أنبأنا أبو العباس أحمد بن عبد الله الأسدي قال: أخبرنا مسعود بن الحسن الثقفي في كتابه عن أبي عمرو عبد الوهاب بن محمد بن مندة قال: أخبرنا حمد بن عبد الله قال: أخبرنا أبو محمد بن أبي حاتم قال: خالد بن يزيد بن معاوية أخو عبد الرحمن بن يزيد شامي روى (١١٢ - ظ) عنه الزهري، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول هو من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام (١).
أنبأنا أبو حفص عمر بن علي بن قشام عن أبي العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن الحسن الهمذاني قال: أخبرنا أبو علي محمد بن محمد الصفار قال: أخبرنا أبو بكر بن منجويه الأصفهاني قال: أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد بن اسحاق الحافظ قال: أبو هاشم خالد بن يزيد بن معاوية القرشي، قوله سمع منه أبو بكر محمد بن مسلم الزهري هو أخو عبد الرحمن ومعاوية ابني يزيد.
أنبأنا أبو المحاسن سليمان بن الفضل قال: أخبرنا علي بن أبي محمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان قال: أخبرنا أبو الميمون بن راشد قال: حدثنا أبو زرعة الدمشقي قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: قال أصحابنا: كان خالد بن يزيد إذا لم يجد أحدا يحدثه حدث جواريه، ثم يقول:
إني لأعلم أنكن لستن له بأهل، قال: فمعاوية وعبد الرحمن وخالد أخوة، وكانوا من صالحي القوم (٢).
أنبأنا أبو نصر محمد بن هبة الله قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي قال: خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن عبد شمس ابن عبد مناف، أبو هاشم الأموي روى عن أبيه يزيد، ودحيه بن خليفة الكلبي، روى عنه الزهري، ورجاء بن حيوة، والعباس بن عبد الله بن العباس (١١٣ - و) ابن عبد المطلب، وابراهيم بن أبي حرة الحراني، وعلي بن رباح اللخمي وخالد بن عمر الزيادي المصريان، وأبو الأخضر مولاه.
стр. 3117
قال الحافظ أبو القاسم: أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني قال: حدثنا أبو محمد الكتاني قال: أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر قال: أخبرنا أبو الميمون بن راشد قال: حدثنا أبو زرعة قال: حدثنا أبو مسهر سعيد بن عبد العزيز عن أبي عبد ربّ الزاهد قال: قلت لأبي الأخضر مولى خالد بن يزيد: قد علم علم العرب والعجم ففي ذلك وجد بناء هذه الدار، يعني دار الحجارة (١).
قال-يعني-أبا زرعة: وحدثني هشام عن مغيرة بن مغيرة عن عروة بن زياد عن رجاء بن حيوة قال: قال خالد بن يزيد كنت معنيا بالكتب، وما أنا من العلماء ولا من الجهال (٢).
قال الحافظ أبو القاسم: أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أبو حامد ابن الشرقي قال: حدثنا محمد بن يحيي الذهلي قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: أخبرنا يحيي بن أيوب عن عقيل عن ابن شهاب أن خالد بن يزيد بن معاوية كان يصوم الأعياد كلها: السبت والأحد والجمعة (٣).
أنبأنا أبو حفص المكتب قال: أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن البناء -اجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني محمد بن سلام عن بعض العلماء قال: ثلاثة أبيات من قريش توالت خمسة في الشرف، كل رجل (١١٣ - ظ) منهم من أشرف أهل زمانه: خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان بن حرب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، وعمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خالد.
أخبرنا أبو بكر عتيق بن أبي الفضل السلماني-قراءة عليه وأنا أسمع-قال:
أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن، ح.
стр. 3118
وحدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي قال: أنبأنا أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر قالا: أخبرنا أبو القاسم علي بن ابراهيم العلوي قال: أخبرنا رشاء بن نظيف قال: أخبرنا الحسن بن اسماعيل قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي قال: أنشدنا محمد بن فضالة النحوي لرجل في خالد بن يزيد، وذكر أنه أتاه، فقال: إني قد قلت فيك بيتين ولست أنشدهما إلاّ بحكمي، قال: قل فقال:
سألت الندى والجود حراّن أنتما؟ … فقالا جميعا: إننا لعبيد
فقلت، ومن مولاكما فتطاولا … عليّ وقالا: خالد بن يزيد
فقال له: سل؟ قال: مائة ألف درهم فأمر لها بها (١).
نقلت من فوائد أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات بخطه أو بخط كاتبه قال: وقف علي بن عبد الله بن العباس بباب عبد الملك بن مروان ينتظر الاذن، فجاء خالد بن يزيد بن معاوية، فوقف الى جانبه، قال: فجرى بينهما كلام في بني هاشم وبني أمية، فقال خالد لعلي: ألا تعجب؟ فقال علي: أعلم فلا أعجب، ولو كنت لا أعلم لعجبت، فأغلظ له خالد في الجواب، فقال له علي: أما والله ما النهار (١١٤ - و) على الليل بنائم، ولا السيف عن الظالم بصائم، وليعضن كريم على ناجذه حتى يقيمه الذي أقعده.
قال: وخرج الاذن الى خالد، فلما أراد الدخول قال له: على السر ما بيني وبينك يا أبا هاشم، فلما دخل على عبد الملك قال له: مالي أراك مغضبا يا أبا هاشم؟ قال: أو محجوجا يا أمير المؤمنين، قال: ومن هذا الذي يغلبنك بالحجة، فو الله ما لسانك إلاّ شفرة تطبق على مفاصل الكلم، قال: وقفت بباب أمير المؤمنين مع علي بن عبد الله آنفا فمت برحم أعرفها، وذكر دينا لا أنكره، وما مثله ضاع ببابك يا أمير المؤمنين، قال: فإنّا قد أمرنا له بمائة ألف درهم صلة، قال: فخرج خالد الى علي بن عبد الله، وقال: يا أبا محمد قد تخطينا ما تكره الى ما تحب، وقد
стр. 3119
أمر لك أمير المؤمنين بمائة ألف درهم صلة، فقال له علي: وصلتك رحم إذا ذهب آل حرب ذهب الحلم.
أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد القاضي قال: أخبرنا أبو الحسن بن قبيس قال: أخبرنا أبو الحسن بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي أبو بكر قال: أخبرنا أبو بكر الخرائطي قال: حدثنا ابراهيم بن هانئ النيسابوري قال: حدثنا سعيد بن عفير قال: أخبرنا يحيى بن أيوب بن خالد بن يزيد الجمحي عن خالد بن يزيد بن معاوية قال: إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا فقد تمت خسارته.
أخبرنا عتيق بن أبي الفضل السلماني، وحدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي. قال عتيق: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد. وقال أبو الحسن: (١١٤ - ظ).
أنبأنا أبو المعالي بن صابر قالا: أخبرنا الشريف النسيب أبو القاسم علي بن ابراهيم الحسيني قال: أخبرنا رشاء بن نظيف قال: أخبرنا الحسن بن اسماعيل قال: أخبرنا أحمد بن مروان قال: حدثنا اسماعيل بن اسحاق قال: حدثنا على بن عبد الله قال، سمعت سفيان بن عيينة يقول: قيل لخالد بن يزيد: ما أقرب شيء وأبعد شيء وآنس شيء، وأوحش شيء؟ فقال: أقرب شيء الأجل، وأبعد شيء الأمل، وآنس شيء الصاحب، وأوحش شيء الموت.
أخبرنا أبو القاسم عبد الغني بن سليمان بن بنين-بالقاهرة-قال: أخبرنا محمد بن حمد الارتاحي قال: أخبرنا أبو الحسن بن الفراء في كتابه عن أبي اسحاق الحبال، وخديجة المرابطة قال الحبال: أخبرنا أبو القاسم الطرسوسي قال: أخبرنا أبو بكر بن بندار. وقالت خديجة: أخبرنا أبو القاسم الأذني قال: حدثني جدي أبو الحسن بن بندار قالا: حدثنا محمود بن محمد الاديب قال: حدثنا ابن الهيثم قال: حدثنا العتبي عن أبيه قال: قال عبد الملك لخالد بن يزيد: ما أقبح شيء رأيت قط؟ قال: الميت.
أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن محمد بن عبد الرحمن قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن منصور بن محمد السمعاني، ح.
وأخبرنا أبو الحسن علي بن عبد المنعم بن الحداد قال: أخبرنا يوسف بن آدم
стр. 3120
قال: أنبأنا أبو بكر السمعاني قال: أخبرنا الامام أبو الحسن علي بن أحمد المؤذن قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن ابراهيم قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد ابن (١١٥ - و) الحسن السكوني قال: حدثنا أحمد بن حماد بن سفيان قال: حدثنا أبو شرحبيل عيسى بن خالد قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا اسماعيل عن سعيد ابن عبد العزيز أن الحجاج بن يوسف سأل خالد بن يزيد عن الدنيا فقال: ميراث فقال: فالايام؟ قال: دول، قال: فالدهر؟ قال: أطباق والموت بكل سبيل، فليحذر كل عزيز الذل وكل غني الفقر، فكم من عزيز قوم قد ذل، وكم من غني افتقر.
أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل السلماني قال: أخبرنا علي بن الحسن، ح.
وحدثنا محمد بن أحمد قال: أنبأنا أبو المعالي بن صابر قالا: أخبرنا أبو القاسم علي بن ابراهيم قال: أخبرنا أبو الحسن بن نظيف قال: أخبرنا أبو محمد الضراب قال: أخبرنا أحمد بن مروان قال: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا محمد بن الحارث عن المدائني قال: كان بين خالد بن يزيد بن معاوية وبين عبد الملك بن مروان كلام، فجعل عبد الملك يتهدده، فقال له خالد أتهددني ويد الله فوقك مانعة وتمنعني وعطاء الله دونك مبذول.
أنبأنا سليمان بن الفضل قال: أخبرنا علي بن أبي محمد قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن ابراهيم، وأبو الوحش سبيع بن المسلم بن قيراط -قراءة عليهما-قالا:
أخبرنا رشاء بن نظيف بن ما شاء الله قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي قال: قرأت على أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثني أبي قال:
حدثنا أبو زيد عمر بن شبة قال: حدثنا أبو غسان المدني قال: أجرى عبد الله بن يزيد بن معاوية الخيل مع الوليد بن عبد الملك، فسبقه عبد الله فدخل الوليد على (١١٥ - ظ) خيل عبد الله فعقرها، فجاء عبد الله خالدا أخاه، فقال: ألم تر أني سابقت الوليد فسبقته فعقر خيلي، والله لهممت بقتله، قال: فدخل خالد على عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين أتاني عبد الله فحلف لهمّ بقتل الوليد، فقال عبد الملك: ولم يقتله؟ قال: سابقه فسبقه فدخل على خيله فعقرها: فقال عبد الملك:
«إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ» (١)
стр. 3121
فقال خالد: يا أمير المؤمنين أقرأ الآية الأخرى: «وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ١» فقال عبد الملك أما والله لنعم المرء عبد الله على لحن فيه، قال: أفعلى لحن ابنك تعول؟ قال:
ان أخا الوليد سليمان، قال: وأخو عبد الله خالد، قال: مدحت والله نفسك يا خالد قال: وقبلي والله مدحت نفسك يا أمير المؤمنين، قال: ومتى قال: حين قلت: أنا قاتل عمرو بن سعيد، قال: حق والله لمن قتل عمرا أن يفخر بقتله، قال: أما والله لمروان كان أطولهما باعا، قال: أما اني أرى ثأري في مروان صباح مساء، ولو أشاء أن أزيله لازلته، وعنى بقوله أن أم خالد قتلت مروان، قال: اذا شئت أن تطفئ نورك فافعل، قال: ما جرأك عليّ يا خالد خلني عنك، قال: لا والله ما قال الشاعر:
ويجر اللسان من أسلات (٢) … الحرب
ما لا يجر منها البيان
قال: فاستحيا عبد الملك وقال: يا وليد أكرم أخاك وابن عمك فقد رأيت (١١٦ - و) أباه يكرم أباك وجده يكرم جدك.
قرأت بخط أحمد بن أبي طاهر في جواب التعريض قال: وقال الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عباس المستوف قال: دخل خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان على عبد الملك بن مروان فقال: يا خالد كأنك قد عضضت على صوفه، فقال خالد:
ان النساء يلثمن فاي، ولا يشممن قفاي، يعرض له بالبخر، وكان عبد الملك يكنى أبا الذبان من شدة بخره.
قال: ودخل خالد بن يزيد على عبد الملك بن مروان، فتلقاه عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري اعظاما له، وكان خالد يسحب ثيابه، فقال له عبد الرحمن:
بأبي وأمي أنت لم تطعم الارض فضول نيابك؟ فقال: أكره أن أكون كما قال الشاعر وعرّض به:
قصير القميص فاحش عند بيته … وشر قريش في قريش مركبا
стр. 3122
والشعر لعدي بن الغدير الغنوي في الضحاك بن قيس الفهري.
أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني-اذنا-قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي-اجازة إن لم يكن سماعا-قال: حدثنا عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: أخبرنا تمام بن محمد قال: حدثنا أبو القاسم علي ابن يعقوب بن ابراهيم وأبو بكر أحمد بن محمد بن سعيد بن عبيد الله قالا: حدثنا ابراهيم بن عبد الرحمن بن ابراهيم، ح.
قال: وأخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الوهاب بن محمد قال: حدثنا أبو بكر محمد بن خريم قالا: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا المغيرة بن المغيرة قال:
حدثنا عروة بن رويم عن رجاء بن حيوة عن (١١٦ - ظ) خالد بن يزيد قال: بينا أنا أسير في أرض الجزيرة اذا مررت برهبان وقسيسين وأساقفة، فسلمت فردوا السلام فقلت: أين تريدون؟ قالوا: نريد راهبا في هذا الدير نأتيه في كل عام فيخبرنا بما يكون في ذلك العام حتى لمثله من قابل، فقلت: لآتين هذا الراهب فلأنظرن ما عنده وكنت معنيا بالكتب، فأتيته وهو على باب ديره، فسلمت فرد السلام، ثم قال: ممن أنت، فقلت: من المسلمين، فقال: أمن أمة أحمد؟ فقلت: نعم، فقال: من علمائهم أنت أم من جهالهم؟ قلت: ما أنا من علمائهم ولا أنا من جهالهم، قال: فانكم تزعمون أنكم تدخلون الجنة وتأكلون من طعامها وتشربون من شرابها ولا تبولون فيها ولا تتغوطون؟ قلت: نحن نقول ذلك، وهو كذلك، قال: فان له مثلا في الدنيا فأخبرني بما هو؟ قلت: مثله كمثل الجنين في بطن أمه يأتيه رزق الله في بطن أمه ولا يبول ولا يتغوط، قال: فتربّد وجهه، ثم قال: أما أخبرتني أنك لست من علمائهم؟ قلت: ما كذبتك ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم قال: فانكم تزعمون أنكم تدخلون الجنة فتأكلون من طعامها وتشربون من شرابها ولا ينقص ذلك منها شيئا؟ قلت: نعم، نحن نقول ذلك وهو كذلك، قال: فان له مثلا في الدنيا فأخبرني ما هو؟ قلت مثله في الدنيا كمثل الحكمة لو تعلم منها خلق الله أجمعون لم ينقص ذلك منها شيئا، فتربّد وجهه، ثم قال: أما أخبرتني أنك لست من علمائهم؟ قلت ما كذبتك ما أنا من علمائهم ولا من (١١٧ - و) جهالهم، قال: وأنتم تزعمون أن الحسنة بعشر أمثالها، قلت: نحن نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإن له مثلا في الدنيا فأخبرني
стр. 3123
ما هو؟ قلت: مثله في الدنيا كمثل الرجل يمر على الملأ فيهم العشرة أو أكثر من ذلك، فيسلم عليهم فيردون ﵇ أجمعون، قال: فتربّد وجهه، وقال: أما أخبرتني أنك لست من علمائهم؟ قلت: ما كذبتك ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم قال: وأنتم ترون حقا عليكم في صلاتكم أن تستغفروا للمؤمنين والمؤمنات؟ قلت نعم قال: فالتفت الى أصحابه فقال: ما منهم من أحد يستغفر للمؤمنين والمؤمنات إلاّ كتب الله له من كل مؤمن ومؤمنة حسنة، قال: وأنتم ترون حقا عليكم أن تقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ قلت: نعم، فالتفت الى أصحابه فقال: ما منهم من أحد يقول ذلك إلاّ رد الله ﵇ من كل عبد صالح من أهل السماء والأرض مضى أو هو كائن الى يوم القيامة، ثم قال: هل فيكم ذو القرن يقوم اليه طفل من أطفاله فيرد قوله، ويصرف وجهه؟ قلت: قد كان ذلك، قال: هيهات هلكت هذه الامة لن تقوم الساعة على دين أرق من هذا الدين، وأرجو أن يكون كذب ان شاء الله، فقلت لعروة: كم تعدون القرن؟ قال ابن ستين سنة.
واللفظ لابن حزم (١).
أنبأنا أبو نصر بن الشيرازي قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم قال: أخبرنا جدي أبو المفضل يحيى بن علي (١١٧ - ظ) القرشي القاضي قال: أخبرنا عبد الرزاق بن عبد الله بن الحسن، ح.
قال الحافظ: وحدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن صابر قال: أخبرنا علي بن الحسن بن عبد السلام: وعبد الله بن عبد الرزاق بن عبد الله، ح.
قال: وأخبرنا أبو القاسم بن السوسي قال: أخبرنا أبو الحسن بن أبي الجزور قالوا: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي قال: حدثنا منصور بن جعفر بن ملاعب قال: حدثنا عبيد الله بن محمد النحوي قال: حدثنا ابن قتيبة قال: حدثنا أبو حاتم عن العتبي قال: لزم خالد بن يزيد بيته، فقيل له كيف تركت مجالسة الناس وقد عرفت فضلها، ولزمت بيتك؟ فقال: وهل بقي إلاّ حاسد على نعمة أو شامت بنكبه (٢).
стр. 3124
أخبرنا أبو البركات محمد بن أبي الامانة جبريل بن المغيرة بن سلطان في كتابه الينا من الديار المصرية-ونقلته من خطه-قال: أخبرنا أبو الجيوش عساكر بن علي ابن اسماعيل بن نصر المقرئ، قيل له: أنبأكم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ابراهيم الرازي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين المعروف بابن الطفال قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين المصبعي قال: حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وثيمة ابن موسى بن الفرات قال: قال محمد-يعني-بن عبد الله بن عبد الحكم: أول من ضرب الدنانير في الاسلام عبد الملك بن مروان، وانما كانت الدنانير تأتي من بلد الروم، ويطلق لهم القراطيس، وكان يكتب في رؤوس الطوامير «لن يستنكف المسيح أن يكون (١١٨ - و) عبد الله ولا الملائكة المقربون» (١) الى آخر الآية، فلما نظر ملك الروم الى الكتاب قال: ما هذا؟ فقرئ له، شتموا-الهك الذي تعبد، يعنون عيسى، فغضب وكتب الى عبد الملك يقول: والله لئن كتبت بعد هذا في الطوامير لأنقشن في الدنانير شتم نبيك، فاغتم عبد الملك، فدخل عليه خالد بن يزيد بن معاوية وكان داهيا، فأخبره فقال له خالد: لا تغتم اجعل عندك دارا للضرب، واضرب فيها وامنعه القراطيس فانه سيحتاج اليها فيأخذها على ما تشاء، وأبى ففعل، فكان أول من ضربها في الاسلام.
أخبرنا أبو بكر عبد الله بن عمر بن علي القرشي-بقراءتي عليه بحلب-قال:
أخبرنا أبو السعادات نصر الله المبارك بن عبد الرحمن بن محمد، والكاتبة شهدة بنت أحمد بن الآبرى، ح.
وأخبرنا أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش-قراءة عليه بحلب-قال: أخبرنا الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن الطوسي قالوا: أخبرنا أبو الحسن بن العلاف قال: أخبرنا أبو القاسم بن بشران قال: أخبرنا أبو العباس الكندي قال:
حدثنا أبو بكر الخرائطي قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال: حدثنا هشام عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال: حج عبد الملك بن مروان وحج معه خالد بن يزيد
стр. 3125
ابن معاوية، وكان من رجالات قريش المعدودين وعلمائهم، وكان عظيم القدر عند عبد الملك، فبينا هو يطوف بالبيت اذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام فعشقها عشقا شديدا، ووقعت بقلبه وقوعا (١١٨ - ظ) متمكنا، فلما أراد عبد الملك القفول هم خالد بالتخلف عنه، فوقع بقلب عبد الملك تهمه، فبعث اليه فسأله عن أمره، فقال:
يا أمير المؤمنين رملة بنت الزبير رأيتها تطوف بالبيت، قد أذهلت عقلي، والله ما أبديت اليك ما بي حتى على صبري، ولقد عرضت على عيني النوم، فلم تقبله والسلو على قلبي فامتنع منه، فأطال عبد الملك التعجب من ذلك، وقال: ما كنت أقول إنّ الهوى يستأسر مثلك، فقال: واني لأشد تعجبا من تعجبك مني، ولقد كنت أقول: ان الهوى لا يتمكن إلاّ من صنفين من الناس، من الشعراء والاعراب، فأما الشعراء فانهم ألزموا قلوبهم التفكر في النساء والغزل، فمال طبعهم الى النساء فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى فأسلموا اليه منقادين، وأما الأعراب فإن أحدهم يخلو بامرأته فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها، ولا يشغله شيء عنه فضعفوا عن دفع الهوى، فتمكن منهم، وجملة أمري فيما رأيت، نظرة حالت بيني وبين الحزم، وحسنت عندي ركوب الاثم، مثل نظرتي هذه فتبسم عبد الملك، وقال: أوكّل هذا قد بلغ بك؟ فقال: والله ما عرقتني هذه البلية قبل وقتي هذا، فوجه عبد الملك الى آل الزبير يخطب رملة على خالد، فذكروا لها ذلك، فقالت: لا والله أو يطلق نساءه، فطلق امرأتين كانتا عنده إحداهما من قريش والاخرى من الأزد، وظعن بها الى الشام وفيها يقول: (١١٩ - و).
أليس يزيد الشوق في كل ليلة … وفي كل يوم من حبيبنا قربا
خليلي ما من ساعة نذكر أنها … من الدهر إلاّ فرجت عني الكربا
أحب بني العوام طرا لحبها … ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
تجول خلاخيل النساء ولا أرى … لرملة خلخالا لا يجول ولا قلبا (١)
أخبرنا أبو المحاسن بن الفضل في كتابه قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن كزتيلا قال: أخبرنا أبو بكر محمد
стр. 3126
ابن علي الخياط قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الخضر السوسنجردي قال:
أخبرنا أبو جعفر أحمد بن علي بن محمد الكاتب قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن مروان السعدي قال: وقال خالد بن يزيد بن معاوية يرثي جده وأباه:
تجلد للعداة الشامتينا … ولا تر للحوادث مستكينا
وعز النفس ان سخطت بصبر … ينسيها التشكي والأنينا
فقد صكت قناتك بالمرادي … شعوب صدعت منها متونا
وغالت من بني حرب رجالا … هم كانوا الرجال الكاملينا
وهم كانوا الحماة من المخازي … وهم كانوا السقاة المطعمينا
يأذن الله والساعيين فيما … يشرف أمر دين المؤمنينا
فغالتهم شعوب غيبتهم … وهم عمد لأمر المسلمينا
فلو بقيت نفوسهم عليهم … ولم تجرزهم (١) الدنيا المنونا (١١٩ ظ)
لأصبح ما أهل الأرض عدنا … وأصبح لحم دنياهم سمينا
رأيت الناس لا قوا بعد جدي … معاوية الذي أبكى العيونا
وبعد أخي معاوية بن أخي … وبعد أبي يزيد الأقورينا
أنبأنا أبو البركات سعيد بن هاشم الأسدي قال: أنبأنا مسعود بن الحسن الثقفي عن أبي عمرو بن مندة قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن لوه قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: أنشدني أبي لخالد ابن يزيد بن معاوية:
أتعجب أن كنت ذا نعمة … وأنك فيها شريف مهيب
فكم ورد الموت من ناعم … وحب الحياة اليه عجيب
أخاف المنية لما دعت … وكرها يجيب لها من يجيب
سقته ذنوبا من أنفاسها … ويذخر للحي منها ذنوب
قال: وأنشدني أبي لخالد بن يزيد:
стр. 3127
ان سرك الشرف العظيم مع التقى … وتكون يوما أشد خوف وائلا
يوم الحساب اذا النفوس تفاضلت … في الوزن اذ غبط الأخف الثاقلا
فاعمل لما بعد الممات ولا تكن … عن حظ نفسك في حياتك غافلا
أخبرنا أبو نصر محمد بن هبة الله القاضي-فيما أذن لنا في روايته عنه- قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله قال: بلغني أن خالد بن يزيد وأمية (١٢٠ - و) بن خالد بن عبد الله بن أسد، وروح بن زنباع ماتوا بالصنبره (١) في عام واحد، وبلغني من وجه آخر أن روح بن زنباع مات في سنة أربع وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان.
وقال الحافظ أبو القاسم: قرأت بخط عبد الوهاب بن عيسى بن عبد الرحمن ابن ماهان: أخبرنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري قال: حدثنا محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري قال: أخبرني أحمد بن محمد بن القاسم قال: حدثني أبي عفير قال: حدثني أبي قال: حدثني يزيد الرقي قال توفي خالد بن يزيد بن معاوية سنة تسعين، فشهده الوليد بن عبد الملك وهو يومئذ خليفة فصلى عليه، وقال:
ليلق بني أمية الأردية على خالد فلن يتحسروا على مثله. (٢)
خالد بن يزيد:
أبو عبد الله الأزدي، حكى عن عمر بن عبد العزيز، وولي شرطته حين ولي الخلافة، وكان معه بدابق وبخناصرة، روى عنه المدائني، والليث بن سعد.
قرأت بخط أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه في مجلس أملاه عليه أبو عبد الله بن عرفة نفطويه قال: أخبرنا عبد الله بن محمد عن المدائني عن خالد ابن يزيد الأزدي، وكان على شرطة عمر بن عبد العزيز حين استخلف قال:
كان عمر بن عبد العزيز مع أبيه بمصر فضربه فرس فأصاب جبهته، فغشى عليه، وقالوا: مات وجاء رجل الى عبد العزيز فقال: أصلح الله الأمير احتسب (١٢٠ - ظ) ابنك عمر فان دابة ركضته فمات، فقال الأصبغ بن عبد العزيز: والله ما مات وجاء رجل آخر فقال: أصلح الله الأمير ان عمر ركضته دابة فغشي عليه ثم أفاق
стр. 3128
وقد شجه على وجهه، فقال الأصبغ: الله أكبر، فقال عبد العزيز: ما هذا قلت ما قلت ثم قلت الآن هل بلغك في ذلك شيء؟ فقال: نعم هو أشج بني مروان الذي يعدل في الناس، قال: فما تقول فيّ؟ قال: لا تلي الخلافة.
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد الأوقي قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قال: أخبرنا أبو الحسن الحربي قال: أخبرنا أبو محمد الصفار قال: أخبرنا عبد الباقي بن قانع قال: سنة تسع وثلاثين ومائة: خالد بن يزيد أبو عبد الله روى عنه الليث بن سعد، يعني، مات فيها.
خالد بن يزيد:
أبو الهيثم التميمي الكاتب، الخراساني الأصل، البغدادي الدار، كان كاتب الجيش ببغداد وولاه محمد بن عبد الملك الزيات الإعطاء بالثغور الشامية، فخرج اليها، ثم عاد الى بغداد ووسوس في آخر عمره.
حدث عن أبي تمام حبيب بن أوس الطائي بحديث ذكرناه في ترجمة حبيب ابن أوس، روى عنه أبو علي مفضل بن الفضل الشاعر، وأبو القاسم بن أبي حبة، وأبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكي المعروف بجحظه، وهلال بن العلاء، وأبو العباس ثعلب، والحسين بن اسحاق (١٢١ - و) وكان كاتبا شاعرا.
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله قال: أخبرنا أبو القاسم يحيى بن أسعد بن بوش قال: أخبرنا أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش قال:
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري قال: أخبرنا أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن موسى البرمكي جحظه قال: حدثني خالد الكاتب، قال: قال لي علي بن الجهم: هب لي بيتك: «ليت ما أصبح من رقة خديك بقلبك» قال: فقلت أرأيت أحدا يهب ولده (١).
أخبرنا أبو الحسن علي بن أبي عبد الله بن المقير-اذنا-عن أبي طالب المبارك
стр. 3129
ابن علي بن محمد بن خضير الصيرفي قال: أخبرنا أبو سعد أحمد بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي-قراءة عليه-قال: أنبأنا أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوي ويعرف بابن بشران قال: حدثنا علي بن منصور الحلبي قال: حدثنا علي بن محمد الشمشاطي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكي قال: حدثني خالد الكاتب قال: خرجت متنزها ذات يوم فرفع لي دير فأممته-فاذا فيه شاب لم أر أحسن وجها ولا أفصح لسانا منه مكبلا في الحديد فسلمت، فرد السلام ورحب، ثم قال: من تكون؟ فقلت خالد الكاتب، فقال: أصاحب المقطعات؟ فقلت: نعم فقال: أنشدني من مقطعاتك فأنشدته:
ترشفت من مقلتيها العقارا … وقبلت من خدها جلّنارا (١٢١ ظ)
وعانقت منها كثيبا مهيلا … وغصنا رطيبا وبدرا أنارا
وأبصرت من نورها في الظلام … بكل مكان بليل نهارا
فقال: أحسنت والله، ثم قال ألا أنشدك بيتين لتجزهما لي؟ فقلت: هاتهما، فأنشدني:
رب ليل أشفّ من نفس العاشق … طولا قطعته بانتحاب
وحديث ألذ من نظر المعشوق … بدلته ببؤس العتاب
قال خالد: فو الله ما قدرت على اجازتها، وأنا مذ عشرون سنة أفكر في ذلك ولا أقدر عليه.
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن-فيما أذن لنا في روايته عنه-قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد قال: أخبرنا ثعلب قال: ما أحد من الشعراء تكلم في الليل إلاّ قارب الا خالد الكاتب فانه أبدع في قوله «وليل المحب بلا آخر» فانه لم يجعل لليل آخرا وأنشدنا.
رقدت ولم ترث للساهر … وليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرقاد … ما صنع الدمع بالناظر
стр. 3130
أيا من تعبدني طرفة أجرني … من طرفك الجائر
وخذ للفؤاد فذاك الفؤاد … من طرفك الفاتن الفاتر
فمضيت الى خالد في سنة احدى وستين فأنشدني هذا الشعر. (٢٢ دو).
أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك قال:
أخبرنا أبو بكر البغدادي قال: أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: قال أحمد بن كامل القاضي: حدثت عن خالد الكاتب قال: قيل له من أين قلت في قصيدتك: «وليل المحب بلا آخر»؟ فقال: وقفت على باب، وسائل عليه مكفوف، وهو يقول:
الليل والنهار عليّ سواء، فأخذت هذا منه.
قلت: أنشدني شيخنا الحسن بن عمرو النحوي المعروف بابن دهن الحصا هذا المعنى:
فالآن ليلي مذغابوا فديتهم … ليل الضرير فصبحي غير منتظر
أنبأنا ابن طبرزد قال: أخبرنا أبو منصور بن خيرون قال: أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال: أخبرنا القاضي أبو حامد أحمد بن محمد بن أبي عمرو الدلّوي قال: حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري قال: سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن المظفر الأنباري يقول: سمعت أبا القاسم بن أبي حبة يقول سمعت خالد بن يزيد الكاتب يقول: بينا أنا مارّ بباب الطاق اذا راكب خلفي على بغلة، فلما لحقني نخسني بسوطه فقال: أأنت القائل يا خويلد: «وليل المحب بلا آخر»؟ قلت: نعم قال: لله أبوك، وصف امرؤ القيس الليل الطويل في ثلاثة أبيات، ووصفه النابغة في ثلاثة أبيات، ووصفه بشار بن برد في ثلاثة أبيات وبرزت عليهم بشطر كلمة فلله أبوك، قلت: وبم وصفه امرؤ القيس فقال بقوله (١٢٢ - ظ).
وليل كموج البحر أرخى سدوله … عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه … وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي … بصبح وما الإصباح منك بأمثل (١)
стр. 3131
قلت: وبم وصفه النابغة؟ فقال: بقوله:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب … وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وصدر أراح الليل عازب همه … فضاعف فيه الهم من كل جانب
تقاعس حتى قلت ليس بمنقض … وليس الذي يهدي النجوم بآئب (١)
قلت: بم وصفه بشار؟ فقال: بقوله:
خليليّ ما بال الدجى لا يزحزح … وما بال ضوء الصبح لا يتوضح
أظنّ الدجى طالت وما طالت الدجى … ولكن أطال الليل سقم مبرح
أضل النهار المستنير طريقه … أم الدهر ليل كله ليس يبرح (٢)
قلت له: يا مولاي هل لك في شعر قلته لم أسبق اليه؟ قال: نعم فقلت:
كلما اشتد خضوعي … لجوى بين ضلوعي
ركضت في حلبتي … خديّ خيل من دموعي
قال: فثنى رجله عن بغلته، وقال: هاكها فاركبها، فأنت أحق بها مني، فلما مضى سألت عنه فقيل هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي.
قرأت بخط أبي الفتح أحمد بن علي المدائني الحلبي في مجموع وهبنيه والدي (١٢٣ - و) ﵀ قال: وحدث أيضا جحظة قال: حدثني خالد الكاتب قال:
أدخلت على ابراهيم بن المهدي، وأنا غلام، فقال لي: أنت خالد؟ قلت: نعم، قال:
أنشدني شيئا، قلت: أعز الله الأمير أنا حدث أفرح وأقول في شجون نفسي لا أمدح ولا أهجو فان رأى الامير أن يعفيني فعل، فقال: والله لتقولن فان الذي تقوله في شجون نفسك أشد لدواعي البلاء فأنشدته:
عاتبت نفسي في هواك … فلم أجدها تقبل
وأطعت داعيها اليك … ولم أطع من يعذل
لا والذي جعل الوجوه … لحسن وجهك تمثل
стр. 3132
لا قلت إن الصبر عنك … من التصابي أجمل
قال: فصاح ابراهيم: وأي عليك ابراهيم ثم أنشده:
لو ترى ما أراه منك إذا … ما جال ماء الشباب في وجنتيك
لتمنيت أن تقبّل خديك … وإن لم تصل إلى خدّيك (١)
ثم أنشدته:
عش فحبّيك سريعا قاتلي … والضنا إن لم تصلني واصلي
ظفر الحب بقلب دنف بك … والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وبلى … تركاني كالقضيب الذابل
فبكى العاذل لي من رحمة … فبكائي لبكاء العاذل (١٢٣ - ظ)
قال: أحسنت والله، ثم قال: يا نصركم معك من العين؟ قال: ستمائة وخمسون دينارا، قال: ادفع إلى الفتى نصفها واجعل الكسر له سليما، فأخذتها وعدت الى منزلي، فاشتريت المنزل الذي كنت فيه فسترني وستر عيالي.
أنبأنا أبو حفص المكتب قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك قال: أخبرنا أبو بكر ابن أبي أحمد قال أخبرني علي بن أيوب القمي قال: أخبرنا محمد بن عمران المرزباني قال: أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثني الحسين بن اسحاق قال: حدثني أبو الهيثم خالد بن يزيد الكاتب الشاعر قال: لما بويع ابراهيم بن المهدي بالخلافة طلبني، وقد كان يعرفني، وكنت متصلا ببعض أسبابه، فأدخلت اليه فقال لي:
يا خالد أنشدني من شعرك، فقلت: يا أمير المؤمنين ليس شعري من الشعر الذي قال فيه رسول الله ﷺ : ان من الشعر حكما (٢)، وإنما أمزح وأهزل وليس مما ينشده أمير المؤمنين، فقال: لا تقل هذا يا خالد فإن جدّ الأدب وهزله جدّ، أنشدني فأنشدته:
стр. 3133
عش فحبيّك سريعا قاتلي … والضنا إن لم تصلني واصلي
ظفر الشوق بقلب كمد فيك … والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وبلى … تركاني كالقضيب الذابل
وبكى العاذل لي من رحمة … فبكائي لبكاء العاذل
فاستملح ذلك ووصلني.
أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا علي بن أبي علي قال: حدثنا الحسين بن محمد (١٢٤ - و) بن سليمان الكاتب قال: حدثني أبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بابن السقاء الواسطي بها قال: حدثني جحظة قال: قال لي خالد الكاتب: أضقت حتى عدمت القوت أياما، فلما كان في بعض الأيام بين المغرب وعشاء الآخرة فاذا بابي يدق، فقلت: من هذا؟ فقال: من إذا خرجت اليه رأيته، فخرجت فرأيت رجلا راكبا على حمار عليه طيلسان أسود، وعلى رأسه قلنسوة طويلة ومعه خادم، فقال لي: أنت الذي تقول:
أقول للسقم عد إلي بدني … حبّا لشيء يكون من سبيلك
قال: قلت: نعم، قال: أحب أن تنزل لي عنه، فقلت: وهل ينزل الرجل عن ولده؟ فتبسم، ثم قال: يا غلام أعطه ما معك، فأومأ إليّ بصره في ديباجة سوداء مختومة، فقلت: إني لا أقبل عطاء من لا أعرفه، فمن أنت؟ قال: أنا ابراهيم بن المهدي.
أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن محمود الساوي الصوفي الساوي قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد السّلقي قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن البرداني
стр. 3134
الشيخ الحافظ، قال: أنشدنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري قال:
أنشدنا عبد الله بن محمد بن حمدان العكبري بعكبرا (١) قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد لخالد الكاتب:
هل أنت منتفع بعلمك … مرة والعلم نافع
ومن المشير عليك بالرأي … السديد وأنت سامع (١٢٤ - ظ)
فالموت حوض أنت فيه … لا محالة منه كارع
فمن التقى فازرع فانك … حاصد ما أنت زارع (١٢٥ - و)
стр. 3135
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جعفر بن علاّن الوراق قال: أخبرنا أبو الفرج أحمد بن محمد بن أحمد الصامت قال: حدثني أحمد بن جعفر أبو الحسن البرمكي جحظة قال: كنا جلوسا على باب عبد الصمد ابن علي ومعنا رجل ينشدنا أشعار عبد الصمد بن المعذل اذ أقبل أبو الهيثم خالد ابن يزيد الكاتب فجلس الينا، فقال: فيم كنتم؟ فقلنا: بجهلنا، هذا ينشدنا شيئا من شعر عبد الصمد، فالتفت اليه خالد فقال: يافتى من الذي يقول:
تناسيت ما أوعيت سمعك يا سمعي … كأنك بعد الضر خال من النفع
ثم قال له: يافتى هل أحسن عبد الصمد أن يجعل للسمع سمعا؟ قال: لا، ثم أنشده:
لئن كان أضحى فوق خديه روضة … فان على خدي غديرا من الدمع
ثم نهض فقال لنا المنشد: من هذا؟ فقلنا: خالد فعدا خلفه، وانقطعت نعله، وانقلبت محبرته حتى كتب البيتين (١).
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي الحلبي-بها قراءة عليه وأنا أسمع- قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني-قلت: ونقلته أنا من خط السمعاني من أصل سماع شيخنا أبي هاشم-قال: أنشدنا يحيى بن علي ابن محمد بن علي البغدادي بها قال: أنشدنا عبد الصمد بن علي بن محمد المأموني
стр. 3136
قال: أنشدنا أبو الفضل محمد بن الحسن (١٢٦ - و) بن المأمون الهاشمي قال:
أنشدنا أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري قال: أنشدني أبي هذه الأبيات يخبر أنها لخالد الكاتب.
السن نضحك والأحشاء تحترق … وانما ضحكها زور ومختلف
ليت الذين رأوني ضاحكا زعموا … رأوا بكائي اذا ما أظلم الأفق
لولا مراقبة الأعداء لإستبقت … مني الدموع كما في السر تستبق
يا ربّ باك بعين قلبه فرح … ورب ضاحك سن ما به رمق
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل قال: أخبرنا أبو القاسم بن يونس قال:
أخبرنا أبو العز بن كادش قال: أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري قال:
أخبرنا المعافى بن زكريا الجريري قال: حدثنا ابراهيم بن الفضل بن حيان الحلواني قال: حدثني أبو بكر بن ضباب قال: سمعت بعض أصحابنا بالرقة يقول: كبر خالد الكاتب حتى دق عظمه، ورق جلده فوسوس، فرأيته ببغداد والصبيان يتبعونه ويصيحون به: يا بارد يا بارد، فأسند ظهره الى قصر المعتصم، فقال لهم:
كيف أكون باردا وأنا الذي أقول:
بكى عاذلي من رحمتي فرحمته … وكم مسعد من مثله ومعين
ورقّت دموع العيون حتى كأنها … دموع دموعي لا دموع جفوني
وكان خالد يتعمد في شعره مثل هذا (١).
أنبأنا عمر بن محمد الدار قزي قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون قال: أخبرنا أبو بكر البغدادي قال: أخبرنا (١٢٦ - ظ) الحسن بن أبي بكر قال:
أخبرنا أحمد بن كامل-فيما أجاز لنا روايته عنه-قال: أخبرني أبو الحسين علي ابن الحسن بن أحمد القرشي-من أهل حران-قال: سمعت هلال بن العلاء يقول رأيت خالد الكاتب الشاعر بمدينة السلام والناس يصيحون: يا بارد، يا بارد، ويرمونه بالحجارة فتساند الى حائط، وقال: ويلكم كيف أكون باردا وأنا الذي أقول:
стр. 3137
ولا مسه قلبي فآلم كفه … فمن لمس قلبي في أنامله عقر
ومرّ بفكري خاطرا فجرحته … ولم أر خلقا قط يجرحه الفكر
أنبأنا زيد بن الحسن قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد ابن علي الحافظ قال: أخبرنا علي بن طلحة المقرئ قال: أخبرنا أحمد بن محمد ابن عمران قال: حدثنا صالح بن محمد قال: حدثنا القاسم بن سهل قال: مر خالد الكاتب يوما بصبيان فجعلوا يرجمونه ويزنونه، ويقولون له: يا خالد يا بارد.
فقال لهم: ويلكم أنا بارد، وأنا الذي أقول:
سيدي أنت لم أقل سيدي أنت … لخلق سواك والصب عبد
خذ فؤادي فقد أتاك بود … وهو بكر ما اقتضه قط وجد
كبد رطبة يفتتها الوجد … وخذ فيه الدمع خدّ
قرأت بخط أبي الفتح أحمد بن علي بن النخاس المدائني الحلبي في مجموع وهبنيه والدي ﵀ قال: حدثني أبو الصقر المؤدب قال: أخبرني بعض تلامذة (١٢٧ - و) خالد بن يزيد الكاتب قال: رأيته يوما بعد ما كبر وهو راكب قصبة والصبيان من حوله، فقلت له: يا أستاذ ما الذي صار بك الى ما أرى فأنشأ يقول:
الهموم والسهر … والسهاد والفكر
سلّطت على جسد … فيه للهوى أثر
لا ومن كلفت به … ما يطيق ذا بشر
فقلت: يا أستاذ أريد أن تنشدني أرق ما تعرف، فقال أكتب:
رق فلو مرت به ذرة … أرجلها منعلة بالحرير
لأثرت فيه كما أثرت … مدامة في العارض المستنير
فقلت: يا أستاذ أريد أرق من هذا، فقال لي: أكتب.
أضمر أن أضمر حبي له … فيشتكي إضمار إضماري
رق فلو مرت به ذرة … لخضّبته بدم جار
стр. 3138
فقلت: يا أستاذ أريد أرق من هذا فقال: أكتب:
صافحته فاشتكت أنامله … وكاد يبقى بنانه بيدي
وكنت اذا صافحت يداه … يدي كأني قابض على البرد
لو لحظته العيون مدمنة … لذاب من رقة فلم يجد
فقلت: يا أستاذ أريد أرق من هذا، فقال لي: أكتب:
رقّته ما مثلها رقة … فان جفا فالويل من صدهّ (١٢٧ ظ)
قدرة عينيه على مهجتي … كقدرة المولى على عبده
قد جال ماء الحسن في خده … وضجت الأغصان من قده
فانقش بما شئت على خاتم … وشربه تقرأه من خده
فقلت: يا أستاذ أريد أرق من هذا، فقال لي: أكتب:
توهمه طرفي فأصبح خده … وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه كفي فآلم كفه … فمن غمز كفي في أنامله عقر
ومر بفكري خاطرا فجرحته … ولم أر جسما قط يجرحه الفكر
فلو أن كتاب العراق أكفهم … حوت قصب الآجام أمدادها البحر
يخطون ما جاءت به الصين كاغدا … وما نشرت من طيّ قرطاسها مصر
لما كتبوا معشار عشر عشير … ما تضمنه من حبك القلب والصدر
فقلت: يا أستاذ أريد أرق من هذا، فقال لي: أكتب:
تكوّن من نور الإله بلا مسّ بقول … عزيز: كن من الروح بالقدس
فلما رأته الشمس أحمد نورها … وقالت له: بالله أنت من الأنس
فقال لها: إني أظنك ضرتي … وخمّس بالكف المليح على الشمس
فقلت: يا أستاذ أريد أرق من هذا، فقال لي: قد تقدمت الى المنزل أن يصلحوا عدسا بسليق وأنا ألقاك غدا بشيء رقيق، وتركني وانصرف.
ونقلت من خط أبي الفتح المدائني المذكور في هذا المجموع: حدث أبو بكر
стр. 3139
(١٢٨ - و) قال: حدثني صديق لي قال: كنت ببغداد فرأيت خالد الكاتب يخاطب غلاما:
وهو يقول له:
ما آن أن يرحمني قلبك؟
فقال الغلام: لا
فقال خالد:
حتى متى يلعب بي حبك؟
فقال الغلام: أبدا
فقال خالد:
وكم أقاسي فيك جهد البلا؟
فقال الغلام: حتى تموت
فقال خالد:
لا كل ذا يا سيدي حسبك
فقال الغلام: بلى
فقال خالد:
لا أعدم الله فؤادي الهوى
فقال الغلام: آمين
فقال خالد:
يوما ولا جرّ به قلبك
فقال الغلام: فعل الله ذاك
فقال خالد:
إن كان ربي قد قضى ذا الهوى
فقال الغلام: فما علي أنا؟
فقال خالد:
وشدة الحب فما ذنبك؟
فقال الغلام: سل نفسك
стр. 3140
قال المحدث: فقلت للغلام: أما تستحي من هذا الرجل في جلالته؟ فقال:
فديتك كل من يلقى يقول له مثل هذا.
ذكر اليوسفي صاحب الرسائل، وهو في غالب ظني أحمد بن يوسف قال:
وحدثني أبو الحسن الشهرياري أن خالدا وقع بينه وبين الحلبي الشاعر الذي يقول فيه البحتري: «سل الحلبي عن حلب» (١)، وهي قصيدة، خلاف في معنى شعره، فقال له الحلبي: لا تعد طورك فأخرسك، فقال له خالد: لست هناك ولا فيك موضع للهجاء، ولكن ستعلم أني سأجعلك ضحكة، وكان الحلبي أوسخ الناس فجعل يهجو جبته وثيابه وطيلسانه فمن ذلك (١٢٨ - ظ) قوله:
وشاعر ذي منطق رائق … في جبة كالعارض البارق
قطعاء شلاء رباعية … دهرية مرقوعة العاتق
قدّمها العري على نفسه … تفصيلها في القدر السابق
وقوله:
وشاعر معدم له قوم … ليس عليهم في نصره لوم
قد ساعدوه في الجوع كلهم … فقرأ فكلّ غذاؤه الصوم
يأتيك في جبة مرقعة … أطول أعمار مثلها يوم
وطيلسان كالآل (٢) … يلبسه
على قميص كأنه غيم
من حلب في صميم سفلتها … غناه فقر وعزّه ضيم
قال: وقال فيه أيضا:
تاه على ربه فأفقره … حتى أراه الغنى فأنكره
فصار من طول حرفه علما … يقذفه الرزق حين يبصره
يا حلبيا قضى الإله له … بالتيه والفقر حين صوره
لو خلطوه بالملك وسّخه … ولو رموه في البحر كدره
стр. 3141
أنبأنا أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السباك قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي في كتابه عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال: (١٢٩ - و) أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني إجازة إن لم يكن سماعا قال: في ذكر خالد الكاتب في كتاب الأغاني: هو خالد بن يزيد، ويكنى أبا الهيثم من أهل بغداد وأصله من خراسان، وكان أحد كتاب الجيش، ووسوس في آخر عمره، وقيل إن السوداء غلبت عليه، وقال قوم بل كان يهوى جارية لبعض الملوك الوجوه ببغداد، فلم يقدر عليها، وولاه محمد بن عبد الملك الإعطاء بالثغور، فخرج فسمع في طريقه منشدا ينشد ومغنية تغني:
من كان ذا شجن بالشام يطلبه … ففي سوى الشام أمسى الأهل والشجن
فبكى حتى سقط على وجهه مغشيا عليه، ثم أفاق مختلطا واتصل ذلك حتى وسوس وبطل (١).
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي-فيما أذن لنا في روايته عنه-قال:
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال:
خالد بن يزيد أبو الهيثم التميمي خراساني الأصل، كان أحد كتاب الجيش ببغداد، وله شعر مدون، وشعره كله في الغزل، وعاش دهرا طويلا واختلط في آخر عمره، ويقال إنه عاش إلى خلافة المعتمد (٢).
خالد بن يوسف بن سعد
ابن الحسن بن المفرج بن بكار أبو البقاء النابلسي، ولد بنابلس ونشأ بدمشق وسمع بها الحافظ أبا محمد القاسم بن علي بن الحسن بن عساكر، وحنبل بن عبد الله المكبر، وشيوخنا: أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبا حفص بن طبرزد، وأبا البركات بن ملاعب، والقاضي أبا القاسم (١٢٩ - ظ) عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني، وتاج الأمناء أبا الفضل أحمد وأبا البركات الحسن ابني محمد بن الحسن ابن هبة الله، وجماعة غيرهم يطول ذكرهم، ورحل الى بغداد فسمع بها من الحافظ
стр. 3142
أبي محمد بن الاخضر وأبي عبد الله الحسين بن شنيف، وأبي العباس أحمد بن بركة ابن بركة بن الدبيقي، وعبد العزيز بن منينا وغيرهم.
ثم عاد إلى دمشق واجتاز في طريقه بحلب، وسمع بها من أبي الحجاج يوسف ابن خليل بن عبد الله، ولم يسمع بها من غيره، وكتبت عنه بدمشق، وسألته عن مولده، فقال سنة خمس وثمانين وخمسمائة تخمينا (١٣٠ - و).
خالد بن أبي خالد
له ذكر في وقعة صفين، شهدها مع علي ﵁، وقتل بها وهو في غالب طني خالد بن الحارث بن أبي خالد الأنصاري، الذي قدمنا ذكره، والله أعلم.
стр. 3143
خالص بن أحمد:
ابن خالص بن عبد الله بن خالص أبو القاسم بن أبي العباس الغافقي الإشبيلي ثم الشقري. قدم حلب وصحب بها محمد بن علي بن العربي، وتوجه منها صحبته إلى بلد الروم، ولم يتفق لي به اجتماع حين ورد حلب، وكان شاعرا مجيدا كتب عنه رفيقنا رشيد الدين محمد بن الحافظ عبد العظيم المنذري، وقرأت بخطه أنشدني الشيخ الجليل الفاضل أبو القاسم خالص بن أبي العباس أحمد بن خالص بن عبد الله بن خالص الغافقي الادريسي الاشبيلي الأصل، الشقيري المولد-مولده بجزيرة شقر (١) سنة تسع وثمانين وخمسائة ظنا-بالقاهرة في مستهل جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وستمائة، قال: أنشدني الأديب أبو الحسن علي بن أحمد بن حريق لنفسه بمرسيه (٢) فيما أظن، وقد سمعت منه كثيرا من شعره:
يا ليلة جادت الأماني بها … على رغم أنف دهري
أسبل فيها عليّ نعمى … يقصر عنها طويل شكري
إذ بات في منزلي حبيبي … وقام في أهله بعذر
فبت لا حالة كحالي ضجيع … بدر صريع خمر
(١٣١ - و)
يا ليلة القدر في الليالي … لأنت خير من ألف شهر
ونقلت من خطه أيضا: أنشدني أبو القاسم خالص المذكور لنفسه في التاريخ أعلاه من قصيدة:
سرت عطلا خوف العيون الرواصد … وجرس خليّ في الفضيحة جاهد
стр. 3144
وخافت تفرّي الليل عن صبح … وجهها فلادت فلم تحفل بإرسال وارد
ولولا نسيم الريح عرف عرفها … لنيل وصال دون واش وحاسد
وكم حيلة للهائم الصب في الهوى … يكيد بها والدهر جم المكائد
وما زال هذا الدهر يعتاق بالمنى … مناما ويسقينا سمام الأساود
يريد بنا ما لا نريد سفاهة … ويوردنا لا كان شر الموارد
ونقلت من خطه: وأنشدنا لنفسه في ذم دمشق.
لأهل دمشق في الدنيا شقاء … بسكناها وهون غير هين
مساكن من مساكنهم وإن لم … يحسّوا وهي شر الشقوتين
فإن لم تغتفر لهم ذنوب به … دخلوا جهنم مرتين
وفي أبو القاسم خالص بن أحمد (١).
стр. 3145
خبيق بن سابق:
أبو عبد الله الكوفي ثم الأنطاكي، كان من أهل الكوفة وتحول إلى أنطاكية هو وابنه عبد الله الزاهد، وحكى عن يوسف (١٣١ - ظ) بن أسباط روى عنه ابنه عبد الله بن خبيق.
أخبرنا أبو بكر عتيق بن أبي الفضل السلماني بدمشق قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن، ح.
وحدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي الفنكي قال: أنبأنا أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر قالا: أخبرنا الشريف النسيب أبو القاسم علي ابن ابراهيم بن العباس قال: أخبرنا أبو الحسن رشاء بن نظيف بن ما شاء الله قال:
أخبرنا أبو محمد الحسن بن اسماعيل بن محمد الضراب قال: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن مروان المالكي قال: حدثنا عمر بن حفص قال: حدثنا عبد الله بن خبيق قال:
سمعت أبي يقول: قال لي يوسف بن أسباط في مرضه الذي مات فيه: يا أبا عبد الله إذا أنا مت فصير اسماعيل بن داية فيمن يغسلني، قال: فقلت له: يا أبا محمد اسماعيل ليس من أصحابك، وهو من أصحاب السلطان، فأي شيء مذهبك في هذا؟ قال: دخلت الحمام فخدمني ولم أكافئه، وأنا أعلم أنه يسر أن يكون فيمن يغسلني فيكون هذا مكافأة لما كان منه.
قال ابن خبيق: قال أبي: دعونا سليمان الطبيب ليداوي يوسف وكان يرجع إليه عقله أحيانا، فيقول: إلاّ قليل، فلم يزل به حتى داواه وصح، فلما فرغ وأراد أن يخرج سليمان الطبيب، قال: يوسف أي شيء تعطونه؟ قلنا: لا يريد منك شيئا، قال: يا سبحان الله جئتم بطبيب الملوك ولا أعطيه شيئا! قلت: أعطه دينارا، فقال: خذ هذا فادفعه إليه وأعلمه أني لا أملك غيره، لأن لا يتوهم أني أقل مروءة
стр. 3146
(١٣٢ - و) من الملوك، فدفع إليّ صرة فيها خمسة عشر دينارا: فأخذتها فدفعتها إليه وجعل يوسف يعمل الخوص (١) بيده حتى مات.
ختلغ أبه
ويقال قتلغ أبه، وهو اسم تركي، ويعرب فيقال: خطلبا، وهو من مساليك السلطان محمود بن ملكشاه، ملك حلب سنة إحدى وعشرين وخمسمائة سلمها إليه بتوقيع الى نائبه مسعود بن آق سنقر البرسقى فأقام بها ستة أشهر ومدّ يدة في ظلم الرعية، واجتياح أموالهم والطمع فيها، واتهم أبا طالب عبد الرحمن بن العجمي بأن المجن بركات الفوعي أودعه وديعة، وسجنه وسجن عمه أبا عبد الله ابن العجمي، وضيق على أبي طالب وعذبه وثقب كعبه، وكان بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق بحلب، فصاح أهل حلب بشعاره، وقام فضائل بن بديع رئيس حلب معه، واتفقوا على أن حصروا ختلغ آبه وقبضوا على أصحابه، ووصل إليهم الى حلب إبراهيم بن الملك رضوان بن تتش، وكان بدر الدولة زوج أخت إبراهيم، فكانا يجبيان دخل حلب بينهما، وطال الحصار بختلع أبه الى نصف ذي الحجة، واتفق الأمر بينهم على أن استدعوا أتابك زنكي، فوصل وتسلم حلب وأخذ ختلع آبه وكحله (٢)، وانتقم الله منه لأهل حلب.
قرأت بخط أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن نزار التنوخي المعروف بابن العظيمي الحلبي في كتابه «الموصّل على الأصل الموصل» وهو التذكرة من سير الإسلام، وأخبرنا بذلك أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي-إجازة- (١٣٢ - ظ) قال: أجاز لنا أبو عبد الله بن العظيمي وقال: سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، ولما شرق عز الدين مسعود البرسقي ولىّ بحلب والقلعة الأمير تومان، فلما استقامت أموره بالشرق نفذ سرية مع أمراء منهم: ينال، وسنقر دراز وغيره، فلما وصلوا الى حلب لم يدخل تومان في الطاعة، فحالفه رئيس حلب فضائل بن بديع وأدخلهم الى حلب وأنزلهم قلعة الشريف (٣)، ووقع بين الوالي وأهل حلب،
стр. 3147
وبعد ذلك بأيام يسيرة وصل الى حلب غلام السلطان محمود واسمه ختلغ آبه بتوقيع عز الدين مسعود بحلب، وصحبته عمدة الدين سنقر الطويل صاحب حران المعروف بدراز، وسلم التوقيع الى تومان بتسليم الموضع الى خطلبا، فلم يقبل واحتج بعلامة بينه وبين عز الدين لم يتضمنها التوقيع واعترف بالخط حسب، وكانت العلامة بينهما صورة غزال، لأن عز الدين كان أحسن الناس نقوشا وتصاوير، وكان من الذكاء على أمر عظيم، وطال الأمر على خطلبا، وأشاروا عليه بالعودة فعاد، وكان عز الدين محاصر الرحبة وفيها قراقش الأمير حسين، رجل فارسي الأصل، فاستأمن ونزل، ونزل الموضع غيره: فمات عز الدين، فوصل في خمسة أيام فوجد مسعودا قد مات، وهو مطروح على قطعة بساط والعسكر مشغولون عن دفنه قد نهب بعضهم بعضا، فعاد خطلبا الى حلب في ثلاثة أيام، وعرف الناس بموته، فأدخله ابن بديع المدينة إلى (١٣٣ - و) داره، واستنزلوا تومان من القلعة بعدما صح عنده وفاة صاحبه فصانعهم على ألف دينار، وسلم القلعة، وملكها خطلبا واستحلفه الحلبيون، واستوثقوا منه، وطلع المركز بتاريخ الخميس لست بقين من جمادى الآخره من هذه السنة والقمر في الجوزاء على قران المريخ، ولما صعد وبقي أياما ظهر أنه من أهل الشر والظلم، فتشوشت قلوب الرعية وحمله قوم من أهل السوء على الطمع فتغير وبدّل ما حلف عليه، وصار يختم على تركة من يموت، ويرفع ماله إليه، ولا يكشف هل له وارث أم لا، وصح هذا عند الأمير بدر الدولة، والرئيس فضائل بن بديع، وأنه قد عوّل على قبضهما، فتحالفا عليه، واتفق معهما أحداث (١) حلب، فقاموا عليه ليلة الثلاثاء ثاني شوال ليلا، والقمر في القوس في ست درج على تسديس زحل، وكان غلمان خطلبا وحجابه وأصحابه في قلة، وكلهم يشربون في البلد لانه عشية عيد الفطر عند أصدقائهم ومعارفهم، فقبضهم الحلبيون وملأوا بهم الحبوس والمساجد، ودار ابن الأقريطشي، وقيدوهم وأصبحوا معتقلين، وزحف الناس كافة إلى باب القلعه، وحصروا القلعة، فقاتلهم النهار أجمع، ولما كان، الليل نزل أحرق القصر الذي لم يكن في البلاد مثله، وأتلف فيه من السقوف
стр. 3148
والأبواب والأخشاب والرخام، ودار الذهب حتى تواقع بعضه على (١٣٣ - ظ) بعض، وهجم الناس صبيحة تلك الليلة فنهبوا منه كلما قدروا عليه، وقتل من الناس جماعة، ووصل إلى باب حلب الأميران حسان بن كمشتكين البعلبكي وأخوه حسن صاحبا منبج وبزاعة بتاريخ السبت سابع شوال، وساماه الخروج معهما فأبى ذلك على ان يسلم حلب إلى بياض البلد وابن مالك ويتسكع، فلما أبى طال الحصار.
وصل بعد ذلك جوسلين (١) الى باب حلب في مائتي فارس ونزل بابلا (٢) وتقدم الى بانقوسا (٣)، ونفذ رسوله الى حلب بتاريخ الأحد ثامن شوال، وطلب خدمة فصانعوه ودفعوه.
وفي آخر شوال وصل الملك إبراهيم بن رضوان، فأدخلوه إلى حلب فأكرموه ونادوا بشعاره، وخرج صاحب أنطاكية البيمند ونزل صلدع (٤) بتاريخ الأربعاء حادي عشر شوال، والمراسلة تعمل، وركبوا بكرة ذلك اليوم، وضايقوا حلب، وركب الملك إبراهيم بن رضوان، وبدر الدولة، ونفر الحلبيون والرئيس ابن بديع في خلق عظيم وتراسلوا، فاستوت الهدنة، ووقعت الأيمان على المدة المعلومة، وحمل إليه ما اقترحه يوم الخميس ثاني عشر شوال، بعد أن أشرف الناس على الخطر العظيم ودخل رسول الافرنج قبض من حلب ألف دينار، وقرر ألفا أخرى وعاد إلى أنطاكية، وصار كلما غاب من الحلبيين رجل قد قتل أو صلب، وطال الأمر على خطلبا، وحفروا خندقا حول القلعة، فكلما خرج منها رجل أو دخل إليها أخذ إلى نصف ذي الحجة وصل (١٣٤ - و) الأمير سنقر دراز والأمير حسن قراقش وجماعة أمراء في عسكر قوي إلى باب حلب، واتفق الأمر على أن يسير بدر الدولة وخطلبا الى باب الموصل الى المولى الاصفهسلار (٥) الملك عماد الدين قسيم الدولة زنكي ابن قسيم الدولة آق سنقر إلى الموصل، فلمن ولىّ عاد الى منصبه، وأقام بحلب
стр. 3149
الأمير حسن قراقش والرئيس فضائل بن بديع، فأصلح عماد الدين بينهما، ولم يوقع لأحد منهما، وطمع بملك البلد وسير سرية إلى حلب مع الأمير الحاجب صلاح الدين العمادي، فوصل الى حلب، وأطلع الى القلعة واليا من قبله، ورتب الأمور، وجرت على يده على السداد.
وقال ابن العظيمي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، في جمادى الآخره، وصل قسيم الدولة أبو سعيد زنكي إلى حلب، وملكها وصعد القلعة، وبات بها، وعاد إلى نقرة بني أسد وقبض على خطلبا وحمله إلى حلب وسلمه الى عدوه ابن بديع، فكحلوه بداره في النصف من رجب (١).
стр. 3150
ذكر من اسمه خداش
خداش بن بشر بن خالد
ابن الحارث بن نبيه، وقيل خداش بن بشر بن عبد الحارث بن أبي خالد بن نبيه، وقيل خداش بن بشر بن أبي خالد، وقيل: ابن خالد بن نبيه بن قرط بن سفيان ابن محاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ بن أدبن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو يزيد، وقيل أبو مالك التميمي المجاشعي، وهو المعروف بالبعيث البصري شاعر إسلامي، قدم الشام ونزل على آل القعقاع العبسي (١٣٤ - ظ) أخوال الوليد بن عبد الملك، ومدحهم، وكانت منازلهم بناحية قنسرين بالحيار وما والاها.
وقيل إنه كان أخطب بني تميم، وكانت أمه أمة من أصبهان يقال لها بردة وقيل أمه سجستانية تسمى فرتنا.
أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا أبو غالب أحمد وأبو عبد الله يحيى ابنا الحسن بن البناء-إجازة-قالا: أخبرنا أبو الحسين بن الآبنوسي عن أبي الحسن الدارقطني. وقال أبو غالب: أنبأنا أبو الفتح عبد الكريم بن محمد بن أحمد المحاملي قال: أخبرنا أبو الحسن الدارقطني قال: البعيث الشاعر اسمه خداش بن بشر بن أبي خالد بن نبيه-بفتح الباء- (١) بن قرط بن سفيان بن مجاشع بن دارم يكنى أبا يزيد هو الذي هاجاه جرير وفيه يقول جرير:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي … وضغا (٢) البعيث جدعت أنف الأخطل (٣)
стр. 3151
وقيل هو خداش بن بشر بن عبد الحارث بن أبي خالد بن نبيه وسمي البعيث بقوله:
تبعث مني ما تبعث بعدما … أمرّت قواي واستمرّ عزيمتي (١)
أنبأنا القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني عن أبي محمد عبد الكريم بن حمزه السلمي قال: أنبأنا أبو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا قال:
وأما البعيث واسمه خداش بن بشر بن أبي خالد، وقيل ابن خالد بن نبيه-بفتح الباء-بن قرط بن سفيان بن مجاشع بن دارم، يكنى أبا يزيد، ويقال أبو مالك، هو الذي كان يهاجي جريرا، وقيل هو خداش بن بشر بن عبد الحارث بن أبي خالد بن نبيه، والأول أصح. ثم قال ابن ماكولا في باب خداش بكسر الخاء المعجمة وبعدها (١٣٥ - و) دال مهملة وآخره شين معجمة خداش بن بشر بن خالد وذكره (٢).
أنبأنا أبو المحاسن سليمان بن الفضل بن سليمان قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي قال: خداش بن بشر بن خالد بن الحارث بن نبيه ابن قرط بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو يزيد التميمي ثم المجاشعي، المعروف بالبعيث أحد الشعراء المجيدين، بصري قدم الشام وكان خطيبا شاعرا (٣).
أخبرنا عمر بن محمد المؤدب-فيما أذن لنا أن نرويه عنه-قال: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي-إجازة أو سماعا-قال: أخبرنا أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن عبد الوهاب بن السكري البزاز-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز الطاهري-قراءة عليه- قال: قرئ على أبي بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم بن راشد الجبلي قال:
стр. 3152
أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب بن محمد بن شعيب الجمحي قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن سلام بن عبيد الله بن زياد اللخمي في طبقات الشعراء الاسلاميين، قال: الطبقة الثانية من الإسلاميين أربعة: البعيث واسمه خداش بن بشر بن خالد بن الحارث بن نبيه بن قرط بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة، والقطامي، وكثير، وذو الرمة (١).
وقال: حدثنا محمد بن سلام قال: حدثني أبو الغراف قال: ورد على غسان السليطي الأعور النبهاني مر طيء، فسأله فقرن له، وقال: ألا تغن عنا جريرا؟ فقال: (١٣٥ - ظ).
إذا طلع العيوق أول كوكب … كفى اللّوم عند النازلين جرير
ألست كليبيا وأمه كلبة … لها بين أطناب البيوت هرير
ولو عند غسان السليطي عرّست … رعا قرن منها وكاس عفير (٢)
أتنسى نساء باليمامة منكم … نكحهن عبيدا مالهن مهور
فقال جرير:
وأعور من نبهان يعوي ودونه … من الليل بابا ظلمة وستور
رفعت له مشبوبه يهتدي بها … يكاد سناها في السماء يطير
وأعور من نبهان أما نهاره … فأعمى وأما ليله فقصير
تساق من المعزى مهور نسائهم … وفي شرط المعزى لهن مهور (٣)
قال: وحدثنا ابن سلام قال: حدثني أبو يحيى الضبي قال: كانوا كذلك حتى ورد البعيث المجاشعي عليهم، وكان ولدهم وولدوه فيشكوا إليه قهر جرير صاحبهم، فقال البعيث:
إذا نشرت معزى عطية وارتعت … بلاغا من المروت (٤) أخوى حميمها
تعرضت لي حتى صككتك صكة … على الوجه يكبو لليدين أميمها
стр. 3153
أليست كليب ألأم الناس كلهم … وأنت إذا عدّت كليب لئيمها
وكانت أم البعيث أمة حمراء سجستانية تسمى فرتنا، وكان يقال له ابن حمراء العجان، فهجاه جرير فثاوره، فضج إلى الفرزدق يومئذ بالبصرة (١٣٦ - و) وقد قيد نفسه وآلى لا يفك قيده حتى يقرأ القرآن، فقال البعيث:
لعمري لئن ألهى الفرزدق قيده … ودرج نوار ذو الدهان وذو الغسل
لينبعثن مني غداة مجاشع بديهة … لا وان الجزاء ولا وغسل
فقال جرير:
جزعت إلى درجي نوار وغسلها … فأصبحت عبدا ما يمرّ وما يحلى
وعده الناس مغلوبا حين استغاث.
قال: وقال الفرزدق إني إن وثبت على جرير الآن حققت على البعيث الغلبة، ولكن كأنني وثبت عليهما فأدع البعيث وآخذ جريرا، فقال: الطبيب أطب، فقال الفرزدق:
لودّ جرير اللّوم لو كان غائبا … ولم يدن من زأر الأسود الضراغم
وليس ابن حمراء العجان بمفلتي … ولم يزدجر طير النحوس الأشائم
وإنكما قد هجتماني عليكما … ولا تجزعا واستسمعا للمراجم (١)
وقال:
فإن يك قيدي كان نذرا نذرته … فما بي عن أحساب قومي من شغل (٢)
وقال:
دعاني ابن حمراء العجان فلم يجد له … إذ دعا مستأخرا عن دعائيا
فنفست عن سميه حتى تنفسا … وقلت له لا تخشى شيئا ورائيا
стр. 3154
فلما استطار كل واحد منهما في صاحبه قال البعيث (١٣٦ - ظ):
أشار كتني في ثعلب قد أكلته … فلم يبق إلا رأسه وأكارعه
فدونك خصييه وما ضمت استه … فإنك رمام خبيث مرتعه
قال: وسقط البعيث بينهما، ولج الهجاء نحوا من أربعين سنة، ولم يغلب واحد منهما على صاحبه، ولم يتهاج شاعران في العرب في جاهلية ولا إسلام بمثل ما تهاجيا به، وأشعارهما أكثر من أن نأتي عليها، ولكنما نكتب منها النادر (١).
أخبرنا محمد بن هبة الله القاضي-فما أذن لنا فيه-قال: أخبرنا أبو القاسم ابن أبي محمد قال: قرأت في كتاب محمد بن محمد بن الحسن الديناري بخط بعض أهل الادب: وجدت بخط أبي الفرج علي بن الحسين الأصبهاني-وأجازه لي- قال أخبرنا أبو الحسن الأسدي قال: حدثنا حماد-يعني-ابن اسحاق الموصلي عن أبيه قال: حدثني مروان بن أبي حفصة قال: هجا البعيث بطنا من باهلة يقال لهم بنو صحب، فاستعدوا عليه ابراهيم بن عربي في خلافة الوليد بن عبد الملك فضربه بالسياط وأمر به فطيف به في سوق حجر مجلودا فقال جرير يهجوه:
لئن هجوت بني صحب لقد تركوا … للأصبحية في جنبيك آثارا
قوم هم القوم لو عاد الزبير بهم … لم يسلموه وزادوا الحبل أمرارا
وكان البعيث وجرير والفرزدق يومئذ أحدّ ما كانوا في الهجاء، فخرج البعيث مراغما لابراهيم بن عربي لما صنع به فلحق بالشام ونزل البادية (١٣٧ - و) فجاور بني القعقاع أخوال الوليد بن عبد الملك، ومدحهم وهجا ابن عربي، وجعل جرير والفرزدق يهجوانه فروت العرب أشعارهما وخمل شعره لاعتزائه، فقال البعيث مما كان يهجو ابن عربي:
ترى منبر العبد اللئيم كأنما … ثلاثة غربان عليه وقوع
قال: فكان بعد ذلك ابن عربي اذا صعد المنبر تغامز به الناس، واذا رأى ابن عربي غرابا ساقطا يقول: لعنة الله على البعيث.
стр. 3155
قلت ومن مختار شعر البعيث قوله:
ألا طرقت ليلى الرفاق بغمرة … ومن دون ليلى يذبل (١) فالقعاقع (٢)
على حين ضم الليل من كل جانب … جناحيه وانصب النجوم الخواضع
طمعت بليلى أن تريغ وانما … تقطع أعناق الرجال المطامع
وتابعت ليلى في الخلاء ولم يكن … شهود على ليلى عذول مقانع
فما أنت من شيء اذا كنت كلما … تذكرت ليلى ماء عينيك دامع
خداش المنبجي:
حكى عنه أبو زرعة أحمد بن موسى.
أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي-اجازة ان لم يكن سماعا- قال: حدثنا عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتاني قال: أخبرنا أبو القاسم تمام ابن محمد بن عبد الله الرازي قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سليمان قال:
حدثني أبو زرعة أحمد بن موسى (١٣٧ - ظ) قال: وقال خداش المنبجي: قيل لبعض الرهبان: لم لبستم السواد وآثرتموه على لباس البياض؟ قال: هو محلة الاحزان ومعدن الهموم، ومسلك الصيانات.