وذكر ابن زولاق في مسير الإخشيذ الى قنسرين والتقائه مع سيف الدولة واستظهار سيف الدولة على الاخشيد، وان الاخشيذ عاد واستظهر على سيف الدولة، وأن الامير سيف الدولة عسكر مواجها للاخشيد فاختار الاخشيذ المسالمة وراسله بالحسن بن طاهر على مال يحمله اليه، وأن يكون لسيف الدولة من خرشنة (١) الى حمص، وزوجه ابنته فاطمة، وكان الولي الحسن بن طاهر بتوكيل الإخشيذ، فسر سيف الدولة بذلك، وعقد النكاح، ونثر سيف الدولة في مضربه على الحاضرين ثلاثين ألف دينار ونثر خارج المضرب أربعمائة ألف درهم، وحمل الى الحسن بن طاهر مالا كثيرا وخلعا وحملانا.
قلت: والحسن بن طاهر هذا هو والد طاهر بن الحسن الذي مدحه المتنبي بقوله:
اعيدوا صباحي فهو عند الكواعب .. (٢).
وسنذكره في حرف الطاء ان شاء الله تعالى.
ولما زرت الخليل ﷺ في سنة سبع وثلاثين وستمائة، مضيت من زيارته الى مشهد اليقين فزرته (٣)، ورأيت في مغارة عند باب المشهد قبرا يزوره الناس مكتوب عنده على لوح من الرخام نقشا: هذا قبر فاطمة بنت الحسن بن طاهر ابن يحيى بن الحسن، وعلى لوح آخر من الرخام لذلك القبر مكتوب نقشا في الحجر:
اسكنت من كان في الاحشا مسكنه … بالرغم مني بين الترب والحجر (٢٤٤ - و)
يا قبر فاطمة بنت ابن فاطمة … بنت الائمة بنت الأنجم الزهر
يا قبر بنت الزكي الطاهر … الحسن بن طاهر من نماه أطهر البشر
يا قبر كم فيك من دين ومن ورع … ومن حياء ومن صون ومن خفر
стр. 2347
وعلى اللوح بخط النقاش الذي نقش اللوحين: صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر، وصاحبة القبر هي بنت الحسن بن طاهر هذا، والله أعلم.
وقال أبو الغنائم الزيدي النسابة في كتاب «نزهة عيون المشتاقين» أن الحسن بن طاهر توفي بمصر في شوال سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وذكر أن أمه أم ولد.
وقال ابن خداع في «كتاب المعقبين من ولد الحسن والحسين» -ووقع إليّ بخطه-وكان لأبي محمد الحسن حظ من الدنيا، وتقدم عند السلطان توفي بمصر سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
ذكر محمد بن أسعد الجواني النسابة في كتابه الموسوم «بنزهة القلب المعنى في نسب بني المهنا» أن أبا محمد الحسن بن طاهر توفي بمصر سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
وقال القضاعي توفي في شوال من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
أنبأنا بذلك احمد بن أزهر عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي عنه.
الحسن بن طاهر الوزير:
وزير سليمان بن قطلمش صاحب أنطاكية كان معه وزيرا له بأنطاكية وأسر في الوقعة التي قتل فيها سليمان بالناعورة (١)، ثم أطلقه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان في صفر سنة تسع وسبعين وأربعمائة، فسار إلى أنطاكية، ولم يزل بها الى أن وصل السلطان ملكشاه الى حلب وتسلمها في شعبان من السنة المذكورة، ثم سار الى أنطاكية فسلمها اليه الحسن بن طاهر الوزير المذكور، واستخدمه ملكشاه في الأموال بأنطاكية، وولى البلد يغي سغان (٢) بن ألب، وتركه في عسكر معه (٢٤٤ - ظ)
стр. 2348
حرف العين في آباء من اسمه الحسن:
الحسن بن عامر بن الحسن:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أبو علي الكلابي البابي الحنفي القاضي من ولد العباس بن الوليد قاضي باب بزاعا، من أهل الباب، هو وسلفه، مولده ومنشأه بها، أقام بها قاضيا بعد أبيه عامر سنين عدة، وسمع الحديث بحلب من أبي الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفي الأصبهاني، وحدثنا عنه بالباب، وكان شيخا حسنا جميل السيرة مستورا عفيفا وله أملاك بتلك الناحية، سألته عن مولده فقال سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
أخبرنا القاضي أبو علي الحسن بن عامر بن الحسن البابي بمنزله بباب بزاغا- قراءة مني عليه-قال: أخبرنا أبو الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفي بحلب قال أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد-قراءة عليه وأنا حاضر- قال: حدثنا أبو نعيم احمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا عبيد الله بن علي، المعروف بابن أبي العزائم، قال: حدثنا ابو عمرو احمد بن حازم بن أبي غرزة قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن بكير بن عامر عن عبد الرحمن بن أبي نعيم عن مغيرة بن شعبة قال: رأيت رسول الله ﷺ قضى حاجته، ثم توضأ، ومسح على خفيه فقلت: نسيت يا رسول الله لم تخلعهما قال: بل أنت نسيت بهذا أمرني ربي (١).
توفي القاضي حسن بن عامر البابي بباب بزاعا يوم الأحد السادس عشر من (٢٤٦ - و) صفر سنة ست وعشرين وستمائة، وكنت بعد وفاته بيوم واحد قد قدمت الباب متوجها في رسالة.
стр. 2349
الحسن بن العباس بن الحسن بن الحسين أبي الجن:
ابن علي بن محمد بن علي بن اسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، أبو محمد الحسيني، القاضي القمي، انتقل أبوه العباس بن الحسن من قم إلى حلب، وانتقل معه ابنه الحسن وأخوته الباقون في أيام سيف الدولة بن حمدان، ثم انتقل أبو محمد واخوته الى دمشق وولي أبو محمد قضاء دمشق، ثم إن الحاكم أرسله عنه الى حلب الى أبي نصر منصور بن لؤ لؤ السيفي (١)، فتوفي بها وكان رئيسا نبيلا جوادا ممدحا.
قرأت بخط الشريف أبي الحسن إدريس بن الحسن الادريسي الحسني: قال لي الشريف نظام الدين أبو العباس بن أبي الجن الحسيني: كانت نقلتنا الى حلب- يريد نقله الحسن أبي محمد القاضي، وأخيه مع أبيهما، الى حلب من بلد العجم- أيام سيف الدولة.
قرأت بخط الشريف أبي الغنائم عبد الله بن الحسن بن محمد الزيدي في كتابه «المجرد في النسب (٢)» قال: والعقب من أبي الفضل العباس بن الحسن بن الحسين ابن علي بن محمد بن علي بن اسماعيل: أبو محمد الحسن القاضي، كان بدمشق، وأبو طالب محمد، وأبو عبد الله الحسين، وأبو الحسن علي القاضي كان ببعلبك، أمهم مريّه من العرب اسمها نقية. قال أبو الغنائم: كان القاضي أبو محمد الحسن، مقدم أهل بيته ورئيسهم، وكان (٢٤٦ - ظ) جوادا وصولا بارا بأهله ﵁.
ونقلت من «كتاب المجدي في أنساب الطالبيين» (٣) تأليف الشريف أبي الحسن بن محمد بن علي العلوي العمري، المعروف بابن الصوفي، جمعه للشريف مجد الدولة أبي الحسن بن فخر الدولة أبي يعلى حمزة بن حاكم الدولة، صاحب هذه الترجمة الحسن بن العباس، وذكر في أثناء الكتاب شيئا من نسب أبي الحسن
стр. 2350
فقال: ومنهم، يعني، من ولد العباس بن الحسن بن الحسين أبي الجن الشريف القاضي بدمشق هو: الحسن بن العباس بن الحسن بن الحسين أبي الجن، مات عن أولاد سادة ولوا نقابة النقباء بمصر، والنقابة والقضاء بدمشق، وذكر من عقبه من صنف له الكتاب.
أخبرنا أبو نصر محمد بن هبة الله بن الشيرازي-فيما أذن لنا في روايته عنه- قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي قال: الحسن بن العباس بن الحسين أبي الجن بن علي بن محمد بن علي بن اسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو محمد الحسيني، ولي القضاء بدمشق خلافة أبي عبد الله محمد بن النعمان قاضي أبي علي منصور، الملقب بالحاكم، وكان أصلهم من قم، فانتقل أبو العباس الى حلب، وانتقل الحسن وأخوته الى دمشق، وولي قضاءها، ثم أرسله الملقب بالحاكم رسولا الى أمير حلب، فقال أبو الحسن ابن الدويدة المعري فيه، لما أن قدم الى حلب: (٢٤٧ - و)
رأى الحاكم المنصور غاية رشده … فأرسله للعالمين دليلا
أتى ما أتى الله العلي مكانه … فأرسل من آل الرسول رسولا
فمات، فلما توفي رثاه الشعراء فقال فيه الشريف أبو الغنائم عبد الله بن الحسن ابن محمد الحسيني النسابة:
فروعك يا شريف شهدن حقا … بأن الطاهرين لها أصول
على حال الرسالة في صلاح … فقدت وهكذا فقد الرسول
قال الحافظ أبو القاسم: قرأت بخط عبد المنعم بن علي بن النحوي: وفي ليلة الاربعاء لاثنين وعشرين ليلة خلت من جمادى الأولى سنة أربعمائة ورد من حلب فيج (١) بكتاب أبي تراب محسن بن أبي الجن يذكر فيه أن عمه أبا محمد بن أبي الجن الشريف القاضي مات بحلب يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى سنة أربعمائة (٢)
стр. 2351
أنبأنا أبو الوحش بن نسيم قال: أخبرنا علي بن أبي محمد الدمشقي قال:
ذكر أبو محمد بن الاكفاني أن أبا محمد توفي في جمادى الاولى سنة أربعمائة. قال غيره: بحلب، وحمل الى دمشق، فدفن بها.
قرأت بخط أبي الغنائم الزيدي قال وتوفي القاضي أبو محمد بحلب سنة أربعمائة ونقل الى دمشق.
وقرأت بخط أبي الخطاب عمر بن محمد العليمي، وذكر أنه نقله من خط عبد المنعم بن علي النحوي قال: وفي جمادى الآخرة وصل تابوت الشريف أبي محمد ابن أبي الجن (٢٤٧ - ظ) من حلب فدفنوه ببستانه الذي شقته (١) في قصره.
ذكر من اسم أبيه عبد الله ممن اسمه الحسن:
الحسن بن عبد الله بن احمد بن عبد الجبار بن أبي حصينة
السلمي، الامير ابو الفتح المغربي، شاعر مجيد بليغ كثير الشعر، أقام بحلب في أيام بني مرداس، وكان وجيها عندهم وتأمر (٢) في زمنهم، روى عنه شيئا من شعره أبو محمد الحسن بن ابراهيم بن الحسن التنوخي الحلبي، وابن ابنه نصر بن منصور بن الحسن بن أبي حصينة وأبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي، وجمع أبو العلاء ديوان شعره وشرح غريبه ومعانيه، وقال في مقدمة الديوان: الدهر مديد طويل يجوز أن يحدث في آخره، كما حدث في أوله، لأن الله سبحانه قدير على الممتنعات كلما حكم به فهو آت تقدست أسماؤه، وجلت نعماؤه ولا يمتنع أن ينشئ في هذا العصر من الشعراء من هو لاحق بالمتقدمين وشبيه من سلف من الفحول الأولين.
وكان مولاي الأمير الجليل أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة سألني أن أجمع شعره، فقرئ عليه (٣) ما أنشأه من أنواع القريض، فوجدت لفظه غير مريض، ومعانيه صحاحا مخترعة، وأغراضه بعيدة مبتدعة، وهو وان كان متأخرا
стр. 2352
في الزمان فكأنه ممن فرط في عهد النعمان، ومن سمع كلامه علم أنه لم يعر شهادة ولا حرم في إبداع الكلم سيادة.
وكفاه شهادة هذا العالم النحرير (٢٤٨ - و) له بما شهد، وتصديه لجمع شعره، وعاش أبو الفتح بعد أبي العلاء مدة سنين.
أنبأنا أبو المحاسن سليمان بن الفضل بن سليمان قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي قال: الحسن بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار ابن أبي حسنه، أبو الفتح السلمي المعري الشاعر، ذكر لنا أبو عبد الله محمد بن المحسن بن الملحي أنه قدم دمشق، وله في وصفها أبيات من قصيدة ذكرها ابن ابنه أبو المظفر نصر بن منصور بن الحسن بدمشق عنه منها:
لو أن دارا أخبرت عن ناسها … لسألت رامة (١) عن ظباء كناسها
بل كيف تسأل دمنة ما عندها … علم بوحشتها ولا إيناسها
ممحوة العرصات يشغلها البلى … عن ساحبات الريط فوق دهاسها
بيض اذا انضاع النسيم من … الصبا خلناه ماء ينضاع من أنفاسها
يا صاحبي سقى منازل جلق … غيث يروي ممحلات طساسها (٢)
فرواق جامعها فباب بريدها … فمسارب القنوات من باناسها (٣)
فلقد قطعت بها زمانا للصبى … واللهو مخضرا كخضرة آسها
قبل النوى وسهامه مشغولة … الأفواق لم تبلغ الى بر جاسها
من لي برد شبيبة قضيتها … فيها وفي حمص وفي ميماسها (٤)
وزمان لهو بالمعرة موبق … بسياثها وبجانبي هرماسها (٥)(٢٤٨) قرأت بخط مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ، وانبأنا به أبو
стр. 2353
الحسن محمد بن أحمد بن علي عنه، قال: الأمير أبو الفتح بن ابي حصينة، هو الحسن بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار بن أبي حصينة وهو غزير القريحة، كثير الشعر مجيد بليغ، وكان مدح الأمير أسد الدولة أبا صالح عطية بن صالح بن مرداس بقصيدة أولها:
سرى طيف هند والمطي بنا تسرى … فاخفى دجى ليل وأبدا سنا فجر
فيها:
خليلي فكّاني من الهم واركبا … فجاج الموامي (١) الغرّ في النوب الغبر
الى ملك من عامر لو تمثلت … مناقبه أغنت عن الانجم الزهر
اذا نحن أثنينا عليه تلفتت … إلينا المطايا مصغيات الى قتر (٢)
منها:
وفوق سرير الملك من آل صالح … فتى ولدته أمه ليلة القدر
فتى وجه أبهى من البدر منظرا … وأخلاقه أشهى من الماء والخمر
فيها:
أبا صالح أشكو إليك نوائبا … عرتني كما يشكو النبات الى القطر
لتنظر نحوي نظرة لو نظرتها … الى الصخر فجرت العيون من الصخر
وفي الدار خلفي صبية قد … تركتهم يظلون أظلال الفراخ من الوكر
(٢٤٩ - و)
لعل بشيرا منك يأتي إليهم … بأنك قد آمنتهم غصّة الدهر (٣)
ومنها:
جنيت على روحي بروحي جناية … فأثقلت ظهري بالذي شب من ظهري
стр. 2354
عداد الثريا مثل نصف عدادهم … ومن نسله ضعف الثريا (١) متى يثري
فهب هبة يبقى عليك ثناؤها … بقاء النجوم الطالعات التي تسري
فلما فرغ من انشادها: أحضر الأمير أسد الدولة القاضي والشهود وكتب له وأشهد على نفسه بتمليك ابن أبي حصينة ضيعتين من ملكه لها ارتفاع كثير، وأجازه وأحسن إليه فأثرى وتمول، وعمر بحلب دارا خسر عليها مالا كثيرا وكتب على إزار روشنها:
دار بنيناها وعشنا بها … في نعمة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا … على الأيام من بأس
قل لبني الدنيا ألا هكذا … فليفعل الناس مع الناس
هكذا نقلته من خط أبي المظفر أسامة في تعليقه الذي علقه لابن الزبير، وقد ذكر أسامة بن منقذ في موضع آخر هذه الحكاية أنها وقعت لابن أبي حصينة مع معز الدولة ثمال بن صالح، وهو أصح. أخبرنا بذلك الأمين أبو القاسم بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن صصرى فيما أذن لنا في روايته عنه، وسمعت منه بدمشق، قال: أخبرنا أبو المظفر أسامة بن مرشد (٢٤٩ - ظ) بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ قال: كان ابن أبي حصينة مداحا للأمير تاج الأمراء معز الدولة أبي العلوان ثمال بن أسد الدولة صالح بن مرداس، فامتدحه بقصيدة شكا فيها كثرة أولاده، وكان له أربعة عشر ولدا، أولها:
سرى طيف هند والمطي بنا تسرى … ..
جنيت على نفسي بنفسي جناية … فاثقلت ظهري بالذي شب من ظهري
عداد الثريا مثل نصف عدادهم … ومن نسله ضعف الثريا متى يثرى
وأخشى الليالي الغادرات عليهم … لان الليالي غير مأمونة الغدر
ولي منك اقطاع قديم وحادث … تقلبت فيه تحت ظلك من عمري
وما أنا بالممنوع منه ولا الذي … أخاف عليه منك حادثة تجري
ولكنني أبغيه ملكا مخلدا … خلود القوافي الباقيات على الدهر
стр. 2355
والقصيدة طويلة، فلما سمعها معز الدولة أمر باحضار شهود أشهدهم بتمليكه أبا الفتح الحسن بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار بن أبي حصينة ضيعتين من أعمال حلب ومنبج، فأثرى، وحسنت حاله وعمر بحلب دارا وكتب على ازار روشنها:
دار بنيناها وعشنا بها … في نعمة من آل مرداس
وذكر الأبيات الثلاثة كما نقلتها من خط أسامة.
سمعت الأمير بدران بن جناح الدولة حسين بن مالك العقيلي قال: قال لي الخطيب (٢٥٠ - و) هاشم خطيب حلب: لما بنى ابن أبي حصينة داره وكتب على ازار سقفها:
دار بنيناها وعشنا بها … في نعمة من آل مرداس
المانعي بؤسي فلم يتركوا … على الأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا … فليفعل الناس مع الناس
بلغ نصر بن محمود ذلك فكتب له دارا إلى جانبها، وكانت خربة، وهي الآن لبعض الشراف بحضرة البلاط شرقي الدار التي كان على روشنها الأبيات، وهي الآن لبعض الهاشميين وبابها في الزاوية التي هي مقابل مسجد الشريف الزاهد، قال: وأطلق له ألف دينار.
قال: وقال لي الخطيب: والدار التي عمرها هي الدار التي تجاه حمام الواساني ولها ساباط راكب على حمام الواساني، وهي في زماننا هذا لولد قطب الدين الحسن بن العجمي.
كذا قال لي بدران: بلغ نصر بن محمود ولم يعش أبو الفتح بن أبي حصينة إلى أيام نصر بن محمود. وقد قيل إن الحكاية جرت مع نصر بن صالح أخي ثمال ابن صالح، فإنني قرأت في كتاب نزهة الناظر وروضة الخاطر تأليف عبد القاهر بن علوي المعري، المعروف بابن خصا البغل، قال: قيل: امتدح أبو الفتح بن أبي حصينة المعري ﵀ نصر بن صالح بحلب، فقال له: تمنّ، فقال: أتمنى أن أكون
стр. 2356
أميرا، فجعله أميرا يجلس مع الأمراء، ويخاطب بالأمير وقربه، وصار يحضر في مجلسه وفي زمرة الأمراء، ثم وهبه أرضا (٢٥٠ - ظ) بحلب قبلي حمام الواساني فعمرها دارا وزخرفها وقرنصها، وتمم بنيانها وكمل زخارفها ثم نقش على داير الدرابزين:
دار بنيناها وعشنا بها … في دعة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم … يتركوا عليّ للأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا … فليفعل الناس مع الناس
قال: فلما أنهى العمل بالدار عمل دعوة وأحضر نصر بن صالح بن مرداس، فلما أكل الطعام رأى الدار وحسنها وحسن بنيانها ونقوشها، ورأى الأبيات فقرأها، فقال: يا أميركم خسرت على بناء الدار؟ فقال: والله يا مولانا ما للمملوك علم بل هذا الرجل تولى عمارتها، فأحضر معمارها وقال له: كم قد لحقكم غرامة بناء هذه الدار؟ فقال له المعمار: غرمنا ألفي دينار مصرية، فأحضر من ساعته ألفي دينار مصرية وثوب أطلس وعمامة مذهبة وحصانا بطوق ذهب وسخت ذهب وسر فسار (١) ذهب، ودفع ذلك جميعه إلى الأمير أبي الفتح وقال له:
قل لبني الدنيا ألا هكذا … فليفعل الناس مع الناس
ووقع إليّ مدائح نصر بن صالح مدونة، وفيها قصائد مدحه بها أبو الفتح ابن أبي حصينة وليس فيها القصيدة الرائية، ولا الأبيات السينية، والصحيح أنه مدح بهما معز الدولة ثمال بن صالح، وأكثر مديحه فيه. (٢٥١ - و).
وقرأت بخط أبي سالم أحمد بن عبد القاهر بن الموصول هذه الأبيات الثلاثة، وذكر أنه كتبها في داره على حيط مجلسه، وقالها في أيام معز الدولة، يعني ثمال ابن صالح، وقد أطلق شيئا في عمارتها له.
وقرأت بخط رجل من الفضلاء في بعض الكتب أن ابن صالح لما بلغته هذه الأبيات نفذّ إليه مالا قيل مقداره ألف دينار وقيل ثلاثة آلاف دينار عوضا عما غرمه على الدار.
стр. 2357
ومما يدل أن هذه الواقعة كانت مع معز الدولة، أني قرأت في ديوان شعر أبي الفتح بن أبي حصينة، الذي جمعه أبو العلاء بن سليمان أبياتا مدح بها أبا العلوان ثمال بن صالح، يذكر فيها غيبة غابها في عمارة داره التي عمرها بحلب، وكان قد تأخر عن الخدمة في الحضور بحضرته أياما عدة:
وقفنا فكم هاج الوقوف على المغنى … غليلا دخيلا من لبينى ومن لبنى
وعجنا عليه منذ عشرين حجة … نقضت فما عجنا على الحلم مذ عجنا
أربع التصابي قد فنيت وحبنّا … لأهلك لا يبلى بلاك ولا يفنى
كأنك تلقى ما لقينا من الهوى … وتضنى لفقد الظاعنين كما نضنى
سألناك لو أخبرتنا أين يممو … أوعس الحمى الأقصى أم الأوعس الأدنى
أم الحيّ لما أكدت المزن يمموا … ثمالا فشاموا من أنامله المزنا
لقد نجعوا ربعا خصيبا من الندى … وصاروا إلى من يمنح المدن لا البدنا
فتى كرم أفنى الصوارم في الوغى … ضرابا وأفنى بالطعان القنا اللدنا
(٢٥١ - ظ)
يد لك من كلتي يديه على الغنى … فيسرك في اليسرى ويمنك في اليمنى
هو البحر إلا أننا لا نرى له … سوى موقرات العيس من ماله سفنا
نظمت لأسنى الخلق مدحا وجدته … سنيا فأهديت السنى إلى الأسنى
أبا صالح إن كنت في القول محسنا … فإنك قد جازيتني عنه بالحسنى
وأعديتني بالجود حتى تركتني أجود … فأفني مكسبي قبل أن أفنى
تشاغلت أبني فيك مدحا وأبتنى … ففيك الذي أبنى ومنك الذي يبنى
إذا نحن جدنا أو نجحنا بنعمة فمنك … ومما جدت ذاك الذي جدنا
ومن شكر القوم الألى منك رزقهم … فإنك بالشكر الذي شكروا تعنى
إذا المرء أولى الفضل من فضل غيره … فمو ليه أولى بالثناء الذي يثنى (١)
أخبرنا أبو يوسف يعقوب بن محمود الساوي بالقاهرة قراءة عليه قال:
أخبرنا الحافظ أبو طاهر السّلفي-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أنشدنا أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسن التنوخي الحلبي ببغداد في مجلس أبي زكريا
стр. 2358
التبريزي اللغوي، قال: أنشدني الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة بحلب لنفسه من قصيدة:
كأن الفتى يرقى من العمر سلما … إلى أن يجوز الأربعين فينحط (١)
وهذا البيت من قصيدة من غرّ قصائده (٢٥٢ - و).
وهذه أربع قصائد قالها في مدح معز الدولة ثمال بن صالح ذكر أبو العلاء بن عبد الله بن سليمان أنه عملهن في ليلة واحدة باقتراحه ذلك عليه لغرض جرى منه، ولما أصبح وأنشدهن بحضرته أجزل له من العطاء وأحضر له في جملته سفطا من ملابسه السنية فلبس ما فيه بين يديه، وأقطعه قرية تعرف بأعزال زيادة على ما كان معه من الإقطاع في ذلك الوقت، وذلك في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة وهذه الأولى منهن:
أبى قلبه من لوعة الحب أن يخلو … فلا تعذلوا من ليس يردعه العذل
ولا تطلبوا مني مدى الدهر سلوة … فما يرعوي عنكم فؤادي ولا يسلو
ضنيت فلو أني على رأس شعرة … حملت ومالت لم ينمها بي الحمل
(٢٥٢ - ظ)
كأن الليالي طالبتني لقربكم بتبل (٢) … فلما بنتم ذهب التبل
خليلي ما للربع يخلو وليس لي … فؤاد من التبريح يخلو كما يخلو
وما لي إذا ما لاح ايماض بارق … من العلم النجدي داخلني خبل
لئن كان جهلا ما بقلبي من الهوى … فمن لي بقلب لا يفارقه الجهل
ومن لي بوصل من أمامة بعد ما … تقطع منها اليأس أن يرجع الوصل
أيا قلب كم لا تستفيق من الجوى … وكم أنت لا يجلو غرامك ما تجلو
تحنّ إلى نعم وجمل كليهما … وما أنعمت نعم ولا أجملت جمل
فأقسم لولا أنت لم يخلق الجوى … ولولا أبو العلوان لم يخلق الفضل
فتى أتعب البيض الصوارم في العلى … وجرب فيها ما يمرّ وما يحلو
стр. 2359
فلا تحسبوا أن المعالي رخيصة … ولا أن إدراك العلى هين سهل
فما كل من يسعى الى المجد مدركا … ولا كل من تهوى العلى نفسه تعلو
وفوق سرير المجد من آل صالح … فتى ما له عن شغله بالعلى شغل
له نصل سيف يقطع الهام حدّه … وأقطع منه حامل النصل لا النصل
إذا سله سل العزيمة قبله … فلم يدر أي الصارمين له الفعل
فتى خلقه خلق الغمام فعنده … لطالبه إما الوبال أو الوبل (١)
أبا صالح حلمتني كل منّة … فرفقا بما تسدي فقد ثقل الحمل
نظمت لك الدّر الذي ليس مثله … وأنت الذي ما في الملوك له مثل
(٢٥٣ - و)
بلوت القوافي عند من لو بلوته … بغير القوافي لابتهجب بما تبلو
وكادت قوافي الشعر لما دعوتها … اليك توافي قبل أن وافت الرسل
لك الفضل لا للغيث انك … دايم وما دام سحّ للغيوث ولا هطل
وهبت لغالي المدح ما لك كله … كأنك لا يغلو عليك الذي يغلو
وأنت الذي لولاك لم يعرف العدل (٢) … وأنت الذي لولاك لم يعرف الندى
عوجا نحييّ ربوعا غير أدراس … بين اللوى وهضاب الأرعن الراسي
الى الأبارق حيث العين راتعة … من الحمى بين أنقاء وأدهاس
سقى الديار بحيث ألخبت من هجر … شؤبوب كل ملث الوبل رجاس (٣)
ديار ناس صحبناهم بها زمنا … يا حبذا ناس تلك الدار من ناس
إن أوحشوني فما أنسى بقربهم … أنسى فأمزج ايحاشي بإيناسي
يا صاحبي أبرق لاح مبتسما … من دون شماء أم مشكاة نبراس
أم نحن لما جعلنا قصدنا حلبا … بدا لنا النور من وجه ابن مرداس
стр. 2360
متوج من بني الشداد قد جمعت … فيه المحامد من وجود ومن ناس
من فتش الناس من بدو ومن حضر … لم يلق مثل أبي العلوان في الناس
مردد في أصول غير ذاوية … من الندى بين مرداس وميّاس
(٢٥٣ - ظ)
ما زلت أفرغ في أوصافه هممي … دهرا وأتعب أقلامي وقرطاسي
حتى أخذت أمانا من مكارمه … أن لا يقلقل في الآفاق أفراسي
يشيب وفري ولي من سيب راحته … وفر وأعرى ولي من فضله كاس
قسا عليّ زماني فاستجرت به … فبات لي غير قاس قلبه القاسي
يا من مكارمه اللاتي عرفت بها … مكارم أنبتت شعري على رأسي
جميل فعلك فخري في بني زمني … وحسن وصفك فخري بين جلاسي
وطيب ذكرك لا ينفك من خلدي … كأن ذكرك مقرون بأنفاسي (١)
وهذه هي القصيدة الثالثة من جملة القصائد الاربع التي عملهن في تلك الليلة:
هاج الوقوف برسم المنزل الخالي … صبابة لم تكن مني على بال
لولا ظباء رياح لم أمت شغفا … بظبية من ظباء السرب معطال
لو شئت نجتك منها كل ناجية … مرقالة بنت سامي الطرف مرقال
صهباء مال من التأويب راكبها … ميل المعلل من صهباء جريال
تطوي البعيد ويطويها فقد جدلت … جدل المريرة من حل وترحال
الى فتى من بني الشداد همته … مقرونة بشعاع الكوكب التالي
مبارك الوجه لا يخفى تهلله … مثل الحسام جلاه الصيقل الجالي
تلقى المعز وتلقى الناس كلهم … فتزدري الوهد عند الباذخ العالي
صحبته غير ذي مال فصيرني … من جود كفيه ذا جاه وذا مال
(٢٥٤ - و)
وبات يردف لي من سيب راحته … جودا بجود وافضالا بأفضال
سجية من كريم الخيم منصبه … مركب في كرام غير بخال
أبطال حرب وان حاولت فضلهم … في السلم ألفيت منهم غير أبطال
أمحلت قدما فما زالت غمائمهم … تجود مغناي حتى زال إمحالي
стр. 2361
والله يكلؤهم مما أحاذره … إن المهيمن نعم الحافظ الكالي (١)
وهذه هي القصيدة الرابعة مما عمله في تلك الليلة وأنشدها معهن بحضرته في ذلك اليوم:
هل تعرف الربع الذي تنكرا … بين المواعيس الى وادي القرى
الى الشرى يا حبذا ذاك الشرى … حيث ترى منه الكثيب الأعفرا
معمما بنوره مؤزرا … يفشي نسيم الريح ذاك العبهرا (٢)
والرند فياح الشذا والعرعرا … حتى تسوف بالوهاد والذرى
عودا قماريا ومسكا أذفرا … منازلا ذكّرن من تذكرا
عيشا هنيئا وزمانا أنضرا … يا صاحبي غلسا أو هجّرا
وقبلا العيس المخوف الأغبرا … طلائحا تنفخ في صفر البرى
كأنها من الوجيف والسّرى … قسيّ رام أو جريد حسّرا
قلائصا باتت لغوبا حسّرا … يكتبن بالأيدي على وجه الثرى
من الذميل أحرفا وأسطرا … قلنا لها والنجم قد تغورا (٢٥٤ - ظ)
والصبح قد أسفر أو ما أسفرا … وهي من الإدلاج تخفى أن ترى
يا عيس أميّ الملك المؤمرا … وا تنجعي ذاك الجناب الأخضرا
فان أزرناك المعز الازهرا … فما ترين نصبا ولا نرى
يا خير قيس محتدا وعنصرا … دونك هذا الكلم المسيرا
أرقني تأليفه وأسهرا … وبت لا أطعم أجفاني الكرى
حتى نظمت المؤنق المحبرا … قلائدا من القريض ندرا
كأنما أنظم منها جوهرا … تجارة قد أربحت من تجرى
فاسلم ولا زلت الأعز الأكبرا … مؤيدا مسددا مظفرا
معمّرا أو لا نرى معمّرا (٣) …
أنبأنا أبو نصر محمد بن هبة الله بن الشيرازي كتابة قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن قال: قرأت بخط أبي الفرج غيث بن علي الارمنازي مما علقه عن أبي
стр. 2362
علي بن الحسن قال: قرأت بخط أبي الفرج غيث بن علي الأرمنازي مما علقه عن أبي الحسن يحيى بن علي بن عبد اللطيف بن زريق المعري أن أبا الفتح بن أبي حصينة كانت وفاته سنة ست وخمسين وأربعمائة، أو في سنة سبع بحلب، ويقتضى أن يكون مولده قبل التسعين وثلاثمائة (١).
الحسن بن عبد الله بن بركات بن شافع:
القرشي، أبو الفوارس الدمشقي، حدث بحلب عن أبي بكر محمد بن عبيد الله ابن الزاغوني في شهر ربيع الآخر من سنة خمس واربعين وخمسمائه وبغيرها عن أبي علي الحسين بن محمد العلوي (٢٥٥ - و) الطبري، والقاضي أبي محمد عبد الله ابن محمد بن المظفر السراج، وأبي الحسن علي بن حمزة الموسوي، وأبي سعيد محمد بن نوح الرصاصي وأبي القاسم محمود بن محمد بن عبد الرحمن المروزي، وأبي الفتح سالم بن عبد الله العمري، وأبي محمد عبد الجبار بن عبد الخالق بن أبي القاسم الشحامي.
وسمع أبا الفضل محمد بن الحسين الرفاء الواعظ خطيب سمرقند، وسمع بدمشق الحافظ أبا الحسين هبة الله بن الحسن بن عساكر المعروف بالصائن، وأبا القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان، وبالموصل أبا بكر بن علي بن ياسر الجياني وبالجزيرة أبا عبد الله بن سبيع.
روى لنا عنه أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري، قراءة عليه بحلب، وكتبه لي بخطه، قال: أخبرنا أبو الفوارس الحسن بن عبد الله بن شافع الدمشقي، بقراءتي عليه بها، قال: أخبرنا السيد أبو علي الحسين بن محمد العلوي الطبري، والقاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن المظفر المتولي السراج قاضي بغ (٢) وأبو القاسم محمود بن محمد بن عبد الرحمن المروزي المعروف بأولبه، وأبو محمد عبد الجبار بن عبد الخالق بن أبي القاسم الشحامي، قالوا: أخبرنا أبو بكر الشيروي، ح.
قال أبو الفوارس: وأخبرنا السيد أبو الحسن علي بن حمزة الموسوي، وأبو
стр. 2363
الفتح سالم بن عبد الله العمري، وأبو سعيد محمد بن نوح الرصاصي قالوا: أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل الصيرفي قال: أخبرنا أبو (٢٥٥ - ظ) العباس الأصم قال: أخبرنا محمد بن هشام بن ملاس قال: حدثنا مروان بن معاوية قال:
حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة الى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها (١).
أنشدنا أبو السعادات المبارك بن أبي بكر بن حمدان قال: أنشدنا أبو القاسم ابن أبي الفرج بن أبي منصور اليعقوبي قال: أنشدنا أبو الفوارس الحسن بن عبد الله بن شافع الدمشقي لنفسه:
إذا سد اللئيم الباب دوني … وكلب عضني منه بناب
فبابي للورى أبدا ولوج … ونابي عن عضاض الكلب ناب
وكيف ولي نجار من قريش … ولي فضل إلى العلياء ناب
الحسن بن عبد الله بن الحسن بن سعيد بن عبد السلام:
أبو سعيد الخزاعي المصيصي المعروف بابن الدقيقي، سمع بالمصيصة أبا حفص عمر بن سليمان الشرابي مولى المعتز بالله، سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. روى عنه أبو محمد بن أبي نصر.
أنبأنا أبو المحاسن سليمان بن الفضل بن سليمان البانياسي قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن ابراهيم قال: أنشدنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد قال: أنشدني أبو محمد بن أبي نصر قال: أنشدني أبو سعيد الحسن بن (٢٥٦ - و) عبد الله بن سعيد بن عبد السلام الخزاعي، المعروف بابن الدقيقي المصيصي، بدمشق في شهر ربيع الآخر سنة خمسين وثلاثمائة قال:
أنشدني أبو حفص عمر بن سليمان الشرابي مولى المعتز بالله في المصيصة سنة إحدى
стр. 2364
وثلاثين وثلاثمائة قال: انشدنا أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله لنفسه في منزله ببغداد:
يا من أعزّ بذلي في الخطوب له … إذا تعزز مخلوق بمخلوق
يا رازق الخلق صني بانفرادك … لي بالرزق عن كل مرزوق بمرزوق
لم يعصه أحد إلا بتخلية منه … ولم يرضه إلا بتوفيق (١)
أنبأنا أبو الوحش بن نسيم قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي قال:
الحسن بن عبد الله بن الحسن بن سعيد بن عبد السلام، أبو سعيد الخزاعي المصيصي المعروف بابن الدقيقي، قدم دمشق سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وحدث عن أبي حفص عمر بن سليمان الشرابي مولى المعتز، روى عنه أبو محمد بن أبي نصر (٢)
الحسن بن عبد الله بن الحسن بن عبد الرحمن:
ابن طاهر بن محمد بن الحسين بن علي أبو علي بن العجمي، الملقب قطب الدين، أخبرني ابن عمي أبو الفضل هبة الله بن محمد بن أبي جرادة أنه حدث بحلب قال: وسمعت منه جزءا من الحديث مع بعض الطلبة للحديث بحلب، وكان أبو علي هذا له وجاهة بحلب وعنده فضل وأدب، وولي أوقاف المسجد الجامع وتمول وحج على طريق بغداد (٢٥٦ - ظ) فاحترم من دار الخلافة. وصار في الطريق بينه وبين طاشتكين أمير الحاج مودة ومؤانسة ومكاتبة، ووقف على الفقراء وعلى أولاده وقوفا كثيرة.
أخبرني ولده بهاء الدين أبو القاسم عبد المجيد بن الحسن قال: سمعت والدي يقول أنه كان يقرأ القرآن في صباه بالمسجد الجامع، على رجل من القراء يقال له ابن الضريبة، وكان يقرأ معه أخوه أبو الفضل بن عبد الله بن الحسن، قال: وكان أخي ذكيا فطنا يحفظ سريعا، وكنت بطئ الحفظ واقف الخاطر حتى أنني تعبت أياما في حفظ قوله تعالى: «سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ (٣)» ولا احفظها فقال ابن
стр. 2365
الضريبة يوما: لا إله إلاّ الله، هذا أخو أبي الفضل، فأخذتني الأنفة على نفسي وصغرت عندي لذلك، ودعوت الله أن يسهل عليّ حفظ القرآن، ثم اجتهدت حتى بلغ من أمري أنني كنت آخذ ستين آية وسبعين آية وأحفظها.
حدثني والدي ﵀ قال: كان للقطب أبي علي بن العجمي جب فيه حنطة، في داره، فأمر بفتحه وبيع ما فيه من الحنطة، ففتح لتباع الحنطة عند تحرك السعر فوجدوا الماء في رأس الجب فوق الحنطة فجاؤوا إليه وأخبروه بذلك فقال: في سبيل الله، ثم نزحوا الماء، فوجدوه قد جرى من قناة إلى رأس الجب، ولم يصل منه الى الحنطة إلاّ القليل، وفسد شيء يسير من الحنطة، فأخبر بذلك فقال: الحمد لله، وقد جعلته في سبيل الله، لا أرجع فيه، فأخذ ثمنه، وصرفه في ملك اشتراه بحلب، ووقفه على فقراء المسلمين (٢٥٧ - و).
وحدثني شرف الدين أبو حامد عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسن بن العجمي قال: لما وقعت الفتنة بحلب بين السنة والشيعة، وهي الفتنة التي قتل ابن الخشاب بسببها، نهب الشيعة دار القطب ابن عمي بالقرب من الزجاجين، ونهبت دار الشيخ أبي يعلى بن أمين الدولة، وكانت بالقرب من دار القطب بالجرن الأصفر، وكان عنده أموال الأيتام بحلب مودعة، وكان القطب في القرية، فلما قتل ابن الخشاب وسكنت الفتنة ظفروا بشيء من الذهب المنهوب، فأرسله الوالي إلى القطب وقال له: هذا قد خلصناه من ذهبك فقال: قد نهبت دار ابن أمين الدولة، وفيها أموال الأيتام، ولا أتحقق يقينا أن هذا عين مالي، وأخاف أن يكون للأيتام فأرسلوه إلى الشيخ أبي يعلى فلا حاجة لي فيه.
أخبرني أبو القاسم عبد المجيد بن الحسن بن العجمي أن أباه توفي في ذي القعدة من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ودفن في داره التي انتقل إليها بعد النهب بالبلاط، فأقام بها دفينا إلى أن نقله ابن ابنه منها الى تربه جددت له ولابنه ظاهر باب النصر بالقرب من الهزازة (١)، في سنة خمس وخمسين وستمائة.
стр. 2366
الحسن بن عبد الله بن الحسن الختلي:
أبو علي بن أبي طاهر الفقيه الشافعي، إمام جامع دمشق، قدم حلب حاجا مع اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، حين قدم الشام، ومرّ معه بحلب، وحدث عنه وعن أبي سعيد (٢٥٧ - ظ) فضل الله بن أبي الخير الميهني.
روى عنه أبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني، وعبد العزيز بن أحمد الكتاني وسمع منه أبو طاهر إبراهيم بن حمزة الجرجرائي.
أنبأنا أبو المحاسن سليمان بن الفضل قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد قال: أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني قال: حدثنا عبد العزيز بن أحمد قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أبي طاهر الختّلي الفقيه، قدم علينا، قال: حدثنا أبو سعيد فضل الله بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس المستغفري قال: حدثنا أبو العباس بن أبي الحسن قال: أخبرنا أبي الحسن قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثنا الحسن عن الحسن عن الحسن بن أبي الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: إن أحسن الحسن الخلق الحسن (١).
أخبرنا عبد الرحمن بن أبي منصور، في كتابه قال: أخبرنا علي بن أبي محمد قال: أنبأنا أبو محمد هبة الله بن أحمد، ونقلته من خطه، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن عبد الله بن الحسن الختلي، الشيخ الفقيه الشافعي، إمام الجامع بدمشق، قال: حدثنا أبو عثمان اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، إملاء بدمشق، فذكر حديثا.
أنبأنا أبو نصر بن الشيرازي قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي قال:
الحسن بن أبي طاهر بن الحسن أبو علي الختلي الفقيه، سكن دمشق، وحدث بها عن أبي سعيد بن الخير الميهني، واسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، ومعه قدم دمشق حاجا حدث عنه عبد العزيز.
أخبرنا أبو المحاسن بن الفضل بن (٢٥٨ - و) البانياسي، كتابة، قال: أخبرنا أبو القاسم الحافظ قال: الحسن بن عبد الله بن الحسن ابو علي الختّلي الشافعي
стр. 2367
الفقيه إمام جامع دمشق، سمع أبا عثمان الصابوني، سمع منه شيخنا أبو طاهر إبراهيم بن حمزة الجرجرائي، وأبو محمد بن الأكفاني، وهو الحسن بن أبي طاهر الذي تقدم ذكره.
قال الحافظ أبو القاسم: قرأت بخط أبي محمد بن الأكفاني: توفي شيخنا أبو علي الحسن بن عبد الله بن الحسن الختلي الإمام ﵀ يوم الاربعاء ضحى نهار لتسع بقين من شعبان من سنة ستين وأربعمائة وصلي عليه العصر يوم الأربعاء في الجامع بدمشق، ودفن في باب الفراديس ﵀ ورضي عنه.
أنبأنا أبو الوحش بن نسيم قال: أخبرنا أبو القاسم الحافظ قال: أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني قال: حدثنا عبد العزيز الكتاني قال: توفي أبو علي الحسن بن أبي طاهر الختّلي الشافعي القاضي الفقيه إمام الجامع بدمشق يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان سنة ستين وأربعمائة، وكان يحدث بحديث واحد عن فضل الله بن أحمد، وحدث عن اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (١).
الحسن بن عبد الله بن حمدان:
ابن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد، وتمام نسبه قد مرّ في ترجمة أبي فراس ابن عمه، أبو محمد بن أبي الهيجاء التغلبي، الأمير ناصر الدولة، صاحب الموصل، قدم حلب هو وأولاده إلى أخيه الأمير سيف الدولة أبي الحسن عند قصد معز الدولة ابن بويه بلاده مستنجدا به (٢٥٨ - ظ) في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، فأكرمه سيف الدولة، وأعظم له ولأولاده الانزال والضيافة، وأجلسه على السرير وجلس دونه إعظاما له، ومدّ يده لينزع خفّه، فأعطاه ناصر الدولة رجله ومكنه من ذلك فنزعه، وكان ناصر الدولة هو الأكبر، فسلك معه ما كان يسلكه أولا قبل أن يرتفع شأن الأمير سيف الدولة، وشق ذلك على سيف الدولة في الباطن واحتمله ولم يظهره.
قرأت في آخر «كتاب البديع في القراءات» لابن خالويه بخط أبي القاسم الحسين ابن علي بن عبيد الله بن أبي أسامة الحلبي الأديب: تمّ كتاب البديع، وذلك في
стр. 2368
شوال سنة سبع وأربعين وثلاثمائة بحلب أيام زار سيدنا الأمير ناصر الدولة، سيدنا الأمير سيف الدولة، أطال الله بقاءهما، مع سائر الامراء أولاده أدام الله عزهم.
وإيّاه-أعني ناصر الدولة-عنى أبو فراس بقوله في قصيدته الرائية التي يفخر فيها بقوله:
وفينا لدين الله عز ومنعة … ومنا لدين الله سيف وناصر
هما وأمير المؤمنين مشرد … أجاراه لما لم يجد من يجاور
ورداه حتى ملكاه سريره … بسبعين (١) ألفا بينها الموت سافر
وساسا أمور المسلمين سياسة … لها الله والاسلام والدين شاكر (٢)
أراد بذلك أن ناصر الدولة وأخاه سيف الدولة أجارا المتقي من البريديين، (٢٥٩ - و) ومعه محمد بن رائق والوزير ابن مقله، فتلقاهم سيف الدولة بتكريت، وحمل إليهم الأموال والكساء والدواب وسار بهم إلى أخيه ناصر الدولة.
قال أبو عبد الله بن خالويه في شرح هذه الأبيات لأبي فراس: وقد كان يروي قديما في خطبة لأمير المؤمنين صلوات الله عليه، يعني، عليا ﵇: كأني بأبناء الخلافة من بني العباس على متون الأفراس يستنجدون العرب، وسائر الناس قد غلبهم عبيد أغنام غصبوهم الكرامة، فما يجيرهم أحد إلاّ هم.
قال: وكان سيف الدولة يقول: صدق أمير المؤمنين والله، لقد اجتهدت بالمتقي وابنه أن يركبا العماريات والشهاري على كثرة ما قدت إليهما، فأبيا أن يغيرا فرسيهما أو ثوبيهما إلى الموصل، فقام أبو محمد الحسن بن عبد الله بنصرته، فلقبه (٣) ناصر الدولة. قال: ولما لقب المتقي الحسن بن عبد الله ناصر الدولة قال الشاعر فيه:
من كأن شرّفه فيما مضى لقب … فناصر الدين ممن شرّف اللقبا
دعوك ناصرهم لما نصرتهم … وأعجز العجم ما حاولت والعربا
стр. 2369
قال ابن خالويه: قال لي الأمير أبو فراس: سمعت الأمير سيف الدولة يقول:
أنفق أخي في مدة أحد عشر شهرا اثنين وسبعين ألف ألف درهم، أكثرها من ذخائره (١).
وقال أبو عبد الله بن خالويه ولم يزل، يعني، ناصر الدولة مشهورا بالبأس موصوفا بالشجاعة والاقدام، حدثني من سمعه قال (٢٥٩ - ظ): كنت مع أبي صبيا قد زحف إلينا عمي الحسين ليستقيد من وقعتنا كانت به، فطلبت من أبي جوشنا، فمنعني لصباي، وكان معنا ابن خال أبي محمد علي بن داود بن وهزاد الكردي، فقال لي: يا أبا محمد حسين حموك، وهو الذي تعرف وو الله لئن لم ير قتالك لا دفع إليك ابنته، فما التقت الخيلان حتى ضربت فارسا فيهم، وجئت إلى أبي وأريته الدم يقطر من كمي.
قرأت في «كتاب المأثور في ملح الخدور» تأليف أبي القاسم الحسين بن علي بن الحسين الوزير المغربي ورأيته بخطه قال: ومن ولد أبي الهيجاء أبو محمد الحسن، وأبو الحسن علي: ناصر الدولة وسيفها رحمهما الله، المتجاذبان ملاءة المجد والجاريان على ساقه الكرم والفضل وفي مدحهما يقول أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي النامي المصيصي ﵀:
بجبلي وائل وركني عزّها … وعارضي أفق نداها المنهمل
توازن القسمان في المجد اعتلى … تساوى العينين في اللحظ اتصل
يا حسن بن المحسنين دعوة للمجد … تدعاها وأخرى للوهل (٢)
ويا علي كم دعاء بك من ثغر … مخوف ورجاء مبتهل
هذا مقامي بين بحرين فلا ثمدا … منحت ظمأي ولا وشل (٣)
стр. 2370
ذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني في «كتاب عنوان السير في محاسن البدو والحضر» وقرأته فيه قال: ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن أبي الهيجاء، عبد الله بن حمدان لقبه المتقي لله بهذا اللقب، وهو ثاني من لقب في الدولة (٢٦٠ - و) ولقب أخاه أبا الحسن سيف الدولة، وولي ناصر الدولة امارة الأمراء ببغداد وواسط في سنة ثلاثين وثلاثمائة وضرب دنانير سماها الأبريزية، وبيع الدينار منها بإثني عشر درهما، وزوج ابنته عدوية من الأمير أبي منصور بن المتقي لله على صداق تعجل منه مائة ألف دينار، كانت إمارته ببغداد ثلاثة عشر شهرا وثلاثة أيام.
وجدت في بعض تعاليقي أن ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان، سخط على كاتب له، وألزمه منزله فاستؤمر في إسقاط المقرر له، فقال: إن الملوك يؤدبون بالهجران ولا يعاقبون بالحرمان.
ووقع في رقعة صديق كتب إليه يعتذر من التأخر عن حضرته: أنت في أوسع العذر عند ثقتي بك، وفي أضيقه عند شوقي إليك.
أنبأنا أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل قال: أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي، إذنا عن أبي القاسم بن أحمد عن أبي أحمد المقرئ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، إجازة، قال: وكان الناس يكتبون على الدنانير محمد رسول الله، فزاد ناصر الدولة: صلى الله عليه، فكانت هذه منقبة لآل حمدان ما كانت لغيرهم تفرد بها ناصر الدولة. قال: ورأيت له توقيعا على قصة متظلم:
قد نصب الله الحكام وأنفذ أوامرهم على الولاة كما أنفذها على الرعية، ولو كان إلينا تصريفهم في الحكم على مرادنا لكففناهم عما نكره من الأمور المعينة علينا، لكن لا ولاية (٢٦٠ - ظ) لنا عليهم إلا في الاستبدال بالمتسمح منهم، فإن أعادك إلينا ضعفا لا افتتانا عضدناه بالإمداد وأغنيناه عن الاستنجاد.
قال محمد بن عبد الملك بن الهمذاني في كتاب عنوان السير: ولم يزل، يعني، ناصر الدولة، مستوليا على ديار الموصل وغيرها حتى قبض عليه ابنه أبو تغلب في سنة ست وخمسين وثلاثمائة وكانت إمارته هناك اثنتين وثلاثين سنة، وتوفي يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الاول سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.
стр. 2371
قرأت بخط ثابت بن سنان بن ثابت في جزء وقع إلي بخطه جمع فيه وفاءات الأعيان، قال في ذكر من مات سنة سبع وخمسين وثلاثمائة: الأمير ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان، مات، وهو معتقل في القلعة، اعتقله ابنه أبو تغلب فيها، بذرب عرض له بعقب قولنج، وكانت وفاته يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول، وقد تجاوز في السن ثمانين سنة (١).
الحسن بن عبد الله بن حمزة بن أبي الحجاج العدوي:
الشافعي أبو المكارم الدمشقي القاضي، قاضي حلب، فقيه فاضل حسن الست كثير الصلاح (٢٦١ - و) والخير، ولي القضاء بحلب خلافة عن شيخنا قاضي القضاة أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم، وكان سمع الحديث بدمشق من الفقيه أبي محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم الحرقي وحدث بحلب بشيء يسير، ولم يتفق لي سماع شيء منه، وروى لنا عنه أبو المحامد اسماعيل بن حامد القوصي، وكان يدرس بدمشق، بالمدرسة الظاهرية على الشرف الأعلى ظاهر دمشق (٢)، واستدعاه شيخنا قاضي القضاة أبو المحاسن واستنابه في القضاء بحلب، وفوض إليه تدريس الفقه على مذهب الامام الشافعي بالمدرسة النورية الشافعية المعروفة بمدرسة النفري (٣)، وتقدم عند الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب، وسيره رسولا عنه الى عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكان يحضره المشورة في آخر أمره.
وأخبرني قاضي القضاة زين الدين أبو محمد بن شيخنا عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان أن مولد القاضي أبي المكارم بن أبي الحجاج في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وذكر لي أنه أخبره بذلك.
أخبرنا أبو المحامد اسماعيل بن حامد القوصي قال: أخبرنا القاضي نجم الدين أبو المكارم الحسن بن عبد الله بن حمزة بظاهر دمشق قال: أخبرنا الفقيه أبو محمد
стр. 2372
عبد الرحمن بن علي الخرقي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم السلمي قال:
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد السلمي قال: أخبرنا أبو بكر جدي محمد بن محمد قال: أخبرنا أبو بكر الخرائطي قال: حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا محمد بن خازم أبو معاوية الضرير عن سلام أبي شرحبيل (٢٦١ - ظ) عن حبه بن خالد وسواء بن خالد قالا: دخلنا على رسول الله ﷺ وهو يعالج شيئا فأعناه، فقال رسول الله ﷺ : لا يتأسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما، فان الانسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله تعالى (١).
توفي القاضي أبو المكارم بن أبي الحجاج بحلب يوم السبت ثالث عشر شهر ربيع الاول من سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن خارج مدينة حلب بالقرب من مقام ابراهيم ﵇، في تربة معروفة به.
وحدثني شيخنا ضياء الدين صقر بن يحيى بن صقر الشافعي أنه حضر وفاته، وأنه التفت إليه قبل موته وقال: «أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ» قال: فقرأت أنا بعدها:
«الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢)»، قال: فجعل يكررها معي مرارا ومات، قال: وكان يقول عند موته في كل وقت: لا إله إلا الله، يقوى بها فاه من قلب مخلص.
الحسن بن عبد الله بن سعيد الحراني:
حدث بحلب (٣).
سمع منه بها، وروى عنه أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن الحسن الشهرزوري المالكي عابر الأحلام.
الحسن بن عبد الله بن صالح:
أبو الفتح الأصبهاني الكاتب الكيا كاتب بليغ وقفت له على رسالة الى أبي المظفر الآذري ذكر له موت سلطانه الذي كان يخدمه وأنه ألزم بعده بتولي أمر
стр. 2373
الملك، فمن الرسالة ما قرأته بخط الحافظ السلفي قال: واعلم أنه أدام الله نعمته لقي أمما وشاهد عربا وعجما، لكنه لم يلق فيهم مثل نفسه، ولم يصادف إلا قاصرا عن محاسنه، فقيرا الى اقتباس فضله، وليت شعري هل أعجبته تلك الديار، وهل عظمت في همته العظيمة تلك الآثار، وهل تأمل وثاقه سور حلب، وجودة موقع الحصن من البلدة، فما كان يصلح إلا له، وما كنت تصلح إلا لها.
قال: وأعظم من ذلك كله في نفسي وأشدها إتعابا لفكري وأكثرها مؤونة ونفقة بحدسي ملعب إقامته، ولقد درت فيها مرارا، وقلبت فكري في المراد منها صعودا وانحدارا، تأملت ذلك البناء الهائل تأملا شافيا، وأرسلت طرفي في عجائبه فعاد حائرا خاسئا، ولم ينكشف لي الى هذه الغاية حقيقة المغزى منها وبها، نعم هل انجذب الى مغناطيس فضله شعراء معرة النعمان، فإني لم ألق فيها إلا شاعرا حتى قدرت عوامهم لو شاؤوا لخرج كلامهم في تعاملهم وتجاوزهم موزونا مقفى لوفور عدد الشعراء فيها، ومواتاة الوزن والمعاني الجيدة طبع أهليها، وأظنها تولد الشعراء طبعا وخلقة، كما تولد بعض الترب أحرار النقول خلصه فيها وجبله، وهل أدرك أبا العلاء المعري المحجوب، حجب الله عنه السوء، وهو أديبهم الراجح وعالمهم الفاضل، وشاعرهم البارع، وعهدي به راجعا من بغداد ولم يصبح بجانبي ليله نهار، ولم يقع على شبابه لوقائع الدهر غبار، وذكر تمام الرسالة.
وكان أبو الفتح هذا قد قرأ على أبي الحسين أحمد بن فارس، وكان بينه وبين أبي القاسم بن المغربي مكاتبات.
الحسن بن عبد الله بن الفضل بن محمد بن نوفل (١):
الحلبي أبو المحاسن بن أبي عبد الله، من بيت الكتابة والرئاسة والتقدم، وكان شيخا حسنا بهي المنظر، وله شعر حسن، اجتمعت به بحضرة والدي، ولم أسمع منه شيئا من نظمه، وأنشدنا عنه ابنه أبو غانم:
стр. 2374
أنشدني كمال الدين أبو غانم الفضل بن الحسن بن عبد الله بن الفضل بن نوفل، بالراموسة قرية على باب حلب، قال: أنشدني والدي أبو المحاسن لنفسه، ثم سير إلي دفترا بخط والده من شعره، فقرأت الأبيات، التي أنشدني، فيه من خطه:
من ساءه أن بات في أسر الهوى … قلق الجوانح دامي الأماق
فلقد غدوت وقد سبتني أعين … الأتراك مسرورا بشد وثاقي
ها مهجتي فلتفعل الأخلاق ما شاءت … فمحمول على الأحداق
أحسن بهن إذا انتقبن أهلة … تكسو البدور التم ثوب محاق
وإذا أسفرت فما الشموس طوالعا … في الغاية القصوى من الاشراق
ناهيك من حسن بغير تصنع … لكنه من صنعة الخلاق
وأنشدني أبو غانم الفضل الكاتب لوالده أيضا:
إذا ما سألت المرء يوما فلا تكن … لجوجا فحرمان الفتى في لجاجه
(٢٦٤ - و)
وكن قائلا ما تسمعن من معاذر … ففاعل هذا مدرك نيل حاجه
توفي أبو المحاسن الحسن بن نوفل بحلب سنة اثنتين وستمائة، ودفن في المقابر خارج باب أنطاكية.
الحسن بن عبد الله بن محمد بن عمرو:
ابن سعيد بن محمد بن داوود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة ابن أنور بن أرقم بن أسحم، وقيل أنور بن أسحم بن النعمان، وهو الساطع بن عدي بن عبد غطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة بن تيم اللات، أبو حمزة الفقيه الحنفي المعري التنوخي القاضي، قاضي منبج، أخو أبي القاسم المحسن بن عبد الله، وكان فقيها مجيدا، حنفي المذهب، راويا للحديث، قرأت بخطه في كتاب خلق الانسان للأصمعي: حدثني أبو الحسن علي بن نصر البرنيقي، قراءة عليه، قال:
стр. 2375
حدثنا ابراهيم بن بسام (٢٦٢ - و) قال: حدثنا علي بن سليمان الأخفش فذكر الكتاب الى آخره.
نقلت من خط القاضي أبي البيان محمد بن عبد الرزاق بن أبي حصين قاضي حمص في أشعار جد أبيه أبي القاسم المحسن بن عبد الله بن محمد بن عمرو، وأنبأنا شيخنا أبو اليمن الكندي عنه قال: وكان أخوه القاضي أبو حمزة الحسن بن عبد الله بن محمد بن عمرو ﵏، يتولى الحكم في منبج ويستنيب فيه، فوصله قوم منهم، يسومونه المسير إليهم للنظر في أمورهم فقال:
يا أخي دعوة إذا غبت عني … لم أجد من يلفظها أدعوه
أن امرءا هو السبيل الى … الفرقة أمر مرضيه مكروه
كنت أرجوك للحياة وللموت … فمن لي بعد ذا أرجوه
أنا أشكو الكتب التي أنا … أفدي كاتبيها من كل ما حذروه
منعتني من امتناعي من الفرقة … حتى رضيت لي ما رضوه
يؤثر الناس من يعزون بالمال … إذا عز في الورى باذلوه
فيمسون موثرين على أنفسهم … من جميل ما فعلوه
وأنا مؤثر أولئك بالنفس … جزاء على الذي قدموه
لو سواهم دعاك للبين … ما كان جوابي له سوى فض فوه
فامض لا واحدا ولكن قلبي لك … ثان ومهجتي تتلوه
واقض أوطارهم ولا تنس … أوطانك لو ضاعفوا الذي أظهروه
(٢٦٢ - ظ)
فالفتى بيّن الكآبة إما بات … عنه في عيشه أهلوه
كيف يلتذ بالمسرة من غيّب … عن أرضه وغاب أخوه
إنني أشتكي الى الله ما قيض … من بيننا ولا أشكوه
قرأت على الحسن بن عمرو بن دهن الخصا الموصلي، بالمسجد الجامع بحلب، قال: أخبرنا الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد بن الطوسي قال:
стр. 2376
أخبرنا أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي قال: أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري لنفسه في أبي حمزة الفقيه:
غير مجد في ملتي واعتقادي … نوح باك ولا ترنم شاد
منها:
وقبيح بناء إن قدم العهد … هوان الآباء والأجداد
سر إن اسطعت في الهواء رويدا … لا اختيالا على رفات العباد
رب لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين … في طويل الأزمان والآباد
منها:
أبنات الهديل أسعدن أوعدن … قليل العزاء بالاسعاد
إيه لله دركن فأنتن … اللواتي تحسن حفظ الوداد
ما نسيتن هالكا في الأوان … الخال أودى من قبل هلك اياد
بيد أني لا أرتضي ما فعلتن … وأطواقكن في الأجياد
فتسلبن واستعرن جميعا … من قميص الدجى ثياب حداد
(٢٦٣ - و)
ثم غردن في المآتم واندبن … بشجو مع الغواني الخراد
قصد الدهر من أبي حمزة الأوّاب … مولى حجى وخدن اقتصاد
وفقيها أفكاره شدن … للنعمان مالم يشده شعر زياد
فالعراقي بعده للحجازي … قليل الخلاف سهل القياد
وخطيبا لو قام بين وحوش … علّم الضاريات بر النقاد
راويا للحديث لم يحوج … المعروف من صدقه الى الاسناد
انفق العمر ناسكا يطلب … العلم بكشف عن أصله وانتقاد
مستقي الكف من قليب زجاج … بغروب اليراع ماء مداد
ذا بنان لا يلمس الذهب الاحمر … زهدا في العسجد المستفاد
стр. 2377
ودّعا أيها الحفيان ذاك … الشخص إنّ الوداع أيسر زاد
واغسلاه بالدمع ان كان … طهرا وادفناه بين الحشا والفؤاد
وا حبواه الاكفان من ورق المصحف … كبرا عن أنفس الابراد
واتلوا النعش بالقراءة والتسبيح … لا بالنحيب والتعداد
اسف غير نافع واجتهاد … لا يؤدي الى غناء واجتهاد
منها:
كيف أصبحت في محلك بعدي … يا جديرا مني بحسن افتقاد
قد أقر الطبيب عنك بعجز … ويقضى تردد العواد
وانتهى اليأس منك واستشعر … الواجد أن لا معاد حتى المعاد
هجد الساهرون حولك للتمريض … ويح لأعين الهجاد (١)
أنت في أسرة مضوا غير … مغرورين من عيشة بذات ضماد
(٢٦٣ - ظ)
توفي أبو حمزة الفقيه الحنفي قبل الأربعمائة.
تم الجزء السابع والاربعون والمائة، ويتلوه في أول الثامن والاربعين والمائة الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي أبو سعيد القاضي النحوي.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وعلى آله الطاهرين وأصحابه المنتجبين وسلم تسليما دائما كثيرا. (٢٦٤ - ظ).
стр. 2378
الحسن بن عبد الله بن المرزبان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أبو سعيد السيرافي، القاضي النحوي، كان أبوه مجوسيا يسمى بهزاد، فسماه أبو سعيد عبد الله، وسكن أبو سعيد بغداد وتولى بها قضاء الربع، وقدم حلب على سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، وجمع بينه وبين أبي علي الفارسي، وجرت بينهما مباحثات في النحو بحلب، وقيل هي كانت سبب وضع أبي علي المسائل الحلبية، وكان أبو سعيد ماهرا في سائر العلوم، علم القرآن والفقه، واللغة والنحو، والكلام وعلوم الشعر، والمنطق والنجوم والحساب، وكان حنفي المذهب زاهدا ورعا وكان يورق بالأجرة، ويكتب خطا حسنا.
قرأ القرآن على أبي بكر بن مجاهد، وقرأ النحو على أبي اسحاق الزجاج وأبي بكر المبرمان، وأبي بكر بن السراج، وروى عن محمد بن منصور بن مزيد بن أبي الازهر، وأبي بكر بن دريد، وأبي عبيد بن خربويه، وعبد الله بن محمد ابن زياد النيسابوري، وأبي علي الكوكبي، قرأ عليه أبو بكر بن مجاهد الحساب، وأبو بكر المبرمان القرآن، وهما شيخاه وروى عنه محمد بن عبد الواحد بن رزمة، والحسين بن محمد بن جعفر الخالع، وعلي بن أيوب القمي، وأبو حيان التوحيدي وشرح كتاب سيبويه وكتاب الايمان لمحمد بن الحسن.
أخبرنا أبو جعفر يحيى بن أبي منصور بن عبد الله بن الدامغاني قال: أخبرنا أبو منصور أبي قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن سوّار قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن علي بن السيرافي قال: حدثني محمد بن منصور بن مزيد بن أبي الازهر قال: حدثنا الزبير ابن بكار قال: حدثني ابراهيم الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال: أتت امرأة
стр. 2379
عمر بن الخطاب ﵀، فقالت: يا أمير المؤمنين ان زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل واني أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله فقال: نعم الزوج زوجك، فجعلت تكرر عليه القول، وهو يكرر عليها الجواب، فقال له كعب الاسدي: يا أمير المؤمنين هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته اياها عن فراشه، فقال له عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما، فقال كعب: عليّ بزوجها، فأتي به، فقال له: ان امرأتك هذه تشكو، قال: أفي طعام أو شراب؟ قال: لا، فقالت المرأة:
يا أيها القاضي الحكيم رشده … ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهّده في مضجعي تعبده … نهاره وليله ما يرقده
فلست في أمر النساء أحمده … فاقض القضا كعب ولا تردده
فقال زوجها:
زهدني في فرشها وفي الحجل … أني امرؤ أذهلني ما قد نزل
في سورة النمل وفي السبع الطول … وفي كتاب الله تخويف جلل
فقال كعب:
ان لها حقا عليك يا رجل … نصيبها في أربع لمن عقل
فاعطها ذاك ودع عنك العلل (٢٦٥ - ).
ثم قال: ان الله قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك ولها يوم وليلة، فقال عمر: والله ما أدري من أي أمريك أعجب أمن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما، اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.
أخبرنا أبو حفص عمر بن طبرزد البغدادي، اذنا، قال: أخبرنا أبو منصور ابن خيرون، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب قال: الحسن بن عبد الله بن المرزبان أبو سعيد القاضي السيرافي النحوي، سكن بغداد وحدث بها عن محمد بن أبي الازهر البوشنجي وأبي عبيد بن خربويه الفقيه وعبد الله بن محمد بن محمد بن زياد النيسابوري وأبي بكر بن دريد ونحوهم.
стр. 2380
حدثنا عنه الحسين بن محمد بن جعفر الخالع، ومحمد بن عبد الواحد بن رزمة، وعلي بن أيوب القمي، وكان يسكن بالجانب الشرقي، وولي القضاء ببغداد، وكان أبوه مجوسيا اسمه بهزاد، فسماه أبو سعيد عبد الله.
قال الخطيب: سمعت رئيس الرؤساء شرف الوزراء جمال الورى أبا القاسم علي بن الحسن يذكر أن أبا سعيد السيرافي كان يدرس القرآن والقراءات وعلوم القرآن والنحو واللغة، والفقه والفرائض، والكلام والشعر والعروض والقوافي، والحساب، وذكر علوما سوى هذه، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وينتحل في الفقه مذهب أهل العراق.
قال الخطيب: قال رئيس الرؤساء وقرأ على أبي بكر بن مجاهد القرآن (٢٦٦ - و) وعلى أبي بكر المبرمان النحو وقرأ عليهما: أحدهما القرآن، ودرس الآخر عليه الحساب قال: وكان زاهدا لا يأكل إلاّ من كسب يده فذكر جدي أبو الفرج عنه أنه كان لا يخرج الى مجلس الحكم، ولا الى مجلس التدريس في كل يوم إلاّ بعد أن ينسخ عشر ورقات، يأخذ أجرتها عشرة دراهم، تكون قدر مؤونته، ثم يخرج الى مجلسه.
قال الخطيب: ذكر محمد بن أبي الفوارس أبا سعيد فقال: كان يذكر عنه الاعتزال، ولم يكن يظهر من ذلك شيئا، وكان نزها عفيفا جميل الامر حسن الاخلاق (١).
قرأت بخط أبي الحسن سالم بن علي بن تميم الحلبي في مختصر تاريخ النحويين لمحمد بن الحسن الزبيدي: أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، وهو الذي فسر كتاب سيبويه، وكان يننحل علم المجسطي واقليدس والمنطق، ويتفقه لأبي حنيفة، وهو من أصحاب الجبائي (٢) وكان ينزل الرصافة (٣).
стр. 2381
قال لي تاج الدين أحمد بن هبة الله بن الجبراني النحوي الحلبي: قدم أبو سعيد السيرافي حلب، وجمع سيف الدولة بن حمدان بينه وبين أبي علي الفارسي، وجرت بينهما مسائل، وهي كانت سبب وضع أبي علي الفارسي المسائل الحلبية، قال وكان قاضي الربع ببغداد.
قرأت في «كتاب الانتصار المنبي عن فضائل المتنبي (إ)» (١) تأليف أبي الحسن محمد بن أحمد المغربي، قال في أثناء الكتاب في ذكر أبي سعيد السيرافي، أنه كان مؤدب الامير أبي اسحاق بن معز الدولة (٢٦٦ - ظ) أبي الحسين، وقال: يوشك أن يكون حدثني المعروف بابن الخزاز الوراق بالكرخ ببغداد، وأبو بكر القنطري وأبو الحسين الخراساني وهما وراقان أيضا من جلة أهل هذه الصناعة، أن أبا سعيد اذا أراد بيع كتاب استكتبه بعض تلامذته حرصا على النفع منه ونظرا في دق المعيشة كتب في آخره، وان لم ينظر في حرف منه، قال الحسن بن عبد الله: قد قرئ هذا الكتاب عليّ وصح، ليشترى بأكثر من ثمن مثله.
قلت: وهذا بعيد من أبي سعيد على زهده وورعه.
قرأت في رسالة في تقريظ أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ تأليف أبي حيان على بن محمد بن العباس التوحيدي ذكر في أولها أنه لقي جماعة من الشيوخ العلماء وأنهم كانوا يقرظون الجاحظ، فذكر منهم جماعة وقال: ومنهم أبو سعيد السيرافي شيخ الشيوخ، وامام الائمة معرفة بالنحو والفقه، واللغة والشعر، والغريب والعروض والقوافي، والقرآن والفرائض، والحديث والشروط، والكلام والحساب والهندسة، أفتى في جامع الرصافة خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة فما وجد له خطأ ولا عثر منه على زلة، وقضى ببغداد، وشرح كتاب سيبويه في ثلاثة آلاف ورقة ومائتي ورقة بخطه في السليماني فما جاراه فيه أحد، ولا سبقه الى تمامه انسان، هذا مع الثقة والامانة والديانة والرزانة صام أربعين سنة وأكثر الدهر كله، قال لنا الاندلسي: فارقت بلدي في أقصى المغرب طلبا للعلم ومشاهدة العلماء، فكنت الى أن دخلت بغداد ولقيت أبا سعيد وقرأت عليه كتاب سيبويه نادما سادما، في اغترابي
стр. 2382
عن أهلي ووطني، من غير جدوى في علم، أو حظ من دنيا، فلما سعدت برؤية هذا الشيخ، علمت أن سعيي قرن بسعدي وغربتي اتصلت ببغيتي، وأن عنائي لم يذهب هدرا وان رجائي لم ينقطع يأسا، قلت: هذا الاندلسي كنيته أبو محمد.
قرأت بخط القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني قال أبو حيان: وقد سأله الوزير فقال: أين أبو سعيد السيرافي من أبي علي، واين علي بن عيسى منهما، وأين ابن الراعي أيضا من الجماعة وفلان وفلان، فكان من الجواب: أبو سعيد أجمع لشمل العلم، وأنظم لمذاهب العرب، وأدخل في كل باب، وأخرج من كل طريق، وألزم للجادة الوسطى في الدين والخلق، وأروى للحديث، وأقضى في الأحكام، وأفقه في الفتوى وأحضر بركة على المختلفة، وأظهر أثرا في المقتبسة، ولقد كتب اليه نوح بن نصر (١)، وكان من أدباء ملوك آل سامان سنة أربعين كتابا خاطبه فيه بالامام، وسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة، الغالب عليها الحروف وما أشبهها، وباقي ذلك أمثال مصنوعة عن العرب شك فيها، فسأل وكان كتابه مقرونا بكتاب الوزير التغلبي خاطبه فيه بإمام المسلمين (٢٦٧ - و) ضمنه مسائل في القرآن وأمثالا للعرب مشكلة، وذكر كتبا كثيرة، وترددت اليه، ثم قال: وأبو علي فأشد تفردا بالكتاب وأكثر اكبابا عليه، وأبعد من كل ما عداه، مما هو علم الكوفيين وما تجاوز في اللغة كتب أبي زيد (٢) وأطرافا مما لغيره: وهو يتقد بالغيظ على أبي سعيد بالحسد له كيف تم له تفسير كتاب سيبويه من أوله الى آخره بغريبه وشواهده وأمثاله وأبياته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لأن هذا شيء ماتم للمبرد ولا للزجاج والسراج، ولا لابن درستويه مع سعة علمهم، وفيض نيلهم، ولأبي على أطراف من الكلام أجاد فيها، وحدثني بعض أصحابنا انه اشترى من شرح أبي سعيد بالاهواز في توجهه الى بغداد لاحقا بالخدمة الموسومة به والندامة الموقوفة عليه بألفي درهم، وكان أصحابه يأبون الاقرار به إلاّ من يزعم أنه أراد النقض عليه، واظهار الخطأ فيه، وكان الملك السعيد ﵁ هم بالجمع بينهما فلم يقض ذلك لان أبا سعيد مات في رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائه، وأبو علي يشرب ويتخالع
стр. 2383
ويفارق هدى أهل العلم وطريقه الديانين وعبادة المتنسكين، وأبو سعيد يصوم الدهر ولا يصلي إلاّ في جماعة ويقيم على مذهب أبي حنيفة، ويلي القضاء سنين ويتأله ويتحرج، وغيره بمعزل من هذا، ولولا الابقاء لحرمة (٢٦٧ - ظ) العلم لكان القلم يجري بما هو خاف، ولكن الأخذ بحكم المروة أولى والاعراض عما يوجب اللائمة أحرى، وكان أبو سعيد حسن الحظ، ولقد أراده الصيمري أبو جعفر على الانشاء والتحرير، فاستعفى، وقال هذا أمر يحتاج فيه الى دربه، وأنا عار منها، والى سياسة وأنا غريب فيها:
ومن العناء رياضة الهرم.
قال: وحدثنا النفري أبو عبد الله، وكان يكتب النوبة للمهلبي بحديث مقيد لأبي سعيد قال: كنت أخط بين يدي الصيمري أبي جعفر محمد بن أحمد (١)، فالتمسني يوما لأن أجيب ابن العميد أبا الفضل عن كتاب فلم يجدني، وكان أبو سعيد بحضرته فبان أنه بفضل العلم أقوم بالجواب من غيره، فتقدم اليه أن يكتب ويجيب، فأطال في عمل نسخه كثر فيها الضرب والاصلاح، ثم أخذ يحرر والصيمري يقرأ ما يكتبه، فوجده مخالفا لجاري العادة، لفظا مبانيا لما يؤثره ترتيبا، قال:
ودخلت في تلك الحال فتمثل الصيمري.
يا باري القوس بريا ليس يصلحه … لا تظلم القوس واعط القوس باريها
ثم قال لأبي سعيد: خفف عليك أيها الشيخ، وادفع الكتاب الى أبي عبد الله تلميذك ليجيب عنه، فخجل من هذا القول، فلما ابتدأت من غير نسخة تحير مني أبو سعيد، ثم قال للصيمري: أيها الاستاذ ليس بمستنكر ما كان مني، ولا مستكثر ما كان منه، ان مال الفيء لا يصح الا من (٢٦٨ - و) مستخرج وجهبذ في بيت المال، والكتاب جهابذة الكلام، والعلماء مستخرجوه، فتبسم الصيمري وأعجبه ما سمع، وقال: على كل حال ما أخليتنا من فائدة، وكان أبو سعيد بعيد القرين، لأنه كان يقرأ عليه القرآن والتفسير والفقه والفرائض والشروط والنحو واللغة
стр. 2384
والعروض والقوافي والحساب والهندسة والشعر والحديث والاخبار وهو في كل هذا اما في الغاية واما في الوسط، واما على بن عيسى فعلى الرتبة في النحو واللغة والكلام، والعروض، والمنطق بل أفرد صناعة، وأظهر براعة، وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا، هذا مع الدين المتين، والعقل الرصين، واما ابن المراغي ما يلحق هؤلاء مع براعة اللفظ وسعة الحفظ، وقوة النفس وظل الدين وغزارة النفث، وكثرة الرواية.
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن رواحة قال: أخبرنا أبو طاهر السلفي-اذنا ان لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قال: سمعت الصوري-يعني أبا عبد الله الحافظ -يقول: حدثني من أثق به عن أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي أنه قال: حضرت مجلس أبي بكر ابن مجاهد أول ما حضرت وهو يملي، فجلست في أخريات الناس، فقال المستملي:
واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف، فقلت: كسني (١) يوسف فلم يفهم عني، فقمت قائما فأعدت القول، فقال ابن مجاهد: من هذا فأشاروا الي فتطاولت، وكان أبو سعيد دميما (٢٦٨ - ظ) حقير المنظر، فقلت: كسني يوسف، فاستدعاني وقربنى اليه، فتحصلت في أعلى المجلس بعد أن كنت في أدناه، وقال الصوري في هذا المعنى:
اذا المرء لم يعرف له قدر مثله … فأصبح مغموضا له حق فضله
فلا بأس أن يثنى بصالح فعله … وما خصه ذو الفضل منه بفضله
قرأت بخط أبي محمد الحسن بن فارس بن زكريا اللغوي، مما أخذه عن أبي الحسين بن فارس، قال: وعرض على الشيخ أبي الحسين تفسير الابيات في كتاب اصلاح المنطق لابن السكيت، من تصنيف أبي محمد بن أبي سعيد السيرافي، فنظر فيه مليا ثم ارتضاه، وأثنى على أبي محمد، ثم قال: أنا أفضله في الغريب على أبيه أبي سعيد ﵀، ومدة مقامي بمدينة السلام كان عندي، فقيل للشيخ أبي
стр. 2385
الحسين: يقال أن أبا سعيد كان في الغريب يرجع اليه ولا يأنف، فقال الشيخ أبو الحسين: وليس ذلك بعيب، ولكن في هذا الزمن قوم يقدرون أنه لا يتبين فضل الرجل وعلمه وأدبه الا بنقصه الآخر.
ونقلت من خطه أيضا: قلت للشيخ أبي الحسين أيده الله: لماذا لم تشاهد علي ابن عيسى حين دخلت بغداد، فقال: انما تركته لمكان أبي سعيد السيرافي ﵀ كرهت أن يستوحش منه مع ان علي بن عيسى كان يشكوني، وأبو سعيد ﵀ في النحو كان من الكبار (٢٧٠ - و) المتقدمين وأما علي بن عيسى فقد نظرت في علمه ولست استحسنه، فقلت له: قيل انه هو أسن من أبي سعيد؟ فقال: نعم كذا قيل والسلام.
أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ قال: حدثت عن أبي الحسن محمد بن العباس بن الفرات قال:
كان أبو سعيد السيرافي عالما فاضلا منقطع النظر في علم النحو خاصة، وكانت سنه يوم توفي ثمانين سنة (١).
قرأت في تاريخ أبي غالب همام بن المهذب المعري: وفيها-يعني سنة أربع وستين وثلاثمائة-توفي أبو سعيد السيرافي ببغداد، كذا قال أبو غالب، وقد حكينا عن أبي حيان التوحيدي أنه مات سنة ثمان وستين وثلاثمائة في رجب وهو الصحيح، وقد تابعه على ذلك هلال بن المحسن الصابئ وأبو القاسم الازهري.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد-اذنا-قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك قال: أخبرنا أبو بكر الثابتي قال: حدثني هلال بن المحسن قال: توفي القاضي أبو سعيد السيرافي في يوم الاثنين الثاني من رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة عن أربع وثمانين سنة.
وأخبرنا أبو اليمن الكندي-فيما أجازه لي-قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: حدثني الازهري قال: توفي أبو سعيد