وقال الخطيب: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يعقوب قال: سمعت الحجاج بن محمد الخولاني قال: مات اسماعيل ابن عياش سنة إحدى وثمانين ومائة، يوم الثلاثاء لست مضين من جمادى (١).
أنبأنا عمر بن محمد الدارقزي قال: أخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد السمرقندي-إجازة ان لم يكن سماعا-قال: أخبرنا محمد بن هبة الله قال:
أخبرنا محمد بن الحسين قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يعقوب قال:
قال أبو عبد الله: وابن عياش فيها مات-يعني سنة إحدى وثمانين ومائة.
أنبأنا ابن المقير عن أبي الفضل بن ناصر قال: أخبرنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو الحسين بن الطيوري، وأبو الغنائم محمد بن علي-واللفظ له-قالوا:
أخبرنا أبو أحمد الغندجاني-زاد ابن خيرون وأبو الحسين الأصبهاني-قالا:
أخبرنا: أحمد بن عبدان قال: أخبرنا محمد بن سهل قال: أخبرنا محمد بن اسماعيل قال: قال لنا حيوة: مات-يعني اسماعيل بن عياش-سنة إحدى وثمانين ومائة.
أنبأنا أبو حفص المؤدب عن أبي غالب بن البناء عن عبيد الله بن أحمد الكوفي، ح. (١٤٠ - ظ).
قال أبو حفص المؤدب: وأخبرنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي -إذنا ان لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أحمد بن علي بن عبيد الله بن سوار قال:
أخبرنا عبيد الله بن أحمد الكوفي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران قال: أخبرنا عبد الله بن أبي داود قال: حدثنا ابن مصفى قال: واسماعيل بن عياش توفي يوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين ومائة.
قال أبو البركات الأنماطي: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن الحسن، وأبو الفضل بن خيرون قالا: أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسن قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن اسحاق قال: أخبرنا أبو حفص الأهوازي قال: حدثنا خليفة بن خياط قال: في
стр. 1682
خامسة أهل الشامات: اسماعيل بن عياش، ويكنى أبا عتبة، حمصي مات سنة اثنتين وثمانين ومائة (١).
أنبأنا أبو حفص قال: أخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد السمرقندي- إجازة ان لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو محمد الصريفيني قال: أخبرنا أبو القاسم بن حبابة قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني عباس قال: حدثنا أبو مسلم قال:
مات اسماعيل بن عياش سنة اثنتين وثمانين.
وقال ابن السمرقندي: أخبرنا أبو القاسم بن البسري قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص-إجازة-قال: حدثنا أبو محمد عبيد الله بن عبد الرحمن السكري قال:
أخبرني عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة قال: أخبرني أبي قال: حدثني أبو عبيد القاسم بن سلام قال: سنة اثنتين وثمانين ومائة، فيها مات (١٤١ - و) اسماعيل بن عياش بحمص.
أخبرنا أبو نصر محمد بن هبة الله القاضي-فيما أذن لنا أن نرويه عنه-قال:
أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو بكر اللفتواني قال:
أخبرنا أبو عمرو بن مندة قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عمر قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثنا محمد بن سعد قال: في الطبقة الخامسة من أهل الشام اسماعيل بن عياش، ويكنى أبا عتبة، حمصي، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة (٢).
أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن عبدان الجدري في كتابه الينا من شيراز قال: حدثنا أحمد بن حمدان بن الخضر قال: حدثنا أحمد بن يونس الضبي قال: حدثني أبو حسان الزيادي قال:
سنة اثنتين وثمانين ومائة فيها مات اسماعيل بن عياش الحمصي، يكنى أبا عتبة.
стр. 1683
قال الخطيب: وأخبرنا أبو سعيد بن حسنوية قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن جعفر قال: حدثنا عمر بن أحمد الأهوازي قال: حدثنا خليفة بن خياط قال: مات اسماعيل بن عياش سنة اثنتين وثمانين ومائة.
قال الخطيب: وأخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أخبرنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن علي الابار قال: سألت عمرو بن عثمان عن اسماعيل بن عياش متى مات قال: سنة إحدى أو اثنتين وثمانين (١). (١٤١ - ظ).
حرف الغين في آباء من اسمه اسماعيل
اسماعيل بن غازي بن عبد الله النقيب:
أبو محمد الحراني، حكي عن زاكي المجنون الحراني، وكان يرجع إلى فضل وخير، روى عنه ابنه ابراهيم الذي قدمنا ذكره، ذكر لي ذلك رفيقنا أبو محمد عبد الرحمن بن شجانة الحراني، وحكى لنا عنه، وذكر لي أنه دخل حلب غير مرة.
أخبرني أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن شجانة الحراني بها قال: أخبرني ابراهيم بن اسماعيل النقيب قال: قال أبي: خرجت من حرّان الى الموصل في زمن الشتاء والوحل والأمطار، وكانت جمال الناس تقع كثيرا، وقاسى الناس شدة عظيمة، وكنت أخشى على نفسي لما أعلم من ضعفي، فنمت فسمعت قائلا يقول: ألا أعلمك شيئا إذا قلته لم يقع جملك وتأمن به؟ فقلت له: بلى والله ولك الأجر، فقال لي: قل: «إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا (٢)» الآية، فقلتها فما وقع جملي حتى دخلنا الموصل، وهلك للناس شيء كثير من سقوط جمالهم وسلم ما معي.
أنشدني أبو محمد بن شجانة قال: أنشدني أبو اسحاق الحراني قال: أنشدني أبي اسماعيل قال: سمعت زاكي المجنون الحراني ينشد:
стр. 1684
قد تحرق النار من له كبد … فمن هو النار كيف يحترق
قالوا: به جنّة ولو علموا … أن جنوني به لما نطقوا (١٤٢ - و)
توفي أبو محمد النقيب بإربل.
حرف الفاء في آباء من اسمه اسماعيل
اسماعيل بن فضائل بن سعيد:
أبو محمد البدليسي الصوفي، من أهل بدليس، إحدى بلاد أخلاط، قدم الشام منها واجتاز بحلب أو ببعض عملها في طريقه.
ذكره الحافظ أبو القاسم الدمشقي في تاريخه بما أنبأنا به أبو البركات الحسن ابن محمد بن الحسن قال: أخبرنا عمي أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله قال: اسماعيل بن فضائل بن سعيد، أبو محمد البدليسي، من أهل بدليس من بلاد أرمينية، قدم دمشق، ونزل دويرة الصوفية (١) مدة ثم جعل اماما في الجامع، وسكن دار الخيل، وكان متصوفا، قليل التبذل، حافظا للقرآن بروايات، ملازما لبيته، فأقام اماما في الجامع نيفا وثلاثين سنة الى ان ظهر عليه شيء في اعتقاده من ميله الى التشبيه، فعزل عن الإمامة في شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة ونصب أبو محمد بن طاوس مكانه، وجرت في ذلك تعصبات ومرافعات الى الوالي، فاستقر الامر على أنه لا يتقدم في الجامع غير امام الشافعية، وامام الحنفية لا غير، وبقي الأمر كذلك مدة، وكان البدليسي في ابتداء أمره صوفيا مجردا، حكي عنه أنه كان في الدويرة، فاذا أصابه احتلام اغتسل بالماء البارد، فقال له بعض الناس:
لو جعلت تحت سجادتك صحيحا تدخل به الحمام، فقال: أنا أظهر التصوف فكيف أدخر شيئا (١٤٢ - ظ) ثم أثرى بعد ذلك من التجار فيما كان يأخذه من الأجر على الصلاة، ومن قبول الصلات، واشترى بستانا، ومات وخلف قطعة من المال، وكانت وفاته في الثالث من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ودفن ببستانه من أرض كفر يا مقرى (٢).
стр. 1685
اسماعيل بن الفضل:
حدث بطرسوس عن أبي أمية محمد بن ابراهيم الطرسوسي، روى عنه أحمد بن محمد بن هرون الخلال، وسمع منه بطرسوس.
حرف القاف في آباء من اسمه اسماعيل
اسماعيل بن القاسم بن اسماعيل الامام:
أبو القاسم الحلبي الخياط المؤدب، وبعضهم ينسبه المصري، كان حلبيا، وأظنه سكن مصر فنسب اليها، ثم سكن دمشق، وحدث بحلب، وحمص، وحماة، ودمشق.
سمع بحلب: أبا العباس يحيى بن علي بن هاشم الكندي، ومحمد بن أحمد ابن عبد الله الرافقي وعلي بن عبد الحميد الغضائري، وأبا الفضل العباس بن الفضل بن حبيب الدباج السامري الحافظ، وبأنطاكية اسحاق بن أبي عبد الرحمن الأطروش، وأبا الطاهر الحسين بن أحمد بن ابراهيم بن فيل، وأبا العباس الوليد ابن عبد العزيز بن أبان، وأبا الحسن يعقوب بن اسحاق بن أبي عبد الرحمن العطار الأنطاكيين، وبطرسوس أبا عبد الله محمد بن أحمد السوانيطي، وأبا عبد الله محمد بن يزيد الذرقي، وبأذنة أبا عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي الأذني، وروى عنهم وعن أبي أحمد العباس بن (١٤٣ - و) الفضل بن جعفر المكي، ومكحول البيروتي، وأبي الحسن أحمد بن محمد بن الحسين، المعروف بابن أبي نضلة، وأبي الحسن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم بن يزيد العسقلاني، وابن خيرة الرقي.
روى عنه أبو المعمر المسدد بن علي بن عبد الله الأملوكي الحمصي، وأبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الرازي، والقاضي أبو عمرو عثمان بن عبد الله ابن ابراهيم الطرسوسي، وأبو الحسن علي بن محمد بن الطيوري الحلبي الفقيه، وأبو الفتح المؤيد بن أحمد بن علي الخطيب، وأبو نصر عبد الوهاب بن عبد الله ابن الجبان، وعبد الوهاب الميداني، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن طلحة الصيداوي، وأبو الحسين علي بن عبد القاهر الأزدي الصايغ، وأبو العباس أحمد بن محمد بن زكريا النسوي الصوفي، وأبو علي الحسن بن علي بن شواش،
стр. 1686
وشعيب بن عبد الرحمن بن عمر بن نصر، وأبو الحسن عبيد الله بن الحسن بن أحمد بن الوراق، ومكي بن محمد بن العمر، وأبو المجد محمد بن عبد الله بن سليمان المعري.
أخبرنا أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن صصرى الدمشقي بها قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عساكر بن سرور المقدسي بقراءة أبي عليه قال: أخبرنا القاضي الخطيب أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد السلمي قال:
أخبرنا أبو المعمر المسدد بن علي بن عبد الله الأملوكي قال: حدثنا أبو القاسم اسماعيل بن القاسم بن اسماعيل الحلبي بحمص يوم الجمعة لسبع وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة سنة سبعين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الحميد الغضائري قال: حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي قال: حدثنا ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب (١٤٣ - ظ) عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخل عمر على النبي ﷺ وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال: «ما لي وللدنيا، وما للدنيا وما لي، والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلاّ كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (١).
أنبأنا زين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ قال: اسماعيل بن القاسم بن اسماعيل، أبو القاسم المصري الخياط المؤدب، كان يسكن باب كيسان (٢)، روى عن محمد بن أحمد بن عبد الله الرافقي نزيل حلب، وأبي عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي الأذني، وأبي الطاهر الحسن بن أحمد بن ابراهيم بن فيل، وعلي بن عبد الحميد الغضائري، وأبي عبد الله محمد بن يزيد الدرقي نزيل طرسوس، ومكحول البيروتي، وأبي العباس الوليد بن أبان الأنطاكي، وأبي الحسن أحمد بن محمد بن الحسن، المعروف بابن بصلة، وأبي العباس يحيى بن علي بن هاشم الكندي الحمصي.
стр. 1687
وأبي الحسن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم بن يزيد العسقلاني، وأبي يعقوب اسحاق ابن أبي عبد الرحمن الأنطاكي العطار، وأبي الفضل العباس بن الفضل الدباج البغدادي نزيل حلب.
روى عنه تمام بن محمد، وعبد الوهاب الميداني، وأبو نصر بن الجبان، ومكي ابن محمد بن الغمر، وأبو الحسين علي بن عبد القاهر الأزدي الصائغ، وأبو المعمر المسدد بن علي الحمصي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن طلحة الصيداوي وأبو علي الحسن بن علي بن شواش، وأبو الحسن (١٤٤ - و) عبد الله بن الحسن ابن أحمد الوراق، وشعيب بن عبد الرحمن بن عمر بن نصر، وأبو العباس أحمد ابن محمد بن زكريا النسوي الصوفي (١).
كذا قال الحافظ أبو القاسم في ذكر شيوخ أبي القاسم هذا: يحيى بن علي بن هاشم الكندي الحمصي، وليس بحمصي، بل هو يحيى بن علي بن محمد بن هاشم الخفاف الكندي الحلبي مولدا ودارا، وستأتي ترجمته في موضعها من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
وذكر في جملة شيوخه أيضا: أبا الفضل العباس بن الفضل الدباج البغدادي نزيل حلب، فذكرناه نحن أيضا اعتمادا على قول الحافظ، وتقليدا له، وفي النفس منه شيء، فإنني أخشى أن يكون أبا أحمد العباس بن الفضل بن جعفر المكي، فإنه من شيوخ اسماعيل الحلبي، ووقع لنا جزء من حديثه رواه لنا شيخنا أبو القاسم ابن صصرى، وقد أوردنا حديثا منه في أول الترجمة، وروى في ذلك الجزء عن العباس بن الفضل بن جعفر المكي، فلعل روايته عن العباس بن الفضل المكي وقعت الى الحافظ أبي القاسم فظنه العباس بن الفضل الدباج، فعده من جملة شيوخه، وليس منهم، ولم يقع إليّ ما يدل على أنه روى عن الدباج غير ما ذكره الحافظ، والدباج هو من أقران أبي القاسم الحلبي فنهبت على ذلك الى أن يتضح الامر فيه ان شاء الله تعالى.
стр. 1688
مات أبو القاسم اسماعيل بن القاسم الحلبي بعد ذي القعدة من سنة سبعين وثلاثمائة، فانه حدث بحمص في هذا التاريخ كما أوردناه في الحديث الذي أسندناه. (١٤٤ - ظ).
اسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان:
أبو العتاهية، وقيل اسمه القاسم بن اسماعيل، وقيل اسمه ابراهيم، وكنيته أبو اسحاق، وأبو العتاهية لقب له، وبكنى كيسان أبا سويد، وقيل كيسان لقب جد أبيه، وأبو سويد اسمه، ولقب كيسان في صغره لذكائه وكيسه، وهو مولى لعنزة، قيل هو مولى عباد بن رفاعة العنزي، وقيل هو مولى لعطاء بن محجن، وقيل انه كان بائع جرار، وكان شاعرا سهل الألفاظ حلوها، قادرا على النظم، غزا مع هرون الرشيد غزاته التي فتح فيها هرقلة (١)، ومدحه عند فتحها بأبيات سنذكرها ان شاء الله تعالى.
لقي أبو العتاهية بقية بن الوليد، وأظنه كتب عنه، وروى عن سليمان بن مهران الاعمش.
روى عنه ضرام-وقبل صدام، وقيل صدران-بن ريحان بن جميل، ويحيى ابن معين، والرياشي، وأشجع السلمي، وأبو سلمة الغنوي، وأبو أيوب سليمان ابن أبي شيخ، وابراهيم بن أبي شيخ، وأحمد بن الحسن الصوفي، ويعقوب السواق، وعبد الله بن الضحاك، واسحاق بن ابراهيم الموصلي، واسحاق بن أحمد ابن نهيك، وأبو الشمقمق، ومساور السياف، وابنه محمد بن أبي العتاهية، وأبو رياح، وسلم بن وارع الخواص، وعلي بن عبيدة الريحاني، ومنصور بن عمار الزاهد، وأبو الحواجب محمد بن يحيى الأنصاري، وأبو توبة صالح بن عبد الله بن زياد بن دراج، وأحمد بن علي بن مرزوق، ومشرف بن سعيد، وأبو سعيد محمد بن النعمان، وحسن بن شقرة، وأبو شعيب الحجام، ومخارق المغني
стр. 1689
ومحمد بن صالح العدوي، ومحمد بن عيسى الحربي، وأبو دعامة اسماعيل بن علي، ومحمد بن عمرو الطرسوسي الشاعر، وداود بن يحيى بن عيسى بن النجار (١٤٥ - و).
أخبرنا لؤلؤ بن عبد الله الحارمي الغنوي بالقاهرة قال: أخبرنا أبو القاسم البوصيري قال: أخبرنا محمد بن بركات السعيدي-اجازة ان لم يكن سماعا- قال: أخبرنا أبو عبد الله القضاعي قال: حدثنا أبو حازم محمد بن الحسين بن محمد ابن خلف بن الفراء البغدادي-املاء من كتابه-قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب الفقيه-قراءة عليه-قال: حدثنا أبو صخر مالك بن الحسن بن مالك بن الحكم بن سنان بن عصام بن خشيته بن أسود بن مرثد بن عوف بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم قال: حدثنا أبو الحسن صعصعة بن الحسين الرقي الأنصاري حافظ ثقة-بمرو قال: حدثنا محمد بن ضرام بن ريحان بن جميل قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو العتاهية القاسم بن اسماعيل (١) الشاعر، ح.
وأخبرنا به عاليا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد-فيما أذن فيه-قال:
أخبرنا أبو منصور بن خيرون قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال:
أخبرنا محمد بن طلحة قال: حدثنا أبو علي الحسن بن علي بن عبد الله بن محمد ابن سهل الفارسي-قدم علينا من مرو حاجا-قال: حدثنا مالك بن الحسن بن مالك بن الحكم بن سنان السعدي المروزي من لفظه بمرو قال: حدثنا صعصعة بن الحسين الرقي بمرو قال: حدثنا محمد بن صدام بن ريحان بن جميل قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو العتاهية الشاعر اسماعيل بن القاسم قال: حدثنا سليمان بن مهران الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من كثر-وقال أحمد بن محمد بن غالب: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (٢).
ونقلت هذا الحديث من خط الحافظ أبي طاهر السلفي، وذكر أنه انتخبه من من أصول سماعات القاضي أبي الطيب الجنزي، وقرأه عليه، وأنبأنا به أبو القاسم
стр. 1690
عبد الله بن الحسين بن رواحة قال: أنبأنا أبو طاهر السلفي قال: أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن المسدد بن المظفر الجنزي بثغر جنزة (١) قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن عبد الرحمن بن الحسن النيسابوري بثغر تفليس (٢) قال: أخبرنا حمزة بن عبد العزيز بن محمد المهلبي قال: أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن علوية الأبهري قال: حدثنا مصعب بن الحسين الرقي قال: حدثنا محمد بن صدران بن ريحان بن جميل قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو العتاهية، واسمه القاسم بن اسماعيل الشاعر، قال: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (١٤٥ - ظ)
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال:
أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: اسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، أبو اسحاق العنزي، المعروف بأبي العتاهية الشاعر، أصله من عين التمر (٣)، ومنشأه الكوفة، ثم سكن بغداد، وأبو العتاهية لقب لقّب به لاضطراب كان فيه، وقيل بل كان يحب المجون والخلاعة، فكني لعتوه أبا العتاهية وهو أحد من سار قوله، وانتشر شعره، وشاع ذكره، ويقال: ان أحدا لم يجمع له ديوانه بكماله، لعظمه، وكان يقول في الغزل والمديح والهجاء قديما، ثم نسك وعدل عن ذلك الى الشعر في الزهد، وطريقة الوعظ، فأحسن القول فيه وجود، وأربى على كل من ذهب ذلك المذهب، وأكثر شعره حكم وأمثال، وكان سهل القول، قريب المأخذ، بعيدا عن التكلف مقدما في الطبع. (٤).
نقلت من أخبار أبي العتاهية (٥) للآمدي-وذكر كاتبها أنه نقلها من خط الآمدي-قال: وكان مولد أبي العتاهية سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ويقال: بل ولد في سنة ثلاثين ومائة.
стр. 1691
قال: وكان في صباه غلاما مليحا قصيفا، له وفرة جعدة سوداء.
قال: وقال المبرد: بل كان قبيح الوجه، مليح الحركات والشمائل، حلو الانشاد، وكان منشأه الكوفة، وبها تأدب، وكان اعتزاؤه الى بني نصر بطن من عنزة بن أسد بن ربيعة، وكانت أم أبي العتاهية تدعى أم زيد بنت زياد، وكان زياد من عظماء أهل بخارى، (١٤٦ - و) وكان انقطاع أبي العتاهية لما آثر الاتصال بالسلطان الى أبي عصمة حماد بن سالم الشيعي، من أهل كرمان، وسالم هذا مولى أبي الهندي الشاعر، فأثبت أبو عصمة اسم أبي العتاهية في ديوانه في خلافة المنصور وجعله أحد أصحابه الى أن صرف أبو عصمة فأسقط من الديوان.
قال: وكان لأبي العتاهية ابن يقال له محمد، ويكنى أبا عبد الله، وابنتان يقال لأحدهما بالله والأخرى لله، وأمهم يقال لها هاشمية بنت عمرو اليمامي مولى معن بن زائدة، كان اشتراها واستولدها.
وقال: وكان معن أعتق عمرا وولده، فلما توفي معن بيع ولد عمرو وهم:
ابنان وأربع بنات، فاشترى أبو العتاهية هاشمية وأخويها.
قال: وقيل كيسان جد أبيه لقب، وأبو سويد اسمه، ولقب كيسان في صغره لذكائه وكيسه، وكان من أهل عين التمر من النيف والسبعين صبيا الذين سباهم خالد في خلافة أبي بكر، ولم يكن فيهم من أولاد الأعاجم غير سيرين أبي محمد بن سيرين، فأمر بهم أبو بكر ﵁ ففرقوا في عشائرهم، فدفع أبو سويد الى عباد بن رفاعة العنزي أحد بني نصر لأنه ذكر أنه من عنزة فتبناه، وكان معه بالكوفة في عسكر سعد بن أبي وقاص أيام القادسية، فلما أدرك كيسان نزل له عباد عن سرية كانت له وكان له منها ولد يقال له زيد، فولدت لكيسان ابنا سماه سويدا، وكان زيد بن عباد وسويد بن كيسان أخوين لأم، ثم ان عبادا وكيسان توفيا وأعقب زيد بنين، ثم توفي فكان سويد الكافل لهم، والقائم بأمرهم، وولد (١٤٦ - ظ) لسويد القاسم أبو أبي العتاهية، ومحمد واسماعيل وعبد الرحمن وحسان، فهؤلاء الأربعة عمومة أبي العتاهية.
стр. 1692
ونقلت من كتاب المستنير (١) في أخبار الشعراء تأليف أبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال: حدثنا محمد بن أبي العتاهية الملقب بعتاهية قال: اسم أبي اسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، وكنيته أبو اسحاق، وهو مولى لعباد ابن رفاعة العنزي، وكان كيسان جده من أهل عين التمر.
قال المرزباني: وحدثني علي بن هارون قال: أخبرني أبي قال: أبو العتاهية اسمه اسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان مولى عنزة، يقال مولى لعطاء بن محجن العنزي، أحد بني نصر بن سعد بن حبّان، ويقال اسمه ابراهيم بن اسحاق ويكنى أبا اسحاق.
قال: وذكر عافية بن شبيب عن علي بن بريد أن أبا العتاهية اسمه اسماعيل ابن ابراهيم، وكان جرارا من أهل الكوفة يبيع الخزف.
وقال المرزباني: حدثني محمد بن ابراهيم قال: أخبرنا أحمد بن أبي خيثمة قال:
حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال: كان سبب اسم أبي حي، سمي اسماعيل أن أحد عمومته كان اسمه اسماعيل، وعمومته أربعة: محمد، واسماعيل، وعبد الرحمن، وحسان بنو سويد بن كيسان، وكان يقال انه من عنزة، وكان كيسان في وقت دخول خالد بن الوليد الكوفة صبيا صغيرا يتيما من أبويه جميعا، فكفله قرابة له، ولم يكن محمد ابنه يخبر من أمره أكثر من هذه الجملة.
قال: فدخل خالد الناحية، وكيسان صغير يتيم، فوقع في يد (١٤٧ - و) خالد مع عدة من الصبيان، فوجه بهم الى أبي بكر الصديق، وكان عباد بن رفاعة العنزي، أحد بني نصر بن سعد، وهم بطن من بني يقدم بن عنزة بن أسد بن ربيعة ابن نزار حاضرا لأبي بكر وقت موافاته بالصبية، فلما سائلهم أبو بكر عن أنسابهم خبره كل واحد منهم بمبلغ معرفته بنسبه، ووقع في أذن عباد بن رفاعة من كيسان ذكر عنزة، فسأل أبا بكر هبته له، فأجابه الى ذلك بعد أن كان كيسان قد حصل لأبي بكر خالصا لنفسه، وكيسان لقب غلب عليه في قطنه (٢)، لكيسه وتوقده في حال
стр. 1693
صعره وذكائه، فكان كيسان في يد عباد، وتبنّاه حتى شب، وأدخله معه الكوفة في معسكر سعد بن أبي وقاص يوم القادسية، وكان لعباد ابن من سرية له اسمه زيد، فلما بلغ كيسان مبلغ الرجال أعتق عباد أم ولده، وزوجه بها، فولدت له ابنا فسماه عباد بن رفاعة سويدا، فكان زيد بن عباد وسويد بن كيسان أخوين لأم، وتوفي عباد وبعده كيسان، وبلغ سويد مبلغ الرجال، وقد أعقب زيد أخوه لأمّه عدة بنين، وتوفي زيد أيضا، فكان سويد بن كيسان هو القائم بأمور ولد أخيه زيد، ورزق سويد الولد فكان من ذكور ولده: القاسم، ومحمد، واسماعيل، وعبد الرحمن، وحسان، ثم ان البعث ضرب على ولد زيد بن عباد مع قتيبة بن مسلم الى خراسان، فخرجوا جميعا، وأقام سويد بن كيسان عمهم وولده في ديارهم بالكوفة، وأعقب القاسم بن سويد ابنين وبنتا، فأحد الابنين (١٤٧ - ظ) اسماعيل أبو العتاهية، وهو أصغر ولده، والآخر زيد وهو بكره، وانما سماه القاسم زيدا باسم عمه زيد بن عباد بن رفاعة، وكانت أم زيد واسماعيل بنت رجل من عظماء أهل بخارى يقال له زياد، ومن ولده يحيى بن جرير، كان بالكوفة له نسل، ويحيى هو ابن خال أبي العتاهية لحّا (١)، وكان زياد جد أبي العتاهية من قبل أمه مولى محمد ابن هاشم بن عمرو بن عتبة الزهري، زهرة قريش، أخوال رسول الله ﷺ ، وعمرو بن مالك بن عتبة هو الذي كان على الناس يوم جلولاء الوقيعة (٢)، المرقال (٣) من بني عمه.
قال: ولما لم يصح لأبي العتاهية من نسبه أكثر من هذه الجملة اقتصر على الظاهر دون الخفي وانتمى الى ولاء عباد بن رفاعة العنزي من قبل أعمامه، والى ولاء محمد بن هاشم القرشي من قبل أخواله، وكان لا يرى التفاضل بالأنساب والمناكح واجبا، ومما قال في ذلك:
стр. 1694
وإذا تناسبت الرجال فما أرى … نسبا يقاس بصالح الأعمال (١)
وله أيضا يومئ الى ذلك:
ما بال من أوّله نطفة (٢) … وجيفة آخره يفخر (٣)
قال: ولم يكن يصاهر إلا الموالي ولا يضع نفسه إلا في جملتهم وعدادهم.
وقال المرزباني: حدثني محمد بن أحمد الكاتب، ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا أبو أحمد البربري قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني الحسن بن علي قال:
حدثني أحمد بن الحجاج العنزي قال: حدثني صعب بن دوبل أبو دوبل الحداني قال: كنت عند (١٤٨ - و) مندل وحبّان ابني علي بن الحارث بن قيس العنزي، وهما من ولد عمرو بن عامر بن سعد بن حبان بن حبيب بن أوس بن طريف بن النمر ابن يقدم بن عنزة، فأتاهما أبو العتاهية مشجوجا قد ضرب، فقال لهما: من أنا؟ فقال حبان ومندل: أنت اسماعيل بن القاسم، أخونا وابن عمنا ومولانا، قال: فان فلانا الجرار ضربني وقال لي: يا نبطي، فغضبا له، وقاما معه حتى أخذا له بحقه.
وقال: حدثني أبو عبد الله الحكمي، وأبو بكر الصولي قالا: حدثنا محمد ابن موسى قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني الحسن بن علي البصري قال: حدثني محمد بن محمد بن معاوية الأسدي عن جباره بن المغلس قال:
أبو العتاهية مولى لعطاء بن محجن من سادة أهل الكوفة، فخاصم يسير بن عبد الرحمن العجلي، وكان على شرطة الكوفة، فذهب ليقنّعه (٤) فبدر عطاء بن محجن فقنّعه حتى فر منه.
وقال المرزباني: حدثني محمد بن ابراهيم قال: أخبرنا أحمد بن خيثمة قال:
حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال: كنية أبي أبو اسحاق، وأبو عتاهية لقب، وكان
стр. 1695
المهدي قال له يوما: أنت انسان متعتّه متحذلق تجهدل، فاستوت له من ذلك اليوم كنية غلبت عليه، وسارت له دون اسمه وكنيته.
وقال الآمدي فيما نقلته من كتابه: وقيل انما لقب بهذا اللقب لاضطراب كان في خلقه كأنه معتوه.
قال: ويقال: بل كان ابنه محمد يلقب عتاهية فكني به (١٤٨ - ظ).
قلت: وقد روى بعض أصحاب الجاحظ عنه أنه قال: كان أبو العتاهية غلاما بالكوفة مخنّثا، وكان أبوه جرّارا، وكان مولى لعنزة، وكان يلقب بثاته (١)، فخرج من الكوفة على ذلك، فصار الى بغداد ففتح له من الشعر فقاله، وكسب المال وصار الى ما صار اليه.
وقال أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمّار في أخبار أبي العتاهية: ولم يصنع الجاحظ في قوله «كان مخنثا» شيئا، لكن حالته في أول أمره كانت خسيسة، وكان أبوه من السوقة بالكوفة، ففي كلامه لين وترصيع بطبع رقيق وقريحة صحيحة فكان كلامه نقيّا مختصرا، ومعانيه قريبة المأخذ، وكان يحب أن يحكي كلام كل صنف من الناس.
قرأت في كتاب الورقة تأليف محمد بن داود بن الجرّاح قال: أبو العتاهية اسماعيل بن القاسم كيسان، كوفي، مولى لعنزة، وكان يتكسب بالعشق، ويتوصل الى مدح الخلفاء، وله من الشعر الجيد في الرقيق والمدح والزهد ما ليس لأحد، وعلى ذلك كثر غثاؤه وسقطه، وكان سلم (٢) يقول: هو أشعر الأنس والجن (٣).
وقرأت في معجم الشعراء تأليف أبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، وأنبأنا به ابن طبرزد عن أبي غالب بن البناء عن أبي محمد الجوهري عن أبي عبيد الله قال:
стр. 1696
أبو العتاهية اسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان مولى عباد بن رفاعة العنزي الكوفي، وكان كيسان جده من أهل عين التمر، وأبو العتاهية لقب، وكنيته أبو اسحاق، ولقب بذلك لاضطراب كان فيه، ويقال: هو مولى لعطاء بن محجن العنزي أحد بني نصر بن سعد بن حبان (١٤٩ - و) ويقال: اسم أبي العتاهية ابراهيم بن اسحاق، والاول أصح، وكان جرارا يبيع الخزف بالكوفة، وأمه أم زيد بنت زياد البخاري، مولى لبني زهرة، وولد في سنة ثلاثين ومائة، ومات ببغداد في سنة عشر ومائتين، وقيل في سنة احدى عشرة، وقيل قبل ذلك وبعده، والاول أصح، وقبره في الجانب الغربي من مدينة السلام قبالة قنطرة الزياتين، وكان أبيض اللون، أسود الشعر، قصيفا، طريقا له وفرة جعدة، وهيئة حسنة، وخضب في آخر عمره بالحناء، وأخباره مع المهدي، والهادي، والرشيد، والامين، والمأمون مشهورة، وكان ذا منزلة عند الخلفاء والوزراء وعلية أهل الدولة، ومذهبه في سهولة الطبع وقرب المأخذ، والبعد من التكلف متعالم غير مدافع، حتى أن قائلا لو قال: انه أطبع الناس أجمعين لما خولف في قوله، وهو مفتن في سائر أجناس الشعر وأنفذ قوله في آخر عمره فيما لم يشركه أحد ممن تقدمه من الشعراء ولا من تأخر عنه من القول في الزهد، والمواعظ، والعبر، والامثال (١).
وقرأت في كتاب المستنير لأبي عبيد الله المرزباني قال: حدثني علي بن أبي عبد الله الفارسي قال: أخبرني أبي عن أبي دعامة علي بن بريد قال: كان أبو العتاهية كوفيا مولى لعنزة، وكان جرارا، وكان أبوه يكنى أبا اسماعيل، وكان في الديوان دهرا، فلما نسك أبو العتاهية، وترك الديوان، وقال في الزهد، تعلم الحجامة ليذل نفسه بذلك ويتواضع به، فأخبر يحيى بن (١٤٩ - ظ) خالد، فقال: ما دعاه الى هذا؟ قيل: أراد أن يذل نفسه، قال: أما كانت له صناعة قبل هذا؟ قيل: بلى، كان يبيع الجرار، فقال: لقد كان له في بيع الجرار من الذل ما يغنيه عن الحجامة.
أخبرنا أبو الحسن بن أبي عبد الله بن أبي الحسن البغدادي بالقاهرة قال:
أنبأنا أبو الفضل محمد بن ناصر بن علي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أيوب
стр. 1697
البزاز، وأبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون قالا: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان قال: أخبرنا أبو علي الطوماري قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: حدثنا أبو العباس المبرد عن الرياشي قال: أقبل أبو العتاهية ومعه سلة محاجم، فجلس الينا وقال: لست أبرح أو تأتوني بمن أحجمه، فجئناه ببعض عبيدنا فحجمه، ثم أنشأ يقول:
ألا إنما التقوى هي العز والكرم … وحبّك للدنيا هو الذلّ والعدم
وليس على عبد تقي نقيصة … إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم (١)
قرأت في كتاب المستنير للمرزباني عن محمد بن عبد الباقي عن أبي محمد الجوهري عنه قال: وأخبرني الحسين بن محمد العرمرم قال: أخبرنا محمد بن يزيد النحوي قال: كان أبو العتاهية يبيع الجرار بالكوفة، وكانت له ابنتان سمى أحدهما بالله والأخرى لله، فخطب إحداهما منصور بن المهدي، فلم يزوجه أبو العتاهية، وقال: إنما مالت نفسه إليها لأنها بنت أبي العتاهية وأن اسمها لله، وكأني به في غد قد ملها وضامها، فلم يكن الى الانتصاف منه سبيل، وما كنت لأزوجها إلا بائع جرار (١٥٠ - و) لا يطول عليها، ولكني أختاره مؤسرا.
وقال: حدثني علي بن أبي عبد الله الفارسي قال: أخبرني أبي قال: حدثني علي بن مهدي قال: حدثني عبد الله بن عطية قال: رأيت أبا العتاهية أيام محمد (٢) على قنطرة الصراة شيخا مخضوبا عليه رداء ونعل، يوم الجمعة والناس يمرون الى الصلاة وهو يمشي وخلفه غلام له على حمار، فسألت غلامه لم لا يركب؟ قال:
لا يمضي الى صلاة الجمعة إلا راجلا، فإذا انصرف ركب. (١٥٠ - ظ)
стр. 1698
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
وقال أبو عبيد الله المرزباني: حدثني أبو عبد الله الحكيمي قال: حدثني محمد ابن موسى البربري قال: حدثني محمد بن الحسن قال: حدثني يحيى بن الحسن قال: أخبرني محمد بن سعيد بن منصور خال المهدي قال: كان أبو العتاهية من أهل الكوفة، وكانوا ستة أخوة يتصرفون في تجاراتهم، وكان أبو العتاهية أوضعهم حالا، فقالت له أمه: كم تصبر على هذا الضر وتنتظر ما يكون من اخوتك، فلو صرت الى بغداد، فأطاع أمرها، وصار الى بغداد واتخذ تختا يبيع فوقه الفلوس، قال أبو العتاهية: فحضرتني أبيات قلتها في سعيد بن منصور فقال لي: لو قلت شيئا في أمير المؤمنين المهدي أوصلته إليه، فقلت أبياتا على الدال منها:
شهدت قريش والقبائل كلها … بفضل أمير المؤمنين محمد (١)
فأمر لي بعشرة آلاف درهم، فأخذتها، وانفتح لي الشعر فقلت فيه،، فأمر لي بمثلها حتى وصل إليّ منه مائة ألف درهم، وكان سعيد بن منصور السبب في ذلك، ثم انفتحت لي الأمور.
وقال: حدثني محمد بن إبراهيم قال: أخبرنا أحمد بن أبي خيثمة قال: حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال: كان أبي في صغره أحد أهل الفتك والمزح، ولم يكن له تشاغل عن الأدب بشيء، وكان مكفيا قد ورث أباه عقارا يقيمه، وكان يأتي الحيرة ونواحيها كثيرا (١٥٢ - و) للنزهة والشرب هناك.
وقال: كان أبي يسلك في الأدب مسلك عبد الله بن المقفع، ولم يكن يقدم على علوم الأوائل من الهند والروم وأهل فارس علما، ولا يزيد على حكمتهم شيئا،
стр. 1699
وكان يقول بالتوحيد غير أنه كان يزعم أن الله أحدث جوهرين متضادين لا من شيء، ثم إنه بنى العالم هذه البنية منهما، وكان يقول: إن العالم حديث العين والصنعة لا محدث له ولجميع ما فيه إلا الله تعالى وحده، كان يزعم أن الله سيعيد كل شيء مما خلق على هذه الصنعة الى الجوهرين المتضادين، أو قال:
الأصلين الحديثين لا من شيء قبل أن تفنى الأعيان جميعا، وكان يذهب الى أن المعارف واقعة بقدر الفكر والبحث والاستدلال طباعا، وكان يقول: إن الله لم يزل موصوفا بالحي، «وإنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار» (١) وكان يذهب الى أن الحوادث كلها خيرها وشرها مذ برأ الله العالم والى أن يبيده فلكية على مذهب الزيدية، وكان يتشيع لآل رسول الله ﷺ ، غير أنه لم يكن يتنقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا من أمهات المؤمنين رحمهن الله، ولم يكن يرى الخروج على السلطان، ولا يرى الجدل والمراء في الدين، وكان يذهب الى خلع الدنيا والزهد فيها والتصوف والقناعة، وكان يقول: الاستطاعة مع (١٥٢ - ظ) الفعل، وإن الله قضى السيئات والحسنات.
وقال: كانت لأبي جارة تشرف على سطحه، فرأته ليلة يقنت، فروت عنه أنه يكلم القمر، واتصل الخبر بحمدويه (٢) صاحب الزنادقة، فصار الى منزلها وبات وأشرف على أبي العتاهية فرآه يصلي، فلم يزل يرقبه حتى قنت وصار الى مضجعه، فانصرف حمدويه خاسئا.
قال المرزباني: أخبرني محمد يحيى قال: حدثنا أبو ذكوان قال: حدثنا العباس بن رستم قال: كان حمدويه صاحب الزنادقة أراد أن يأخذ أبا العتاهية ففزع من ذلك فجلس حجاما.
قال المرزباني: أخبرني الصولي قال: حدثني عون بن محمد قال: سمعت العباس بن رستم يقول: كان أبو العتاهية مذبذبا في مذهبه، يعتقد شيئا، فإذا سمع طاعنا عليه ترك اعتقاده وأخذ غيره، قال: وشعره يدلك على ذلك.
стр. 1700
وقال: أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثني شيخ من مشايخنا قال: حدثني أبو شعيب الحجام صاحب ابن أبي دؤاد قال: قلت لأبي العتاهية: القرآن مخلوق أو غير مخلوق؟
فقال: سألت عن الله أو غير الله؟ قلت: عن غير الله، فأمسك حتى أعدت عليه هذا مرات، يقول لي مثل قوله، فقلت: مالك لا تجبيبني؟ قال: قد أجبتك، ولكنك حمار.
قال: وأخبرني محمد بن العباس قال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي قال:
حدثني ابن مهرويه قال: حدثنا العباس بن ميمون طائع عن رجاء بن سلمة قال:
سمعت أبا العتاهية يقول: قرأت البارحة «عم يتساءلون» ثم قلت قصيدة خيرا منها.
وقال: (١٥٣ - و) أخبرني الحسين بن علي قال: حدثني الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني أحمد بن سليمان الحنفي قال: حدثني أبي قال: شهد رجل على أبي العتاهية بالزندقة، ونحن بطوس مع الرشيد، فحبسه الرشيد منذ غدوه إلى العصر، وطلبوا شاهدا آخر فلم يجدوا فأطلقه، ثم حبسه ثانية، فدخلنا عليه الحبس فأنشدنا:
هي الأيّام والعبر … وأمر الله ينتظر
أتيأس أن ترى فرجا … فأين الله والقدر (١)
فأطلقه الرشيد.
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي-فيما أذن لنا أن نرويه-قال:
أخبرنا أبو منصور القزّاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال:
أخبرنا أبو بكر البرقاني قال: أخبرنا محمد بن العباس بن محمد الخزّار قال:
حدثنا محمد بن المرزبان قال: أخبرني عبد الله بن محمد قال: أخبرني الحسين ابن عبد الرحمن قال: قال الرشيد لأبي العتاهية: الناس يزعمون أنك زنديق؟! فقال: يا سيدي كيف أكون زنديقا وأنا القائل:
стр. 1701
أيا عجبي كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده جاحد
وفي كل شيء له آية … تدلّ على أنّه واحد (١)
أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد القاضي قال: أخبرنا أبو الحسن علي ابن أحمد الغساني قال: أخبرنا أحمد بن علي البغدادي قال: أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا محمد بن عمران بن موسى الكاتب قال: حدثنا عبد الواحد ابن محمد الخصيبي (١٥٣ - ظ) قال: حدثني أبو الفضل ميمون بن هرون قال:
حدثني العبر قال: جلس منصور بن عمار بعض مجالسه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنّي أشهدكم أنّ أبا العتاهية زنديق، فبلغ ذلك أبا العتاهية، فكتب إليه:
إنّ يوم الحساب يوم عسير … ليس للظالمين فيه نصير
فاتخذ عدة لمطلع القب … ر وهول الصراط يا منصور
ووجه بها أبو العتاهية الى منصور، فندم على قوله، وحمد الله وأثنى عليه وقال: أشهدكم أن أبا العتاهية قد اعترف بالموت والبعث، ومن اعترف بذلك فقد برئ مما قذف به (٢).
قرأت في كتاب المستنير للمرزباني قال: حدثني علي بن أبي عبد الله قال:
أخبرني أبي قال: حدثني علي بن مهدي الكسروي قال: حدثني محمد بن يزيد العميّ عن عمرو بن مالك المذاري قال: كان أبو العتاهية من عندنا وكان أبوه بياع الجرار، وكان ضيق المعاش، وكان أبو العتاهية كثيرا ما يجالس من يجتاز بنا من النساك، وكان قليل العلم، فخرج مع بعض النساك فأقام بعبادان حينا، فرجع وقد تفقه وحسن أدبه، وقال الشعر في الزهد، ثم شخص إلى الكوفة فتأدب هناك، ثم قدم بغداد ورأى نفسه متخلفة عن أولئك الشياطين، وأراد أن يكون له سبب الى الملوك يتعيش به، فأشار عليه الهيثم بن عدي أن يشببب بالخيزران، فجبن
стр. 1702
عن ذلك، فأغراه بعتبة جارية ريطة بنت أبي العباس، فلبس مدرعة صوف، وطلب عتبة (١٥٤ - و) وسأل عنها فدل عليها وهي تسأل بعض عجائز القصر أرق مسألة، فتعرض لها أبو العتاهية فقال:
فديتك تجميش (١) … العجوز بلية
ولا سيما من برة متبتلة (٢)
فأمرت فوجئ في عنقه ورأته في زي مجنون فخلت سبيله، فرجع إلى الهيثم ابن عدي فشكا إليه، فقال: إنما أشرت عليك أن تشبب بها وتدعي عشقها، لم أشر عليك أن تأمرها بالمعروف وتنهاها عن المنكر، وقد وقع الجنون بحيث أردت فالزم هذا فعسى ان تنال خيرا، ففعل فكان يتبع عتبة في الطرقات وينشدها أشعاره، وإذا دخلت إلى بيتها جلس لها حتى تخرج، فاستطرف الناس ذلك منه، وكنوه بأبي العتاهية، وضرب وحبس فلم يزده ذلك إلاّ بصيرة في أمره، وكان ذلك سببا له إلى بلوغ ما أمّل.
أخبرنا عبد الصمد بن الحرستاني-إذنا-قال: أخبرنا أبو الحسن بن أحمد الغساني قال: أخبرنا محمد بن عمران المرزباني قال: أخبرنا محمد بن يحيى قال:
حدثني محمد بن موسى البربري قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي الهاشمي عن أبي شعيب أحمد بن يزيد صاحب ابن أبي دؤاد قال: قلت لأبي العتاهية: يا أبا اسحاق حدثني بقصتك مع عتبة فقال لي: أحدثك، قدمنا من الكوفة ثلاثة فتيان شبابا أدباء، وليس لنا ببغداد من نقصده، فنزلنا غرفة بالقرب من الجسر فكنا نبكر فنجلس في المسجد (١٥٤ - ظ) الذي بباب الجسر في كل غداة، فمرت بنا يوما امرأة راكبة معها خدم سودان، فقلنا: من هذه؟ قالوا: خالصة، فقال أحدنا: قد عشقت خالصة، وعمل فيها شعرا فأعناه عليه، ثم لم يلبث أن مرت أخرى راكبة معها خدم بيضان، فقلنا: من هذه؟ فقالوا عتبة، فقلت: قد عشقت عتبة، فلم نزل كذلك في كل يوم الى أن التأمت لنا أشعار كثيرة، فدفع صاحبي شعره الى خالصة ودفعت أنا شعري الى عتبة، وألححنا الحاحا شديدا، فمرة تقبل أشعارنا، ومرة نطرد، الى
стр. 1703
أن جدوا في طردنا، فجلست عتبة يوما في أصحاب الجوهر، ومضيت فلبست ثياب راهب، ودفعت ثيابي الى انسان كان معي، وسألت عن رجل كبير من أهل السوق، فدللت على شيخ صانع، فجئت إليه فقلت: إني قد رغبت في الاسلام على يدي هذه المرأة، فقام معي وجمع جماعة من أهل السوق، وجاءها فقال: إن الله قد ساق إليك أجرا، هذا راهب قد رغب في الاسلام على يديك، قالت: هاتوه، فدنوت منها فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وقطعت الزنار، ودنوت فقبلت يدها، فلما فعلت ذلك رفعت البرنس فعرفتني، فقالت: نحوه لعنه الله، فقالوا: لا تلعنيه فقد أسلم، فقالت: إنما فعلت ذلك لقذره، فعرضوا علي كسوة، فقلت ليست بي حاجة الى هذه، وإنما أردت أن أشرف بولائها، فالحمد لله الذي من علي بحضوركم، وجلست فجعلوا يعلمونني الحمد، وصليت (١٥٥ - و) معهم العصر وأنا في ذاك بين يديها أنظر إليها لا تقدر لي على حيلة، فلما انصرفت لقيت خالصة فشكت إليها، فقالت: ليس يخلو هذان من أن يكونا عاشقين أو مستأكلين، فصح عزمهما على امتحاننا بمال على أن ندع التعرض لهما، فإن قبلنا المال فنحن مستأكلان وإن لم نقبله فنحن عاشقان، فلما كان الغد مرت خالصة فعرض لها صاحبها فقال له الخدم: اتبعنا فاتبعهم، ثم لم نلبث أن مرت عتبة فقال لي الخدم: اتبعنا، فاتبعتهم، فمضت بي الى منزل خليط لها بزاز (١)، فلما جلست دعت بي فقالت لي: يا هذا إنك شاب وأرى لك أدبا، وأنا حرمة خليفة، وقد تأنيتك فإن أنت كففت وإلا أنهيت ذلك الى أمير المؤمنين، ثم لم آمن عليك.
قلت: فافعلي بأبي أنت وأمي، فإنك إن سفكت دمي أرحتني، فأسألك بالله إلاّ فعلت ذلك، إذ لم يكن لي فيك نصيب، فأما الحبس والحياة ولا أراك فأنت في حرج من ذاك، فقالت: لا تفعل يا هذا وأبق على نفسك وخذ هذه الخمسمائة الدينار واخرج عن هذا البلد، فلما سمعت ذكر المال وليت هاربا، فقالت: ردوه، فلم تزل تردني فقلت: جعلت فداءك ما أصنع بعرض من الدنيا وأنا لا أراك، وإنك لتبطئين يوما واحدا عن الركوب فتضيق بي الأرض بما رحبت، وهي تأبى إلا ذكر المال حتى جعلت لي ألف دينار، فأبيت وجاذبتها مجاذبة شديدة وقلت: لو أعطيتني جميع
стр. 1704
ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة وأنا لا أراك بعد أن أجد السبيل الى رؤيتك، وخرجت (١٥٥ - ظ) فجئت الغرفة التي كنا ننزلها فإذا صاحبي مورم الأذنين، وقد امتحن بمثل محنتي فلما مد يده الى المال صفعوه، وحلفت خالصة لئن رأته بعد ذلك لتودعنه الحبس، فاستشارني في المقام فقلت: اخرج وإياك أن يقدر عليك، ثم التقتا فأخبرت كل واحدة صاحبتها الخبر، وأحمدتني عتبة وصح عندها أني محب محق، فلما كان بعد أيام دعتني عتبة فقالت بحياتي عليك إن كنت تعزها إلا أخذت ما يعطيك الخادم فأصلحت به من شأنك، فقد غمني سوء حالك، فامتنعت، فقالت: ليس هذا مما تظن، ولكني لا أحب أن أراك في هذا الزي، فقلت: لو أمكنني أن تريني في زي المهدي لفعلت ذلك، فأقسمت عليّ، فأخذت الصرة فإذا فيها ثلاثمائة دينار، فاكتسيت كسوة حسنة واشتريت حمارا.
أنبأنا زيد بن الحسن قال: أخبرنا عبد الرحمن بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا أبو حنيفة عبد الوهاب بن علي بن الحسن المؤدب قال: حدثنا المعافى بن زكريا الجريري قال: حدثنا محمد بن أحمد بن ابراهيم الحكيمي قال:
أخبرنا أحمد بن أبي خيثمة قال: حدثنا عتاهية بن أبي عتاهية قال: أقبل أبي يمدح المهدي ويجتهد في الوصول إليه، فلما تطاولت أيامه أحب أن يشهر نفسه بأمر يصل إليه، فلما بصر بعتبة راكبة في جمع من الخدم تتصرف في حوائج الخلافة تعرض لها وأمل أن يكون تولعه بها هو السبب الموصل الى محبته وانهمك في التشبيب والتعرض في كل مكان لها، والتفرد بذكرها واظهار شدة (١٥٦ - و) عشقها، وكان أول شعر قاله فيها:
راعني يا يزيد صوت الغراب … لحذاري للبين من أحبابي
يا بلائي ويا تقليل أحشائي … ونفسي لطائر نعاب
أفصح البين بالنعيب وما … أفصح لي في نعيبه بالإياب
فاستهلت مدامعي جزعا منه … بدمع ينهل بالتسكاب
ومنعت الرقاد حتى كأني … أرمد العين أو كحلت بصاب
стр. 1705
قلت للقلب إذ طوى وصل … سعدى لهواه البعيد بالأنساب
أنت مثل الذي يفر من القط … ر حذار الندى الى الميزاب (١)
وهي طويلة.
قال: وقال في عتبة:
ولقد طربت إليك ح … تى صرت من ألم التصابي (٢)
يجد الجليس إذا دنا … ريح الصبابة في ثيابي
وقال فيها أيضا:
وإني لمعذور على طول حبها … لأن لها وجها يدلّ على عذري
إذا ما بدت والبدر ليلة تمه … رأيت لها فضلا مبينا على البدر
وتهتز من تحت الثياب كانها … قضيب من الريحان في ورق خضر
أبى الله إلاّ أن أموت صبابة … بساحرة العينين طيبة النشر
وتبسم عن ثغر نقي كأنه من … اللؤلؤ المكنون في صدف البحر
(١٥٦ - ظ)
يخبرني عنه السواك بطيبه … ولست به لولا السواك بذي خبر (٣)
أخبرنا أبو جعفر يحيى بن جعفر بن عبد الله بن محمد بن علي الدامغاني بحلب قال: أخبرنا أبي أبو منصور جعفر ببغداد قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن سوار قال: أخبرنا أبو الحسين بن رزمة قال: أخبرنا أبو سعيد السيرافي قال: حدثني محمد بن منصور قال: حدثنا الزبير-يعني ابن بكار-قال: حدثني جعفر بن الحسين اللهبي قال: أرسل أمير المؤمنين المهدي يوما الى أبي العتاهية فدعاه فقال:
أنت الذي يقول في عتبة:
الله بيني وبين مولاتي … أبدت لي الصدّ والملامات
стр. 1706
متى وصلتك حتى تنكر صدها عنك؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا الذي أقول:
يا ناق سيرى بنا ولا تعدي … نفسك مما ترين راحات
حتى تنيخي بنا الى ملك … توّجه الله بالمهابات
يقول للريح كلما صفقت: … هل لك يا ريح في مباراتي (١)
قال: فأطرق مليا وجعل ينكت بقضيب كان في يده، ثم رفع رأسه فقال: أنت الذي تقول:
ألا ما لسيدتي مالها … لقد سكن الحبّ سر بالها
ما يدريك ما في سر بالها؟ فقال: يأمير المؤمنين وأنا الذي أقول:
أتته الخلافة منقادة … إليه تجرر أذيالها
(١٥٧ - و)
فلم تك تصلح إلا له … ولا كان يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره … لزلزلت الأرض زلزالها
قال: فنكس رأسه ونكت بقضيبه، ثم رفع رأسه فسأله عن شيء فعيي بجوابه، فأمر به فجلد، ثم أخرج مجلودا فلقي عتبة على الباب فقال:
بخ بخ يا عتب من مثلكم … قد قتل المهدي فيكم قتيل
قال: فدخلوا فأخبروا المهدي بما قال: فضحك، ثم أمر له بعشرين ألف درهم فأخذها، فلما خرج كان على الباب المرابطة فقسمها فيهم، فأخبر المهدي بذلك، فدعاه فقال له: ما الذي حملك على أن أكرمتك بكرامة فقسمتها؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما كنت لآكل ثمن من أحببت، فأطلقها له، وتقدم إليه ألا يبذرها (٢).
أنبأنا القاضي أبو القاسم بن محمد بن أبي الفضل قال: أخبرنا أبو الحسن علي ابن أحمد الغساني قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا أبو حنيفة المؤدب قال: حدثنا المعافى بن زكريا قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا
стр. 1707
عسل بن ذكوان قال: أخبرنا دماذ عن حماد بن شقيق قال: قال أبو سلمة الغنوي: قلت لأبي العتاهية: ما الذي صرفك عن قول الغزل الى قول الزهد؟ قال:
إذا والله أخبرك، إني لما قلت:
الله بيني وبين مولاتي … أهدت لي الصدّ والملالات
منحتها مهجتي وخالصتي … فكان هجرانها مكافاتي
(١٥٧ - ظ)
هيّمني حبّها وصيّرني … أحدوثة في جميع جاراتي (١)
رأيت في المنام في تلك الليلة كأن آتيا أتاني فقال: ما أصبت أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى؟! فانتبهت مذعورا، وتبت الى الله من ساعتي من قول الغزل.
وذكر أبو الحسن المسعودي في كتاب مروج الذهب: قال أبو العباس يحيى ثعلب: كان أبو العتاهية قد أكثر مسألة الرشيد في عتبة، فوعده بتزويجها، إن أجابت وتجهيزها ثم إن الرشيد سنح له شغل فحجب عنه أبو العتاهية فدفع الى مسرور الكبير ثلاث مراوح، فدخل بها مبتسما فقرأ الرشيد على إحداهن:
ولقد تنسّمت الرياح لحاجتي … فإذا لها من راحتيك نسيم
قال: أحسن الخبيث، وإذا على الأخرى:
أعلمت نفسي من رجائك ماله … عنق يخبّ اليك بي ونسيم
فقال: وقد أجاد، وإذا على الأخرى:
ولربما استيأست ثم أقول لا … إن الذي ضمن النجاح كريم
فقال: قاتله الله، ثم دعا به فقال: ضمنت لك يا أبا العتاهية وإني قاعد لقضاء حاجتك، وبعث الى عتبة: انتظريني الليلة في منزلك فلي اليك حاجة، فصارت هي اليه، فحلف ألا يذكر حاجته الا عندها، فلما كان الليل صار اليها في خواص خدمه
стр. 1708
فقال: لست أذكر حاجتي أو تضمنين لي قضاءها (١٥٨ - و) قالت: أنا أمتك وأمرك في نافذ إلا أبا العتاهية فإني حلفت لأبيك ﵁ بأيمان لاتحد كفارتها بالمضي الى مكة حافية، كلما قضيت حجة وجبت حجة أخرى، وكلما أفدت شيئا تصدقت به، وبكت بين يديه، فرحمها ورقّ لها، وانصرف عنها، وغدا عليه أبو العتاهية لا يشك في الظفر، فقال له: ما قصرت في أمرك، ومسرور وحسين ورشيد وغيرهم شهود لي، وشرح له الخبر.
قال أبو العتاهية: لما خبرني بذلك لم أدر أين أنا، ثم قلت: الآن يئست منها إذ ردّتك، وعلمت أنها لا تجيب أحدا بعدك، فلبس الصوف وقال:
قطعت منك حبائل الآمال … وخططت عن ظهر المطيّ رحالي
ووجدت برد اليأس بين جوانحي … فغنيت عن حل وعن ترحال (١)
وذكر أبو عبيد الله المرزباني في كتاب المستنير، وقرأته فيه في أخبار أبي العتاهية، وأخبرنا به إجازة أحمد بن الأزهر بن السباك قال: أنبأنا أبو بكر محمد ابن عبد الباقي عن أبي محمد الجوهري عنه قال: حدثني محمد بن أحمد الكاتب، ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا الزبير بن بكار قال:
حدثني ثابت بن الزبير بن حبيب قال: أخبرني ابن أخت أبي خالد الحراني قال:
قال لي هرون الرشيد: احبس أبا العتاهية حتى يقول شعرا رقيقا، وأمرني بالتضييق عليه، قال: فأخذته فحبسته في بيت خمسة أشبار في خمسة أشبار، فصاح الموت، أخرجوني أنا أقول لكم ما شئتم، قال: فقلت له: فقل، فقال: أخرجني حتى أتنفس فأخرجته وأعطيته قرطاسا ودواة فكتب فيه: (١٥٨ - ظ).
من لعبد أذله مولاه … ما له شافع اليه سواه
يشتكي ما به اليه ويخشا … هـ ويرجوه مثلما يخشاه (٢)
قال: فجئت بها مسرورا، فأدخلها الى أمير المؤمنين، فتقدم الرشيد الى ابراهيم الموصلي فغنّى بها، ودعا به فقال: أنشدني:
стр. 1709
يا عتب سيدتي أمالك دين …
فأنشده إياها، فوعده أن يزوجه بها، فلما خرج قال له النساء: إنه شبّب بها وشهرها في الناس وان زوجته اياها حققت عليها ما قال فيها، فأمر له عوضا من ذلك بخمسين ألف درهم.
وقال المرزباني: حدثني محمد بن ابراهيم قال: أخبرنا أحمد بن أبي خيثمة قال:
حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال: غنّي الرشيد يوما في شعر أبي وهو في الحبس:
خليليّ مالي لا تزال مضرّتي … تكون على الأقدار حتما من الحتم
كفاك بحق الله ما قد ظلمتني … فهذا مقام المستجير من الظلم
ألا في سبيل الله جسمي وقوتي … أما مسعد حتى أنوح على جسمي (١)
فأمر الرشيد بإحضاره فقال له: أيجوز لك هذا، بالأمس ينهاك أمير المؤمنين المهدي عن القول في عتبة فتأبى إلا لجاجا ومحكا، واليوم آمرك بالقول فيها فتأبى ذلك؟! قال: يا أمير المؤمنين ان الحسنات يذهبن السيئات، كنت أقول في الغزل ولي شباب وحدة، وبي حراك وقوة، واليوم فأنا شيخ ضعيف لا يحسن بمثلي لهو ولا تصاب، فقال: والله لا رضيت منك (١٥٩ - و) إلا بالذي كنت عليه، ثم قال له:
أنشدني بعض ما قلت فيها، فسكت، فقال: والله لتنشدني شيئا من ذلك، فأنشده:
نفسي بشيء من الدنيا معلقة … الله والقائم المهدي يكفيها
إني لآيس منها ثم يطمعني … فيها احتقارك للدنيا وما فيها (٢)
فقال له الرشيد: هل لك في التزويج بها؟ قال: لا والله، قال: انك ان قبلت ذلك خليت سبيلك وزدت في منزلتك، قال: عليّ عهد الله ألا أتزوج على أم ولدي حتى ألقى الله، فاعفني من ذلك يا أمير المؤمنين عفا الله عنك، فأمر الرشيد برده الى الحبس.
стр. 1710
وقال المرزباني: حدثني علي بن الفارسي قال: أخبرني أبي قال: حدثني علي بن مهدي عن أحمد بن حمدون قال: أخبرني مخارق قال: لما تقرّأ (١) أبو العتاهية ولبس الصوف، أمره الرشيد أن يقول شعرا في الغزل، فامتنع فضربه ستين عصا، وحلف ألا يخرج من حبسه حتى يقول شعرا في الغزل فلما رفعت المقارع عنه قال للرشيد: كل مملوك له حر، ومرته طالق ان تكلم سنة إلا بلا اله الا الله محمد رسول الله ﷺ ، فكأن الرشيد تحوّب (٢) مما فعل به، فأمر بأن يحبس في دار ويوسع عليه، ولا يمنع من الدخول اليه.
قال مخارق: وكانت الحال بيني وبين ابراهيم الموصلي لطيفة، فكان لا يزال يبعث بي اليه في الايام أتعرف خبره، فاذا ادخلت اليه الى حبسه وجدت بين يديه ظهورا ودواة يكتب إليّ بجميع ما يريد، وأكلمه أنا، فمكث كذا سنة، واتفق (١٥٩ - ظ) أن ابراهيم صنع صوته:
أعرفت أن الحيّ بالحجر … فسر وريان فقبّة العمر
وهجرتنا وألفت رسما باليا … والرسم كان أحق بالعمر (٣)
فقال لي ابراهيم: اذهب الى أبي العتاهية حتى تغنيه هذا الصوت، فأتيته في اليوم الذي تنقضي فيه يمينه، فكتب إليّ بعد أن غنيته: هذا اليوم الذي تنقضي فيه يميني، فأحب أن تقيم عندي الى الليل، فأقمت عنده نهاري كله حتى إذا أذّن الناس المغرب، كلمني فقال: مخارق، قلت: لبيك، قال: قل لصاحبك: يا ابن الزانية، أما والله لقد أبقيت للناس فتنة الى يوم القيامة، فانظر أين أنت من الله غدا، قال مخارق: فقلت له: دعني من هذا، قلت شيئا نتخلص به من هذا الموضع؟ قال:
قد قلت في امرأتي شعرا، قلت: فأنشدنيه، فأنشدني:
стр. 1711
من لقلب متيم مشتاق … شقّه شوقه وطول الفراق
طال شوقي الى قعيدة بيتي … ليت شعري فهل لنا من تلاق
فهي حظي قد اقتصرت عليها … من ذوات العقود والاطواق
جمع الله عاجلا بك شملي … عن قريب وفكّني من وثاقي (١)
قال: فكتبتها وصرت بها الى ابراهيم، فصنع فيها لحنا، ثم دخل على الرشيد، فكان أول ما غنّاه في ذلك المجلس، فأعجبه، وقال: لمن هذا الغناء والشعر؟ قال:
ابراهيم: أما الغناء فلي، وأما الشعر فلا سيرك أبي العتاهية، قال: أو فعل؟ قال:
نعم قد كان ذاك، فدعا (١٦٠ - و) به، ثم قال لمسرور: كم كنا ضربنا أبا العتاهية؟ قال: ستين عصا، فأمر له بستين ألفا، وخلع عليه وأطلقه.
وقال المرزباني: حدثني محمد بن ابراهيم قال: أخبرنا أحمد بن أبي خيثمة قال:
حدثنا محمد بن أبي العتاهية، ح.
قال: وحدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا عبد الله ابن أبي سعد قال: قال لي محمد بن أبي العتاهية: لم يزل أبي يقول الشعر في عتبة الى ان خرج الرشيد في خلافته الى الرقة، وكان أبو العتاهية ينادم الرشيد، ولا يفارقه في سفر ولا حضر إلا في وقت الحج إذا كان بالعراق، وكان الرشيد يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى المعاون والجوائز، فلما قدم الرشيد الرقة أظهر أبو العتاهية التزهد، وتصوف وترك حضور المنادمة والقول في الغزل، فأمر الرشيد بحبسه فحبس، فلما طالت أيامه في الحبس كتب الى الرشيد قصيدة يقول فيها:
تذكر أمين الله حقي وحرمتي … وما كنت توليني لعلك تذكر
ليالي تدني منك بالقرب مجلسي … ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت قبلها … إليّ بها نفسي فداؤك تنظر (٢)
стр. 1712
فبعث اليه الرشيد لما قرأها: لا بأس عليك، فكتب اليه:
أرقت وطار عن عيني النعاس … ونام السامرون ولم يواسوا
أمين الله ظلك ظل أمن … عليك من التقى فيه لباس
وجودك يستهل ندى ويحيا … به من كل ناحية أناس
(١٦٠ - ظ)
تساس من السماء بكل سعد … وأنت به تسوس كما تساس
كأن الخلق في تركيب روح … له جسد وأنت عليه راس (١)
قال: وحدثني أبو عبد الله الحكمي قال: حدثني محمد بن موسى عن الزبير، ح.
قال: وأخبرني الحسين بن علي قال: حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثني الزبير ابن بكار قال: حدثنا أبو غزيّة قال حدثني أبو يحيى العباداني عن اسحاق بن ابراهيم قال: لمّا حبس الرشيد أبا العتاهية كتب إليّ يسألني أن أتكلم فيه، قال: فكتبت اليه: قد قال أمير المؤمنين ليس عليك بأس، وأنا أتكلم في أمرك وأعمل في خلاصك، قال: فكتب إليّ:
أرقت وطار عن عيني النعاس … ونام السامرون ولم يواسوا
فديتك ان غم السجن باس … وقد أرسلت: ليس عليك باس
قال: فعملت فيه لحنا غنيته الرشيد، فقال: لمن هذا الشعر؟ قلت: لأبي العتاهية، فأمر بإطلاقه.
وقال المرزباني: أخبرني ابراهيم بن محمد النحوي عن محمد بن يزيد النحوي قال: كان على الروم امرأة (٢)، وكانت تكتب الى المهدي، والهادي، والرشيد في أول خلافته بالتعظيم والتبجيل، وتدرّ عليهم الهدايا حتى بلغ ابن لها، فصار الملك
стр. 1713
دونها، وانما تملك الروم المرأة من أهل بيت المملكة إذا لم تجد منهم رجلا، وكذلك فارس تفعل، فلما بلغ ابنها عاث وأفسد، وخاشن الرشيد، فخافت على ملك الروم أن يذهب، وعلى بلادهم أن تعطب، لعلمها بالرشيد، وخوفها من سطوته، فاحتالت على ابنها فسملت عينه، فبطل من الملك، فعاد اليها، فاستنكر (١٦١ - و) ذلك أهل المملكة، وأبغضوها من أجله، فخرج عليها نقفور، وكان كاتبها، فأعانوه وعضدوه، فقام بأمر الملك، وضبط أمر الروم، فلما قوي على أمره، وتمكن من ملكه، كتب الى الرشيد:
من نقفور ملك الروم الى هرون ملك العرب، أما بعد:
فان هذه المرأة كانت قد وضعتك وأباك وأخاك موضع الشاه، ووضعت نفسها موضع الرخّ، وأنا الشاه وأنت الرخ، وقد عزمت على تطرف بلادك والهجوم على أمصارك، أو تؤدي إليّ ما كانت المرأة تؤديه اليك. وكلاما شبيها بهذا، فلما ورد على الرشيد كتب اليه:
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله هرون، أمير المؤمنين، الى نقفور كلب الروم، أما بعد فقد فهمت كتابك، وجوابك عندي: ما تراه فضلا أن تسمعه.
ثم شخص من شهره يؤم بلاد الروم في جمع لم يسمع بمثله، وقواد لا يجارون رأيا ونجدة، فلما بلغ ذلك نقفور ضاقت عليه الارض بما رحبت، وشاور في أمره، وجاء الرشيد حتى توغل بلاد الروم يقتل ويسبي ويغنم، ويخرب الحصون، ويعفي الآثار حتى صار الى طريق متضايقة دون قسطنطينية، فلما بلغها ألفاها وقد أمر نقفور بالشجر فقطع، ورمي به في تلك الطرق، وأشعلت فيه النيران، فكان ذلك ما تحصن به عند نفسه، فقال الرشيد: ما ترون في هذه النيران؟ فكان أول من تلبس ثياب
стр. 1714
النفاطين وخاضها محمد بن يزيد بن مزيد الشيباني، ثم اتبعه الناس، فبعث اليه نقفور بالهدايا، وخضع له أكثر الخضوع، وأدى اليه الجزية عن رأسه فضلا عن (١٦١ - ظ) أصحابه، ففي ذلك يقول أبو العتاهية:
امام الهدى أصبحت بالدين معنيا … وأصبحت تسقي كل مستمطر ريا
لك اسمان شقا من رشاد ومن هدى … وأنت الذي تدعى رشيدا ومهديا
اذا ما سخطت الشيء كان مسخطا … وان ترضى شيئا كان في الناس مرضيا
بسطت لنا شرقا وغربا يد العلى … فأوسعت شرقيا وأوسعت غربيا
ووشيت وجه الدين بالجود والندى … فأصبح وجه الأرض بالروض موشيا
وأنت أمير المؤمنين فتى التقى … نشرت من الاحسان ما كان مطويا
قضى الله أن صفى لهارون ملكه … وكان قضاء الله في الخلق مقضيا
تحلبت الدنيا لهارون بالرضا … وأصبح نقفور لهارون ذميا (١)
فرجع الرشيد عند ما أعطاه نقفور الى الرقة، فلما سقط الثلج، وأمن نقفور أن يغزى، وتمكن بالمهلة من التدبير نقض ما كان بينه وبين الرشيد، ورجع الى حالته الأولى، فلم يجتر يحيى بن خالد، فضلا عن غيره، على اخبار الرشيد بذلك فبذل هو وبنوه للشعراء الأموال على أن يقولوا أشعارا في إعلام الرشيد بغدر نقفور، فكلهم كاع وأشفق إلاّ شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد عبد الله بن يوسف، كان مجيدا جيد النفس، قوي الشعر، فاختصه ذو اليمينين في أيام المأمون، ورفع قدره جدا، فإنه أخذ مائة ألف، وأدخل الى الرشيد فأنشده:
نقض الذي أعطيته نقفور … فعليه دائرة البوار تدور (١٦٢ - )
стр. 1715
أبشر أمير المؤمنين فإنه … فتح أتاك به الإله كبير
فتح يزيد على الفتوح تأمنا … بالنصر فيه لواؤك المنصور
فلقد تباشرت الرعية أن أتى … بالنقض عنه وافد وبشير
ورجت بيمنك أن تعجل غزوة … تشفي النفوس نكالها مذكور
أعطاك جزيته وطأطأ خده … حذر الصوارم والردى محذور
فأجرته من وقعها وكأنها … من حرها شعل الضرام تطير
وصرفت بالطول العساكر قافلا … عنه وجارك آمن مسرور
نقفور إنك حين تغدر أن نأى … عنك الإمام لجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنك مفلت … هبلتك أمك ما ظننت غرور
ألقاك حينك في زواخر بحره … فطمت عليك من الإمام بحور
إن الامام على اقتسارك قادر … قربت ديارك أو نأت بك دور
ليس الامام وإن غفلنا غافلا … عما يسور لحزمه ويدير
ملك تجرد للجهاد بنفسه … فعدوه أبدا به مقهور
يا من يريد رضى الإله بسعيه … والله لا يخفى عليه ضمير
لا نصح ينفع من يغش إمامه … والنصح من نصحائه مشكور
стр. 1716
نصح الإمام على الأنام فر … يضة ولأهله كفارة وطهور (١)
فلما أنشده قال الرشيد: أوقد فعل؟ وعلم أن الوزراء احتالوا في ذلك، فغزاه في بقية (١٦٢ - ظ) الثلج، فافتتح هرقلة في ذلك الوقت، فقال أبو العتاهية:
ألا نادت هرقلة بالخراب … من الملك الموفق للصواب
غدا هرون يرعد بالمنايا … ويبرق بالمذكرة القضاب
وغايات (٢) … يحل النصر فيها
تمر كأنها مر السحاب
أمير المؤمنين ظفرت فاسلم … وأبشر بالغنيمة والإياب (٣)
قال: أراد قول امرئ القيس:
وقد طوفت في الآفاق … حتى رضيت من الغنيمة بالإياب (٤)
أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن قبيس قال: أخبرنا أبو بكر بن علي قال:
حدثني عبيد الله بن أبي الفتح قال: أخبرنا أحمد بن ابراهيم ابن الحسن قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن السكّري قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد الوراق قال: حدثني علي بن الحسن بن عبيد الشيباني قال:
حدثني هرون بن سعدان قال: كنت جالسا مع أبي نواس في بعض طرق بغداد، وجعل الناس يمرون به وهو ممدود الرجل بين بني هاشم وفتيانهم والقواد وأبنائهم، ووجوه أهل بغداد، فكل يسلم عليه، فلا يقوم الى أحد منهم، ولا يقبض رجله اليه، إذ أقبل شيخ راكبا على حمار مريسي، وعليه ثوبان دبيقيان، قميص ورداء قد تقنع به، ورده على أذنيه، فوثب اليه أبو نواس، وأمسك الشيخ عليه حماره، واعتنقا، وجعل أبو نواس يحادثه وهو قائم على رجليه، فمكثا بذلك (١٦٣ - و) مليا حتى رأيت أبا نواس يرفع احدى رجليه ويضعها على الاخرى
стр. 1717
مستريحا من الاعياء، ثم انصرف الشيخ، وأقبل أبو نواس فجلس في مكانه، فقال له بعض من بالحضرة: من هذا الشيخ الذي رأيتك تعظمه هذا الاعظام وتجله هذا الإجلال؟ فقال: هذا اسماعيل بن القاسم أبو العتاهية، فقال له السائل: لم أجللته هذا الإجلال، وساعة منك عند الناس أكثر منه؟! قال: ويحك لا تفعل فو الله ما رأيته قط إلاّ توهمت أنه سماوي وأنا أرضي.
أخبرنا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز بن عيسى اللخمي-في كتابه الينا من الاسكندرية-قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمود بن أحمد السلفي قال: أخبرنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج قال: أخبرنا أبو القاسم المحسن بن حمزة بن عبد الله الوراق قال: حدثنا أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الدّيبلي قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي قال: حدثني أبو علي محمد بن همّام عن يعقوب بن اسحاق الرخامي عن أبيه قال: كنت جالسا مع أبي نواس على باب داره بالبصرة، فبينا نحن كذلك اذ أقبل شيخ على حماره، فلما بصر به أبو نواس قام فتلقاه، ومشى معه يحادثه، وشيعه، ثم رجع، فقلت له: بالله ما رأيت كاليوم قط، قال: وما ذاك؟ قلت: أنا جالس معك منذ الغداة يمر بنا طبقات الناس من بني هاشم وغيرهم، ما رأيتك حفلت بأحد منهم، حتى أقبل هذا الشيخ ففعلت به ما رأيت، فقال: أو ما تعرف هذا، هذا أبو العتاهية الذي يقول:
إذا قل مال المرء قل صديقه … وضاق به عما يريد طريقه (١٦٣ - ظ)
وقصر طرف العين منه كلالة … وأسرع فيما لا يحب شقيقه
وذم إليه خدنه طعم عوده … وقد كان يستحليه حين يذوقه (١)
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا محمد بن علي بن حبيش قال: حدثنا أحمد بن محمد بن اسحاق الوراق قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الكوفي قال: حدثنا ابن أبي شيخ قال: بكرت الى سكة ابن نيبخت في حاجة
стр. 1718
فرأيت أبا نواس في السكة، فجلست اليه، فمر بنا أبو العتاهية على حمار، فسلم، ثم أومأ برأسه الى أبي نواس وأنشأ يقول:
لا ترقدن لعينك السهر … وانظر إلى ما تصنع العبر
انظر الى عبر مصرفة … إن كان ينفع عينك النظر
وإذا سألت فلم تجد أحدا … فسل الزمان فعنده الخبر
أنت الذي لا شيء تملكه … وأحق منك بمالك القدر
قال: فنظر إليّ أبو نواس، ثم قال: «أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون» (١).
أخبرنا عبد الصمد بن محمد-اذنا-قال: أخبرنا أبو الحسن الغساني قال:
أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد الوكيل قال: أخبرنا اسماعيل بن سعيد المعدل قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: قال لي أبو عبد الله محمد بن القاسم: أخبرني العتبي قال: رؤي مروان بن أبي حفصة (٢) واقفا بباب الجسر كئيبا آسفا ينكث بسوطه في معرفة دابته، فقيل له: يا أبا السمط ما الذي نراه بك؟ قال: أخبركم بالعجب، مدحت (١٦٤ - و) أمير المؤمنين، فوصفت له ناقتي من خطامها الى خفّيها، ووصفت الفيافي من اليمامة الى بابه أرضا أرضا، ورملة رملة، حتى اذا أشفيت منه على غنى الدهر جاء ابن بياعة الفخاخير-يعني أبا العتاهية-فأنشده بيتين، فضعضع بهما شعري، وسواه في الجائزة بي، فقيل له:
وما البيتان؟ فأنشد:
إن المطايا تشتكيك لأنها … تطوي إليك سبا سبا ورمالا
فإذا رحلن بنا رحلن مخفة … وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا (٣)
стр. 1719
قلت: أخذ هذا المعنى من قول النبي ﷺ : «لو اتكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتعود بطانا» (١).
نقلت من خط أبي بكر محمد بن هاشم الخالدي، وحدثنا الصدائي عن المبرد عن علي بن عمروس الشاعر عن أشجع السلمي قال: أذن المهدي للشعراء، فدخلت مع من دخل، فاتفق أن جلست الى جانب بشار، فإنا لسكوت اذ سمعنا حسا، فقال لي بشار: من هذا يا أشجع؟ قلت: أبو العتاهية، فقال أترى تحمله قحته وجهله على أن ينشد في مثل هذا المحفل شعرا؟! قلت: لا علم لي، إذ استأذن في النشيد فأذن له، فأنشد:
ألا ما لسيدتي مالها … أدلت فأحمل إدلالها
قال: فنخسني بشار ثم قال: أما ترى ما أجبس هذا الجاهل، ينشد هذا الشعر الركيك في مثل هذا المحفل العظيم، فلما بلغ الى قوله: (١٦٤ - ظ).
أتته الخلافة منقادة … إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلاّ له … ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره … لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات النفو … س لما قبل الله أعمالها (٢)
فقال لي بشار: ويحك يا أشجع انظر هل طار أمير المؤمنين عن سريره سرورا؟! قال: فلا والله ما أخذ أحد من الشعراء في ذلك اليوم جائزة أسنى من جائزته (٣).
أنبأنا القاضي أبو القاسم بن الحرستاني قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الغساني قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا علي بن الحسين صاحب العباسي قال: أخبرنا علي بن الحسن الرازي قال: أخبرنا الحسين بن القاسم
стр. 1720
الكوكبي قال: حدثنا ابن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن معاوية المهلبي قال: حدثني أبو تمام قال: يكتب من شعر أبي العتاهية خمسة أبيات، فان أحدا لم يشركه فيها، ولا تهيأ لأحد مثلها، قوله:
الناس في غفلاتهم … ورحا المنية تطحن (١)
والذي قال في أحمد بن يوسف:
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى … وأن الغنى يخشى عليه من الفقر (٢)
وقوله في موسى أمير المؤمنين:
ولما استقلوا بأثقالهم … وقد أزمعوا بالذي أزمعوا
قرنت التفاتي بآثارهم … وأتبعتهم مقلة تدمع (٣)
وقوله:
هب الدنيا تساق اليك عفوا … أليس مصير ذاك الى زوال (٤)
وقال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرني علي بن أيوب القمي قال: أخبرنا محمد بن عمران المرزباني قال: أخبرنا ابراهيم بن محمد بن عرفة عن محمد بن يزيد النحوي قال: لا أعلم شيئا من غزل أبي العتاهية ومديحه يخلو من صنعة، وربما كانت من القصيدة في موضعين، فمن شعره الذي كان يستطرف قوله:
آه من غمي وكربي … آه من شدة حبي
ما أشد الحب يا سب … حانك اللهم ربي
ولقد قلت وجمر الح … ب قد أقرح قلبي:
يا بلائي من غزال … قد سبا قلبي ولبي