واجتمع بأبي العلاء بن سليمان بمعرة النعمان، وجرت بينهما مذاكرات، وكان شاعرا مجيدا كاتبا فاضلا أدبيا.
روى عنه أبو محمد عبد الله بن محمد بن سنان الخفاجي، وابن أخته أبو الحسن المرجّى بن نصر الكاتب، والوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن جهير، وحكى عنه الفقيه سليم الرازي وأثنى عليه، وأبو الحسين علي بن عبد السلام الأرمنازي، وقرأ عليه سعيد بن (١٥٤ - و) عبد الله بن بندار الشّاتاني والد العلم الشّاتاني.
أخبرنا شرف الدين اسماعيل بن أبي سعد الآمدي، المعروف بابن التّيتي قال: نقلت في دمشق أنه وجد في مسودّة تاريخ صور (١) لغيث بن علي الأرمنازي قال غيث بن علي الأرمنازي، قال: حدثني والدي أبو الحسن علي بن عبد السلام قال: ولما وصل المنازي الى صور خرج القاضي أبو محمد وجماعة من بياض الصوريين وكنت معهم، فلما لقيه رأى موكبا حسنا فقال: أيكم القاضي، فإني أرى جماعة كل واحد منهم يصلح أن يكون القاضي، فتبسم منه، وتقدم إليه، فسلم عليه.
قال: وسمعت أبا الفتح نصر بن إبراهيم الزاهد يقول: لما وصل المنازي إلى ها هنا كان الفقيه سليم يمضي إليه ويذاكره، فسألته هل كان يفقه شيئا؟ فقال:
نعم كان له يد في الفقه واللغة والشعر، أو كما قال.
قرأت في كتاب الهفوات تأليف الرئيس غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسن ابن إبراهيم الصابئ قال: وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير قال: حضر رسل نصر الدولة أبي نصر بن مروان الكردي أمير آمد وميّا فارقين وأعمالهما عند معتمد الدولة أبي المنيع قرواش بن المقلّد أمير بني عقيل يستحلفونه على معاهدة بنيت، ومعاقدة قررت، وفيهم المنازي الشاعر، فلما حلف معتمد الدولة أنشد المنازي:
стр. 1227
كلّفوني اليمين فارتعت منها … كي يغرّروا بذلك الارتياع
ثم أرسلتها كمنحدر السي … ل تهادى من المكان اليفاع
فقال له قرواش: يا ويلك قبحك الله وقبح ابن مروان، ما هذا الكلام؟ وبدا الشرّ في وجهه، وكاد يكون ذلك اليوم آخر أيام المنازي من عمره، فبدأ المنازي باليمين الغموس أنه أنشد ما أنشد عن سهو لا روية، وباتفاق سوء، لا قصد ونية، وتحقق قرواش قوله لأنه مما لا يقدم عليه مثله فأغضى وعفا عما غلط فيه وهفا (١).
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله الأنصاري الحموي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي-إجازة إن لم يكن سماعا-، ح.
وكتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز الأندلسي أن أبا طاهر السّلفي أخبرهم قراءة عليه وهو يسمع قال: سمعت أبا طاهر إبراهيم بن سعيد بن عبد البر البدليسي بثغر بدليس (٢) يقول: سمعت أبا الحسن المرجّى بن نصر الكاتب يقول: سمعت خالي الوزير أبا نصر أحمد بن يوسف المنازي يقول: بعثني نصر الدولة أبو نصر أحمد بن (١٥٤ - ظ) مروان سنة من ميّا فارقين الى مصر رسولا، فدخلت معرّة النعمان واجتمعت بأبي العلاء التنوخي، وجرت بيننا فوائد، فقال أصحابه فينا قصائد ومن جملتها هذه الأبيات:
تجمّع العلم في شخصين فاقتسما … على البرية شطريه وما عدلا
جاءا أخيري زمان ما به لهما … مماثل وصل الحدّ الذي وصلا
أبو العلا وأبو نصرهما جمعا … علم الورى وهما للفضل قد كملا
هذا كما قد تراه رامح علم … وذاك أعزل للدنيا قد اعتزلا
هما هما قدوة الآداب دانية … طورا وقاصية إن مثّلا مثلا
لولا هما لتفّرى العلم عن علم … أو لافترى صاحب التمويه ان سئلا
يا طالب الأدب اسأل عنهما وأهن … إذا رأيتهما أن لا ترى الأولا
стр. 1228
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به … فطلعة البدر تغني أن ترى زحلا
قرأت في جزء وقع إلي من رسائل إبراهيم بن أحمد بن الليث، في رسالة له كتبها إلى بعض اخوانه، قال فيها في ذكر أبي نصر المنازي: وأما أبو نصر فعترة الخطابة، وعدة الكتابة، ومنبع العلم، ومعدن الحلم، خدم السلطان في ميعة الصبى وريعان الشبيبة، فعفت عن الدنيا طعمته، وتنزهت عن الرذائل همته، ثم انتقل إلى خدمة مولاه فأدى حجه وقضى حقه، وأحرز من رضاه حظه، فعل من هدي الطريق، وأوتي التوفيق.
قرأت بخط مؤيد الدولة أبي المظفر أسامة بن مرشد بن منقذ في كتابه الذي عنقه لابن الزبير من الشعراء الدين سأله عنهم ليودعهم في كتابه المسمى «جنان الجنان ورياض الأذهان»، فكتب له ما حضر عنده عنهم، وزاد فيه ذكر جماعة غيرهم وقال فيه-وأنبأنا به أبو الحسن بن أحمد بن علي القرطبي عنه-: ومن الشعراء المذكورين أبو نصر المنازي حسن الشعر، سهل الألفاظ، صحيح المعاني، مستعذب القول، من حقه أن يتميز عن هذه الطبقة، فمن شعره:
أظاهر بالعتبى إذا أضمرت عتبا … وأسأل غفرانا ولم أعرف الذنبا
وأصدق ما نبيت أني بلوتها … فما سالمت سلما ولا حاربت حربا
هي الشمس حالت دونها حجب خدرها … ولو برزت كان الضياء لها حجبا
إذا جهزت ألحاظها قصد غافل … أغارت على قلب أو استهلكت لبا
ألم يأن في حكم الهوى أن ترّق لي … من المدمع الرّيان والكبد اللهبا
ومن زفرة حرّى إذا ما تقطعت … شعاعا تدّمي الجفن أو تحرق الهدبا
شجتني ذات الطوق عجماء لم تبن … وشيمة عجم الطير أن تشجو العربا
دنا إلفها واختلّ أطراف عيشها … فهاجت لي البلوى (١) وقد هدلت (٢) عجبا
هفا بك متن الغصن لو أنّ قدرة … سلبتك حلى الطوق والغصن الرّطبا
ولكنّ إخوانا أعّد فراقهم … خسارا ولو سافرت أقتنص الشهبا
وخلفت قلبي بالعراق رهينة … لقصد بلاد ما اكتسبت بها قلبا
стр. 1229
وإني ليحييني على بعد داره … نسيم نعاماه ولو حملت تربا
ومن شيمتي أن استمد (١) … له الصّبا
وأستسيغ النعمى واستمطر السحبا
وأعمّر من ذكراه كلّ مفازة … وألهي بعلياه الركائب والرّكبا
وأذكره بالصيف إن جاء طارقا … وبالطيف إن أسرى وبالسّيف إن هبا
وبالبدر إن أوفى وبالليث إن سطا … وبالغيث إن أروى وبالبحر إن عبا
وأشتاق أياما تقضّت كأنما … أسرت عن الأيام أو أدركت غصبا
(١٥٥ - ظ)
نحن حنين البعد والشمل جامع … ونزداد حبا كلما لم نزر غبا
إخاء تعالى أن يكون أخوّة … وقربى وداد لا تقاس إلى قربى
أنشدني بعض البغداديين لأبي نصر المنازي يخاطب أبا العلاء بن سليمان ببغداد حين قدمها أبو العلاء وقد فاوضه في شيء فأعجبه كلامه.
لله لؤلؤ ألفاظ تساقطها … لو كنّ للغيد ما استأنسن بالعطل
ومن عيون معان لو كحلن بها … نجل العيون لأغناها عن الكحل
سحر من اللفظ لو دارت سلافته … على الزمان تمشّي مشية الثمل
قال: فقال له أبو العلاء ادن مني فإني أشم منك ريح السعادة، فقدر الله تعالى له أن وزر بعد ذلك للمروانية.
قرأت بخط الفقيه نصر بن الفقيه معدان بن كثير البالسي للمنازي أيضا، وقد وصل الشام واجتاز بوادي بزاعا، وأنشدني البيتين الأولين، أو الأبيات جميعها الشريف محي الدين أبو حامد محمد بن عبد الله الهاشمي الحلبي بحرّان وذكر أنه سمعها من عبد القاهر بن علوي المعري، قاضي معرة مصرين للمنازي.
وقانا لفحة الرمضاء واد … غذاه مضاعف الظلّ العمم
حللنا دوحه فحنا علينا … حنّو الوالدات على اليتيم
وأرشفنا على ظمأ زلالا … ألذ من المدامة للنديم
стр. 1230
تروع حصاه حالية العذارى … فتلمس جانب العقد النظيم
(١٥٦ - و)
يصد الشمس أنّى واجهتنا … فيحجبها ويأذن للنّسيم
وبلغني أن المنازي عمل هذه الأبيات ليعرضها على أبي العلاء بن سليمان إذا وصل إليه وقد عزم على قصد المعرة لزيارة أبي العلاء، فلما اجتمع بأبي العلاء وذاكره أنشده هذه الأبيات فجعل المنازي كلما أنشده المصراع الأول من كل بيت سبقه أبو العلاء إلى تمام البيت كما نظمه، ولما أنشده قوله: نزلنا دوحه فحنا علينا ..
قال أبو العلاء: حنو الوالدات على الفطيم، فقال المنازي: إنما قلت: حنو الوالدات على اليتيم، فقال أبو العلاء: الفطيم أحسن.
قرأت بخط الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي جرادة الحلبي على ظهر كتاب وقع إليّ بحرّان: للمنازي الاستاذ أبي نصر أحمد بن يوسف في ولده أبي الوفاء عند وفاته بحلب وما كان له ولد غيره، وكان أحسن الناس صورة وأدبا، فلم ير أصبر منه على الرزية به:
أطاقت يد الموت انتزاعك من يدي … ولم يطق الموت انتزاعك من صدري
لئن كنت مبثوث المحاسن في الحشا … فإنك ممحوّ المحاسن في القبر
فلا وصل إلاّ بين عينيّ والبكا … ولا هجر إلاّ بين قلبي والصبر
ووقع إلى بعد ذلك بيت بعد البيت الثاني وهو:
رجوتك طفلا فوق ما يرتجي الفتى … كذاك هلال الشهر أرجى من البدر
ونقلت من خط الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي (١٥٦ - ظ) ﵀ على ظهر كتاب وجدته بآمد في خزانة الكتب بجامع آمد حرسه الله، وقد دخلت إليها في يوم الخميس لثمان بقين من صفر سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، كتابا فيه قطعة من رسائل أبي الفضل ابن العميد، وعليه مكتوب بخط أبي القاسم الحسين بن علي المغربي، وقال أبو نصر المنازي
стр. 1231
أيده الله يوم انتقال عابد عند الله احتسبه وهو الاثنين الثامن من صفر سنة ثمان وأربعمائة:
يا من إذا افتدي الكرام بمنفس … فلتمض أنفسهم فداء خياله
هزّتك حادثة الزمان فلم تجد … لين المهزّة في أرقّ نصاله
وهو الزمان إذا تغطرس صرفه … أهدى الكسوف لشمسه وهلاله
أيسوم حلمك وهو خير حباله … شركا مع الهضبات في زلزاله
وقد امتراك فما سمحت بدمعة … لمفجّر الجلمود عن سلساله
إن تصطبر فالمجد أول جازع … أو تسل فالعلياء آخر واله
وعلى النجوم كآبة من فقدها … قمرا أضرّ بهنّ قبل كماله
جذلت به الأحساب قبل رضاعه … ورجاه قول الفصل قبل فصاله
وتخيّرت فقر الكلام نفوسها … رصدا لبدع مقاله وفعاله
أمل فجعت به وينفق حازم … أيامه سرفا على آماله
ورزيت علق مضنة لو أنه … للدّهر ما خطر السلوّ بباله
(١٥٧ - و)
مضت الملوك وخلفتكم في العلى … عقبا يسوء الليث في أشباله
وإذا انتميت فكم صريحة ماجد … تبدي بطون الأرض من أوصاله
لا تبدل الموتى شريف جواره … بالعيش مؤتنفا رفيف ظلاله
وقال أبو محمد الخفاجي: أنشدنا الاستاذ أبو نصر المنازي لنفسه، وقدم حلب في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة:
لقد عرض الحمام لنا بسجع … إذا أصغى له ركب تلاحى
صحا قلب الخليّ فقال: غنيّ … وبرّح بالشجيّ فقال: ناحا
وكم للشوق في أحشاء صّب … اذا اندملت أحدّ لها جراحا
ضعيف الصّبر فيك وإن تقاوى … وسكران الفؤاد وإن تصاحى
كذاك بنو الهوى سكرى صحاة … كأحداق المها سكرى صحاحا
стр. 1232
وقرأت بخط المفضّل بن مواهب الفارزي الحلبي لأبي نصر أحمد بن يوسف المنازي ﵀-وينتمي إلى سليك-في الوزير أبي القاسم الحسين بن علي المغربي، أنشده إياها بميا فارقين سنة ست وأربعمائة:
اصفح لطرف الصبّ عن نظراته … إن كنت آخذه بما لم ياته
سقيا لوجهك فهو أول روضة … زهرت أقاحيه أمام نباته
لما خططت مثاله في ناظري … مدّ الحجاب عليه من عبراته
حالت حماتك دون ورد غديره … وشميم زهرته ورشف قلاته
(١٥٧ - ظ)
الماء يلمع في أريض جنابه … والنار تسفع (١) من ضلوع رعاته
وإذا ادّعى بدر التمام بهاءه … وأنار للسّارى قلا زعماته
ومنها في المدح:
ولئن جزت نعم الحسين محامد … فلتجزينّ الغبث عن هطلاته
أفنى وأغنى فانقلبت ولي به … شغلان بين صفاته وصلاته
حاولت عدّ خلاله فوجدتها … يشقى الرواة بها شقاء عداته
أبصرت سبل المجد من لحظاته … وأفدت حسن القول من لفظاته
وأرى الفصاحة والسماحة والغنى … ومكارم الأخلاق بعض هباته
ورث المعالي عن عليّ وابتنى … رتبأ مشيّدة إلى رتباته
وكذاك لابن القيل (٢) … إرث علائه
فرضا ولابن القين إرث علاته
أخبرنا أبو القاسم عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد بن الطوسي في كتابه غير مرة قال: أخبرنا عمي القاضي أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد إجازة قال: أخبرنا أبي أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر بقراءتي عليه: أنشدني الأخ الجليل أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي الصقر السرّ من رأى الدوري قال: أنشدنا للمنازي.
стр. 1233
لو قيل لي وهجير الصيف متقّد … وفي فؤادي جوى بالحرّ يضطرم
أهم أحبّ إليك اليوم تشهدهم … أم شربة من زلال الماء قلت هم
(١٥٨ - و) أنشدني شهاب الدين ياقوت بن عبد الله مولى الحموي الأديب لأبي نصر المنازي:
غزال قّده قد عجيب … تليق به المدائح والنسيب
جهدت وما أصبت رضاه يوما … وقالوا: كلّ مجتهد مصيب (١)
قرأت بخط نصر بن معدان بن كثير البالسي الفقيه لأبي نصر المنازي
يثنيّ عطفه هفوات دلّ … إذا لم يثنه هفوات راح
يميل مع الوشاة وأي غصن … رطيب لا يميل مع الرياح
قال لي ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي ثم البغدادي: مات المنازي في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (٢).
كتب إلي ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أبي الحجاج المقدسي أنّ عماد الدين محمد بن محمد بن حامد الكاتب أخبرهم عن العلم الشاتاني الحسن ابن سعيد الديار بكري قال: ومات-يعني-المنازي سنة سبع وثلاثين، وكان عظيم الشأن.
أحمد بن يوسف الثقفي:
سمع بأنطاكية عبد الله بن خبيق الأنطاكي؛ روى عنه إبراهيم بن أحمد الآملى، وعبد السلام بن محمد البغدادي، وأظنه من أهل أنطاكية.
أنبأنا أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل قال: أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي-سماعا أو إجازة-قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي قال:
стр. 1234
حدثنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد قال: أخبرنا أحمد بن أبي عمران الحديثي بمكة قال: أخبرني عبد السلام بن محمد البغدادي قال: حدثنا أحمد بن يوسف قال: حدثنا عبد الله بن خبيق قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: ذكر عن إبراهيم بن أدهم قال: لا تجعل فيما بينك وبين الله عليك منعما، واعدد النعمة عليك من غير الله مغرما.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد-إذنا-قال: أخبرنا علي بن أبي محمد الدمشقي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البروجردي قال: أخبرنا أبو سعد علي بن عبد الله الحيري قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن باكويه قال: أخبرنا عبد العزيز بن الفضل قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد الآملي قال: حدثنا أحمد بن يوسف الثقفي قال: حدثنا عبد الله بن خبيق الأنطاكي قال:
حدثني موسى بن طريف قال: ركب إبراهيم بن أدهم البحر فأخذتهم ريح عاصف وأشرفوا على الهلكة فلف ابراهيم رأسه في عباءة ونام، فقالوا له: ما ترى ما نحن فيه من الشدّة؟ فقال: ليس ذا شدّة، قالوا: ما الشدة؟ قال: الحاجة إلى الناس، ثم قال: اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك، فصار البحر كأنه قدح زيت.
أحمد بن يوسف:
رجل كان بأنطاكية، وحكى عن بعض العبّاد كلاما تكلم به، إن لم يكن الثقفي الذي قدمنا ذكره فهو غيره.
وقع إلى مجموع بخط بعض الفضلاء يقال له أبو علي المحسن بن مهبروذ فنقلت منه: قال أحمد بن يوسف: لقيت بعض العباد بأنطاكية فسألته عن مسائل فأجابني ثم قال لي: يا أحمد لقد سمعت من راهب حكمة لم أسمع مثلها، (١٥٩ - و) قال: قلت: فتخبرني، قال: قلت له: يا راهب ما معبودك؟ قال:
الله الذي خلقني وخلقك، قال: قلت: فأين الله من قلوب العارفين؟ قال: قلوب العارفين لا تحول عن الله طرفة عين، قال: قلت: يا راهب ألكم عيد؟ قال: نعم، قلت: فأي يوم هو؟ قال: يوم نصبح ونمسي لا يكتب علينا فيه خطيئة، قال:
قلت: لم جلستم في الصوامع؟ قال: نفرة الأكياس من فخ الدنيا، لأن الدنيا
стр. 1235
شوكة أخشى أن أطأ عليها فتدخل في قدمي، قلت: لم لبستم المسوح والسواد؟ قال: لأن الدنيا مأتم، قال: قلت: أستغفر الله، قال: فنظر إلي، وقال: يافتى أستغفر الله توبة الكاذبين، فكم مستغفر بلسانه معاد لله بقلبه يقاد غدا إلى عذاب السعير، قال قلت له: ياتيني (١) بقيت واحدة قال: سل، قال: قلت: من أين المطعم والمشرب؟ قال: فنظر إلي نظرة احمرت حماليق عينيه ثم قال: ويحك لم تنتفع بالموعظة بعد.
أحمد بن يوسف أبو العباس التيفاشي القاضي:
تيفاش قرية من قرى قفصة إحدى بلاد إفريقية، وكان أبو العباس قاضي قفصة، وكان شيخا حسنا فاضلا، عارفا بالأدب وعلوم الأوائل، وله شعر حسن، ونثر جيد، ومصنفات حسنة في عدة فنون كثيرة الفائدة.
اجتمعت به بالقاهرة، وقد توجهت إليها رسولا، فوجدته شيخا كيسا، ظريفا، حريصا على الاستفادة لما يورده في تصانيفه ويودعه مجاميعه (١٥٩ - ظ) وأوفقني علي شيء من تصانيفه الحسان، وأهدى إليّ بخطة منها كتابا وسمه «بالدرة الفائقة في محاسن الأفارقه»، وأنشدني مقاطيع من شعره.
وذكر لي أنه ولد بقفصة من بلاد إفريقية، وأنه خرج وهو صبي، واشتغل بالديار المصرية على شيخنا أبي محمد عبد اللطيف بن يوسف البغدادي، ورحل إلى دمشق وقرأ بها على شيخنا أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأحب المقام بها ثم إن نفسه اشتاقت الى الوطن، فعاد إلى قفصة، ثم إنه حن الى المشرق وطالبته نفسه بالمقام بدمشق، فباع أملاكه وما يثقل عليه حمله، وأخذ معه أولاده وزوجه وماله، وركب البحر في مركب اتخذه لنفسه، فغرق أهله وأولاده، وخلص بحشاشة نفسه، وخلص عرب برقة بعض متاعه، فخرج معهم متفكرا خوفا منهم أن يهلكوه بسبب أخذ متاعه، وسبقهم إلى الاسكندرية، وتوصل بعمل مقامة يذكر فيها ما جرى له في طريقه، وعرف الملك الكامل أبو المعالي محمد بن الملك العادل أبي
стр. 1236
بكر بن أيوب ملك الديار المصرية بذلك فكتب له إلى الاسكندرية بتخليص ماله، فخلص له منه جملة، ثم إنه لما رحل الملك الكامل إلى آمد وافتتحها، توجه إلى دمشق، ومنها إلى حلب، ومنها إلى آمد، فوجد الملك الكامل راجعا إلى الديار المصرية، فعاد معه إليها، وسكن بها.
وذكر لي أن مولده بقفصة في سنة ثمانين وخمسمائة، وأن ولايته القضاء (١٦٠ - و) كانت بعد رجوعه من المشرق إليها، وحكى لي غيره أن سبب عزله عن القضاء أنه وجد في داره خمر، فعزل بسبب ذلك.
وسمعت صاحبنا نور الدين أبا الحسن علي بن موسى بن محمد بن سعيد يحكى أن أبا العباس التيفاشي لما حصل مع عرب برقة وخاف منهم، كتم نفسه، وسألوه من هو، ومن أين هو، وما صنعته؟ فقال لهم: أنا قواد، فقالوا: الله الأحد، وأنفوا منه، وكان ذلك سبب خلاصه منهم.
أنشدني شرف الدين أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي بالقاهرة في أبي الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي، يشير إلى كتاب أبي الحسن الذي جمعه في محاسن المغرب وسماه «المغرب»:
سعد الغرب وازدهى الشرق عجبا … وابتهاجا بمغرب ابن سعيد
طلعت شمسه من الغرب تحلا … فأقامت قيامة التفنيد
لم يدع للمؤرخين مقالا … لا ولا للرواة بيت نشيد
إن تلاه على الحمام تغنّت … ما على ذا في حسنه من مزيد
وأنشدني أبو العباس التيفاشي لنفسه فيه:
يا طيب الأصل والفرع الزكي كما … يبدو وجنا ثمر من أطيب الشجر
ومن خلائقه مثل النسيم إذا … يهفو على الزهر حول النهر في السحر
ومن محياه والله الشهيد إذا … يبدو إلى بصري أبهى من القمر
(١٦٠ - ظ)
أثقلت ظهري ببر لا أقوم به … لو كنت أتلوه قرآنا مع السور
стр. 1237
أهديت لي المغرب مجموعا بعالمه … في قاب قوسين بين السمع والبصر
كأنني الآن قد شاهدت أجمعه … بكل من فيه من بدو ومن حضر
نعم ولا قيت أهل الفضل كلهم … في مدّتي هذه والأعصر الأخر
إن كنت لم أرهم في الصدر من عمري … فقد رددتّ عليّ الصدر من عمري
وكنت لي واحدا فيه جميعهم … ما يعجز الله جمع الخلق في بشر
جزيت أفضل ما يجزى به بشر … مفيد عمر جديد الفضل مبتكر
بلغني أن أبا العباس التيفاشي نزل الماء الى عينيه فعمي، فقدحهما وأبصر، وكتب وعوفي من ذلك، ثم شرب مسهلا وأعقبه بآخر فمات لذلك، يوم السبت ثالث عشر محرم سنة احدى وخمسين وستمائة بالقاهرة. (١).
ذكر من يعرف أبوه بالكنية من الاحمدين
أحمد بن أبي المعالي بن أحمد البكراني:
أبو الفضل، شيخ كتب عنه الحافظ أبو المواهب الحسن بن هبة الله بن صصرى الدمشقي، وخرج عنه انشادا في معجم شيوخه.
أنبأنا أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن صصرى التغلبي قال: أنشدنا أخي أبو المواهب الحسن، قال أحمد بن أبي المعالي بن أحمد بن أبي المعالي بن أحمد البكراني: أنشدنا الأجل أبو الفضل الفقيه بحلب في ظاهرها حين عزمت على العود الى دمشق، حالة (١٦١ - و) التوديع لبعضهم:
إذا ما وصلتم سالمين فبلغوا … تحية من قد ظن أن لا يرى نجدا
وإن سألوكم كيف حالي بعدهم … فقولوا لهم: والله ما نقض العهدا
هم جعلوا ديني لهم نسية … ودينهم عندي أعجله نقدا
стр. 1238
أحمد بن أبي السّري الغزّاء:
ويعرف بذلك لغزوه الى بلاد الروم، سمع بالمصيصة يوسف بن سعيد بن مسلم المصيصي، روى عنه أبو حامد الأشعري.
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي-إذنا-قال: أخبرنا أبو الحسن مسعود بن أبي منصور الجمال قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد ابن الحسن الحداد قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن الفضل قال: حدثنا أبو حامد الأشعري قال:
حدثنا أحمد بن أبي السري الغزاء قال: حدثنا يوسف بن سعيد بالمصيصة قال:
حدثنا يحيى بن عنبسة قال: حدثنا حميد قال: حدثنا أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «حسن الشعر مال، وحسن الوجه مال، وحسن اللسان مال» (١).
أحمد بن أبي الكرم بن هبة الله الفقيه:
أبو … [الحنفي، كان فقيها حسنا، دينا ورعا، كثيرة التلاوة للقرآن، ولي التدريس بالموصل في المدرسة … ] (٢) ومشيخة الرباط … وروى الحديث.
وقدم حلب مرارا رسولا من بدر الدين لؤلؤ صاحب (١٦١ - ظ) الموصل، واجتمعت به بدمشق، وقد وردها رسولا الى الملك الناصر في سنة ثمان وأربعين وستمائة، وببغداد في هذه السنة، وقد وصلها رسولا، ولم يتفق لي سماع شيء منه.
وتوفي بالموصل في شوال سنة خمسين وستمائة، وبلغتني وفاته وأنا ببغداد في هذا التاريخ. (١٦٢ - و).
стр. 1239
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أحمد بن أبي الوفاء بن عبد الرحمن بن عبد الصمد بن محمد البغدادي:
المعروف بابن الصائغ الحنبلي، فقيه الحنابلة وإمامهم، قدم حلب، وفوض إليه التدريس بالزاوية الموقوفة على الحنابلة بالمسجد الجامع بحلب، التي وقفها نور الدين محمود بن زنكي، فأقام بها مدة، وحدث بها، ثم انتقل الى حران ودرس بالمدرسة النورية بها، واشتهر اسمه، وقصده الناس للاشتغال عليه.
وكان قد سمع أبا الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، وأبا القاسم علي بن أحمد بن بيان الرزاز، وأبا الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الهروي، وأبا محمد القاسم بن علي الحريري، وغيرهم.
سمع منه جماعة من الشيوخ الحفّاظ مثل: الحافظين أبي يعقوب يوسف بن أحمد البغدادي، والقاضي أبي المحاسن عمر بن علي القرشي، وأبي المواهب الحسن بن هبة الله بن صصرى التغلبي الدمشقيين، وخرجا عنه في معجم شيوخهما وأبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الصمد الطرسوسي الحلبي، وغيرهم.
روى لنا عنه الشيخ الامام أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الحلبي وأبو العز يوسف بن عبيد بن سوّار السلمي البلوي.
وأخبرني أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن شحانة أن مولد أحمد بن أبي الوفاء بن عبد الرحمن المعروف بابن الصائغ في سنة تسعين وأربعمائة ببغداد.
(١٦٣ - و).
أخبرنا الشيخ الصالح العابد أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان
стр. 1240
الأسدي بحلب-قراءة عليه-قال: أخبرنا أبو الفتح أحمد بن أبي الوفاء بن عبد الرحمن البغدادي، إمام الحنابلة-بحلب-قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد ابن بيان الرزّاز قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد قال: أخبرنا أبو علي اسماعيل بن محمد بن اسماعيل الصفار قال: حدثنا الحسن بن عرفة أبو علي العبدي قال: حدثنا أبو معاوية محمد بن حازم الضرير عن عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة قالت:
لما ثقل رسول الله ﷺ ، قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: «ائتني بكتف حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه بعدي»، قالت: فلما قام عبد الرحمن قال رسول الله ﷺ : «أبى الله والمؤمنون أن يختلف على أبي بكر الصديق» (١).
أخبرنا أبو العز يوسف بن سوار بن عبيد السلمي بحلب قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الفتح أحمد بن أبي الوفاء بن عبد الرحمن بن الصائغ بحرّان قال:
أخبرنا أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني قال: أخبرنا الشيخ أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن حيويه الخزاز قال: قرئ على أبي بكر محمد بن خلف بن المرزبان بن بسام قال:
حدثنا أبو العباس المروزي قال: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم قال: حدثنا ابن الصلت عن الحكم بن هشام عن عبد الملك (١٦٣ - ظ) ابن عمير عن طلحة بن عبيد الله أنه قال: مجلس الرجل ببابه مروءة.
أهدى إليّ الخطيب سيف الدين أبو محمد عبد الغني بن محمد الحراني، المعروف بابن تيمية، جزءا بخطه فيه تاريخ لأبي المحاسن بن سلامة بن خليفة الحراني جعله تكملة لتاريخ حرّان الذي ألفه حماد الحراني، وذكر لي أنه نقله من خط أبي المحاسن المذكور، فقرأت فيه: حدثني الشيخ أبو الحسن علي بن عمر السعردي ﵀ قال: انقطع الشيخ أبو الفتح البغدادي عن المدرسة بحران شهرا بسبب مرض أصحابه، فحمل اليه قيم المدرسة واجب الشهر، فقال له الشيخ: يا بني
стр. 1241
ما ألقيت في هذا الشهر درسا، ولا لي فيه واجب، ردها لى الخزانة، فردها ولم يأخذها.
قال أبو المحاسن: وكان-يعني الفقيه أبا الفتح-يدخل على أبي يزوره، وكان أبي يزوره، وكان أبي فقيرا، وكان الفقيه يريد بذلك وجه الله، وابتغاء مرضاته، تبركا بالفقراء وتواضعا لهم، وحسن ظن فيهم مع جلالة قدره وعلمه، وكان كلما دخل على أبي ينشده:
يا بومة القبة الخضراء قد أنست … روحي بروحك إذ يستبشع البوم
زهدت في زخرف الدنيا فأسكنك … الزهد الخراب فمن يذممك مذموم
قال أبو المحاسن: وحدثني عنه رجل من فقهاء بغداد قال: سافر الشيخ أبو الفتح في طلب العلم الى خراسان سفرة طويلة، ثم رجع الى بغداد وليس (١٦٤ - و) معه غير كتبه وثيابه، فوضعها في بيت من الخان، ثم دخل الى شارعهم فدخل الدرب الذي كان أهله فيه، فجلس في مسجد وسأل عن أهله، فأخبروه أنه لم يبق منهم في ذلك الدرب أحد، فجال مع الفقيه الذي هو قاضي الشارع فتكلما في مسألة، واختلفا فيها، فلما رأى خصمه على نفسه الغلبة، وقهره الشيخ أبو الفتح بالحجّة قال: والله لو أنك أبو الفتح ابن الصائغ ما سلمت اليك، فقال: يا أخي أنا أبو الفتح ابن الصائغ فقام اليه واحترمه.
توفي أبو الفتح ابن أبي الوفاء إمام الحنابلة بحرّان في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، نقلت ذلك من خط الخطيب عبد الغني بن تيميه، وذكر لي أنه نقله من خط أبي المحاسن بن سلامة بن غرير (١) الحراني.
أحمد بن أبي يحيى، أبو بكر الفقيه:
حدث بأنطاكية عن أبي الأخيل خالد بن عمر السّلفي روى عنه اسماعيل بن يحيى الحراني.
أنبأنا أبو محمد عبد البر بن أبي العلاء الهمذاني قال: أخبرنا أبو المحاسن نصر بن المظفر البرمكي قال: أخبرنا أبو القاسم الإسماعيلي قال: أخبرنا أبو القاسم
стр. 1242
السهمي قال: أخبرنا أبو عبد الله بن عدي قال: حدثنا اسماعيل بن يحيى الحراني بمصر قال: حدثنا أحمد بن أبي يحيى أبو بكر الفقيه بأنطاكية قال: حدثنا أبو الأخيل خالد بن عمر الحمصي قال: حدثنا سفيان (١٦٤ - ظ) بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: رسول الله ﷺ : «مداراتك الناس صدقة» (١).
ذكر من لم ينته الينا اسم أبيه من الاحمدين
أحمد العجيفي:
قائد مشهور مذكور، وأظنه منسوبا إلى عجيف بن عنبسة القائد، وسنذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى.
وهذا أحمد له غزوات مذكورة، وآثار في قتال الروم مأثورة، دخل سنة ثمان وسبعين ومائتين طرسوس، فغزا مع يازمار الصائفة، فبلغ سمندو، ومات يازمار في هذه الغزاة، وتولى أحمد العجيفي طرسوس، وغزا غزوات كان له بها الأثر الجميل، والذكر الحسن.
أحمد المولّد:
قائد معروف، له ذكر، من قواد بني العباس، ورد حلب في فتنة المستعين من قبل المعتز بالله بن المتوكل، فعصا أهلها عليه، فحصرها.
وقرأت بخط القاضي أبي طاهر صالح بن جعفر الهاشمي الحلبي، في نسب بني صالح بن علي: وقدم في فتنة المستعين أحمد المولد محاصرا لأهل حلب، فلم يجيبوه الى ما أراد، وكان السفير بينه وبينهم الحسين بن محمد بن صالح بن عبد الله بن صالح، أبا عبد الله، فلما بايعوا بعد ذلك للمعتز، وانقضى أمر المستعين، ولاّه أحمد المولد جند قنسرين.
وذكر أبو بكر الصولي في كتاب الأوراق، سنة تسع وخمسين (١٦٥ - و) ومائتين فيها عقد لأحمد المولّد على ديار ربيعة من قبل موسى بن بغا في المحرم نقلت من كتاب «الأحداث» تأليف أبي جعفر محمد بن الأزهر لأبي نصر
стр. 1243
الطائي، في سنة خمسين، قال: وكان أحمد المولّد وجه من سرّ من رأى في جماعة من الأتراك لمعاونة أيوب بن أحمد عند محاربته محمد بن خالد بالسكير، وأتبع بسيما أخي مفلح، وكان مقداما سفاكا للدماء، فملئا أيديهما من أموال محمد بن خالد وغيره من أموال بني المعمر، ثم كتب إليهما فلحقا صفوان، فأقام سيما معه، ومضى أحمد المولد إلى قنسرين وحمص.
وقتل أحمد المولد في طريقه خلقا كثيرا، ثم وافى حمص، وبايع مؤمل وغطيف المعتز، فأقام أياما بحمص، ثم اغتال غطيفا فضرب عنقه صبرا، ووجه برأسه الى سر من رأى، وورد الخبر على المعتز بفتوح أحمد المولد، وتوجه في طريقه الى الشام ومعه صفوان بن اسحاق إلى باجدّا (١) فأقام عليهم وحاصرهم حتى دخلوا في طاعة المعتز وبايعوا، وتوجه إلى حرّان فأقام عليها ثلاثا وناوشوه شيئا من القتال ثم فتحت، فبايعوا المعتز ووجه صفوان بن اسحاق بن العوفية الى بالس ففتحها، وبايع أهلها للمعتز، وتتبع كور قنسرين كورة كورة يفتحها ويبايع أهلها للمعتز خلا حلب ومنبج وأنطاكية فانهم أقاموا على طاعة المستعين مع محمد بن هارون بن العوفية، فقتل منهم ابن العوفيه مقتلة عظيمة ثم دخل أحمد المولد البلد فبايعه أهلها (٢). (١٦٥ - ظ).
أحمد الشيخ أبو العباس خطيب تل أعرن:
ويقال فيها تل عرن.
وجدت ذكره في كتاب «الاستسعاد بمن لقت من صالحي العباد في البلاد» جمع شيخنا ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الحنبلي، ونقلته من خطه، فقال في ذكره: فممن لقيته بحلب الشيخ أبو العباس أحمد ابن (٣) .. خطيب تل أعرن، وتل أعران قرية من قرى حلب قريبة من حلب، فيها
стр. 1244
أشجار وفواكه، وكان هذا الشيخ أحمد رجلا صالحا، حافظا لكتاب الله ينظر في كتب الحديث، وتفسير القرآن.
وكان من أصحاب الشيخ أبي المعالي بن الحداد، ويصلي به إماما، وبقي الى أن قدمت الى حلب سنة ثلاث وستمائة، وكنت رأيته قبل ذلك بدمشق يلازم المدرسة الشّرقيةّ (١) الحنبلية وأصله من العراق.
آخر ذكر من اسمه أحمد
أحمد شاه التركي:
مقدم الأتراك بحلب، وقيل انه شيباني، كان يسكن مع الأتراك بالحاضر السليماني، وكان مطاعا مذكورا شجاعا، له مواقف حسنة مع الفرنج (٢).
وهو الذي استعاد منبج من أيدي الروم في سنة ثمان وستين، بعد أن كان ميخائيل ابن أخت أرمانوس الرومي (٣)، استولى عليها في ثامن محرم سنة ستين وأربعمائة، ففتحها أحمد شاه، وصاحب حلب اذ ذاك نصر بن محمود، في يوم الاحد لعشر خلون من صفر سنة ثمان وستين وأربعمائة.
ولما أفضى الامر بحلب الى نصر بن محمود بن نصر بن صالح قبض على أحمد شاه واعتقله بقلعة حلب في عيد الفطر من سنة ثمان وستين وأربعمائة، وشرب نصر الى العصر، وحمله السكر على الخروج الى الأتراك الى الحاضر بظاهر حلب، فحمل عليهم، فرماه تركي بسهم فقتله، وزحف الاتراك الى البلد يطلبون أحمد
стр. 1245
شاه، وكان والي القلعة (١٦٦ - و) ورد، وعنده الامير أبو الحسن بن منقذ وجماعة من الخواص، فلما أحسوا بذلك استدعوا بسابق بن محمود من البلد الى القلعة، ونادوا بشعاره، وأشاروا عليه باطلاق أحمد شاه، فأطلقه في الحال وخلع عليه، ونزل أحمد شاه الى العسكر بالحاضر، فسكن النائرة وأخمد الفتنة، فكان سابق بن محمود بعد ذلك يعين الاتراك ويقربهم ويحسن اليهم، ويقدمهم على أهله بني كلاب وينصرهم عليهم.
قرأت بخط أبي غالب عبد الواحد بن مسعود بن الحصين: استولى على البلد- يعني حلب-أحمد شاه التركي، وفي كفالته سابق بن محمود بن نصر.
وقرأت بخط منصور بن تميم بن الزنكل السرميني أنه لما ملك سابق اجتمعت بنو كلاب الى أخيه وثاب، وعولوا على معونته عليه وأخذ حلب له من أخيه سابق، فلما تحقق سابق ذلك استدعى أحمد شاه أمير الأتراك-وكانوا ألف فارس- وشاوره، فأنفذ أحمد شاه الى رجل من الأتراك يعرف بمحمد بن دملاج، وكان نازلا في طريق بلد الروم في خمسمائة فارس، وضمن له مالا كثيرا، فوصله محمد ابن دملاج في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة من سنة ثمان وستين، وتحالفوا وخرجوا الى بني كلاب المجتمعين مع وثاب في غداة يوم الخميس مستهل ذي الحجة من سنة ثمان وستين وأربعمائة، وكان بنو كلاب في جمع عظيم ما اجتمعوا قط في مثله، يقال إنهم كانوا يقاربون سبعين ألف فارس (١٦٦ - ظ) وراجل، فعند معاينتهم الأتراك انهزموا من غير قتال، وخلفوا حللهم وكلما كانوا يملكونه، وأهاليهم وأولادهم.
فغنم أحمد شاه وأصحابه ومحمد بن دملاج وأصحابه كلما كان لبني كلاب، فيقال إنهم أخذوا لهم مائة ألف جمل، وأربعمائة ألف شاة، وسبوا من حرمهم الحرائر جماعة كثيرة، ومن امائهم أكثر، وكلما كان في بيوتهم، وعفوا عن قتل عبيدهم المقاتلة، وكانوا يزيدون عن عشرة آلاف عبد مقاتل، ولم يقتلوا أحدا منهم وكان الذي غنمه الغزّ من العرب في ذلك اليوم ما لا يحصى كثرة.
وبعد انهزام العرب بثلاثة عشر يوما دعا محمد بن دملاج التركي أحمد شاه،
стр. 1246
فخرج اليه وكان نازلا شمالي حلب، فلما أكلوا وشربوا قبض محمد بن دملاج على أحمد شاه وأسره، وكان في نفر قليل، فأقام في أسره تسعة أيام، ثم ان سابق ابن محمود اشترى أحمد شاه من محمد بن دملاج بعشرة آلاف دينار، وعشرين فرسا، يوم السبت.
ووجدت بعض التواريخ يقول جامعه فيه، سنة سبعين وأربعمائة، فيها: حصر تاج الدولة تتش حلب، ورحل عنها، وعاد إليها، وخرج منها أحمد شاه وكبس العسكر، وعاد.
ثم قال: سنة احدى وسبعين وأربعمائة، قتل أحمد شاه.
وذكر أبو يعلى حمزة بن أسد بن القلانسي قال في حوادث سنة احدى وسبعين وأربعمائة: وفي هذه السنة قتل أحمد شاه مقدم الأتراك في الشام (١). (١٦٧ - و).
أحمد بن إبراهيم، صاحب مراغة (٢):
قيل كان اقطاعه في كل سنة أربعمائة ألف دينار، وجنده خمسة آلاف فارس.
سيره السلطان محمد بن ملكشاه الى الشام مع سكمان القطبي، ومودود بن التورتكين صاحب الموصل، ومودود مقدم العساكر، في سنة خمس وخمسمائة، في عسكر عظيم لقتال الفرنج، واجتازوا على بالس، ومضوا بالعساكر، وافتتحوا حصونا كثيرة، وقصدوا حلب فغلقت أبواب المدينة في وجوههم.
ومرض سكمان بن التورتكين، وعاد فمات ببالس، ثم تفرقوا بعد ذلك، وعاد أحمديل الى بغداد.
стр. 1247
وفي المحرم من سنة عشر وخمسمائة كان أحمديل في مجلس السلطان محمد، فجاءه رجل ومعه قصة يشكو فيها الظلم وهو ينتحب، وسأله أن يوصل قصته الى السلطان، فتناولها منه فضربه بسكين كانت معدّة، فوثب عليه الأمير مودود فتركه تحته، فجاء آخر فضرب مودودا، وجاء ثالث فتممه.
وهذا ممدود (١) ليس بابن التورتكين، لأن ذلك قتل بدمشق في سنة ست وخمسمائة، على ما نذكره في ترجمته ان شاء الله تعالى.
стр. 1248
الأحنف بن قيس السعدي التميمي:
أبو بحر البصري، اشتهر بذلك لأنه كان أحنف الرجل (١)، واختلف في اسمه فقيل صخر، وقيل الضحاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال ابن مرّة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم أبو بحر بن أبي مالك (١٦٧ - ظ) وأمه من باهله واسمها حبّى بنت قرط بن ثعلبة ابن قرواش من بني زافر بن أود بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان
وقال ابن قتيبة: هي حبّى بنت عمرو بن ثعلبة من أود من باهلة.
أدرك النبي ﷺ ، وأسلم على عهده ولم يره، ودعا له النبي ﷺ ، وروى عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن مسعود، وأبي ذر الغفاري، وعائشة أم المؤمنين ﵃، وشهد صفين مع علي ﵇.
روى عنه حميد بن هلال، والحسن البصري، وعبد الله بن عميرة، وكهمس ابن الحسن، وسعد بن وابصة، وأبو تميمة السلمي، ومالك بن دينار، ومحمد بن سيرين، وطلق بن حبيب.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر المؤدب البغدادي قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين قال: أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثنا أبو الوليد محمد بن برد الأنطاكي قال: حدثنا موسى بن داود قال: حدثني قيس بن الربيع، ح.
стр. 1249
قال: وحدثنا الشافعي قال: وحدثني محمد بن بشر بن مطر قال: حدثنا محمد ابن العلاء وكريب قال: حدثنا الحسن بن عطية قال: حدثنا قيس بن الربيع عن يونس بن عبيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب قال:
خرجت مع رسول الله ﷺ من المدينة، فالتفت اليها فقال: «إن الله قد برأ هذه الجزيرة من الشرك، ولكن أخاف أن (١٦٨ - و) تضلّهم النجوم» قال: «ينزل الله الغيث فيقولون مطرنا بنوء كذا وكذا» (١).
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن موهوب بن جامع البغدادي المعروف بابن البناء بدمشق، وأبو سعد ثابت بن مشرّف بن أبي سعد البناء البغدادي بحلب قالا: حدثنا أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد السلامي من لفظه قال: أخبرنا الشيوخ الثقات: أبو الفضل بن خيرون، وأبو الحسين بن الطيوري، وأبو الغنائم بن النّرسي الكوفي-قراءة عليهم مفردين-قالوا: أخبرنا أبو أحمد الغندجاني.
وزاد ابن خيرون قال: وأخبرنا أبو الحسين بن أبي علي الأصبهاني قال: أخبرنا أحمد بن عبدان الحافظ قال: حدثنا محمد بن سهل البصري المقرئ قال: حدثنا أبو عبد الله البخاري قال: قال لنا حجاج: حدثنا حماد عن علي بن زيد عن الحسن البصري أنه قال له الأحنف: بينا أنا أطوف بالبيت زمن عثمان ﵁ أخذ بيدي رجل من بني ليث فقال: ألا أبشرك؟ قلت: نعم، قال: أما تذكر اذ بعثني النبي ﷺ الى قومك بني سعد فجعلت أعرض عليهم الاسلام وقلت:
انه يدعو الى خير، ويأمر بالخير، فبلغت النبي ﷺ فقال: «اللهم أغفر للأحنف؟ فقال: قال الأحنف: ما عمل أرجى إليّ منه».
أخبرنا محمد بن ابراهيم بن مسلم الإربلي قال: أخبرنا أبو العز محمد بن محمد الخراساني قال: أخبرنا أبو العز بن المختار قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي (١٦٨ - ظ) قال: حدثنا عبد الله بن
стр. 1250
أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثني عبد الله بن عمر قال: حدثنا أبو نعيم قال:
حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: بلغني أن النبي ﷺ ذكر الأحنف فذكره بخير.
وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الواحد أبو عبيدة الحداد قال: حدثنا عبد الملك بن معن عن جبر بن حبيب أن الأحنف بلغه رجلان أن النبي ﷺ دعا له فسجد. (١).
أخبرنا أبو البركات داود بن ملاعب البغدادي قال: أخبرنا القاضي أبو الفضل الأرموي قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري قال: أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: قدمت على عمر بن الخطاب رضوان الله فاحتبسني عنده حولا، فقال: يا أحنف اني قد بلوتك وخبرتك فرأيت علانيتك حسنة وأنا أرجو أن تكون سريرتك على مثل علانيتك، وانما كنا نتحدث انما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم الإربلي قال: أخبرنا أبو العز محمد بن محمد بن الخراساني قال: أخبرنا أبو العز محمد بن المختار قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب قال: أخبرنا أبو بكر القطيعي قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثني أبو (١٦٩ - و) عامر العدوي قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ فاحتبسني عنده حولا، ثم قال: يا أحنف اني قد بلوتك وخبرتك فوجدتك علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، وإنا كنا نتحدث أن مما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم، ثم كتب الى أبي موسى الأشعري (٢) أن أدن الأحنف منك واسمع منه وشاوره.
стр. 1251
وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا عبد الله بن بكر المزني عن مروان الاصغر قال: كان الأحنف بن قيس يقول: اللهم ان تعذبني فأنا أهل ذاك، وان تغفر لي فأنت أهل ذاك.
وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي قال: حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري الخراساني من كتابه-قال أبي:
وكان ثقة وزيادة، وأثنى عليه أبي خيرا-قال: حدثنا حماد بن زيد عن زريق بن رديح عن سلمة بن منصور قال: اشترى أبي غلاما كان للأحنف فأعتقه، فأدركته شيخا كبيرا يحدثنا أن عامة صلاة الأحنف بالليل كان الدعاء، وكان المصباح قريبا منه فيضع اصبعه عليه فيقول حس يا أحنف ما حملك على ما صنعت يوم كذا وكذا، يعني كذا وكذا.
أخبرنا أبو القاسم عبد الغني بن سليمان بن بنين قال: أخبرنا أبو عبد الله (١٦٩ - ظ) محمد بن حمد الأرتاحي قال: أخبرنا أبو الحسن الفراء في كتابه عن أبي اسحاق الحبال، وخديجة المرابطة-قال الحبال: أخبرنا أبو القاسم عبد الجبار ابن أحمد قال: أخبرنا أبو بكر الحسن بن الحسين بن بندار، وقالت خديجة:
أخبرنا أبو القاسم يحيى بن أحمد بن علي قال: حدثني جدي علي بن الحسين بن بندار-قالا: حدثنا محمود بن بن محمد الأديب قال: حدثنا عبد الله بن الهيثم قال: حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا صالح المري عن علي بن زفر السعدي قال:
مرت بالأحنف جنازة فقال: رحم الله عبدا أجهد نفسه لمثل هذا.
وكان يطيل الصوم في الحر الشديد ويقول: أعدّه لطول عطش القيامة، وكان يصلي من الليل ثم يقدم اصبعه من السراج، فاذا وجد حره قال أوه يا أحنف أوّه ما تذكر يوم كذا وكذا، ما تذكر ليلة كذا.
أخبرنا أبو عبد الله بن ابراهيم بن مسلم الإربلي قال: أخبرنا أبو العز محمد بن محمد الخراساني قال: أخبرنا أبو العز محمد بن المختار قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك القطيعي قال: حدثنا عبد الله
стр. 1252
ابن أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثني محمد بن عبد الملك قال: حدثنا عارم أبو النعمان قال: حدثنا سعيد بن زيد قال: سمعت أبي يقول: قيل للأحنف بن قيس: انك شيخ كبير وان الصيام يضعفك، قال: أعدّه لشر طويل.
وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبي (١٧٠ - و) قال:
حدثنا إسماعيل قال: أخبرنا يونس قال: أخبرني مولى للأحنف بن قيس قال: كان الأحنف قلّ ما خلا إلاّ دعا بالمصحف.
وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني عبد الله بن عمر مسكدانه قال:
حدثني حسين الجعفي عن زائدة عن هشام عن الحسن قال: كن النمل قد آذين الأحنف، فأمر بكرسي فوضع على حجرهن ثم حمد الله وأثنى عليه فقال:
إنكن قد آذيتمونا فاكففن والاّ آذيناكن، قال: فكففن وذهبن.
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا الخطيب أبو بكر محمد بن نصر بن منصور بن علي العامري بسمرقند قال: حدثنا أبو المعالي محمد بن محمد بن زيد الحسيني البغدادي-املاء بسمرقند-قال:
أخبرنا عبد الغفار بن محمد المؤدب في كتابه قال: أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ قال:
حدثنا محمد بن مخلد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبو عبد الله الكواز قال: حدثتني مولاة الأحنف بن قيس أنها رأت الأحنف ورآها تقتل نملة فقال: لا تقتليها، ثم دعا بكساء فجلس عليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اني أحرج عليكن لما خرجتن من داري فاني أكره أن تقتلن في داري، قالت: فخرجن فلم يبق شيء منهن بعد ذلك اليوم ولا واحدة.
قال عبد الله: ورأيت أبي يفعل مثل ذلك، فرأيت النمل قد خرجن بعد (١٧٠ - ظ) ذلك نمل كبار سود، ولم أرهم بعد ذلك.
أخبرنا أبو عبد الله بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو العز بن الخراساني قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا القطيعي قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن عبد الملك بن زنجويه قال: حدثنا عبد الملك بن المتعال بن طالب قال: حدثنا عبد الله بن وهب
стр. 1253
عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن سعد بن مسعود قال: قيل للأحنف ابن قيس، وكان سيد قومه، ألا يضرب عليك سرادق؟ قال: ما سمعت بالسرادق إلاّ في النار، والله لا يضرب على سرادق أبدا، قال: فما كان بيته الاّ خص من قصب، حتى لقي الله .
وقال: حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبو عمرو الأزدي نصر بن علي قال: حدثنا نوح بن قيس قال: حدثنا عون العقيلي أن رجلا قال للأحنف: ما يمنعك أن تتخذ سرادقا؟ قال: لأني سمعت ربي يقول: ﴿ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ (١).
وقال: حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبي قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن ﵀ قال: قدم الأحنف بن قيس من سفر وقد غيروا سقف بيته أو قد حمروا السفاسق (٢) وخضروها، فقالوا له: ما ترى الى سقف بيتك؟ قال: معذرة اليكم اني لم أره، لا أدخله حنى تغيروه.
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد ابن الفضل بن (١٧١ - و) محمد العراقي، وأبو شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي، والشيخ أبو طاهر محمد بن أبي بكر السنجي قالوا: أخبرنا أبو الفضل العباس بن أحمد بن محمد الشقاني-قال أبو بكر: قراءة عليه، وقالا: إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه قال: أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي قال: حدثنا أبو رجاء محمد بن أحمد القاضي قال: حدثنا الرياشي العباس بن الفضل قال: حدثنا الأصمعي عن نافع بن أبي نعيم قال: قيل للأحنف بن قيس: من أين أتيت ما أتيت في الحلم والوقار؟ فقال: لكلمات سمعتهن من عمر بن الخطاب، سمعت عمرا يقول: يا أحنف من فرح استخف به، ومن ضحك قلت هيبته، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه.
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين الأنصاري قال: أخبرنا أبو الحسين
стр. 1254
ابن الطيوري قال: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي قال: حدثنا سهل قال: حدثنا الصولي قال: حدثنا أبو عمر سعيد بن عمرو بن محمد بن عبد الله اليمني قال: قال رجل لأبي بحر الأحنف بن قيس: يا أبا بحر إني أتيتك في حاجة لا تنكئك ولا ترزؤك، قال: إذا لا تقضى، أمثلي يؤتي في حاجة لا تنكأه ولا ترزؤه؟! (١٧١ - ظ).
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن مسلم قال: أخبرنا محمد بن محمد قال: أخبرنا أبو العز بن المختار قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب قال: أخبرنا القطيعي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا عفان قال: حدثنا عرعرة بن البرند قال: حدثنا ابن عون عن الحسن قال: قال لأحنف بن قيس: إني لست بحليم ولكني أتحالم.
قال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبو موسى العنزي قال: حدثنا عرعرة بن البرند الشامي فذكره.
وقال: حدثنا عبد الله قال: قرأت على أبي إبراهيم بن اسحاق الطالقاني قال:
حدثنا الحارث بن عمير عن رجل من أهل البصرة قال: قيل للأحنف: مالك لا تمس الحصا؟ فقال: ما في مسه أجر ولا في تركه وزر مع أني في خلتين: لا أغتاب جليسي إذا قام من عندي، ولا أدخل في أمر قوم لم يدخلوني معهم.
أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي-بقراءتي عليه بنابلس- قال: أخبرتنا تجني بنت عبد الله الوهبانية، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين ابن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن الحسن بن المنذر قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن صفوان قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثني أبي قال: أخبرنا الأصمعي عن معتمر بن سليمان عن حزم القطعي عن سليمان التيمي قال: قال الأحنف بن قيس ما ذكرت أحدا بسوء بعد أن يقوم من عندي.
وقال: حدثنا عبد الله بن أبي الدنيا قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال: حدثنا الأصمعي عن أبيه قال: (١٧٢ - و) كان الأحنف بن قيس إذا ذكر عنده رجل قال: دعوه يأكل رزقه، ويأتي عليه أجله.
стр. 1255
وقال عن غير أبيه: إنّ الأحنف قال: دعوه يأكل رزقه ويكفى قرنه.
وقال: حدثنا عبد الله بن أبي الدنيا قال: حدثنا أحمد بن جميل المروزي قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا سفيان عن أبي حيان عن أبي الزنباع عن أبي الدهقان قال: صحب الأحنف بن قيس رجل فقال: ألا تميل فنحملك وتفعل، قال: لعلك من العراضين؟ قال: وما العراضون؟ قال الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا (١)، قال: يا أبا بحر ما عرضت عليك حبي، قال يا بن أخي إذا عرض لك الحق فاقصد له، واله عما سوى ذلك.
أخبرنا قنور بن ابراهيم قال: أخبرنا محمد بن الخراساني قال: أخبرنا ابن المختار قال: أخبرنا أبو علي: أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال:
حدثني أبي قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي حيان عن أبي الزنباع قال: كان شاب يمشي مع الأحنف بن قيس فمر بمنزله فعرض عليه الشاب فقال: يا بن أخي لعلك من العارضين، قال: يا أبا بحر وما العارضون؟ قال: الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، يا بن أخي إذا عرض لك الحق فاقصد واله عما سوى ذلك.
أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي قال: أخبرتنا تجني الوهبانية قالت: أخبرنا أبو عبد الله النعالي قال: أخبرنا أبو القاسم بن المنذر قال:
أخبرنا (١٧٢ - ظ) أبو علي الحسين بن صفوان قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثني محمد بن الحسين عن عبيد الله بن محمد التيمي قال: قيل للأحنف بن قيس يوم قطري (٢): تكلم قال: أخاف ورطة لساني.
وقال: حدثنا عبد الله بن أبي الدنيا قال: حدثني داود بن عمرو الضبي قال:
حدثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا ابن عون عن الحسن قال: كانوا يتكلمون عند معاوية والأحنف ساكت، فقالوا: مالك لا تكلّم يا أبا بحر؟ قال: أخشى الله إن كذبت، وأخشاكم إن صدقت.
стр. 1256
أخبرنا أبو عبد الله بن إبراهيم قال: أخبرنا ابن الخراساني قال: أخبرنا ابن المختار قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا القطيعي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني عبيد الله بن عمر قال: حدثنا سليم بن أخضر قال: حدثنا ابن عون قال: أنبأني الحسن قال: تكلموا عند معاوية والأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تكلّم؟ قال: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت.
وقال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي قال: وحدثني موسى قال: حدثني ابن أبي عدي عن ابن عون عن الحسن قال: تكلموا عند معاوية والأحنف ساكت، فقال: مالك يا أبا بحر لا تكلّم؟ قال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت.
أخبرنا أبو محمد المقدسي قال أخبرنا تجني الوهبانية قالت: أخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرنا أبو القاسم قال: أخبرنا أبو علي قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثنا داود بن عمرو الضّبيّ قال: حدثنا يحيى بن عبد الملك (١٧٣ - و) بن أبي عتبة قال: حدثنا سلامة بن منيح قال: قال الأحنف بن قيس:
ما كذبت منذ أسلمت إلاّ مرة واحدة، فإن عمر ﵁ سألني عن ثوب:
بكم أخذته؟ فأسقطت ثلثي الثمن.
أخبرنا أبو الحسن بن أبي عبد الله بن أبي الحسن بن المقيّر البغدادي بالقاهرة المعزية قال: أنبأنا أبو الفضل محمد بن ناصر قال: أخبرنا إبراهيم بن سعيد إذنا قال: أخبرنا أبو الحسن بن محمد بن القاسم قال: أخبرنا صالح بن محمد بن علي الحصيني قال: حدثنا ابن قتيبة قال: حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا عطاف عن عبد العزيز بن قرير أن الأحنف قيل له: يا أبا بحر ما رأينا أشد أناة منك! فقال:
قد عرفت في عجلة في أمور ثلاثة، فقالوا: وما هي؟ قال: الصلاة إذا حضرت حتى أوديها، وأيّمي (١) إذا خطبها كفؤها حتى أزوجها، وجنازتي إذا توفّيت حتى أواريها.
أخبرنا أبو عبد الله الإربلي قال: أخبرنا أبو العز بن الخراساني قال: أخبرنا
стр. 1257
ابن المختار قال: أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا القطيعي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني فضيل بن سهل قال: حدثني عفان قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن كهمس عن الأحنف قال: في كل شيء أناة إلاّ في ثلاث: الصلاة إذا حضرت، وأيّم إذا وجدت لها كفؤا والجنازة إذا حضرت.
وقال: حدثنا عبد الله قال: حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا عطاف بن خالد قال: حدثني عبد العزيز بن قرير قال: قيل للأحنف بن قيس: يا أبا بحر ما رأينا رجلا أشد أناة منك! قال: قد عرفت مني عجلة في أمور ثلاث، قالوا: ما هي؟ (١٧٣ - ظ) قال: الصلاة إذا حضرت حتى أوديها، وأيّمي إذا خطبها كفؤها حتى أزوجها، وجنازتي إذا توفيت حتى ألحقها بحفرتها.
وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن مغيرة قال: شكا ابن أخي الأحنف بن قيس إلى الأحنف بن قيس وجع ضرسه، فقال له الأحنف بن قيس: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة فما ذكرتها لأحد.
أخبرنا عتيق بن أبي الفضل قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن، ح.
وحدثنا أبو الحسن بن أبي جعفر القرطبي قال: أنبأنا أبو المعالي بن صابر قالا: أخبرنا أبو القاسم النسيب قال: أخبرنا رشاء بن نظيف، ح.
وأخبرنا عبد الغني بن سليمان بن بنين قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد الأرتاحي قال: أخبرنا أبو الحسن الفراء إجازة قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل قالا: أخبرنا أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضراب قال: حدثنا أبو بكر المالكي قال: حدثنا أحمد بن داود قال: حدثنا المازني عن الأصمعي قال: قال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: أخبرني عن الأحنف بن قيس، قال: إن شئت يا أمير المؤمنين أخبرتك عنه في ثلاث، وإن شئت باثنتين، وإن شئت بواحدة، قال: فأخبرني عنه بثلاث، قال: كان لا يحرص ولا يجهل ولا يدفع الحق إذا نزل به، وخضع لذلك؛ قال: فأخبرني-عنه باثنتين، قال: كان
стр. 1258
يؤتي الخير ويتوقى الشر قال: فأخبرني عنه بواحدة، قال: كان أعظم الناس سلطانا على نفسه (١).
أخبرنا عبد المطلب بن الفضل الهاشمي قال: أخبرنا أبو شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي قال: أخبرنا أبو القاسم الشروطي أن شيخ السنة أبا بكر أخبرهم قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن اسحاق قال: حدثني خالي-يعني أبو عوانة-قال: حدثنا ابن الفرج قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن مغيرة قال: شكا ابن أخ الأحنف بن قيس وجعا بفرسه، فقال الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة فما ذكرتها لأحد.
قال أبو شجاع البسطامي: كذا في أصلي وأظنه بضرسه.
أخبرنا محمد بن إبراهيم قال: أخبرتنا شهدة بنت أحمد بن الآبري قالت:
أخبرنا أبو عبد الله بن طلحة النعالي قال: أخبرنا أبو سهل بن عمر قال: أخبرنا علي ابن الفرج العكبري قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد عن عامر بن عبيدة عن رجل قال: كنت أسير في جوف الليل فإذا خلفي رجل أظنه الأحنف، فسمعته يقول: اللهم هب لي يقينا تهوّن به علي مصيبات (١٧٤ - و) الدنيا.
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي بكر السمعاني إجازة إن لم يكن سماعا قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ إملاء بأصبهان قال أخبرنا القاضي أبو الفرج محمد بن عبيد الله البصري في كتابه قال: حدثنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال:
أخبرنا المرزباني قال: حدثنا ابن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال:
حدثنا العلاء بن حريز عن أبيه قال: قال الأحنف بن قيس: ثلاثة مجالس لاعيب على الرجل أن يجلسها: انتظار العلم، وانتظار إذن السلطان، وانتظار الجنازة؛ وثلاثة لا عيب فيهن: أن يخدم الرجل أباه، وضيفه وفرسه.
стр. 1259
أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بنابلس قال: أخبرتنا تجني بنت عبد الله الوهبانية قالت: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد النعالي قال: أخبرنا أبو القاسم بن المنذر قال: أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثنا عبيد الله بن عمر الجشمي قال: حدثنا بشر بن المفضل عن عبيد الله بن العيزار عن صاحب له عن أبي تميمة السلمي قال: سمعت الأحنف بن قيس يقول: قال الله : ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ (١) فصاحب اليمين يكتب الخير، وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال: أمسك، فإن استغفر الله نهاه أن يكتبها، وإن أبى إلاّ أن يصر كتبها.
أخبرنا شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين الإربلي قال:
أخبرنا أبو طاهر (١٧٤ - ظ) بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي قال: أخبرنا أبو محمد هبة الله بن أحمد بن الأكفاني قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن مكي ابن عثمان قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال شبيب بن شيبة: قال الأحنف ابن قيس: رأس الأدب آلة النطق، ولا خير في قول إلاّ بفعل، ولا في منظر إلاّ بمخبر، ولا في مال إلاّ بجود، ولا في صديق إلاّ بوفاء، ولا في فقه الا بورع، ولا في صدقة الا بنية، ولا في حياة الا بأمن وصحة.
أخبرنا الشيخ العلامة أبو اليمن زيد الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي بن أحمد المقرئ قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد ابن الحسين بن عبد العزيز قال: أخبرنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن خلف بن خاقان البيّع، ح.
قال أبو منصور: وحدثنا القاضي أبو محمد عبد الله بن علي بن أيوب الشافعي قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الجراح الخزاز قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي قال: وقال الأحنف: الملول ليس له وفاء، والكذاب ليس له حياء، والحسود ليس له راحة، والبخيل ليست له مروءة، ولا يسود سيء الخلق.
стр. 1260
أخبرنا أبو الحسن بن أبي عبد الله بن المقير البغدادي-قراءة عليه عن أبي الفضل محمد بن ناصر-قال: أنبأنا إبراهيم بن سعيد قال: أخبرنا أبو الحسين بن محمد بن القاسم قال: أخبرنا علي بن الحسن بن بندار قاضي أذنه قال: حدثنا محمود بن محمد قال: حدثني ثمامة (١٧٥ - و) بن عتبة عن عبد الرحمن بن صخر الوابصي قال: حدثني يحيى بن أيوب، وعمرو بن أبي إياس عن عبد الرحمن بن سعد ابن وابصة عن أبيه سعد قال: سمعت الأحنف يقول: ثلاث لا أفعلهن أبدا: لا أزوج رجلا ثم أخاصمه، ولا أقاول من لا كفاء له، ولا أبارز السلطان فإنه من سلطان الله، أخاف أن يغلبني بسطوته.
أخبرنا أبو عبد الله بن إبراهيم قال: أخبرنا محمد بن مواهب قال أخبرنا أبو العز قال: أخبرنا أبو علي قال: أخبرنا أبو بكر قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبي قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد قال: حدثنا شيخ من بني تميم قال:
قال الأحنف بن قيس: إنه ليمنعني كثيرا من الكلام مخافة الجواب.
وقال حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد بن عبد الملك قال حدثني ابن شبّوية قال: حدثني سليمان قال: حدثني ابن مبارك قال: قال قائل للأحنف: بأي شيء سوّدك قومك؟ قال: لو عاب الناس الماء لم أشربه.
وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثني هرون بن معروف قال: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب قال: قال الأحنف بن قيس: عرضت نفسي على القرآن فلم أجد نفسي بشيء أشبه مني بهذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو معاوية الغلابي قال: حدثني رجل من بني تميم قال: قال الأحنف: لا مروءة لكذوب ولا راحة لحسود (١٧٥ - ظ) ولا خلة لبخيل، ولا سؤدد لسيء الخلق، ولا إخاء لملول».
وقال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا هاشم بن القاسم قال:
стр. 1261
حدثنا محمد-يعني ابن طلحة-عن الهجيع بن قيس قال: قال الأحنف بن قيس: ما أحب أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم.
وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد ابن شبّويه قال: حدثني سليمان-وهو سلمويه من أصحاب ابن المبارك-قال:
حدثنا عبد الله بن المبارك عن خزيمة بن خازم قال: أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب أن أم الأحنف كانت امرأة من بني زافر من باهلة وأنها كانت ترتجز وهو في حجرها:
والله لولا حنف في رجله … ما أدرك في ولدانكم من مثله (١)
أنبأنا أبو العلاء أحمد بن شاكر بن عبد الله بن سليمان عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن بن ننجاب قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثنا إبراهيم بن الجراح عن أبي يوسف عن أبي حمزة الثمالي قال: لما بويع معاوية وفد عليه الأحنف ابن قيس وأبو الأسود الدؤلي في أهل البصرة، فقال معاوية للأحنف حين دخل عليه:
أنت القاتل أمير المؤمنين-يريد عثمان-والخاذل أمير المؤمنين ومقاتلنا بصفين، فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين لا تردد الأمور على أدبارها (١٧٦ - و) فإن القلوب التي أبغضناك بها في صدورنا، والسيوف التي قاتلناك بها في عواتقنا، فلا تمد لنا شبرا من الغدر إلا مددنا لك باعا من الختر (٢)، وإن كنت يا أمير المؤمنين لجدير أن تستصفي كدر قلوبنا بفضل حلمك، فقال: إني فاعل إن شاء الله (٣).
أخبرنا عتيق بن أبي المفضل قال: أخبرنا علي بن الحسن، ح.
وحدثنا محمد بن أحمد بن علي قال: أنبأنا أبو المعالي بن صابر قالا: أخبرنا
стр. 1262
أبو القاسم النسيب قال: أخبرنا رشاء بن نظيف قال: حدثنا أبو محمد بن اسماعيل الضراب قال: حدثنا أحمد بن مروان قال: حدثنا أحمد بن داود قال: حدثنا الزيادي عن الأصمعي قال: حدثنا معمر بن حيان عن هشام بن عقبة أخي ذي الرمة الشاعر قال: شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء إلى قوم في دم فتكلم فيه فقال: احكموا، فقالوا: نحكم ديتين، فقال: ذاك لكم، فلما سكتوا قال: أنا أعطيكم ما سألتم غير أني قائل لكم شيئا: إن الله قضى بدية واحدة وإن النبي ﷺ قضى بدية واحدة، وان العرب تعاطي بينها دية واحدة، وأنتم اليوم تطالبون، وأخشى أن تكونوا غدا مطلوبين فلا يرضى الناس منكم إلا بمثل الذي سننتم على أنفسكم، قالوا: فردها إلى دية واحدة، فحمد الله وأثنى عليه وركب.
وقال: حدثنا أحمد بن مروان قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا ابن عائشة قال: سمعت أبي يقول: سئل الأحنف بن قيس: ما المروءة؟ فقال: كتمان السر والتباعد من الشر.
قال ابن مروان: حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني عن حماد بن زيد قال: قال رجل للأحنف بن قيس: بم سدت قومك- وأراد عيبه؟
فقال الأحنف: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك؛ وجاء في غير هذه الرواية أنه قال له: بم سدت قومك وأنت أحنف أعور؟
وقال: حدثنا محمد بن يونس قال: حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قال الأحنف بن قيس: ما دخلت بين اثنين قط حتى يكونا هما يدخلاني في أمرهما، ولا أقمت من مجلس قط، ولا حجبت عن باب قط. يقول: لا أجلس مجلسا أعلم أني أقام عن مثله ولا أقف على باب أخاف أن أحجب عن صاحبه.
قال الأصمعي: وقال: إني مارددت عن حاجة قط، قيل له: ولم؟ قال: لأني لا أطلب المحال.
قال الأصمعي: قيل للأحنف: إنك تطيل الصيام، قال: إني أعده لسفر طويل.
نقلت من خطّ ابن الحداد صاحب ثعلب على ظهر كتاب ببغداد فيه أخبار
стр. 1263
الحارث المخزومي قال أبو هفان: بروى أن الأحنف لم يقل غير هذين البيتين:
فلو أنّ مالي مال كثير … لجدت وكنت له باذلا
فإنّ المروءة لا تستطاع … إذا لم يكن مالها فاضلا
أخبرنا أبو جعفر يحيى بن جعفر بن عبد الله بن الدامغاني الصوفي قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن سوّار قال: أخبرنا أبو الحسين بن رزمة قال: أخبرنا أبو سعيد السيرافي قال: حدثني محمد بن منصور قال: حدثني الزبير -يعني ابن بكار-قال: قال الأحنف بن قيس:
وكائن ترى من صامت لك معجب … زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده … فلم تبق إلاّ صورة اللحم والدّم
قال الزبير: إنما قال الأحنف هذا لأنه كان يجلس إليه رجل فأعجبه ما رأى من صمته الى أن قال له يوما: يا بن أخي والله إن المائة (١٧٦ - ظ) الألف درهم لمحروص عليها، ولكني قد كبرت وما أقوى على القيام على القيام على هذه الشرفة، وقام الفتى، فلما ولى قال الأحنف هذين البيتين.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم قال: أخبرتنا الكاتبه شهدة بنت أحمد بن الفرج قالت: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النعالي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبيد الله بن محمد بن يوسف الحنائي قال: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك قال: حدثنا أبو القاسم اسحاق بن إبراهيم بن سنين الختلي قال: حدثني محمد بن مزيد قال: أخبرني بعض أصحابنا قال: قال رجل للأحنف: أنت أبي بحر، فقال الأحنف: الرجل مخبوء تحت لسانه، ثم أنشأ يقول:
وكائن ترى من معجب لك صامتا … زيادته أو نقصه في التكلّم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده … فلم تبق إلاّ صورة اللحم والدم
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي بحلب قال: أخبرنا أبو الحسن مسعود بن أبي منصور بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن اسماعيل الصيرفي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسين بن
стр. 1264
فادشاه قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني قال: حدثنا أبو شعيب الحراني قال: حدثنا عمر بن شبّة قال: حدثنا علي بن محمد المدائني عن سحيم بن حفص قال: كانت امرأة من بني عامر عند الأحنف بن قيس فطلقها فخلف عليها بدر بن أحمد الضبّي، فأتاها الأحنف يوما فدخل عليها، فأرسل إليه بدر بن أحمر (١) ابنه وقال للرسول: (١٧٧ - و) قل له:
لا يشغلنّك عن شيء هممت به … إنّ الغزال الذي ضيّعت مشغول
فقال الأحنف: قل له:
إن كان ذا شغل فالله يحفظه … فقد لهونا به والحبل موصول
ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين قال: وروى الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير قال: قدم علينا الأحنف ابن قيس الكوفة مع المصعب بن الزبير فما رأيت خصلة تذم إلا وقد رأيتها فيه، كان صعل الرأس (٢) متراكب الأسنان، أشدق (٣) مائل الذقن، ناتئ الوجه، باحق العين (٤)، خفيف العارضين أحنف الرجل، ولكنه كان إذا تكلم جلا عن نفسه (٥).
وزعم يحيى بن نجيم بن ربيعة أحد رواة أهل البصرة قال: قال يونس بن حبيب في تأويل الأحنف بن قيس وقال:
أنا ابن الزافرية أرضعتني … بثدي لا أحذّ (٦) ولا وخيم
أتمّتني فلم تنقص عظامي … ولا صوتي إذا اصطكّ الخصوم
قال: إنما عنى بقوله: عظامي أسنانه التي في فيه، وهي التي إذا تمّت تمّت الحروف، وإذا نقصت نقصت الحروف.
стр. 1265
قال يونس: وكيف يقول مثله: أتمتني فلم تنقص عظامي، وهو أحنف من رجليه جميعا مع قول الحباب له: والله إنك لضئيل، وإن أمك لورهاء (١)، وكان أعرف بمواقع العيوب وأبصر بدقيقها وجليلها، وكيف يقول ذلك وهو نصب عيون الأعداء وشعراء (١٧٧ - ظ) الأعداء، وهو أنف مضر الذي تعطس به وابن العرب والعجم قاطبة.
أخبرنا حسن بن أحمد الأوقي فيما أذن لنا أن نرويه عنه قال: أخبرنا الحافظ السلفي-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا ثابت بن بندار قال: أخبرنا الحسين بن جعفر قال: أخبرنا الوليد بن بكر قال: حدثنا أبو مسلم صالح بن أحمد العجلي قال: حدثني أبي قال: والأحنف بن قيس بصري تابعي ثقة، وكان سيد قومه، وكان أعور أحنف، دميما قصيرا، كوسحا (٢) له بيضة واحدة، قال له عمر بن الخطاب ﵁: ويحك يا أحنف لما رأيتك أرديتك، فلما نطقت فقلت: لعله منافق صنع اللسان، فلما اختبرتك أحمدتك، ولذلك حبستك- حبسه سنة يختبره، فقال عمر: هذا والله السيد.
أخبرنا عتيق بن أبي الفضل السلماني قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن، ح.
وحدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي قال: أنبأنا أبو المعالي بن صابر قالا: أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم النسيب قال: أخبرنا رشاء بن نظيف قال:
حدثنا أبو محمد الحسن بن اسماعيل الضراب قال: حدثنا أحمد بن مروان قال:
حدثنا إبراهيم بن اسحاق الحربي وأحمد بن عبادة قالا: حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال: قال عبد الملك بن عمير: قدم علينا الأحنف مع مصعب بن الزبير، فما رأيت خصلة تذم إلاّ رأيتها فيه، كان ضئيلا، صعل الرأس، متراكب الأسنان مائل الذقن، ناتئ الوجه، باحق العين، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، فكان إذا تكلم جلا عن نفسه.