أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن-فيما اذن لنا في روايته عنه-قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن عمي قال: أخبرنا أبو المعالي الحسين بن حمزة بن الحسين العسكري قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال:
حدثني محمد بن علي بن عبد الله الصوري قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر التجيبي بمصر قال: أخبرنا أبو هريرة أحمد بن عبد الله بن أبي الحسن بن أبي العصام العدوي قال: حدثنا أبو العباس عيسي بن عبد الرحيم قال: حدثني علي وابن محمد-هو ابن حيون-قال: حدثني محمد بن أحمد الكوفي قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن الحلبي عن أبيه قال: أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سموا له من أهل البصرة، فجمعوا، فأبصرهم طفيلي فقال: ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع، فانسل فدخل وسطهم، ومضي بهم الموكلون حتي انتهوا بهم إلي زورق أعدلهم فدخلوا الزورق، فقال الطفيلي: هي نزهة، فدخل معهم الزورق، فلم يك بأسرع بأن قيد القوم وقيد معهم الطفيلي، فقال الطفيلي: بلغ تطفيلي إلي القيود، ثم سير بهم إلي بغداد، فدخلوا علي المأمون فجعل يدعو بأسمائهم رجلا رجلا فيأمر بضرب رقابهم حتي وصل (٦ - ظ) إلي الطفيلي وقد استوفوا عدة القوم، فقال للموكلين بهم: ما هذا؟ فقالوا والله ما ندري، غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به، فقال المأمون: ما قصتك ويلك؟ فقال يا أمير المؤمنين امرأته طالق ان كان يعرف من أقوالهم شيئا ولا يعرف إلا الله ومحمد النبي صلي الله عليه وسلم، وإنما أنا رجل رأيتهم مجتمعين فظننت صنيعا يغدون إليه، فضحك المأمون وقال: يؤدب.
وكان ابراهيم بن المهدي قائما علي رأس المأمون فقال يا أمير المؤمنين قلت لي:
أدبه، أحدثك بحديث عجيب عن نفسي، فقال: قل يا ابراهيم، قال يا أمير المؤمنين خرجت من عندك يوما في سكك بغداد متطربا حتي انتهيت إلي موضع سماه فشممت يا أمير المؤمنين من جناح أبا زير قدورا قد فاح طيبها، فتاقت نفسي إليها وإلي طيب ريحها، فوفقت علي خياط وقلت له: لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من التجار من البزازين، قلت ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان فرميت بطرفي الي الجناح فإذا في بعضه شباك فأنظر إلي كف قد خرج من الشباك قابضا علي بعضه ومعصم
стр. 2452
فشغلني يا أمير المؤمنين الكف والمعصم عن رائحة القدور فبقيت باهتا ساعة ثم أدركني ذهني، فقلت للخياط: هو ممن يشرب النبيذ؟ قال: نعم وأحسب عنده اليوم دعوة، وليس ينادم إلا تجارا مثله مستورين فإني لكذلك إذا قبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب، قال الخياط: هؤلاء منادموه، فقلت ما أسماؤهما (٧ - و) وما كناهما؟ فقال: فلان وفلان، وأخبرني بكناهما، فحركت دابتي وداخلتهما، وقلت جعلت فداكما قد استبطأ كما أبو فلان أعزه الله، وسايرتهما حتى أتينا الى الباب، فأجلاّني وقدماني فدخلت، ودخلا فلما رآني معهما صاحب المنزل لم يشك أني منهما بسبيل أو قادم قدمت عليهما من موضع، فرحب وأجلسني في أفضل موضع، فجيء يا أمير المؤمنين بمائدة، وعليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان فكان طعمها أطيب من ريحها، فقلت في نفسي هذه الالوان قد أكلتها، بقيت الكف أصل الى صاحبتها، ثم رفع الطعام وجيء بالوضوء، ثم صرنا إلى منزل المنادمة فإذا أشكل منزل يا أمير المؤمنين، وجعل صاحب المنزل يلاطفني ويقبل علي بالحديث وجعلوا لا يشكون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدمة، وإنما ذلك الفعل كان منه لما ظن أني منهما بسبيل حتى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية يا أمير المؤمنين كأنها غصن بان يتثنى، فأقبلت تمشي فسلمت غير خجلة، وثنيت لها وسادة فجلست وأتي بعود فوضع في حجرها فجسته فاستبنت في جسها حذقها ثم اندفعت تغني:
توهمهما طرفي فأصبح خدها … وفيه مكان الوهم من نظري أثر
فصافحها قلبي فآلم كفها … فمن مئتن قلبي في أناملها عفر
فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي فطربت لحسن شعرها وحذقها ثم اندفعت تغني:
أشرت إليها هل عرفت مودتي … فردت بطرف العين إني على العهد
(٧ - ظ)
فحدت عن الإظهار عمدا لسرها … وحادت عن الإظهار أيضا على عمد
стр. 2453
فصحت: السلاح يا أمير المؤمنين وجاءني من الطرب مالم أملك نفسي، ثم اندفعت تغني الصوت الثالث:
أليس عجيبا أن بيتا يضمني … واياك لا نخلو ولا نتكلم
سوى أعين تشكو الهوى بجفونها … وتقطيع أنفاس على الناي تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب … وتكسير أجفان وكف تسلم
فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها واصابتها معنى الشعر أنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأت فيه فقلت: بقي عليك يا جارية، فضربت بعودها الارض وقالت:
متى كنتم تحضرون مجلسكم البغضاء؟ فندمت على ما كان مني ورأيت القوم كأنهم قد يغيروا لي، فقلت: ليس ثم عود؟ قالوا: بلى والله يا سيدنا، فأتيت بعود وأصلحت من شأني ما أردت ثم اندفعت أغني:
ما للمنازل لا تجيب حزينا … أصممن أم قدم المدى فبلينا
روحوا العشية روحة مذكورة … إن متن متن وإن حيين حيينا
فما استتممت يا أمر المؤمنين حتى خرجت الجارية فأكبت على رجلي فقبلتهما وتقول: معذرة يا سيدي والله ما سمعت من يغني هذا الصوت مثلك أحدا، وقام مولاها وجميع من كان حاضرا فصنعوا كصنيعها، وطرب القوم واستحثوا الشراب فشربوا بالكاسات والطاسات، ثم اندفعت أغني (٨ - و):
أفي الله أن تمسين لا تذكرينني … وقد سحمت (١) عيناي من ذكرك الدما
الى الله أشكو بخلها وسماحتى … إذا عسل مني وتبدل علقما
فردي مصاب القلب أنت قتلته … ولا تتركيه ذاهب القلب مضرما
الى الله أشكو أنها أجنبية … وأني بها ما عشت بالود مغرما
فجاءنا من طرب القوم يا أمير المؤمنين شيء خشيت أن يخرجوا من عقولهم فأمسكت ساعة حتى هدأوا مما كانوا فيه من الطرب، ثم اندفعوا في الشرب بالصراحيات صرفا على ذلك الطرب فاندفعت أغني الصوت الثالث.
стр. 2454
هذا محبك مطوى على كمده … حري مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرحمن راحة … مما به ويد أخرى على كبده
يا من رأى أسفا مستهترا أسفا … كانت منيته في عينه ويده
فجعلت الجارية تصيح: هذا والله الغناء يا سيدي، وسكر القوم وخرجوا من عقولهم، وكان صاحب المنزل جيد الشرب، حسن المعرفة، فأمر غلمانه مع غلمانهم بحفظهم وصرفهم الى منازلهم، وخلوت معه فشربنا أقداحا ثم قال لي: يا سيدي ذهب ما كان من أيامي ضائعا إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت يا مولاي؟ فلم يزل يلج علي حتى أخبرته، فقام يقبل رأسي وقال: يا سيدي وأنا أعجب يكون هذا الادب الا من مثلك واذا إني مع الخلافة وأنا لا أشعر، ثم سائلني عن قصتي وكيف حملت نفسي على ما فعلت، فأخبرته خبر الطعام، وخبر الكف والمعصم، فقلت: أما الطعام فقد نلت منه حاجتي، فقال: والكف والمعصم، ثم قال: يا فلانة، لجارية له، قولي لفلانة تنزل فجعل (٨ - ظ) ينزل لي واحدة واحدة فأنظر الى كفها ومعصمها، فأقول: ليس هي، قال: والله ما بقي غير أختي وأمي والله لانزلهما إليك، فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداك إبدأ باختك قبل الامام فعسى أن تكون هي، فقال: صدقت فنزلت فلما رأيت كفها ومعصمها قلت: هي ذه، فأمر غلمانه فصاروا الى عشرة مشايخ من جلة جيرانه في ذلك الوقت، فأحضروا، ثم أمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، وقال للمشايخ: هذه أختي فلانه أشهدكم أني قد زوجتها من سيدي ابراهيم بن المهدي وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم، فرضيت وقبلت النكاح ودفع إليها البدرة، وفرق البدرة الاخرى على المشايخ، ثم قال لهم: اعذروا فهذا ما حضر على الحال، فقبضوها، ونهضوا، ثم قال يا سيدي أمهد لك بعض البيوت تنام مع أهلك فأحشمني والله ما رأيت من سعة صدره، وكرم خيمه (١)، فقلت: بل أحضر عمارية وأحملها الى منزلي، فقال ما شئت، فأحضرت عمارية فحملتها، وصرت بها الى منزلي فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليّ جهازها ما ضاقت به بعض بيوتنا، فاولدتها هذا القائم على رأس سيدي أمير المؤمنين، فعجب المأمون من كرم ذلك الرجل وسعة صدره وقال: لله أبوه ما سمعت مثله قط، ثم أطلق الرجل الطفيلي
стр. 2455
واجازه جائزة سنية وأمر ابراهيم بإحضار الرجل، فكان من خواص المأمون وأهل صحبته (١) (٩ - و).
الحسين بن عبد الواحد بن محمد بن عبد القادر القنسريني:
أبو عبد الله المقرئ النحوي، كان مقرئا مجيدا نحويا، وكان مقيما بحلب يفيد علم القراءات والعربية. قرأ على أبي الحسن أحمد بن رضوان وعبيد الله بن الليث.
قرأ عليه أبو المجد عبيد الله بن محمد بن عبد الباقي بن أبي جرادة، وجد جدي أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة، وصنف لجد جدي كتابا مفيدا في القراءات السبعة، سماه بالتهذيب وكتبه له بخطه، وهو الآن عندي، وقرأ عليه النحو أبو الفرج سعيد بن علي بن محمد بن السلالي بحلب في سنة ثلاثين وأربعمائة، فقد توفي بعد ذلك.
وأخبرنا بكتابه المسمى بالتهذيب شيخنا أبو اليمن الكندي في الاجازة قال:
كتب إلينا أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي جرادة قال: أخبرنا أبي أبو المجد عبد الله قال: أخبرنا أبو عبد الله القنسريني.
أخبرنا عبد الواحد بن عبد الله ابن عمي عبد الصمد قال: سمعت جدي عبد الصمد بن عبد الله، ح.
قال عبد الواحد: وسمعت أبا الفتح يحيى ابن عم أبي أبي غانم محمد بن هبة الله قال: سمعت أبا غانم، قالا: كان القاضي أبو الفضل عبد الله بن أحمد يقرأ على الشيخ أبي عبد الله القنسريني فمضى الى منزله ليلة ليقرأ عليه وكانت ليلة مطيرة، فصادف الشيخ أبا عبد الله يقرأ القرآن، وكان يقرأ قراءة طيبة، فوقف بالباب يسمع قراءته ويلتذ بحسن قراءته وطيب صوته، والمطر ينزل على رأسه، ولم ير أن يقطع عليه قراءته حتى مضى أكثر الليل، وسكت أبو عبد الله فطرق الباب،
стр. 2456
ففتح له فرآه مبتل الثياب، فسأله عن حاله، فأخبره بالصورة، فعظم ذلك عليه، وقال له: كنت دخلت عليّ وكنت أقرأ لك الى الصباح.
قال عماي: وسافر أبو عبد الله القنسريني الى العراق فحضر بعض الشيوخ القراء ببغداد وأصحابه يقرءون عليه فجلس في أخريات الناس، فحين رأوه ازدروه واستبشعوا زيه، وأبو عبد الله ساكت، فلما فرغ أصحابه تقدم أبو عبد الله، وطلب أن يقرأ عليه شيئا، فقال له: اقرأ على بعض الطلبه الى أن تجود، ثم اقرأ عليّ، فقال أشتهي أن أقرأ عليك خمسا، فلم ير الشيخ أن يكسر خاطره، فأذن له، فلما قرأ، قال له: من أين تكون؟ قال: من الشام، قال له: لعلك أبو عبد الله القنسريني؟ قال: نعم فقام له الشيخ وأكرمه وأجلسه الى جانبه، وقال أنا أحق بالقراءة عليك، قال هذا أو معناه، قلت: وأظن هذا الشيخ المقرئ هو أبو الحسن ابن رضوان، والله أعلم.
الحسين بن عبيد الله:
ابن الحسين بن ابراهيم بن علي بن عبيد الله بن الحسين الاصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو علي بن أبي أحمد العلوي النصيبي، أبوه شريف مذكور من أعيان الشرفاء، وقد الى حلب على أميرها سيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان.
ذكره الحسين بن جعفر بن خداع النسابة في «كتاب المعقبين من ولد الحسن والحسين ﵉» وقال: إنه وفد على سيف الدولة بن أبي الهيجاء بن حمدان الى حلب، وقتل معه في انهزامه في غزاة المصيبة، وذكر أن أمه أم ولد.
وغزاة المصيبة كانت في سنة .... وأربعين وثلاثمائة (١).
ذكر من اسم أبيه عبيد ممن اسمه الحسين (٩ - ظ)
الحسين بن عبيد الهمذاني:
حدث بطرسوس عن عبد الحميد بن عصام الجرجاني. روى عنه محمد بن
стр. 2457
أيوب بن المعافى العكبري، ويقع في بعض الاصول الحسن بن عبيد، والحسين هو الصحيح.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد، فيما أذن لنا في روايته عنه، قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري قال: أخبرنا الشيخ أبو اسحاق ابراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن خلف بن بخيت الدقاق قال: حدثنا محمد بن أيوب بن المعافى العكبري قال: حدثنا الحسين بن عبيد الهمذاني بطرسوس قال: حدثنا عبد الحميد بن عصام الجرجاني قال: حدثنا محمد بن يوسف الفيريابي قال: حدثنا سفيان الثوري عن سفيان بن عيينه عن ابن ابي نجيح أنه سئل عن السياحين قال هم الصائمون.
الحسين بن عبيد المصيصي:
حدث عن عتيق بن عبد الرحمن الاذني. روى عنه عبد الرحمن بن أبي نصر أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن ابراهيم بن أحمد المقدسي، وقرأته بخطه، قال:
قرأت على أبي الحسن أحمد بن حمزة بن الموازيني بدمشق: أخبركم جدك أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين السلمي المعبر، إجازة، قال: أخبرنا الحافظ عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتاني، إجازة، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر قال: حدثنا الحسين بن عبيد المصيصي قال: حدثنا عتيق بن عبد الرحمن (١٠ - و) الاسدي قال: حدثنا أحمد بن حرب الطائي قال كنا عند سفيان ابن عينية فحدثنا حتى ضجر، ثم ألقى الكتاب، فقال: قوموا عني، فقام اليه رجل فقال: أتضجر والله إن أحدنا ليهم بالحج من أقصى خراسان، فإذا ذكرك حج، ولولاك ما حج، فأخذ الكتاب وأنشأ يقول:
خلت الديار فسدت غير مسود … ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
стр. 2458
ذكر من اسم ابيه على ممن اسمه الحسين
الحسين بن علي بن الحسين بن علي:
أبو علي المروزي، حدث بحلب عن محمود بن والان. روى عنه أبو بكر محمد بن الحسين بن صالح السبيعي الحلبي.
أخبرنا عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة وأبو محمد عبد الرحمن ابن عبد الله بن علوان الاسدي وولده أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن القاضي، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الطرسوسي الحلبيون قالوا: أخبرنا الشيخ الامين أبو سالم أحمد بن عبد القاهر بن الموصول الحلبي قال: أخبرنا الشيخ. بو الحسن علي ابن عبد الله بن محمد بن عبد الباقي بن أبي جرادة قال: حدثني الشيخ أبو الفتح عبد الله بن اسماعيل الجلي الحلبي بحلب، قال: أخبرنا الشيخ الزاهد أبو عبد الله عبد الرزاق بن عبد السلام بن أبي نمير العابد الحلبي بحلب، قال: أخبرنا محمد بن الحسين السبيعي بحلب قال: حدثنا أبو علي الحسين بن علي بن الحسين بن علي المروزي بحلب قال: حدثنا أبو حامد محمود بن والان قال: حدثنا علي بن حجر بن اياس (١٠ - ظ) السعدي قال: حدثنا يوسف بن زياد قال: أخبرنا عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم عن الأعرج عن أبي هريرة قال: خضت مع رسول الله ﷺ السوق، فقعد على البزازين فاشترى سراويلا بأربعة دراهم، قال: وكان لاهل السوق رجل يزن بينهم الدراهم يقال له فلان الوزان فجيء ليزن ثمن السراويل فقال له النبي ﷺ : «أتزن وأرجح»، فقال الرجل: إن هذا القول ما سمعته من أحد من الناس، فمن هذا الرجل؟ قال أبو هريرة: قلت حسبك من الزهق (١) والجفاء في جنبك أن لا تعرف نبيك ﷺ ، فقال الرجل:
أهذا رسول الله؟ وألقى الميزان ووثب الى يد رسول الله يأخذها ويقبلها، فجذبها رسول الله وقال: إنما يفعل هذه الاعاجم بملوكها فإني لست بملك إنما أنا رجل منكم، ثم جلس فاتزن الدراهم وأرجح كما أمره رسول الله ﷺ ، فلما انصرفنا تناولت السراويل من رسول الله لا حملها عنه فمنعني وقال: صاحب الشيء أحق بحمله إلا أن يكون ضعيفا يعجز فيعينه أخوه المسلم، قلت: يا رسول
стр. 2459
الله وإنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار، في السفر والحضر، قال يوسف: وشككت في قولي: ومع أهلي فإني أمرت بالتستر فلم أجد ثوبا أستر من السراويل (١).
الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان:
ابن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد (١٠ - و) التغلبي أبو العشائر الحمداني، وتمام نسبه مذكور في ترجمة أبي فراس.
أمير فارس مشهور شاعر مجيد كان بحلب في خدمة ابن عمه سيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان، وولاه أنطاكية روى عنه أبو بكر الخالدي وفيه يقول أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان من قصيدته الرائية التي يذكر فيها مآثر قومه من بني حمدان:
ومنا الحسين القرم شبه جده … حمى نفسه والجيش للجيش غامر (٢)
قال أبو عبد الله الحسين بن خالويه في تفسير هذا البيت وذلك أنه كبسه عسكر الاخشيد مع يانس المؤنسي وهو منصرف من أنطاكية من الميدان، وأصابته نشابة في وجهه أخرج نصلها بعد أيام، فلم يزل يضرب في أوساطهم بالسيف حتى تخلص، وأسر بعد ذلك في دلوك (٣)، وكان له في بلد الروم أجمل أثر وأشرف فعل في اكرام الأسارى.
قال ابن خالويه: سار سيف الدولة في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة الى بلد يانس بن شمشقيق (٤) لما بلغه حلفه للملك على لقائه وحمل معه الزواريق مخلعة حتى عقدها على أرسناس (٥)، وخلف بدلوك أبا العشائر الحسين بن علي بن الحسين
стр. 2460
ابن حمدان ورسم له الزول على حصن عرنداس (١) وبناءه، وخلف الأمير أبا فراس ورسم له بناء حصن البرزمان (٢)، فكلاهما يستعد حتى خرج لاون البطريق في جموع أبيه وسبق الخبر الى أبي العشائر فخرج (١١ - ظ) طمعا فيه ليسابق أبا فراس اليه، ولقيه فوجده في عدد عظيم وانكشف عن أبي العشائر أصحابه، وثبت يقاتل حتى أسر وضرب وجها من الارمن يعرف بأبي الاسد فقتله، وبلغ أبا فراس الخبر فنفر في أربعمائة فارس من العرب سوى العجم وأتبعه الى مرعش (٣) فلم يلحقه، فكتب اليه في قصيدة:
أأبا العشائر ان أسرت فطالما … أسرت لك البيض الرقاق رجالا
لما أجلت المهر فوق رؤوسهم … نسجت له حمر الشعور عقالا
يا من اذا حمل الحصان على الوجى … قال اتخذ حبك التريك بغالا
ألا دعوت أخاك وهو مصاقب … يكفي العظيم ويحمل الاثقالا
ألا دعوت أبا فراس انه … ممن اذا طلب الممنّع نالا
وردت بعيد الفوت أرضك خيله … سرعا كأمثال القطا أرسالا (٤)
قرأت في جزء أحضره إليّ الحافظ عماد الدين أبو القاسم علي بن الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن يتضمن سيرة سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان وأخباره، تأليف أبي الحسن علي بن الحسين الزراد الديلمي ذكر في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة قال:
وسار أبو العشائر الحسين بن علي بن حمدان من حلب الى مرعى وسلمها إليهم وسار أبو العشائر الحسين بن علي بن حمدان من حلب الى مرعش وسلممها إليهم وبعض غلمانه، فلم يشعر إلا بالروم قد أقبلوا عليه فركب فرسه وركب أصحابه فطردهم الروم، وكان (١٢ - و) أبو العشائر قد ثمل من الخمر فغلبه السكر، فسقط عن الفرس، فأدركه الروم فأسروه وحملوه الى قسطنطينية.
стр. 2461
قرأت في كتاب المفاوضة جمع محمد بن علي بن نصر الكاتب بخطه.
وأخبرنا به اجازة زيد بن الحسن بن زيد الكندي عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الانصاري قال: أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل بن بشران النحوي قال: قرأ علينا محمد بن علي بن نصر الكاتب قال: وحدثني أبو الفرج يعني الببغاء قال: هربت وقتا من الاوقات من أبي العشائر، وصرت الى حلب، وسألت سيف الدولة أن يمنعه عني، وقلت: ان أخلاقه لا تلاؤم أخلاقي، وقد ربيتني واصطنعتني، وأريد أن لا أبرح حضرتك ومجلسك، قال: افعل ومضى على هذا مديدة قريبة، فدخلت يوما واذا بين يدي سيف الدولة رجل عربي لا أعرفه عليه جبة ديباج وفرو وعمامة خز بلثامين، متقلدا سيفا محلى، وهو جالس على السرير ورجليه على الأرض وسيف الدولة يقبل عليه يحادثه فاستطرفت ذلك، ولم يكن في العرب كلها من يجلس تلك الجلسة مع سيف الدولة، قال: ونهض فاذا هو أبو العشائر فلما رأيته أسقط في يدي، ودنا مني فقبض عليّ فقلت لسيف الدولة: أيها الامير الذمام، فقال: ليس على أبي العشائر ذمام، ثم قال له: احتفظ به فإنه فرار فلم يبق في موضع للمنازعة (١٢ - ظ).
فقلت: أيها الامير ما يمكنني الخروج، قال: ولم؟ قلت: علي دين وأحتاج الى ابتياع شعير لدوابي، وحنطة لغلماني، وهذا وجه الشتاء ولابد أن أنظر في أمري فقال: كل هذا يتنجز في الساعة، ووقع الى الداريج (١) بكرين شعيرا والى صاحب المنثر بثلاثة أكرار حنطة، وأطلق من خزانته ألفي درهم، وأمر بحمل عشر قطع ثيابا، وحصل جميع ذلك وما تعالى النهار وهو جالس في دار سيف الدولة، فلما حضر صاحبه وعرفه حصول ما عددته كله قال: اركب على اسم الله، فركبت ومضيت معه الى أنطاكية فما كان يخليني من خلعة وبر وتفقد، ورسومي على سيف الدولة مطلقة في أوقاتها غير متأخرة عني بحال، وهذه كانت عادات الرؤساء في الافضال.
стр. 2462
أنبأنا أحمد بن الازهر بن السباك عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الانصاري عن القاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي قال: وأنشدني أيضا-يعني-أبا الفرج الببغاء، وقال: قلتها بديها في أبي العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان وكنت حاضرا وقد ضرب بسيف كان في يده هامة جمل ففصلها فأنشدته في الحال:
ما الفعل للسيف اذ هزّت مضاربه … فمرّ محتكما في هامة الجمل
لكن كفك أعدته بجرأتها … وفتكها فمضى يهوي على عجل
(١٣ - و)
ولو سوى كفك المعروف صال به … نبا ولو كان مطبوعا من الاجل (١)
أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل، فيما أذن لنا في روايته عنه، قال: أنبأنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد بن عمر بن السمرقندي قال: أخبرنا أبو يوسف يعقوب بن أحمد الاديب في كتابه قال: أخبرنا أبو منصور عبد الملك بن اسماعيل الثعالبي قال: وأنشدني-يعني-أبا بكر الخوارزمي لابي العشائر بن حمدان:
سطا علينا ومن حاز الكمال سطا … ظبي من الجنة الفردوس قد هبطا
له عذاران قد خطّا بوجنته … فاستوقفا فوق خديه وما انبسطا
وظل يخطو وكل قال من شغف: … يا ليته في سواد الناظرين خطا
قال أبو منصور الثعالبي: وقال بعض الرواة: دخلت الى أبي العشائر أعوده من علة هجمت عليه فقلت له: ما يجد الامير فأشار الى غلام قائم بين يديه واسمه نسطوس، كأن رضوان قد غفل عنه فأبق (٢) منه وأنشد:
стр. 2463
أسقم هذا الغلام جسمي … بما بعينيه من سقام
فتور عينيه في دلال … أهدى فتورا الى عظامي
وامتزجت روحه بروحي … تمازج الماء بالمدام (١)
قرأت في كتاب عنوان السير في محاسن أهل البدو والحضر تأليف أبي الحسن محمد بن عبد الملك الهمذاني: أبو العشائر بن حمدان القائل (١٣ - ظ):
وما سر قلبي منذ شطّت بك النوى … أنيس ولا كاس ولا متصرّف
وما ذقت طعم الماء الاّ وجدته … كأن ليس بالماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذات إلا تكلّفا … وأي سرور يقتضيه التكلف
قال ابن الهمذاني: ولما خرج الحاج في زمن المكتفي كان معهم أبو العشائر بن حمدان، فظفر بهم زكرويه بن مهرويه القرمطي فقطع يدي أبي العشائر ورجليه بز بزبالة، ثم قال ابن الهمذاني بعد ذلك وأخذ الروم حلب وقتلوا أبا العشائر وأخوته في سنة احدى وخمسين وثلاثمائة.
وهذا خطأ من ابن الهمذاني فيما ذكره أولا وثانيا فإن أبا العشائر توفي أسيرا في يد الروم بالقسطنطينية في سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين (٢).
وقرأت في كتاب أبي الحسن علي بن الحسين الديلمي في أخبار سيف الدولة، قال واجتمع في البلاط بالقسطنطينية من الأسارى الحمدانية نحو ثمانمائة رجل منهم: أبو العشائر وأبو فراس ومحمد بن ناصر الدولة، وذكر جماعة، وقال:
وفادى-يعني-سيف الدولة بأبي فراس وأبي العشائر ورقطاش وغيرهم، يعني سنة أربع وخمسين، وهذا وهم من أبي الحسن الديلمي فإن أبا العشائر توفي بالقسطنطينية في حال الاسر وقال فيه الامير ابو فراس يرثيه.
أأبا العشائر لا محلك دارس … بين الضلوع ولا محلك نازح
стр. 2464
إني لأعلم بعد موتك أنه … ما مر للأسراء يوم صالح (١)
قرأت في تاريخ أبي اسحاق ابراهيم بن حبيب السّقطي صاحب كتاب الرّديف (٢) في حوادث سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة في ذكر من توفي فيها قال:
وفيها، أو في سنة ثلاث وخمسين مات أبو العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان ببلد الروم في أسره مسموما وكان السبب في سمه أن ملك الطاغية بلغه أن عليّ بن حمدان فسق بابن قسطنطين، كان في أسره فأنفذوا من بلد الروم من سمه فهلك وسمّوا هم أبا العشائر بن حمدان حنقا لما جرى من قتلهم ابن قسطنين، وكان أبو العشائر فارسا شجاعا سخيا ممدّحا.
الحسين بن علي بن الحسين
ابن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن باهان بن باذام ابن بلاش بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام بن جور، أبو القاسم بن أبي الحسين بن أبي القاسم بن أبي الحسن المغربي، هكذا قرأت نسبة بخطه وقيل في نسبه من ماهان بن باذان بن ساسان بن الحرون، قيل ساسان هو المعروف بالحرون بن بلاش ابن جانيا سيف بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد، وجد أبيه أبو الحسن هو المغربي عرف بذلك لأنه كان يختلف على ديوان المغرب.
وقرأت بخط الحافظ أبي طاهر أنه نقل من خط عبد الحميد ابنه على ظهر الجزء الأول من رسائل الوزير أنه: الجزء الأول من رسائل أبي القاسم الحسين بن علي ابن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان ابن مادان بن ساسان بن الحرون بن فلاش بن جاما سف بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور. وكتب عبد الحميد.
وأبو القاسم هذا هو الوزير الملقب بالكامل ذي الجلالتين ولد بحلب (١٤ - ظ) في سنة سبعين وثلاثمائة، وكان أبوه وجده من كتّاب الأمير سيف الدولة، وحصل بعد موت سيف الدولة بين أبيه وبين سعد الدولة أبي المعالي شريف نبوة أوجبت
стр. 2465
انفصاله عنه، فعوق أبو المعالي أبا القاسم بحلب مع جماعة من أهله، ثم سار أبوه بعد ذلك إلى مصر، فانتقل أبو القاسم بعده وقتل الحاكم أباه وأخوته فهرب أبو القاسم وتوجه إلى العراق، وتقلد وزارة مشرّف الدولة أبي علي بن عضد الدولة ابن بويه في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وأقام في وزارته شهورا، وفارقه وانتقل إلى وزارة الأمير أبي المنيع قرواش بن المقلد أمير بني عقيل، ثم وزر لنصر الدولة ابن مروان صاحب ميافارقين ودياربكر (١).
وكان الوزير أديبا فاضلا عارفا باللغة والنحو فصيحا، حسن النظم والنثر عارفا بالحساب، وله كتاب في تفسير (٢) القرآن أحسن فيه على اختصاره واختصر كتاب إصلاح المنطق (٣) فأجاد في ذلك وعرضه على أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان، فاستجاده وأثنى عليه، وكتب إليه في ذلك الرسالة الأعريضية التي أولها:
السلام عليك أيتها الحكمة المغربية، والألفاظ العربية، أي هواء رقاك وأي غيث سقاك.
وفضائله جمة، لكنه كان جسورا مهورا، سيء التدبير، متكبرا.
حدث عن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات، وروى عن أبيه علي بن الحسين، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي أسامة جنادة بن محمد، وأبي الحسن محمد بن عيسى النامي العراقي اليشكري وأبي الحسن على بن لؤلؤ الحلبي والقاضي أبي الحسن علي بن محمد بن يزيد الحلبي وأبي عبد الله محمد بن الحسين اليمني وأبي القاسم (١٥ - و) الميمون بن حمزه الحسيني، وعلي بن منصور الحلبي المعروف بدوخلة، وأبي الحسن علي بن عبد الله الماذرائي، ومحمد بن الحسن التنوخي، والقاضي أبي أحمد محمد بن داود بن أحمد العسقلاني، ومحمد بن إبراهيم التميمي، وعلي بن إبراهيم الدهكي، وأبي جعفر الموسوي قاضي مكة، وابن الكلابي راوية أبي فراس وأبي زكريا يحيى بن علي الأندلسي أمير الغرب،
стр. 2466
وأبي بكر محمد بن عبد الملك التاريخي وأبي الحسن علي بن نصر بن الصباج وغيرهم.
روى عنه ابنه أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين، وأبو الحسن بن الطيب الفارقي وأبو الجوائز الحسن بن باري الواسطي، وأبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي وعلي بن السكن الفارقي وأبو عبد الله محمد بن جردة، وأبو غالب محمد بن أحمد بن سهل بن بشران النحوي، والقاسم بن بابويه.
أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن أبي الفضل القاضي-فيما أذن لنا أن نرويه عنه-عن أبي الفتح نصر الله بن محمد الفقيه قال: حدثنا نصر بن ابراهيم الزاهد المقدسي قال: قرأت على أبي يحيى عبد الحميد بن الحسين بن علي المغربي عن أبيه أبي القاسم الحسين بن علي قال: أخبرنا أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الروذباري قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن موسى الرازي قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن زكريا الطائي النبهاني قال: حدثنا أبو حاتم السجستاني وأبو عبد الله محمد بن حسان الضبي قالا: حدثنا يعقوب بن محمد قال: حدثنا يزيد بن عمر بن مسلم الخزاعي قال:
حدثنا أبي عن أبيه قال: شهدت رسول الله ﷺ ومنشد ينشده (١٥ - ظ) قول سويد بن عامر المصطلقي:
لا تأمنن وإن أمسيت في حرم … إن المنايا تجتني كل إنسان
فاسلك طريقك تمشي غير مختشع … حتى تلاقي ما يمنى لك الماني
لكل ذي صاحب يوما مفارقه … وكل زاد وإن أبقيته فان
والخير والشر مجموعان في قرن … بكل ذلك يأتيك الجديدان
فقال رسول الله ﷺ : «لو أدركني هذا لأسلم» (١)، فبكى أبي، فقلت: يا أبة ما يبكيك من مشرك مات في الجاهلية! قال يا بني ما رأيت مشركة تلقت من مشرك خيرا من سويد.
стр. 2467
قال: قوله «ما يمنى لك» ما يقدر لك القادر الله .
قرأت في رسائل الوزير أبي القاسم بن المغربي، نسخة كتاب كتبه ليعرض بالسدة القادرية وقد طعن عليه بالدار الخليفية في مذهبه حيث وزر للملك السعيد شرف الدولة أبي علي، وانكار الاسم المغربي المشهور به، وأنه نسب الى اعتقاد المذهب المصري (١) والتدين به فكتب رسالة في ذلك، وكتبها على وجهها وحذفت من آخرها ما لا حاجة لي إليه لما فيها من ذكر نسبه ومنشأه ومذهبه ومبدأ حاله وطلبه للعلم واشتغاله، والرسالة:
الدهر أبو العجائب، وذو الغرائب، إلا أنني ما ظننته يبدع هذه البدعة الشنعاء، ولا ظننته يطرق هذه الظنة النكراء وينبغي (١٦ - و) أن أنزل عن الاحتجاج للملك أدام الله بقاءه وأعز نصره ولواءه، والمؤتمن على تدبيره والسفير بينه وبين عسكره، أدام الله تمكينه، فإن الله يعلم والناس يعلمون خلوص نياتهما في الطاعة وبعدهما من هذه الشناعة، فإن تشاغلي بما يخصني من هذه الحال التي ظننت أن العرض على الله يسبقها، وأن المعتقد المقدس قد استحكم في الثقة بي استحكاما يقصر أيدي اللئام عن صياغة مثلها لي، فإن كان يظن أن ما وسمت به من النسب المستعار يحملني على الازورار فإن الأمر بضده إذ كان أصلي من البصرة، وانتقل سلفي عنها في فتنة البريدي إلى بغداد، وكان جدّ أبي، وهو أبو الحسن علي بن محمد يخلف على ديوان المغرب، فنسب به إلى المغربي، وولد له جدي الأدنى ببغداد في سوق العطش، ونشأ وتقلد أعمالا كثيرة، منها تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر المملكة، وكان خال أبي وهو أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي المعروف الذي مدحه المتنبي متحققا بصحبة أبي بكر محمد بن رائق، فلما لحق أبا بكر بن رائق ما لحقه بالموصل (٢) سار جدي وخال أبي الى الشام، والتقيا بالإخشيذ، وأقام والدي وعمي رحمهما الله بمدينة السلام، وهما حدثان إلى أن توطدت أقدام شيوخهما بتلك البلاد، وأنفذ الإخشيذ غلامه المعروف بفاتك المجنون
стр. 2468
الممدوح المشهور (١) فحملها ومن يليهما إنى الرحبة وسار بهما على طريق الشام إلى مصر فأقامت الجماعة (١٦ - ظ) هناك إلى أن تجددت قوة المستولي على مصر فانتقلوا بكليتهم وحصلوا في حيز سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان مدة حياته، واستولى جدي على أمره استيلاء يشهد به مدائح أبي نصر بن نباته فيه، ثم غلب أبي من بعده على أمره وأمر ولده غلبة تدل عليها مدائح أبي العباس النامي فيه، ثم شجر بينهما ما يتفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا ففارقه من الرحبة، وانحدر إلى الأنبار قاصدا مدينة السلام، فلما حصل بالأنبار وجد العراق مضطربا، وبهاء الدولة ﵀ في أول أمره غالبا (٢) فخوف من المقام، فركب مغررا بنفسه قاصدا الشام ليتمكن من تعرف أخبارنا وافتكاك إسارنا، فإنا كنا بحلب معوقين من بعده، فلقي بمصر الحظوة التي عرفت، وليتها ما اتفقت، فإن ختامها كان سما زعافا وعقباها كان بورا واجتياحا (٣)، وانتقلت في أثره، وكانت والدتي من أهل العراق، ولنا الى اليوم أملاك بالنعمانية (٤) موروثة، فكنا بمصر زوارا وبالعراق لما انتقلنا إليها قاطنين وألافا فهذا أولا حديث الأصل الذي وقع الاشتباه، وتم التمويه فيه.
ثم أرجع إلى ذكر الدين فإني نشأت وغذيت بكتب الحديث وحفظ القرآن ومناقبة الفقهاء ومجالسة العلماء، والله ما رأيت قط بتلك البلاد مأدبة ولا وليمة الا لعرس، ولا كنت متشاغلا إلا بعلم أو دين، ولقد سلم لي من جزازات كتبي ما هو اليوم دال على تشاغلي بالدين القيم، واستمراري على النهج الأسلم (١٧ - و) لأنه ليس كتاب من كتب السنة إلاّ وقد أحطت به رواية ورمته دراية، وها هنا اليوم نسختان من موطأ مالك سماعي من جهتين، وعليهما خطوط الشيخين والصحيحان لمسلم والبخاري، وجامع سفيان ومسانيد عدة عن التابعين، ولي، وأحمد الله، إملاءات عدة في تفسير القرآن وتأويله وتخريجات من الصحاح المذكورة، وسمعت
стр. 2469
كتاب المزني (١) عن الطحاوي عن المزني، وأما الأحاديث المنثورة التي كنت أبكر بكور الغراب لاستماعها، وأطرح زينة الدنيا في مزاحمة أشياعها فأكثر من أن تحصى، فكيف يظن بمثلي ممن ظهر تماسكه إن كان لم يظهر باطنه تعلق بالهباء المنثور، وتمسك بالضلال والزور.
وذكر باقي الرسالة. أنا اختصرتها.
قرأت بخط أبي المكارم علي بن محمد بن محمد بن المطلب وزير تقي الدين عمر بن شاهنشاه، وذكر أنه نقل عن ظهر النسخة التي اختصر فيها الوزير أبو القاسم ابن المغربي كتاب اصلاح المنطق بخط أبيه أبي الحسن علي بن الحسين بن المغربي:
ولد سلمه الله، وبلغه مبلغ الصالحين، أول وقت طلوع الفجر من ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، واستظهر القرآن وعدة من الكتب المجردة في اللغة والنحو ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم، ونظم الشعر وتصرف في النثر، وبلغ من الخط ما يقصر عنه نظراؤه، ومن حساب المولد والجبر والمقابلة وجميع الأدوات الى ما يستقل بدونه (١٧ - ظ) الكاتب، وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة، واختصر هذا الكتاب، فتناهي باختصاره، وأوفى على جميع فوائده حتى لم يفته شيء من ألفاظه، وغيّر من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة الى الاختصار، وجمع كل نوع إلى ما يليق به، ثم ذكرت له نظمه بعد اختصاره، فابتدأ به وعمل منه عدة أوراق في ليلة، وكان جميع ذلك قبل استكماله سبع عشر سنة، وأرغب الى الله في بقائه وسلامته.
وذكر الصابئ في تاريخه قال: في شهر رمضان من سنة أربع عشرة وأربعمائة قبض على أبي علي الرخجي وتولى وزاره مشرف الدولة أبي علي أبو القاسم الحسين
стр. 2470
ابن علي بن الحسين المغربي، وكان سيء التدبير لنفسه مهوّرا قليل النظر في العواقب، مع ما كان فيه من الفضائل الأدبية (١).
قرأت بخط عبد القوي بن الجليس عبد العزيز بن الحباب في ذكر الوزير أبي القاسم قال: وذكر أن مولده كان بمصر في ليلة الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة.
قلت: وهذا وهم، ولم يولد بمصر، وإنما ولد بحلب في التاريخ المذكور، لأن أباه في هذا التاريخ كان بحلب في خدمة أبي المعالي شريف بن سيف الدولة.
قرأت في الرسالة التي كتبها أبو الحسن علي بن منصور بن طالب الحلبي، المعروف بدوخلة، إلى أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان، وأجابه عنها أبو العلاء بن سليمان برسالة الغفران، وقد ذكر كلاما قال بعده: ثم سافرت منها-يعني من بغداد-الى مصر، ولقيت أبا الحسن المغربي، فألزمني أن لزمته لزوم الظل، وكنت منه مكان المثل في كثرة الانصاف والحنو والاتحاف، فقال لي سرا: أنا أخاف همة أبي القاسم تنزو به الى أن يوردنا وردا لا صدر عنه، فإن كانت الأنفاس مما تحفظ وتكتب فاكتبها واحفظها وطالعني بها، فقال لي يوما: ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه، فقلت له: وأي خمول هنا (١٨ - و) تأخذون من مولانا خلد الله ملكه في كل سنة ستة آلاف دينار، وأبوك من شيوخ الدولة، وهو معظّم مكرّم، فقال: أريد أن تصار الى ديواننا الكتائب والمواكب والمقانب، ولا أرضى بأن يجري علينا كالولدان والنسوان، فأعدت ذلك على أبيه فقال: ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه، وقبض على لحيته وهامته، وعلم أبو القاسم، فصارت بيني وبينه وقفة.
وذكر دوخلة أيضا في هذه الرسالة أنه دخل أنطاكية، وخرج منها الى ملطية وبها المايسطرية (٢) خولة بنت سعد الدولة، قال: فأقمت عندها الى أن ورد عليّ كتاب
стр. 2471
أبي القاسم، فسرت الى ميافارقين، فكان يسر حسوا في ارتغاء (١)، قال لي يوما:
لي أيام ما رأيتك؟ قلت: أعرضت حاجة؟ قال: لا، أردت أن ألعنك، قلت فالعني غائبا، قال: لا في وجهك أشفى، قلت: ولم؟ قال: لمخالفتك إياي فيما تعلم، وقلت له: ونحن على أنس بيني وبينه: لي حرمات ثلاثة: البلدية، وتربية أبيه لي، وتربيتي لأخوته، قال: هذه حرم مهتكة: البلدية نسب بين الجيران، وتربية أبي لك منّة عليك، وتربيتك لأخوتي بالدنانير والخلع، أردت أن أقول له: استرحت من حيث تعب الكرام، فخشيت جنونه، لأنه كان جنونه مجنونا، وأصح منه مجنون، وأجنّ منه لا يكون، وأنشد:
جنونك مجنون ولست بواجد … طبيبا يداوي من جنون جنون
بل جن جنانه ورفض شيطانه.
به جنّة مجنونة، غير أنها … إذا حصّلت منه ألبّ وأعقل (١٨ - ظ)
قال: وكان أبو القاسم ملولا والملول ربما ملّ الملال، وكان لا يملّ أن يمل ويحقد حقد من لا تلين كبده ولا تنحل عقده، قال: وقال لي بعض الرؤساء:
أنت حقود ولم يكن حقودا، فقلت له: أنت لا تعرفه، والله ما كان يحنى عوده، ولا يرجى عوده، وله رأي يزين له العقوق ويمقتّ إليه رعاية الحقوق، بعيد من الطبع الذي هو للصدّ صدود وللتألف ألوف ودود، كأنه من كبره قد ركب الفلك واستوى على ذات الحبك (٢)، ولست ممّن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع الى نازع خلته، فلما رأيته ساردا جاريا في قلة انصافي على غلوائه، محوت ذكره عن صفحة فؤادي، واعتددت ودّه فيما سال به الوادي، وأنشدت الرجل أبياتا أعتذر فيها عن قطعي له:
стр. 2472
فلو كان منه الخير إذ كان شره … عنيدا لقلنا إنّ خيرا مع الشر
ولو كان إذ لا خير لا شر عنده … صبرنا وقلنا لا يرش ولا يببري
ولكنه شرّ ولا خير عنده … وليس على شر إذا دام من صبر
قال: وبغضي له-شهد الله حيا وميتا-أوجبه أخذه محاريب الكعبة الذهب والفضة وضربها دنانير ودراهم، وسماها الكعبية، وأنهب العرب الرملة وخرّب بغداد، وكم دم سفك، وحريم انتهك، وحرة أرمل وصبي أيتم. هذا ذكره علي بن منصور في رسالته الى أبي العلاء، وقد بلغه أنه ذكر لأبي العلاء فقال: أعرفه خبرا، هو الذي هجا أبا القاسم الحسين (١٩ - و) بن علي المغربي (١) فكتب إليه بذلك إقامة لعذره في هجوه.
وقد كان بين أبي القاسم بن المغربي وبين علي بن منصور ما يوجب أن لا يقبل قوله فيه، وقد ظفرت في بعض ما نقلته من خط بعض الأدباء ما ذكر أنه نقله من خط أبي القاسم الوزير: أنشدني علي بن منصور، إن صدق فيدل على ما ذكرته من حالهما.
قرأت بخط أبي عبد الله محمد بن علي العظيمي، وأنبأنا أبو اليمن الكندي وغيره عنه قال: وزّر ببغداد الوزير أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن المغربي في رمضان سنة خمس عشرة وأربعمائة، بغير خلعة ولا لقب، ولا فارق الدراعة، وكان كاتبا مليحا، شاعرا، منجما وفيلسوفا، قيما بعلوم كثيرة، وكان فيه حسد، وجرت له ببغداد أمور أو جبت استيحاشه من الخليفة، فنقل الى أن نزل على أبي نصر بن مروان على سبيل الضيافة، فمات عنده سنة ثماني عشرة وأربعمائة (٢).
قرأت بخط عبد القوي بن عبد العزيز بن الحباب في ذكر الوزير أبي القاسم قال وكان ممدحا ومقصودا بالأدب من جميع من يتعلق به من العجم والعرب، مدحه مهيار بن مرزويه في يوم نوروز، وقد أحضرت إليه هدايا من الديلم والأتراك على عادتهم مع الوزراء في مثل اليوم المذكور، واستأذنه في الانشاد فأذن له فأنشده قصيدته اللامية ومنها:
стр. 2473
عسى معرض وجهه يقبل … فيوهب للآخر الأول
فداك وتفعل ما لا تقول … ممن يقول ولا يفعل
يلومك في الجود لمّا عرفت … من شرف الجود ما يجهل (١٩ - ظ)
سللت على المال سيل العطاء … فلا حيك في الجود مستقتل
ومنها:
أجرني أبت نحوه أن أضيع … وانصر دعائي فلا أخذل
وصن بك وجهي عمن سواك … فما مثل وجهي يستبذل (١)
فلما انتهى الى آخرها استحسنها وأعجب بها، وأشار إليه الى الناحية التي فيها الدنانير والدراهم، فجلس إليها، وفتح كمه الأيسر وجمع إليه بيده اليمنى حتى ملأه، ثم فتح كمه الأيمن وجمع إليه بيده اليسرى الى أن لم يبق على الأرض دينار ولا درهم، ونهض فقبل الأرض وانصرف، وسئل عما حصل له، فذكر أن مبلغه ألفا ومائة ونيفا وعشرين دينارا، وسبعة آلاف وثلاثمائة درهم، وهذا عطاء ما سمع بمثله ممن جاد في وقته لشاعر سواه.
قال وكان قد عبث به بعض شعراء البغداديين عندما جرى له وهو في الوزارة ما أوجب له الخروج من بغداد، فقال فيه:
ويلي وو يحي وويهي على ملوك بويه … يا ضيعة الملك جدا ويا بكائي عليه
يا مغربي رويدا كيف اهتديت اليه … سلبته كل حلي في جيده ويديه
سياسة الملك ليست ما جاء عن سيبويه
ثم لقيته بميافارقين فأراد أن يستدرك ما فاته، ويعتذر عما سبق منه، فقال فيه:
يا معجز الله الذي حل في أعلى محل … لما رأيت الملك في هون ومضيعة وقل
أكبرت نفسك أن تدبر أمر ملك مضمحل
стр. 2474
وهذا الشاعر المذكور الذي هجاه ثم مدحه هو أبو عبد الله الخيمي الشاعر وقيل إنه عمل الأبيات اللامية لما حصل أبو القاسم عند قرواش بن مقلد بن مسيب.
وأنه دخل إليه في جملة الشعراء مادحا، فقال بأي وجه تلقاني؟ فقال جوابي لك جواب أبي الهول الحميري الفضل بن يحيى، وقد سأله مثل هذه المسألة فقال:
بالوجه الذي ألقى به ربي وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك وأنشده:
«يا معجز الله» -الأبيات، وذكر بيتا ثانيا بعد الأول:
ورأى جميع ممالك الدنيا تعلي مستقل
فقال: قد قبلت عذرك، وأنا فاعل بك ما فعله الفضل بأبي الهول. (٢٠ - و)
أخبرنا القاضي أبو النصر محمد بن هبة الله بن الشيرازي فيما أذن لنا في روايته عنه. قال أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: الحسين بن علي بن الحسين ابن محمد المغربي بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن باذام بن ساسان الحرون بن بلاش بن خايناشف بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد، أبو القاسم بن أبي الحسن الوزير كان مع أبيه بمصر، فلما قتل الملقب بالحاكم أباه هرب من مصر واستجار بحسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح الطائي ومدحه فأجاره وسكن جأشه وأزال خوفه واستيحاشه، فأقام عنده محترما، ثم رحل عنه مكرما وتوجه الى العراق، واجتاز البلقاء من أعمال دمشق، ووزر لقريش أمير عقيل، ووزر لابن مروان صاحب دياربكر.
وكان أديبا مسترسلا، وشاعرا فاضلا، ذا معرفة بصناعتي الكتابة الانشائية والحسابية، وحدّث عن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابه (١)، روى عنه ابنه أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين، وأبو الحسن بن الطيب الفارقي (٢).
قول الحافظ: ووزر لقريش، وهم وإنما هو قرواش.
стр. 2475
وقرأت في جزء، سيّره لي الشريف أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بخطه، وذكر أنه نقله من خط خلف بن عبد الله بن هبة بن جرير السعدي قال: الوزير أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي، وقال: وكان أبو القاسم عارفا فاضلا وبليغا مترسلا، ومفتنا في كثير من العلوم الدينية والأدبية والنجومية، ومشار إليه في قوة الذكاء والفطنة، وسرعة الخاطر والبديهة. قال: وكان خبيث الباطن، كثير الحيل، شديد الحسد على الفضل وإن أظهر الميل الى أهله.
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني قال: أنشدني أبو صالح قراطاش بن طنطاش الظفري-إملاء من حفظه-قال: أنشدنا أبو محمد علي بن عبد القاهر بن آسي قال: أنشدني أبو أسامة قال: أنشدني الوزير أبو القاسم المغربي لنفسه. (٢٠ - ظ).
قال: وقد كان بنى دارا جديدة، فاتنقل اليها فما جاءه النوم الليلة الأولى لتغير المكان، فأنشد هذه الأبيات:
إني أبثك من حديثي … والحديث له شجون
فارقت موضع موطني … ليلا ففارقني السكون
قل لي فأول ليلة … في القبر كيف ترى أكون
أخبرني الحافظ محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي قال: أخبرني أبو الفتح بن عبد الله بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب ببغداد قال أخبرني جدي أبو الفتح محمد بن علي قال: أنشدنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال: أنشدنا الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي لنفسه:
تأمل من أهواه صفرة خاتمي … فقال حبيبي لم تجنبت أحمره
فقلت له من أحمر كان لونه … ولكن غرامي حل فيه فغيره
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة الحموي قال:
стр. 2476
أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أنشدني أبو نصر عبد الله بن عبد العزيز بن المؤمل الرسولي ببغداد قال: أنشدني علي بن السكن الفارقي بميا فارقين قال: أنشدني الوزير أبو القاسم علي بن الحسين المغربي لنفسه:
عزال حبه الصبر غرب … ولكن وجهه للحسن شرق (٢١ - و)
رددت وقد تبسم عنه طرفي … وقلت له: ترى لي فيك رزق
سأرجو الوصل لا أني جدير … ولا قدري لقدرك فيه رفق
ولكن لست أول من تمنى … من الدنيا الذي لا يستحق
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل قال: أخبرنا أبو سعد السمعاني قال:
أنشدني أبو صالح قراطاش بن طنطاش الظفري-إملاء-قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن جرده قال: أنشدني الوزير أبو القاسم المغربي لنفسه:
من بعد ملكي رمتم أن تغدروا … ما بعد فرقة بائعين تخير (١)
ردوا الهدو كما عهدت إلى … الحشا والمقلتين الى الكرى ثم اهجروا
أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن محمود بن الحسين الساوي بالقاهرة، قال:
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السّلفي قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن أحمد البرداني قال: أنشدني بعض أصحابنا للوزير أبي القاسم علي بن الحسين بن المغربي وقد اجتاز بهيت فزار قبر عبد الله بن المبارك وقال:
مررت بقبر ابن المبارك زائرا … فأوسعني وعظا وليس بناطق
وقد كنت بالعلم الذي في جوانحي … غنيا وبالشيب الذي في مفارقي
ولكن أرى الذكرى تنبه عبرة … إذ هي جاءت من رجال الحقائق
كذا وقع «أبي القاسم عليّ» وكذا ذكره علي بن السكن الفارقي، وهو خطأ، وعلي أبوه.
стр. 2477
أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين بن المقير-إذنا وقد سمعت منه غيره-قال:
(٢١ - ظ) أخبرنا أبو طالب المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي قال: أخبرنا أبو سعد أحمد بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، قراءة عليه، قال: أنبأنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوي قال: أنشدنا أبو القاسم الحسين بن علي بن المغربي لنفسه:
ترنم جاري والمدام تهزه … ترنم قمري بفرعة ضال
فجاوبته من زفرتي بمغرّد … وناوبته من أدمعي بسجال
وقلت له يا جار هل أنت آمن … تفرق أحباب وحرب ليال
تهيج لي الذكرى مراحك كلما … هزجت فيشقى في نعيمك بالي
لئن جمعت بيني وبينك حليتي … لقد فرفت بيني وبينك حالي
تذكرت دار الحي إذ أنا باسط … ظلالي ومجموع لديّ رجالي
وإذ أنا بين الناس منزع … آمل لبثّ نوال أو بناء معال
لعمري لقد أسهلت في الارض بعدما … تزحزح عن ريب الزمان جبالي
أخبرنا أبو هاشم الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور قال: سمعت أبا القاسم اسماعيل بن أبي بكر السمرقندي، مذاكرة، يقول:
ما بقي في الدنيا من يروي معجم أبي الحسين جميع غيري ولا بدمشق أيضا ولا عن أبي الحسن عبد الدائم بن الحسن الهلالي ثم أنشد:
وأعجب ما في الأمر أني عشت بعدهم … على أنهم ما خلفوا فيّ من بطش
ثم قال: وهذا البيت من قطعة أنشدناها أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب (٢٢ - و) التميمي للوزير أبي القاسم بن المغربي:
وما ظبية أدماء تحنو على طلا … ترى الأنس وحشا وهي تأنس بالوحش
غدت فارتعت ثم انثنت لرضاعة … فلم تلف شيئا من قوائمه الحمش (١)
فطافت بذاك القاع ولهى فصادفت … سباع الفلا ينهشنه أيمّا نهش
стр. 2478
بأوجع في يوم طلّت أنامل … تودعني بالدّر من شبك النقش
وأحمالهم تحدى وقد خيل الهوى … كأن مطاياهم على ناظري تمشي
وأعجب ما في الأمر أني عشت بعدهم … على أنهم ما خلفوا في من بطش
قرأت في بعض الفوائد أن الوزير أبو القاسم الحسين بن علي بن المغربي أرق ذات ليلة أرقا شديدا، فكان لا يزداد إلاّ فلقا ولا يزداد الليل إلاّ طولا، فقال لبعض ندمائه: أي شيء تعرف من الشعر في طول الليل والسهر والقلوب؟ فقال:
فول بشار بن برد:
جفت عيني عن التغميض حتى … كأن جفونها عنها قصار
أقول وليلتي تزداد طولا … أما لليل عندكم نهار (١)
فقال: صدقت وأحسنت ثم قال على البديهة:
عهدي به ورداء الوصل يجمعنا … والليل أطوله كاللمح بالبصر
فا لآن ليلي مذ غابوا فديتهم … ليل الضرير وصبحي غير منتظر
نقلت من خط جلال الدولة أبي عبد الله محمد بن علي بن عبّاد الكاتب المصري (٢٢ - ظ) في شكة (٢) له ما صورته: رأيت في بعض تعاليق الوزير أبي القاسم بن المغربي أبياتا كتب بها الى إلف له في بعض الأغراض وشفعها بأبيات أخرى وقعت مني موقع الاستطراف والاستظراف ونافست نفسي في الانفراد بها عن حضرته العالية، والاستئثار بها دونها، فأثبتها وهي:
يا من لقلب هائم لم يستطع … ذكر اسم من يهواه من إشفاقه
ولعاشق غلبت عليه خجلة … فكأنه المعشوق في اطراقه
ينهي عن البث المريح لسانه … فيموت مطويا على أشواقه
سمع الغناء فرد سيل دموعه … من بعد ما ذابت على آماقه
стр. 2479
عبد من الأشواق لو هزت به … أعطاف غصن سل من أوراقه
كتم لهوى من بعد ما نمت به … ريّا كنشر الروض من أخلاقه
ولدى الهوى العذري طيب شمائل … ما مثلها تخفض على ذواقه
وأرى اللقاء مع الحياء مقابلا … مني ومنه مثل بعد فراقه
أو يجمع الشوق المبرح طالبا … ما بين مركز دملجيه (١) وساقه
قال وكان بينه وبين الالف الذي كتب هذه الأبيات إليه محالفة لطيفة في الله على مذهب التصوف، ثم اعترض الدهر بينهما بقدحه بين القرناء فخافا من اتصال الممازجة قالة الأعداء، فصرم حبله واستبقى بذلك في الباطن وصله، واتفق أن ضاق صدر ذلك الأليف عن هذه السياسة (٢٣ - و) فاعتل ومات، فقال يرثيه ويعرض ببعض الأغراض التي قل ما قيل في مثلها:
لقد بؤت من دين المروءة بالكفر … وأصبحت أغشي صفحة الغدر بالغدر
عصيت الهوى العذري في هجر شادن … أضعت بهجراني له فرصة الدهر
نمى في حجور الملك ثم ملكته … بظل شباب حازه لي وما أدري
فقيد فتكي في هواه إنابة إلى … الله خلت دمعه واكفا يجري
يهون عليه أن تساعفه المنى … وأرجم يوم البعث في لهب الجمر
وما زال هجرانيه حتى تركته … جدثيا برغمي مودعا أضلع القبر
لقد كاد ذاك القبر يوم أزوره … يعلق ثوبي شاكيا ألم الهجر
بنفسي من خوفي من الاثم قادني … إلى الأثم فاستوفيت من قتله وزري
مضى والتقى والحسن حشو ثيابه … وأورثني منه الأسى آخر العمر
وقال في مثل ذلك أيضا:
تركت بشط النيل لي سكنا فردا … جست عليه الدمع أن يطأ الخدا
غزال طواه الموت من بعد هجرة … أطعنا فلا كنا بها الأسد الوردا
فسقيا لمهجور العناء كانني أعد … له ذنبا وأطوي له حقدا
أسميه من فرط الصبابة مضجعا … ولو طاوعت نفسي لسميته لحدا
стр. 2480
وآخر عهدي من حبيبي أنه مضى … يحسب الاعراض عن هجرة قصدا
وزودني يوم الحمام صحيفة … وثنى شعار لاجديدا ولا جردا (٢٣ - ظ)
قال: يصف أن ذلك الأليف، يوم موته، كتب اليه رقعة يستودعه فيها العهد الذي بينه وبينه، ويحتسب الله عليه في هجرانه، وأنفذ إليه معها إزارا كان كثير الالتحاف به على سبيل التذكار:
أداوي به تخفاق قلبي كأنني … أضم اليه صاحب البرد لا البردا
وقد كنت بالتقبيل أمحو رقاعه … فصرت بماء الدمع أغسل وجدا
عدمت فؤادي كم أرجي انصداعه … ويبقى على غدر الزمان صفا صلدا (١)
بكيت دفينا ليته كان باكيا … علي فقاسى دوني الثكل والفقدا
مضى والتقى والنسك حشو ثيابه … ورحّل عنها الحسن والظرف والحمدا
حرام على أيدي الحرام ممنّع … وإن كان أيدي الحب يشغله وفدا
فياليت شعري عنك والترب بيننا … وذاك وإن قرّبته نازح جدا
منحت الثرى تلك المحاسن أم ترى … غصبت عليها أم سمحت بها عمدا
أبحت الرضاب العذب بعد تمنع … وأبرزت ذاك الجيد والفاحم الجعدا
طوت بعدك الدنيا رداء جمالها … فلا روضها يحلى ولا تربها يندى
ونقلت من خط أبي عبد الله بن عباد الكاتب، ومن خط القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني واختاره كل واحد منهما لأبي القاسم الحسين بن علي بن المغربي.
يا رب ظبي قد طرقت … وساده في الليل سرا (٢٤ - و)
ففششت قفلا من عقيق … أحمر وسرقت درا
قرأت بخط أبي عبد الله محمد بن علي العظيمي وأنبأنا عنه المؤيد بن محمد الطوسي قال كتب أبو القاسم بن المغربي الى الحاكم يقول:
وأنت وحسبي أنت تعلم أن لي … لسانا وراء المجد يبني ويهدم
стр. 2481
وليس حليما من تقبل كفه … فيرضى ولكن من تعص فيحلم (١)
قلت وهذان البيتان كتبهما الى الحاكم بعد أن قتل الحاكم أباه عليا، وعمه محمد على ما نذكره في ترجمة أبيه علي ان شاء الله، وطلب الحاكم أبا القاسم وأخويه، فظفر بأخويه فقتلهما واستتر أبو القاسم وهرب الى الشام مع بعض العربان، وحصل عند حسان بن المفرج واستجار به، وأشار على حسان بمباينة الحاكم ولقاء يارختكين حين سيره الحاكم الى الشام فالتقاه وأسره وضرب عنقه، ثم اجتمع أبو القاسم بالمفرج وولده وأشار عليهم بمراسلة أبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة ومبايعته، وترسل إليه عنهم بنفسه، وسهل عليه الأمر فطمع وبايعه بنو حسن وتلقب بالراشد، وصعد المنبر وخطب لنفسه وسار ابن المغربي برسالته الى العرب كلها من سليم وهلال وعوف بن عامر وغيرهم ثم سار به وبمن اجتمع إليه الى الشام ودخل به الرملة فتلقاه بنو الجراح وقبلوا الأرض بين يديه، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وخطب بها على المنبر فعظم ذلك على الحاكم فكتب الى حسان (٢٤ - ظ) والى أبيه المفرج وبذل لهما بذولا كثيرة حتى فلهما عن ذلك الجمع، وجعلهما في حيرة وضعف أمر أبي الفتوح، وبان له تغير آل الجراح، فخاف أن تخرج مكة من يده، فاستجار بالمفرج، وطلب منه أن يبلغه مأمنه ويسيره الى وطنه، فحفظ المفرج ذمامه، وسيره مع من أجازه وادي القرى، وتلقاه بنو حسن ومضوا به الى مكة، وكتب الى الحاكم واعتذر اليه فقبل عذره.
قرأت بخط عبد القوي بن القاضي الجليس عبد العزيز بن بن الحباب في جزء جمع فيه شيئا من أحوال أبي القاسم بن المغربي، قال فيه-وأجاز لنا عبد القوي الرواية عنه-: فأما أبو القاسم بن المغربي فانه كتب الى الحاكم كتابا صدره بقوله:
وأنت وحسبي أنت تعلم أن لي … لسانا أمام المجد يبني ويهدم
وليس حليما من تباس يمينه … فيرضى ولكن من تعض فيحلم
فسيّر إليه أمانا بخطه نسخهته.
стр. 2482
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كتبه المنصور أبو علي الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين بن الامام العزيز بالله أمير المؤمنين لحسين بن علي بن حسين المغربي: إنك آمن بأمان الله ورسوله محمد المصطفى وأبينا علي المرتضى والائمة من آلهما مصابيح الدجى صلى الله عليهم وسلم، وأمان أبينا الأقرب نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين، قدس الله روحه، وصلى عليه، على النفس والجسم وجميع الجوارح والحواس والمال والحال والأهل والأقارب، والأنساب، أمانا ماضيا (٢٥ - و) لا يتعقب بتأويل ولا يتبع بفسخ ولا تبديل وان الامام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين آمن حسين بن علي بهذا الأمان، بعد أن تحقق له ذنوبا كبيرة، واجراما عظيمة فصفح عن علم، وتجاوز عن معرفة وحلم، وجعل هذا الأمان كالإسلام الذي يمحو ما قبله، ويمهد الخير لما بعده، فكل سعاية ووشاية وذنب وجريمة تنسب الى حسين بن علي هذا، قد تحقق أمير المؤمنين أكثر منها وصفح عنه فلا يدله عليه إلاّ بالاحسان إليه، وإن لحسن بن علي هذا اختياره عند وقوفه على هذا الكتاب في انكفائه الى الباب العزيز والتعرض للخدمة، أو التوفر على العبادة لا يكره على خدمة يستعفي منها، ولا تقبل عليه الأقاويل في خدمة تتعلق بها، وأقسم أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله على ذلك بأيمان الله وغليظ مواثيقه، وبيته الحرام، ومشاعره العظام، وآياته الكرام، وحقوق جميع آبائه ﵈، فمتى غيّر أو بدّل، أو أمر، أو أملى أو أسرّ، أو أعلن، أو دس، أو اغتال فجميع المسلمين في شرق الأرض وغربها وفي الموقان (١) والري.
وجدة وأذربيجان والدينور وهمذان، والسهل والجبل، والقريب والبعيد، والعراق والشام، وديار ربيعة وديار بكر وديار مضر وحلب، ومصر والحجاز والمغرب، في حل وسعة من بيعته، وقد فسح الله لهم، وفسح أمير المؤمنين في النكث لها، وبرأ نفسه مما أوجبه عليهم والتزموه في أعناقهم، وقد برئ من الله ورسوله، والله ورسوله منه بريئان، وبرئ اليه من حوله وقوته، والتجى الى حول نفسه وقوتها، وأشهد الله وملائكته وصالحي خلقه على نفسه بذلك كله أمانا مؤكدا، وذماما مؤبدا، وعهدا مسئولا، وميثاقا محفوظا مرعيا، وكفى بالله شهيدا. (٢٥ - ظ)
стр. 2483
وكتب المنصور بيده.
وتوجه ابن المغربي قبل وصول هذا الامان اليه الى العراق، وقصد فخر الملك أبا غالب وزير مشرف الدولة أبي علي، وبلغ القادر بالله خبره، فاتهمه بالورود لإفساد الدولة العباسية، وتردد بينه وبين فخر الملك في بابه ما أوجب خروجه الى واسط، وكتب فخر الملك بحراسته هناك ومعرفة حقه، وأقام مدة على هذه الجملة من أمره، حتى إذا توفي فخر الملك شاع في إصلاح القادر بالله، واستعطاف رأيه وابراء ساحته عنده مما كان ظن به وقدر فيه، وعاد الى بغداد وأقام أياما بها، ثم مضى الى قرواش ابن المقلد أمير العرب، وسار معه الى الموصل فأقام بها مدة يسيرة وخافه المعروف بابن أبي الوزير الكافي، وكان إذ ذاك وزيرا لقرواش ومدبرا لأمور دولته، فحمل إليه مالا كثيرا وتقدم له بالرحيل، فسار عنها متوجها الى ديار بكر، وأميرها إذ ذاك نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان الكردي، فأقام عنده مدة على سبيل الضيافة.
ثم خوطب في التصرف ففعله بعد إباء شديد وامتناع كثير، وكانت لبسته إذ ذاك المرقعة والصوف، ولم تمض إلا مدة يسيرة حتى غير ذلك اللباس، وظهر أمره بعد الالتباس، وانكشفت حاله لجميع الناس، وجرت حاله على ما قال، وقد ابتاع غلاما تركيا كان يهواه قبل أن يبيعه منه مولاه:
تبدل من مرقعة ونسك … بأنواع الممسك والشفوف (٢٦ - و)
وعنّ له غزال ليس يحوي … هواه ولا رضاه بلبس صوف
فعاد أشد ما كان انتهاكا … كذاك الدهر مختلف الصروف
فأقام هناك مدة طويلة في أعلى حال، وأجل رتبة، وأعظم منزلة، ثم كوتب من الموصل بالمسير إليها، وعرض عليه صاحبها وزارته، وذلك بعد وفاة الكافي وزيره، فسار عن ميافارقين وديار بكر على سبيل اعتبار الأعمال، وتصفح العمال، وتمادى به السفر الى أن قرب من الموصل، ثم أسرى في الليل فصبح الموصل، واجتمع بصاحبها وقلده وزارته وتردد في الدخول الى الحضرة، ووساطة ما بين السلطان، وبين معتمد الدولة، واجتمع برؤساء الأتراك والديلم واستمالهم، وكان الملك ببغداد إذ ذاك أبو علي بن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة أبي نصر بن
стр. 2484
عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة أبي علي، وشرع له أبو منصور قردوست في الوزارة شروعا لم يتم في حياته، وعدل أبو القاسم بعد وفاته الى مراسلة الأمير أبي المسك عنبر واستمالته واعتنق السفارة بينه وبين أبو الحسين بن وصيف فلما قبض على مؤيد الملك كوتب أبو القاسم بالورود، فورد وتقلد الوزارة بغير خلع ولا لقب ولا مفارقة للدراعة، وذلك في شهر رمضان سنة خمس عشرة وأربعمائة، وكان عالما فاضلا وبليغا مترسلا ومفننا في كثير من العلوم الدينية والأدبية والنجومية، ومشارا إليه في قوة الذكاء والفطنة، وسرعة الخاطر والبديهة، وأقام في الوزارة بالحضرة شهورا أوحش (٢٦ - ظ) فيها الأمير أبا المسك من الوافي أبي مقاتل أرسلان الطويل، وأغراه به حتى قبص عليه وقتله، وجرى في أثناء ذلك من الأمور التي دعت مشرف الدولة والأمير أبا المسك الى مفارقة بغداد والخروج الى أو انا (١) ما قد شرح في كتب التواريخ (٢).
وخرج الوزير أبو القاسم معهما، ثم عرض له من الاشفاق ما حمله على مفارقتهما، وقصد معتمد الدولة أبي المنيع قرواش، وتجدد من سوء رأي الخليفة القادر بالله فيه لما حدث بين الزكي أبي علي بن عمر بن محمد بن الحسن وأبي الحسن علي بن أبي طالب، وبين أبي علي المختار بن عبيد الله والهاشميين بالكوفة من الفتنة التي ذهبت فيها النفوس والأموال، مما جمعت فيه الجموع وعقدت به المحاضر المشتملة على ذمّه، والوقيعة فيه ما أوجب له قصد نصر الدولة أبي نصر بن مروان والبعد الى بلاده فأقام عنده على حكم الضيافة مدة أكرمه فيها نصر الدولة غاية الاكرام، وأقطعه ضياعا جليلة تقوم به، وبمن وصل معه من حاشيته وأتباعه، ولم يزل عنده الى أن كوتب من بغداد بالعود إليها، فاستأذن نصر الدولة على ذلك فلم يمكنه مخالفته.
قلت: وحالت المنية بينه وبين الوصول الى بغداد، على ما نذكره في وفاته إن شاء الله تعالى بميافارقين.
стр. 2485
أخبرنا أبو القاسم عبد الرحيم بن يوسف بن الطفيل، فيما أذن لنا أن نرويه عنه، قال أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السّلفي-قراءة عليه وأنا أسمع- (٢٧ - و) قال: أخبرنا أبو الكرم خميس بن علي الحوزي الحافظ قال: سمعت غير واحد من أصحابنا يقول: لما نزل الوزير المغربي بواسط في درب الواسطيين مكث أياما لم يحضر مسجدهم، فدخل عليه أبو بكر هذا، يعني أبا بكر أحمد بن العباس الدونباي، فقال: يا شيخ يا أستاذ يا وزير مهما شئت كن، إن كنت تحضر مسجدنا هذا في الصلوات الخمس وإلاّ فاتنقل عنا، فقال: السمع والطاعة أيها الشيخ، ثم انتقل عنهم من يومه (١). (٢٧ - ظ)
стр. 2486
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي.
نقلت من كتاب المفاوضة جمع محمد بن علي بن نصر الكاتب، من خطه، وأخبرنا به أحمد بن أزهر بن السماك في كتابه عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا أبو غالب بن بشران-إذنا-قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثني أبو الحسن مهيار الشاعر قال: لما وزر أبو القاسم بن المغربي ببغداد تعظم وتكبر، ورهبته الناس، وانقبضت عن لقائه، ثم خفت عاقبة ذلك، فعملت فيه قصيدتي البائية المشهورة التي أولها:
هل عند عينيك على غرب … ..
ودخلت إليه فوقفت بين يديه طمعا في أن يجلسني، فما فعل، فأنشدته:
نعم دموع يكتسي تربه … منها قميص البلد المعشب
فرفع طرفه إليّ وقال: اجلس أيها الشيخ، فجلست ومررت في القصيدة حتى بلغت الى قولي:
جاء بك الله على فترة … بآية من يرها يعجب
لم تألف الأبصار من قبلها … أن تطلع الشمس من المغرب (١)
فقال أحسنت يا سيدي، فلما فرغت من الانشاد جمع كل ما كان بين يديه من دينار ودرهم، فدفعه إليّ، وكان قدرها مائتي دينار، فقبلت الأرض وانصرفت.
ودخل الصاحب أبو القاسم بن عبد الرحيم ﵀، فأعطاه دينارا ودرهما، فصاح بي: أيها الشيخ، فرجعت فسلمها إليّ، وكان في الدينار ثلاثون مثقالا خلاصا، ثم استدعى طستا وغسل كل ما مدح به من الشعر في ذلك اليوم.
стр. 2487
قال أبو الحسن بن نصر. هذا وإن كان احسانا من جانب، فهو سرف من جانب، ولو أحسن الدهر كله ليله ونهاره لمحاه ما استجاره في الصاحب أبي القاسم (٢٩ - و) ﵁.
أخبرنا أبو نصر محمد بن هبة الله في كتابه قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد قال: وجدت بخط أبي الفضل بن خيرون: الوزير أبو القاسم المغربي بميافارقين يوم الأحد الحادي عشر من شهر رمضان سنة ثمان عشرة وأربعمائة-يعني مات (١).
قرأت بخط عبد القوي بن الحباب في تعليقه الذي ذكر فيه ابن المغربي قال:
وذكر أن بعض وزرائه، يعني أبا نصر بن مروان، ويعرف بأبي الحسن محمد بن القاسم بن صقلاب، من أهل الموصل، قال له: إن هذا رجل عظيم له سياسة وعظم حيلة وقد بلغك ما فعل من الأمور العظام، وأنه دوخ الممالك، وقلب الدول، وقد خبر حال هذا البلد وطال مقاما فيه، وعرف غوامض أسراره، ولست تأمن مكره، فاحتال عليه وسقاه السم في شرابه، وكان مبرزا بأخبيته وفساطيطه بظاهر ميارفارقين، فلما أحس بالموت تقدم برده الى المدينة فرد إليها، وتوفي بها في شهر رمضان سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وأوصى أن تحمل جثته الى جوار قبر أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه بظاهرة الكوفة، ويدفن في تربة له هناك فحملت، وبين الموضعين مسيرة شهر.
قلت: وذلك حين كوتب من بغداد بالعودة إليها.
قرأت في بعض التواريخ قال: ولما أحس، يعني أبا القاسم بن المغربي، من نفسه بالموت، كتب كتابا الى كل من يصل إليه من الأمراء والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة، يعرفهم فيه أن حظية له توفيت، وأن تابوتها يجتاز بهم الى مشهد أمير المؤمنين عليّ ﵇، وخاطبهم لمن يصحبه ويحضره، وكان قصده أن لا يتعرض أحد لتابوته، وان ينطوي خبره، فتم له ذلك، وحمل الكتاب مع تابوته، وكل من يجتار به ظن أنه الجارية، حتى وصل ودفن بالمشهد بالكوفة.
стр. 2488
الحسين بن علي بن حماد الموصلي:
أبو بكر، شاعر محسن كان بحلب في عصر أبي عبد الله الحسين بن خالويه وطبقته، وقرأ ولداه عقيل وعمار على أبي عبد الله بن خالويه، قرأت له أبياتا من الشعر بخط أحد ولديه المذكورين، ذكراها في حكاية كانت على ظهر كتاب المعاني للفراء، بخط أبي عبد الله بن خالويه، صورتها: قال ابن خالويه: حضر ذات يوم عندي أبو اسحاق بن شهرام، وأبو العباس ابن كاتب (٢٩ - ظ) البكتمري، وأبو الحسن المعنوي فأنشد عمار بيتا على فص خاتمه وهو:
وكل مصيبات الزمان وجدتها … سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
وسأل الجماعة إجازته، فقال أبو اسحاق بن شهرام:
وكل مصيبات الزمان وجدتها … سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
وقد قال لي قوم تبدّل سواهم … لعلك تسلو إنما الحب كالحب
ومن لي بسلوى عنهم لو أطقتها … ولكن عذلي ليس يقبله قلبي
فيا حب لا تبخل عليّ بقبلة … تردّ بها نفسي فيغبطني صحبي
فإني وبيت الله فيك معذب ال … فؤاد عليل القلب مختلس اللب
ولي مثل قد قاله قبل شاعر … إذا ازددت منه زدت ضربا على ضرب
خرجت غداة النفر أعترض الدمى … فلم أر أحلى منك في العين والقلب
فو الله ما أدري أحبا رزقته … أم الحبّ أعمى مثل ما قيل في الحب
وقال أبو العباس:
وكل مصيبات الزمان وجدتها … سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
فيا أسفي لو كان يغني تأسف … ووا كربتي لو روّحت شدة الكرب
شربت بكأس الهم خمر فراقهم … فأصبحت سكران السرور بلا شرب
وقال أبو الحسن المعنوي:
وكل مصيبات الزمان وجدتها … سوى فرقة الأحباب هينة الخطب (٣٠ - و)
ولم أر هذا الدهر يملك صرفه … سوى الرجل العلامة النجد الندب
стр. 2489
ولست لصرف الدهر بالواهن الذي … يروح على لوم ويغدو على عتب
أنا معنوي الشام قولا وفطنة … ولست هبيري العلاقة والحب
فحدثنا بهذا أبا بكر الحسين بن علي بن حماد فأجازها، وهذا قول ولديه:
وكل مصيبات الزمان وجدتها … سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
وقد نالني من ريب دهري مصائب … تعالت تباعا أقصدت حبة القلب
فما جرعتني من كؤوس صروفها … أمر من البين المفرق للصحب
فكم زفرات تعتريني لذكرهم … تقلبني ما بين جنب إلى جنب
تقلقني طورا بشب ضرامها … وتتركني طورا سليبا بلالب
فوا أسفا من فرقة بعد ألفة … ويا حسرات سوف تقضي على نحبي
ويا لوعة في القلب يقدح زندها … تردد ما بين الشراسيف والحجب
أأحبابنا صرف الزمان أصابنا … فمزقنا ما بين شرق إلى غرب
أخلاي إني منذ يوم فراقكم … أروح وأغدو دائم الهم والكرب
ويا حزنا من ريب دهر نبا بنا … وشتتنا بعد التآلف والقرب
فلو كان غير الدهر طال تعتبي … عليه ولكن ما على الدهر من عتب
الحسين بن علي بن ذحيم:
الحلبي الطحان، أبو علي، حدث عن أبي بكر الخرائطي، وأبي بكر أحمد بن مسعود بن النضر الوزّا سمع منه أبو القاسم يحيى بن علي بن الطحان الحضرمي وذكره في تاريخه (٣٠ - ظ) الذي ذيل به على تاريخ مصر لابن يونس، فقال في «كتاب الغرباء ممن دخل مصر (١)».
الحسين بن علي بن دحيم الحلبي الطحان أبو علي، روى عن الخرائطي، سمعت منه.
قلت: وكان في حلب بيتا يقال لهم بنو دحيم، وكان فيهم العدالة والأمانة
стр. 2490
وكان يضرب المثل بحلب بشاهد منهم. فيقال: كأنه العدل ابن دحيم، وأظن أن هذا المذكور منهم. والله أعلم.
هكذا ذكر الحضرمي نسبه، وهو الحسين بن علي بن محمد بن دحيم.
الحسين بن علي بن سعيد:
ابن حامد بن عثمان بن علي بن جار الخير أبو عبد الله بن دبابة البزاز السنجاري، الملقب أمين الدين، وينبز بالبقيرة شاعر حسن الشعر من أهل سنجار، سكن بغداد وقدم حلب لاستخلاص أخيه من أسر الكرج، وكان لأخيه المأسور دين على الأمير سنقر الحلبي، أحد أمراء حلب فقدم أبو عبد الله بن بابة الى حلب، واستخلص دين أخيه لفكاكه من الأسر.
روى لنا شيئا من شعره ولده الفقيه شمس الدين علي بن الحسين، والقاضي أبو علي حسن بن محمد بن اسماعيل القيلوي، وأخبرني ولده علي أن دبابة الذي بنسب إليه رجل من العرب، قال: وجار الخير هو الذي نقل الى سنجار وأقام بها، وقال لي: سمعت ذلك من والدي الحسين بن علي ﵀، وكان مولده في سنة أربعين وخمسمائة.
أنشدنا أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن سعيد بن حامد المعروف بابن دبابة السنجاري بها وبحلب، قال: أنشدني أبي لنفسه يمدح الإمام الناصر (٣١ - و) لدين الله أمير المؤمنين.
بصر هل بذي العلمين نار … أم ابتسمت على أضم نوار
فان تك أو حشت منها ديار … فقد أنست بحلتها ديار
ذراني كي أسيل بها دموعي … وأسألها متى شط المزار
أصبرا بعدهم ولنا ثلاث … عدمت تصبري وهم جوار
أحنّ وما الذي يجدي حنيني … حنين النوق فارقها الحوار
وألتثم الثرى شوقا إليها … ولا صبر لدّي ولا قرار
فان لاح الصّوار ذكرت ليلى … وأذكرها إذا نفح الصّوار (١)