← Тараджим

Тараджим · id 10798

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار

كمال الدين ابن العديم

Полный текст (4 683 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: أخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي، ح. وأنبأنا عمر بن طبرزد عن ابن السمرقندي قال: أخبرنا أبو القاسم بن مسعده قال: أخبرنا أبو القاسم حمزه بن يوسف قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي قال: أخبرنا بهلول بن إسحاق بن بهلول قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثنا كثيّر المري عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعة أجبل من جبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة»؛ قيل: فما الأجبل يا رسول الله؟ قال: «أحد جبل يحبنا ونحبه، جبل من جبال الجنة، وطور جبل من جبال الجنة (١٥٠ - و) ولبنان جبل من جبال الجنة، والأنهار النيل والفرات وسيحان وجيحان، والملاحم بدر وأحد والخندق وخيبر، وسقط ذكر الجبل الرابع. أنبأنا عيسى بن عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر الأصبهاني قال: أخبرنا أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن منير بن أحمد الحلاّل في كتابه قال: أخبرنا أبو بكر محمد ابن أحمد بن الفرج القمّاح قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن خلف بن قديد الأزدي قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول: أربعة أنهار من الجنة، وصفها الله في الدنيا فالنيل نهر العسل في الجنة والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة. أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الفنكي وفرج بن عبد الله الحبشي إجازة من كل واحد منهما قالا: أخبرنا أبو طاهر بركات بن ابراهيم الخشوعي قال: أخبرنا

стр. 352

أبو الحسن علي بن المشرف بن المسلم قال: أخبرنا القاضي أبو الحسن محمد بن حمّود الصواف قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد قال: حدثنا أبو حفص عمر بن المفضل بن المهاجر الربعي قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا زهير قال: حدثنا داود بن هلال (١٥٠ - ظ) عن الصلت بن دينار عن أبي صالح عن نوف البكالي قال: الصخرة تخرج من تحتها أربعة أنهار من الجنة سيحان وجيحان والفرات والنيل. وقرأت في تاريخ أبي زيد البلخي قال: وأهل الكتاب يزعمون أن أربعة أنهار تخرج من الجنة سيحان وجيحان والفرات والنيل (١). وقرأت في قصيدة الأعلام المزدوجة من نظم أبي عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي في ذكر الفرات وسيحان وجيحان: ثم انشمرنا في الفرات الرّحب … واد من الجنان ذات الحجب أيمن واد ومحلّ الخصب … بالبركات دهره ذو حلب وإنّه يوما من الأيّام … عن ذهب يحسر للأنام ينتابه قوم من الطغام … يقتّلون ثمّ في الزّحام وقال في تفسيره: قال النبي ﷺ : «يحسر الفرات عن جبل من ذهب يأتيه شرار الناس، فيقتل من كل عشرة تسعة». وسنذكر الحديث بإسناده في باب يأتي في كتابنا إن شاء الله تعالى. ثم ذكر المصّيصة وكفر بيّا في قصيدته وقال:

стр. 353

أهلاهما خصّا ببأس وجره … بينهما جيحان تحت القنطره يجري فيسقي يمنة وميسره … حتى ترى في البحر أفضى أثره ذاك وسيحان كصاحبين … حلاّ من الجنّة في المصرين (١٥١ - و) ***

стр. 354

باب في ذكر العاصي وهو نهر أنطاكية وحماه وذكر البردان وهو نهر طرسوس وهما نهران كبيران مشهوران يصبان في البحر الشامي، فأما نهر البردان فإنه يخرج من بلد الروم، ويمتد إلى طرسوس، ثم يصب في البحر، وتجري فيه السفن، ويشق وسط مدينة طرسوس، وماؤه موصوف بشدة البرد في الصيف. أنبأنا أبو القاسم بن رواحة الأنصاري عن الحافظ أبي طاهر الأصبهاني عن أحمد ابن محمد الآبنوسي قال: أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي قال: ومخرج البردان نهر طرسوس من طرف بلاد الروم على دعوة من طرسوس، ثم يصب في البحر الشامي على خمسة أميال من طرسوس، وهو شديد البرودة في الصيف، فاتر في الشتاء. وقد ذكرت في باب الفرات أنه وقع إلى رسالة في ذكر الدنيا وما فيها من الأقاليم والجبال والأنهار وقال فيها: والمشهور من هذه الأنهار الكبار اثنا عشر نهرا، وهي الدجلة والفرات والنيل، وجيحون، ونهر الشاش، وسيحان، وجيحان، ونهر بردان، ومهران، ونهر الرسّ، ونهر الملك ونهر الأهواز. وجميع هذه الأنهار تجري فيها السفن. قال: وأما سيحان وجيحان وبردان، فانهن أنهار طرسوس وأذنه والمصيصة، تخرج من بلد الروم، ثم تغيص في البحر، وكذلك سائر أنهار الشام جميعها إلاّ بردى (١٥١ - ظ) والأردن. وهذا غير مسلّم لصاحب الرسالة فإن في أنهار الشام عدة أنهر تصب في

стр. 355

الفرات، مثل نهر الساجور والنهر الأزرق وغيرهما من الأنهر التي ذكرنا أنها تغيص في الفرات وغيرها؛ فإن اعتذر له معتذر وقال: إنه أراد أنهار الشام الكبيرة مثل سيحان وجيحان وبردان، فنقول استثناؤه بردى أوجب مؤاخذته، فإن نهر الساجور والنهر الأزرق لا يقصران عن بردى في الكبر، فدل على أنه أراد جميع الأنهار التي بالشام. وأما نهر العاصي فيقال له الأرند والأرنط (١)، ويقال له العاصي والمقلوب، لأنه يخالف أنهار الدنيا كلها لأنه يجري من الجنوب إلى الشمال، بخلاف سائر الأنهر ومخرجه من أرض بعلبك من موضع يقال له اللّبوة، يخرج من عين هناك، شاهدتها ثم تمده عيون أخر في طريقه، ويجري حتى يشق بحيرة قدس (٢) من عمل حمص، ويمتد من غربي حمص، ويأتي إلى الرستن، ثم يأتي حماه من غربيها (٣)، فيلاصق دورها، ثم يأتي شيزر فيلصق بسفح قلعتها، ودور المدينة من الغرب والشمال، ويمتد الى أفامية، ويخرج الى أنطاكية فيحف بالمدينة من جهة الغرب، وينفصل عنها، فيصب في البحر. وكان ينسب إلى أنطاكية، فيقال الأرنط نهر أنطاكية، وأما في زمننا هذا فنسبته إلى حماه أكثر. وأهل حماه لا ينتفعون بمائه في السقي والزرع (١٥٢ - و) إلاّ بالنواعير، فإن عامة سقي بساتينهم منه بالنواعير، وكذلك الماء الذي يدخل إلى منازلهم. وأما حمص فإن بساتينها تشرب منه سيحا. وساق الملك المجاهد شيركوه بن محمد بن شيركوه حين كانت حمص له من العاصي أنهارا الى مدينة حمص، يجري

стр. 356

بعضها في المسجد الجامع والبيمارستان، والمنازل بها، ويجري منه في خندق المدينة والقلعة، وبعض الأنهر تسقي في قرى حمص. أنبأنا أبو القاسم بن رواحة عن الحافظ أبي طاهر عن ابن الآبنوسي قال: ذكر أبو الحسين بن المنادي في كتاب الحافظ من تأليفه قال: ومخرج الأرند نهر أنطاكية من أرض دمشق مما يلي طريق البريد، وهو يجري مع الجنوب، ولذلك يسمى المقلوب، ثم يصير في البحر الشامي. وقال أحمد بن محمد بن إسحاق الزيّات، ومخرج الأرند نهر أنطاكية من أرض دمشق مما يلي البريد، ويجري مع الجنوب، ويصب في البحر الرومي. هذا ما ذكره ابن المنادي وأحمد بن محمد الزيات أنه من أرض دمشق، وقد ذكرنا أن مخرجه من اللبوة، قرية من بلد بعلبك، ولعلهما أرادا أن بعلبك من أعمال دمشق، فنسبا أرضها إلى دمشق. (١٥٢ - ظ). ***

стр. 357

في ذكر البحر الشامي ويعرف أيضا ببحر الروم وهو ملاصق لأعمال حلب حرسها الله، من طرطوس إلى السويدية ساحل أنطاكية، وعلى شاطئه من مدنها طرسوس، وحصن أولاس، والإسكندرونة، وبيّاس، والمثقّب، والسويدية، والأنهار الأربعة التي ورد الحديث الصحيح أنها من أنهار الجنة، وهي النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان، يصب فيه ثلاثة منها، وهي النيل وسيحان وجيحان، فقد صار لحلب وعملها قسط من ماء النيل، فتكمل لها بركة الأنهار الأربعة، بعضها بحقيقه الأنهر وبعضها بالممازجة. وقد ورد في فضل سكان ساحل هذا المبحر ما أنا ذاكره، وهو ما أخبرنا به أبو يعقوب يوسف بن محمود الساوي الصوفي إجازة-إن لم يكن سماعا-قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السّلفي قراءة عليه وأنا حاضر أسمع، ح. وأنبأنا أبو الحسن علي بن المفضّل بن علي بن مفرج المقدسي قال: أخبرنا أبو طاهر السلفي والصالح المعمّر أبو الضياء بدر بن عبد الله الحبشي سماعا عليهما بالإسكندرية قالا: أخبرنا أبو إسماعيل إبراهيم بن الحسن بن محمد بن الحسين الموسوي قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي مطر المعافري قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر الفقيه قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله سوار قال: حدثنا أحمد ابن الحجاج قال: حدثنا حمزة قال: حدثنا محمد بن (١٥٣ - و) يزيد عن مالك بن

стр. 358

يحيى عن معاوية عن الأوزاعي عن بلال بن سعد عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من كبّر على شاطئ بحر الروم تكبيرة لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة جعل الله في ميزانه يوم القيامة صخرة أثقل من السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهن وما تحتهن». وقال: أخبرنا أبو الحسن الفقيه قال: حدثنا هانئ عن محمد بن هرون عن حفص بن عمر عن الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة طوبى لقوم من أمتي يموتون على ساحل البحر، يخرجون من قبورهم حتى يرذوا (١) العرش، فيقول الله تعالى: هؤلاء سكان السواحل؟ فيقولون: نعم، فيقول الله : لا حساب عليهم، انطلقوا فعانقوا الأبكار». أنبأنا سليمان بن الفضل بن سليمان قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ الدمشقي قال: أنبأنا أبوا محمد هبة الله بن أحمد بن الأكفاني وعبد الله بن أحمد بن عمر السمرقندي قالا: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد قال: أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك قال: حدثنا أنس بن السّلم قال: حدثنا الحسن بن يحيى القرشي قال: حدثنا إبراهيم اليماني قال: قدمت من اليمن، فأتيت سفيان الثوري فقلت: يا أبا عبد الله إني جعلت في نفسي أن أنزل جدّة فأرابط بها كل سنة، فأعتمر في كل شهر عمرة، وأحج في كل سنة حجة، وأقرب من أهلي، أحب إليك، أم آتي الشام (١٥٣ - ظ) فقال لي: يا أخا اليمن، عليك بسواحل الشام، عليك بسواحل الشام، فإن هذا البيت يحجه في كل عام مائة ألف ومائة ألف وثلاثمائة ألف، وما شاء الله من التضعيف، لك مثل حجهم وعمرهم ومناسكهم (٢).

стр. 359

أخبرنا إبراهيم بن محمود بن سالم إجازة قال: أنبأنا أبو الفتح بن البطّي قال: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي قال: أخبرنا أبو القاسم الطبري قال: أخبرنا محمد بن رزق الله قال: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري قال: حدثنا خلف ابن شمس المقرئ الخصيب على نهر عيسى قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري عن أبي إسحاق الجرشي عن الأوزاعي عن القاسم بن مخيمرة قال: كان لأبي قلابه الجرمي ابن أخ ركب المحارم، فاحتضر فجاء طائران أبيضان يشبهان النسرين، فجلسا في كوة البيت فقال أحد الطائرين لصاحبه: انزل ففتشه، فنزل ففتشه، ثم غرّق منقاره في جوفه، وذلك بعين أبي قلابه، فقال الطائر لصاحبه: الله أكبر، انزل إليه فقد وجدت في جوفه تكبيرة كبرها في سبيل الله على سور أنطاكية، فأخرج الطائر خرقة بيضاء فلفا روحه في الخرقة، ثم احتملاها، ثم قالا يا أبا قلابه قم الى ابن أخيك فادفنه فإنه من أهل الجنة؛ قال: وكان أبو قلابه عند الناس مرضيا، فخرج الى الناس، فأخبرهم بالذي ظهر: قال: فما رأيت جنازة أكثر أهلا منها. ***

стр. 360

فصل في صفة البحر الشامي وطوله وعرضه ذكر أبو العباس أحمد بن محمد بن يعقوب ابن القاص، قاضي طرسوس، في كتاب دلائل القبلة قال: وأما بحر الروم الذي هو بحر إفريقية والشام فيكون من عند الخليج الذي يخرج من عند البحر الأخضر إلى المشرق، يمد إلى صور وصيدا وأنطاكية وطرسوس، طوله خمسة آلاف ميل، وعرضه في مكان سبعمائة ميل، وفي مكان ثمان مائة ميل، يخرج منه خليج إلى ناحية الشمال قريب من الرومية، طول ذلك الخليج خمسمائة ميل يسمى أرس، وخليج آخر إلى خلف قبرس، ففي هذا البحر مائة واثنان وستون جزيرة عامرة، منها خمس جزائر عظام كقبرس. وقال: وبحر اللاذقية، فإنه يمدّ بين لاذقية إلى خلف قسطنطينية، يخرج منه خليج يجري كأنه نهر حتى يصب في بحر الروم، وعرضه عند قسطنطينية قدر ثلاثة أميال فقط مشرفة عليه. وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن عبد الله المسعودي في ذكر بحر الروم والشام: إن طوله خمسة آلاف ميل وعرضه مختلف، فمنه ثمانمائة ميل فما دونه، وأضيق موضع فيه بين سبتة وطنجة، وهو المعروف (١٥٤ - و) بزقاق سبتة نحو عشرة أميال. وعلى هذا البحر من المدن الغربية سبتة وطنجة، والجزائر وتونس والمهدية، وطرابلس وسفاقس. ومن المدن المصرية والثغور، الإسكندرية ورشيد، ودمياط، وتنيس؛ ومن المدن الشامية، غزة، وعسقلان، وعكا وصيدا، وصور، وبيروت، وطرابلس، واللاذقية، وأنطاكية، وأذنه وطرسوس وجبلة وغير ذلك (١). (١٥٤ - ظ) (٢).

стр. 361

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني: وبحر الروم وافريقية والشام ومصر طوله من الخليج الذي يخرج من بحر المغرب الى ناحية المشرق، ينتهي الى صور وصيدا، يكون ذلك مقدار خمسة ألاف ميل، وعرضه في مكان ستمائة ميل وفي مكان ثمانمائة ميل، ويخرج منه خليج الى ناحية الشمال قريب من الرومية، يكون طوله ثمانين ميلا، وفي هذا البحر مائتان واثنتان وستون جزيرة عامرة منها خمس جزائر عظام، أعظمها قوريس، يحيط بها مائتا ميل، وسردانية، يحيط بها ثلاثمائة ميل، وسقليه، يحيط بها خمس مائة ميل، وأطريقية يحيط بها ثمانمائة ميل، وقوبرس، يحيط بها ثلاثمائة وخمسون ميلا. قال: وعند القسطنطينية، يخرج منه، يعني من بحر نيطش خليج يجري كهيئة النهر، وينصب في بحر مصر، وعرضه عند القسطنطينية قدر ثلاثة أميال، بنيت القسطنطينية عليه. قال: وأما البحر الشامي، فانه اذا صارت الشمس في أول العقرب الى أن تصير في أول الحوت في هذه الاربعة الاشهر لا يستطيع الناس ركوبه، وذلك لان الشمس تباعد عنه، وتحدث فيه الرياح العاصفة، وذلك في ناحية الشمال منه. وقرأت في كتاب مروج الذهب تأليف (١٥٥ - و) أبي الحسن علي بن الحسين ابن علي بن عبد الله المسعودي قال: فأما بحر الروم وطرسوس، وأذنه، والمصيصة،

стр. 362

وأنطاكية، واللاذقية، وطرابلس، وصيدا وصور وغير ذلك من ساحل الشام، ومصر والاسكندرية، وساحل المغرب. فذكر جماعة من أصحاب الزيجات في كتبهم النجومية منهم محمد بن جابر البتاني وغيره أن طوله خمسة ألاف ميل، وعرضه مختلف، فمنه ثمانمائة ميل، ومنه سبعمائة، ومنه ستمائة، وأقل من ذلك على حسب مضايقة البر للبحر، والبحر للبر. ومبدأ هذا الخليج من خليج يخرج من بحر أقنابس، وأضيق موضع في هذا البحر بين ساحل طنجة وسبتة من بلاد المغرب وبين ساحل الاندلس، وهو الموضع المعروف بشيطا، وعرضه فيما بين الساحلين نحو من عشرة أميال، وهذا الموضع هو المعبر لمن أراد من المغرب الى الاندلس، ومن الاندلس الى المغرب، ويعرف بالزقاق، ويتشعب من بحر الروم والشام ومصر خليج من نحو خمسمائة ميل، يتصل بمدينة رومية، يسمى بالرومية ادوس، وفي البحر الرومي جزائر كثيرة، منها جزيرة قبرس بين ساحل الشام والروم، وجزيرة رودس مقابل الاسكندرية، وجزيرة أقريطش، وجزيرة صقلية، والتنانين فيه يعني بحر الشام كثيرة، وأكثر ما تكون فيه مما يلي طرابلس واللاذقية والجبل الاقرع من (١٥٥ - ظ) أعمال أنطاكية، وتحت هذا الجبل معظم ماء البحر، وأكثره، وهو يسمى عجز البحر وغايته الى ساحل أنطاكية وسيس والاسكندرية، وبياس، وحصن المثقب، وذلك في سفح جبل اللكام، وساحل المصيصة، وفيه مصب نهر جيحان، وساحل أذنة، وفيه مصب نهر سيحان، وساحل طرسوس، وفيه نهر مصب البردان، وهو نهر طرسوس. والعمارة على هذا البحر الرومي من المضيق الذي قدمنا ذكره، وهو الخليج الذي عليه طنجة متصل بساحل المغرب، وبلاد افريقية، والسوس، وطرابلس المغرب، والقيروان، وساحل برقة والرقادة، وبلاد الاسكندرية، ورشيد، وتنيس ودمياط، وساحل الثغور الشامية، ثم ساحل الروم متصل مارا الى بلاد رومية

стр. 363

الى أن يتصل بساحل الاندلس الذي ينتهي الى ساحل الخليج الضيق المقابل طنجة على ما ذكرنا أنه لا يقطع بين هذا البر كله، والعمائر التي وصفناها من الاسلام والروم، الى الانهار الجارية الى البحر إلا خليج القسطنطينية، وعرضه نحو من ميل، وخلجانات أخر من البحر الرومي داخلة في البر لا منفذلها، فجميع ما ذكرنا على شط هذا البحر الرومي متصل بالديار، غير منفصلين بماء يمنعهم أو بحر يقطعهم إلا ما ذكرنا من الأنهار، وخليج القسطنطينية، ومثال هذا البحر الرومي ومثال ما ذكرنا من العمائر عليه الى أن ينتهي الى مبدأه الخليج الاخذ من أقنابس الذي عليه المنار النحاس، ويلي الاعلام من طنجة وساحل (١٥ - و) الاندلس مثل الكرنيب فمقبضه الخليج والكرنيب على صفة البحر إلا أنه مدور الشكل لما ذكرنا من طوله. قال: وقد ذكر أحمد بن الطيب السرخي في رسالته في البحار والمياه والجبال عن الكندي: أن بحر الروم طوله ستة آلاف ميل من بلاد صور وطرابلس وأنطاكية والمثقب وساحل المصيصة وطرسوس وقلمية الى منار هرقل، وأن أعرض موضع فيه أربع مائة ميل. وقال: شاهدت أرباب المراكب في البحر الرومي من الحربية والعمالة وهم النواتية وأصحاب الارجل والرؤساء ومن يلي تدبير المراكب والحرب فيها، مثل لاون المكنى بأبي الحارث غلام زرافة صاحب طرابلس الشام من ساحل دمشق، وذلك بعد الثلاثمائة، يعظمون طول البحر الرومي وعرضه وكثرة خلجانه وتشعبه. وعلى هذا وجدت عبد الله بن وزير صاحب مدينة جبلة من ساحل حمص من أرض الشام، ولم يبق في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة أبصر منه بالبحر الرومي، ولا آنس به، وليس فيمن يركبه من أرباب المراكب من

стр. 364

البحرية والعمالة إلا وهو ينقاد الى قوله، ويقر له بالبصر والحذق مما هو عليه من الديانة والجهاد القديم فيه. (١). وأنبأنا الاخوان أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله، وأبو العباس أحمد الاسديان قالا: أخبرنا أبو طاهر السلفي إذنا عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي قال: ذكر أبو الحسين بن المنادي في كتاب الحافظ لمعارف (١٥٦ - ظ) حركات الشمس والقمر والنجوم، وأوصاف الافلاك، والأقاليم وأسماء بلدانها قال: حدثني هرون بن علي بن الحكم المزوق قال: حدثنا علي بن داود القنطري قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز الرملي قال: حدثنا محمد بن شعيب بن شابور قال: حدثنا عمر بن يزيد المنقري قال: في الكتاب الذي تنبأ عليه هرون ﵇ ان بحرنا هذا خليج من فنطس وفنطس خلفه محيط بالارض كريا فهو عنده كعين على سيف البحر، ومن خلفه الاصم محيط بالارض كلها، ففنطس ومادونه عنده كعين على سيف البحر، ومن خلفه المظلم محيط بالارض كلها، فالاصم ومادونه عنده كعين على سيف البحر ومن خلفه الماس محيط بالارض كلها، فالمظلم ومادونه عنده كعين على سيف البحر ومن خلفه الباكي، وهو ماء عذب أمره الله ﵎ أن يرتفع، فأراد أن يستجمع، فزجره، فهو باك يستغفر الله، محيط بالارض كلها، فالماس ومادونه عنده كعين على سيف البحر، ومن خلفه العرش محيط بالدنيا كلها، فالباكي ومادونه عنده كعين على سيف البحر. قال ابن المنادي: ثم بلغنا بعد ذلك أن البحر المعروف بفنطس من وراء قسطنطينية يجيء من بحر الخزر وعرض فوهته ستة أميال، فاذا بلغ أندس صار هنالك بين جبلين وضاق حتى يكون عرضه غلوة سهم، وبين أندس هذه وبين

стр. 365

قسطنطينية مائة ميل في مستوى من الارض، ثم يمر الخليج حتى يصب في بحر الشام، وعرضه عند مصبه ذلك مقدار غلوه (١٥٧ - و) سهم أيضا، وهنالك زعموا صخرة عليها برج فيه سلسلة تمنع المسلمين من دخول الخليج، وطول الخليج من بحر الخزر الى بحر الشام ثلاثة وعشرون ميلا تنحدر المراكب فيه من بحر الخزر وتيك النواحي، وتصعد فيه من بحر الشام الى القسطنطينية. وقال أبو الحسين بن المنادي: حدثنا جدي ﵀ قال: حدثنا يزيد بن هرون قال: أخبرنا العوام بن حوشب قال: حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال: خرجت ليلة بحرس الى الميناء، ولم يخرج تلك الليلة أحد غيري، فصعدت الميناء، فكان يخيل الي وأنا مستيقظ أن البحر يشرف حتى يحاذي برءوس الجبال ففعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ، ثم نمت فرأيت في النوم كأن الراية يبدي وأنا أمشي أمام أهل هذه المدينة، وهم يمشون خلفي، فلما أصبحت رجعت، فاستقبلني أمير المدينة، وأبو صالح مولى عمر بن الخطاب ﵀، فكانا أول من خرج من المدينة فقالا لي: أين الناس؟ قلت رجعوا قبلي، قالا: لم تصدقنا، انحن أول من خرج من المدينة، قال: قلت: لم يخرج أحد غيري، قالا: فما رأيت؟ قلت: والله لقد كان يخيل إليّ أن البحر يشرف حتى يحاذي برءوس الجبال، ففعل ذلك مرات وأنا مستيقظ، ثم نمت، فرأيت كأن الراية بيدي، وأنا أمشي أمام أهل هذه المدينة، وهم يمشون خلفي، فقال أبو صالح: صدقت، حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ أنه قال: ليس من ليلة إلا (١٥٧ - ظ) والبحر يشرف على الارض ثلاث مرات يستأذن الله في أن ينتضح عليهم، فيكفه الله، وأما ما رأيت من الراية فان تصدق رؤياك تفز بأجر أهل هذه المدينة الليلية، قال: وكان أبو صالح مباعدا لي قبل ذلك، فكأنه استأنس بي، فجعل يحدثني، وذكر كلاما قطعناه.

стр. 366

وعلى قول المسعودي فيما ذكرنا عنه أن التنانين في بحر الشام كثيرة، فوقع الى ببغداد من تصنيف أحمد بن محمد بن اسحاق الزيات مؤلف كتاب البلدان قال فيه: وقال المعلى بن هلال العوفي: كنت بالمصيصة فسمعتهم يتحدثون أن البحر ربما مكث أياما وليالي تصفق أمواجه، ويسمع له دوي شديد، فيقولون ما هذا الا لشيء قد آذى دوابّ البحر فهي تصيح الى الله، قال: فتقبل سحابة حتى تغيب في البحر، ثم تقبل أخرى حتى عد سبع سحابات، ثم ترتفع التي جاءت آخرهن وتتبعها التي تليها والريح تصفقها، ثم يرتفعن جميعا في السماء، وقد أخرجن شيئا يرونه أنه التنين، حتى تغيب عنا، ونحن نراه وننظر اليه ورأسه في السحاب، وذنبه يضطرب، فيقال أنه تطرحه الى يأجوج ومأجوج، قال: ويسكن البحر عند ذلك. قال الصوري: فربما رأيناه قد انفلت من السحاب ورجع الى البحر، فتجيء السحابة، ولها رعد وبرق حتى تخرجه ثانية، فربما مر في طريقه بالشجرة العادية العظيمة، فيقتلعها، أو الصخرة العظيمة فيرفعها (١٥٨ - و). ***

стр. 367

فصل في ذكر ماورد في ذم بحر الشام أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي فيما أذن لنا في روايته عنه قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا محمد بن عمر بن بكر المقرئ قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري قال: حدثنا سعد بن زنبور قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. قال محمد: وحدثنا سريج قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة-المعنى واحد-قال: قال رسول الله ﷺ : كلّم الله البحر الشامي فقال: يا بحر ألم أخلقك فأحسنت خلقك وأكثرت فيك من الماء؟ قال: بلى يا رب، قال: فكيف تصنع إذا حملت فيك عبادي يهللوني ويحمدوني ويسبحوني ويكبروني؟ قال: أغرقهم قال: فاني جاعل بأسك في نواحيك، وحاملهم على يدي، قال ثم كلم الله البحر الهندي فقال: يا بحر ألم أخلقك فأحسنت خلقك وأكثرت فيك من الماء؟ قال: بلى يا رب، قال فكيف تصنع اذا حملت فيك عبادي يهللوني ويسبحوني ويحمدوني ويكبروني؟ قال: أهللك معهم، وأسبحك معهم، وأكبرك معهم، وأحملهم بين ظهري وبطني، قال: فآتاه الله الحليه والصيد والطيب. قال أبو بكر أحمد بن علي: هكذا رواه عبد الرحمن بن عبد الله العمري عن سهيل (١٥٨ - ظ) وتابعه أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب فرواه

стр. 368

عن عمه عبد الله بن وهب عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وخالفه خالد بن خداش المهلبي فرواه عن عبد العزيز الدراوردي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الاحبار، وخالفهما خالد بن عبد الله الواسطي فرواه عن سهيل عن النعمان ابن أبي عياش الزرقي عن عبد الله بن عمرو موقوفا لم يجاوزه، ورفعه غير ثابت. قال: أما حديث ابن أخي عبد الله بن وهب فأخبرناه أبو بشر محمد بن عمر ابن محمد بن ابراهيم الوكيل قال: أخبرنا محمد بن المظفر الحافظ قال: حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: حدثنا عمي، حدثني الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ان الله تعالى كلم البحرين فقال للبحر الذي بالشام: يا بحر اني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء، وحامل فيك عبادا لي يسبحوني ويحمدوني ويهللوني ويكبروني، فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم، فقال الله: فاني أحملهم على ظهرك وأجعل بأسك في نواحيك، وقال للبحر الذي باليمن مثل ذلك، فما أنت صانع بهم؟ قال: أسبحك وأحمدك وأهللك معهم، وأكبرك معهم، وأحملهم في بطني وبين أضلاعي، قال الله: فاني أفضلك على البحر الآخر بالحيلة والطيب. قال: وأما حديث خالد بن (١٥٩ - و) خداش عن الدراوردي، فأخبرناه علي بن محمد بن عبد الله المعدل قال: أخبرنا الحسين بن صفوان البرذغي قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الاحبار قال: ان الله تعالى أوحى الى البحر الغربي حين خلقه قد خلقتك، فأحسنت خلقك فأكثرت فيك من الماء، واني حامل

стр. 369

فيك عبادا لي يكبروني ويسبحوني ويهللوني ويقدسوني فكيف تفعل بهم؟ قال: أغرقهم، قال الله: فاني أحملهم على كفي وأجعل بأسك في نواحيك، ثم قال للبحر الشرقي: قد خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، واني حامل فيك عبادا لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني، فكيف أنت فاعل بهم؟ قال: أكبرك معهم وأهللك معهم وأحمدك معهم، وأحملهم بين ظهري وبطني فأعطاه الله الحلية والصيد والطيب. قال: وأما حديث خالد بن عبد الله الواسطي عن سهيل فأخبرناه محمد بن الحسين القطان والحسن بن أبي بكر بن شاذان قالا: أخبرنا دعلج بن أحمد قال: أخبرنا محمد بن علي بن زيد الصائغ أن سعيد بن منصور حدثهم قال: حدثنا خالد ابن عبد الله عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي عياش الزرقي عن عبد الله بن عمرو قال: كلم الله هذا البحر الغربي فقال: يا بحر اني خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، واني حامل فيك عبادا لي يكبروني ويحمدوني (١٥٩ - ظ) ويسبحوني ويهللوني، فكيف أنت فاعل بهم؟ قال: أغرقهم، قال: بأسك في نواحيك، وأحملهم على يدي، وكلم الله هذا البحر الشرقي فقال: يا بحراني خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، واني حامل فيك عبادا لي يكبروني ويحمدوني ويسبحوني ويهللوني، فكيف أنت فاعل بهم؟ قال: اذا أسبحك معهم وأهللك معهم وأحملهم بين ظهري وبطني فأثابه الله الحلية والصيد. قلت: وقد تابع النعمان بن أبي عياش سعيد بن محمد بن عبد الله بن عمرو فرواه عن أبيه عبد الله بن عمرو موقوفا عليه. أنبأنا به أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن رواحة الحموي عن الحافظ أبي طاهر الاصبهاني عن أحمد بن محمد بن الابنوسي عن رجل عن أبي الحسين بن المنادي قال: أخبرنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا أبو سلمة التبوذكي

стр. 370

قال: حدثنا سعيد بن يزيد قال: حدثنا يزيد بن حازم قال: مربنا شعيب بن محمد ابن عبد الله بن عمرو بن العاص بالمدينة فجلس في حلقه سليمان بن يسار فحدثنا عن عبد الله بن عمرو قال: ان الله تعالى لما خلق بحر الشام أوحى اليه اني خلقتك واني حامل فيك عبادا الي يبتغون من فضلي يسبحوني ويقدسوني ويكبروني ويهللوني، فكيف أنت صانع بهم؟ قال: رب اذا أكسر بهم سفينتهم وأغرقهم، قال: اذهب فقد لعنتك، وسأنقل أو سأقل حليتك، وأقل صيدك، وأوحى الى بحر العراق اني قد خلقتك واني حامل فيك عبادا إليّ يبتغون من فضلي يسبحوني ويقدسوني ويكبروني ويهللوني (١٦٠ - و) فكيف أنت صانع بهم؟ قال: رب اذا أحملهم على ظهري وأحملهم في بطني، إذا سبحوك سبحتك معهم، واذا قدسوك قدستك معهم، واذا كبروك كبرتك معهم، وإذا هللوك هللتك معهم، قال: اذهب فقد باركت فيك، وسأكثر حليتك، وأكثر صيدك. وقد رواه صفوان بن عمرو عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ ، أخبرنا به أبو محمد وأبو العباس الأسديان، إجازة من كل واحد منهما، قالا: كتب إلينا أبو طاهر الحافظ أن أحمد بن محمد بن الآبنوسي أنبأهم قال: أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد بن دينار أبو محمد الفارسي قال: حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر الحرّاني قال: حدثنا محمد بن إسحاق العكاشي عن صفوان بن عمرو عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله أوحى إلى بحر الهند كيف أنت يا بحر الهند إذا حملت فيك عبادا لي يقدسوني ويهللوني

стр. 371

ويسبحوني ويكبروني؟ قال أكون لهم كالملوك على أسرتهم إذا سبحوك سبحتك، وإذا كبروك كبرتك، وإذا قدسوك قدستك، وإذا هللوك هللتك، فبارك الله فيه فأكثر حليته وصيده؛ وأوحى إلى بحر الروم كيف أنت يا بحر الروم إذا حملت فيك عبادا لي يقدسون (١٦٠ - ظ) ويهللون ويسبحون ويكبرون؟ قال: أكون لهم كفار بين الأسد إن ثبتوا فزعتّهم، وإن غرقوا أكلتهم، قال: فلعنه الله، وأقل حليته وصيده. ***

стр. 372

باب في ذكر البحيرات التي في أعمال حلب وتسمى الواحدة منها بحيرة لانبساطها على ظهر الأرض في سعة وامتداد تشبيهأ بالبحر وتخرج عن حدود الأنهار. فمنها: بحيرة أفامية، وهي بحيرة كبيرة مذكورة، ويجلب منها السمك السّلور، وهو الجرّيث، ويقال: إن قويق إذا مدّ في الشتاء وغاض ماؤه في الأجمة بالمطخ يحمر ماء بحيرة أفامية، فيقولون إنه يمر تحت الأرض إلى بحيرة أفامية، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وقال بعضهم: إن السّلور يحيض في ذلك الأوان فيحمر ماؤها، والله أعلم بذلك؛ ويضمن سلورها بمبلغ وافر. ومنها: بحيرة يغرا، وهي بحيرة كبيرة في جانب العمق، مستطيلة بعمق أنطاكية، وتعرف أيضا ببحيرة بغراس، ويجلب منها السمك الكثير، ولها ارتفاع وافر أيضا. ومنها: بحيرة أنزنيت، وهي بحيرة أصغر من البحرتين اللتين قدمنا ذكرهما، وهي بحيرة على جانبها تل عال، عليه قرية يقال لها أنزنيت بالقرب من مدينة الحدث، وتخم بلاد الروم، وأهلها أرمن وهي اليوم (١٦١ - و) من عمل بهسنى، بينها وبين الحدث. ***

стр. 373

باب في ذكر الجبال المذكورة بحلب وأعمالها ونبدأ أولا بالجبال التي تختص بها وبقراها، ثم نذكر ما هو في عملها سواها؛ فأولها: جبل جوشن، وهو جبل من غربي مدينة حلب، وفي لحفه نهر قويق، ويسمى قويق في ذلك الموضع العوجان؛ وهذا الجبل فيه معدن النحاس. وأخبرني والدي ﵀ قال: إنما امتنعوا من عمل النحاس به لأنهم عملوه فما حصل فيه فائدة، وقيل: إن سبب عدم الفائدة فيه قله الحطب بحلب. وقرأت بخط بعض الحلبيين، وأظنه بعض أعيان بني الموصول، قال: ويقال إنه بطل منذ عبر عليه سبي الحسين ونساؤه وأولاده ﵈، وأن زوجة الحسين كانت حاملا، وأنها أسقطت هناك وطلبت من الضيّاع (١) في ذلك الجبل خبزا أو ماء، وأنهم شتموها، ومنعوها فدعت عليهم، وإلى الآن من عمل فيه لم يربح سوى التعب. سمعت بعض شيوخ الشعية بحلب يقول: كان دعاؤها عليهم، لا أربح الله لكم تجارة، فما ربحوا بعدها. وقبلي الجبل فيه مشهد يعرف بالسقط، وهو يسمى مشهد الدكّة، والسقط يسمى المحسن بن الحسين. قلت وللشيعة بحلب فيه اعتقاد عظيم، وينذرون له النذور، وتسمية السقط

стр. 374

بالمحسن لا أصل له، لأن السقط لا يسمى، وإن كان استهل وسمي، فكان ينبغي أن يذكره النسابون في كتبهم، ومع هذا لم يذكر، اللهم إلاّ إن كان الحسين ﵇ عزم على تسمية ما في بطن امرأته المحسن، فلما أسقطت أطلق عليه هذا (١٦١ - ظ) الاسم، لكن هذا وغيره لم يذكر في كتاب يعتمد عليه، وإنما يتداول الحلبيون ما ذكرناه. ولما نزل الفربخ على حلب وحصروها في سنة ثمان عشرة وخمسمائة نبشوا الضريح الذي يقال به السقط في المشهد المذكور، ونزلوا فيه، فلم يروا فيه شيئا فأحرقوه، وكان أبو الفضل بن الخشاب حيئذ يتولى تدبير أمر المدينة في الحصار فغير كنائس النصارى بحلب، واتخذ فيها محاريب إلى جهة القبلة، وجعلها مساجد؛ أخبرني بذلك والدي ﵀ عن أبيه. وإنما عرف هذا المشهد مشهد الدكّة لأن في سطح جبل جوشن من شمالي المشهد المذكور في مكان مشرف صخرة ناتئة في الجبل تشبه الدكّة المبنية. ووقفت يوما عليها ومعي رضى الدين أبو سالم بن المنذر، وكان شيخا حسنا من أعيان الحلبيين فقال لي: هذه الدكة كان يجلس عليها الأمير سيف الدولة بن حمدان كثيرا ويتفرج على مدينة حلب وما حولها، فلا يستتر عنه شيء منها؛ وهذا المشهد جدد عمارته قسيم الدولة أق سنقر والدزنكي، واسمه عليه. وفي سفح جبل جوشن من شمالي مشهد الدكّة مشهد آخر يسمى مشهد الحسين، بناه الحلبيون لمنام زعموا أنه رؤي، وتنوقوا في بنائه وإحكامه ومنجوره، وتبرع جماعة من الصناع في عمارة شيء منه، وأظهر صنعته فيه؛ ووقف الملك الظاهر غازي ﵀ عليه وقفا حسنا، استمالة لقلوب الشيعة من أهل حلب. وكان في سفح جبل جوشن دير للنصارى يعرف بدير البيعتين، ويعرف أيضا بمارة مروثا (١٦١ - و) وقد ذكره الشمشاطي في كتاب الديرة، وقيل إن

стр. 375

سيف الدولة كان أيام مقامه بالحلبة في قصره كان ينتباب هذا الدير، ويحسن إلى أهله، وقد خرب هذا الدير بالكلية، ولم يبق له أثر، وكان من شمالي مشهد الحسين، وأراني موضعه بعض أكابر أهل حلب؛ وقد ذكره أبو عيسى صالح بن محمد بن إسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي في قصيدة قالها في إحراق المنتزهات حول حلب، وأظن أن سيما الطويل أحرقها، أول القصيدة. عفا أثر من المتنزّهات قال فيها: إلى البرج المنيف فبيعتيه … إلى تلك الديار الخاليات وهذا الدير هو الذي عناه الخالديان بقولهما من قصيدة يأتي ذكرها في موضعها واستشرفت نفسي الى مستشرف … للدّيرتاه بحسنه وبطيبه فنعمت بين رياضه وغياضه … وسكرت بين سكوره وعروبه (١) وقد ذكر جماعة من الشعراء جبل جوشن، فمنهم أبو بكر الصّنوبري قال: فللظهر من حلب منزل … تثاب العيون على حجّه أعد نحو جوشنه نظرة … الى بيعتيه الى برجه (٢) وأنشدنا الخطيب أبو عبد الله محمد بن هاشم بن أحمد بن عبد الواحد الحلبي قال: أنشدنا أبي هاشم الخطيب بحلب قال أنشدنا أبي أحمد بن عبد الواحد الأسدي قال: أنشدنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن سنان الخفاجي الحلبي لنفسه: قل للنسيم إذا حملت تحية … فاهد السلام لجوشن وهضابه

стр. 376

واسأله هل سحب الربيع رداءه … فيها وجرّ الفضل من هدّابه (١٦٢ - ظ) وتبسمت عنه الرياض وأفصحت … بثناء بارقه ومدح سحابه فلقد حننت وعادني من نحوه … شجن بخلت به على خطابه (١) وأنشدنا أبو عبد الله الخطيب قال: أنشدني أبي قال: أنشدني أبي قال: أنشدنا أبو محمد الخفاجي لنفسه: يا برق طالع من ثنيّه جوشن … حلبا وحيّ كريمة من أهلها (٢) وقال الاستاذ أبو نصر منصور بن المسلم بن أبي الخرجين الحلبي المعروف بالدّميك (٣). عسى مورد من سفح جوشن ناقع … فإني الى تلك الموارد ظمآن وما كلّ ظن ظنّه المرء كائن … يقوم عليه للحقيقة برهان ***

стр. 377

ذكر جبل بانقوسا وهو جبل ممتد قليل الارتفاع من شرقي مدينة حلب، وبينها وبين بابلى (١)، وحلب فيما بينه وبين جبل جوشن، وقد كان مسكونا وفيه آثار صهاريج للماء، ولم يبق من أثر بنيانه القديم غير الصهاريج، ثم بني في سفحه أبنية كثيرة جدد أكثرها في أيام الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر، ثم اتصل البناء الى سطح الجبل، وبني عليه منازل كثيرة في دولة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز أعز الله أنصاره، وقيل إن منبت خشب الشربين بحلب كان ببانقوسا، وهو خشب السرو، ومنه كانت تعمل السقوف بحلب، (١٦٣ - و) والسقوف في آدر حلب القديمة والأنجاف من خشب الشربين، ويدل على ذلك وصف الصّنوبري حلب بكثرة السّرو كما في قوله في القصيدة الهائية التي يأتي ذكرها في باب مدح حلب إن شاء الله. أي حسن ما حوته … حلب أو ما حواها سروها الداني كما تد … نو فتاة لفتاها وفيها: بانقوساها بهابا … هى المباهي حيث باها (٢) وأخبرنا قاضي العسكر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الخضر قال: كانت حلب من أكثر المدن شجرا، فأفنى شجرها وقوع الخلف بين سيف الدوله بن حمدان وبين الإخشيد أبي بكر محمد بن طغج، فإن الإخشيد كان ينزل على حلب

стр. 378

ويحاصرها، ويقطع شجرها، فإذا أخذها وصعد الى مصر جاء سيف الدوله، وفعل بها مثل ذلك، وتكرر ذلك منهما حتى فني ما بها من الشجر، واتفق بعد ذلك نزول الروم على حلب، وأخذ المدينة في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ففني شجر الشّربين لذلك، وكانت الوقعة بين سيف الدولة وبين الدمستق في هذه السنة بسفح بانقوسا، وسميت وقعة بانقوسا، وقتل فيها جماعة من أهله وكتابه، وكان عسكره غائبا مع نجا، واستولى الدمستق على حلب تسعة أيام، وسنذكر الوقعة فيما يأتي من كتابنا هذا في موضعها، والحيات التي ببانقوسا قواتل لا يسلم (١٦٣ - ظ) من لدغته بل يموت في الحال، وحيات داخل المدينه لا تكاد تقتل أحدا، وبين المدينة وبين بانقوسا مقدار شوط من جري الفرس، وقد ذكرت بانقوسا كثيرا في الشعر، وقال الصّنوبري في القصيدة الجيمية بعد البيتين اللذين ذكرناهما في جبل جوشن: الى بانقوسا تلك التي … حكت راكبا لاح من فجه لترتاض نفسك في روضه … ويمرج طرفك في مرجه (١) وقال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري يذكر بانقوسا وبابلى وبطياس: أقام كلّ ملثّ الودق رّجاس … على ديار بعلو الشام أدراس فيها لعلوة مصطاف ومرتبع … من بانقوسا وبابلّى وبطياس منازل أنكرتنا بعد معرفة … وأوحشت من هوانا بعد إيناس هل من سبيل إلى الظّهران من حلب … ونشوة بين ذاك الورد والآس إذا أقبل الريح-والأيام مقبلة- … من أهيف خنث العطفين مياس (٢)

стр. 379

ذكر جبل سمعان وهذا الجبل غربي مدينة حلب أوله شمالي جبل جوشن، ثم يمتد غربا ويتصل بجبال عدة محسوبة منه، الى كورة تيزين، وهو جبل نزه، كثير الشجر من التين والزيتون والكرم والكمثرى؛ وفيه آثار عظيمه من بناء الروم، وفيه دير سمعان (١)، وكان من الأبنيه العظيمة المستحسنة التي تقصد لحسنها (١٦٤ - و-) وكان على الدير حصن مانع، أخربه سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان، خوفا من غلبة الروم عليه، ومضايقتهم حلب به. وهذا الدير غير دير سمعان الذي دفن فيه عمر بن عبد العزيز ﵁ بالقرب من معرة النعمان، ويعرف بدير النّقيرة أيضا. وفي هذا الدير الذي بجبل سمعان يقول أبو الفوارس بن أبي الفرج الاستاذ البزاعي، أنشدنا عبد الرحمن بن أبي غانم بن إبراهيم بن سندي الحلبي قال: أنشدني أبو الفوارس بن أبي الفرج البزاعي الاستاذ لنفسه وكتبها على حائط دير سمعان؛ وقرأت هذه الأبيات أيضا بخط اللطيف علي بن سنان السراج، وذكر أنه أنشده إياها أبو الفوارس لنفسه، وكتبها على حائط دير سمعان، وقد أتاه متفرجا في سنة إحدى وثمانين وخمسمائه. يا دير سمعان قل لي أين سمعان … وأين بانوك خبرني متى بانوا وأين سكانك القوم الألى سلفوا … قد أصبحوا وهم في الترب سكان أصبحت قفرا خرابا مثل ما خربوا … بالموت ثم انقضى عمر وعمران وقفت أسأله جهلا ليخبرني … هيهات من صامت بالنطق تبيان أجابني بلسان الحال إنهم … كانوا ويكفيك قولي إنهم كانوا (٢)

стр. 380

وقيل إن هذا الجبل ينسب إلى سمعان حواري عيسى ﵇ الذي ينسب الدير إليه، وسنذكر ترجمته إن شاء الله، وقيل سمعان هو اسم (١٦٤ - ظ) الجبل نفسه، والدير المذكور مضاف إلى الجبل المسمى بسمعان ويدل على ذلك ما أخبرنا أبو البيان بن أبي المكارم بن هجام الحنفي بالقاهرة المعزية قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن منصور الحضرمي قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن أحمد ابن عيسى السعدي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي المقرئ قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن نعيم قال: حدثنا أبو علي عبيد الله الدارسي حدثني أبو مسعود عبيد بن سميع عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما قدم وفد إياد قال لهم رسول الله: «ما فعل قس بن ساعدة»؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: «يرحم الله قس بن ساعدة كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أورق، وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة، وما أجدني أحفظه»؛ فقال أبو بكر ﵁: سمعته يقول بسوق عكاظ: أيها الناس، اسمعوا واحفظوا من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، ومطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، وضوء وظلام، وبر وأثام، ولباس ومركب ومطعم ومشرب، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا (١٦٥ - و) بالمقام هنالك فأقاموا، أم تركوا هنالك فناموا، يقسم بالله قس بن ساعدة قسما برّا لا إثم فيه، ما لله في الأرض دين أحب إليه من دين قد أظلكم زمانه، وأدرككم أوانه، طوبى لمن أدركه فتابعه، وويل لمن أدركه ففارقه، ثم أنشأ يقول:

стр. 381

في الذاهبين الأولين … من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها … يمضي الأصاغر والأكابر لا من مضى منهم يرا … جعهم ولا الباقي بغابر أيقنت أني لا محا … لة حيث صار القوم صائر فقال رسول الله ﷺ : «رحم الله قس بن ساعدة إني لأرجو أن يأتي يوم القيامة أمة وحده»، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، لقد رأيت من قس عجبا، قال: «وما الذي رأيت؟» قال: بينا أنا يوما بجبل في ناحيتنا يقال له سمعان في يوم قائظ شديد الحر، إذا أنا بقس بن ساعدة في ظل شجرة عندها عين من ماء، وإذا حوله سباع كثيرة قد وردت، وهي تشرب من الماء، فإذا زأر سبع منها على صاحبه، ضربه بيده، وقال: كفّ حتى يشرب من الذي ورد قبلك، فلما رأيته وما حوله من السباع هالني ذلك، ودخلني رعب شديد، فقال لي: لا تخف، لا بأس عليك إن شاء الله، وإذا (١٦٥ - ظ) أنا بقبرين، بينهما مسجد، فلما أنست به قلت له ما هذان القبران؟ قال: هذان قبرا أخوين كانا لي يعبدان الله في هذا الموضع، واتخذت فيما بينهما مسجدا أعبد الله فيه حتى ألحق بهما، ثم ذكر أيامهما وفعالهما، فبكى ثم قال: خليلي هبّا طالما قد رقدتما … أجدكما لا تقضيان كراكما ألم تعلما أني بسمعان مفرد … وما لي فيها من حبيب سواكما أقيم على قبريكما لست نازحا … طوال الليالي أو يجيب صداكما أبكيكما طول الحياة وما الذي … يردّ على ذي لوعة إن بكاكما كأنكما والموت أقرب غاية … بروحي في قبريكما قد أتاكما فلو جعلت نفس لنفس وقاية … لجدت بنفسي أن تكون وقاكما

стр. 382

فقال رسول الله ﷺ : «يرحم الله قس بن ساعدة». فقد صرح في هذا الخبر بقوله: بجبل في ناحيتنا يقال له سمعان، وفي الشعر ألم تعلما أني بسمعان مفرد ويجوز أن يكون الجبل في الأصل منسوبا الى سمعان، ثم غلب الاسم على الجبل، كما سمي جبل البشر باسم رجل يقال له البشر، ثم غلب على الجبل، ومثل هذا كثير في كلام العرب، وفي هذا الجبل قرية يقال لها روحين، وفي أرضها مشهد حسن يقال له مشهد روحين، وفيه قبور ثلاثة، قيل ان أحد القبور قبرقس، والى جانبه عين اذا زاد الماء سرحت. وسنذكره فيما يأتي من المزارات بمدينة حلب وأعمالها ان شاء الله. وفي وسط هذا الجبل جبل عال شاهق على الجبال التي حوله، يقال له بيت لاها (١٦٦ - و) وهو بيت لاها الشرقي، لان جبل اللكام يقال له بيت لاها الغربي، ومعناه بالسريانية بيت الله، ويقال: إن ابراهيم ﵇ لما هاجر الى الشام كان يرعى غنمه من أرض حلب الى بيت لاها، ويقال لما حوله من الجبال، جبل ليلون، وقيل فيه لولون، كذا ذكره البلاذري في حديث الجراجمة (١) وهو من أحسن الاماكن وأكثرها بهجة، وجميعها من جبل سمعان، وأنشدني منصور بن سعيد بن أبي العلاء الحلبي قال: أنشدني عيسى بن سعدان لنفسه. يا دار علوة ما جيدي بمنعطف … إلى سؤال ولا قلبي بمنجذب ويا قرى الشام من ليلون لا بخلت … على بلادكم هطالة السحب ما مر برقك مجتازا على بصري … إلاّ وذكرني الدارين من حلب

стр. 383

ليت العواصم من شرقي فامية … أهدت إليّ نسيم البان والغرب ما كان أطيب أيامي بقربهم … حتى رمتنا عوادي الدهر عن كثب (١) ولمحاسن بن اسماعيل بن علي الشوا من قصيدة أولها: أيّها المزن إن طرقت الأحصّا … فاسق منه ذاك المكان الأخصا قال فيها: وتعهد ليلون ليلا تجد زهر … عراص تحكي بروقل عرصا ***

стр. 384

ذكر الجبل الأعلى وهو جبل عال يتصل بجبل سمعان من جهة الشمال، وبجبل السماق من قبليه (١٦٦ - ظ) ومن غربي هذا الجبل أرمناز (١) وكورتها، ومن شرقيه الحفة والجزر، وفيه من العمائر وبناء الروم آثار تروق الطرف، وتبسط النفس، وهو كثير الاشجار من التين والزيتون والرمان والجوز والسماق، وفيه قرى فيها أعين ماء، وكذلك القرى التي في لحف هذا الجبل، وتحف به من جوانبه الاربع. وقرأت بخط حمدان بن عبد الرحيم بن حمدان الأثاربي من أجزاء من شعره، سيرها إليّ القاضي أبو محمد الحسن بن ابراهيم بن الخشاب صديقنا ﵀، فنقلت منه أبياتا كتبها بعد خروجه من معربونية، وهي قرية كانت ملكه في جانب هذا الجبل، الى جيرانه بها وهي: أسكان عرشين القصور عليكم … سلامي ما هبت صبا وقبول ألا هل إلى حثّ المطابا اليكم … وشمّ خزامى حربنوش سبيل (٢) وهل غفلات العيش في دير مرقش … تعود وظلّ اللهو فيه ظليل إذا ذكرت لذّاتها النفس عندكم … تلاقى عليها زفرة وعويل بلاد بها أمسى الهوى غير أنني … أميل مع الأقدار حيث تميل

стр. 385

ذكر جبل السماق وهو جبل يشتمل على جبال وقرى من أنزه البقاع وأعجبها، وأحسن الاماكن وأطيبها، وفيه من الابنية الرومية والآثار والفواكه الحسنة، والثمار ما يتجاوز الوصف، ويسر النفس، ويقر الطرف، ويزرع في أرضه (١٦٧ - و) القطاني كلها، والقثاء والحبوب، فتأتي على أكمل ما يكون في الاراضي التي تسقى بالماء، وكذلك أشجاره فانها قدعمت الجبال والبقاع والاودية والتلاع، من التين والعنب، والفستق واللوز والجوز، والتفاح والمشمش والكمثرى، والسماق، وإنما عرف بجبل السماق لكثرته فيه، وسماقه أجود من غيره. وقراه قرى نزهة عامرة، وفي بعضها ماء نبع وعيون وأكثرها من ماء المطر وفي قراها قرية يقال لها إصطمك فيها مصنع عظيم للماء من بناء الروم، مبني بالحجر الهرقلي على قناطر كثيرة محكمة البناء، وهو من عجائب العمائر. وقراه قرى نزهة عامرة، وفي بعضها ماء الروم، مبني بالحجر الهرقلي على قناطر كثيرة محكمة البناء، وهو من عجائب العمائر. والغالب من أهل هذا الجبل أسديون من بني كاهل، ومذاهب عامتهم في زمننا هذا مذهب الإسماعيلية النزارية. وكان أحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أبو الفضل قد قدم الشام، ونزل بجبل السماق، فاستطاب ماءه، واستلذ هواءه، وأعجب به اعجابا كثيرا، ورحل عنه فقال: يا جبل السماق سقيا لكا … ما فعل الظبي الذي حلكا فارقت أطلالك لا أنه … قلاك قلبي لا ولا ملكا

стр. 386

فأي لذاتك أبكي دما … ماءك أم ظبيك أم ظلكا أم نفحات منك تندى إذا … دمع الندى إثر الدجى بلكا ومن شعر عيسى بن سعدان الحلبي في ذكره. عهدي بها في رواق الصبح لامعة … تلوي ظفائر ذاك الفاحم الرجل وقولها وشعاع الشمس منخرط … حييت يا جبل السماق من جبل (١) ***

стр. 387

ذكر جبل الطور بقنسرين وهو جبل عال، مدينة قنسرين كانت في لحفه من جهة القبلة والشرق، ونهر قويق يمر من شرقيه، وفي رأسه مشهد يقال أنه مقام صالح النبي ﷺ ، ويقولون إن الناقة خرجت منه، وهذا لا أصل له، فان صالحا ﵇ كان بالحجر، وقتل قومه الناقة بالحجر، والذي يغلب على ظني أن هذا المشهد بناه صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، فنسب الى صالح النبي ﵇. (١٦٧ - ظ). ***

стр. 388

ذكر جبل بني عليم وهو منسوب الى بني عليم بن جناب بن كلب وبرة بن تغلب بن حلوان، نزلوه فعرف بهم، ونسلهم به الى اليوم، وسيأتي في أثناء كتابنا هذا ذكر جماعة منهم ان شاء الله، وهو جبل عال مشرف على جبل السماق، وفي ذيله قرية كبيرة يقال لها ريحا. (١). وفي رأس الجبل عين ماء في موضع يقال له الكرساني فيه أشجار على العين، من الجوز وغيره، ويشرف ذلك الموضع على جبل السماق وغيره، ويقصد الناس هذا الموضع للنزهة به من حلب وغيرها، وينحدر الماء في هذا الجبل الى أسفله، فيجري في قرية ريحا، وينتفعون به للشرب والحمام، ونفس القرية اذا حفر فيها بئر لا يصلون الى منبع الماء الا بعد مجاوزة ثلاثمائة ذراع، وفي القرية أبنية عظيمة من بناء الروم. وفي هذا الجبل قبلى الكرساني قرية يقال لها كفر لاثا (٢) في شعب من شعابه فيها عين ماء، وتحتها بساتين تشرب منها، وهي من أنزه البقاع تشرف على كورة قنسرين، وكورة حلب، وكان بها حصن منيع استولى عليه طنكري الفرنجي،

стр. 389

وأخذه من نواب رضوان بن تتش في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ففتحه نور الدين محمود بن زنكي في سنة ست وأربعين وخمسمائة، وخربه. وفي قرية من هذا الجبل يقال لها نحله (١) مقابر يشاهد الناظر النور عليها ليلا عن بعد، فاذا وصل اليها لا يرى شيئا، وعليها كتابة بالرومية، حكى لي صديقنا بهاء الدين أبو محمد الحسن بن ابراهيم بن الخشاب ﵀ ان الامير سيف الدين علي بن قلج أمر بأن (١٦٨ - ) تنقل تلك الكتابة، ودفعها الى بعض علماء الروم بحلب، فترجمها فكان فيها هذا النور موهبة من الله العظيم لنا، أو ذكر كلاما نحو هذا، وفيه زيادة عليه. ***

стр. 390

ذكر جبل الأحص وهو من شرقي مدينة حلب وقبليها، ومن غربيه السهول، ومن شرقيه برية الرصافة، ومن شماليه نقرة بني أسد، وهو جبل كبير وفيه قرى عامرة، كثيرة الغلة، وفيه خناصرة منزل عمر بن عبد العزيز ﵀، وفيه شبيث ماء مذكور وفيه يقول الشاعر: فقال تجاوزت الاحص وماءه … وماء شبيث وهو ذو مترسم وكان جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، وهو قاتل كليب وائل ينزل الاحص، فجرت وقعة البسوس، فقتل جساس كليبا، فلما غشية الموت قال لجساس: أغثني بشربة، فقال تجاوزت شبيثا والأحص فأرسلها مثلا، ووقعت الحرب بين الحيين بكر وتغلب على ما نذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله. وفي الاحص من المدن الخربة الاندرين (١)، وهي مدينة خربة، مبنية بالحجر الاسود، على شفير البرية، وينسب اليها الخمر، قال: ألا هبيّ بصحنك فاصبحينا … ولا تبقي خمور الأندرينا مشعشعة كأن الحصّ فيها … إذا ما الماء خالطها سخينا (٢) (١٦٨ - ظ) وتنسب اليها الحبال أيضا قال النابغة الذبياني:
следующие страницы →