الثمالي عن معمر عن الزهري قال: التقى علي ومعاوية بصفين فاقتتلوا زمانا، فلقد بلغني أنه كان يدفن في القبر خمسون إنسانا.
قال معمر: فلقد رأيتها مدّ البصر، يعني قبورهم.
وقال أبو إسحاق: حدثنا عقبة بن مكرم الكوفي قال: حدثنا يونس عن عمرو ابن شمر عن جابر عن محمد بن علي ومحمد بن المطلب وزيد بن حسن قالوا: شهد مع علي بن أبي طالب في حربه من أصحاب بدر سبعون رجلا، وشهد معه ممن بايع تحت الشجرة سبعمائة رجل (١١٥ - و) فيما لا يحصى من أصحاب رسول الله ﷺ ، وشهد معه من التابعين ثلاثة بلغنا أن رسول الله ﷺ شهد لهم بالجنة، أويس القرني، وزيد بن صوحان، وجندب الخير، فأما أويس القرني فقتل في الرجّالة يوم صفين، وأما زيد بن صوحان فقتل يوم الجمل.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد المؤدب إذنا قال: أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن البنّاء إجازة قال: أخبرنا أبو غالب بن بشران إجازة قال:
أخبرنا أبو الحسين المراعيشي وأبو العلاء الواسطي قالا: أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم ابن محمد بن عرفه نفطويه قال: أخبرني محمد بن عيسى الأنصاري عن عبيد الله بن محمد التيمي عن إسماعيل بن عمرو البجلي عن حبان بن علي عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباته عن علي بن أبي طالب ﵀ أنه قال: يوم صفين:
من يبايعني على الموت؟ فقام تسعة وتسعون رجلا فبايعوه، فقال: أين التمام الذي وعدت؟ فقام إليه رجل من أخريات الناس محلوق الرأس، عليه أطمار من صوف فبايعه، فإذا هو أويس القرني، فقاتلوا فقتلوا.
أنبأنا أبو الحسن بن المقيّر قال: أخبرنا محمد بن ناصر إجازة، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله الأنماطي المعروف بابن اللاعب قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسين المروزي الحاكم
стр. 282
قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن الحارث بن محمد بن عبد الكريم المروزي قال:
حدثنا جدي أبو جعفر محمد بن عبد الكريم قال: حدثنا الهيثم بن عدي (١١٥ - ظ) قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدثني أبي قال: قلت لأبي: أي أبة أشهدت صفين؟ قال: نعم، لقد رأيت عجبا، لقد شهدتهم يوما، وشجرونا بالرماح وشجرناهم بها حتى لو شاء رجل أن يمشي عليها لمشى، أسمع من ها هنا لا إله إلا الله والله أكبر، ومن ها هنا لا إله الا الله والله أكبر، ثم رأيتهم يوما آخر، ودلفوا إلينا ودلفنا إليهم فإذا رجل قد نذر (١) بين الصفين على رأس أحوى ذنوب، حتى إذا كان بين الصفين لا يدرى أهو إلينا أقرب أم إلى أهل الشام، استدبر أهل الشام، واستقبلنا، فإذا هو الأشتر، فقال: أيها المسلمون أقدكم من ربكم، لقد أسأتم الضّراب أمس، عضّ من ها هنا بهن (٢) أمه، استقبلوا القوم بالهام وخذوا قوابع سيوفكم بأيمانكم وعضوا على النواجذ واطعنوا في الشراشيف اليسرى فإنها مقاتل، ثم التقى القوم، فقتلوا منا صفوفا خمسة وقتلنا منهم مثلها، فأفضينا إلى الصف السادس أو السابع وقد عقلوا أنفسهم بالعمائم، فو الله الذي لا إله غيره ما كان عندهم ولا عندهم إلاّ العناق والكدم، فقلت: أي أبة لقد صبرتم، قال: أي بني إنها والله كانت العرب ليس فيها شائبة (١١٦ - و) (٣).
***
стр. 283
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
أخبرنا أبو محمد أحمد بن الأزهر بن عبد الوهاب السباك في كتابه الينا من بغداد أن القاضي أبا بكر محمد بن عبد الباقي أخبرهم كتابة عن أبي غالب محمد ابن أحمد بن بشران قال: أخبرنا أبو الحسين المراعيشي وأبو العلاء علي بن عبد الرحيم بن غيلان الواسطي قالا: أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة قال:
أخبرني محمد بن عيسى الأنصاري عن ابن عائشة قال: لما ورد أصحاب معاوية صفين بادأهم أصحاب علي بالقتال، فقتلوا منهم جماعة، فكتب معاوية الى علي ﵀.
أزجر حمارك لا يرتع بروضتنا … إذا يردّ وقيد العير مكروب
إن تقبلوا الحق نعط الحق سائله … والدرع محقبة (١) والسيف مقروب
فكتب إليه علي عافانا الله واياك، فكان أول من كتب بها، فلما ورد عليّ صفين قيل له: يا أمير المؤمنين جاءتك كتائب الشام كأنها موج البحر وقطع السحاب وظلمة الليل، يسوقها معاوية، ويحدوها أبو الأعور، ويقدمها عمرو بن العاص وهو يقول:
لا تحسبنّي يا علي غافلا … لأصبحنّ الكوفة القنابلا
والخيل والخطّية الذوابلا … من عامنا العام وعاما قابلا
стр. 284
فقال علي: ما يقول ابن النابغة؟ (١١٦ - ظ).
لأصبحنّ العاصي بن العاصي … سبعين ألفا عاقدي النواصي
مستحقبين حلق الدّلاص … مجتنبين الخيل بالقلاص (١)
أشبال غيل حين لا مناص
فبادر أبو الاعور السلمي الى ماء الفرات، فصف خيله عليه ومنعه أصحاب علي، فشاور معاوية أصحابه، فقال له عمرو بن العاص: خل لهم عن الماء فان ابن أبي طالب لا يعطش وبيده أعنة الخيل، فبعث علي الى معاوية إنا وإياك جئنا لأمر فخل لنا عن الماء وإلاّ تجالدنا عليه، فبعث معاوية الى أبي الأعور خل لهم عن الماء، فبعث إليه والله لا شربوا منه شربة وفي شيء من الروح، وقال له ابن أبي سرح: اقتلهم عطشا قتلهم الله كما قتلوا أمير المؤمنين عثمان عطشا، فقال معاوية:
إن عمرا أعلم منكما، وأبى أبو الأعور أن يخلي لهم عن الماء، فحمل الأشعت بن قيس في اثني عشر ألفا، فكشفهم عن الماء، فقال علي: هذا يوم نصرتنا فيه الحمية، فقال رجل ممن كان في عسكر علي:
ألا تتقون الله إذ تمنعوننا الفرات … وتروى بالفرات الثعالب
وقد وعدونا الأحمرين فلم نجد … لهم أحمرا إلا قراع الكتائب (٢)
وخرج علي يستعرض عسكر معاوية على بغل له قصير، وفرسه تحت غلام له وراءه، فهموا به، فقال علي لغلامه: انزل عن الأدهم لا أبالك، ثم بعث الى هاشم بن عتبة، وهو المرقال، وكان صاحب لواء علي يوم (١١٧ - و) صفين، أن احمل بلوائك، فحمل به، وسطع الغبار حتى حال بينهم وبين السماء، وثبت العسكران فقال هاشم بن عتبة: والله ان لهؤلاء القوم لشأنا والله ما حملت بلوائي هذا على
стр. 285
عسكر قط إلاّ زعزعته، وتجالد العسكران بالسيوف، وحمل المرقال وهو يقول:
أعور يبغي أهله محلاّ … قد عالج الحياة حتى ملاّ
لا بد أن يقتل أو يفلاّ (١) …
وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمود بن أحمد اجازة قال: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن أحمد قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن بن ننجاب قال: حدثنا ابراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن سليمان حدثني نصر بن مزاحم قال:
حدثني عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي وزيد بن الحسن بن علي، ورجل منهم آخر قد سماه، قالوا: استعمل علي على مقدمته الأشتر النخعي ثم سار في خمسين ومائة ألف، وسار اليه معاوية في نحو من ذلك من أهل الشام، واستعمل على مقدمته أبا الأعور السلمي سفيان بن عمرو حتى توافقا بقناصرين الى جانب صفين، فأتى الأشتر وأبو الأعور قد سبقه الى المعسكر وكان الأشتر في أربعة آلاف من مستنصري أهل العراق، فأزالوا أبا الأعور عن معسكره، وأقبل معاوية في جمع الفيلق، فلما رأى ذلك (١١٧ - ظ) الأشتر انحاز الى علي، وغلب معاوية، وأقبل معاوية على الماء وحال بين أهل العراق وبينه، وأقبل علي حتى اذا أراد المعسكر حالوا بينه وبين الماء.
وقال ابراهيم بن الحسين حدثنا يحيى قال: حدثنا نصر بن مزاحم قال: حدثنا عمر-يعني ابن سعد الأسدي-في اسناده الأول-يعني عن رجل من الانصار عن الحارث بن حصيرة عن أبي الكنود وعن غيره-أن عليا أقبل يومئذ يطلب موضعا لمعسكره، وأمن الناس فوضعوا أثقالهم، وهم مائة ألف أو يزيدون، فلما
стр. 286
نزلوا أسرع فوارس من فرسان علي على خيلهم الى أصحاب معاوية، وكانوا في ثلاثين ومائة ألف فناوشوهم القتال فاقتتلوا هويا (١).
قال ابراهيم بن الحسين حدثنا يحيى قال: حدثنا ابراهيم عن أبي يوسف عن أبي بكر الهذلي أن معاوية لما قدم عليه علي وأصحابه بصفين اقتتلوا على الإبل يجنبون الخيل، فقال معاوية لعمرو ويحك يا عمرو لقد وفى علي بن أبي طالب بقوله:
مجنّبين (٢) … الخيل بالقلاص
وقال ابراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا نصر قال: حدثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل قال: لما انسلخ المحرم من سنة سبع وثلاثين واستهل صفر بعث علي ﵇ نفرا من أصحابه حتى اذا كانوا من عسكر معاوية حيث يسمعونهم الصوت قام يزيد بن الحارث الجشمي فنادى يا أهل الشام: ان أمير المؤمنين عليا وأصحاب رسول الله صلى الله (١١٨ - و) عليه وسلم يقولون لكم: إنا والله ما كففنا عنكم شكا في أمركم ولا بقيا عليكم وإنما كففنا لدخول المحرم، وقد انسلخ، وقد نبذنا اليكم على سواء «إن الله لا يحب الخائنين (٣)» فتحاجز الناس وثاروا الى أمرائهم (٤).
وقال: حدثنا يحيى قال: حدثنا نصر قال: حدثنا عمرو بن شمر عن أبي الزبير قال: كانت وقعة صفين في صفر (٥).
стр. 287
وقال: حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: لما خرج علي بمن معه يؤم معاوية وأهل الشام، وخرج إليه معاوية بأهل الشام حتى التقوا بصفين فاقتتلوا قتالا شديدا لم تقتتل الأمة مثله قط.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد المؤدب اذنا عن أبي غالب أحمد بن الحسن ابن البناء عن أبي غالب محمد بن أحمد قال: أخبرنا أبو الحسين المراعيشي وأبو العلاء الواسطي قالا: أخبرنا أبو عبد الله نفطوية قال: وقال عوانه بن الحكم كانت وقعات صفين أربعين وقعة كلها لاهل العراق على أهل الشام، فلما خاف عمرو على أهل الشام أشار على معاوية برفع المصاحف، ففتر أهل العراق، ودعوا الى حكم المصاحف، وحكم الحكمان.
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين الانصاري قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد ابن محمد الحافظ -اجازة ان لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو الحسين (١١٨ - ظ) المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قال: حدثنا أبو عبد الله الصوري قال: أخبرنا أبو الحسين الغساني قال: حدثنا أحمد بن محمد بن بكر الهزاني قال: حدثنا العباس بن الفرح الرياشي عن الاصمعي عن شيخ من أهل الكوفة قال: قال زبيد اليامي-وهو حي من همدان-خرج من همدان الى صفين اثنا عشر ألف رجل فما رجع منهم الا خمسة أو ستة.
أنبأنا أبو العلاء بن سليمان المعري أن أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب أخبرهم اجازة قال: أخبرنا أبو الحسين بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن الحسين قال: أخبرنا أبو علي بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن اسحاق قال: أخبرنا أبو اسحاق الهمذاني قال: حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني نصر بن مزاحم عن
стр. 288
عمر بن سعد باسناده قال: افترقوا على سبعين ألف قتيل، فلما صدر علي والناس من صفين أنشأ علي يقول:
وكم قد تركنا في دمشق وأرضها … من أشمط موتور وشمطاء ثاكل
وغانية صاد الرماح حليلها … فأضحت تعدّ اليوم إحدى الأرامل
تبكّي على بعل لها راح غازيا … فليس الى يوم الحساب بقافل
وإنا أناس ما تصيب رماحنا … إذا ما طعنا القوم غير المقاتل (١)
***
стр. 289
باب في ذكر حصون لم يقع لها ذكر في الفتوح
ولا ورد في كتب الممالك والبلدان عنها خبر مشروح (١١٩ - و) وهي زماننا معدودة من البلاد موصوفة بالحصانة مشحونة بالاجناد، وهي من أعمال حلب وبقاعها وحصونها المتعلقة بها وقلاعها. فمن ذلك.
تل باشر
وهي بلدة مشهورة، ولها قلعة معمورة وبساتينها كثيرة، ومياهها غزيرة، وأجاصها موصوف مذكور، وشرب بلدها جميعه من نهر الساجور، وهو نهر أصله من عين تاب، تجتمع اليه عيون ببلد عين تاب، ويجري الى قرية تعرف بالنفاخ، وتجتمع اليه عيون أخر من بلد تل باشر، ثم ينتهي الى الفرات ويصب فيه، وللساجور ذكر في الفتوح، ونزله أبو عبيدة ﵁ عند فتح منبج، واياه عنى البحتري بقوله:
يا خليلي بالسواجير من عمرو … بن ود وبحتر بن عتود
إطلبا ثالثا سواي فإني … رابع العيس والفلا والبيد (٣)
جمعه على السواجير لأنه جعل كل نهر يجتمع الى الساجور مسمى بالساجور.
وتل باشر كانت قلعة للجوسلين الارمني فعمرها وحصنها، وكان أهلها أرمن وخرج يوما متنزها ومتصيدا في خف من أصحابه، فصادفه التركمان فأحاطوا به
стр. 290
وبمن معه وحملوه الى نور الدين، فأعطاهم عشرة ألاف دينار، وسير الأمير حسان المنبجي فتسلمها وذلك في سنة ست وأربعين وخمسمائة، وصارت بعد ذلك للامير بدر الدين دلدرم بن ياروق فحصنها وبناها وعمر فيها أبنية (١١٩ - ظ) حسنة ومنازل مزخرفة، وسكنها المسلمون واتسع ربضها، وصار بها قاض ومنبر وخطيب (١).
***
стр. 291
في ذكر عين تاب
وهي قلعة حصينة كانت لجوسلين المذكور، فلما جرى عليه ما جرى، وصار في أسر نور الدين محمود ﵀، سار نور الدين إلى بلاده وقلاعه ففتحها ومن جملتها عين تاب، ورتب فيها الرجال والعدد والذخائر، وصارت إلى ..... (١)
فعمرها وحصّنها وصارت الى ولده من بعده، فلما مات تسلمها أتابك طغرل الظاهري للملك العزيز محمد بن الملك الظاهر، ثم أنه سلمها إلى الملك الصالح أحمد ابن الملك الظاهر، فسكنها وبنى بالقلعة آدرا حسنه وتنوع في زخرفتها بالرخام والذهب، وبنى أصحابه في الربض منازل سكنوها، وبنى فيها جوسقا تنوق في بنائه ومنجوره وزخرفته بالرخام والذهب، وعمله في بستان كبير نصب فيه صنوفا كثيرة من الفواكه، وصارت الأخشاب تحمل من بلاد الأرمن ومرعش إليها، وتباع بها وتنقل منها إلى البلاد وصار بها قاض ومنبر وخطيب.
***
стр. 292
في ذكر الراوندان
وهي قلعة صغيرة على رأس جبل عال منفرد في مكانه لا يحكم عليها منجنيق ولا يصل إليها نبل ولها ربض صغير في لحف جبلها وهي من أقوى القلاع (١٢٠ - و) وأحسن البقاع، ويحف بالقلعة واد من جهة الغرب والشمال هو كالخندق، وفيه نهر جار، وصعدت إلى هذه القلعة راكبا فوجدت مشقة عظيمة، لعلوها وضيق المسلك إليها.
أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي عن مؤيد الدولة أسامة بن مرشد ابن علي بن منقذ قال: تل هراق والراوندان هذان المركزان من أعمال حلب وكان فيهما ولاة الملك رضوان بن تاج الدولة، فكان يلي تل هراق عزّك بن الوزير أبي النجم، وكان الملك رضوان ينادمه ويضحك من حكاياته فشرب عنده ليلة فعربد عليه الملك رضوان وضربه، فخرج من المجلس وسار من حلب ووصل إلى شيزر وعليه آثار العربدة وعيناه مخضرتان، فحكى يوما قال: بلغني أن بالراوندان أسارى أفرنج وقد وثبوا في حصنها وملكوه، فسرت من تل هراق إلى الراوندان نزلت عليه وراسلت الأفرنج الذين ملكوه وتلطفت في أمرهم الى أن استقر أني أحلف لهم أنهم آمنون وأني أسيرهم إلى أنطاكية ويسلموا لي الحصن، فحلفت لهم، وخرجوا وأطلقتهم وتسلمت الحصن واعتقدت أنني قد خدمت الملك رضوان خدمة يراها لي لاستخلاص الحصن مع قربه من الفرنج، فلما وصلت حلب بلغني أن الملك رضوان قال لما بلغه الخبر قد ضيّع علي عزّك ألف دينار ثمن الأسارى، فجلست من الغد في الدركاه والأمراء فيها مجتمعون وقلت: سمعت أن مولانا قال: ضيع علي عزك من ثمن الأسارى ألف دينار (١) ..
стр. 293
ذكر المرزبان واسمها الصحيح البرسمان
فغير، وغلب هذا الاسم عليها، ولها قلعة قد تشعثت وتهدمت، وهي قرية كبيرة وأهلها أرمن أهل ذمة، وكانت في يد قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي، فاستولى عليها نور الدين محمود بن زنكي وأخذها من يده، والسبب في ذلك أن الملك المسمى ذو النون بن الدانشمند كانت ملطيّه وسيواس وغيرهما في يده، فضايقه قليج أرسلان وقوي عليه فأخذ بلاده من يده، فقصد نور الدين محمود بن زنكي وتعلق به، فأكرمه وأحسن إليه وشفع فيه إلى قليج أرسلان فلم يشفعه، فدخل إلى بلاده واستولى على البلاد الشامية منها مثل المرزبان وكيسوم ومرعش وبهسنى، وعجز قليج أرسلان عن مقاومته، وتحرك الفرنج بنواحي حمص فعاد نور الدين بسببهم.
***
стр. 294
ذكر بهسنى
وهي قلعة عظيمة حصينة مانعة، ولها ربض كبير يسكنه جماعة من المسلمين والأرمن، وبلدها بلد حسن كثير الخيرات، وبها قاض ومنبر وخطيب وحولها أنهار وبساتين كثيرة، وهي على تخم بلاد الروم الإسلامية (١٢٠ - ظ) وهي من جملة ما انتزعه نور الدين محمود بن زنكي من البلاد الشامية من يد قليج أرسلان للسبب الذي ذكرناه وكان ذلك في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
ولما توفي الملك الظاهر غازي ﵀ خرج ملك الروم كيكاوس بن كيخسرو بن قليج أرسلان، فقصد بلاد الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر فافتتح منبج ورعبان والمرزبان، وكان قد نزل إليه الطنبغا الظاهري، وكان ببهسنى، فعصى على الملك العزيز وانضوى إلى كيكاوس وصار في عسكره، وفتح تل باشر من يد ولد دلدرم، فاستدعى أتابك طغرل الملك الأشرف موسى بن الملك العادل في سنة خمس وعشرة وستمائة، فوصل إلى حلب ودفع كيكاوس عنها على ما نذكره فيما يأتي من ترجمتهما إن شاء الله.
وعاد الطنبغا مع كيكاوس فطلب منه تسليم بهسنى فامتنع من ذلك، فأحضر تحت القلعة وعذّب بأنواع العذاب، فأمر الولاة بها بالتسليم إليه، فلم يفعلوا، فمات تحت العقوبة، ورحل كيكاوس عنها وكان بها والدة الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر، وهي زوج الطنبغا وأولادها منه، فاتفق الأمر معها ومع ولاة بهسنى على أن عوضهم أتابك طغرل بقلعة عزاز ومواضع من بلدها، وتسلم منهم بهسنى للملك العزيز ﵀.
стр. 295
ذكر الشغر وبكاس
وهما قلعتان قويتان من أعمال حلب من النواحي الغربية، والشغر قلعة (١٢١ - و) (١) صغيرة قريبة من بكاس يعبر من إحداهما إلى الأخرى بجسر، وهما على جانب نهر الأرنط المعروف بالعاصي، ولبكاس نهر يخرج من تحتها، وهما في غاية المنعة والقوة.
وكانت هاتان القلعتان في يد الفرنج ففتحهما الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب ﵀ على ما أخبرني به القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال: وسرنا حتى أتينا بكاس، وهي قلعة حصينة على جانب العاصي، وكان النزول بذلك المنزل يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخره، وكان المنزل على شاطئ العاصي، وصعد السلطان الملك الناصر إلى القلعة جريدة، وهي على جبل يطل على العاصي، فأحدق بها من كل جانب، وقاتلها قتالا شديدا بالمنجنيقات والزحف المضايق إلى يوم الجمعة أيضا تاسع جمادى الآخره، ويسر الله فتحها عنوة، وأسر من فيها بعد قتل من قتل منهم، وغنم جميع ما كان فيها، وكان لها قليعة تسمى الشغر قريبا منها، يعبر إليها منها بجسر، وهي في غاية المنعة ليس إليها طريق، فسلطت عليها المنجنيقات من الجوانب، ورأوا أنهم لا ناصر لهم، فطلبوا الأمان وذلك في يوم الثلاثاء ثالث عشره، وسألوا أن يؤخّروا ثلاثة أيام لإستئذان من بأنطاكية يسر الله فتحها، فأذن في ذلك، وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني على قلتها يوم الجمعة سادس عشره (٢).
стр. 296
ذكر حصن برزويه والآن يعرف بحصن برزيه (١٢١ - ظ)
وهو حصن منيع يضرب المثل بحصانته ومنعته فيقول الناس: كأنه في حصن برزيه، وكان الفرنج قد استولوا عليه ففتحه الملك الناصر يوسف بن أيوب من أيديهم كما أخبرني به شيخنا بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال بعد ذكر فتح بكاس: ثم سار السلطان رحمة الله عليه جريدة إلى قلعة برزيه وهي قلعة حصينة في غاية القوة والمنعة على سن جبل شاهق يضرب بها المثل في جميع بلاد الفرنج والمسلمين، يحيط بها أودية من سائر جوانبها، وذرع علو قلتها فكان خمسمائة ذراع ونيفا وسبعين ذراعا، ثم حرر عزمه على حصارها بعد رؤيتها، واستدعى الثقل، فكان وصول الثقل وبقية العسكر يوم السبت رابع عشري جمادى الآخرة، ونزل الثقل تحت جبلها، وفي بكرة الأحد خامس وعشرين منه صعد السلطان ﵀ جريدة مع المقاتلة والمنجنيقات وآلات الحصار إلى الجبل، فأحدق بالقلعة من سائر نواحيها، وركّب القتال عليها من كل جانب وضرب أسوارها بالمنجنيقات المتواترة الضرب ليلا ونهارا، وقاتلها فقسم العسكر ثلاثة أقسام، كل قسم يقاتل شطرا من النهار ثم يستريح، وضرس الناس من القتال وتراجعوا عنه، وتسلم النوبة الثانية السلطان ﵀ بنفسه وركب وتحرك خطوات عدة وصاح في الناس فحملوا عليها حملة الرجل الواحد، وصاحوا صيحة الرجل الواحد (١٢٢ - و) وقصدوا السور من كل جانب فلم يكن إلاّ بعض ساعة وقد رقى الناس على الأسوار وهجموا القلعة واستغاثوا الأمان، وقد تمكنت الأيدي منهم «فلم يك
стр. 297
ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا» (١)، ونهب جميع ما فيها وأسر جميع من كان فيها، وكان قد أوى إليها خلق عظيم، وكانت من قلاعهم المذكورة (٢).
قلت وقد بقي حصون لحلب وأعمالها خربت بالكلية وأمحي رسمها وبقي اسمها مثل زردنا من بلد الجزر والأثارب، وقد خرج منها بعض الرواة، وكفر لاثا من جبل بني عليم وغيرها لم أذكرها لعدم الفائدة في ذكرها.
فإن جاء في أثناء كتابنا هذا ذكر لشيء منها أو اسم ينسب إلى شيء منها نبهت عليه في موضعه، وكذلك لها حصون صغيرة وليست مشهورة ولا مذكورة لم أذكرها خوفا من الإطالة، وتحاميا عما يفضي إلى الملاله.
***
стр. 298
باب في ذكر عربسوس
وهي مدينة قد ذكر أنها من ثغور الشام، وبعضهم لم يثبتها فيها لأنها من وراء الدرب داخلة في بلاد الروم، ولهذا أخرت ذكرها لوقوع الاختلاف في كونها من الثغور الشامية، ولم أر إسقاط ذكرها بالكلية لأنه قد نقل أنها منها، ويقال لها أبسس وأفسس وأرب سوس وعربسوس، وهي مدينة دقيانوس، ودخلت هذه المدينة وقد اجتزت إلى زيارة أصحاب الكهف، وهم في جبل قريب منها، والمدينة قد خربت أسوارها (١٢٢ - ظ) وبقيت آثارها وبعض حيطانها قائم وبعضها قد هدمه الهادم، وبها الآن سكان من الأرمن وأسواق دائرة، والناحية المسكونة من هذه المدينة قرية عامرة.
وذكر يحيى بن معين في التاريخ قال الأصمعي: سألت عبد الملك بن صالح عن عذب سوس، فقال: إنما هي عرب سوس قرية من قرى الشام أنا بها عارف.
وذكر ابن خرداذبه أن أصحاب الرقيم في عمل من أعمال الروم يسمى ترقسيس وفيه من الحصون أفسيس في رستاق الأواسي، وهي مدينة أصحاب الكهف وذكر أنه قد قرئ في مسجدهم كتابا بالعربية بدخول مسلمة بلاد الروم (١).
كتب إلينا أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج بن علي الحصري من مكة شرفها الله أن أبا عبد الله محمد بن العباس بن عبد الحميد الحرّاني أخبرهم قال: أخبرنا
стр. 299
النقيب أبو الفوارس طرّاد بن محمد بن علي الزينبي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسن بن البادا قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق الخراساني قال: أخبرنا عم أبي علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلاّم قال: حدثنا يزيد بن هرون عن هشام بن حسان عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب استعمل عمير بن سعيد أو سعد، شك أبو عبيد، على طائفة من الشام، فقدم عليه قدمة فقال: يا أمير المؤمنين إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها عرب سوس وإنهم لا يخفون على عدونا من عوراتنا شيئا، ولا يظهرونا على عوراتنا، فقال له عمر: فإذا قدمت فخيرنهم بين أن تعطيهم مكان (١٢٣ - و) كل شاة شاتين، ومكان كل بعير بعيرين، ومكان كل شيء شيئين، فإن رضوا بذلك فأعطهم وخربها، فإن أبوا فانبذ إليهم، وأجلهم سنة ثم خربها، فقال: اكتب لي عهدا بذلك، فكتب له عهدا، فلما قدم عمير عليهم عرض عليهم ذلك، فأبوا فأجلهم سنة ثم أخربها.
قال أبو عبيد فهذه مدينة بالثغر من ناحية الحدث يقال عرب سوس وهي معروفة هناك، وقد كان لهم عهد فصاروا الى هذا، وإنما عمر عرض عليهم ما عرض من الجلاء وأن يعطوا الضعف من أموالهم لأنه لم يتحقق ذلك عنده من أمرهم، أو أن النكث كان من طوائف منهم دون إجماعهم، ولو أطبقت جماعتهم عليه ما أعطاهم من ذلك إلا القتال والمحاربة.
وقد وقع في غير هذه الرواية عن طراد قال: أخبرنا أبو الحسن بن البادا قال:
أخبرنا أبو علي حامد بن أحمد الهروي قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز أخبرنا بذلك أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي وأبو الفرج عبد الرحمن ابن نجم بن عبد الوهاب الحنبليان فيما أجازاه لي، وقد سمعت من كل واحد منهما بدمشق قالا: أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج بن عمر الآبري قالت:
أخبرنا النقيب أبو الفوارس طراد بن محمد بن علي الزينبي قال: أخبرنا أبو الحسن
стр. 300
أحمد بن علي بن الحسن المعروف بابن البادا قال: أخبرنا أبو علي (١٢٣ - ظ) حامد بن أحمد الهروي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز البغوي قال:
أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام فذكره بإسناده مثله، وإنما وقع الاختلاف من أبي الحسن بن البادا لأن أبا علي الهروي المذكور في هذا الإسناد الثاني وأبا محمد الخراساني المذكور في الإسناد الأول (١) لأبي عبيد الذي هذا الحديث منه عن علي ابن عبد العزيز، وسمعه أبو الحسن بن البادا عنهما جميعا ورواه لطراد الزينبي عنهما فرواه طراد عن ابن البادا عن أبي علي، ومرة عن ابن البادا عن أبي محمد والله أعلم.
وعمير المذكور في الحديث هو عمير بن سعد بن شهيد بن قيس بن النعمان الأوسي الأنصاري ولاه عمر بن الخطاب ﵁ حمص وقنسرين، وكان من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، وسنذكره في حرف العين في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
أنبأنا عبد الصمد بن محمد القاضي عن أبي الحسن علي بن المسّلم السلمي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي العلاء قال: أخبرنا أبو نصر بن الجندي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي العقب قال: أخبرنا أبو عبد الملك القرشي قال: حدثنا محمد بن عائذ قال: قال الوليد: حدثنا غير واحد ممن سمع هشام بن حسان أن محمد بن سيرين حدثه أن عمير بن سعد كان يعجب عمر بن الخطاب، فكان من عجبه به يسميه نسيج وحده، وبعثه مرة على جيش من قبل الشام (١٢٤ - و) فقدم مرة وافدا فقال: يا أمير المؤمنين إن بيننا وبين عدونا مدينة يقال لها عرب السوس يطلعون عدونا على عوراتنا ويفعلون ويفعلون، فقال عمر: إذا أتيتهم فخيرهم أن ينتقلوا من مدينتهم إلى كذا وكذا، وتعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين ومكان كل شيء شيئين، فإن فعلوا فأعطهم ذلك، وإن أبوا فانبذ إليهم، ثم أجلهم سنة، فقال:
стр. 301
يا أمير المؤمنين اكتب لي عهدك بذلك، فكتب له عهده، فأرسل إليهم فعرض عليهم ما أمره به أمير المؤمنين، فأبوا فأجلهم سنة، ثم نابذهم، فقيل لعمر: إن عمير قد خرّب عرب السوس وفعل وفعل، فتغيظ عليه عمر، ثم إنه قدم بعد ذلك وافدا ومعه رهط من أصحابه، فلما قدم عليه علاه بالدرّة، وقال: خربت عرب السوس، وهو ساكت لا يقول له شيئا، ثم قال لأصحابه: مبرنسين مبرنسين ضعوا برانسكم، قال عمير برانسكم ثكلتكم أمهاتكم، إنكم والله ما أنتم بهم، فوضعوا برانسهم، فقال عمر: معممين معممين ضعوا عمائمكم، قال عمير: ضعوا عمائمكم فإنا والله ما نحن بهم، فقال مكممين مكممين ضعوا كمائمكم، فقال عمير: ضعوا كمائكم فإذا عليهم جمام، فقال عمر أما والله الذي لا إله إلا هو لو وجدتكم محلّقين لرفعت بكم الخشب؛ ثم إن عمر دخل على أهله فاستأذن عليه عمير، فدخل فقال: (١٢٤ - ظ) يا أمير المؤمنين اقرأ عهدك إلي في عرب السوس، فقال عمر: رحمك الله فهلا قلت لي ذلك وأنا أضربك، قال كرهت أوبخك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: غفر الله لك، ولكن غيرك لو كان.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو محمد القاسم ابن علي بن الحسن قال: أنبأنا الفقيه أبو الحسن السلمي، وأخبرنا أبي عنه قال:
حدثنا علي بن محمد الفقيه قال: أخبرنا أبو نصر محمد بن أحمد بن هرون قال:
أخبرنا علي بن يعقوب بن ابراهيم قال: أخبرني أحمد بن ابراهيم قال: حدثنا محمد بن عائذ قال: قال الوليد: ورأيت خلف درب الحدث مدينة حين أشرفنا على قباقب ناحية، فسألت عنها مشيخة من أهل قنسرين فقالوا: هذا عرب السوس مدينة أنسطاس التي غدرت، فأتاها عمير بن سعد، فقاتلهم وخربها، فهي خراب الى اليوم.
وقريب من هذه المدينة جبل فيه الكهف الذي ذكره الله في كتابه، وجاء في
стр. 302
التفسير أن عربسوس هي المدينة التي قال الله تعالى فيما قصّه في كتابه الكريم:
«فابعثوا بورقكم هذه الى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف» (١).
وزرت هذا الموضوع فوجدته على الصفة التي أخبر الله تعالى في كتابه الكريم: «وترى الشمس اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين واذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه» (٢) وقد بني على الموضع بناء عظيم حسن واسع لمن يقصده من الزوار، ووقف عليه وقف، ورتب لهم ضيافة بناه صاحب مرعش.
وأنبأنا أبو القاسم بن رواحة عن أبي طاهر الحافظ عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي عن أبي الحسين بن المنادي قال: ومدينة أصحاب الكهف من عمل الروم في رستاق الأواسي، والكهف في جبل بانجلوس، وقرئ في مسجدهم كتاب بالعربية: يدخل مسلمة بلاد الروم، ويفتح أربع حصون. (١٢٥ - و).
***
стр. 303
باب في ذكر فضائل الشام
ولحلب وبلادها منها أوفر الاقسام
وقد ذكر الحافظ أبو القاسم الدمشقي في تاريخ دمشق من فضله ما كفى، وأورد في ذلك من الاحاديث والآثار ما أشبع القول فيه وشفى، فانه أطال فيما ذكره وأطنب، وأكثر النقل فيما أورده وأسهب، ومد عنان قلمه فيما سطره وأطلقه وأوسع المجال في كل حديث أسنده وبين طرقه، فاكتفينا بما نقله وأورده، واستغنينا بما رواه في فضل الشام وأسنده، إلاّ إنا لم نر اخلاء كتابنا هذا عن ايراد شيء من فضله، ولا استحسنا ترك التنبيه على ما ورد فيه وفي أهله، فاقتصرنا من ذلك على القليل، واكتفينا بالاشارة الى وجه الدليل.
أخبرنا الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب بقراءتي عليه بقلعة حلب حماها الله، والقاضي أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد بن الشيرازي، وولده أبو المعالي أحمد، قراءة عليهما بدمشق، قالوا: أخبرنا القاضي أبو المجد الفضل بن الحسين بن ابراهيم البانياسي قال: أخبرنا الاخوان أبو الحسن وأبو الفضل ابنا الحسين الموازيني قالا: أخبرنا أبو عبد الله بن سلوان قال: أخبرنا أبو القاسم الفضل بن جعفر التميمي قال: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم الهاشمي قال:
حدثنا أبو مسهر عبد الاعلى بن مسهر الغساني قال: حدثنا (١٢٥ - ظ) سعيد ابن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي ادريس الخولاني عن عبد الله بن حوالة الازدي عن رسول الله ﷺ قال إنكم ستجندون أجنادا: «جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن» فقال الحوالي: خر لي يا رسول، قال:
стр. 304
«عليكم بالشام، فمن أبي فليلحق بيمنه، وليسق من غدره، فان الله قد تكفل لي بالشام وأهله». فكان أبو ادريس الخولاني اذا حدث بهذا الحديث التفت الى ابن عامر فقال: من تكفل الله به، فلا ضيعة عليه.
وقد روي من طريق آخر أن ابن حواله كان يقول ذلك، أخبرناه أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا عمي أبو القاسم بن أبي محمد، الحافظ، قال: أخبرنا أبو الفتح أحمد بن عقيل بن محمد بن رافع الفارسي البزاز الدمشقي ببغداد، وبدمشق، قال: أخبرنا أبي أبو الفضل. ح.
وقال الحافظ أبو القاسم: وأخبرناه أبو القاسم اسماعيل بن أحمد ببغداد قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن ابراهيم بن كبيبة النجار. ح.
قال أبو القاسم: وأخبرناه أبو محمد طاهر بن سهل بن بشر قال: أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن ابراهيم بن الحنائي قالوا: أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبد الرحمن بن عبيد الله بن يحيى القطان قراءة عليه، ونحن نسمع قال: أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة قال: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي وعقبة بن علقمة قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني مكحول عن أبي ادريس الخولاني عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله ﷺ : (١٢٦ - و) «انكم ستجندون أجنادا، جندا في الشام، وجندا في العراق، وجندا باليمن» قال: قلت: يا رسول الله خرلي، قال: «عليكم بالشام، فمن أبى، فليلحق بيمنه وليسق من غدره، فان الله قد تكفل لي بالشام وأهله». قال سعيد: وكان ابن حوالة رجلا من الازد، وكان مسكنه الاردن، وكان اذا حدث بهذا الحديث قال: وما تكفل الله به، فلا ضيعة عليه. (١).
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد الشافعي قال: أخبرنا أبو محمد
стр. 305
عبد الرحمن بن أبي الحسن ابن ابراهيم الداراني قال: أخبرنا أبو الفرج سهل ابن بشر بن أحمد الاسفراييني قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن محمد ابن الطفال قال: أخبرنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي قال: حدثنا موسى بن هرون قال: حدثنا أبو طالب قال: حدثنا بقيه بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن أبي قتيلة عن ابن حوالة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «سيصير الامر الى أن يكون جنودا مجندة، جندا بالشام، وجندا باليمن، وجندا بالعراق». فقال ابن حوالة: خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليكم بالشام، فانها خيرة الله من أرضه، يجتبي اليه خيرته من عباده، فان أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فان الله قد تكفل لي بالشام وأهله».
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن يوسف الصوفي بالبيت المقدس قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي (١٢٦ - و) وأخبرنا أبو اسحاق ابراهيم بن عثمان الكاشغري قال:
أخبرنا أبو الفتح بن البطي، وأبو المظفر الكاغدي، قال أبو الفتح: أخبرنا ابن خيرون، وقال الكاغدي: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي، قالا أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا ابن درستويه قال: حدثنا يعقوب الفسوي قال: حدثنا يزيد ابن مهران قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن داود بن أبي يزيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أول الناس هلاكا فارس، ثم العرب، وسائر الناس هاهنا». وأشار بيده الى الشام.
أخبرنا أبو منصور الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبد الله بن عبدان الازدي بدمشق قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن موسى بن السمسار قال: أخبرنا محمد بن ابراهيم بن مروان
стр. 306
قال: أخبرنا أبو عبد الملك قال: حدثنا محمد بن أبي السري قال: حدثنا فضاله بن حصين قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال:
قال رسول الله ﷺ : «ستخرج نار من حضر موت، فتسوق الناس الى المحشر، تقيل اذا قالوا، وتسير اذا ساروا»: قالوا: يا رسول الله فما تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: «عليكم بالشام». (١).
أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا أبو القاسم قال: وأخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي قال: أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن اسحاق ابن محمد بن يحيى بن (١٢٧ - و) منده قال: أخبرنا أبي قال: حدثنا جمح بن القاسم بن عبد الوهاب بن أبان بن خلف المؤذن بدمشق قال: حدثنا أحمد بن بشر بن حبيب الصوري قال: حدثنا عبد الحميد بن بكار قال: حدثنا عقبة بن علقمة قال: حدثنا الاوزاعي عن عطية بن قيس عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : «أريت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فذهب به الى الشام، فأولته الملك» (٢).
أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد اللطيف بن الحسين بن علي بن خطاب الدينوري -عرف بابن الحسمي-ببغداد قال: أخبرنا أبو الفتح عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن شاتيل قال: أخبرنا الحاجب أبو الحسن بن العلاف قال: أخبرنا أبو القاسم ابن بشران قال: أخبرنا أبو بكر النجار قال: حدثنا أبو الليث يزيد بن جمهور بطرسوس قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع عن يحيى بن حمزة عن ثور بن زيد عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عائذ الله، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ «بينا أنا نائم رأيت عمود الاسلام
стр. 307
احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به الى الشام ألا وان الايمان حين تقع الفتن بالشام» (١).
أخبرنا ثابت بن مشرف بن أبي سعد قال: أخبرنا عبد الأول بن عيسى قال:
أخبرنا أبو الحسن الداؤدي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حموية السرخسي قال: أخبرنا عيسى بن عمر السمرقندي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: أخبرنا زيد بن عوف قال: حدثنا أبو عوانه عن عبد الملك بن عمير عن ذكوان أبي صالح، عن كعب: في السطر الاول محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبه، وملكه بالشام.
وفي السطر الثاني محمد رسول الله، أمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة الشمس يصلون الصلاة اذا جاء وقتها، ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضئون أطرافهم وأصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل.
وقال أبو محمد الدارمي: أخبرنا مجاهد بن موسى قال: حدثنا معن-هو ابن عيسى-قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أبي فروة عن ابن (١٢٧ - ظ) عباس أنه سأل كعب الأحبار، كيف تجد بعث النبي ﷺ في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة، ويهاجر الى طابة، ويكون ملكه بالشام، وذكر تمام الحديث.
أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد القاضي عن أبي مسعود الأصبهاني قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا مخلد
стр. 308
ابن مالك قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن أبي أمامة قال: قال النبي ﷺ : «صفوة الله من أرضه الشام، وفيها صفوته من خلقه وعباده، وليدخلن الجنة من أمتي ثلّة لا حساب عليهم ولا عذاب» (١).
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم قال: أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي قال:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب قال: حدثنا ابراهيم بن عبد الله السعدي قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي قال:
سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع فقال رسول الله ﷺ : «طوبى للشام». قلنا لأي شيء ذاك؟ قال: «لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم» (٢).
أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، ح.
وأنبأنا به عمر بن محمد بن طبرزد عن ابن السمرقندي (١٢٨ - و) قال:
أخبرنا أبو بكر محمد بن هبة الله الطبري قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل قال:
أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثني أبو علقمة نصر بن علقمة الحضرمي من أهل حمص أن عمير بن الأسود وكثير بن مرة الحضرمي قالا: إن أبا هريرة وابن السمط كانا يقولان: لا يزال المسلمون في الأرض حنى تقوم الساعة، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال من أمتي عصابة قوّامة على أمر الله لا يضرها من خالفها، تقاتل أعداء الله، كلما ذهب حزب نشب حزب قوم
стр. 309
آخرين، يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منه، حتى تأتيهم الساعة كأنها قطع الليل المظلم، فيفزعون لذلك حتى يلبسوا لذلك الدروع». وقال رسول الله ﷺ «هم أهل الشام». ونكت رسول الله ﷺ بإصبعه يومئ بها الى الشام، حتى أوجعها. رواه البخاري في التاريخ عن عبد الله بن يوسف (١).
أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي الحافظ قال: أخبرنا أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبد الله عن عبدان قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا أبو الوليد الحسن بن محمد الدربندي قال:
أخبرنا أبو نصر أحمد بن المظفر بن محمد الموصلي بها قال: حدثنا عبد الله بن حيان بن عبد العزيز بن حيان قال: حدثنا الحسن بن علوية القطان قال: حدثنا إبراهيم بن يزيد بن مصعب الشامي قال: حدثنا ابن خليد (١٢٨ - ظ) الدمشقي عن الوضين بن عطاء عن مكحول عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «الخير عشرة أعشار، تسعة بالشام، وواحد في سائر البلدان؛ والشر عشرة أعشار، واحد بالشام، وتسعة في سائر البلدان، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم» (٢).
أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي قال: قرأت بخط شيخنا أبي الفرج غيث بن علي بن عبد السلام الخطيب قال: قرأت بخط عبد الله بن علي بن أبي العجائز الأزدي حدثنا علي بن محمد بن أبي سليمان الصوري قال: حدثنا يزيد ابن عبد الصمد الدمشقي عن سلمة بن أحمد قال: حدثنا إسحاق بن عبد الواحد
стр. 310
القرشي الموصلي قال: حدثنا عمرو بن رزيق-وهو موصلي-عن ثور بن يزيد عن حفص بن بلال بن سعد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إذا وقعت الفتن فهاجروا الى الشام، فإنها من الله بمنظر وهي أرض المحشر» (١).
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال: أخبرنا أبو مسلم المؤيّد بن عبد الرحيم بن الأخوة وصاحبته عين الشمس قالا: أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي الأصبهاني-قالت إجازة-، ح.
وأنبأنا أبو القاسم القاضي عن أبي الفرج بن أبي الرجاء، ح.
وأخبرنا أبو منصور الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أبي محمد قال:
أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الأصبهاني بها قال: أخبرنا أحمد بن محمود الثقفي ومنصور بن الحسين الكاتب قالا: أخبرنا أبو بكر بن المقرئ (١٢٩ - و) قال: حدثنا محمد بن علي الحسن بن حرب، قاضي الطبرية، بطبرية قال: حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الأقطع قال: حدثنا اسماعيل بن ابراهيم-هو ابن عليّة-قال حدثنا زياد بن بيان حدثنا سالم عن عبد الله بن عمر قال صلى رسول الله ﷺ : صلاة الفجر ثم انفتل، فأقبل على القوم فقال: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدّنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا». فقل رجل: والعراق يا رسول الله، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقال الرجل: والعراق يا رسول الله، فسكت ثم قال: «اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدّنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا».
فقال رجل: والعراق يا رسول الله، قال: «ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن» (٢).
أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي قال: أخبرنا أبو الفضائل ناصر بن
стр. 311
علي بن محمود قال: حدثنا علي بن أحمد بن زهير قال: حدثنا علي بن أحمد بن شجاع قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن بيهس بمصر قال: حدثنا أحمد بن ثابت بن زيد قال: حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن المغيرة قال: حدثنا يحيى بن سعيد العطار قال: حدثنا علي بن همّام عن كعب قال: جاء إليه رجل فقال: إني أريد الخروج أبتغي فضل الله قال: عليك بالشام فإنه ما نقص من بركة الأرضين يزاد في الشام (١).
وأخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي قال: أخبرنا (١٢٩ - ظ) أبو محمد هبة الله بن أحمد بن طاووس وأبو القاسم الحسين بن أحمد بن عبد الصمد بن تميم وأبو إسحاق إبراهيم بن طاهر بن علي بن بركات الخشوعي قالوا: أخبرنا الفقيه أبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جرير بن أحمد بن خميس السلماسي قال: حدثنا أبو الحسن المظفر بن الحسن قال:
حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصاء قال: حدثنا أبو حفص عمرو بن عثمان بن كثير قال: حدثنا أبو المغيره قال: حدثني الغاز بن جبلة قال:
حدثني الوليد بن عامر البرقي عن كعب أنه كان يقول: يا أهل الشام إن الناس يريدون أن يضعوكم، والله يرفعكم وإن الله يتعاهدكم كما يتعاهد الرجل نبله في كنانته، لأنها أحب أرضه إليه، يسكنها أحب خلقه إليه، من دخلها محروم، ومن خرج منها مغبون» (٢).
أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي بالربوة بظاهر دمشق قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل-إجازة-قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن زهير المالكي قال:
стр. 312
حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن شجاع الرّبعي المالكي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر بن نصر بن محمد الشيباني قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن بهيس (١) بمصر قال: حدثنا علي بن الحسين بن عبد المؤمن قال:
حدثنا محمد بن إسحاق الصيني قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار قال: حدثنا المسعودي عون بن عبد الله بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل الله جل وعز على بعض الأنبياء: إن الله يقول: الشام كنانتي، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم (٢).
أخبرنا عمر بن محمد بن طبرزد قراءة عليه قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله ابن محمد بن الحصين قال: أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن ابراهيم بن غيلان قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي قال: حدثنا إسحاق بن الحسن قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان في قول الله :
«وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها». قال الشام (٣).
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم قال: أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الصوري، ونقلته من خطه، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا علي بن ابراهيم البزاز بالبصرة قال: حدثنا أبو بكر يزيد (١٣٠ - و) بن اسماعيل بن عمر الخلال قال: حدثنا العباس بن عبد الله ابن أبي عيسى الترفقي قال: حدثنا محمد بن كثير المصّيصي عن اسماعيل بن خالد عن محمد بن عمرو-أو عمر-شك أبو محمد-يعني العباس- قال ابن كثير: وأراني قد سمعته منه-عن وهب بن منبه قال: إني لأجد ترداد الشام في الكتب حتى كأنه ليس لله حاجة إلا بالشام (٤).
стр. 313
أنبأنا الأخوان أبو محمد عبد الرحمن وأبو العباس أحمد ابنا عبد الله بن علوان عن مسعود الثقفي قال: أخبرنا عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق قال:
قرئ على أبي بكر محمد بن أحمد بن النضر ابن بنت معاوية بن عمرو: حدثنا معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي عن إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري عن الأوزاعي عن ثابت بن معبد قال: قال الله تعالى: يا شام أنت خيرتي من بلدي أسكنك خيرتي من عبادي.
أخبرنا قاضي القضاة بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال:
أخبرنا الحافظ أبو بكر بن محمد بن علي الجيّاني قال: أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخواري قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي المفسر قال: قوله «يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة» قال قتادة هي الشام (١).
***
стр. 314
باب في ذكر قويق نهر حلب ومخرجه وما ورد فيه
وله مخرجان شاهدتهما، وبين حلب وبينهما أربعة وعشرون ميلا، أحدهما في قرية (١٣٠ - ظ) يقال لها الحسينية، بالقرب من عزاز، يخرج الماء من عين كبيرة، فيجري فيه نهر، ويخرج بين جبلين حتى يقع في الوطاة التي قبلي الجبل الممتد من بلد عزاز شرقا وغربا، والمخرج الآخر يجتمع من عيون ماء من سنياب (١)، ومن قرى حولها كلها من بلد الراوندان، فتجتمع تلك الأعين وتجري في نهر يخرج من فم فج سنياب، فيقع في الوطاة المذكورة، ويجتمع النهران فيصيران نهرا واحدا في بلد عزاز، وهو نهر قويق، ثم يجري الى دابق ويمر بمدينة حلب، وتمده عيون قبل وصوله إليها، وكذلك بعد أن يتجاوز حلب، وتمده عين المباركة فيقوى وتدور عليه الأرحاء، ويسقي في طريقه مواضع كثيرة حتى ينتهي الى قنسرين، ثم يمر الى المطخ، فيغيض في الأجم.
وحكى لي والدي ﵀ قال: يقال إن نهر قويق يغيض في المطخ، ويخرج الى بحيرة أفامية، وأن قويق إذا مدّ في الشتاء احمرّ ماء بحيرة أفامية، فاستدلوا بذلك على ما ذكرناه.
ومسافة ما بين مغيضه الى أفامية مقدار أربعة عشر ميلا.
стр. 315
وقال أبو زيد البلخي في تاريخه: ومخرج نهر حلب من حدود دابق، دون حلب بثمانية عشر ميلا، ويغيض في أجمة أسفل حلب (١).
وقال ابن حوقل النصيبي في جغرافيا وقد ذكر حلب: ولها واد يعرف بأبي الحسن قويق، وشرب أهلها منه، وفيه قليل طفس (٢).
وذكر الحسن بن أحمد المهلبي العزيزي في كتاب المسالك (١٣١ - و) والممالك، الذي صنفه للعزيز الفاطمي المستولي على مصر، فذكر حلب بما قدمنا ذكره في صدر كتابنا هذا وقال: وشرب أهل حلب من نهر على باب المدينة يعرف بقويق، ويكنيه أهل الخلاعة أبا الحسن.
وقال أبو الحسين بن المنادي في كتابه المسمى بالحافظ، وأنبأنا بذلك أبو القاسم الحموي قال: أخبرنا أبو طاهر السلفي إجازة عن أحمد بن محمد الآبنوسي قال: ذكر أبو الحسين بن المنادي قال: ومخرج قويق-نهر حلب-من قرية تدعى سنياب على سبعة أميال من دابق، ثم يمر إلى حلب، ثمانية عشر ميلا، ثم الى مدينة قنسرين اثنا عشر ميلا، ثم الى مرج الأحمر اثنا عشر ميلا، ثم يغيض في الأجمة، فمن مخرجه الى مغيضه مقدار اثنين وأربعين ميلا.
وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني في كتابه قال: ويخرج قويق -نهر حلب-من قرية تدعى سنياب، على سبعة أميال من دابق، ثم يمر الى حلب ستة عشر ميلا، ثم الى مدينة قنسرين اثنا عشر ميلا، ثم الى مرج الأحمر اثنا عشر ميلا، ثم يغيض في الأجمة.
وقال أحمد بن محمد بن إسحاق الهمذاني المعروف بابن الفقيه فيما قرأته في
стр. 316
كتاب البلدان وأخبارها من تأليفه قال: مخرج قويق-نهر حلب-من قرية تدعي بسنياب على ستة أميال من دابق، ثم يمر إلى حلب ثمانية عشر ميلا، ثم يمر إلى مدينة قنّسرين اثنا عشر ميلا، ثم يغيض في الأجمة؛ (١٣١ - ظ) فمن مخرجه إلى مغيضه اثنان وأربعون ميلا (١).
قلت وهذا مرج الأحمر هو المرج المعروف الآن بمرج تل السلطان (٢)، ولا يعرف الآن بمرج الأحمر؛ ويعرف قويق تحت جبل جوشن بالعوجان، لاعوجاجه في ذلك الموضع.
قال الصنوبري من أبيات:
والعوجان الذي كلفت به … قد سوّي الحسن فيه مذعوّج (٣)
وقال أبو نصر منصور بن المسلم بن أبي الخرجين الحلبي من أبيات:
هل العوجان العمر صاف لوارد … وهل خضبته بالخلوق مدود (٤)
وكان سيف الدولة بن حمدان لما ابتنى قصره بالحلبة ساق نهر قويق من الموضع المعروف بالسقايات وأدخله في قصره في شباك يجري في القصر، ثم يخرج من جانبه القبلي في شباك آخر، ثم يصب في النهر الأصلي عند الموضع المعروف بالفيض؛ وكان قد رأى في منامه كأن حية قد تطوقت على داره، فعظم عليه ذلك، فقال له بعض المفسرين: الحية في النوم ماء، فأمر بحفر يحفر بين داره، وبين قويق حتى أدار الماء حول الدار، وقضى الله أن الروم خرجوا، فصبحوا حلب، واستولوا على
стр. 317
دار سيف الدوله، وأخذوا منها أموالا عظيمة، وذلك في سنة احدى وخمسين وثلاثمائة، وخربت الدار، فعاد النهر إلى ما هو عليه الآن.
أخبرنا تاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن الدمشقي كتابة، واجتمعت به (١٣٢ - و) في مجلس شيخنا أبي اليمن الكندي بدمشق قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي قال: أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد ابن مقاتل السوسي قال: أخبرنا جدي أبو محمد قال: حدثنا أبو علي الأهوازي قال: حدثنا أبو القاسم حمزة بن عبد الله بن الحسين الأديب قال: حدثنا أبو نصر محمد بن محمد بن عمرو النيسابوري حدثني يحيى بن علي بن هاشم قال: حدثنا عبد الملك بن دليل قال: حدثنا عباس الحذاء عن سعيد بن إسحاق الدمشقي في قول الله : «إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم» (١) على نهر حلب يقال له قويق.
وقد ذكر قويق جماعة من الشعراء، ووصفوه، فمنهم الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي قال فيه، وقرأتها في ديوان شعره (٢):
أما قويق فلا عدته مزنة … من خدرها برز الغمام الصيب
نهر لأبناء الصبابة معشق … فيه وللصادي الملوّح مشرب
لازال يدرم تحت وسق مكلّ … عمم يقدح منكبيه وينكب
مما تمناه الربيع لريه … أيام ظم رياضه لا تقرب
فرد الرباب يقول شائم برقه … من أين رفع ذا الفريق المهدب
والغيث في كلل السحاب كأنه … ملك بقاصية الرواق محجب
ضخب الرعود وإنما هي ألسن … فأمرهن اللوذعي المسهب
стр. 318
راعي الضحي في حين غرة أمنه … فسناه مخطوف الاضاءة أكهب
(١٣٢ - ظ)
جذلان إن هتك اللثام بداله … خد بحادي البوارق مذهب
والأرض حاسرة تود لو أنها … مما يحبره الربيع تجلبب
وقال أبو بكر أحمد بن محمد الصنوبري وقد أنشدنا بعض قوله القاضي أبو القاسم بن محمد قاضي دمشق بها قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن المسلّم السلمي قال: أخبرنا أبو نصر الحسين بن محمد بن طلاب قال: أنشدنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن جميع قال: أنشدني أبو بكر الصنوبري.
قويق له عهد لدينا وميثاق … وهذي العهود والمواثيق أطواق
نفى الخوف أنا لا غريق نرى له … فنحن على أمن وذا الأمن أرزاق
ونزهه ألا سفينة تمتطي … مطاه لها وخد (١) عليه وإعناق
وأن ليس تعتاق التماسيح شربه … إذا اعتاق شرب النيل منهن معتاق
ولا فيه سلور ولو كان لم أكن … أرى أنه إلا حميم وغساق
بلى تعلن التسبيح في جنباته … علاجم بالتسبيح مذكن حذاق
أقامت به الحيتان سوقا ولم تزل … تقام على شطيه للطير أسواق
وسربل بالأرجاء مثنى وموحدا … كما سربلت غصنا من البان أوراق
وفاضت عيون من نواحيه ذرف … ولما تعاونها جفون وآماق
هو الماء إن يوصف بكنه صفاته … فللماء إغضاء لديه وإطراق
ففي اللون بلور وفي اللمع لؤلؤ … وفي الطيب قنديد وفي النفع درياق
(١٣٣ - و)
إذا عبثت أيدي النسيم بوجهه … وقد لاح وجه منه أبيض براق
стр. 319
فطورا عليه منه درع خفيفة (١) … وطورا عليه جوشن منه رقراق
ولم يعده نيلوفر متشوّف … بأرؤس تبر والزبر جد أعناق
له ورق يعلو (٢) … على الماء مطبق
كأطباق مدهون يليهن أطباق
يهاب قويق أن يملّ فإنما … يقيم زمانا ثم يمضي فنشتاق
وقد عابه قوم وكلهم له … على ما تعاطوه من العيب عشّاق
وقالوا أليس الصيف يبلي لباسه … فقلت الفتى في الصيف يقنعه طاق
وما الصبح إلاّ آئب ثم غائب … تواريه آفاق وتبديه آفاق
ولا البدر إلاّ زائد ثم ناقص (٣) … له في تمام الشهر حبس وإطلاق
ولو لم تطاول غيبة الورد لم تتق … إليه قلوب تائقات وأحداق
ولو دام في الحب الوصال ولم يكن … فراق ولا هجر لما اشتاق مشتاق
وفضل الغنى لا يستبين لذي الغنى … إذا لم يبين ذلك الفضل إملاق
قويق رسيل الغيث يأتي وينقضي … ويأتي انسياقا تارة ثم ينساق (٤)
قرأت هذه الابيات بخط أحمد بن خلف الممنع وقال: قال القاضي أبو عمر عثمان بن عبد الله الطرسوسي: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله الصّفري قال: وأنشدني-يعني الصنوبري لنفسه يصف قويقا ويحن له، وهذا مما أبدع فيه.
وقال الصنوبري أيضا في قويق وقد مدّ:
اليوم يا هاشمي يوم … لباسه الطلّ والضباب
عيّد في عيدنا قويق … وخلقت وجهه السحاب
ما لون الزعفران ما قد … لوّن من مائه التراب
стр. 320
تذهب أمواجه كخيل … شقر لها وسطه ذهاب (١٣٣ - ظ)
فبادر الشرب قبل فوت … قد برد الماء والشراب (١)
وقال الصنوبري أيضا فيه:
رياض قويق لا تزال مروضه … يجاور فيها أحمر اللون أبيضه
يعارضنا كافوره كل شارق … إذا ما الصبا مرت به متعرضه
لدى العوجان المستفادة عنده … مغان على حث الكؤوس محرضه
إذا ما طفا النيلوفر الغض فوقه … مفتحة أجفنانه أو مغمضة
حسبت نجوما مذهبات تتابعت … فرادى ومثنى في سماء مفضضه (٢)
أنشدنا ضياء الدين الحسن بن عمرو الموصلي المعروف بابن دهن الخصا النحوي بقراءتي عليه قال: أنشدنا الخطيب بالموصل-أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن الطوسي-قال: أنشدنا الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اجازة قال: أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه من أبيات كتب بها الى ابن حلبات المعري.
ونكب إلاّ عن قويق كأنه … يظن سواه زائدا في أوامه
بعيس تقضي الدهر جريا كأنها … مفتشة أحشاءه عن كرامه
تذكرن من ماء العواصم شربة … وزرق العوالي دون زرق جمامه
فلو نطق الماء النمير مسلما … عليهن لم يرددن رجع سلامه
وملتثم بالغلفق الجعد عرست … عليه فلم تكشف خفي لثامه (١٣٤ - و)
وكم بين ريف الشام والكرخ منهلا … موارده ممزوجة بسمامه (٣)