ملك الشام وبه سميت خناصرة.
وقال ابن الكلبي: بناها خناصرة بن عمرو بن الحارث بن كعب بن عمرو بن عبد ود بن عوف بن كنانة، وكان ملك الشام.
وقال غيره: عمرها الخناصر بن عمرو خليفة الأثرم صاحب الفيل.
وقال جران العود، وجعلها خناصرات:
نظرت وصحبتي بخناصرات … ضحيّا بعد ما متع النهار
إلى ظعن لأخت بني نمير … بكابة حيث زاحمها العقار (١)
يعني الرمل.
وفي خناصرة يقول عدي بن الرقاع العاملي، وقد نزل بها الوليد بن عبد الملك، ووفد عليه.
وإذا الربيع تتابعت أنواؤه … فسقى خناصرة الأحصّ وزادها
(٣٧ - ٥)
стр. 107
نزل الوليد بها فكان لأهلها … غيثا أغاث أنيسها وبلادها (١)
وقال أبو زيد البلخي في جند قنسّرين: والخناصرة حصن على شفير البرية كان يسكنه عمر بن عبد العزيز.
وقال ابن حوقل النصيبي في جغرافيا: خناصرة، هي حصن يحاذي قنسرين من ناحية البادية، وهي على شفيرها وسيفها، وكان عمر بن عبد العزيز يسكن بها، وهي صالحة في قدرها، مغوثة للمجتازين عليها في وقتنا هذا، لأن الطريق انقطع من بطن الشام بإتيان الروم عليه، وهلاك مرافقه وبوار ولاته، واستيلاء الأعراب عليهم بعد هلاك ولاته، فلجأ الناس الى طريق البادية والبر بالأدلاء والخفارة (٢).
***
стр. 108
باب في ذكر بالس
(١) وهي مدينة كانت في أول الإسلام عامرة جدا، وهي أول مدن جند قنسرين وكان لها سور من بناء الروم، وكانت تفضّل على قنسرين في العمارة، وخرج منها جماعة من العلماء والرؤساء، وفي زماننا خرب سورها ولم يبق فيها من العلماء أحد ولا من الرؤساء، وينسب أهلها الى قلة العقول.
والغالب على أهل البلد بنو كلاب، وبريتها نزلها قديما بنو فزارة.
أخبرنا أبو منصور بن محمد الدمشقي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد، أخبرنا أبو القاسم بن طاهر قال: أخبرنا علي بن محمد قال: أخبرنا محمد بن أحمد (٣٧ - ظ) قال: أخبرنا أبو حاتم البستي قال: أول الشام بالس.
وقال أبو زيد البلخي في كتابه: وأما بالس فهي مدينة على شط الفرات صغيرة، وهي أول مدن الشام، من العراق إليها عامر، وهي مدينة فرضة الفرات لأهل الشام.
قلت: وكانت الفرات تلصق بسور المدينة، فجزرت عنها وبعدت جدا حتى صار بينهما بعد، وفي زماننا قد قربت منها.
وقرأت في كتاب البلدان لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: وحدثني سفيان بن محمد البهراني عن أشياخه قالوا: فتح عبادة والمسلمون معه أنطرسوس
стр. 109
وكان حصنا، ثم جلا عنه أهله، فبنى معاوية أنطرسوس ومصّرها وأقطع بها القطائع، وكذلك فعل بمدقية وبالس (١).
وقال البلاذري، فيما حكاه عن شيوخ الشام: قالوا: ثم سار أبو عبيدة -يعني بعد فتح دلوك ورعبان-حتى نزل عراجين وقدم مقدمته الى بالس، وبعث جيشا عليه حبيب بن مسلمة الى قاصرين وكانت بالس وقاصرين لأخوين من أشراف الروم أقطعا القرى التي بالقرب منهما، وجعلا حافظين لما بينهما وبين مدن الروم بالشام، فلما نزل المسلمون بها صالحهم أهلها على الجزية أو الجلاء، فجلا أكثرهم الى بلاد الروم وأرض الجزيرة.
قالوا: ورتب أبو عبيدة ببالس جماعة من المقاتلة، وأسكنها قوما من العرب الذين كانوا بالشام، فأسلموا بعد قدوم المسلمين من الشام، وقوما لم يكونوا من البعوث نزعوا من البوادي من قيس، وأسكن قاصرين قوما ثم رفضوها وأعقابهم (٢).
ونقلت من خط ابن كوجك في سيرة المعتضد تأليف سنان بن ثابت، وذكر سنان أنه نقله من خط أحمد بن الطّيّب السرخسي في مسير المعتضد لقتال خمارويه ابن طولون في وقعة الطواحين، على ما ذكرناه في وصفه لمدينة حلب، وذكر أنه رحل من دوسر (٣) إلى إلى بالس يوم السبت لتسع ليال خلون منه-يعني من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وسبعين-فنزل في الجانب الشرقي، ثم عبر في يوم الأحد إلى الجانب الغربي من الفرات، وهو جانب المدينة، وهي مدينة صغيرة (٣٨ - و) ولها قلعة وربض، عليها سور واحد، بعض بنائها على الفرات وبعضه بينه وبين الفرات رقه.
стр. 110
وذكر البلاذري في كتابه قال: وكانت بالس والفرى المنسوبة إليها حدها الأعلى والأسفل أعذاء عشريه، فلما كان مسلمه بن عبد الملك بن مروان توجه غازيا للروم من نحو الثغور الجزرية، عسكر ببالس، فأتاه أهلها وأهل توبلس وقاصرين وعابدين وصفين، وهي قرى منسوبة إليها، وأتاه أهل الحد الأعلى فسألوه جميعا أن يحفر لهم نهرا من الفرات يسقي أرضهم على أن يجعلوا له الثلث من غلاتهم بعد عشر السلطان الذي كان يأخذه، فحفر النهر المعروف بنهر مسلمة ووفوا له بالشروط، ورمّ سور المدينة وأحكمه، ويقال بل كان ابتداء العرض من مسلمة، وأنه دعاهم الى هذه المعاملة، فلما مات مسلمة صارت بالس وقراها لورثته، فلم تزل في أيديهم إلى أن جاءت الدولة المباركه، وقبض عبد الله بن علي أموال بني أمية، فدخلت فيها، فأقطعها أمير المؤمنين أبو العباس سليمان بن علي ابن عبد الله بن العباس، فصارت لابنه محمد بن سليمان. وكان جعفر بن سليمان أخوه يسعى به إلى أمير المؤمنين الرشيد، ويكتب إليه فيعلمه أنه لا مال له ولا ضيعه الا وقد اختان أضعاف قيمته، وأنفقه فيما يرشح له نفسه، وعلى من اتخذ من الخول (٣٨ - ظ) وأن أمواله حلّ طلق لأمير المؤمنين، وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، فلما توفي محمد بن سليمان، أخرجت كتب جعفر إليه واحتج عليه بها، ولم يكن لمحمد أخ لأبيه وأمه غيره، فأقرّ بها، وصارت أمواله للرشيد، فأقطع بالس وقراها المأمون، فصارت لولده من بعده (١). (٣٩ - و) (٢).
(٣٩ - ظ) (٣).
стр. 111
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
قرأت في كتاب جغرافيا لابن حوقل النصيبي قال: بالس وهي مدينة على شط الفرات من غريبه، صغيره، وهي أول مدن الشام على الفرات، فعفت آثارها ودرست قوافلها وتجارها بعد سيف الدولة، وهي مدينة عليها سور أزلي، ولها بساتين فيما بينها وبين الفرات، وأكثر غلاتها القمح والشعير، ومن مشهور أخبارها أن المعروف بسيف الدولة عند انصرافه عن لقائه صاحب مصر، وقد هلك جميع ماله، أنفذ إليها المعروف بأبي حصين القاضي، فقبض من تجار كانوا بها، توافرت لهم الأوقات ولم يطلق لهم النفور مع خوف بالهم، فأخرجهم عن أحمال بزّ، وأطواف زيت الى ما عدا ذلك من متاجر الإسلام في دفعتين بينهما شهور قلائل وأيام يسيرة ألف ألف دينار (١).
ونقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب، وذكر بالس وقال: وهي مدينة قديمة على شاطئ الفرات في أصل جبل، ومنها تحمل التجارات التي ترد من مصر وسائر أرض الشام في السفن إلى بغداد، وخراج بالس إلى عامل ديار مضر، وحربها وصلاتها إلى عامل جند قنّسرين والعواصم، وأهلها أخلاط من العرب والعجم (٤٠ - و).
стр. 112
باب في ذكر حيار بني القعقاع
ويعرف بحيار بني عبس أيضا. وهي منسوبة إلى بني القعقاع بن خليد بن جزء بن الحارث العبسي، وهم أخوال الوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان. لأن أمهما ولادة بنت القعقاع بن خليد بن جزء، وقيل هي ولاّده بنت العباس بن جزء.
وكان الحيار بلدا قديما، فصار الآن منزلا للأعراب، ويعرف بقنّسرين الثانية، فإنني قرأت في كتاب البلدان لابن واضح الكاتب في تعداد كور جند قنسرين والعواصم، قال: وكورة قنّسرين الثانية وهي حيار بني القعقاع وأهلها عبس وفزاره وغيرهم من قيس.
وذكر أبو الحسين بن المنادي في كتابه المعروف بالحافظ أن الحيار من الإقليم الثالث.
وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب البلدان فيما حكاه عن شيوخه، ونقلته من خط بنوسه، قال: وقالوا: وكان حيار بني القعقاع بلدا معروفا قبل الإسلام، وبه كان مقتل المنذر بن ماء السماء اللخمي ملك الحيرة، فنزله بنو القعقاع بن خليد بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة ابن ربيعه بن مازن بن الحارث بن قطيعه بن عبس بن بغيض، فأوطنوه فنسب إليهم، وكان عبد الملك بن مروان أقطع القعقاع به قطيعة، وأقطع عمه العباس بن جزء بن الحارث قطائع أو غرها له إلى اليمن، وأوغرت بعده، وكانت، أو أكثرها (٤٠ - ظ) مواتا. وكانت ولاّدة بنت العباس عند عبد الملك بن مروان فولدت له الوليد وسليمان (١).
стр. 113
باب في ذكر معرة النعمان
هي مدينة حسنة وكان لها سور من الحجارة، وأبنيتها أبنية حسنة بالحجر، وهي كثيرة الأشجار والفواكه، لا سيما من التين والفستق والزيتون. ويغلب على أهلها الذكاء المفرط، وخرج منها جماعة من العلماء والشعراء منهم أبو العلاء بن سليمان، وكان الفرنج قد هجموها، وتشمتت أهلها في البلاد في سنة ست وسبعين وأربعمائة (١)، ثم فتحها من أيديهم أتابك زنكي بن آقسنقر، ورد على أهلها أملاكهم، فعادوا إليها وسكنوها وعمرت المدينة عمارة حسنة، لكن سورها خرب، وبنى بها الملك المظفر محمود بن ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهانشاه حين كانت في يده قلعة حسنة حصينة، ونقل حجارتها من سياث، مدينة خربه كانت قريبا منها، ومن أبنية الروم التي في الكنائس المنهدمة في بلدها، وانتزعها من يده عسكر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر أعز الله أنصاره، فزاد في عمارتها وتقويتها، فقويت قلوب أهلها بالقلعة ورغبوا في عمارة البلد وسكناه، وهي اليوم من أعمر البلاد، وقد صار أكثر عبور القوافل عليها.
أنبأنا أبو محمد وأبو العباس ابنا عبد الله بن علوان الأسديان عن أبي عبد الله محمد بن أبي السعادات عبد الرحمن بن محمد بن أبي الحسن المسعودي قال: معرّة النعمان هي منسوبة (٤١ - و) إلى النعمان بن بشير من الصحابه رضوان الله عليهم، كان والي حمص والعواصم وتلك النواحي، وكانت المعرة قديما تسمى ذات القصور، فلما مات للنعمان ابن هناك، قيل لها معرّة النعمان.
стр. 114
وأخبرني أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي قال: كان اسمها-يعني المعرة-قديما ذات القصور، فنسبت إلى النعمان بن بشير من الصحابة ﵃، لأن ابنه مات بها (١).
وبلغني من غيره أن التي تعرف بذات القصور هي معرة مصرين، والأول أصح.
وأخبرني القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن مدرك بن سليمان المعرّي قاضيها بها، فيما يأثره عن أهل معرّة النعمان أن معرة النعمان إنما نسبت إلى النعمان بن بشير لأن موضعها كان أجمة قصب، وكان سكنى أهل المعرّة بسياث، وهي المدينة إذ ذاك، وآثارها تدل على ذلك فخرج من سياث ولد النعمان يتصيد، فافترسه الأسد عند الأجمة، فدفنه في ذلك الموضع، وبنى منزلا عند قبره، وقال لأهل سياث من كان يودّني ويحب موافقتي فليبن له موضعا عند الموضع الذي ابتنيته، فبنى الناس معرّة النعمان، وسيت بذلك لما لحق النعمان من معرّة الحزن على ولده.
قلت: والصحيح أن النعمان بن بشير جدد بناءها وزاد فيه، واختارها للمقام أيام ولايته فنسبت إليه، وقد كانت مدينة معروفة قبل ذلك، فتحها أبو عبيدة ﵁. وأكثر أهلها من تنوخ. (٤١ - ظ).
وقال البلاذري في كتاب البلدان له: هي منسوبة الى النّعمان بن بشير (٢).
وقال ابن حوقل النصيبي في جغرافيا: معرّة النعمان مدينة هي وما حولها من القرى أعذاء ليس بنواحيها ماء جار ولا عين (٣).
стр. 115
كذا قال وقد شاهدت عين ماء من قبلي المعرّة على الطريق بالقرب منها.
وقال الجدليّ: هي منسوبة الى النعمان بن بشير الأنصاري، كان معاوية ابن أبي سفيان أقطعه إياها فنسبت إليه.
وقال ابن واضح الكاتب: ومعرّة النعمان مدينة قديمة خراب وأهلها تنوخ.
وذكر صاحبنا ياقوت بن عبد الله الحموي في كتابه وقال: بمعرّة النعمان قبر محمد بن عبد الله بن عمار بن ياسر (١).
وقرأت بخط محمد بن أحمد بن الحسن الكاتب في روزنامج (٢) أنشأه وذكر فيه رحلته من بلاد أذربيجان إلى الحج وعوده منه، وجعله كالتذكرة لولده قال فيه بعد أن ذكر خروجه من حلب حرسها الله: ونزلنا سرمين، فاستقبلي القائد بها بالإكرام والإنعام، وركب في صحبتي إلى معرّة النعمان، بل مقر الروح والريحان، بل زهرة العين والجنان، بل معدن البيان واللسان والرجحان في الأدب والشعر والاتقان، بل محل كل كريم وهجان، وهي مدينة تبل غلة الظمآن، وتفثأ أكلة الغرثان السغبان (٣).
أخبرنا أبو علي الأوقي إذنا عن أبي طاهر السّلفي قال: حدثني محمد بن أحمد ابن إبراهيم الرازي قال: هذه نسخة كتاب الشيخ أبي القاسم عبد العزيز بن الحسين بن علي بن زبيد المصري وقد رأيته بمعرة النعمان، ولم أسمعها منه، وذكر فيها: ثم سافرت منها-يعني طرابلس-فوصلت معرة النعمان فوجدتها واسعة الأسواق كثيرة الأرفاق، صحيحة الهواء، واسعة الفضاء، مياهها غزيرة، وفواكهها
стр. 116
كثيرة، وأهلها يميلون الى الخير والتعفف، ويعيشون بالقناعة والتكلف، وفيهم بعض الحمية، وشيء من العصبية، ولهم مع هذا معرفة بالشر والخصومة، وعادة شدة السعاية والنميمة، غير أن ذلك فيما بينهم لا يتعداهم ولا يتجاوزهم إلى أحد سواهم.
وأنبأنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي عن تاج الاسلام أبي سعد السمعاني قال: وذكر أبو نصر بن هميماه الرامشي أن النسبة الصحيحة إليها معر نمي لأن ثم معرّتين (٤٢ - و) معرّة النعمان ومعرّة مصرين، فالنسبة الى الأولى معرنمي والى الثانية معرمصي غير أن أكثر أهل العلم لا يعرف ذلك، والمعري المطلق منسوب إلى معرّة النعمان.
قال أبو سعد السمعاني: خرج منها جماعة من العلماء في كل فن، وقبر عمر ابن عبد العزيز ﵁ في سوادها بموضع يقال له دير سمعان (١).
ومن أحسن ما وقع إلى في وصفها أبيات قالها الوزير أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن المغربي، وقد أخبرنا ببعض قوله أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور قال: أنشدني أبو صالح قراطاش بن طنطاش الظّفري إملاء قال: أنشدني أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش العكبري ح.
وقد أنبأنا أبو حفص بن طبرزد عن ابن كادش قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن حرده قال أنشدني الوزير أبو القاسم المغربي لنفسه والأبيات:
ما على ساكن المعرّة لو أن … ديارا أنبت بهم أو طلولا
يسكنون العلى معاقل شما … ويرون الآداب ظلا ظليلا
منزل شاقني أنيس وما كا … ن رسوما نواحلا وطلولا
стр. 117
حيث يدعى النسيم فظا وتلفى … سبل الغاديات شكسا بخيلا
أينما تلتفت تجد ظلّ طوبى … وتجد كوثرا أغر صقيلا
(٤٢ - ظ)
تربها طيب الشباب فما تصحب … إلاّ السرور فيها خليلا
فترى اللهو إن أردت طليقا … والتّقى إن أردته مغلولا
وإذا ما اعتزى بها الأدب العذ … ريّ جاءوا عمارة وقبيلا
ليت لا يعنف السحاب عليها … ليته جادها عليلا كليلا
وسلام على بنيها ولا زا … ل نعيم الحياة فيهم نزيلا
أنشدنا الحسن بن عمرو بن دهن الخصا قال: أنشدنا الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي قال: أنشدنا الخطيب أبو زكريا التبريزي إجازة، ح.
وأنشدنا أبو المحامد إسماعيل بن حامد القوصي قال: أنشدني أبو جعفر محمد ابن المؤيد بن أحمد التنوخي قال: أنشدني جدي أبو اليقظان أحمد بن محمد بن حواري قالا: أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه مما قاله ببغداد يتشوق بلده:
متى سألت بغداد عني وأهلها … فإني عن أهل العواصم سآّل
إذا جنّ ليلي جنّ لبي وزائد … خفوق فؤادي كلما خفق الآل
وماء بلادي كان أنجع مشربا … ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال
فيا وطني إن فاتني بك سابق … من الدهر فلينعم لساكنك البال
فإن أستطع في الحشر آتك زائرا … وهيهات لي يوم القيامة اشتغال (١)
***
стр. 118
باب في ذكر معرة مصرين
(١) وهي من الجزر من عمل حلب، ويقال فيها معارة مصرين أيضا، وهي مدينة مذكورة وبلدة مشهوره، لها ذكر في الفتوح، وباب الرزق فيها لطالبه مفتوح، باطنها حسن وظاهرها أغن محفوفة بالأشجار، وشرب أهلها من ماء الأمطار، ولها سور قديم مبني بالحجر، وقد تهدم، وكاد أن لا يبقى منه إلا الأثر، وكان الفرنج قد استولوا عليها حين استولوا على الأثارب (٢) وزردنا.
وزردنا (٣) قرية قريبة منها كان لها قلعة خربت، ففتح إيلغازي بن أرتق مدينة معرّة مصرين وزردنا والأثارب في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بعد أن كسر الفرنج على ما نشرحه إن شاء الله في ترجمته؛ وأهلها ذوو يسار وأموال وأملاك ولما هجمها الفرنج دفن أهلها فيها أموالا، فظهر بعدهم منها شيء.
ويقال أنها هي التي تعرف بذات القصور، وكان أكابر حلب وأعيانها (٤٣ - و) يرغبون في اقتناء الأملاك بها، واتخاذ الدور والمنازل فيها، وكان فيها لسلفنا أملاك وافرة، خرج عنا بعضها، وبقي البعض، ويجلب منها الزيت الكثير، وأرضها عذي
стр. 119
يزرع فيها البصل والثوم والكسفره والحبّه، فتأتي على أكمل ما يكون من غير سقي.
وذكر أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان ما ذكره عن مشايخه في ذكر الفتوح قالوا: وبلغ أبا عبيدة أن جمعا للروم بين معارة مصرين وحلب، فلقيهم وقتل عدة بطارقة وفض ذلك الجيش، وسبى وغنم، وفتح معارة مصرين على مثل صلح حلب (١).
وقد عد ابن واضح الكاتب لجند قنسّرين والعواصم كورا فقال: وكورة مرتحوان، وكورة معرة مصرين.
قلت: وكلتاهما من الجزر متلاصقتان، ومرتحوان قريبة من معرة مصرين.
وقال الحسن بن أحمد المهلبي في كتابه: وكان بلد معرة مصرين إلى جبل السماق بلد التين والزبيب والفستق والسماق وحبة الخضراء، يخرج عن الحد في الرخص، ويحمل إلى مدن العراق، ويجهز إلى كل بلد.
أنشدني بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد الخشّاب قال:
أنشدني بعض أهل معرة مصرين لحمدان بن عبد الرحيم.
جادت معرة مصرين من الديم … مثل الذي جاد من دمعي لبينهم
وسالمتها الليالي في تغيّرها … وصافحتها يد الآلاء والنّعم
ولا تناوحت الإعصار عاصفة … بعرصتيها كما هبّت على إرم
حاكت يد القطر في أفنائها حللا … من كل نور شنيب الثغر مبتسم
(٤٣ - ظ)
إذا الصّبا حرّكت أنوارها اعتنقت … وقبّلت بعضها بعضا فما لفم
كأنما نشرت كفّ الربيع بها … بهار كسرى مليك الفرس والعجم
стр. 120
كم وقفة لي بباب السوق أذكرها … مع أسرة ماتت الدنيا لموتهم
وكم على تل باب الحصن من أرب … أدركته عند خلّ من بني جشم
وكم على الجانب الشرقي لي خلس … مع فتية يدرؤون الهم بالهمم
مهلهليّون لا يألون في كرم … جهدا ويرعون حقّ الجار والذمم
عاقرتهم وجلابيب الصبا قشب … وعارضي غير محتاج إلى الكتم
يا ليت شعري وليت أصبحت غصصا … هل يجمع الله شملي بعد بينهم
وما كفى الدهر مني أن نأى بكم … عني وغادرني لحما على وضم
حتى أراني حصار الكفر ثانية … بناظر غرق تحت الدموع عم
صبرا لعلي أرى للدهر عاطفة … تدبّ فينا دبيب البرء في السّقم
فالله يعقب أهل الصّبر إن صبروا … وصابروا بنعيم غير منصرم
الكفر قرية كبيرة من الجزر من كورة مرتحوان ولها مغائر كان الفرنج إذا أغاروا على البلد دخلوا واحتموا فيها ومعهم أهل يحمول وبيت رأس وهي ثلاثة قرى مجتمعات يسمع في كل قرية صوت من يصيح في الأخرى، فكان الفرنج يحصرونهم في المغائر فلا يقدرون عليهم. (٤٤ - و).
أنبأنا أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن صصرى قال أجاز لنا أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير القيسراني وقال في معرة مصرين، ورأيته أنا بخطه في ديوان شعره:
معرّة مصرين (١) … ناهيك مصرا
محلاّ محلى بهاء وفخرا
أرق البقاع هواء وماء … وأبهى المنازل دارا وقصرا
أقمت بها يوم صدر أغر … يضاهي وجوها من القوم غرا
ووا لهفتا لو أعان الزمان … خلعت على ذلك اليوم شهرا
(٤٤ - ظ)
стр. 121
باب في ذكر حاضر قنسرين
ويقال له حاضر طيء، وكان مدينة إلى جانب قنسرين، ولها قلعة تشبه قلعة قنسرين وبها قوم من طيء، فلهذا ينسب إليهم. وقيل بأن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس لما تزوج رائطة بنت عبد الله الحارثية، دخل بها في دار رجل من أهل الحاضر يقال له طلحة بن مالك الطائي، أو منصور بن مالك الطائي، فاشتملت على أبي العباس السفاح في داره.
والحاضر الآن قرية كبيرة يسكنها الفلاحون، وخربت قلعتها وصارت الآن تلاّ يزرع فيه القصيل والأشنان.
قرأت بخط ابن كوجك العبسي الحلبي في كتاب سيرة المعتضد تأليف سنان ابن ثابت بن قرّه مما نقله من خط أحمد بن الطيب السرخسي في مسير المعتضد إلى وقعة الطواحين فقال بعد أن ذكر دخول المعتضد إلى حلب: ورحل الأمير من مدينة حلب يوم الخميس لليلتين خلتا من رجب-يعني من-سنة إحدى وسبعين نحو قنسرين الأولى، وبينهما اثنا عشر ميلا تكون أربعة فراسخ، وقنسرين مدينة صغيرة لأخي الفصيص التنوخي، وعليها سور، ولها قلعة، وسورها متصل بسور سائر المدينة، وعلى فرسخ من هذا الموضع مما يلي حلب مثل هذه المدينة لطيء، وهي التي تعرف بحاضر طيء، وعليها سور أيضا، ولها قلعة على بناء قنسرين.
وقرأت بخط بنوسه في كتاب أخبار (٤٥ - و) البلدان وفتوحها وبنائها تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: وكان حاضر قنسرين لتنوخ مذ أول ما تنخوا بالشام نزلوه وهم في خيم الشعر، ثم ابتنوا به المنازل، فدعاهم أبو عبيدة إلى الإسلام، فأسلم بعضهم، وأقام على النصرانية بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
стр. 122
قال: فحدثني بعض ولد يزيد بن حنين الطائي الأنطاكي عن أشياخهم أن جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة المهدي، فكتب على أيديهم بالخضرة قنسرين.
ثم قال البلاذري: وكان حاضر طيء قديما نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حتى نزل الجبلين من نزل منهم، فتفرق باقوهم في البلاد، فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم، وصالح كثير منهم على الجزية، ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلا من شذّ عن جماعتهم (١).
وقال ابن واضح الكاتب: وبإزاء مدينة قنسرين مدينة يقال لها حاضر طيء بها منازل طيء.
قلت: وبها الآن جماعة كبيرة عبسيون. وكان عكرشة بن أربد العبسي نازلا بها في أيام هشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد، فمات بنوه فيها فقال يرثيهم وسنذكرها في ترجمته إن شاء الله تعالى.
سقى الله أجداثا ورائي تركتها … بحاضر قنسرين من سبل القطر
مضوا لا يريدون الرواح وغالهم … من الدهر أسباب جرين على فدر (٢)
(٤٥ - ظ) أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بالمزّة من لفظه قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي أحمد لفظا قال: أنبأنا محمد بن محمد الصوفي عن أبي سعد الفقيه قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: قرئ على أبي محمد بن عبد الله بن محمد بن يعقوب قال: أخبرنا أبو حاتم الرازي قال: دخلت حاضر قنسرين فرأيت مدينتها وبيوتها وحيطانها وأنهارها قائمة ليس فيها أحد، فسألت عن أمرهم فقيل لي: إنه كان بينهم وبين أهل حلب قتال، فكانوا يغدون كل يوم للقتال حتى كان ليلة دخلوا مدينتهم، فأصبحوا وليسوا في المدينة لا يدرى أين أخذوا.
стр. 123
باب في ذكر سرمين
(١) وهي مدينة بطرف جبل السماق كبيرة العمل واسعة الرستاق، ولها مسجد جامع وأسواق. وكان لها سور من الحجر خرب في زماننا هذا ودثر، وبها مساجد كثيرة دائرة كانت معمورة بالحجر النحيت عمارة فاخرة، قيل إن بها ثلاثمائة وستين مسجدا ليس بها الآن مسجد يصلى فيه إلا المسجد الجامع، وأكثرها الآن إسماعيلية ولهم بها دار دعوة.
وكان يسكن بها الحسن بن عجل المعروف بالصوفي الذي ينتسب إليه بنو الصوفي رؤساء دمشق، وكان جد أبي الحسن علي بن مقلد بن منقد صاحب شيزر لأمه، ولما قوي أمر الإسماعيلية بسرمين تحول (٤٦ - و) إلى حلب فسكنها، وداره بحلب هي الدار التي وقفها شيخنا قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف ابن رافع بن تميم ﵀ مدرسة لأصحاب الشافعي ﵀، تجاه المدرسة النورية، وخرج منها فضلاء وشعراء.
وذكرها أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان في تسمية كور جند قنسرين والعواصم فقال: كورة سرمين وأهلها من قيس.
وكان بقربها في جبل بني عليم حصن منيع يقال له كفر لاثا (٢)، وكان الفرنج قد استولوا عليه وعلى سرمين في سنة ست وسبعين وأربعمائة (٣)، فاستنقذه نور الدين محمود بن زنكي من أيديهم وخرّبه.
стр. 124
باب في ذكر كفر طاب
وأما مدينة كفر طاب فكانت مدينة مبنية بالمدر وشربهم من صهاريج من ماء المطر، وكان بها جماعة من الأعيان الموسرين، ومن أهل العلم والدين، فهجمها الفرنج في سنة ست وسبعين (١)، فتشتت أهلها في بلاد الشام، وكان منهم المعروفون ببني قشام، ولما استرجعها أتابك زنكي من أيدي الكفار رجع إليها من أهلها من أحب الرجوع واختار، وكان بها جماعة من العلماء، والأدباء والشعراء.
وذكرها أحمد بن أبي يعقوب بن واضح في كتاب البلدان فقال: ومدينة كفر طاب والأطميم وهي مدينة قديمة، وأهلها قوم من يمن من سائر البطون، وأكثرهم كنده.
الأطميم هي المعروفة (٤٦ - ظ) الآن بلطمين (٢)، وهي قرية كبيرة جامعة.
قرأت بخط أبي طاهر السّلفي في رسالة أبي المظفر إبراهيم بن أحمد الأذري التي ذكر فيها رحلته إلى الشام وغيرها قال: ومنها-يعني من معرة النعمان-إلى كفر طاب، وما أحسنها بلدة لو أن لأهلها ماء لشفاههم وشربا لأفواههم (٣).
أنشدني والدي ﵀ لبعض الشعراء يصف كفر طاب بقلة الماء:
بالله يا حادي المطايا … بين حناك وأرمنايا
стр. 125
عرّج على أرض كفر طاب … وحيّها أوفر التحايا
وأهد لها الماء فهي ممن … يفرح بالماء في الهدايا
ويروى: يهدى لها الماء في الهدايا.
وقيل بأن هذه الأبيات لأبي محمد عبد الله بن محمد سعيد الخفاجي الحلبي، والأمر على ما ذكره في قلة الماء بها، فإن حمامها لها صهريج من ماء المطر، وما يخرج منها من الماء المستعمل يستعملونه في دباغة الجلود، ثم يستعملونه في طين الفخار الذي يعمل بها، ويحمل الى البلاد التي حولها (١).
***
стр. 126
باب في ذكر أفاميه
ويقال فيها فاميه أيضا بغير ألف، وهي مدينة قديمة، وبها آثار روميه عظيمه ولها قلعة منيعة في نهاية القوة، هي باقية إلى اليوم، وقد ذكرنا فيما تقدم أن سلوقس بناها وبنى سلوقيه، وحلب، والرها، واللاذقية.
وقال ابن واضح الكاتب في كتاب البلدان: ومدينة فاميه، وهي مدينة رومية قديمة خراب على بحيرة عظيمة، وأهلها عذرة وبهراء.
وشاهدت في طريق حماه بالقرب من العبّادي أثر قناة قيل لي: إن هذه قناة أفاميه وكانت تأتي إليها من سلميه.
وأخبرني والدي ﵀ قال إذا مدّ نهر قويق وغاض بالمطخ يحمر ماء بحيرة أفاميه فيقولون إن مغيض الماء يخرج تحت الأرض إلى البحيرة المذكورة.
وبعض الناس يقول: إن سمك البحيرة يحيض فيحمر ماؤها، وأفاميه بلدة وبئة جدا.
ويقال: إن أبا هريرة صار الى فاميه فلم يضيفوه، فارتحل عنهم، فقالوا: يا أبا هريرة لم ارتحلت عنا؟ فقال لأنكم لم تضيفوني. قالوا: ما عرفناك. فقال وإنما تضيفون من تعرفوا؟ قالوا: نعم، فارتحل عنهم.
أخبرنا بذلك أبو الحسن محمد بن علي قال: أخبرنا أبو الفضل إسماعيل بن علي الخزوي قال: أخبرنا أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني قال: حدثنا
стр. 127
أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: أخبرنا أبو المعمر المسدّد بن علي ابن عبد الله بن العباس الأملوكي قال: أخبرنا أبي أبو طالب علي قال أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن سعيد قال: حدثنا عمران بن بكّار البراد قال: حدثنا عبد السلام بن محمد الحضرمي عن بقيّة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أن أبا هريرة دخل حمص مجتازا بها حتى صار الى فاميه فلم يضيفوه، فارتحل عنهم، وذكر ما ذكرناه إلى آخره.
وقلعة فاميه من القلاع الموصوفة بالحصانة والمنعة (١).
وأنبأنا أبو القاسم الأنصاري عن الحافظ أبي طاهر السلفي عن أحمد بن محمد ابن الآبنوسي عن أبي الحسين بن المنادي قال: أما القلاع التي اتخذها جباروا الأمم وملوك الأرض عواصم من أعدائهم، والأبنية التي تحصنوا بها من مخاوفهم فأكثر من أن تحصى، وإن من أعجبها بنيانا وأمنعها بإذن الله لمن استقطنها قلعة ماردين، وقلعة بعلبك، وقلعة فاميه. وذكر غير ذلك.
وكانت أفامية في أيدي نواب المصريين فنزل عليها قسيم الدولة آق سنقر في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، فكاتبه أهلها فخاف الوالي وسلمها إليه، فسلمها إلى أبي المرهف نصر بن منقذ، ثم أخذها منه تاج الدولة تتش، فلما قتل وثب أهلها فيها، ونادوا بشعار المستنصر المستولي على مصر، فسير إليها خلف بن ملاعب في سنة ثمان وثمانين، إلى أن قتله الباطنيه بها فنزل عليها طنكري الفرنجي فتسلمها في شهر محرم من سنة خمسمائة بعد أن أقام عليها ثمانية أشهر (٢).
стр. 128
باب في ذكر شيزر
هي مدينة صغيرة وفواكهها كثيرة ولها قلعة حصينة، ومدينة تحت مدينة استولى عليها الفرنج (١) حين خرجوا الى الشام وانتزعوها من أيدي ولاة الإسلام وكان لسديد الملك أبي الحسن علي بن المقلّد بن منقد قلعة الجسر إلى جانبها فعمرها وحصنها، وقصد بذلك التضييق على الأسقف الذي كان بشيزر، فحصل لابن منقذ ما قصده، وضاق بالأسقف الأمر وكره بلده، فاشترى شيزر من الأسقف بمال بذله، وتسلم منه البلد ونزله، وذلك في سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وعمرها ابن منقذ وسكنها، وشيّد قلعتها وحصنها، فصارت مذكورة بين البلاد.
وأمراؤها السادة بنو منقذ هم الأجناد، وقصدها أبو المكارم مسلم بن قريش بالحصار، فعاد عنها بالخيبة والخسار، فقال فيه سالم بن المهذب عند عجزه عنها أبياتا ستذكر في ترجمته إن شاء الله، منها.
قمت كمدا فالجسر لست بجاسر … عليه وعاين شيزرا أبدا شزرا (٢)
(٤٧ - ظ) وشيزر بلد موصوف بالوخامة، وفيه يقول مؤيد الدولة أسامة:
стр. 129
وخمت وجاورها العدو فأهلها … شهداء بين الطعن والطاعون (١)
ولم تزل شيزر في أيدي بني منقذ يسكنونها ويحامون عنها ويحفظونها إلى أن جاءت الزلزلة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، فهدمت شيزر وحماه، وقتلت صاحبها محمد بن سلطان بن منقذ، وهتكت حماه، وكان قد ابتنى دارا وزخرفها، وجلس فيها وعنده أولاده وبنو عمة وحاشيته وهم يتفرجون على قرد عندهم، فجاءت الزلزلة وهدمت الدار عليهم، فلم ينج منهم غير القرد، وبادر نور الدين محمود بن زنكي إلى شيزر فتسلمها وعمر أسوارها، ودفعها إلى سابق الدين عثمان ابن دايته، ولم تزل في عمارة وزيادة الى أن أخذت من ابن ابنه، حصره الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر رحمهما الله، فتشعثت أحوال المدينة، وقلت معايش أهلها لعدم سكنى العسكر بها، وأما القلعة فأحوالها منتظمة وأمورها مستقيمة ملتئمة، ونهر الأرنط يحلء سفح القلعة، وقد بني عليه سكر (٢) ليجتمع الماء تحت القلعة، ويسمى ذلك الموضع الخرطله. وقد ذكرها امرؤ القيس في قصيدته الرائية بقوله:
تقطّع أسباب اللبانه والهوى … عشية جاوزنا حماة وشيزرا (٣)
أخبرنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان الأسدي قال: أخبرنا أبو البركات محمد بن حمزة العرقي كتابة وأخبرنا عنه سماعا أبو محمد عبد الدائم ابن عمر بن حسين قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن جعفر السعدي المعروف بابن القطّاع قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن البرّ اللغوي قال: أخبرنا أبو محمد
стр. 130
إسماعيل بن محمد النيسابوري قال: أخبرنا أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قال: وشيزر اسم موضع لا أحسبه عربيا صحيحا (١) (٤٨ - و).
وقد ذكرها أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صوره الارض والمدن وما تشتمل عليه فقال: فأما شيزر وحماه فإنهما مدينتان صغيرتان نزهتان، كثيرتا المياه والشجر والزرع.
***
стр. 131
باب في ذكر حماة
حماة بلدة حسنة نضرة حلوة خضرة، أطاع حسنها العاصي واستحلاها الداني والقاصي طيبة الفواكه والثمار، وأهلها خيرة أبرار، وهي مدينتان والقلعة بينهما، وعلى كل مدينة منهما سور، وفيها سوق، والمدينة الغربية تعرف بسوق الأعلى، والمدينة الشرقية تعرف بسوق الأسفل، ولكل واحدة منهما مسجد جامع تقام فيه الخطبة، ونهر الأرنط يحف بدور المدينتين، ولم تكن قلعتها بالحصينة ولا المختارة وخربتها الزلزلة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وكانت زلزلة عظيمة هائلة.
ولما ملكها تقي الدين عمر ابن أخي السلطان الملك الناصر حصنها وقواها، وجاء بعده ولده الملك المنصور محمد بن عمر فجدد أسوار القلعة، وبناها وشيدها وعلاها فصارت من أحسن القلاع وأبهاها، ويغلب على أهلها العلم والأدب، وقد عدها البشاري كما ذكرناه من مدن حلب (١).
وقرأت بخط أبي طاهر السلفي في رسالة أبي المظفر الليثي قال: ومنها-يعني من كفر طاب-الى حماه، وهي مدينة نزهة بنيت على النهر المعروف بالعاصي، وربما قيل له المقلوب، وعلى حافتي النهر دواليب يسميها أهلها الحنّانات، ومن جملتها الحنانة المعروفة بأم الحسن، ويقال إن فلكها أربعون ذراعا (٢) (٤٨ - ظ) وقد ذكرها امرؤ القيس مع شيزر في شعره كما ذكرنا، وكذلك عبيد الله ابن قيس الرقيات في قوله:
стр. 132
قضوا بي أنظر نحو قومي نظرة … فلم يقف الحادي بنا وتغشمرا
فوا حزنا إذ فارقونا وجاوزوا … سوى قومهم أعلى حماة وشيزرا (١)
وقال أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في ذكر حماة: وهي مدينة قديمة وعلى نهر يقال له الأرنط وأهل هذه المدينة قوم من يمن، والأغلب عليهم بهراء وتنوخ. وعدّها ابن واضح من عمل حمص لكن البشاري ذكرها وشيزر ورفنيه من مدن حلب.
وذكر أبو العلاء المعري أنها من العواصم.
ورفنية مدينة قريبة من حماة خربت ودثرت.
وقيل إنما سميت حماة لأنه نزل بها الحماني بن كنعان بن حام.
أنشدني أبو الربيع سليمان بن ينيمان بن أبي الجيش بن ينيمان الإربلي لنفسه:
سقى زمنا بربع حماة ولّى … هزيم الودق منهلّ الرّباب
حتى يستطير البرق فيه … كمتن السيف سلّ من القراب
فكم سلفت لنا فيها ليال … سرقناهنّ من عصر التّصابي
وكم صدنا بها من ظبي إنس … رخيم الدلّ مقتبل الشباب
يريك إذا بدا أنوار وجه … كشمس الأفق تسفر عن نقاب
وعاصيها يصفّق حين تشدوا الحمائم … فوق أغصان رطاب
ترى الأنهار منها في اصطخاب … إذا الورقاء أبدت في انتحاب
فكم من جدول ينساب فيه … على الحصباء جريا كالحباب
وبدر التّمّ قد ألقى سناه … عليه فهو فضّي الإهاب
فلا تعدل بعاصيها قويقا … فأين الدّوح من تلك الهضاب
стр. 133
باب في ذكر بغراس
هي قلعة مذكورة حصينة وكان الطريق الى الثغور للغزاة عليها، وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قد استنقذها من أيدي الكفار في ثاني شعبان من شهور سنة أربع وثمانين وخمسمائة، فخرب قلعتها.
فجاء الفرنج الديوية (١) وعمروها واستولوا عليها وهي الآن في أيديهم.
وقريب منها حصن الدربساك فتحه الملك الناصر أيضا في ثامن من شهر رجب من السنة المذكورة، وهو في أيدي المسلمين اليوم.
وقرأت في كتاب أبي زيد أحمد بن سهل البلخي في صفة الارض والمدن (٤٩ - و) وما تشتمل عليه قال: وبغراس على طريق الثغور، وبها دار ضيافة لزبيدة، وليس بالشام دار ضيافة غيرها.
وذكر أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان وفتوحها وأحكامها ونقلته من خط بنوسه وحكاه البلاذري عمن حدثه من أهل الشام قالوا: وكانت أرض بغراس لمسلمة بن عبد الملك فوقفها في سبل البرّ، وكانت عين السلور وبحيرتها له أيضا.
قلت: يريد بعين السلور وبحيرتها بحيرة يغرا من عمل حارم (٢)، وناحية العمق.
стр. 134
وقال البلاذري: وحدثني بعض أهل أنطاكية وبغراس أن مسلمة بن عبد الملك لما غزا عموريه حمل معه نساءه وحمل ناس ممّن معهم نساءهم وكانت بنو أمية تفعل ذلك إرادة الجد في القتال للغيرة، فلما صار في عقبة بغراس عند الطريق المستدقة التي تشرف على الوادي سقط محمل فيه امرأة الى الحضيض، فأمر مسلمة أن تمشي سائر النساء، فمشين، فسميت تلك العقبة عقبة النساء.
قال: وقد كان المعتصم بالله صلوات الله عليه بنى على حد تلك الطريق حائطا قصيرا من حجارة.
قال البلاذري: وقد اختلفوا في أول من قطع الدرب، وهو درب بغراس، فقال بعضهم لبعض: قطعه ميسرة بن مسروق العبسي، وجهه أبو عبيدة بن الجراح (٤٩ - ظ) فلقي جمعا للروم ومعهم مستعربة من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل، فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم لحق به الاشتر النخعى مددا من قبل أبي عبيدة وهو بأنطاكية.
وقال بعضهم: أول من قطع الدرب عمير بن سعد الأنصاري حين توجه في أثر جبلة بن الأيهم.
وقال أبو الخطاب الأزدي: إن أبا عبيدة نفسه غزا الصائفة فمر بالمصّيصة وطرسوس، وقد جلا أهلها وأهل الحصون التي تليها، فأدرب وبلغ في غزاته زندة.
وقال غيره: إنما وجه ميسرة بن مسروق فبلغ زندة (١).
***
стр. 135
باب في ذكر المصيصه
وهي الآن في أيدي الأرمن.
وهي مدينة مذكورة من الثغور الشامية وأعمال حلب، والاقليم الرابع، وتشتمل على مدينتين بينهما نهر جيحان، مدينة المصيصة من الجانب الغربي من النهر، ومدينة كفربيا من الجانب الشرقي، وكلتاهما كان بها جماعة من أهل العلم.
وقرأت في بعض المجاميع في عجائب طبائع البلدان قال: ومن أطال الصوم بالمصّيصة في الصيف هاجت به المرة السوداء، وربما جنّ.
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي قال: حدثنا أبو محمد وأبو الفضل والقاسم وصالح ابنا أبي القاسم العجليان قالا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أيوب بن الضريس الرازي قال: سمعت علي بن عبد الله يقول: توسوس يوسف بن أسباط بالمصّيصة، وعوفي حتى صار إلى حال الصحة.
وقرأت بخط أبي عمرو حدثني أبو الحسن العدل علي بن الحسين الحذاء وأبو بكر غانم بن يحيى بن عبد الباقي قالا: حدثنا أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي قال:
وكذلك يحكم أهل الحكمة على من أدمن شرب ماء جيحان مع ملازمة الصوم أنه يورث الوسواس.
وقرأت في كتاب أحمد بن محمد بن إسحاق الزيات الهمذاني في البلدان وذكر من أعاجيب البلاد وقال: ومن أطال الصوم في المصّيصة هاج به المرار الأسود.
стр. 136
وقال أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري في كتاب معجم ما استعجم من أسماء البلاد: المصّيصة بكسر أوله وتشديد ثانيه بعده ياء ثم صاد أخرى مهملة، ثغر من ثغور الشام.
وقال أبو حاتم: قال الأصمعي: ولا يقال مصّيصه بفتح أوله (١).
وقرأت بخط إبراهيم بن محمد الطبري (٥٠ - و) المعروف بتوزون في كتاب الياقوت تأليف أبي عمر محمد بن عبد الواحد صاحب ثعلب في ياقوته البرم، وذكر أن أبا عمر أملاه علينا من حفظه في شهور سنة سبع وثلاثمائه وعشرين، وذكر أنه قرأة على أبي عمر أيضا قال: أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال: هي المصّيصة، والنسب إليها مصّيصي.
وأخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي قراءة عليه فيما تلحن فيه العامة مما يكسر، والعامة تفتحه، وهي المصّيصة بكسر الميم (٢).
وقرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي، وأجازه لنا عنه غير واحد من الشيوخ قال: وسمعته-يعني أبا الحسن أحمد بن حمزه بن أحمد التنوخي العرقي- يقول كان أبو القاسم بن القطاع يقول فلان المصيصي بتخفيف الصاد وينكر على من يشدده.
وأما معرفة من بناها أولا فاختلف في ذلك، فقال أحمد بن الطّيّب السرخسي في المسالك والممالك: المصّيصة، قال: وهي مسماة فيما زعم أصحاب السير باسم الذي عمرها وهو المصيصة بن الروم بن اليفن بن سام بن نوح.
стр. 137
وقرأت في كتاب وقع إليّ بالقاهرة في جماهير أنساب اليمن وأسماء ملوكها، قال أبو القاسم الحسن بن علي الكوفي حدثنا أبو سليمان داود بن عبد الله اليماني الصنعاني قال: حدثنا أحمد بن القاسم قال: حدثنا الفضل بن العباس الأنصاري عن أبيه قال: أتي معاوية بن أبي سفيان بشيخ كبير قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فما ينظر إلا ما رفع باليد، قال: ما اسمك؟ قال: عبيد بن شريه (١)، قال: المني؟ قال: الجرهمي، قال: وهل بقي من جرهم أحد؟ قال: أنا من بقيتهم، قال: فسأله عن مسائل ذكرها، إلى أن ذكر له ولد يافث بن نوح، فقال:
يافث (٥٠ - ظ) بن نوح ولد سبعة ذكور منهم جومر بن يافث، ومأجوج بن يافث وماذي بن يافث، وياوان بن يافث، وثوبان بن يافث، وماشج بن يافث وتيراس بن يافث.
قال: وولد ياوان بن يافث أياس، والمصّيصة وطرسوس، وأذنه، والروم من ولد هؤلاء، وحلّوا بلادهم، فعرفت بأسمائهم على تخوم الروم، طرسوس وأذنه والمصّيصة وأياس.
وقد ذكر في التوراة ولد ياوان كما ذكرناه.
وقال الحسن بن أحمد المهلبي العزيزي في كتاب المسالك والممالك الذي وضعه للعزيز المستولي على مصر، وذكر المصيصة: فكانت تسمى بغداد الصغيرة لأنها كانت جانبين على النهر، وكان بها من أهلها فتيان فرسان ظرفاء شجعان.
قال: فأما خاصيات الثغر فإنه كان يعمل بالبلد الفراء المصّيصية، تحمل إلى الآفاق، وربما بلغ الفرو منها ثلاثين دينارا، ويعمل بها عيدان السروج التي يبالغ
стр. 138
بثمنها إلى هذه الغاية، ولم يكن على وجه الأرض بلد يعمل فيه الحديد المحزوز للكراسي الحديد واللجم والمهاميز والعمد والدبابيس كما يعمل بالثغور.
وقرأت في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يعقوب بن واضح الكاتب قال:
ومدينة المصّيصة مدينة بناها المنصور أمير المؤمنين في خلافته، وكانت قبل ذلك مصلحة، وأول من قطع جبل اللكام وصار إلى المصّيصة مالك بن الحارث الأشتر النخعي، من قبل أبي عبيدة بن الجرّاح، وكان بها حصن صغير بناه عبد الله بن عبد الملك لما غزا الصائفة.
وقد حكينا (٥١ - و) في الباب الذي قبل هذا الباب عن البلاذري قال:
وقال أبو الخطاب الأزدي: إن أبا عبيدة نفسه غزا الصائفة فمر بالمصيصة وطرسوس، وقد جلا أهلها وأهل الحصون التي تليها فأدرب، وبلغ في غزاتة زنده.
عدنا إلى كلام ابن واضح قال: وخرج المنصور إلى الثغور، فبنى مدينة المصّيصة العظمى على النهر الذي يقال له جيحان، ونقل الى مدينة المصيصة أهل السجون من الآفاق وغيرهم، وبنى أمير المؤمنين المأمون مدينة إلى جانبها سماها كفر بيّا، فصار النهر المعروف بجيحان بين المدينتين، وعلى النهر جسر عظيم قديم معقود بالحجارة، ومدينة المصيصة من الجانب الغربي من جيحان، ومدينة كفر بيا من الجانب الشرقي، وأهلها أخلاط من الناس.
وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب البلدان قال: وحدثني محمد ابن سعد عن الواقدي وغيره قالوا: لما كانت سنة أربع وثمانين غزا على الصائفة عبد الله ابن عبد الملك بن مروان، فدخل من درب أنطاكية، وأتى المصّيصة فبنى حصنها على أساسه القديم، ووضع بها سكانا من الجند فيهم ثلاثمائة رجل انتخبهم من ذوي البأس والنجدة المعروفين، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك، وبنى فيها مسجدا فوق تل الحصن، ثم سار في جيشه حتى غزا حصن سنان ففتحه ووجّه يزيد بن حنين الطائي الأنطاكي فأغار ثم انصرف إليه.
стр. 139
وقال أبو الخطاب الأزدي: وكان أول من ابتنى حصن المصّيصة في الإسلام (٥١ - ظ) عبد الملك بن مروان على يد ابنه عبد الله بن عبد الملك في سنة أربع وثمانين على أساسها القديم، فتم بناؤها وشحنتها في سنة خمس وثمانين، وكانت في الحصن كنيسة جعلت هريا، فكانت الطوالع من أنطاكية تطلع عليها في كل عام، فتشتوا بها، ثم تنصرف، وعدة من كان يطلع إليها ألف وخمسائة إلى الألفين.
قالوا: وشخص عمر بن عبد العزيز حتى نزل هرى المصّيصة وأراد هدمها وهدم الحصون بينها وبين أنطاكية، وقال: أكره أن يحاصر الروم أهلها، فأعلمه الناس أنها عمرت ليدفع من بها الروم عن أنطاكية، وقال: أكره أن يحاصر الروم أهلها، فأعلمه الناس أنها عمرت ليدفع من بها الروم عن أنطاكية وأنه إن أخربها لم يكن للعدو ناهية دون أنطاكية، فأمسك وبنى لأهلها مسجدا جامعا من ناحية كفر بيّا، واتخذ فيه صهريجا، ثم ان المسجد جدد في خلافة المعتصم، وهو يدعى مسجد الحصن. (١)
قالوا: ثم بنى هشام بن عبد الملك الربض، ثم بنى مروان بن محمد الخصوص في شرقي جيحان وبنى عليها حائطا، وأقام فيه باب خشب، وخندق خندقا، فلما استخلف أبو العباس ﵀ فرض بالمصّيصة لأربعمائة رجل زيادة في شحنتها، وأقطعهم، ثم لما استخلف المنصور صلوات الله عليه فرض فيها لأربعمائة رجل، ثم لما دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة أمر بعمران مدينة المصّيصة، وكان حائطها متشعثا من الزلازل، وأهلها قليل في داخل المدينة فبنى سور المدينة وأسكنها أهلها سنة أربعين ومائة، وسماها المعمورة وبنى فيها مسجدا جامعا في (٥٢ - و) موضع هيكل كان فيها وجعله مثل مسجد عمر مرات، ثم زاد فيه المأمون أيام ولاية عبد الله بن طاهر بن الحسين المغرب، وفرض المنصور رحمة الله عليه فيها لألف رجل، ثم نقل أهل الخصوص وهم فرس وصقالبه وأنباط نصارى، كان مروان بن محمد أسكنهم إياها وأعطاهم خططا في المدينة عوضا من منازلهم على ذرعها، ونقض منازلهم وأعانهم على البناء، وأقطع أرباب الفرض قطائع ومساكن،
стр. 140
ثم لما استخلف المهدي أمير المؤمنين صلوات الله عليه فرض بالمصّيصة لألفي رجل ولم يقطعهم لأنها قد كانت شحنت من الجنود والمطوعه ولم تزل الطوالع تأتيها من أنطاكية في كل عام، حتى وليها سالم البرنسي، وفرض معه لخمسمائة مقاتل على خاصة عشرة دنانير، فكثر من بها وقووا، وذلك في خلافة المهدي رحمة الله عليه.
وقال البلاذري: وحدثني محمد بن سهم عن مشايخ الثغر قالوا: ألحت الروم على أهل المصّيصة في أول الدولة المباركة حتى جلوا عنها، فوجه صالح ابن علي جبريل بن يحيى البجلي إليها فعمرها وأسكنها الناس سنة أربعين ومائة، وبنى الرشيد صلوات الله عليه كفر بيا، ويقال بل كانت ابتديت في خلافة المهدي رحمة الله عليه، ثم غير الرشيد بناءها، وحصنها بخندق ثم رفع إلى المأمون ﵁ في غلة كانت على منازلها، فأبطلها، وكانت منازلها كالخانات، وأمر فجعل لها سور، فرفع، فلم يستتم حتى توفي، فقام المعتصم صلوات الله عليه بإتمامه (٥٢ - ظ) وتشريفه.
وقال البلاذري: حدثني دؤاد بن عبد الحميد قاضي الرقّة عن أبيه عن جدّه أن عمر بن عبد العزيز أراد هدم المصّيصة ونقل أهلها عنها لما كانوا يلقون من الروم فتوفي قبل ذلك.
أخبرنا أبو جعفر يحيى بن أبي منصور جعفر بن عبد الله الدامغاني البغدادي إذنا، وقرأت عليه هذا الإسناد بحلب، قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا الشريف أبو العز محمد بن المختار بن محمد بن المؤيد قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا هرون بن معروف قال: حدثنا ضمره عن رجاء بن أبي سلمة قال: همّ عمر بن عبد العزيز بهدم المصّيصة لتغوّلها في بلاد الروم.
стр. 141
عدنا إلى ما ذكره البلاذري قال: وقال أبو النعمان الأنطاكي: كان الطريق فيما بين أنطاكية والمصيصة مسبعة يعترض الناس فيها الأسد، فلما كان الوليد بن عبد الملك شكي ذلك إليه، فوجه أربعة آلاف جاموسة وجاموس، فنفع الله بها، وكان محمد ابن القاسم الثقفي عامل الحجاج على السند بعث منها بألوف جواميس، فبعث الحجاج إلى الوليد منها بما بعث من الأربعة الآلاف، وألقى باقيها في آجام كسكر، ولما خلع يزيد بن المهلّب فقتل، وقبض يزيد بن عبد الملك أموال بني المهلب أصاب لهم أربعة آلاف جاموسة، كانت بكور دجلة، فوجه بها يزيد بن عبد الملك إلى المصيصة أيضا مع زطها، فكان أصل (٥٣ - و) الجواميس بالمصيصة ثمانية آلاف جاموسة، وكان أهل أنطاكية وقنسرين قد غلبوا على كثير منها واحتازوه لأنفسهم في أياه فتنة مروان بن محمد، فلما استخلف أمير المؤمنين المنصور ﵀، أمر بردها إلى المصيصة، وأما جواميس أنطاكية فكان أصلها ما قدم به الزطّ معهم، وكذلك جواميس بوقا.
وقال أبو الخطاب: بني الجسر الذي على طريق أذنه من المصيصة وهو على تسعة أميال من المصيصة سنة خمس وعشرين ومائة، فهو يدعى جسر الوليد، وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك المقتول.
قالوا: ولما كانت سنة خمس وستين ومائة أغزى المهدي ﵀ ابنه هرون الرشيد صلوات الله عليه بلاد الروم، فنزل على الخليج، ثم خرج فرمّ المصيصة ومسجدها، وزاد في شحنتها، وقوى أهلها (١).
وقرأت في كتاب أبي زيد أحمد بن سهل البلخي في صفة الأرض والمدن قال:
والمصيصة مدينتان إحداهما المصيصة والأخرى تسمى كفر بيّا على جانبي جيحان
стр. 142
وبينهما قنطرة حجاره حصينة جدا على شرف من الأرض، ينظر منها الجالس في مسجد الجامع بها إلى قرب البحر نحو أربعة فراسخ.
وجيحان يخرج من بلد الروم حتى ينتهي إلى المصيصة، ثم إلى رستاق يعرف بالملون، حتى يقع في بحر الروم.
قلت: فقد ينخل من مجموع ما ذكرناه أن بناء المصيصة في الدولة الإسلامية كان، لأن هرقل لما خرج عن أنطاكية إلى (٥٣ - ظ) القسطنطينية استصحب أهل هذه البلاد، وأجلوا منها، ونقلهم معه، وشعث هذه البلاد. فإن البلاذري قال في كتابه: حدثني مشايخ من أهل أنطاكية وغيرهم قالوا: كانت ثغور المسلمين الشامية أيام عمر وعثمان وما بعد ذلك أنطاكية وغيرها من المدن التي سماها هرون الرشيد فكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزو اليوم ما وراء طرسوس، وكانت فيما بين إسكندرونه وطرسوس حصون ومسالح للروم، كالمسالح والحصون التي يمر بها المسلمون اليوم، فربما أجلاها أهلها، وهربوا إلى بلاد الروم خوفا، وربما نقل إليها من مقاتلة الروم من تشحن به، وقد قيل إن هرقل أدخل أهل هذه المدن معه عند انتقاله من أنطاكية لئلا يسير المسلمون في عمارة ما بين أنطاكية وبلاد الروم، والله أعلم.
قال البلاذري: وحدثني ابن طيبون البغراسي عن أشياخهم أنهم قالوا:
الأمر المتعالم عندنا أن هرقل نقل أهل هذه الحصون معه، وشعثها، وكان المسلمون إذا غزوا لم يجدوا بها أحدا، وربما كمن عندها القوم من الروم، فأصابوا غرّة المتخلفين عن العساكر والمنقطعين عنها، فكان ولاة الشواتي والصوائف إذا دخلوا بلاد الروم خلفوا بها جندا كثيفا إلى خروجهم (١).
فكانت المصّيصة وغيرها من الثغور الشامية خرابا بسبب ذلك، فلما غزا (٥٤ - و) عبد الله بن عبد الملك بنى حصن المصيصة دون مدينتها، فأراد عمر بن
стр. 143
عبد العزيز هدمه بالكلية، فلما عرف المصلحة في تركه، تركه وبنى مسجدا جامعا للمسلمين من ناحية كفر بيا، ثم بنى هشام ربض الحصن، ثم بنى مروان بن محمد الخصوص من الناحية الشرقية، لقلة من يعم المدينة بالسكنى، فيكون ساكنوا الخصوص مستيقظين لأنفسهم، وجعل عليه خندقا وحائطا، وكثروا في أيام السفاح، ثم ازدادوا في أيام المنصور، فرأى أن يجدد عمارة المصيصة ويسكنها الناس لأنهم كثروا، فبنى المدينة على الوجه الذي نقلناه، فلهذا نسب بناء المدينة إليه، وكثر الناس بعد ذلك، فاحتيج في أيام الرشيد إلى بناء كفر بيا، ولم يكن لها سور، فبنى المأمون لكفر بيا سورا، فلهذا نسب بناؤها إليه، والله أعلم.
***
стр. 144
باب في فضل المصيصة
أخبرنا الفقيه العالم أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا عمي أبو القاسم قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة قال: حدثنا عبد العزيز ابن أحمد قال: حدثنا تمام بن محمد قال: أخبرنا أبو الحارث بن عمارة قال: حدثنا أبي وهو محمد بن أبي عمارة بن أبي الخطاب الليثي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم عن هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم عن مكحول عن كعب قال:
بطرسوس من قبور الأنبياء عشرة، وبالمصيصة خمسة، وهي التي يغزوها الروم في آخر الزمان، فيمرون بها فيقولون إذا رجعنا من بلاد الشام أخذنا هؤلاء (٥٤ - ظ) أخذا، فيرجعون وقد تحلقت بين السماء والأرض (١).
قال الحافظ أبو القاسم رواه غيره عن محمد بن هشام والرجل سعيد بن عبد العزيز.
قال أبو القاسم: أخبرنا أبو الفضل ناصر بن محمود بن علي قال: حدثنا علي ابن أحمد بن زهير قال: حدثنا علي بن محمد شجاع قال: حدثنا تمام بن محمد قال:
حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الأذرعي قال: حدثنا محمد بن هشام بن خالد عن الوليد-يعنى-ابن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن كعب، فذكره.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سلمان الإربلي قال: أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج الآبري قالت: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد
стр. 145
ابن محمد بن طلحة النّعالي قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن يوسف قال: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السمّاك قال: حدثنا أبو القاسم إبراهيم بن إسحاق بن سنين الختّلي قال: حدثني عثمان بن سعيد الأنطاكي قال: حدثنا علي ابن الهيثم المصيصي عن عبد الحميد بن بحر عن سلام الطويل عن داود بن يحيى مولى عون الطفاوي عن رجل كان مرابطا في بيت المقدس وبعسقلان قال: بينا أنا أسير في وادي الأردن إذ أنا برجل في ناحية الوادي قائما يصلي فإذا سحابة تظله من الشمس، فوقع في ظني أنه الياس النبي ﵇، فانتبه، فسلمت عليه، فانفتل من صلاته فرد علي السلام، فقلت له: من أنت رحمك الله؟ فلم يرد علي شيئا، فأعدت القول مرتين، فقال: أنا الياس النبي، فأخذتني رعدة (٥٥ - و) شديدة خشيت على عقلي من أن يذهب، فقلت له: إن رأيت رحمك الله أن تدعو لي أن يذهب الله عني ما أجد حتى أفهم حديثك، فدعا لي ثمان دعوات، قال: يا بريا رحيم يا قيوم يا حنان يا منان يأهيا شراهيا (١)، فذهب عني ما كنت أجد، فقلت له:
إلى من بعثت؟ قال: إلى أهل بعلبك، قلت: فهل يوحى إليك اليوم؟ قال: منذ بعث محمد ﷺ خاتم النبيين فلا، قال: قلت: فكم من الأنبياء في الحياة؟ قال: أربعة، أنا والخضر في الأرض، وإدريس وعيسى في السماء، قلت:
فهل تلتقي أنت والخضر؟ قال: نعم في كل عام بعرفات وبمنى، قلت: فما حديثكما؟ قال: يأخذ من شعري وآخذ من شعره، قلت: فكم الأبدال؟ قال: هم ستون رجلا، خمسون ما بين عريش مصر إلى شاطيء الفرات، ورجلان بالمصيصة، ورجل بأنطاكية، وسبعة في سائر أمصار العرب، وهم بهم يسقون الغيث، وبهم ينصرون على العدو، وبهم يقيم الله أمر الدنيا حتى إذا أراد الله أن يهلك الخلق كلهم أماتهم جميعا.
وقد رواه أبو حذيفة إسحاق بن بشر عن محمد بن المفضّل بن عطيه عن داود بن يحيى عن زيد مولى عون الطفاوي نحوه، والله أعلم.