← Тараджим

Тараджим · id 10798

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (4 683 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عدنا إلى ما ذكره البلاذري قال: وقال أبو النعمان الأنطاكي: كان الطريق فيما بين أنطاكية والمصيصة مسبعة يعترض الناس فيها الأسد، فلما كان الوليد بن عبد الملك شكي ذلك إليه، فوجه أربعة آلاف جاموسة وجاموس، فنفع الله بها، وكان محمد ابن القاسم الثقفي عامل الحجاج على السند بعث منها بألوف جواميس، فبعث الحجاج إلى الوليد منها بما بعث من الأربعة الآلاف، وألقى باقيها في آجام كسكر، ولما خلع يزيد بن المهلّب فقتل، وقبض يزيد بن عبد الملك أموال بني المهلب أصاب لهم أربعة آلاف جاموسة، كانت بكور دجلة، فوجه بها يزيد بن عبد الملك إلى المصيصة أيضا مع زطها، فكان أصل (٥٣ - و) الجواميس بالمصيصة ثمانية آلاف جاموسة، وكان أهل أنطاكية وقنسرين قد غلبوا على كثير منها واحتازوه لأنفسهم في أياه فتنة مروان بن محمد، فلما استخلف أمير المؤمنين المنصور ﵀، أمر بردها إلى المصيصة، وأما جواميس أنطاكية فكان أصلها ما قدم به الزطّ معهم، وكذلك جواميس بوقا. وقال أبو الخطاب: بني الجسر الذي على طريق أذنه من المصيصة وهو على تسعة أميال من المصيصة سنة خمس وعشرين ومائة، فهو يدعى جسر الوليد، وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك المقتول. قالوا: ولما كانت سنة خمس وستين ومائة أغزى المهدي ﵀ ابنه هرون الرشيد صلوات الله عليه بلاد الروم، فنزل على الخليج، ثم خرج فرمّ المصيصة ومسجدها، وزاد في شحنتها، وقوى أهلها (١). وقرأت في كتاب أبي زيد أحمد بن سهل البلخي في صفة الأرض والمدن قال: والمصيصة مدينتان إحداهما المصيصة والأخرى تسمى كفر بيّا على جانبي جيحان

стр. 142

وبينهما قنطرة حجاره حصينة جدا على شرف من الأرض، ينظر منها الجالس في مسجد الجامع بها إلى قرب البحر نحو أربعة فراسخ. وجيحان يخرج من بلد الروم حتى ينتهي إلى المصيصة، ثم إلى رستاق يعرف بالملون، حتى يقع في بحر الروم. قلت: فقد ينخل من مجموع ما ذكرناه أن بناء المصيصة في الدولة الإسلامية كان، لأن هرقل لما خرج عن أنطاكية إلى (٥٣ - ظ) القسطنطينية استصحب أهل هذه البلاد، وأجلوا منها، ونقلهم معه، وشعث هذه البلاد. فإن البلاذري قال في كتابه: حدثني مشايخ من أهل أنطاكية وغيرهم قالوا: كانت ثغور المسلمين الشامية أيام عمر وعثمان وما بعد ذلك أنطاكية وغيرها من المدن التي سماها هرون الرشيد فكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزو اليوم ما وراء طرسوس، وكانت فيما بين إسكندرونه وطرسوس حصون ومسالح للروم، كالمسالح والحصون التي يمر بها المسلمون اليوم، فربما أجلاها أهلها، وهربوا إلى بلاد الروم خوفا، وربما نقل إليها من مقاتلة الروم من تشحن به، وقد قيل إن هرقل أدخل أهل هذه المدن معه عند انتقاله من أنطاكية لئلا يسير المسلمون في عمارة ما بين أنطاكية وبلاد الروم، والله أعلم. قال البلاذري: وحدثني ابن طيبون البغراسي عن أشياخهم أنهم قالوا: الأمر المتعالم عندنا أن هرقل نقل أهل هذه الحصون معه، وشعثها، وكان المسلمون إذا غزوا لم يجدوا بها أحدا، وربما كمن عندها القوم من الروم، فأصابوا غرّة المتخلفين عن العساكر والمنقطعين عنها، فكان ولاة الشواتي والصوائف إذا دخلوا بلاد الروم خلفوا بها جندا كثيفا إلى خروجهم (١). فكانت المصّيصة وغيرها من الثغور الشامية خرابا بسبب ذلك، فلما غزا (٥٤ - و) عبد الله بن عبد الملك بنى حصن المصيصة دون مدينتها، فأراد عمر بن

стр. 143

عبد العزيز هدمه بالكلية، فلما عرف المصلحة في تركه، تركه وبنى مسجدا جامعا للمسلمين من ناحية كفر بيا، ثم بنى هشام ربض الحصن، ثم بنى مروان بن محمد الخصوص من الناحية الشرقية، لقلة من يعم المدينة بالسكنى، فيكون ساكنوا الخصوص مستيقظين لأنفسهم، وجعل عليه خندقا وحائطا، وكثروا في أيام السفاح، ثم ازدادوا في أيام المنصور، فرأى أن يجدد عمارة المصيصة ويسكنها الناس لأنهم كثروا، فبنى المدينة على الوجه الذي نقلناه، فلهذا نسب بناء المدينة إليه، وكثر الناس بعد ذلك، فاحتيج في أيام الرشيد إلى بناء كفر بيا، ولم يكن لها سور، فبنى المأمون لكفر بيا سورا، فلهذا نسب بناؤها إليه، والله أعلم. ***

стр. 144

باب في فضل المصيصة أخبرنا الفقيه العالم أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا عمي أبو القاسم قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة قال: حدثنا عبد العزيز ابن أحمد قال: حدثنا تمام بن محمد قال: أخبرنا أبو الحارث بن عمارة قال: حدثنا أبي وهو محمد بن أبي عمارة بن أبي الخطاب الليثي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم عن هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم عن مكحول عن كعب قال: بطرسوس من قبور الأنبياء عشرة، وبالمصيصة خمسة، وهي التي يغزوها الروم في آخر الزمان، فيمرون بها فيقولون إذا رجعنا من بلاد الشام أخذنا هؤلاء (٥٤ - ظ) أخذا، فيرجعون وقد تحلقت بين السماء والأرض (١). قال الحافظ أبو القاسم رواه غيره عن محمد بن هشام والرجل سعيد بن عبد العزيز. قال أبو القاسم: أخبرنا أبو الفضل ناصر بن محمود بن علي قال: حدثنا علي ابن أحمد بن زهير قال: حدثنا علي بن محمد شجاع قال: حدثنا تمام بن محمد قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الأذرعي قال: حدثنا محمد بن هشام بن خالد عن الوليد-يعنى-ابن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن كعب، فذكره. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سلمان الإربلي قال: أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج الآبري قالت: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد

стр. 145

ابن محمد بن طلحة النّعالي قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن يوسف قال: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السمّاك قال: حدثنا أبو القاسم إبراهيم بن إسحاق بن سنين الختّلي قال: حدثني عثمان بن سعيد الأنطاكي قال: حدثنا علي ابن الهيثم المصيصي عن عبد الحميد بن بحر عن سلام الطويل عن داود بن يحيى مولى عون الطفاوي عن رجل كان مرابطا في بيت المقدس وبعسقلان قال: بينا أنا أسير في وادي الأردن إذ أنا برجل في ناحية الوادي قائما يصلي فإذا سحابة تظله من الشمس، فوقع في ظني أنه الياس النبي ﵇، فانتبه، فسلمت عليه، فانفتل من صلاته فرد علي السلام، فقلت له: من أنت رحمك الله؟ فلم يرد علي شيئا، فأعدت القول مرتين، فقال: أنا الياس النبي، فأخذتني رعدة (٥٥ - و) شديدة خشيت على عقلي من أن يذهب، فقلت له: إن رأيت رحمك الله أن تدعو لي أن يذهب الله عني ما أجد حتى أفهم حديثك، فدعا لي ثمان دعوات، قال: يا بريا رحيم يا قيوم يا حنان يا منان يأهيا شراهيا (١)، فذهب عني ما كنت أجد، فقلت له: إلى من بعثت؟ قال: إلى أهل بعلبك، قلت: فهل يوحى إليك اليوم؟ قال: منذ بعث محمد ﷺ خاتم النبيين فلا، قال: قلت: فكم من الأنبياء في الحياة؟ قال: أربعة، أنا والخضر في الأرض، وإدريس وعيسى في السماء، قلت: فهل تلتقي أنت والخضر؟ قال: نعم في كل عام بعرفات وبمنى، قلت: فما حديثكما؟ قال: يأخذ من شعري وآخذ من شعره، قلت: فكم الأبدال؟ قال: هم ستون رجلا، خمسون ما بين عريش مصر إلى شاطيء الفرات، ورجلان بالمصيصة، ورجل بأنطاكية، وسبعة في سائر أمصار العرب، وهم بهم يسقون الغيث، وبهم ينصرون على العدو، وبهم يقيم الله أمر الدنيا حتى إذا أراد الله أن يهلك الخلق كلهم أماتهم جميعا. وقد رواه أبو حذيفة إسحاق بن بشر عن محمد بن المفضّل بن عطيه عن داود بن يحيى عن زيد مولى عون الطفاوي نحوه، والله أعلم.

стр. 146

قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي: حدثنا محمد بن سعيد بن الشفق قال: حدثنا محمد بن أحمد أبو الطّيّب قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نوح قال: سمعت محمد بن عيسى يقول: قيل لعلي بن بكّار، وذكر له جزع الروم، فقال: (٥٥ - ظ) البطيخ كبير، والحلو منه قليل، كنا في هذا الحصن-يعني حصن المصيصة-أربعمائة فتى، إذا أقلبنا (١) حوافر خيولنا لننعلها للغزو اضطربت ركب بطارقة القسطنطينية. ***

стр. 147

باب في ذكر عين زربه وهي في أيدي الأرمن الآن. وهي مدينة من الثغور الشامية، والإقليم الرابع، بينها وبين المصّيصة ثمانية عشر ميلا، وهي مدينة مذكورة خرج منها جماعة من العلماء والحكماء. وقال أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان: وحدثني أحمد بن الحارث الواسطي عن محمد بن سعد عن الواقدي قال: لما كانت سنة ثمانين ومائة، أمر الرشيد صلوات الله عليه بابتناء مدينة عين زربه وتحصينها، وندب إليها ندبة من أهل خراسان وغيرهم، فأقطعهم بها المنازل (١). هكذا ذكر البلاذري. وقال أحمد بن يعقوب بن واضح الكاتب: بنى عين زربه أمير المؤمنين المهدي ابن المنصور، وأتقنها. فيحتمل أن المهدي حين أغزى الرشيد ابنه الغزاة المعروفة ابتناها الرشيد بأمر أبيه، فنسبت إليه، والله أعلم. وذكر أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتابه الذي ذكر فيه صورة الأرض والمدن وما تشتمل عليه، قال فيه: وعين زربه بلد فيه الغورية، بها نخل، وهي خصبة واسعة الثمار والزروع والمرعى، وهي المدينة التي أراد وصيف الخادم أن يدخل بلد الروم منها، فأدركه (٥٦ - و) المعتضد هناك (٢).

стр. 148

وقيل إن أبا سليمان الخادم التركي بنى عين زربه في أيام الرشيد، وكان ولاه الثغور، والصحيح أنه أبو سليم فرج. قال البلاذري: وقد كان المعتصم بالله نقل إلى زربه ونواحيها بشرا من الزطّ الذين كانوا قد غلبوا على البطائح بين واسط والبصرة فانتفع أهلها بهم (١). وكانت عين زربه قد خربت في أيام سيف الدولة بن حمدان، فسار سيف الدولة، وبناها، وغزا الروم بعد بنائها، وفي ذلك قال أبو فراس: وكل يوم تزور الثّغر لا ضجر … يثنيك عنه ولا شغل ولا ملل فالنّفس جاهدة والعين ساهدة … والحبس منتهك والمال مبتذل (٢) ***

стр. 149

باب في ذكر أذنه وهي في أيدي الأرمن. وهي مدينة قديمة من بناء الروم سميت باسم أذنه ين ياوان بن يافث، وقد ذكرنا ذلك في باب المصّيصة، وجددت عمارتها في الدولة العباسية، كما جدد عمارة غيرها من مدن الثغور، وحالها في الخراب كحال المصيصه. قرأت بخط ياقوت بن عبد الله الحموي قال: ولأذنه نهر سيحان وعليه قنطرة حجارة عجيبة بين المدينة وبين حصن مما يلي المصيصة، وهو شبيه بالربض، والقنطرة معقودة على طاق واحد، ولأذنه ثمانية أبواب، وسور وخندق. وقال: قال ابن الفقيه: عمرت أذنه في سنة تسعين ومائة على يدي أبي سليمان خادم تركي كان للرشيد ولاه الثغور، وهو عمر طرسوس وعين زربه (١). قال: وقال البلاذري بنيت أذنه في سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة، وجنود خراسان معسكرون عليها بأمر صالح بن علي بن عبد الله بن العباس (٢). وقرأت بخط بنوسه في كتاب البلدان للبلاذري فيما حكاه عن شيوخه قالوا: ولما كانت سنة خمس وستين ومائة أغزى المهدي ﵀ ابنه هرون الرشيد صلوات الله عليه بلاد الروم، فنزل على الخليج، وبنى القصر الذي عند جسر أذنه

стр. 150

على سيحان، وقد (٥٦ - ظ) كان المنصور صلوات الله عليه أغزى صالح بن علي بلاد الروم، فوجه هلال بن ضيغم في جماعة من أهل دمشق والأردن وغيرهم، فبنى ذلك القصر، ولم يكن بناؤه محكما، فهدمه الرشيد، وبناه. ثم لما كانت سنة أربع وتسعين ومائة بنى أبو سليم فرج الخادم أذنه، فأحكم بناءها وحصنها، وندب إليها رجالا من أهل خراسان وغيرهم على زيادة في العطاء، وذلك بأمر محمد بن الرشيد، ورم قصر سيحان، وكان الرشيد رحمة الله عليه توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة، وعامله على أعشار الثغور أبو سليم، فأقره محمد، وأبو سليم هذا هو صاحب الدار بأنطاكية (١). قلت: وهذا أبو سليم قدم الثغور في أيام المهدي هو وغيره من الخدم، وسكنوها رغبة في الجهاد، وكانوا من أولاد الملوك بخراسان، ولخصائهم سبب أنا ذاكره، ونقلته من خط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي قال: سمعت أبا نصر محمد بن أحمد بن الحمال، قبل أن يصيبه ما أصابه، يقول: سمعت أبا حفص يقول: سمعت أبا حفص عمر بن سليمان بن الشرابي يقول: سمعت أبا العباس بن المعتز بالله يقول: وردت الكتب من خراسان في أيام أبي جعفر المنصور: إن قوما من أبناء وجوه خراسان منعوا جانبهم، وقدر عليهم، والتمس إذن المنصور فيهم، فألفى ورود الكتاب أبا جعفر حاجا، وتوفي في طريقه ذاك، واستخلف (٥٧ - و) المهدي، فعرض عليه الكتاب، فأمر بكتب الجواب عنه، وأن يحصى أولئك الأبناء فيعمل في بابهم ما يعود بالصلاح، فسقط من قلم الكاتب على أعلى الحاء مقدار النقط، فقريء بخراسان بالخاء معجمة. فخصوهم خدما، أربعة آلاف، منهم أبو سليم، والحسين صاحب المهدي، وأبو معروف، وبشّار. ونقلت من كتاب أبي زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض والمدن

стр. 151

وما تشتمل عليه، قال: وأذنه مدينة خصبة عامرة، وهي منعطفة على نهر سيحان في غربي النهر. وسيحان هو دون جيحان في الكبر، عليه قنطرة حجارة عجيبة البناء طويلة جدا، يخرج هذا النهر من بلد الروم أيضا. وقال أحمد بن أبي يعقوب بن واضح في كتابه: ومدينة أذنه بناها أمير المؤمنين الرشيد، واستتمها أمير المؤمنين محمد بن الرشيد، وبها منازل ولاة الثغور في هذا الوقت لسعتها، وهي على هذا النهر الذي يقال له سيحان. وأهلها أخلاط من موالي الخلفاء وغيرهم. قلت: وكان بأذنه جماعة من الرؤساء والعلماء والمحدثين، سنذكرهم في الأسماء إن شاء الله. ***

стр. 152

باب في ذكر الكنيسة السوداء ويقال لها الكنيسة المحترقة أيضا، وهي مدينة قديمة، مبنية بالحجر الأسود من بناء الروم، وأغارت الروم عليها وأحرقتها فقيل لها (٥٧ - ظ) الكنيسة المحترقة، وحالها في الخراب والعمارة حال بقية مدن الثغور. وقال أبو زيد البلخي في كتابه: والكنيسة حصن فيه منبر، وهو ثغر في معزل من شاطئ البحر. وقال أحمد بن الطيب السرخسي في كتاب المسالك والممالك: ومن عوادل الثغور الشامية، الهارونية، كنيسة السوداء، تل جبير. وقال أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتابه، بعد ذكر المصّيصه وأذنه وطرسوس: وللثغور الشامية غير هذه الثلاث المدن التي قد ذكرناها مدينة عين زربه، والهارونية، والكنيسة المحترقة. بنى عين زربة أمير المؤمنين ابن المنصور وأتقنها، وبنى الهارونية الرشيد في أيام المهدي، وهو ولي عهد، وبنى الكنيسة المحترقة الرشيد أيضا. ونقلت من خط بنوسة في كتاب البلدان للبلاذري، مما حكاه عن شيوخه من أه الشام، قالوا: وكانت الكنيسة السوداء من حجارة سود بناها الروم على وجه الدهر، ولها حصن قديم، أخرب فيما أخرب، فأمر الرشيد ببناء مدينة الكنيسة السوداء وتحصينها، وندب اليها المقاتلة في زيادة العطاء.

стр. 153

قال: وأخبرني بعض أهل الثغر وعزّان بن سعد (٥٨ - و) أن الروم أغارت عليها، والقاسم بن الرشيد مقيم بدابق فاستاقوا مواشي أهلها، وأسروا عدة منهم، فنفر إليهم أهل المصّيصة ومطوعتها، فاستنقذوا جميع ما صار إليهم، وقتلوا منهم بشرا كثيرا، ورجع الباقون منكوبين مفلولين، فوجه القاسم من حصّن المدينة ورمها وزاد في شحنتها. (١). قلت وهذه المدينة هي الآن أيضا في أيدي الأرمن خذلهم الله. (٢) (٥٨ - ظ) ***

стр. 154

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي باب في ذكر مدينة طرسوس وهي مدينة قديمة من بلاد الثغور الشامية عظيمة، وبها كان يقوم سوق الجهاد وينزلها الصالحون والعبّاد، ويقصدها الغزاة من سائر البلاد، وهي اليوم في أيدي الأرمن من ولد ابن لاون الملعون (١)، وفيها قبر أمير المؤمنين عبد الله المأمون، واسمها بالرومية تارسين، وسميت أيضا طريسوس، فعربت، وقيل طرسوس بفتح الراء وقيل باسكانها. أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قراءة عليه بدمشق قال: أخبرنا أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، ح. وأخبرنا أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف بن علي قراءة عليه بحلب قال: أخبرنا محمد بن خمردكس مولى أبي زكريا التبريزي عن مولاه أبي زكريا قال: أخبرنا أبو محمد الدهان اللغوي قال: أخبرنا علي بن عيسى الرماني قال: أخبرنا ابن مجاهد القارئ قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب، ح. قال: شيخنا أبو اليمن: وأخبرنا سعد الخير بن محمد الأنصاري قال: أخبرنا

стр. 155

أبو سعد المطرز قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ أحمد بن عبد الله (٥٩ - و) قال: أخبرنا ابن كيسان النحوي قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في كتاب الفصيح في باب المفتوح أوله من الأسماء قال: وهي طرسوس (١). وقرأت في كتاب البهيء فيما تلحن فيه العامة لأبي حاتم السجستاني قال: وتقول هي طرسوس بفتح الطاء والراء جميعا ومثاله أسود حالك وحلكوك. قال أبو زيد: عقيل وعامر يقولون طرسوس بضم الطاء وتسكين الراء، ويزعمون أنهم ليس يعرفون لحلكوك اسما ثانيا. وقرأت بخط جعفر بن أحمد بن صالح المعري كاتب أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في فوائد عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه قال:-يعني ابن خالويه-ومما تخطئ فيه العامة شغب الجند، وثغر طرسوس، وجبل وعر، ورجل سمح، هؤلاء الأربع سواكن والعامة تحركهن. وقد ذكرنا في باب ذكر المصّيصة ما قرأته في كتاب جماهير أنساب اليمن من حديث الشيخ الكبير الذي دخل على معاوية بن أبي سفيان وذكر أنه من جرهم، وذكر له أن يافث بن نوح ولد سبعة ذكور وعدّ فيهم ياوان بن يافث، وقال: وولد ياوان بن يافث أياس، والمصّيصة وطرسوس وأذنه (٥٩ - ظ) والمصّيصة وأياس. وقرأت في تاريخ وقع الى ذكر جامعة-ولم أعرف اسمه-أنه نقله من تواريخ شتى قال: في تاريخ بني اسرائيل بعد مائة وخمسة وخمسين سنة بعد الألف الرابع لآدم ﵇ أنه ملكهم يولع بن هوا من سبط ايساجار ثلاثة وعشرين سنة، وفي زمانه بنيت طريسوس، وهي طرسوس.

стр. 156

وذكر أحمد بن الطيب السرخسي في كتاب المسالك والممالك في ذكر طرسوس قالوا: سميت بطرسوس بن الروم بن اليفن بن سام بن نوح. وقالوا: واسم طرسوس بالرومية تارسين. قال ابن الطيب في رحلة المعتضد: ورحلنا من المصّيصة نريد العراق الى أذنه، ومن أذنه إلى طرسوس، وبينها وبين أذنه ستة فراخ، وبين أذنه وطرسوس فندق بغا، والفندق الجديد، وعلى طرسوس سوران وخندق واسع ولها ستة أبواب، ويشقها نهر البردان. قلت وكانت طرسوس قد خربت وجلا أهلها في صدر الاسلام، خربها المسلمون حين غزوها وقاتلوا أهلها وهزموهم، ومضى من مضى منهم الى الروم، وكان ذلك في السنة التي فتحت فيها حلب وأنطاكية. فجدد عمارتها أمير المؤمنين الرشيد ﵀، وقواها وحصنها، ولم تزل قوتها تزيد وتتضاعف الى أن استولى عليها الروم في شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة (٦٠ - و). قرأت في كتاب صفة الأرض والأقاليم وما تشتمل عليه تأليف أبي زيد أحمد بن سهل البلخي قال: وطرسوس مدينة كبيرة عليها سوران تشتمل على خيل ورجال وعدة، وهي على غاية العمارة والخصب، وبينها وبين حد الروم جبال، وهي الحاجز بين المسلمين والروم، ويقال ان بها زهاء ألوف من الفرسان فيما يزعم أهلها، وليس من مدينة عظيمة من حد سجستان الى كرمان وفارس والجبل وخوزستان وسائر العراق والحجاز واليمن والشامات ومصر الا وبها لأهلها دار وأكثر، أهلها ينزلونها اذا وردوها. وقال ابن واضح الكاتب في كتاب البلدان: وطرسوس مدينة بناها أمير

стр. 157

المؤمنين الرشيد في المرج الذي في سفح الجبل الذي يقطع منه الى أرض الروم، وكان بناؤها اياها سنة سبعين ومائة، في أول خلافته على يد أبي سليم فرج التركي الخادم، وبها نهر جار يأتي من جبل الروم، حتى يشق في وسطها، وأهلها أخلاط من الناس من سائر الآفاق. وقال اسحاق بن الحسن بن أبي الحسن الزيات الفيلسوف في كتاب نزهة النفوس وأنس الجليس: مدينة طرسوس وهي من الاقليم الرابع، وبعدها من خط المغرب ثمانون درجة، وبعدها من خط الاستواء ست وثلاثون درجة، بناها الرشيد سنة سبعين ومائة، وبها نهر جار يأتي من بلاد الروم (٦٠ - ظ) يشق وسطها، وأهلها أخلاط من الناس. وقرأت في كتاب المسالك والممالك الذي وضعه الحسن بن أحمد المهلبي للعزيز المستولي على مصر: فأما مدينة طرسوس فهي من الاقليم الخامس، وعرضها ست وثلاثون درجة. وارتفاع الثغور بجميع جباياتها ووجوه الأموال بها مائة ألف دينار على أوسط الارتفاع، تنفق في المراقب والحرس والقوائين والركاضة والموكلين بالدروب والمخاض، وغير ذلك مما جانسه، وكانت تحتاج بعد ذلك لشحنتها من الجند وما يقوم للمماليك وراتب تعاريفها للصوائف والشواتي في البر والبحر وعمارة الصناعة على الاقتصاد الى مائة وخمسين ألف دينار، وعلى التوسعة الى ثلاثمائة ألف دينار. فأما ما يلقاها من بلاد العدو ويتصل بها فانها من جهة البر وما يسامت الثغور الجزرية تواجه بلاد الفنادق من بلد الروم، وبعض الناطليق، ومن جهة البحر بلاد سلوقية. وكانت عواصم هذه الثغور من ناحية الشام أنطاكية وبلاد الجومة وقورس.

стр. 158

فأما أهل هذه الثغور ومن كان يسكنها وأحوال البلاد ومقاديرها، فان طرسوس كانت أجلها مدينة وأكثرها أهلا، وأغصها أسواقا، وليس على وجه الارض مدينة جليلة الا ولبعض أهلها دار حبس عليها حبس نفيس وغلمان برسم تيك الدار بأحسن العدة وأكمل الآلة، يقوم بهم الحبس الذي عليهم، وكان أكثر ذلك لأهل بغداد، فانه كان لهم بها ولغيرهم (٦١ - و) من وجوه أهل البلدان وذوي اليسار منهم جلة الغلمان، مقيمين عليهم الوقوف السنية، والارزاق الدارة، ليس لهم عمل إلا ارتباط فرهة الخيل وتخريجها في الطراد والعمل عليها بسائر السلاح، يعملون ذلك في صدور أيامهم، ويتصرفون في أعجازها الى منازل فياحة فيها البساتين والمياه الجارية والعيش الرغد. وكان أهل البلد في نفوسهم على هذه الصفة من ركوب الخيل والعمل بالسلاح ليس فيهم من يعجز عن ذلك، ولا يتخلف عنه حتى أن دور (١) المتاجر الدنية والصنائع الوضيعة كانوا يلحقون بالطبقة العليا في الفروسية والشجاعة وارتباط الخيل، واعداد السلاح. وكانت غزواتهم تتصل ومن الغنائم والمقاسم لهم معيشة لا تنقطع. فأما أهل البلد فكانوا من سائر أقطار الارض بخلق حسن وألوان صافية، وفيهم رقيق وأجسام عبلة، والاغلب على ألوانهم البياض والحمرة والسمرة الصافية وكان في أكثرهم جفاء وغلظة على الغريب، الا من كان منهم قريب عهد بالغربة، وكذلك الشح كان فيهم فاشيا الا في الغريب، وغلب على السوقة والمستخدمين قوم من الخوز وسفلة العجم، ومن كانت فيه فسولة عن الحرفة، وكسل عن طلب المعاش فأظهروا زهدا وورعا، وأعلنوا بالنصب، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

стр. 159

قال: فأما أهل البلد وأولاد المجاهدين وأولاد الغلمان وأولاد خراسان فكانوا من الاخلاق (٦١ - ظ) السمحة، والنفوس الكريمة، والهمم العالية والمحبة للغريب على ما ليس عليه أحد، ولكنهم كانوا في تقية من هؤلاء الأوباش، فهذا الاكثر من حال طرسوس. وأما ما سوى ذلك من مدن الثغر فعلى هذا الوصف وهذا النعت، وخاصة المصّيصة. قال: وكان يعمل بها-يعني بالثغور-ثياب كان تسمى الشفايا مثل رفيع الدبيقي (١) تحمل الى كل بلد، وبالثغر زبيب لا عجم فيه كالقشمش، ويقطع الى الثغور الجارح من بلد الروم، فتؤخذ فيه البزاة الفرّه، وقد كان في جبال الثغر أيضا أوكار للجارح والكلاب السلوقية الموصوفة من بلاد سلوقية. فهذه أحوال الثغر ومن فيه ولم تزل أحواله تجري على الانتظام والرخاء والسلامة والغزو متصل والمعايش رغده، والسبل آمنه ما دام الغزاة اليهم من العراق ومن مصر متصلين، فلما زهد الناس في الخير، وقع بينهم في نفوسهم من التنافس والتحاسد والغل ما وقع، وخاصة بين الغلمان الثمليّة، وابن الزيات، والمعروف بسيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان. وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي (٢) في كتاب سير الثغور، وضعه للوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل، فذكر فيه صفة طرسوس، فقال: مدّت طرسوس على سورين في كل سور منها خمسة أبواب حديد، فأبواب السور المحيط بها حديد ملبس وأبواب السور المتصل بالخندق حديد

стр. 160

مصمت، فالسور الاول الذي يلي المدينة مشرّف تعلوه ثمانية آلاف شرافه، فيها مرتبة عند الحاجة الى الحرب عنها رجال يرمون عن ستة عشر ألف قوس رمية رجل واحد، وفي هذا السور من الابراج مائة برج سواء، منها ثلاثة أبرجة للمجانيق الحرري (١)، وعشرون برجا للمجانيق الكبار، وعشرون برجا للعرادات، وسائرها لقسي الرجل، وهذه الابرجة التي ذكرناها فهي ملك لاربابها، ومساكن لمتأهلين وعزّاب، وبعضها مرسوم بعمل الورق والكاغد، وهو مما يلي زاوية الحبالين. قال: فأما برج باب قلميه المبني عن يمين الخارج منه فموسوم بتفرقة أعشار غلات ضياع طرسوس، متى ورد منها عشرة أحمال أو رواحل أو عجل، حط واحد من عشرة وأطلق له تسعه، يقبل قوله فيه، فإذا اجتمع أطلق منه لأهل الشرف أبناء المهاجرين والأنصار على رسم جريدة أمر بانشائها المأمون عبد الله بن هرون الرشيد رحمهما الله،؛ يتوارث ما ثبت في تلك الجريدة أهل الشرف المقيمون بطرسوس، ويجري بينهم مجرى الميراث، يأخذه خلفهم عن سلفهم، وإن طرأ طرسوس غريب من أبناء المهاجرين والأنصار دفع إليه مقدار كفايته، وكفاية جملته إن كان ذا عيال أو ذا جملة شريفة. ويفض منه على الشيوخ المسجدية رسما لا ينقطع عنهم في كل سنة عند قبض الأعشار من الغلات، لكل شيخ منهم ستة أمداء بالمدي الطغاني الذي يبلغ كل مدي منه أربعة عشر مكوكا (٦٢ - ظ) بالمكوك الطرسوسي، مبلغ المكوك منه زيادة على المكوكين بالبغدادي المعدّل، ويفض منه على الأدلاء المؤلفه قلوبهم من الروم والأرمن وأولادهم بحسب ما يراه السلطان بطرسوس من حسن النظر لهم ولمن يتجدّد منهم، ويجعل ما يفضل عما وصفناه من الحنطة للخباز المقام لقوت الأعلاج المحبوسين في سجن طرسوس؛ وما ورد من الشعير برسم العشر أطلق للأدلاء المؤلفة قلوبهم رسما على مقدار كراعهم قضيما لها في كل سنة، وحمل سائره لقضيم بغال الساقه أولا أولا، فإن

стр. 161

فضل من القمح شيء عما وصفناه وذكرناه من وجوهه بيع بسعر وقته وصرف في مهمات البلد، وسنذكرها في أماكنها إن شاء الله. قال: وما وقع في هذا البرج من غلاّت القطاني (١) كلها مع ما ينضاف إليها من زيتون وكمون وبزر فجل وبزر كتان وسمسم وترمس وأرز، بيع كل صنف منه بسعره وأضيف إلى راتب البلد. قال: وكان في هذا السور قديما، وقد رأيناه رأي عين، أثر خمسة وعشرين بابا، منها خمسة أبواب مفتوحة مسلوكة معروفة، وهي: باب الشام، وباب الصفصاف، وباب الجهاد، وباب قلمية، وباب البحر، وسائرها مسدودة. وقال: سمعت أبا الربيع سليمان بن الربيع الجوزاني، شيخا كبيرا كان أقام بحصن الجوزات زيادة على أربعين سنة مجاهدا يذكر أن جيشا لجبا خرج عن طرسوس غازيا في زيادة على عشرين ألف فارس وراجل من باب المسدود (٦٣ - و) فأصيبوا عن آخرهم في بلد الروم، واستشهدوا رحمة الله عليهم، ولم يعد منهم إلى طرسوس مخبرّ، فأجمع رأي أهل طرسوس على سدّه تشاؤما به. قال: وقد رأيته مفتوحا، وهو ما بين زاويه الحبّالين وباب الجهاد عند آخر شارع النجارين، تصل به الدار الكبيرة التي بنيت للسيدة أم المقتدر بالله رحمهما الله، وليس بطرسوس ولا بالثغر كله دار أكبر منها، وبرسم هذه الدار صناع معروفون من أهل سوق السلاح لتدبير جوانبها، ورم شعث سلاحها وجلاء دروعها وسيوفها في كل سنة مرة أو مرتين. وكان يركب من هذه الدار إلى الجهاد في سبيل الله مائة وخمسون غلاما بجنائبهم ومن ضامّهم، ويروسهم رجل منهم على رأسه مطارد تعرف بهم متى

стр. 162

احتيج إليهم في الغزو لساقة أو ميمنة أو ميسرة أو في تجريد لحادثة سدوا أكبر مسد، وقوفهم بأرض الثغر وأعمال أنطاكية وحلب معروفة مشهورة. وارتفاعها في السنة الواحدة مائة ألف دينار، يستغرقها الانفاق، وربما اقترضوا إن تعذر وجه مالهم، وردوه عند حصوله. قال: وأما شارع باب الصفصاف ففيه دار قبيحة أم المعتز بالله رحمهما الله، قد بنيت حجرا مقدره، لسكنى مائة وخمسين غلاما في كل حجرة منها بيتان ومرتفق، وبرسم هذا الوقف رئيس يركب هؤلاء الغلمان بركوبه، ويسيرون بسيره، ينشر على رأسه مطرد وأعلام كتابتها المعتز بالله، وكذلك شعارهم (٦٣ - ظ) إذا سافروا وغزوا في بلد الروم وغيره. قال: وللدار خزانه للسلاح تظهر في أيام الأعياد عند ورود الرسل من الروم، فيها الدروع الحصينة تستر الفارس والفرس، والعمد المذهبه والجواشن اليبنيّة والخوذ المنيعة، ومن الأسلحة كل نوع يحمل كل غلام ما يعاني العمل به، وبرسم هذه الدار مؤدب لا يدخل مكتبه أحدا، إلاّ أولاد موالي المعتز بالله، والرئيس على موالي المعتز من الموالي من وجدوه مذكورا فارسا رئيسا مقدما فإن تعذر من هذه صورته من الموالي، نصب لهم رئيس من قواد طرسوس ووجوهها، يدبر أمرهم ويكتب العقود والضمانات باسمه، وقد رأيت أبا حفص عمر بن سليمان الشرابي ﵀ رئيسا عليهم، ثم رأيت بعده جماعة منهم ومن غيرهم. قلت وهذا أبو حفص عمر بن سليمان هو ممدوح أبي الطيب المتنبي بالقصيدة التي أولها. نرى عظما بالصّد والبين أعظم … ونتّهم الواشين والدمع منهم (١)

стр. 163

وكان من موالي المعتز وشرابيا لابنه عبد الله بن المعتز، وسنذكر ترجمته في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى. ومما نقلته من خط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي: حدثني أبو نصر محمد بن أحمد بن الحمّال قال: حدثني ابن عطيّة قال: أحصينا سنة تسعين ومائتين سكك طرسوس فوجدناها ألفي سكة نافذة ومسدودة، وأحصينا الدور فوجدناها أربعة (٦٤ - و) وثلاثين ألف دار اقتضى التقدير أن يكون ثلثاها للعزّاب أهل البلدان، حتى لا يعرف من عمائر الإسلام بلد إلا ولهم بطرسوس دار أو داران، حتى أهل قم؛ وثلثها للمتأهلين بها ملكا لأربابها أو وقفا عليهم. قلت: ووقفت على كتاب وقف كتبه جد جدي زهير بن هرون بن أبي جرادة بحصة من ملكه بأورم الكبرى من ضياع حلب (١)، على أن تستغل ويشتري من مغلها فرس تكون مقيمة بثغر طرسوس بدار السبيل المعروفة بزهير بن الحارث، ويقام لها العلوف وأجرة من يخدمها، ويقام عليها فارس يكون مقيما بالدار المذكورة يجاهد عليها عن زهير بن هرون، وما فضل من المغل يعد لنائبة إن لحقت هذه الفرس. وقد ذكر هذه الدار أبو عمرو الطرسوسي وقال: وهذه الدار بيوت سفالي وإصطبلات ومخازن وعلالي؛ فأما الحوانيت فهي وقف على سبعة أفراس تكون في مربط هذه الدار بسروجها وآلاتها وجلالاتها، ويقام بقضيمها ونعالها ومساميرها وأجرة بياطرتها وأجرة ساستها، وقد رسمت هذه الأفراس السبعة كل فرس منها بقائد من قواد طرسوس، متى نودي بنفير أو غزو قاد السائس فرسا برسم

стр. 164

قائد من القواد إليه بعينه، بعد القيام بكفايته، حتى إذا عاد القائد من نفيره أو غزوه ردّ الفرس إلى مربطه. وذكر دورا كثيرة لا يحتمل الحال ذكرها، ويطول كتابنا بإيراد ما ذكره. قرأت في كتاب البلدان لأحمد بن يحيى بن جابر (٦٤ - ظ) البلاذري، ونقلته من خط بنوسه قال: وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: لما غزا الحسن بن قحطبة الطائي بلاد الروم سنة اثنتين وستين ومائة في أهل خراسان وأهل الموصل والشام وأمداد اليمن ومتطوعة العراق والحجاز، خرج مما يلي طرسوس، فأخبر المهدي بما في بنائها وتحصينها وشحنتها بالمقاتلة من عظيم الغناء عن الإسلام، والكبت للعدو والوقم (١) له فيما يحاول ويكيد، وكان الحسن قد أبلى في تلك الغزاة بلاء حسنا ودوخ أرض الروم حتى سموه التّنين، وكان معه في غزاته مندل العنزي المحدث الكوفي، ومعتمر بن سليمان البصري. قال: وحدثني محمد بن سعد قال: حدثني سعد بن الحسن قال: لما خرج الحسن من بلاد الروم نزل مرج طرسوس فركب إلى مدينتها وهي خراب فنظر إليها وأطاف بها من جميع جهاتها، وحزر عدة من يسكنها فوجدهم مائة ألف، فلما قدم على المهدي وصف له أمرها وما في بنائها وشحنتها من غيظ العدو وكبته وعزّ الإسلام وأهله؛ وأخبره في الحدث أيضا بخبر رغّبه في بناء مدينته، فأمر ببناء طرطوس، وأن يبدأ بمدينة الحدث، فبنيت، وأوصى المهدي ببناء طرطوس. فلما كانت سنة إحدى وسبعين ومائة بلغ الرشيد أن الروم قد ائتمروا بينهم بالخروج إلى طرسوس لتحصينها وترتيب المقاتله فيها، فأغزى الصائفة في سنة

стр. 165

إحدى وسبعين ومائة هرثمة بن أعين، وأمره بعمارة (٦٥ - و) طرسوس وبنائها وتمصيرها ففعل، وأجري أمرها على يدي فرج الخادم أبي سليم بأمر الرشيد فوكّل ببنائها، ووجه أبو سليم الى مدينة السلام، فأشخص الندبة الأولى من أهل خراسان وهم ثلاثة آلاف رجل، فوردوا طرسوس، ثم أشخص الندبة الثانية وهم ألفا رجل، ألف من أهل المصّيصه وألف من أهل أنطاكية على زيادة عشرة دنانير لكل رجل في أصل عطائه، فعسكروا مع الندبة الأولى بالميدان على باب الجهاد في مستهل المحرم سنة اثنتين وسبعين ومائة، الى أن استتم بناء طرسوس وتحصينها، وبناء مسجدها؛ ومسح فرج ما بين النهر إلى النهر فبلغ ذلك أربعة آلاف خطّة، كل خطّة عشرون ذراعا في مثلها، وأقطع أهل طرسوس الخطط، وسكنتها الندبتان في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين ومائة. قال: وكان عبد الملك بن صالح قد استعمل يزيد بن مخلد الفزاري على طرسوس، فطرده من بها من أهل خراسان، واستوحشوا منه للهبيريه، فاستخلف أبا الفوارس، فأقره عبد الملك بن صالح، وذلك في سنة ثلاث وتسعين ومائة (١). قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي سمعت أبا زرعة نعيم بن أحمد المكي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة يقول: سمعت عبد الله بن كلرت يقول: سمعت أشياخنا ﵏ يذكرون أن خيل خراسان وردت لعمارة طرسوس في أيام المهدي مع رسله وعساكره، وأنهم (٦٥ - ظ) حطوا بمكان وصفه لنا بباب الجهاد غربي حائط المصلىّ، أربعة آلاف راحلة دقيقا، مكتوب عليها بلخ، خوارزم، هراة، سمرقند، فرغانه، أسبيجاب، حمل ذلك كله على البخاتي من خراسان مع أبي سليم، وبشار، وأبي معروف الخدم أبناء الملوك.

стр. 166

أنبأنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي عن أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني قال: سمعت أبا علي الحسن بن مسعود الوزير الدمشقي الحافظ يقول: كان المشايخ يقولون زينة الإسلام ثلاثة: التراويح بمكه، فانهم يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، ويوم الجمعة بجامع المنصور لكثرة الناس والزحمه ونصب الأسواق، ويوم العيد بطرسوس، لأنها ثغر وأهلها يتزيّنون ويخرجون بالأسلحة الكثيرة المليحة والخيل الحسان، ليصل الخبر إلى الكفار فلا يرغبون في قتالهم (١). قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي، وذكره بإسناده الى وريزه بن محمد بن وريزه الغسّاني قال: حدثني الحارث بن همام قال: سمعت أبي يقول: استوصف الحجاج ابن القرّيّة (٢) البصرة والكوفة وواسط فوصفها، ثم استوصف منه الشام، فقال: الشام عروس بين نسوة جلوس. (٣) قالوا أبو عمرو القاضي: قلت أنا: وابن القرّيّة نعت الشام وليس للمسلمين يومئذ طرسوس، فأما منذ ملكهم الله إياها، وجعل خطبة خلفاء دينه على منابرها، ونصبها قبة للجهاد وملجأ وعلما لأولئك الأخيار البررة، فما اختلف اثنان سلكا عمائر الإسلام وجابا أفقها أن مدن الشام كالنسوة الجلوس وأن طرسوس تلمع بينها بمنزلة العروس. ***

стр. 167

ذكر كيفية النفير بطرسوس، وكيف كان يجري أمره قرأت بخط أبي عمرو القاضي في كتابه قال: يركب المتولي لعمل الحسبة أي وقت وقع النفير من ليل أو نهار، ورجالته بين يديه ينادون بأعلى أصواتهم أجمع، صوتا واحدا، يقولون: النفير يا أصحاب الخيل والرجّالة، النفير حملكم الله إلى باب الجهاد؛ وإن أراد إلى باب قلميه أو الى باب الصاف (١) أو الى أي باب اتفق، وتغلق سائر أبواب (٦٦ - و) المدينة، وتحصل مفاتيحها عند صاحب الشرطة، فلا تزال مغلقة حتى يعود السلطان من النفير، ويستقر في داره ثم تفتح الأبواب المغلقة كلّها. ويطوف المحتسب ورجّالته الشوارع الجداد كلها، فإن كان ذلك نهارا إنضاف إلى رجالته عدد كثير من الصبيان، وساعدوهم على النداء بالنفير، وربما احتاجوا إلى حشد الناس لشدة الأمر وصعوبة الحال، فأمر أهل الأسواق بالنفير وحضّهم على المسير في أثر الأمير أين أخذ وكيف سار، ويكون مركز صاحب الشرطة إذا وقع النّفير مع رجالته الموسومين به عند الباب الأول الذي يلي المدينة الذي يخرج منه الناس إلى النّفير، وكذلك المحتسب، إلاّ أن المحتسب يتردد في الأسواق إذا طال أمر النفير، وتأخر خبره، ويبعث على اللحوق بمن سار مع الأمير وبمن توجه إلى النفير، فلا يزال الأمر على هذا حتى يعود السلطان إلى دار الإمارة. ويخرج إلى النفير قوّاد الرجّالة، معروفون متى عقد السلطان لقائد من الفرسان فبعثه للقاء من ورد من ذلك الوجه أضاف إليه قائدا من قواد الرجالة، وأتبعه

стр. 168

من أجلاد الرجالة أهل القوة والنشاط والنية من المطّوعة المسجدية، حتى إذا نزلوا أول منزل، تبتّل شيخ، بل شيوخ من الصلحاء معروفون بحفظ من هناك من الغلمان المرموقين بالصباحة والوضاءة، فتنضاف طبقة طبقة إلى ذي معرفتهم وثقتهم وحصلوا تحت (٦٦ - ظ) علمه ورايته، فلو همّ أحدهم بالوضوء لصلاة لما أفرج عنه إلاّ برقيب ثقة أمين شيخ معروف، يمضي معه لحاجته، حتى إذا فرغ منها عاد إلى جملته. وقد رأينا في آخر أيام طرسوس رجلا يعرف برؤبة يجتمع إليه الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم، يزيد عددهم على ألف صبي كلهم بالسلاح الذي يمكن مثله حمل مثله، وبمزاودهم وقد أعدوا فيها من صنوف أطعمة أمثالهم يطوف جميعهم بمطرد يحمله رؤبة، يسيرون بسيرة ويقفون بوقوفه، فلا يزال ذلك دأبهم حتى إذا عاد السلطان إلى مقر داره عند رجوعه من نفيره، دخل أولئك الصبيان أمامه على مراتبهم، يصفهم قائدهم الأمثل فالأمثل، رماتهم عن قسي الرجل التي قد عملت على مقاديرهم، ثمّ رماتهم عن القسي الفارسية، وربما كان فيه من أولاد اليمانية من يحمل القسي العربية بنبلها، فيدخلون فوجا فوجا صبيين صبيين، ثم من يحسن الثقاف، فيثاقف قرينه ومثله وخدينه وشكله حتى يدخل كل صنف منهم في مرتبته، ثم يتلوهم رؤبة قائدهم بمطرده وعلامته، حتى إذا خرج أحد أولئك الصبيان من حدّ الطفولة، واشتد عضده، وقارب حد البلوغ، أو بلغ، أو تجاوز البلوغ قليلا، إنضاف إلى قائد من قواد الرجالة الذين ذكرت، وصحبه في نفيره وغزوه، وارتاد لنفسه الرفاق بحسب ما يختار تربه وجاره وقرينه، فإذا التحى، وخرج عن حد المرد دخل في جمهور (٦٧ - و) الناس، حاذقا بما يحتاج إليه، ماهرا بصيرا بأمر جهاده وتدبير أمره، نافذا يقظا إن شاء الله. وقع إليّ قصيدة الأعلام، وهي أرجوزه نظمها أبو عمرو القاسم بن أبي داود

стр. 169

الطرسوسي يذكر فيها رحلته من طرسوس، ويتشوقها، ويصف أوضاع المجاهدين فيها، وقد شرحنا في ترجمته من كتابنا هذا صورة القصيدة، قال فيها في وصف طرسوس: يذكر قومي عنهم ارتحالي … وترك داري جانبا ومالي تركي سجستان من المعالي … مالي ودار للغواة مالي لبئس ما بدلتها مرارا … زرنج من طرسوس لا مختارا طرسوس أرض الفضل والجهاد … ومنتهى الرغبة للعبّاد تيك بلادي وبها تلادي … وما لفي ومعدن الرشاد سكانها أهل البلاء والجلد … غلامهم لدى الحروب كالأسد وكهلهم في المعضلات معتمد … وشيخهم لكل خير مستند أهل فضيلات وأهل سنّة … للعائفين والغريب جنّة حبّ النبي فيهم ما إنّه … هداهم الله طريق الجنّة قد دوّخوا بالضرب في الحقائق … بكل قطّاع من البوارق هام العدى والوخز بالمزارق … والطعن بالخطيّ في الحمالق (٦٧ - ظ) بالسمهريات من الرّماح … يختطفون شكّة الأرواح وفي الدجى يسرون للتصباح … سرية في الروم لاجتياح وللثواب والغنى والريش … يرجون خلدا في لذيذ العيش ليسوا بأطياش غداة الهيش … إذا اغتدوا كانوا أمام الجيش تراهم صبيحة المغار … كالأسد في أشبالها الضّواري على الجياد العرب والشهاري … كأنّها العقبان في البراري من كل طرف مارح لدى العمل … أغرّ كالبدر تدلّى ما أفل

стр. 170

محجّل أرجله جم الكفل … ما هاب يوما في الوغى لمح الأسل فهم يحلون بها الديارا … ويقتلون عندها الكفّار ويستبون الخردّ الأبكارا … ويحتوون المال والأسارى قد صفّدوا في السير في وثاق … وضمّت الأيدي إلى التراقي لخشية الفرار والإباق … وتلكم الجوار في استباق يسقن كالأغنام في الشغاف … يحزن بالرماح والقذاف حوز الرعاة الشاء في الفيافي … كم فيهم من ظبية ذلاف يمنعها من مشيها سحج الربل (١) … وثقل ردف مائل لها عدل وأنها ذات دلال وخجل … لو حسّها الراهب يوما لنزل والقس لو أبصرها لما صبر … وقبّل الرجلين منها واعتذر (٦٨ - و) تبكي بعين ذات غنج وحور … وتلطم الوجه المنير كالقمر أبيض يعلوه كلون الخمر … نعم وفي الصدر الوضيء تفري باللكم والخمش ونتف الشعر … من حالك قد حل عند الخصر وكل ما يبدو لها مليح … إذا احتواها المرد يستريح دع ذكرها فذكرها قبيح … على الفتى وخذ بما تبوح ***

стр. 171

ذكر زهاد طرسوس بها رجال بعضهم من بعض … في الله قاموا بحقوق الفرض فيها يعيشون بكل خفض … يحبوهم ببركات الأرض يبدون من يلقون بالتسليم … يعفون عن ذي القدرة الظلوم نهارهم صوم بلا تعتيم … وليلهم عبادة القيّوم فتارة يبكون شجوا دررا … خوف الحساب والخطايا حذرا وتارة يعتبرون السورا … مستغفرين عله قد غفرا وتارة يغزون أرض الروم … يرجون قتلا في هوى الكريم يا ليتني في الارض كالرميم … عندهم فقصّري أو لومي هذا كان حال مدينة طرسوس والشرائع محفوظة، وأمور الجهاد ملحوظة، وأحوال البدع مرفوضة، والجفون عن الحرمات مغضوضة، فحين فسدت الأمور، وارتكبت الفجور، وقلت الخيرات، واشتغل أهل الجهاد (٦٨ - ظ) باللذات، طمع العدو ومنعه طلب الثأر الهدوّ فقصد البلاد وأكثر الأمداد، وهجم حلب وفتح أنطاكية، وقتل الأبطال، وسبى الذرية، ثم استولى على الديار، وقصد طرسوس، وألحّ عليها بالحصار، فجرى في أمرها العظيم ما ذكره عثمان بن عبد الله بن إبراهيم في مقدمة كتابه الموسوم بسير الثغور، ونقلته من خطّه مع ما نقلته من حوادث الأمور. قال بعد أن حمد الله على نعمه التي تظاهرت فما تحصى وأياديه التي ترادفت فما تستقصى: نفذت سوابق أقضيته في عالم من بريته أسكنهم حينا من الدهر ثغرا

стр. 172

بأطراف الشام، نوّه به وبهم في معالم الإسلام، متّعهم فيه مدّة من المدد، وأعزه وأعزهم إلى غاية من الأمد، ظاهرين على أعدائهم، مظفرين في قلوب إخوانهم المسلمين، معظمين مبجّلين، ضاقت بهم أرض الروم (١)، ترأى نيرانهم، وتكافح فرسانهم، إن دنوا منهم هلكوا، وإن أمعنوا الهرب عنهم أدركوا، لا تحرزهم أرضهم وان اتسعت، ولا تحميهم معاقلهم وان امتنعت، تغزى بنودهم (٢)، وتهزم حشودهم، وتفل جنودهم، وتستباح حريمهم، ويستأصل كريمهم، وتروح أفنيتهم، وتهدم أبنيتهم، وتشن الغارات فيهم، زيادة على مائتي سنة، حتى نبغ من نقفور بن خاردس الفقّاس (٣) من صمد نحوهم وعندهم، وأناخ بهم وقصدهم، وأجمع على استئصالهم واجتياحهم، وبوارهم، فغزاهم (٦٩ - و) عاما بعد عام، ونازلهم في عقر ديارهم، يدوّخ أطرافهم، ويسوق عواملهم، ويتردد إلى زروعهم أوان استحصادهم فيجتثها ويأتي عليها، وتتوالى لأجل ذلك سنوات الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وضيق الأسعار، وتأخر المبر والامداد، وفناء الحماة من الرجال الكماة، وتلاشي الشجعان والفرسان، وانحلال الأحوال، واختلال الأبطال، وحلول الداء الذي لا دواء له، والعلة التي لا يرجى برؤها، وهو نبو السلاطين حينئذ عن نصرتهم، وتثاقلهم عن إجابة مستصرخهم، وتخلفهم حين دهمهم ما دهمهم عن معونتهم. فالنائب بمصر وما ينسب إليها برا وبحرا من أقاصي الصعيد إلى حدود جوسيه راض بمدافعة الأيام وسلامة الشهور والأعوام من صولة ملك الغرب ومدبّره (٤)،

стр. 173

والرائب المشار إليه بأرض العراق وما يجري مجراها إلى حدود بحر الصين وباب الأبواب، يتشاغل بأساورة ديلمان وجيلان، وملك خراسان في كف غربه كما قال المساور بن هند العبسي: وتشعبوا شعبا فكل جزيرة … فيها أمير المؤمنين ومنبر فحاق لذلك بأهل الثغر-جدده الله-من قراع الروم-وقمهم (١) الله- على وفور عددهم وقوة عددهم، ووفاق أجناس الكفرة إياهم ما ثقل حدّه (٦٩ - ظ) وعظم مردّه، وامتنع مسدّه، بما وصفنا من خلف سلاطين الإسلام وأمرائه، وتفاوت كل منهم في شتات آرائه، وما خامر أفئدتهم من الوهل (٢) وران على قلوبهم من الرعب والوجل كما سبق لهم في علم الله العزيز وإرادته ألاّ يجعل لهم حظا في الآخرة. فقد حدثني أبو العباس محمد بن نصر بن مكرم، أحد عدول بغداد، في درب الريحان، أن أحمد بن بويه ﵀ جلس بمكان أرانيه بباب داره المعزية، يعرض خيله متنزها بالنظر إليها، فقيد بين يديه من دار الدواب إلى ذلك المكان في مدة أربعة عشر يوما متصلة اثنا عشر ألف فرس، أغلاها ثمنا بمائة ألف درهم، وأدناها ثمنا بعشرة آلاف درهم، لم يطرح قط على فرس منها سرج في سبيل الله ولا في غير سبيل الله. وحدثني أيضا كهل من أهل أذنه يعرف بابن الشعراني وقد سألته ببغداد عن منصرفه، فوصف إشرافا على قضيم حمير برسم فنا خسرو بن الحسن بن بويه

стр. 174

رحمه الله عددها ستة آلاف حمار، قد رتبها لخدمة الكراع ينقل لها القصيل (١) في حينه، والقضيم والعلوفات في سائر الاوقات، وسألته عن عدد هذا الكراع الذي قد رتبت هذه الحمير لخدمته، فذكر أن المشرف على قضيم جميع الكراع يستوفي كل ليلة قضيما لثمانين ألف رأس، من ذلك ثلاثون ألف جمل، وأربعة وعشرون ألف بغل (٧٠ - و) وعشرون ألف فرس وستة آلاف حمار. فهذان رجلان من أمراء الاسلام وصفنا ظاهر نعم الله عليهما، والجهاد معطل والثغر يباب لا أنيس به خاو من القرآن، خال من الأذان. مدارس آيات خلت من تلاوة … ومنزل وحي مقفر العرصات فمن قتيل أو جريح، وعفير من أهلها طريح، وهارب طامح، ومتحيز الى وطن نازح، ومفتون في دينه، ومغلوب على ملك يمينه، قد استبيحت منازلهم بجميع ما كانت تحويه الا ما نقله السائر عنها على ظهره بحسب قوته إن كان ذا طاقة لشيء من حمله، أو على ذي أربعة ان كان واحدا له أو أعوانه ان وجد عونا، «فلكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» (٢)، لا يعرج على سواه ولا يعود بعد الى مثواه بذلك سبق فيهم علم الله المكنون الغامض المصون، «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون» (٣). وقرأت بخط أبي عمرو في كتابه: وجرى من اعتياد الروم طرسوس ما اقتضت الصورة إخراج وفد الى مصر والعراق يستصرخون ويطلبون المدد، ورسم أبو الحسن ابن الفياض بوفادة مصر، ووفد أبو بكر الاصبهاني الاسكاف، وأبو علي

стр. 175

ابن الأصبهاني خليفة القاضي العباس بن أحمد الخواتيمي على طرسوس الى بغداد، فندب للخطبة أبو صالح عبد الغفار بن الحراني الوراق عوضا منه (٧٠ - ظ) فقام مقامه، وأقام أبو صالح عند خروج الناس بطرسوس لعلة منعته من الحركة بها توفي، وما زال أبو صالح يخطب مدة أيام منازلة نقفور إيّانا، فلما انتهينا الى الأيام التي وادعناه فيها للخروج عن طرسوس اعتلّ أبو صالح علة حالت بينه وبين الصلاة، واحتاج الناس في آخر جمعة جمعوها بطرسوس إلى خطيب فسئل أبو الحسن بن الفياض الصلاة، وقد كان عاد من مصر معذرا لم ينل في الوفادة ما تمنى من أرسله لها، فأبى، وقال: ما أحب أن أكون آخر خطيب خطب بطرسوس، وحضرت الصلاة فصلى بالناس يومئذ أبو ذر، رجل من أبناء طرسوس، شيخ من أهل العلم كان سافر وغاب عن طرسوس عدة سنين، وعاد الينا في تلك الأيام، فهو آخر من خطب على منبر طرسوس يوم الجمعة العاشر من شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، لأن خروج الناس كان عنها في يوم الاربعاء النصف من هذا الشهر في هذه السنة، وأقام المؤذنون في ذلك اليوم وأخذوا في الأذان، فسهوا فأقاموا، فرد عليهم فأذنوا، وقام أبو ذر فخطب، فلما أتى الدعاء للسلطان خطب للمعتضد، ورد عليه، فتمم خطبته ونزل، فأقيمت الصلاة وكبر وقرأ في الركعة الاولى بفاتحة كتاب، وسورة والشمس وضحاها (٧١ - و)، وفي الركعة الثانية بسورة الحمد وسورة إذا زلزلت الأرض زلزالها. فلما سلم قام أبو عبد الله الحسين بن محمد الخواص قائما في قبلة المسجد، واستقبل الناس بوجهه وقال: يا معشر أهل طرسوس أقول فاسمعوا: هذا المقام الذي كان يتلى فيه كتاب الله العظيم، هذا المقام الذي كانت تعقد فيه المغازي الى الروم، هذا المقام الذي كان يصدر عنه أمر الثغور، هذا المقام الذي كانت تصلى فيه الجمع والأعياد، هذا المقام الذي يأوي إليه

стр. 176

الملهوف بالدعوات، هذا المقام الذي يزدحم عليه أهل الستر والسداد، هذا المقام الذي كان يفد الى الله فيه الوافدون، هذا المقام الذي كان يعتكف فيه العابدون الزاهدون، وما يجرى مجرى هذا الكلام. وقرأت في تاريخ أبي غالب همام بن الفضل المعري أن نقفور لما صالح أهل طرسوس، وخرجوا منها وتسلمها صعد على منبرها وقال: يا معشر الروم أين أنا؟ قالوا: على منبر طرسوس، فقال: لا بل أنا على منبر بيت المقدس، وهذه البلدة التي كانت تمنعكم من بيت المقدس. ***

стр. 177

باب ما جاء في فضل طرسوس (١) (٧١ - ظ) قرأت بخط القاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله الكرجي، ونقلته منه، حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي قال: حدثنا عمي أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي قال: حدثنا يحيى بن زكريا أبو زكريا قال: حدثني محمد بن ابراهيم بن مالك الصوري قال: حدثني فتح بن محمد بالغور قال: حدثنا عبد الله بن عيسى العقدي قال: حدثنا نصر بن يونس قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا السري بن بزيعة عن أبي بكر اليشكري عن الحسن البصري عن أنسى بن مالك قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ودموعه تقطر على لحيته قال: فقلنا بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، من اخواننا هؤلاء الذين ذكرتهم فرققت لذكرهم؟ قال: قوم من أمتي يكونون في مدينة تبنى من وراء سيحان وجيحان فمن أدرك ذلك الزمان فليأخذ بنصيبه منها، فإن شهيدهم يعدل شهداء بدر، والذي نفسي بيده ليبعثن الله يوم القيامة من تلك المدينة سبعين ومائة ألف شهيد يدخلون الجنة بغير حساب، وان الله ينظر الى أهل تلك المدينة كل يوم سبعين مرة، كلما نظر اليهم ذر عليهم من بره وحنانه، الله أرفق بتلك المدينة من الوالدة بولدها، يغفر الله لأهل تلك المدينة كل يوم عند (٧٢ - و) طلوع الشمس وعند غروبها، ولا يزالون على الحق والحق معهم حتى يكون آخر الزمان عصابة منهم يحاربون الدجال، يحشر الله من تلك المدينة اثني عشر ألف زمرة، في كل زمرة مائة ألف شهيد، والشهيد منهم يشفع

стр. 178

في مائة ألف سوى أهل بيته وجيرانه، واسمها بالعربية طرسوس، وفي التوراة أبسوس، وفي الإنجيل أرسوس، وهي الصارخة الى الله في بيت المقدس حين أخربت، ولها بابان مفتوحان حول العرش، من دخلها من أمتي غفر له ما سلف من ذنبه، ولم يكتب عليه ذنب حادث، طوبى لمن حشر منها من أمتي، طوبى له. ونقلت من خطه حدثني أبو الحسن علي بن وهب الوراق الرملي بطرابلس قال: حدثنا أبو يعقوب العدل العطار الموصلي بالموصل قال: حدثنا ابراهيم بن الهيثم البلدي قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الحراني عن قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ستعمر مدينة بين سيحان وجيحان تسمى المنصورة، من دخلها من أمتي دخلها برحمة، ومن خرج عنها رغبة عنها خرج بسخطة، يبنى مسجدها على روضة من رياض الجنة، يدعى مسجد النور، الصلاة فيه بألفي صلاة، النائم فيها كالصائم القائم في غيرها، المنفق فيها على عياله (٧٢ - ظ) الدرهم بسبعمائة، طوبى للمجاهدين فيها، وطوبى لمن حشر منها، الميت فيها شهيد، وشهيدها يعدل عشرة من شهداء البحر. وقال أبو عمرو القاضي فيما نقلته من خطه: حدثنا أبو هاشم عبد الجبار ابن عبد الصمد السّلمي قال: حدثنا أبو يعقوب الأذرعي قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال: حدثنا محمد بن عباد قال: حدثنا إبراهيم ابن صدقة الجهني قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: حدثنا هشام بن مودود الهجري عن برد بن سنان عن وهب بن منبه قال: لا تذهب الأيام حتى تبنى مدينة من وراء سيحان وجيحان قريبة من العدو غير بعيدة، تخيف العدو من وجهين من بر ومن بحر، ينظر الله اليهم في كل يوم سبعين مرة، كلما نظر اليهم ذرّ عليهم من برّه وحنانه، الله أروف بأهل تلك المدينة من الوالدة الشفيقة بولدها، يغفر الله لهم في كل يوم مرتين عند طلوع الشمس وعند غروبها، يحشر

стр. 179

الله منها يوم القيامة اثني عشر ألف زمرة في كل زمرة مائة ألف شهيد، لا يزالون على الحق، والحق معهم، آخر عصابة منهم تقاتل الدجال. قال ابن منبه: يا طوبى لأهل تلك المدينة هم أولياء الله وأحباؤه. ومن خطه أيضا حدثنا عدي بن أحمد بن عبد الباقي أبو عمير قال: حدثنا عمي يحيى بن عبد الباقي أبو القاسم قال: حدثنا يوسف بن بحر قال: حدثنا سعيد (٧٣ - و) بن هشام الفيومي قال: حدثنا هشام بن مودود قال: سمعت وهب بن منبه يقول: تبنى مدينة من وراء نهر من أنهار الجنة ينظر الله في كل يوم الى تلك المدينة سبعين مرة، يدر عليهم من بره وحنانه وهو أروف بهم من الوالدة بولدها. قال سعيد بن هشام: سمعت هشام بن مودود يقول: هي طرسوس. ونقلت من خطه: حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد الأذني بطرسوس إملاء في داره يوم السبت غرة ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة حدثنا عمي أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي حدثني أبو القاسم يوسف بن بحر الساحلي قال: حدثنا جنادة بن مروان بن الحكم الأزدي قال: حدثني الهيثم بن حميد الكندي عن الحكم بن عمرو الرعيني عن كعب الاحبار قال: إن طرسوس خرجت إلى ربها من وحشتها وبكت اليه من خرابها، فأوحى الله اليها أيتها الصارخة إليّ أنا أذنت لخرابك، وأذنت لعمرانك، وأنزل عليك من بركات سمائي لأطهرك من دنس الأرجاس الأنجاس، ثم أعمرك «بخير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»، (١) وأضع فيك معهم توراة محدثة وخدودا سجودا يدفعون اليك دفيف (٢) النسور الى أوكارها، ويحنون اليك حنين الحمامة الى فراخها.

стр. 180

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي (٧٣ - ظ) محمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة، ح. وأنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد عن عبد الكريم بن حمزة قال: حدثنا عبد العزيز بن أحمد قال: حدثنا تمام بن محمد قال: أخبرنا أبو الحارث بن عمارة قال: حدثنا أبي وهو محمد بن عمارة بن أبي الخطاب الليثي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن ابراهيم عن هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم عن رجل عن مكحول عن كعب قال: بطرسوس من قبور الانبياء عشرة. أخبرنا أبو الفتوح الحصري وأبو محمد عبد القادر الرهاوي في كتابيهما قالا: أخبرنا أبو الخير القزويني قال: أخبرنا زاهر بن طاهر قال: أخبرنا أبوا عثمان الصابوني والبحيري وأبوا بكر البيهقي والحيري إجازة منهم قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله قال: سمعت أبا الفضل الحسن بن يعقوب العدل يقول: سمعت حمش التريكي الزاهد يقول: سمعت أحمد بن حرب (١) يقول: المقام بطرسوس في وقتنا هذا أحب الي من الجوار بمكة. وقرأت بخط أبي عمرو القاضي في كتابه حدثنا أبو هاشم السلمي قال: حدثنا أبو يعقوب الاذرعي قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال: سمعت يوسف بن عبد الله الهاشمي يقول: قال عبد الله بن المبارك: تكبيرة على حائط طرسوس تعدل فرسا في سبيل الله، ومن حمل على فرس في سبيل الله حمله الله على ناقة من (٧٤ - و) نوق الجنة. قلت وكان ابن المبارك قد قدم طرسوس فأقام بها وبالمصيصة غازيا سنين
следующие страницы →