← Тараджим

Тараджим · id 10798

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (4 683 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال: ثم إنّ العباس بن الوليد بن عبد الملك صار إلى مرعش، فعمرها وحصنها ونقل الناس إليها، وبنى لهم مسجدا جامعا، وكان يقطع في كل عام على أهل قنّسرين بعثا إليها، فلما كانت أيام مروان بن محمد وشغل بمحاربة أهل حمص، خرجت الروم فحصرت مدينة مرعش حتى صالحهم أهلها على الجلاء، فخرجوا نحو الجزيرة وجند قنّسرين بعيالاتهم، ثم أخربوها، وكان عامل مروان عليها يومئذ الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان الطاغية يومئذ قسطنطين بن اليون، ثم لما فرغ مروان من أمر حمص وهدم سورها بعث جيشا لبناء مرعش، فبنيت ومدّنت، فخرجت الروم في فتنته فأخربتها، فبناها صالح ابن علي في خلافة (٨٣ - و) أبي جعفر المنصور، وحصنها وندب الناس إليها على زيادة العطاء، واستخلف المهدي، فزاد في شحنتها وقوّى أهلها. قال البلاذري: وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: خرج ميخائيل من درب الحدث في ثمانين ألفا فأتى عمق مرعش، فقتل وأحرق، وسبى من المسلمين خلقا، وصار الى باب مدينة مرعش وبها عيسى بن علي، وكان قد غزا في تلك السنة، فخرج إليه موالي عيسى وأهل المدينة ومقاتلتها، فرشقوه بالنبل والسهام، فاستطرد لهم حتى إذا نحاهم عن المدينة كر عليهم، فقتل ثمانية نفر من موالي عيسى، واعتصم الباقون بالمدينة فأغلقوها، فحاصرهم بعض نهار، ثم انصرف حتى أتى جيحان، وبلغ الخبر ثمامة بن الوليد العبسي وهو بدابق وكان قد ولي الصائفة سنة إحدى وستين ومائة، فوجّه إليه خيلا كثيفة، فأصيبوا إلاّ من نجا منهم، فأحفظ ذلك المهدي، واحتفل لإغزاء الحسن بن قحطبة في العام المقبل، وهو سنة اثنتين وستين ومائة (١).

стр. 212

وقال سعيد بن كثيرّ بن عفير في تاريخه كانت سنة اثنتين وستين ومائة، كان فيها خروج الروم على مرعش فخرجت شيئا كثيرا (١). قلت: وخرب الروم مرعش كما ذكرناه فبناها سيف الدولة أبو الحسن علي ابن عبد الله بن حمدان، وجاء الدمستق ليمنع من بنائها، فقصده سيف الدولة، فولى هاربا، وتمم سيف الدولة عمارة مرعش. وفي ذلك يقول المتنبي: أتى مرعشا يستقرب البعد مقبلا … وأدبر إذا أقبلت يستبعد القربا فأضحت كأن السور من فوق بدؤه … إلى الأرض قد شق الكواكب والتربا تصدّ الرياح الهوج عنها مخافة … وتفزع فيها الطير أن تلقط الحبّا وتردي الجياد الجرد فوق جبالها … وقد ندف الصّنبّر في طرقها العطبا كفى عجبا أن يعجب الناس أنه بنى … مرعشا تبّا لآرائهم تبّا وما الفرق ما بين الأنام وبينه … إذا حذر المحذور واستصعب الصعبا؟ (٢) ***

стр. 213

باب في ذكر الحد ث وتعرف بالحدث الحمراء لحمرة أرضها، وهي مدينة كثيرة الماء والزرع، وحولها أنهار كثيرة وخرب حصنها وبقيت المدينة، وساكنوها في زمننا هذا أرمن أهل ذمة، وهي في أيدي المسلمين، وكان ينزل في مروجها الأكراد بأغنامهم، وتسميتها الأرمن كينوك، وتسميها الأكراد الهتّ، والعرب تسميها (٨٣ - ظ) الحدث، وكانت تسمى قديما المحمدية، والمهديّة، لأنها بنيت في أيام المهدي محمد بن المنصور ﵀، وتحول اليها أبو محمد عيسى بن يونس السبيعي من الكوفة، فنزلها مرابطا الى أن مات، وبقي ولده بها بعده. والجبل المعروف بالأحيدب من قبليها مطل عليها، شاهدتها ونزلت في أرضها عند ما توجهت إلى الروم. وفتحها حبيب بن مسلمة من قبل عياض بن غنم. وقرأت في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى البلاذري مما رواه عن شيوخ الشام قالوا: كان حصن الحدث مما فتح أيام عمر فتحه حبيب بن مسلمة من قبل عياض بن غنم، وكان معاوية يتعهده بعد ذلك، وكان بنو أمية يسمون درب الحدث درب السلامة للطيرة، لأن المسلمين كانوا أصيبوا به، فكان ذلك الحدث فيما يقول بعض الناس. قال: وقال قوم: لقى المسلمين على الدرب غلام حدث، فقاتلهم في أصحابه فقيل درب الحدث.

стр. 214

قال: ولما كان زمن فتنة مروان بن محمد خرجت الروم فهدمت مدينة الحدث، وأجلت عنها أهلها، كما فعلت بملطيّة، ثم لما كانت سنة احدى وستين ومائة خرج ميخائيل الى عمق مرعش، ووجه المهدي الحسن بن قحطبة ساح في بلاد الروم، فثقلت وطأته على أهلها حتى صوروه في كنائسهم، وكان دخوله من درب الحدث، فنظر الى موضع مدينتها فأخبر أن ميخائيل أخرج منه، فارتاد الحسن موضع مدينة هناك (٨٤ - و) فلما انصرف كلم المهدي في بنائها، وبناء طرسوس فأمر بتقديم بناء مدينة الحدث، فأنشأها علي بن سليمان بن علي، وهو على الجزيرة وقنسرين وسميت المحمدية، وتوفي المهدي مع فراغهم من بنائها، فهي المهدية والمحمدية، وكان بناؤها باللبن، وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة، واستخلف موسى الهادي ابنه، فعزل علي بن سليمان، وولى الجزيرة وقنسرين محمد بن ابراهيم بن محمد بن علي، وقد كان علي بن سليمان فرغ من بناء مدينة الحدث، وفرض محمد لها فرضا من أهل الشام والجزيرة وخراسان في أربعين دينارا من العطاء، وأقطعهم المساكن، وأعطى كل امرئ منهم ثلاثمائة درهم، وكان الفراغ منها في سنة تسع وستين ومائة. قال: وقال أبو الخطاب: فرض علي بن سليمان بمدينة الحدث لأربعة آلاف فأسكنهم اياها، ونقل اليها من ملطية، وشمشاط، وسميساط، وكيسوم، ودلوك ورعبان ألفي رجل. قال الواقدي: ولما بنيت مدينة الحدث هجم الشتاء والثلوج، وكثرت الامطار ولم يكن بناؤها بمتوثق منه ولا محتاط فيه، فتثلمت المدينة، وتشعثت، ونزل بها الروم فتفرق عنها من كان فيها من جندها وغيرهم، وبلغ الخبر موسى، فقطع بعثا مع المسيب بن زهير، وبعثا مع روح بن حاتم، وبعثا مع حمزة بن مالك، فمات

стр. 215

(٨٤ - ظ) قبل أن ينفذوا، ثم ولي الرشيد رحمة الله عليه الخلافة فأمر ببنائها وتحصينها وشحنتها، واقطاع مقاتلتها المساكن والقطائع. قال: وقال غير الواقدي: أناخ بطريق من عظماء بطارقة الروم في جمع كثيف على مدينة الحدث حتى بنيت، وكان بناؤها بلبن قد حمل بعضها على بعض، وأضر به الثلوج، فهرب عاملها ومن فيها، ودخلها العدو فحرق مسجدها وأخربها، واحتمل أمتعة أهلها، فبناها الرشيد حين استخلف (١). قال: وحدثني بعض أهل منبج قال: حدثني شيخ لنا أن الرشيد رحمة الله عليه كتب الى محمد بن ابراهيم باقراره على عمله، فجرى أمر مدينة الحدث من قبل الرشيد على يده ثم عزله. وقيل: ان المهدي بنى الحدث لمنام رآه، أنبأنا عبد اللطيف بن يوسف بن علي عن أبي الفتح بن البطي عن أبي عبد الله الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن بن ابراهيم الصابئ قال: وذكر الرئيس أبو الحسن ﵁ يعني والده هلال بن المحسن في كتاب المنامات الذي صنفه قال: ذكر أبو بكر بن دقة مولى بني هاشم قال: لما عزم المهدي على الخروج الى قنسرين والعواصم رأى في منامه كأن آتيا أتاه وقال له: انك تمضي الى مدينة يقال لها منبج، وهناك شيخ كبير له ثمانون سنة يؤذن في بعض المساجد، فادع به واضرب رقبته، واذا خرجت من هذه المدينة فسترى آثار خطوط فابن عليها مدينة وسمها الحدث. قال: فلما وصل المهدي الى منبج وحضره أهلها سألهم وقال: هل عندكم شيخ كبير مؤذن؟ قالوا: نعم عندنا شيخ له مائة سنة وأربع سنين يؤذن منها ثمانين

стр. 216

سنة في بعض المساجد، فأمر باحضاره، فلما حضر تقدم بضرب رقبته، فارتاع الشيخ، وناشده الله تعالى في أمره وأذكره بالله في دفعه عن دمه، وعرفه كبر سنه وكثرة عياله، فقال له دع هذا عنك، ولا بد مما أمرت به فيك، ولكن ان صدقتني عن أمرك حفظتك في مخلفيك، وإلا أسأت اليهم بعدك، فقال: أما على ذاك فاني منذ ثمانين سنة أقول في أذاني: أجحد أن محمد رسول الله، فأمر به وقتل. قال ابن دقة: وهذا الشيخ جد البحتري الشاعر (١). قلت وجاء ملك الروم الدمستق في أيام سيف الدولة ابن حمدان ونزل على حصن الحدث ليحصره، وكان سيف الدولة قد بناه وأحكم بناءه، فخرج سيف الدولة، فتركه ومضى، وجرت له وقعة مع الروم أيضا، وقد خرج سيف الدولة لبناء الحدث فواقعهم وقتل منهم وأسر، وكان أهل الحدث سلموه بالامان الى الروم قبل ذلك فخربوه. أخبرنا عبد العزيز بن محمود بن الاخضر البغدادي كتابة قال: أخبرنا الرئيس أبو الحسن علي بن علي بن نصر بن سعيد قال: أخبرنا أبو البركات (٨٥ - و) محمد بن عبد الله بن يحيى قال: أخبرنا علي بن أيوب بن الحسين قال: أنشدنا أبو الطيب المتنبي لنفسه يمدح سيف الدولة، ويذكر بناءه ثغر الحدث، بعد أن كان أهلها أسلموها عن الامان الى الروم، ومنازلة ابن الفقاس اياه وهزمه لابن الفقاس، وكان أسر قودس (٢) الاعور بطريق سمندو وابن ابنة الدمستق، وأنشده اياها بعد الوقعة في الحدث.

стр. 217

على قدر أهل العزم تأتي العزائم … وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها … وتصغر في عين العظيم العظائم يكلّف سيف الدولة الجيش همّه … وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم قال فيها: هل الحدث الحمراء تعرف لونها … وتعلم أيّ الساقين الغمائم سقتها الغمام الغر قبل نزوله … فلما دنا منها سقتها الجماجم بناها فأعلى والقنا يقرع القنا … وموج المنايا حولها متلاطم وكان بها مثل الجنون فأصبحت … ومن جثث القتلى عليها تمائم طريدة دهر ساقها فرددتها … على الدّين بالخطّي والدهر راغم وكيف يرجى الرّوم والروس هدمها … وذا الطعن أساس لها ودعائم وقد حاكموها والمنايا حواكم … فما مات مظلوم ولا عاش ظالم نثرتهم فوق الأحيدب كلّه … كما نثرت فوق العروس الدراهم (١) وفي ذلك يقول أبو فراس: وحسبي بها يوم الأحيدب وقعة … على مثلها في الحرب تثنى الخناصر عدلنا بها في قسمة الموت بينهم … وللسيف حكم في الكتيبة جائر إذ الشيخ لا يلوي ونقفور مجحر … وفي القيد ألف كالليوث قساور ولم يبق إلاّ صهره وابن بنته … وثوّر بالباقين من هو ثائر (٢) (٨٥ - ظ)

стр. 218

وأنبأنا عبد العزيز بن الاخضر قال: أخبرنا أبو الحسن قال: أخبرنا أبو البركات قال: أخبرنا علي بن أيوب قال: أنشدنا أبو الطيب المتنبي لنفسه يمدح سيف الدولة، وقد ورد عليه خبر آخر ساعة نهار يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الاولى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة أن الدمستق وجيوش النصرانية قد نازلت ثغر الحدث ونصبت مكائد الحصون عليه، وقدرت أنها فرصة لما تداخلها من القلق والانزعاج والوصم في تمام بنائه على يد سيف الدولة، ولان ملكهم ألزمهم قصدها، وأنجدهم بأصناف الكفر من البلغر والروس والصقلب وغيرهم، وأنفذ معهم العدد، فركب سيف الدولة لوقته نافرا، وانتقل الى موضع غير الموضع الذي كان به، ونظر فيما وجب أن ينظر فيه في ليلته، وسار عن حلب غداة يوم الاربعاء لسبع خلون، فنزل رعبان، وأخبار الحدث مستعجمة عليه لضبطهم الطرق وتقديرهم أن يخفى عليه خبرهم، فلما أسحر لبس سلاحه وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفا، فلما قرب من الحدث عادت اليه الطلائع بأن عدو الله لما أشرفت عليه خيول المسلمين على عقبة يقال لها العبراني، رحل ولم تستقر به دار، وامتنع أهل الحدث من البدار بالخبر خوفا (٨٦ - و) من كمين يعترض الرسل، فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر خليفته بها أنهم نازلوه وحاصروه، فلم يخله الله من نصر عليهم الا في نقوب نقبوها في فصيل كان قديما للمدينة، وأتتهم طلائعهم بخبر سيف الدولة في اشرافه على حصن رعبان، فوقعت الصيحة وظهر الاضطراب وولى كل فريق على وجهه، وخرج أهل الحدث، فأوقعوا ببعضهم وأخذوا آلة حربهم فأعدوها في حصنهم، فقال أبو الطيب في ذلك. ذي المعالي فليعلون من تعالى … هكذا هكذا وإلا فلا، لا شرف ينطح النجوم بروقيه (١) … وعزّ يقلقل الأجبالا

стр. 219

حال أعدائنا عظيم وسيف ال … دولة ابن السيوف أعظم حالا لا ألوم ابن لاون ملك الروم … وان كان ما تمنى محالا أقلقته بنيّة بين أذنيه … وبان بغى السماء فنالا كلما رام حطّها اتسع البني … فغطى جبينه والقذالا يجمع الروم والصقالب والبلغر … فيها ويجمع الآجالا ويوافيهم بها في القنا السمر … كما وافت العطاش الصلالا قصدوا هدم سورها فبنوه … وأتى كي يقصروه فطالا قال فيها: إنّ دون التي على الدّرب والاح … دب والنهر مخلطا مزيالا (١) (٨٦ - ظ) غضب الدّهر والملوك عليها … فبناها في وجنة الدهر خالا وحماها بكل مطرد الأكعب … جور الزمان والآجالا فهي تمشي مشى العروس اختيالا … وتثنّى على الزمان دلالا (٢) ***

стр. 220

باب في ذكر زبطرة وهي مدينة هي الآن في أيدي المسلمين، وهي مذكورة، وفيها معدن حديد، يجلب منها الحديد الى البلاد، وهي الآن قرية، وبينها وبين الحدث ثمانية عشر فرسخا. وذكرها أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتابه وقال: وأما زبطرة فإنها حصن كان من أقرب هذه الثغور الى بلد الروم، خربها الروم. قلت: وقد كانت الروم في صدر الإسلام تنتابه وتطرقه لقربه من بلادها فتخربه ويعمره المسلمون مرة بعد أخرى، فإن أبا جعفر أحمد بن يحيى البلاذري ذكر فيما نقله في كتاب البلدان عمن حدثه من أهل الشام فقال: قالوا وكانت زبطرة حصنا قديما روميا، ففتح مع حصن الحدث القديم، فتحه حبيب بن مسلمه الفهري وكان قائما الى أن أخربته الروم في أيام الوليد بن يزيد، فبني بناء غير محكم، فأناخت الروم عليه في أيام فتنة مروان فهدمته، فبناه المنصور، ثم خرجت إليه فشعثته فبناه الرشيد أمير المؤمنين على يد محمد بن إبراهيم، وشحنه. فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه، وأغاروا على سرح أهله فاستاقوا (٨٧ - و) لهم مواشي، فأمر المأمون ﵀ بمرمته وتحصينه، وقدم وفد الطاغية في سنة عشر ومائتين يسأل الصلح، فلم يجبه الى ذلك، وكتب الى عمال الثغور، فساحوا في بلاد الروم فأكثروا فيها القتل، ودوّخوها وظفروا ظفرا حسنا، إلا أن يقظان بن عبد الأعلى بن أحمد بن يزيد بن أسيد السلمي أصيب.

стр. 221

ثم خرجت الروم الى زبطرة في خلافة المعتصم أبي إسحاق بن الرشيد فقتلوا الرجال وسبوا النساء وأخربوها، فأحفظه ذلك وأغضبه، فغزاهم حتى بلغ عمورية، وقد أخرب فيها حصونا، فأناخ عليها حتى فتحها، فقتل المقاتله وسبى النساء والذرية ثم أخربها وأمر ببناء زبطرة، وحصنها وشحنها، فرامها الروم بعد ذلك، فلم يقدروا عليها (١) ***

стр. 222

باب في ذكر حصن منصور وهو في أيدي المسلمين، تولى بناءه بعد أن كان الروم خربوه منصور بن جعونه بن الحارث العامري من بني عامر بن صعصعة، وكان هو وأبوه يغزون الروم، وقتله المنصور في خلافته، وسنذكر حاله في ترجمته إن شاء الله تعالى. وذكره أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتابه فقال: وحصن منصور حصن صغير فيه منبر وزروعه عذي. وقال أحمد بن يحيى البلاذري: وحدثني أبو عمرو الباهلي وغيره قالوا: نسب حصن منصور الى منصور بن جعونه بن الحارث (١) (٨٧ - ظ) العامري، من قيس، وذلك أنه تولى بناءه ومرمته وكان مقيما به أيام مروان ليرد العدوّ، ومعه جند كثير من أهل الشام والجزيرة. قال: وكان الرشيد بنى حصن منصور وشحنه في خلافه المهدي. (٢) ***

стр. 223

باب في ذكر ملطية وكان اسمها بالروميه ملطيا، وقيل كان اسمها ملدني فعرّب وجعل ملطيّة. ويقال: إن الإسكندر بناها، والعامة يقولون: ملطيّة بكسر الطاء وتشديد الياء. كذلك ضبطها أبو نصر الجوهري في كتاب الصحاح في اللغة، أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان قال: أخبرنا أبو البركات بن العرقي في كتابه؛ وأخبرنا أبو محمد عبد الدائم بن عمر قال: أخبرنا ابن العرقي قال: أخبرنا أبو القاسم بن القطّاع قال: أخبرنا أبو بكر بن البرء قال أخبرنا إسماعيل بن محمد قال: أخبرنا أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قال: وملطيّة بلد. (١) ولما قرأت المقامات الحريرية على شيخنا أبي اليمن الكندي فقرأت عليه: أزمعت عن ملطيّة مطيّة البين (٢)، وكانت مضبوطه في نسختي كذلك بخط أبي المعمّر الأنصاري وعليها خط الحريري، فقال لي شيخنا أبو اليمن: ملطيّة لا غير لا يجوز غيرها. ثم قرأت عليه بعد ذلك: أخبركم أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي، فأقرّ به، قال: فيما تلحن فيه العامّة مما يخفف، والعامة تشدده، وهي ملطيّة.

стр. 224

وأخبرنا شيخنا أبو اليمن إذنا قال: أخبرنا أبو منصور القزّاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب قال: حدثني محمد بن علي الصّوري قال: قال لي عبد الغني بن سعيد الحافظ: ليس في الملطيين ثقه. وكتب إلينا أبو المظفر عبد الرحيم السمعاني من مرو يذكر عن أبيه أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني أنه قال، في ذكر ملطيّة: بنى هذه المدينة الإسكندر. قال: وسمعت أن أكثر من خرج منها من المحدثين كانوا ضعفاء. (١) قلت وقد خرج منها جماعة من المحدثين، وهي الآن في أيدي المسلمين (٨٨ - و) وهي مدينة عامرة كبيرة حصينة. وقد ذكرها أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صفة الأرض والأقاليم والمدن وما تشتمل عليه قال: وملطيّة مدينة كبيرة من أكبر الثغور التي دون جبل لكام، ويحتف بها جبال كثيرة الجوز، وسائر الثمار، مباح لا مالك له، وهي من قرى بلد الروم على مرحلة. نقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب قال: وللثغور الجزرية من المدن مرعش والحدث وزبطرة وسميساط وحصن منصور وحصن زياد وملطيّة، وهي المدينة العظمى، وكانت مدينة قديمة فأخربتها الروم، فبناها أبو جعفر المنصور سنة تسع وثلاثين ومائه، وجعل عليها سورا واحدا بلا فصيل، ونقل إليها عدة قبائل من العرب، فهي سبعة أسباع، سبع لسسليم وسائر قيس، وسبع الهواسيه، وسبع الراعية والجعاونة، وسبع تيم، وسبع ربيعة، وسبع اليمن، وسبع هوازن. وملطيّة في مستوى من الأرض تحيط بها جبال الروم، وماؤها من عيون وأودية ومن الفرات.

стр. 225

أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو محمد القاسم بن أبي القاسم قال: أخبرنا أبي أبو القاسم علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو غالب الماوردي قال: أخبرنا محمد بن علي قال: أخبرنا أبو عبد الله النهاوندي قال: أخبرنا أحمد بن عمران قال: حدثنا موسى قال: حدثنا خليفة قال: وفيها-يعني سنة أربعين ومائه-وجه أبو جعفر عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي لبناء ملطيّة، فأقام عليها سنة حتى بناها وأسكنها الناس. (١) قرأت في كتاب البلدان تأليف أبي جعفر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، وحكاه عمن حدثه من أهل الشام قالوا: وجه عياض بن غنم حبيب بن مسلمه الفهري من سميساط الى ملطيّة ففتحها، ثم أغلقت، فلما ولي معاوية (٨٨ - ظ) الشام والجزيرة وجه إليها حبيب بن مسلمه ففتحها عنوة ورتب فيها رابطة من المسلمين مع عاملها، وقدمها معاوية وهو يريد دخول الروم، فشحنها بجماعة من أهل الشام والجزيرة وغيرها، وكانت طريق الصوائف، ثم إن أهلها انتقلوا عنها في أيام عبد الله بن الزبير، وخرجت الروم فشعثتها ثم تركتها، فنزلها قوم من النصارى من الأرمن والنبط. فحدثني محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده قالوا: كان المسلمون نزلوا طرنده بعد أن غزاها عبد الله بن عبد الملك سنة ثلاث وثمانين، وبنوا بها مساكن وهي من ملطيّة على ثلاث مراحل واغلة في بلاد الروم، وملطيّة يومئذ خراب ليس بها إلا ناس من أهل الذمة من الأرمن وغيرهم، فكانت تأتيهم طالعة من جند الجزيرة في الصيف فيقيمون بها الى أن ينزل الشتاء وتسقط الثلوج، فإذا كان ذلك قفلوا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز رحّل أهل طرندة عنها وهم كارهون، وذلك لاشفاقه عليهم من العدو، فاحتملوا فلم يدعوا لهم شيئا حتى كسروا خوابي

стр. 226

الخل والزيت، ثم أنزلهم ملطيّة وأخرب طرندة، وولى على ملطيّة جعونه ابن الحارث أحد بني عامر بن صعصعه. قالوا: وخرج عشرون ألفا من الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائة، فنزلوا على ملطيّة، فأغلق أهلها أبوابها، وظهر النساء على السور عليهن (٨٩ - و) العمائم يقاتلن، وخرج رسول لأهل ملطيّة مستغيثا، فركب البريد وسار حتى لحق بهشام بن عبد الملك وهو بالرصافة، فندب هشام الناس الى ملطيّة، ثم أتاه الخبر بأن الروم قد رحلت عنها، فدعا الرسول فأخبره، وبعث معه بخيل لترابط عليها، وغزا هشام نفسه، ثم نزل ملطيّة وعسكر عليها حتى بنيت، وكان ممره بالرقّه دخلها متقلدا سيفا، ولم يتقلده قبل ذلك في أيامه. قال الواقدي ولما كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائه أقبل قسطنطين الطاغية عامدا لملطيّة، وكمخ يومئذ في أيدي المسلمين وعليها رجل من بني سليم، فبعث أهل كمخ الصريخ الى أهل ملطيّة، فخرج الى الروم منهم ثمانمائة فارس، فواقعتهم خيل الروم فهزمتهم، ومال الرومي فأناخ على ملطيّة فحصر من فيها، والجزيرة يومئذ مفتونه، وعاملها من قبل بني العباس موسى بن كعب بحران، فوجهوا رسولا لهم، فلم يمكنه إعانتهم وبلغ ذلك قسطنطين الطاغية، فقال لهم: يا أهل ملطيّة إني لم آتكم إلا على علم من أمركم وشاغل من سلطانكم، انزلوا على الأمان، وأخلوا المدينة أهدمها وأمضي عنكم، فأبوا عليه، فوضع عليها المجانيق فلما جهدهم البلاء واشتد عليهم الحصار، سألوه أن يوثق لهم، ففعل، ثم استعدوا للرحلة وحملوا ما استدف (١) لهم، وألقوا كثيرا مما ثقل عليهم في الآبار والمخابئ، ثم خرجوا، وقام لهم (٨٩ - ظ) الروم صفين من باب المدينة الى منقطع آخرهم مخترطي السيوف، طرف سيف كل امرئ منهم مع طرف سيف الذي يقابله حتى

стр. 227

كأنها عقد قنطرة، ثم شيعوهم حتى بلغوا مأمنهم، وتوجهوا نحو الجزيرة، فتفرقوا فيها، وهدم الروم ملطيّة، فلم يبقوا منها إلا هريها، فإنهم شعثوا منه شيئا يسيرا وهدموا حصن قلوذية. فلما كانت سنة تسع وثلاثين ومائه كتب المنصور الى صالح بن علي يأمره ببناء ملطيّة وتحصينها، ثم رأى أن يوجه عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام واليا على الجزيرة وثغورها، فتوجه في سنة أربعين ومائه ومعه الحسن بن قحطبه في جنود أهل خراسان، وقطع البعوث على أهل الشام والجزيرة، فتوافى معه سبعون ألفا، فعسكر على ملطيّة، وقد جمع الفعلة من كل بلدة، فأخذ في بنائها، فكان الحسن بن قحطبة ربما حمل الحجر حتى يناوله البناء، وجعل يغذي الناس ويعشيهم من ماله مبرزا مطابخه، فغاظ ذلك عبد الوهاب، فبعث الى أبي جعفر يعلمه أنه يطعم الناس، وأن الحسن يطعم أضعاف ذلك التماسا لأن يطوله ويفسد ما يصنع ويهجنه بالإسراف والرياء، وأن له منادين ينادون الناس الى طعامه، فكتب إليه أبو جعفر رحمة الله عليه: يا صبي يطعم الحسن من ماله، وتطعم من مالي فيفضلك، ما أتيت (٩٠ - و) إلا من صغر خطرك وقصر همتك وسفه رأيك، وكتب الى الحسن أن أطعم ولا تتخذ مناديا، وكان الحسن يقول: من سبق الى شرفة فله كذا، فجد الناس في العمل حتى فرغوا من بناء ملطيّة ومسجدها في ستة أشهر وبنى للجند الذين أسكنوها لكل عرافة بيتان سفليان وعليان فوقهما واصطبل، والعرافة عشره نفر الى الخمسة عشر، وبنى لها مسلحة على ثلاثين ميلا منها، ومسلحة على نهر يدعى قباقب يدفع في الفرات، وأسكن المنصور ملطيّة أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة، لأنها من ثغورهم، على زياده عشرة دنانير في عطاء كل رجل، ومعونة مائة دينار سوى الجعل الذي تتجاعله القبائل، ووضع فيها شحنتها

стр. 228

من السلاح، وأقطع الجند المزارع، وبنى حصن قلوذيه، وأقبل قسطنطين الطاغية في أكثر من مائة ألف، فنزل جيحان، فبلغه كثرة العرب، فأحجم عنها. قال: وفي سنة إحدى وأربعين ومائة غزا محمد بن إبراهيم ملطيّة في جند من أهل خراسان وعلى شرطته المسيّب بن زهير، فرابط بها لئلا يطمع فيها العدو فيراجع إليها من كان باقيا من أهلها، وكانت الروم عرضت لملطيّة في خلافة الرشيد فلم تقدر عليها، وغزاهم الرشيد فأشجاهم وقمعهم، وقد سمعت من يذكر أنه كان مع عبد الوهاب بن إبراهيم نصر بن مالك، وكان نصر بن سعد الكاتب مولى الأنصار معه أيضا، وقال: تكنفك النصران نصر بن مالك … ونصر بن سعد عزّ نصرك من نصر (١) ***

стр. 229

باب في ذكر سميساط وهي مدينة صغيرة على الفرات، ولها قلعة حصينة، وهي مذكورة وخرج منها جماعة من العلماء. وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في ذكر صفة الأرض والمدن وما تشتمل عليه: وأما سميساط فهي على الفرات، وكذلك جسر منبج، وهما مدينتان صغيرتان خصبتان لهما زروع سقي ومباخس، وماؤهما من الفرات. وذكر أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان قال: وكورة سميساط وهي مدينة على الفرات بها أخلاط من الناس. وقد ذكرها ابن واضح في كور ديار مضر، وليست منها، بل إنما ذكرها فيها لأنها من جملة الثغور الجزيرة، وقد ذكرنا أنها من ثغور الشام، وانما تعرف بثغور الجزيرة لأن أهلها يغزون منها وبها يرابطون، وخراجها الى عامل ديار مضر، وأما حربها وصلاتها فانه ما زال الى عامل جند قنسرين والعواصم. وذكر البلاذري في كتاب البلدان قال: وحدثني أبو أيوب الرّقي المؤدّب قال: حدثني الحجاج بن أبي منيع الرصافي عن أبيه عن جده قال: فتح عياض الرقة، ثم الرها، ثم حران، ثم سميساط على صلح واحد. وقال فيما حكى عن شيوخ الشام وغيرهم: قالوا: ثم أتى عياض ففتح حران، ووجه صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة الفهري الى سميساط فصالح عياض أهل حران على مثل صلح الرها، وفتحوا له أبوابها وولاها رجلا، ثم سار

стр. 230

الى سميساط فوجد صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة مقيمين وقد غلبا على قرى وحصون من قراها وحصونها، فصالحه أهلها على مثل صلح الرها. قال: ثم إن أهل سميساط كفروا، فلما بلغه ذلك رجع اليهم فحاصرهم حتى فتحها (١). قلت: وصلح الرها على أن يؤدوا عن كل رجل دينارا ومدي قمح، وعليهم إرشاد الضال وإصلاح الطرق والجسور، ونصيحة المسلمين (٢). وقرأت في تاريخ سعيد بن بطريق النصراني قال: وكان في عصر إبراهيم ﵇ ملك في الشرق واسمه كموس وهو الذي بنى (٩١ - و) مدينة سوميساط وقلوذيا والعراق (٣). وقلوذية حصن قريب من ملطية قد ذكر البلاذري أن المنصور بناه (٤)، وبين ملطية وسميساط ستة عشر فرسخا. وهي في أيدي المسلمين في زمننا هذا. ***

стр. 231

باب في ذكر رعبان وهي مدينة صغيرة قديمة البناء ولها قلعة حسنة، وهي الآن في أيدي المسلمين، وكان لسيف الدولة ابن حمدان بها وقعة مع الروم. وبينها وبين الحدث سبعة فراسخ وبها آثار أبنية قديمة، وينسب إليها جماعة منهم بنو الرعباني بحلب من أكابر الحلبيين منهم الوزير سديد الدولة أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الباقي بن الرعباني كاتب معز الدولة ثمال بن صالح، وتولى الوزارة للمستنصر المستولي على مصر، وسنذكر ترجمته وترجمة غيره ممن ينسب إليها في كتابنا هذا إن شاء الله. وذكر ابن واضح في كتابه، في ذكر كور قنسرين والعواصم فقال: وكورتا دلوك ورعبان وهما متصلتان. وذكر قدامة في كتاب الخراج أن الرشيد لما استخلف أفرد قنسرين بكورها فصير ذلك جندا، وأفرد منبج، ودلوك، ورعبان، وقورس، وأنطاكية، وتيزين وسماها العواصم، لأن المسلمين يعتصمون بها في ثغورهم فتعصمهم (١). وكانت الزلازل قد أخربت رعبان، وجلا أهلها واندرس أثرها، وملكها العدو في أيام سيف الدولة، فأنهض إليها العساكر والصناع، وأنفق عليها الأموال

стр. 232

الجسيمة حتى بناها في مدة شهر وعساكر الروم جامعة والحرب واقعة، وكان خليفته على الجيش أبا فراس، وبعد أن بناها قصدها الدمستق ونزل عليها، فسار إليه سيف الدولة فأوقع به وهزمه وقتل وأسر خلقا من عسكره، وخلف أسلحتهم في المدينة قوة لأهلها، وبصدد ذلك يقول أبو فراس: وسوف على رغم العدو يعيدها … معوّد ردّ الثغر، والثغر داثر (١) ***

стр. 233

باب في ذكر دلوك وهي مدينة قديمة لها ذكر، وخرج منها بعض العلماء ممن نذكره في كتابنا هذا، وكانت مدينة عامرة ولها قلعة من بناء الروم عالية مبنية بالحجارة من بناء الروم، وكان الرشيد قد أفردها مع غيرها، وجعلها من (٩١ - ظ) العواصم، لأنها كانت تعصم ما يليها من الثغور الجزرية من جهة الشمال، وكان لها قناة قد ركبت على قناطر يصعد الماء عليها الى القلعة، وحولها أبنية عظيمة حسنة منقوشة في الحجر، وحولها مياه كثيرة وبساتين، وهي كثيرة الفواكه والكروم، وقيل إن مقام داود ﵇ كان بها، وأنه جهز الجيش منها الى قورس، فقتل فيه أوريا بن حنان، وقد خربت المدينة والقلعة، وبقيت الآن قرية مضافة الى عين تاب، وبها فلاحون وأكره. وذكر البلاذري في كتاب البلدان قال: وبعث-يعني أبا عبيدة-عياض بن غنم إلى ناحية دلوك ورعبان فصالحه أهلها على مثل صلح منبج، واشترط عليهم أن يبحثوا عن أخبار الروم، ويكاتبوا بها المسلمين (١). وصلح منبج كان على الجزية أو الجلاء. وخربها نور الدين محمود بن زنكي بعد ما تسلمها من الجوسلين بعد أن أسره على ما نذكره بعد إن شاء الله.

стр. 234

باب في ذكر قورس (١) وهي مدينة كانت قديمة من بناء الروم، وبها آثار عظيمة، ويقال أن بها قبر أوريا بن حنان، وخرج منها جماعة من الرواة، ولها ذكر في الفتوح. وذكرها أحمد بن أبي يعقوب بن واضح في كور جند قنّسرين والعواصم فقال: وكورة قورس مدينة قديمة وأهلها قوم من قيس وكان الغالبون عليها آل العباس بن زفر الهلالي. وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري فيما حكاه في كتاب البلدان عن مشايخ الشام قالوا: وسار أبو عبيدة يريد قورس، وقدّم أمامه عياضا، فتلقاه راهب من رهبانها يسأل الصلح عن أهلها، فبعث به الى أبي عبيدة وهو بين جبرين (٢) وتل عزاز فصالحه، ثم أتى قورس فعقد لأهلها عهدا وأعطاهم (٩٢ - و) مثل الذي أعطى أهل أنطاكية، وكتب للراهب كتابا في قرية له تدعى سرقينا، وبث خيله فغلب على جميع أرض قورس الى آخر حدّ نقابلس. قالوا: وكانت قورس كالمسلحة لأنطاكية، يأتيها في كل عام طالعة من جند أنطاكية ومقاتلتها، ثم حوّل إليها ربع من ربع أنطاكية، وقطعت الطوالع عنها. وقال البلاذري: ويقال إن سلمان بن ربيعة الباهلي كان في جيش أبي عبيدة مع

стр. 235

أبي أمامة الصدي بن العجلان صاحب رسول الله ﷺ فنزل حصنا بقورس، فنسب إليه فهو يعرف بحصن سلمان. قال: وقيل إن سلمان بن ربيعة كان غزا الروم-بعد فتح العراق، وقبل شخوصه إلى أرمينية-بعسكر عند هذا الحصن، فنسب إليه. قال: وسمعت من يذكر أن سلمان هذا رجل من الصقالبة الذين رتبهم مروان ابن محمد بالثغور، وكان فيهم زياد الصّقلبي، فنسب إليه هذا الحصن، والله أعلم (١) ***

стр. 236

باب في ذكر كيسوم وكانت مدينة كبيرة قديمة، وولاية واسعة عظيمة، وكان حصنها حصينا وبناؤه قويا ركينا، وكان بها في أيام المأمون نصر بن شبث العقيلي، وكان من قواد بني العباس، فعصى فيها على المأمون، فسير إليه طاهر بن الحسين، فلقيه نصر وكسره، فعاد طاهر مفلولا الى الرّقّة، وبقي نصر على عصيانه، فسير المأمون إليه عبد الله ابن طاهر بن الحسين، فحصره بها إلى أن فتحها، وخرب الحصن، وبقيت المدينة، وهي الآن قرية كبيرة عامرة بها الفلاحون، وهي في أيدي المسلمين. وقد ذكرها أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتابه فقال: وهي مدينة جليلة حصينة كان بها نصر بن شبث متحصنا لما خالف، وقد صار إليها المأمون. قلت: وقد رأيتها في طريقي إلى الروم، وبينها وبين الحدث سبعة فراسخ. ***

стр. 237

باب في ذكر عزاز (١) (٩٢ - ظ) وهي الآن مدينة عامرة، ومحاسنها في هذا العصر سائره، قد كثر بناؤها، واتسعت أرجاؤها، وعمرت قلعتها، وكثرت منفعتها، وكانت قلعتها مبنية باللّبن والمدر، فعمرها الملك الظاهر (٢) ﵀ بالحجر، فصارت من أحصن القلاع، ومدينتها من أحسن البقاع، وكانت تعرف في صدر الإسلام بتل عزاز، ولا ذكر لها إلاّ بالعبور بها والاجتياز، ولإسحق بن إبراهيم الموصلي قصة فيها مع بنت قس يقال لها حنّه ذكرها أبو الفرج الأصبهاني، وقال فيها إسحاق الموصلي أبياتا وهي: إن قلبي بالتّل تلّ عزاز … عند ظبي من الظباء الجوازي شادنّ يسكن الشآم وفيه … مع شكل العراق ظرف الحجاز يا لقومي لبنت قسّ أصابت … منك صفو الهوى وليست تجازي حلفت بالمسيح أن تنجز الوعد … وليست تهمّ بالإنجاز (٣) وكان الفرنج خذلهم الله قد استولوا على عزاز في شهر رمضان من سنة اثنتي عشرة وخمسمائه، ولقي أهل حلب منهم شدة عظيمة، إلى أن فتحها نور الدين محمود ابن زنكي بن آق سنقر ﵀ في سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وتسلمها من يد جوسلين.

стр. 238

وحكى لي والدي ﵀ أن نور الدين كان على حصارها، فسمعنا بحلب أنها قد فتحت، وكان ذلك في ساعة من نهار، ولم نتحقق الخبر فوقع كتاب نور الدين على جناح طائر بأنها فتحت في تلك الساعة التي أخبر بفتحها فيها. وكان محمود بن نصر بن صالح (٩٣ - و) أمير حلب قد ولى فيها أبا محمد عبد الله بن محمد الخفاجي الحلبي، فعصى بها، فاحتال محمود حتى سمه فمات بها، وسنذكر القصة في ترجمة أبي محمد الخفاجي (١). وقال أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير القيسراني، وقد اجتاز بعزاز، فرأى فيها نساء الفرنج؛ وأجازها لنا شيخنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي عنه، (٢) وقرأتها بخطه في ديوان شعره: أين عزّي من روحتي بعزاز … وجوازي على الظّباء الجوازي واليعافير ساحبات الغفافي … ر علينا كالرّبرب المجتاز بعيون كالمرهفات المواضي … وقدود مثل القنا الهزهاز ونحور تقلّدت بثغور … ريقها ذوب سكر الأهواز ووجوه لها نبوّة حسن … غير أن الإعجاز في الأعجاز كل خمصانة ثنت طرف الزتّار … من سرة على هرّاز ذات خصر يكاد يخفى على الفا … رس منه مواقع المهماز لاحظتني فانقضّ منها على قلبي … طرف له قوادم باز وسبتني لها ذوائب شعر … عقدتها تاجا على ابراز من معيني على بنات بني الأ … صفر غزوا فإنني اليوم غاز

стр. 239

باب في ذكر بزاعا والباب (١) وهما قريتان عظيمتان، بل مدينتان صغيرتان، وفي كل واحدة منهما (٩٣ - ظ) منبر وخطيب وبساتين تلذ للنازل بها وتطيب، ولكل منهما وال يقطع الخصام، وقاض يفصل الأحكام، وبينهما وادي بطنان ومرجه، وإلى محاسن هذا الوادي عمرة كل متنزه وحجّه، وهو من أصح البقاع ماء، وأرقها هواء، وفيه نزل أبو نصر المنازي وقال: وقد تفيأ في ظلاله من الحرّ وقال: وقانا لفحة الرّمضاء واد … غذاه مضاعف النبت العميم نزلنا دوحه فحنا علينا … حنوّ الوالدات على الفطيم وأرشفنا على ظما زلالا … ألذّ من المدامة للنديم يصدّ الشمس أنّى واجهتنا … فيحجبها ويأذن للنسيم يروع حصاه حالية العذارى … فتلمس جانب العقد النظيم (٢) وقد خرج من الموضعين جماعة من الأدباء وعصابة من الشعراء، وأعيان الموضعين عباسيون، من بني العباس بن الوليد الكلابي، وكان والي جند قنسّرين، ونسله وعقبه ومواليهم بوادي بطنان.

стр. 240

فأما بزاغا فكان لها حصن مانع وعليه خندق وآثاره باقية إلى يومنا هذا، وكان الروم قد استولوا على هذا الحصن في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فتحه ملك الروم بالسيف، ثم اندفع وعاد في سنة اثنتين وثلاثين وفتحه بالأمان، ثم غدر بهم ونادى مناديه من تنصر فهو آمن، ومن أبى فهو مقتول أو مأسور، فتنصر منهم أكثر من خمسمائة إنسان، منهم القاضي والشهود، وانقطعت الطرقات على طريق بزاغا وصارت على طريق بالس، وضاق بالمسلمين الخناق، فاستنقذه أتابك الشهيد زنكي من أيديهم في محرم سنة ثلاث وثلاثين (٩٤ - و) وخرب الحصن والبلد عامر. وأما الباب فهي أكثر عمارة من بزاغا، وكان فيها مغائر تعصمهم من الغارات، وكان بها طائفة كثيرة من الإسماعيلية، فاجتمع النبويه في … ، (١) وزحفوا إلى الباب فاعتصموا في المغائر فاستخرجوهم منها بالدخان، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وليس بها في زمننا هذا منهم إلا القليل، وقد كثرت عمائر الباب، واتسعت وصارت مصرا من الأمصار، وعمر فيها الأتابك طغرل الظاهري خانا للسبيل، ومدرسة لأصحاب أبي حنيفة ﵁، وكنت في أيام الصّبى أتردد إليها، فازدادت عمارتها على الضعف مما كانت، ولأبي عبد الله محمد بن نصر القيسراني فيها أبيات شاهدتها بخطه، وأخبرنا بها أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إجازة عنه قال: ومررنا بسقي الباب وهي ضيعة حسنة الظاهر كثيرة المياه والشجر فقلت ارتجالا:

стр. 241

أما لك رقي سرّح الطرف غاديا … على أهل بطنان سقتها سحابها حدائق للأحداق فيها لبانة … يعيد لنا شرخ الشباب شبابها وإن كنت تبغي بالك الخير مدخلا … إلى جنة الفردوس فالباب بابها (١) والوادي ينسب إلى بطنان حبيب، وهي قرية تعرف ببطنان حبيب (٩٤ - ظ) ولها تل عليه دير يقال له دير حبيب. قال البلاذري في كتاب البلدان: وبطنان حبيب نسب إلى حبيب بن مسلمة الفهري، وذلك أن أبا عبيدة، أو عياض بن غنم وجهه من حلب، ففتح حصنا بها، فنسب إليه (٢). وإلى جانب بطنان مرج كان ينزله عبد الملك بن مروان إذا توجه لقتال مصعب بن الزبير. وبوادي بطنان مواضع نزهة كثيرة المياه والأشجار، منها تاذف (٣)، وبو طلطل والفين. وقال امرؤ القيس في قصديته الرائية يذكر تاذف وباطلطل: ألا ربّ يوم صالح قد شهدته … بتاذف ذات التّلّ من فوق طرطرا ولا مثل يوم في قذاران ظلته … كأني وأصحابي على ظهر أعفرا (٤) وقذاران قرية شمالي الباب. قرأت بخط توزون ابراهيم بن محمد الطبري في كتاب الياقوت املاء أبي عمر الزاهد قال توزون: أملاه علينا من حفظه في شهور سنة سبع وعشرين وثلاثمائة

стр. 242

وذكر أنه قرأه أيضا عليه، قال: فيما رواه عن أبي عمرو بن الطوسي ونقله عن ابن الاعرابي، وقال-يعني أبا عبد الله بن الاعرابي في بيت امرئ القيس. بتاذف دون التل من جنب طرطرا فقال له بعض من حضر: أفيروى تاذف؟ (فقال) (١): هو حرف أعجمي يصنعون به ما شاءوا. قال: وقال أبو عمرو الطوسي: وأما طرطر فأخبرني (٩٥ - و) الوليد بن عبيد البحتري الشاعر قال: هي قرية عندنا بناحية منبج يقال لها باطرطل، باللام. قلت: واليوم يقال لها بوطلطل بلامين (٢). وفي هذا الوادي يجري نهر الذهب، ويخرج على قرى يسقيها، وتمده عيون بالوادي الى أن ينتهي الى الجبّول (٣)، وتجتمع اليه عيون أخر من قرى نقره بني أسد، فيجتمع الماء في الشتاء في أرض سبخة، الى جانب الجبّول، لاستغناء الناس عن السقي بالمياه في الشتاء، فلا يزال الماء في السبخة الى فصل الصيف، فيهب الهواء الغربي، فيحمل ذلك الماء شيئا فشيئا الى الارض التي يجمد الماء فيها، فيصير ملحا، ويجمع الاول فالأول، ويعبّى ويباع، وتمتار منه البلاد، وربما ثقل ماء السبخة في بعض السنين، فيستقون ماء من أبار حفرت في تلك الارض، ويجرونه الى مساكب قد سكبوها فيجمد فيها ويصير ملحا، فيجمعونه منها ويرفعونه ويصنعون غيره، وهذا الملح الذي يصنع يكون أشد بياضا من الاول

стр. 243

ويقال ان عجائب الدنيا ثلاث: قلعة حلب، وجبّ الكلب، ونهر الذهب. فأما قلعة حلب فلعلوها وارتفاعها وأنها في وطأة ليس الى جانبها جبل يحكم عليها وأما جبّ الكلب فانه بئر في قرية تعرف بجب الكلب في طرف الحبل من قرى حلب الى جنب قبثان الحبل هي الآن خربة، كان الذي يعضه الكلب الكلب (٩٥ - ظ) يأتي الى هذه البئر فيغتسل فيها فيبرأ، وقد بطل الآن فعلها لما نذكره ان شاء الله في باب يأتي. وأما نهر الذهب فقال لي والدي ﵀: انما سمي نهر الذهب لأن أوله بالقبان وآخره بالكيل، لان أوله يزرع على مائه القطن، والبصل، والثوم والكسفره، والكراويا، والخشخاش، والحبة السوداء، والحبة الخضراء، وبزر البقلة وغير ذلك، ويباع ذلك كله بالقبان وآخره يجمد فيصير ملحا، فيباع بالكيل ولا يضيع من مائه شيء، ولهذا سمي نهر الذهب، لانه ذهب كله باعتبار ما يؤول اليه. أنشدني بعض الاخوان لحمدان بن يوسف بن محمد البابي الضرير، وكان من أهل الباب، وأدركته وسمعت منه شيئا من شعره غير هذه الابيات، ثم حمل الى بعض أهل الباب، وأنابها، شعر حمدان المذكور، فنقلت منه هذه القصيدة، يصف فيها وادي بطنان، وما على نهر الذهب من القرى الى الجبول ويمدح فيها الملك الظاهر وهي. سل وميض البروق حمل التحيه … من محب أسواقه عذريّه أظهرت لوعة الغرام شجونا … منه كانت بين الضلوع خفيّه ويرى جسمه النحول فأمسى ال … همّ في حندس الظلام نجيّه وأبى البين أن يبقّي من الصّبر … عليه بعد الفراق بقيّه (٩٦ - و)

стр. 244

أيها السائق الذي لم يزل يطرب … شجوا بشدوه الشدنيّه لا تسل عن قبا وسل عن نواحي … قبّيا فهي جنّة عدنيه حبذا تاذف الأنيقة والأنهار … تجري تحت الغصون البهيّه وبساتينها إذا جاوبت ور … قاء فيها بسجعها قمريّه وبنونا يا ليت لي كل يوم … غرفا فوق مائها مبنيه ولكم قد شممت في مرقونا … نسات مثل العبير ذكيّه رشقتني على عوينات زكىّ … طيبات بأعين بابليّه هذه كلها مزارع بين الباب وبزاعا: سفح الوابل الملث على وا … دي بزاعا وسميه ووليه وسما بارق الغمام على بطنان … بالغيث بكرة وعشيه وغدت بالحيا وراحت على الباب … غوادي السحائب الوسميه قف على عينها تجد كل حوراء … تثنىّ كأنها حورية وعلى تيمر وقيت من الخطب … فقف بي بالله عند الوقيه تيمر الجبل المشرف على الباب من غريبة، والوقيه حجر كبير في هذا الجبل يعرف بالوقية. آخر الجزء السادس. ويتلوه في أول السابع وانظر العين من شماليه والرا … هب تزهو أنواره قبليّه (٩٦ - ظ) (١) ***

стр. 245

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي وانظر العين من شماليه والرا … هب تزهو أنواره قبليه وأرمق السقي عند ما تنثني … برباها أشجاره شرقيه لا تكلني إلى اللوى فلقد غا … درت من دون وصفه لي أليّه لست ممن تثنيه عن وصف إقليم … بزاعا ذكر الحمى والثنيّه فلكم ظلت في ربوع أبي طلطل … أقضي أوقات لهو هنيه ومساع كانت إلى السيعة الفيحاء … أنوارها لدي مضيه وبألفين لي وبيرة خفان … شجون طول الزمان شجيه قف بأعران لي ومحان والبرج … وأيشى إن شئت والحصفيه وتأمل زهور نجارة الفيحاء … تزهو كالأنجم الدريّه فبأكناف عين أرزة لهوي … والمروج الأنيقة الشربعيه (منسوبة الى شربع قرية على النهر) طالما بتّ بالقبيبة أفني … جلدي باكيا على الجلديه وتأمل بلحظ عينك يا صاح … مروج الجبّول والنجبيّه كم بذاك الحمى ظباء بأطرا … ف العوالي وبالظبى محميه كل سمراء في التماثيل تهتز … دلالا كالصعدة اليزنيه غازلتنا قبل السفور بعينيها … فخلنا بأنها تركيه

стр. 246

أي قاض يعدي لمكتئب غرته … تلك الغريرة العدوية (٩٧ - و) مستهام تبيت أحشاؤه منها … على لاعج الأسى محنيه وانسكاب الدموع من جفنه ينشر … طي السرائر المطويه يا خليلي خليا ذكر سلع … وربوع المعالم الحاجريه واذكرا لي أكناف ساحة بطنان … وتلك المشاهد التيمريه وصفا لي أنهار تاذف مع أشجارها … لا الحدائق الجلقيه بتّ أسري وهنا من الباب والليل … علينا ستوره حندسيه أنا أعمى وقائدي في دجاه … أعور والأتان لي مهريه وهو مما تغشرم البيد يسعى … أعرجا فاعجبوا لها من قضيه من يرانا يظل يطرب بالسا … ئق عجبا والممتطي والمطية يا لنا من ثلاثة يعجز الطا … لب عن رابع لنا في البريه سرت حتى طويت أرض معير ثيا … وتلك المعالم الغوريه واتساع الميدان مع سطح ربا … ثا وتلك الحفيرة النشزيه وربا البقعة التي نشر الغيث … عليها ملابسا سندسيه وترتبت بالمرتب في ظهر … أتاني لأدرك الأمنيه وتجشمت بالصخير وشحنجّار … وعرا تهابه الشّدقميّه وفليت الفلا إلى نحو بابلى … بعزم أمضى من المشرفيه وعلى هضب بانقوسا بدا الصبح … ولاحت أنواره المخفيه (٩٧ - و) وأتى الدهر مقلعا إذ رأى … أن ملاذي بالقلعة الظاهريه فحططنا لما حططنا عن الدهر … بها كل زلة وخطيه يا ذوي البؤس يمموها تحلوا … كعبة الجود والندى والعطيه فبها مالك أقل أياديه … تفوق الأيادي الطائيه

стр. 247

قلعة سامت السماء وضاهت … في المعالي أفلاكها العلويه شرفت بالغياث حتى غدت فو … ق الثريا أركانها مبنيه ثم أطال في مدح الملك الظاهر ﵀ فاختصرته خوفا من الاطالة. أنشدني والدي ﵀ وقال: خرج أبو عبد الله القيسراني مع والدي الى وادي بزاعا فمرا بتاذف فراقهم حسنها، فقال القيسراني فيها: ما زلت أخدع عن دمشق … صبابتي بالغوطتين حتى مررت بتاذف … فكأنني بالنيربين فرأيت ما قد كنت آ … مله بأشواقي بعيني (١) ***

стр. 248

باب في ذكر صفين وبقعتها وحكم من شهدها من الجانبين ووقعتها ويقال فيها صفون وصفين، وهي من أعمال حلب وجند قنسرين، وقد قال بعض أصحاب علي ﵇، وقد رأى شدة القتال بها، فأتى أهله: (٩٨ - و): إن أباك فر يوم صفين … لما رأى عكا والأشعرين والخمس قد أجشمتك الأمرين … جمزا إلى الكوفة من قنسرين وحابسا تشك بالطائيين … وقيس عيلان الهوازنيين لا خمس إلا جندل الأحرين والكلام في صفين يقع في فصول. ***

стр. 249

الفصل الاول في ذكر بقعتها وهي قرية كبيرة عامرة على مكان مرتفع على شط الفرات، والفرات في سفحه وفيها مشهد لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، وقيل بأنه موضع فسطاطه، وموضع الوقعة من غربيه في الأرض السهلة، وقتلى علي ﵁ في أرض قبلي المشهد وشرقيه، وقتلى معاوية من غربي المشهد، وجثثهم في تلال من التراب والحجارة، كانوا لكثرة القتلى يحفرون حفائر ويطرحون القتلى فيها، ويهيلون التراب عليهم، ويرفعونه عن وجه الأرض، فصارت لطول الزمان كالتلال. وفي حديث محمد بن إسحاق قال: أقبل معاوية حتى نزل صفّين، والصفّين مدينة عتيقة من مدائن الأعاجم في أرض قنسرين على شاطئ الفرات فيما بين منبج والرقة، على نجفة مشرفة الجذل، وبين النجفة وبين الفرات غيضة آسنة ذات ماء آجن، لا يقدر على الفرات إلا من شرائع الغيضة، فمن قدر على الشريعة استقى، ومن لم يقدر على الشريعة استقى من الجرف بالدلاء ماء آجنا غليظا لا يشرب إلا بالشن (١). أنبأنا أبو الحسن بن أبي عبد الله البغدادي عن أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن أحمد بن أحمد بن الخشاب قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد الفرّاء

стр. 250

قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن ننجاب قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل قال: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال: حدثنا صفوان بن عمرو عن ضمضم أبي المثنى الأملوكي عن كعب أنه رأى صفين والحجارة التي على الطريق (٩٨ - ظ) فقال: لقد وجدت نعتها في الكتاب أن بني اسرائيل اقتتلوا فيها تسع مرات حتى تفانوا، وأن العرب ستقتتل فيها العاشرة حتى يتفانوا ويتقاذفوا بالحجارة التي تقاذفت بها بنو اسرائيل، فاقتتل فيها أهل الشام مع معاوية وأهل العراق مع علي ﵉ حتى تفانوا وتقاذفوا بتلك الحجارة. قال صفوان: وكان أهل الشام ستين ألفا، فقتل منهم عشرون ألفا، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفا، فقتل منهم أربعون ألفا. وقرأت في كتاب صفين تأليف أبي جعفر محمد بن خالد الهاشمي، المعروف بابن أمه، قال: حدثني الوليد بن مسلم قال: حدثنا اسماعيل بن عياش أن كعب الأحبار مر بصفين قافلا من غزاة، فسأل حراثا يحرث، ما يقال لهذه الأرض؟ قال: صفين، قال: والذي نفسي بيده إنها لفي كتاب الله صفوّا، اقتتلت فيها بنو إسرائيل تسع مرار، وستقتتل فيها أمة محمد ﷺ العاشرة. قال: وبنحو ذلك حدثني سهل بن زيد الأنصاري عن سعيد بن عبد الرحمن الزرقي عن نافع بن عوف الزرقي عن كعب. قال أبو جعفر الهاشمي: حدثني أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري عن سليمان بن بشير عن قدامة بن موسى قال: حدثني إسحاق بن أبي قبيصة بن ذؤيب سأل كعب الذماري من أين كان كعب يعلم ملحمة صفين؟ قال: أما ملحمة
следующие страницы →