← Тараджим

Тараджим · id 10798

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (4 683 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الملهوف بالدعوات، هذا المقام الذي يزدحم عليه أهل الستر والسداد، هذا المقام الذي كان يفد الى الله فيه الوافدون، هذا المقام الذي كان يعتكف فيه العابدون الزاهدون، وما يجرى مجرى هذا الكلام. وقرأت في تاريخ أبي غالب همام بن الفضل المعري أن نقفور لما صالح أهل طرسوس، وخرجوا منها وتسلمها صعد على منبرها وقال: يا معشر الروم أين أنا؟ قالوا: على منبر طرسوس، فقال: لا بل أنا على منبر بيت المقدس، وهذه البلدة التي كانت تمنعكم من بيت المقدس. ***

стр. 177

باب ما جاء في فضل طرسوس (١) (٧١ - ظ) قرأت بخط القاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله الكرجي، ونقلته منه، حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي قال: حدثنا عمي أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي قال: حدثنا يحيى بن زكريا أبو زكريا قال: حدثني محمد بن ابراهيم بن مالك الصوري قال: حدثني فتح بن محمد بالغور قال: حدثنا عبد الله بن عيسى العقدي قال: حدثنا نصر بن يونس قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا السري بن بزيعة عن أبي بكر اليشكري عن الحسن البصري عن أنسى بن مالك قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ودموعه تقطر على لحيته قال: فقلنا بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، من اخواننا هؤلاء الذين ذكرتهم فرققت لذكرهم؟ قال: قوم من أمتي يكونون في مدينة تبنى من وراء سيحان وجيحان فمن أدرك ذلك الزمان فليأخذ بنصيبه منها، فإن شهيدهم يعدل شهداء بدر، والذي نفسي بيده ليبعثن الله يوم القيامة من تلك المدينة سبعين ومائة ألف شهيد يدخلون الجنة بغير حساب، وان الله ينظر الى أهل تلك المدينة كل يوم سبعين مرة، كلما نظر اليهم ذر عليهم من بره وحنانه، الله أرفق بتلك المدينة من الوالدة بولدها، يغفر الله لأهل تلك المدينة كل يوم عند (٧٢ - و) طلوع الشمس وعند غروبها، ولا يزالون على الحق والحق معهم حتى يكون آخر الزمان عصابة منهم يحاربون الدجال، يحشر الله من تلك المدينة اثني عشر ألف زمرة، في كل زمرة مائة ألف شهيد، والشهيد منهم يشفع

стр. 178

في مائة ألف سوى أهل بيته وجيرانه، واسمها بالعربية طرسوس، وفي التوراة أبسوس، وفي الإنجيل أرسوس، وهي الصارخة الى الله في بيت المقدس حين أخربت، ولها بابان مفتوحان حول العرش، من دخلها من أمتي غفر له ما سلف من ذنبه، ولم يكتب عليه ذنب حادث، طوبى لمن حشر منها من أمتي، طوبى له. ونقلت من خطه حدثني أبو الحسن علي بن وهب الوراق الرملي بطرابلس قال: حدثنا أبو يعقوب العدل العطار الموصلي بالموصل قال: حدثنا ابراهيم بن الهيثم البلدي قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الحراني عن قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ستعمر مدينة بين سيحان وجيحان تسمى المنصورة، من دخلها من أمتي دخلها برحمة، ومن خرج عنها رغبة عنها خرج بسخطة، يبنى مسجدها على روضة من رياض الجنة، يدعى مسجد النور، الصلاة فيه بألفي صلاة، النائم فيها كالصائم القائم في غيرها، المنفق فيها على عياله (٧٢ - ظ) الدرهم بسبعمائة، طوبى للمجاهدين فيها، وطوبى لمن حشر منها، الميت فيها شهيد، وشهيدها يعدل عشرة من شهداء البحر. وقال أبو عمرو القاضي فيما نقلته من خطه: حدثنا أبو هاشم عبد الجبار ابن عبد الصمد السّلمي قال: حدثنا أبو يعقوب الأذرعي قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال: حدثنا محمد بن عباد قال: حدثنا إبراهيم ابن صدقة الجهني قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: حدثنا هشام بن مودود الهجري عن برد بن سنان عن وهب بن منبه قال: لا تذهب الأيام حتى تبنى مدينة من وراء سيحان وجيحان قريبة من العدو غير بعيدة، تخيف العدو من وجهين من بر ومن بحر، ينظر الله اليهم في كل يوم سبعين مرة، كلما نظر اليهم ذرّ عليهم من برّه وحنانه، الله أروف بأهل تلك المدينة من الوالدة الشفيقة بولدها، يغفر الله لهم في كل يوم مرتين عند طلوع الشمس وعند غروبها، يحشر

стр. 179

الله منها يوم القيامة اثني عشر ألف زمرة في كل زمرة مائة ألف شهيد، لا يزالون على الحق، والحق معهم، آخر عصابة منهم تقاتل الدجال. قال ابن منبه: يا طوبى لأهل تلك المدينة هم أولياء الله وأحباؤه. ومن خطه أيضا حدثنا عدي بن أحمد بن عبد الباقي أبو عمير قال: حدثنا عمي يحيى بن عبد الباقي أبو القاسم قال: حدثنا يوسف بن بحر قال: حدثنا سعيد (٧٣ - و) بن هشام الفيومي قال: حدثنا هشام بن مودود قال: سمعت وهب بن منبه يقول: تبنى مدينة من وراء نهر من أنهار الجنة ينظر الله في كل يوم الى تلك المدينة سبعين مرة، يدر عليهم من بره وحنانه وهو أروف بهم من الوالدة بولدها. قال سعيد بن هشام: سمعت هشام بن مودود يقول: هي طرسوس. ونقلت من خطه: حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد الأذني بطرسوس إملاء في داره يوم السبت غرة ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة حدثنا عمي أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي حدثني أبو القاسم يوسف بن بحر الساحلي قال: حدثنا جنادة بن مروان بن الحكم الأزدي قال: حدثني الهيثم بن حميد الكندي عن الحكم بن عمرو الرعيني عن كعب الاحبار قال: إن طرسوس خرجت إلى ربها من وحشتها وبكت اليه من خرابها، فأوحى الله اليها أيتها الصارخة إليّ أنا أذنت لخرابك، وأذنت لعمرانك، وأنزل عليك من بركات سمائي لأطهرك من دنس الأرجاس الأنجاس، ثم أعمرك «بخير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»، (١) وأضع فيك معهم توراة محدثة وخدودا سجودا يدفعون اليك دفيف (٢) النسور الى أوكارها، ويحنون اليك حنين الحمامة الى فراخها.

стр. 180

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي (٧٣ - ظ) محمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة، ح. وأنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد عن عبد الكريم بن حمزة قال: حدثنا عبد العزيز بن أحمد قال: حدثنا تمام بن محمد قال: أخبرنا أبو الحارث بن عمارة قال: حدثنا أبي وهو محمد بن عمارة بن أبي الخطاب الليثي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن ابراهيم عن هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم عن رجل عن مكحول عن كعب قال: بطرسوس من قبور الانبياء عشرة. أخبرنا أبو الفتوح الحصري وأبو محمد عبد القادر الرهاوي في كتابيهما قالا: أخبرنا أبو الخير القزويني قال: أخبرنا زاهر بن طاهر قال: أخبرنا أبوا عثمان الصابوني والبحيري وأبوا بكر البيهقي والحيري إجازة منهم قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله قال: سمعت أبا الفضل الحسن بن يعقوب العدل يقول: سمعت حمش التريكي الزاهد يقول: سمعت أحمد بن حرب (١) يقول: المقام بطرسوس في وقتنا هذا أحب الي من الجوار بمكة. وقرأت بخط أبي عمرو القاضي في كتابه حدثنا أبو هاشم السلمي قال: حدثنا أبو يعقوب الاذرعي قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال: سمعت يوسف بن عبد الله الهاشمي يقول: قال عبد الله بن المبارك: تكبيرة على حائط طرسوس تعدل فرسا في سبيل الله، ومن حمل على فرس في سبيل الله حمله الله على ناقة من (٧٤ - و) نوق الجنة. قلت وكان ابن المبارك قد قدم طرسوس فأقام بها وبالمصيصة غازيا سنين

стр. 181

عدة، فقال له أبو إسحاق الفزاري، ما أخبرنا به القاضي أبو القاسم عبد الصمد ابن محمد إذنا قال: كتب إلينا أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي قال: أخبرنا أبوا بكر أحمد البيهقي ومحمد الحيري، وأبوا عثمان إسماعيل الصابوني وسعيد البحيري إجازة منهم قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله قال: أخبرني محمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن المنذر قال: حدثني محمد بن الوليد قال: حدثني أبو عمران الطرسوسي قال: سمعت عبد الله بن محمد بن ربيعة المصيصي يقول: حضرت أبا إسحاق الفزاري وابن المبارك، قال أبو إسحاق الفزاري لابن المبارك يا أبا عبد الرحمن تركت ثغور خراسان الواشجرد وقزوين وقد قال الله تعالى: «قاتلوا الذين يلونكم من الكفار» (١)، فقال: يا أبا إسحاق وجدت آية أوكد من هذه، قال الله : «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله» (٢)، قال: ثم قال: هؤلاء يقاتلون على دنيانا، يعني الترك والديلم، وهؤلاء يحاربونا على ديننا، يعني الروم، فأيما أولى الذّب عن ديننا أو عن دنيانا؟ قال: لا بل عن ديننا، لا بل عن ديننا. وقال الحاكم أبو عبد الله: حدثني أبو أحمد بن أبي الحسين قال: حدثنا محمد بن الفيض الدمشقي قال: حدثنا المسيّب (٧٤ - ظ) بن واضح قال: أنشدنا عبد الله بن المبارك ﵀: إنّي أشير على العزّاب إن قبلوا … بأن يكون لهم مثوى بطرسوس الدار واسعة بالأهل رافقة … غيظ العدو وأجر غير محسوس قوم إذا نابهم في الحرب نائبة … حلّوا الرباط فلم يلووا على كوس قرأت بخط أبي عمر والطرسوسي: حدثنا أبو بكر محمد بن سعيد بن

стр. 182

الشفق قال: حدثنا محمد بن أحمد أبو الطّيب قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نوح قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال ابن المبارك: رأيت النبي ﷺ في المنام واضعا يده على سور طرسوس قال: اللهم احفظني فيها وفي أهلها. ومن خطه: حدثنا عبد الجبار بن عبد الصمد قال: حدثنا أبو يعقوب الأذرعي قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال: سمعت أبا الطيّب يقول: حدثني بعض إخواني قال: قال ابن المبارك: رأيت النبي ﷺ في المنام وهو واضع يده على حائط طرسوس وهو يقول: اللهم اخلفني على من فيها. وقرأت بخطه أيضا: حدثني محمد بن أحمد أبو نصر بن الحمّال قال: سمعت أحمد بن مضر؛ وهو أبو أبي العباس بن مضر محمد بن أحمد يقول: كنا نسمع شيوخ الثغر قديما يقولون: لم يسكن طرسوس فيما مضى من الدهر والأزمنة في الكفر والاسلام الا أوطاء أهل زمانهم حتى أن قوما من اليونانية سكنوها، فكانوا أهل سداد وصلاح. ونقلت من خطه: حدثنا أبو بكر محمد بن سعيد بن الشفق البغدادي بطرسوس سنة خمس وأربعين وثلاثمائه قال: حدثنا أبو الطيّب محمد بن أحمد البغدادي بطرسوس سنة إحدى وتسعين ومائتين قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن نوح قال: سمعت محمد بن عيسى قال: جاء رجل إلى ابن المبارك فقال: يا أبا عبد الرحمن أريد أن أسكن الثغر، قال: اسكن أنطاكية، قال: أريد أن أتقدم، قال: أذنه، قال: أريد أن أتقدم، قال: أتريد أن تكون في الطلائع فعليك بطرسوس. ***

стр. 183

باب في ذكر حصون مذكورة مجاورة لطرسوس والمصيّصة وأنطاكية، كانت مضافة الى هذه المدن، وهي من الثغور الشامية التي يفصل جبل اللكام بينها وبين الثغور الجزريه، نذكرها عقيب ذكر طرسوس لأنها الآن في أيدي الكفار خذلهم الله، واعادها إلى أيدي المسلمين. فمنها ذكر اقليقيه، وهي مدينة بين المصيصة وأذنه داثرة. قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي: سمعت أبا الحسن علي بن جعفر بن عقبه الأعرابي صاحب الجيش بطرسوس سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة قال: سمعت أبي جعفر بن عقبه ﵀ يقول كان شيوخنا يقولون: إن أول مدينة عرفت في إقليم الثغر أزلية قبل الاسلام مدينة اقليقية، واليها ينسب علماء الروم الثغر فيقول بند اقليقيه، قال لنا أبو الحسن بن الأعرابي: وقد بقي أثر هذه المدينة (٧٥ - ظ) دمنة فيها آثار أبنية قديمة وهي عن يمين السالك من المصيصة إلى أذنه بينها وبين أذنه نحو ميلين. ***

стр. 184

ذكر حصن ثابت بن نصر وهو كان المشهور قبل الثغور وبنائها. قرأت بخط أبي عمرو القاضي حدثني محمد بن أحمد الزمام قال: سمعت عبد الله بن كلرت يقول: ما زال أولونا يقولون لم يعرف الجهاد فيما مضى في شيء من أرض الثغور، يعني طرسوس وأذنه وعين زربه، إنما كان حصن ثابت بن نصر بمدينة المصيصة في آخر أيام بني أمية، وأول أيام بني العباس، يخرج منه أربعمائة فارس صلحاء إذا أقلبوا (١) حوافر خيولهم لتنعل للغزو، قلبوا بذلك قلوب بطارقه قسطنطينية خوفا منهم وجزعا. قال: وقد غزا محمد بن عبد الله أمير المؤمنين المهدي ﵀ فلم تك هناك طرسوس ولا أذنه ولا عين زربه، وانما كان هذا الحصن لا غير. وقرأت بخطه أيضا حدثني أبو الحسن العدل علي بن الحسين الحذاء وأبو بكر غانم بن يحيى بن عبد الباقي قالا: حدثنا أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي قال: كان حصن ثابت بن نصر مشحنا بالابدال يجاهدون الروم، منهم يوسف بن أسباط صاحب سفيان الثوري، كان أدمن الصوم به فتوسوس. وقرأت بخطه: حدثني علي بن إسحاق صاحب العرض قال: سمعت أبا العباس ابن عبدوس يقول: كان ابتداء أمر الثغر وحصول المسلمين به أن نفرا (٧٦ - و)

стр. 185

صالحين سكنوا حصن ثابت بن نصر بالمصيصة كثرت غزواتهم، وتشمر الروم منهم لشدة بأسهم وعظم نكايتهم فيهم، منهم: يوسف بن أسباط، وعلي بن بكار، وبعدهم إبراهيم بن أدهم، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاوية الأسود وطبقاتهم، وقتا بعد وقت من لا يحصى عددا الى أن شحنت طرسوس، كلهم أهل فضل وجهاد. قلت: وهذا ثابت بن نصر الذي نسب هذا الحصن إليه، هو ثابت بن نصر بن مالك بن الهيثم بن عوف الخزاعي، أخو أحمد بن نصر الشهيد، وكان فيه دين، وله حسن أثر في جهاد الروم، وولي الثغور الشامية، وسنذكر حاله ونسبه في ترجمته إن شاء الله تعالى. ***

стр. 186

ذكر حصن عجيف وهذا الحصن ينسب إلى عجيف بن عنبسه من أكابر القواد، ومن له بأس ونجدة في الجهاد، وكان من قواد المأمون، ودخل معه إلى بلاد الروم، وسنذكره إن شاء الله تعالى. قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي في ذكر حصون طرسوس، ذكر حصن عجيف وأبرجته، رسم هذا الحصن أمير وأربعة فرسان، وثلاثة حراس، وثلاثة رجالة وخطيب، رزق الأمير عشرة دنانير، ورسم كل فارس ديناران، والرّجالة والحرس دينار دينار، والخطيب ديناران. برج الوصيفي ثمانية رجال، للرئيس دينار وسدس، وللرّجاله دينار دينار. برج المنشا ستة نفر، رئيس بدينار وسدس، ولكل راجل دينار. برج المقطع (٧٦ - ظ) خمسة عشر رجلا، الرئيس دينار وسدس، ولكل راجل دينار. برج الجزيري سبعة نفر، الرئيس بدينار وسدس، ولكل راجل دينار. ***

стр. 187

حصن شاكر وهو قريب من طرسوس، ينسب هذا الحصن الى شاكر بن عبد الله أبي الحسن المصّيصي، وكان من الغزاة المذكورين والمحدثين المشهورين، وسنذكر ترجمته في بابه إن شاء الله. ***

стр. 188

ذكر حصن الجوزات وبينه وبين طرسوس ثمانية فراسخ، وهو بين البذندون وطرسوس، وبينه وبين البذندون اثنا عشر ميلا، وهو حصن مذكور موصوف بالقوة. وقفت على فصل في ذكره بخط أبي عمرو الطرسوسي في سير الثغور، فنقلته على حاله وصورته: رسم هذا الحصن أمير وخليفة ينوب عنه، وخطيب وقيم للدار، وصاحب الحمام، وكاتب، ومطرديان، وبوقي، وبواب. وفي جبل هذا الحصن شجر جوز مثمر مسافته ثلاثة أميال في عرض ميل، فاذا حان إدراكه، خرج والي الجوزات وجميع رجالته، إلا من يضبط الحصن من الثقات، فينفضون الجوز أياما، وضم كل واحد ما نفضه، وعد بالإحصاء ما حصل، فدفع إلى الوالي من كل عشرة آلاف جوزة ألف جوزة، وأمسك لنفسه تسعة آلاف، فيجتمع للوالي-أعني والي الجوازات-من ذلك خمسمائة الف جوزة وأكثر، ومما ينمحق من ذلك بالمسامحة فيه عند ضمه مع ما تعذر نقضه، (٧٧ - و) لبعد فروع أشجاره وتعذر وصول الناس إليه، اكثر مما وصفت، فتمتليء بيوت الجوزانيين كلهم من الجوز يرتفقون به مدة أيام الشتاء، ويتهادونه إلى طرسوس، الى ذي موداتهم وقراباتهم. وفي فضاء من عمل الجوزات منبت للأشنان الزبطري، فإذا تناهى إدراكه ضموه وارتفقوا به من هدية وبيع واستعمال. وفي هذا الجبل أشجار مخصوصة بأوكار البزاة يغتادها قوم من الجوزانيين،

стр. 189

فإذا فرخ في وكره تعهده الطالب له بالتفقد وتردد إليه، حتى إذا صلح، تلطف بحيلة في نقل الفراخ، ودبرّ تربيتها، وتكلف حملها الى طرسوس، وربما بيع الواحد بمائة وخمسين درهما، فتستحيل إلى الفراهة إذا علم وضري، فبلغ خمسمائة درهم وأكثر (١) (٧٧ - ظ). ***

стр. 190

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي. وفي جبلها أيضا عقار يعرف بالغاريقون (١) يحمل منه إلى أكثر الاقاليم. حدثني أبو محمد عبد الله بن أبي مروان المعداني، وهو الأفطس، وهو ممن رابط وجاهد في حصن الجوزات ثلاثين سنة، أنهم أخرجوا في فاثور (٢)، فوجد أحدهم شيئا من الغاريقون، فرفعه في مئزر معه، ثم وجدوا ماء ينبع من عين، فعرّسوا عليها وأخرجوا زادهم، ورفعوا الغاريقون من المئزر في مزود مع أحدهم وبلوا كعكا معهم بذلك بالماء البارد ولفوه في المئزر، وسار ثلاثة أو أربعة منهم يتجسّسوا مكانهم لئلا يعلم بمكانهم، فتناول صاحبهم شيئا من الكعك المبلول فنال منه، وأبطأ أولئك، فعمل الغاريقون الملتصق بالمئزر في طبع الرجل، وتردد واختلف، فوافاه أصحابه وقد تردد نحو مائتي طريق، وحيل بينه وبين القوة والحركة، فرأوا إن قطعوا دهقين (٣)، وجعلوا صاحبهم في عباء، وحملوه بينهم الى الجوزات، فعولج وعوفي، فباع ما كان معه من الغاريقون بجملة جاملة. وما وطئ هذا الحصن منذ ملكه المسلمون وشيدوه امرأة، ولا أطلق لأحد أن

стр. 191

يدخل بغلام أمرد، إلى أن أخرج عنها المسلمون، وإنما يختار لها أهل القوة والبأس، ومن يعاني أعمال السلاح المختلفة كالثقاف بالسيف والرمح، والرمي عن القسي الفارسية، وقسي الرجل، من أبناء (٧٨ - و) أربعين وما زاد وما نقص، فإذا حضر الغزو فقد رسم الجوزانيون يوما في ساقة عسكر المسلمين، ويوما في مقدمته بأحسن الزي، وأجمل الأحوال، وأكمل العدّة، شامة في الناس. ***

стр. 192

ذكر تل جبير وهو من عوادل الثغور الشامية على ما ذكره أحمد بن الطّيّب السرخسي في كتابه، وقال: ومن طرسوس الى تل جبير اثنا عشر ميلا. وقرأت في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى البلاذري فيما نقله عن أشياخ الثغر قالوا: وتل جبير نسب إلى رجل من فرس أنطاكية، كانت له عنده وقعة، وهو من طرسوس على أقل من عشرة أميال (١). ***

стр. 193

ذكر حصن أولاس ويقال له حصن الزهاد، وهو على ساحل البحر، ومنه أبو الحارث فيض بن الخضر بن أحمد التميمي الأولاسي، أحد الأولياء المشهورين، وسنذكر ترجمته في بابها إن شاء الله تعالى. وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض والمدن وما تشتمل عليه: وأولاس حصن على ساحل البحر، بها قوم متعبدون، وهو آخر ما على بحر الروم من العمارة للمسلمين. ***

стр. 194

ذكر الهارونية قال أبو زيد البلخي في كتابه: والهارونية غربي جبل اللّكام في بعض شعابه (٧٨ - ظ) وهي حصن صغير، بناها هرون الرشيد، فنسبت إليه. وقال أحمد بن الطيب في المسالك والممالك: ومن عوادل الثغور الشامية الهارونية، كنيسة السوداء، تل جبير. وذكر أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان قال: وللثغور الشامية مدينة عين زربه، والهارونية، والكنيسة المحترقه. قال: وبنى الهارونيه الرشيد في أيام المهدي، وهو ولي عهد. قال البلاذري: ثم لما كانت سنة ثلاث وثمانين ومائة أمر-يعني الرشيد- ببناء الهارونية فبنيت وشحنت أيضا بالمقاتله ومن نزع إليها من المطوّعة، ونسبت إليه، ويقال أنه بناها في خلافة المهدي رحمة الله عليه، ثم أتمت في خلافته (١). ***

стр. 195

ذكر الاسكندرونه وهو حصن بنته أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور أم الأمين، وجدد بناءه أحمد بن أبي دؤاد، وهو على ساحل البحر. قال ابن واضح الكاتب: تهبط من جبل اللّكام إلى مدينة على ساحل البحر الأخضر يقال لها الإسكندرونه، بناها ابن أبي دؤاد الإيادي في خلافة الواثق. وقال أبو زيد البلخي: والإسكندرونه حصن على ساحل البحر للروم، وهي صغيرة بها نخيل. وقال أبو عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي في مزدوجته. والإسكندرون حصن أم جعفر … وردت يوم الجمعة المطهر كم من شهيد عندهم في المقبر … ومن خبايا من طبيات الثمر (١) وفسره بأن قال: بنته أم جعفر يعني زبيدة. قال البلاذري في كتاب البلدان: وكانت الإسكندرونه له-يعني لمسلمة بن عبد الملك-ثم صارت لرجاء مولى المهدي إقطاعا يورثه منصور وإبراهيم ابنا المهدي، ثم صارت لإبراهيم بن سعيد الجوهري، ثم لأحمد بن أبي دؤاد الإيادي ابتياعا، ثم انتقل ملكها الى المتوكل على الله (٢).

стр. 196

ذكر بياس وهي مدينة على البحر خرج منها جماعة من الرواة، وبينها وبين الإسكندرونة عشرة أميال، وبينها وبين فندق حسين خمسة عشر ميلا، وهذا الفندق في مرج يقال له مرج حسين منسوب إلى حسين بن سليم الأنطاكي، كانت له به وقعة مع العدو، وسنذكره إن شاء الله. وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي: وبياس مدينة صغيرة على شاطئ بحر الروم ذات نخيل وزروع خصبة. ***

стр. 197

ذكر أياس قد ذكرنا أن الشيخ الجرهمي ذكر لمعاوية أن ياوان بن يافث ولد أياس، فعرف المكان الذي حله باسمه. قلت: وأياس، مدينة إلى جانب بياس على شاطئ بحر الروم، من الثغور الشامية، هي الآن في يد الأرمن أيضا. ***

стр. 198

ذكر التينات وهو حصن على شاطئ البحر بين بياس والمصيصة، أقام به أبو الخير التيناتي، فنسب إليه. قال أبو زيد البلخي: والتينات حصن على شاطئ البحر أيضا، فيه يجمع خشب الصنوبر الذي ينقل إلى الشامات، وإلى مصر، وإلى الثغور. ***

стр. 199

ذكر المثقب وهو حصن على ساحل بحر الروم. قال أبو زيد البلخي: والمثقب حصن صغير بناه عمر بن عبد العزيز ﵀، بها منبر ومسجد ومصحف. قال البلاذري: وكان الذي بنى حصن المثقّب هشام بن عبد الملك على يد حسان بن ماهويه الأنطاكي، ووجد في خندقه حين حفر عظم ساق مفرط الطول، فبعث به إلى هشام (١). ***

стр. 200

ذكر سيسه ويقال لها سيس، وهي مدينة قريبة من عين زربه، وهي الآن مستقر ملك الأرمن خذلهم الله، ولم يكن لها فيما مضى كبير ذكر. غير أن أحمد بن يحيى ابن (٧٩ - ظ) جابر البلاذري ذكرها في كتاب البلدان وقال: قال محمد بن سعد، بعد أن أسند عنه فقال: حدثني محمد بن سعد قال: حدثني الواقدي قال: جلا أهل سيسية، مدينة تلي عين زربه، وقد عمرت سيسية في خلافة المتوكل على يدي علي بن يحيى الارمني، فنزلوها، ثم أخربتها الروم (١)، ثم عمرها فارس بن بغا الصغير في خلافة أحمد المعتمد على الله في سنة ستين ومائتين، أو سنة تسع وخمسين ومائتين، وأنفق عليها من ماله بسبب نذر كان عليه، وجرت عمارتها على يدي مكين الخادم. ***

стр. 201

ذكر حصن ذي الكلاع قال البلاذري، فيما حكاه عن شيوخ الشام، قالوا: والحصن المعروف بذي الكلاع إنما هو الحصن ذو القلاع، لانه على ثلاث قلاع فحرف اسمه، وتفسير اسمه بالرومية الحصن الذي مع الكواكب (١). ***

стр. 202

حصن قطرغاش قال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: وبنى هشام حصن قطر غاش على يدي عبد العزيز بن حيان الأنطاكي (١). قلت: وهذا الحصن بين أنطاكية والمثقب. ***

стр. 203

حصن موره وهو في جبل اللكام. قال البلاذري: وبنى هشام ايضا حصن موره على يدي رجل من أهل (٨٠ - و) أنطاكية وكان سبب بنائه إياه أن الروم عرضوا لرسول له في درب اللكام عند العقبه البيضاء، ورتب فيه أربعين رجلا وجماعة من الجراجمة، وأقام ببغراس مسلحة في خمسين رجلا، وابتنى لهم حصنا (١). ***

стр. 204

ذكر حصن بوقا وهو حصن من عمل أنطاكية ينسب إليه بعض أهل الحديث، وله كورة تنسب إليه. قال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: وبنى هشام-يعني ابن عبد الملك- حصن بوقا من عمل أنطاكية، ثم جدد وأصلح حديثا، وبنى محمد بن يوسف المروزي المعروف بأبي سعيد حصنا بساحل أنطاكية، بعد غارة الروم على ساحلها في خلافة المعتصم (١). ***

стр. 205

ذكر الصخره وهي بقرب أنطاكية، وقيل هي التي ذكرها الله في القرآن بقوله تعالى: «أرأيت إذ أوينا الى الصخرة» (١). وقد ذكرها أبو زيد البلخي في ذكر المدن والحصون عقيب ذكر أنطاكية فقال: وأما الصخرة فإنها تعرف بصخرة موسى بن عمران في هذا الموضع. ***

стр. 206

باب في ذكر الجرجومة قد ذكر أحمد بن الطيب السرخسي فيما أوردنا عنه إنه عدّ في المسالك والمالك في ذكر المدن والكور بقنسرين والعواصم وقال: الجرجومة على جبل اللكام. وقد ذكر أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان فيها فصلا نذكره هاهنا بعينه، قال: حدثني مشايخ من أهل أنطاكية أن الجراجمة من مدينة على جبل اللّكام عند معدن الزاج، فيما بين بيّاس وبوقا يقال لها الجرجومة، وأن أمرهم كان في أيام استيلاء الروم على الشام وأنطاكية إلى بطريق (٨٠ - ظ) أنطاكية وواليها، فلما قدم أبو عبيدة أنطاكية وفتحها، لزموا مدينتهم، وهمّوا باللحاق بالروم إن خافوا على أنفسهم، ولم ينتبه المسلمون لهم، ولم ينبّهوا عليهم، ثم إن أهل أنطاكية نقضوا وغدروا، فوجّه إليهم أبو عبيدة من فتحها ثانية، وولاّها بعد فتحها حبيب بن مسلمة الفهري، فغزا الجرجومة، فلم يقاتله أهلها، ولكنهم بدروا بطلب الأمان والصلح، فصالحوه على أن يكونوا أعوان المسلمين وعيونا ومسالح في جبل اللّكام، وأن لا يؤخذوا بالجزية، وأن ينفّلوا أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين إذا حضروا معهم حربا في مغازيهم. ودخل من كان في مدينتهم من تاجر وأجير وتابع من الأنباط وأهل القرى وغيرهم في هذا الصلح، فسمّوا الرواديف لأنهم تلوهم وليسوا منهم، ويقال أنهم جاءوا بهم الى عساكر المسلمين وهم أرداف لهم، فسموا الرواديف، فكان الجراجمة يستقيمون للولاة مرة، ويعوجّون أخرى، فيكاتبون الروم ويمايلونهم.

стр. 207

ولما كانت أيام ابن الزبير، وموت مروان بن الحكم، وطلب عبد الملك الخلافة بعده لتوليته إياه عهده، واستعداده للشخوص الى العراق لمحاربة المصعب بن الزبير خرجت خيل للروم الى جبل اللكام، وعليها قائد من قوادهم ثم صارت الى لبنان وقد ضوت إليها جماعة كثيرة من الجراجمة وأنباط وعبيد أباق من عبيد المسلمين فاضطر عبد الملك الى أن صالحهم (٨١ - و) على ألف دينار في كل جمعة، وصالح طاغية الروم على مال يؤديه إليه ليشغله عن محاربنه، وتخوفّه أن يخرج الى الشام فيغلب عليها، واقتدى في صلحه بمعاوية حين شغل بحرب أهل العراق، فصالحهم على أن يؤدي إليهم مالا وارتهن منهم رهنا وضعه ببعلبك ووافق ذلك أيضا طلب عمرو بن سعيد بن العاص الخلافة وإغلاقه أبواب دمشق حين خرج عبد الملك عنها، فازداد شغلا، وذلك في سنة سبعين. ثم إن عبد الملك وجّه إلى ذلك الرومي سحيم بن المهاجر وتلطف حتى دخل عليه متنكرا، فاظهر الممالأة له، وتقرّب إليه بذم عبد الملك وشتمه وتوهين أمره حتى أمنه، واغتر به، ثم أنه انكفأ عليه بقوم من موالي عبد الملك وجنده، كان أعدّهم لمواقعته، ورتبهم بمكان عرفه، فقتله ومن كان معه من الروم، ونادى في سائر من ضوى إليه بالأمان، فتفرق الجراجمة بقرى حمص ودمشق، ثم رجع أكثرهم الى مدينتهم باللكام، وأتى الأنباط قراهم، ورجع العبيد الى مواليهم. وكان ميمون الجرجماني عبدا روميا لبني أمّ الحكم أخت معاوية ابن أبي سفيان، وهم ثقفيون وإنما نسب الى الجراجمة لاختلاطه بهم، وخروجه بجبل لبنان معهم، فبلغ عبد الملك عنه بأس وشجاعة، فسأل مواليه أن يعتقوه، ففعلوا، وقوّده على جماعة من الجند وصيّره بأنطاكية، فغزا مع مسلمه بن عبد الملك الطّوانه وهو على ألف من أهل أنطاكية، فاستشهد بعد بلاء حسن (٨١ - ظ) وموقف مشهود، فغم عبد الملك مصابه، وأغزى الروم جيشا عظيما طلبا بثأره.

стр. 208

قالوا: ولما كانت سنة تسع وثمانين اجتمع الجراجمة الى مدينتهم، وأتاهم قوم من الروم من قبل الإسكندرونة وروسس، فوجه الوليد بن عبد الملك إليهم مسلمة بن عبد الملك فأناخ عليهم في خلق من الخلق، فافتتحها على أن ينزلوا بحيث أحبّوا من الشام، ويجري على كل امرئ منهم ثمانية دنانير، وعلى عيالاتهم القوت من القمح والزيت، وهو مديان من قمح وقسطار من زيت (١)، وعلى أن لا يكرهوا ولا أحد من أولادهم ونسائهم على ترك النصرانية وعلى أن يلبسوا لباس المسلمين، ولا يؤخذ منهم ولا من أولادهم ونسائهم جزية، وعلى أن يغزوا مع المسلمين فينفلوا أسلاب من يقتلونه مبارزة، وعلى أن يؤخذ من تجاراتهم وأموال موسريهم ما يؤخذ من أموال المسلمين، فأخرب مدينتهم، وأنزلهم جبل الحوّار، وشيح اللّولون، وعمق تيزين، وصار بعضهم الى حمص، ونزل بطريق الجرجومة في جماعة معه أنطاكية، ثم هرب الى بلاد الروم، وقد كان بعض العمال ألزم الجراجمة بأنطاكية جزية رؤوسهم، فرفعوا ذلك الى الواثق بالله، وهو خليفة، فأمر باسقاطها عنهم. وحدثني بعض من أثق به من الكتاب أن أمير المؤمنين المتوكل على الله أمر بأخذ الجزية من هؤلاء الجراجمة، وأن تجري (٨٢ - و) عليهم الارزاق، إذا كانوا ممن يستعان به في المسالح وغير ذلك. وروى أبو الخطاب الازدي أن أهل الجرجومة كانوا يغيرون في أيّام عبد الملك بن مروان على قرى أنطاكية والعمق، واذا غزت الصوائف قطعوا على المتخلف واللاّحق ومن قدروا عليه ممن في أواخر العسكر، وغالوا في المسلمين، فأمر عبد الملك ففرض لقوم من أهل أنطاكية وأنباطها جعلوا مسالح، وأردفت بهم

стр. 209

عساكر الصوائف ليذبوا الجراجمة عن أواخرها، فسموا الرواديف، وأجرى على كل امرئ ثمانية دنانير، والخبر الاول أثبت (١). فهذه أخبار الثغور الشامية، فنشرع الآن في ذكر الثغور الجزرية، وجبل اللّكام هو الفاصل بين الثغور الشامية والثغور الجزرية. وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الفارسي الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم: وقد جمعت الى الشام الثغور الشامية، وبعض الثغور تعرف بثغور الجزيرة، وكلاهما من الشام وذلك أن كل ما وراء الفرات من الشام، وإنما سميّ من ملطية إلى مرعش ثغور الجزيرة لأن أهل الجزيرة بها يرابطون، وبها يعرفون لأنها من الجزيرة، وبين ثغور الشام وثغور الجزيرة جبل اللّكام وهو الفاصل بين الثغرين. (٢) ***

стр. 210

باب في ذكر مرعش (٨٢ - ظ) وهي مدينة من أعمال حلب عامرة ولها مياه وزروع وأشجار، ولها حصن منيع، وخرج منها جماعة من أهل العلم والعبادة منهم حذيفة المرعشي. وقد ذكرها أبو زيد البلخي في كتابه فقال: والحدث ومرعش هما مدينتان عامرتان، فيهما مياه وزروع وأشجار كثيرة وهما ثغران. قلت: وبين مرعش والحدث ثمانية فراسخ، وهي في زمننا هذا في أيدي المسلمين، تسلمها نور الدين محمود بن زنكي من جوسلين حين أسره (١)، ثم استولى عليها الأرمن في سنة ست وخمسين وستمائة من أيدي نواب ملك الروم كيكاوس بن كيخسرو بن كيقباذ. وذكر أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان مما نقله عن مشايخ الشام، وقالوا: وجّه أبو عبيدة بن الجراح وهو بمنبج خالد بن الوليد إلى ناحية مرعش ففتح حصنها، على أن جلا أهله ثم أخربه. وكان سفيان بن عوف الغامدي لما غزا الروم سنة ثلاثين دخل من قبل مرعش فساح في بلد الروم، وكان معاوية بنى مدينة مرعش، وأسكنها جندا، فلما كان موت يزيد بن معاوية كثرت غارات الروم عليهم فانتقلوا عنها.

стр. 211

قال: ثم إنّ العباس بن الوليد بن عبد الملك صار إلى مرعش، فعمرها وحصنها ونقل الناس إليها، وبنى لهم مسجدا جامعا، وكان يقطع في كل عام على أهل قنّسرين بعثا إليها، فلما كانت أيام مروان بن محمد وشغل بمحاربة أهل حمص، خرجت الروم فحصرت مدينة مرعش حتى صالحهم أهلها على الجلاء، فخرجوا نحو الجزيرة وجند قنّسرين بعيالاتهم، ثم أخربوها، وكان عامل مروان عليها يومئذ الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان الطاغية يومئذ قسطنطين بن اليون، ثم لما فرغ مروان من أمر حمص وهدم سورها بعث جيشا لبناء مرعش، فبنيت ومدّنت، فخرجت الروم في فتنته فأخربتها، فبناها صالح ابن علي في خلافة (٨٣ - و) أبي جعفر المنصور، وحصنها وندب الناس إليها على زيادة العطاء، واستخلف المهدي، فزاد في شحنتها وقوّى أهلها. قال البلاذري: وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: خرج ميخائيل من درب الحدث في ثمانين ألفا فأتى عمق مرعش، فقتل وأحرق، وسبى من المسلمين خلقا، وصار الى باب مدينة مرعش وبها عيسى بن علي، وكان قد غزا في تلك السنة، فخرج إليه موالي عيسى وأهل المدينة ومقاتلتها، فرشقوه بالنبل والسهام، فاستطرد لهم حتى إذا نحاهم عن المدينة كر عليهم، فقتل ثمانية نفر من موالي عيسى، واعتصم الباقون بالمدينة فأغلقوها، فحاصرهم بعض نهار، ثم انصرف حتى أتى جيحان، وبلغ الخبر ثمامة بن الوليد العبسي وهو بدابق وكان قد ولي الصائفة سنة إحدى وستين ومائة، فوجّه إليه خيلا كثيفة، فأصيبوا إلاّ من نجا منهم، فأحفظ ذلك المهدي، واحتفل لإغزاء الحسن بن قحطبة في العام المقبل، وهو سنة اثنتين وستين ومائة (١).

стр. 212

وقال سعيد بن كثيرّ بن عفير في تاريخه كانت سنة اثنتين وستين ومائة، كان فيها خروج الروم على مرعش فخرجت شيئا كثيرا (١). قلت: وخرب الروم مرعش كما ذكرناه فبناها سيف الدولة أبو الحسن علي ابن عبد الله بن حمدان، وجاء الدمستق ليمنع من بنائها، فقصده سيف الدولة، فولى هاربا، وتمم سيف الدولة عمارة مرعش. وفي ذلك يقول المتنبي: أتى مرعشا يستقرب البعد مقبلا … وأدبر إذا أقبلت يستبعد القربا فأضحت كأن السور من فوق بدؤه … إلى الأرض قد شق الكواكب والتربا تصدّ الرياح الهوج عنها مخافة … وتفزع فيها الطير أن تلقط الحبّا وتردي الجياد الجرد فوق جبالها … وقد ندف الصّنبّر في طرقها العطبا كفى عجبا أن يعجب الناس أنه بنى … مرعشا تبّا لآرائهم تبّا وما الفرق ما بين الأنام وبينه … إذا حذر المحذور واستصعب الصعبا؟ (٢) ***

стр. 213

باب في ذكر الحد ث وتعرف بالحدث الحمراء لحمرة أرضها، وهي مدينة كثيرة الماء والزرع، وحولها أنهار كثيرة وخرب حصنها وبقيت المدينة، وساكنوها في زمننا هذا أرمن أهل ذمة، وهي في أيدي المسلمين، وكان ينزل في مروجها الأكراد بأغنامهم، وتسميتها الأرمن كينوك، وتسميها الأكراد الهتّ، والعرب تسميها (٨٣ - ظ) الحدث، وكانت تسمى قديما المحمدية، والمهديّة، لأنها بنيت في أيام المهدي محمد بن المنصور ﵀، وتحول اليها أبو محمد عيسى بن يونس السبيعي من الكوفة، فنزلها مرابطا الى أن مات، وبقي ولده بها بعده. والجبل المعروف بالأحيدب من قبليها مطل عليها، شاهدتها ونزلت في أرضها عند ما توجهت إلى الروم. وفتحها حبيب بن مسلمة من قبل عياض بن غنم. وقرأت في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى البلاذري مما رواه عن شيوخ الشام قالوا: كان حصن الحدث مما فتح أيام عمر فتحه حبيب بن مسلمة من قبل عياض بن غنم، وكان معاوية يتعهده بعد ذلك، وكان بنو أمية يسمون درب الحدث درب السلامة للطيرة، لأن المسلمين كانوا أصيبوا به، فكان ذلك الحدث فيما يقول بعض الناس. قال: وقال قوم: لقى المسلمين على الدرب غلام حدث، فقاتلهم في أصحابه فقيل درب الحدث.

стр. 214

قال: ولما كان زمن فتنة مروان بن محمد خرجت الروم فهدمت مدينة الحدث، وأجلت عنها أهلها، كما فعلت بملطيّة، ثم لما كانت سنة احدى وستين ومائة خرج ميخائيل الى عمق مرعش، ووجه المهدي الحسن بن قحطبة ساح في بلاد الروم، فثقلت وطأته على أهلها حتى صوروه في كنائسهم، وكان دخوله من درب الحدث، فنظر الى موضع مدينتها فأخبر أن ميخائيل أخرج منه، فارتاد الحسن موضع مدينة هناك (٨٤ - و) فلما انصرف كلم المهدي في بنائها، وبناء طرسوس فأمر بتقديم بناء مدينة الحدث، فأنشأها علي بن سليمان بن علي، وهو على الجزيرة وقنسرين وسميت المحمدية، وتوفي المهدي مع فراغهم من بنائها، فهي المهدية والمحمدية، وكان بناؤها باللبن، وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة، واستخلف موسى الهادي ابنه، فعزل علي بن سليمان، وولى الجزيرة وقنسرين محمد بن ابراهيم بن محمد بن علي، وقد كان علي بن سليمان فرغ من بناء مدينة الحدث، وفرض محمد لها فرضا من أهل الشام والجزيرة وخراسان في أربعين دينارا من العطاء، وأقطعهم المساكن، وأعطى كل امرئ منهم ثلاثمائة درهم، وكان الفراغ منها في سنة تسع وستين ومائة. قال: وقال أبو الخطاب: فرض علي بن سليمان بمدينة الحدث لأربعة آلاف فأسكنهم اياها، ونقل اليها من ملطية، وشمشاط، وسميساط، وكيسوم، ودلوك ورعبان ألفي رجل. قال الواقدي: ولما بنيت مدينة الحدث هجم الشتاء والثلوج، وكثرت الامطار ولم يكن بناؤها بمتوثق منه ولا محتاط فيه، فتثلمت المدينة، وتشعثت، ونزل بها الروم فتفرق عنها من كان فيها من جندها وغيرهم، وبلغ الخبر موسى، فقطع بعثا مع المسيب بن زهير، وبعثا مع روح بن حاتم، وبعثا مع حمزة بن مالك، فمات

стр. 215

(٨٤ - ظ) قبل أن ينفذوا، ثم ولي الرشيد رحمة الله عليه الخلافة فأمر ببنائها وتحصينها وشحنتها، واقطاع مقاتلتها المساكن والقطائع. قال: وقال غير الواقدي: أناخ بطريق من عظماء بطارقة الروم في جمع كثيف على مدينة الحدث حتى بنيت، وكان بناؤها بلبن قد حمل بعضها على بعض، وأضر به الثلوج، فهرب عاملها ومن فيها، ودخلها العدو فحرق مسجدها وأخربها، واحتمل أمتعة أهلها، فبناها الرشيد حين استخلف (١). قال: وحدثني بعض أهل منبج قال: حدثني شيخ لنا أن الرشيد رحمة الله عليه كتب الى محمد بن ابراهيم باقراره على عمله، فجرى أمر مدينة الحدث من قبل الرشيد على يده ثم عزله. وقيل: ان المهدي بنى الحدث لمنام رآه، أنبأنا عبد اللطيف بن يوسف بن علي عن أبي الفتح بن البطي عن أبي عبد الله الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن بن ابراهيم الصابئ قال: وذكر الرئيس أبو الحسن ﵁ يعني والده هلال بن المحسن في كتاب المنامات الذي صنفه قال: ذكر أبو بكر بن دقة مولى بني هاشم قال: لما عزم المهدي على الخروج الى قنسرين والعواصم رأى في منامه كأن آتيا أتاه وقال له: انك تمضي الى مدينة يقال لها منبج، وهناك شيخ كبير له ثمانون سنة يؤذن في بعض المساجد، فادع به واضرب رقبته، واذا خرجت من هذه المدينة فسترى آثار خطوط فابن عليها مدينة وسمها الحدث. قال: فلما وصل المهدي الى منبج وحضره أهلها سألهم وقال: هل عندكم شيخ كبير مؤذن؟ قالوا: نعم عندنا شيخ له مائة سنة وأربع سنين يؤذن منها ثمانين
следующие страницы →