فأي لذاتك أبكي دما … ماءك أم ظبيك أم ظلكا
أم نفحات منك تندى إذا … دمع الندى إثر الدجى بلكا
ومن شعر عيسى بن سعدان الحلبي في ذكره.
عهدي بها في رواق الصبح لامعة … تلوي ظفائر ذاك الفاحم الرجل
وقولها وشعاع الشمس منخرط … حييت يا جبل السماق من جبل (١)
***
стр. 387
ذكر جبل الطور بقنسرين
وهو جبل عال، مدينة قنسرين كانت في لحفه من جهة القبلة والشرق، ونهر قويق يمر من شرقيه، وفي رأسه مشهد يقال أنه مقام صالح النبي ﷺ ، ويقولون إن الناقة خرجت منه، وهذا لا أصل له، فان صالحا ﵇ كان بالحجر، وقتل قومه الناقة بالحجر، والذي يغلب على ظني أن هذا المشهد بناه صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، فنسب الى صالح النبي ﵇.
(١٦٧ - ظ).
***
стр. 388
ذكر جبل بني عليم
وهو منسوب الى بني عليم بن جناب بن كلب وبرة بن تغلب بن حلوان، نزلوه فعرف بهم، ونسلهم به الى اليوم، وسيأتي في أثناء كتابنا هذا ذكر جماعة منهم ان شاء الله، وهو جبل عال مشرف على جبل السماق، وفي ذيله قرية كبيرة يقال لها ريحا. (١).
وفي رأس الجبل عين ماء في موضع يقال له الكرساني فيه أشجار على العين، من الجوز وغيره، ويشرف ذلك الموضع على جبل السماق وغيره، ويقصد الناس هذا الموضع للنزهة به من حلب وغيرها، وينحدر الماء في هذا الجبل الى أسفله، فيجري في قرية ريحا، وينتفعون به للشرب والحمام، ونفس القرية اذا حفر فيها بئر لا يصلون الى منبع الماء الا بعد مجاوزة ثلاثمائة ذراع، وفي القرية أبنية عظيمة من بناء الروم.
وفي هذا الجبل قبلى الكرساني قرية يقال لها كفر لاثا (٢) في شعب من شعابه فيها عين ماء، وتحتها بساتين تشرب منها، وهي من أنزه البقاع تشرف على كورة قنسرين، وكورة حلب، وكان بها حصن منيع استولى عليه طنكري الفرنجي،
стр. 389
وأخذه من نواب رضوان بن تتش في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ففتحه نور الدين محمود بن زنكي في سنة ست وأربعين وخمسمائة، وخربه.
وفي قرية من هذا الجبل يقال لها نحله (١) مقابر يشاهد الناظر النور عليها ليلا عن بعد، فاذا وصل اليها لا يرى شيئا، وعليها كتابة بالرومية، حكى لي صديقنا بهاء الدين أبو محمد الحسن بن ابراهيم بن الخشاب ﵀ ان الامير سيف الدين علي بن قلج أمر بأن (١٦٨ - ) تنقل تلك الكتابة، ودفعها الى بعض علماء الروم بحلب، فترجمها فكان فيها هذا النور موهبة من الله العظيم لنا، أو ذكر كلاما نحو هذا، وفيه زيادة عليه.
***
стр. 390
ذكر جبل الأحص
وهو من شرقي مدينة حلب وقبليها، ومن غربيه السهول، ومن شرقيه برية الرصافة، ومن شماليه نقرة بني أسد، وهو جبل كبير وفيه قرى عامرة، كثيرة الغلة، وفيه خناصرة منزل عمر بن عبد العزيز ﵀، وفيه شبيث ماء مذكور وفيه يقول الشاعر:
فقال تجاوزت الاحص وماءه … وماء شبيث وهو ذو مترسم
وكان جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، وهو قاتل كليب وائل ينزل الاحص، فجرت وقعة البسوس، فقتل جساس كليبا، فلما غشية الموت قال لجساس: أغثني بشربة، فقال تجاوزت شبيثا والأحص فأرسلها مثلا، ووقعت الحرب بين الحيين بكر وتغلب على ما نذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
وفي الاحص من المدن الخربة الاندرين (١)، وهي مدينة خربة، مبنية بالحجر الاسود، على شفير البرية، وينسب اليها الخمر، قال:
ألا هبيّ بصحنك فاصبحينا … ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحصّ فيها … إذا ما الماء خالطها سخينا (٢) (١٦٨ - ظ)
وتنسب اليها الحبال أيضا قال النابغة الذبياني:
стр. 391
كأني شددت الكور حين شددته … على قارح مما تضمن عاقل
أقب كعقد الاندري معقرب … حزابية قد كدحته المساحل (١)
وقاتلته الحمر وطاردها.
وفي هذا الجبل مدينة خربة، وهي سورية كانت مبنية بالحجر الأسود، وهي اليوم خراب لا ساكن بها، ويعمل بها القلي السورياني، وأظن اللسان السورياني منسوب اليها، وصار اسمها بعد خرابها ينطلق على ناحية قنسرين وحلب وأعمالهما أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي اجازة، ان لم يكن سماعا، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عبد الله بن النقور البزاز قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس المخلص قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن سيف السجستاني قال: حدثنا أبو عبيدة السري بن يحيى التميمي قال: حدثنا شعيب ابن ابراهيم التيمي قال: حدثنا سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة عن عبادة وخالد أن هرقل كان كلما حج بيت المقدس خلف سورية وطعن في أرض الروم، التفت إليها فقال: عليك السلام يا سورية تسليم مودع ولم يقض منك وطره، وهو عائد، فلما توجه المسلمون نحو حمص عبر الماء فنزل الرها، فلم يزل بها حتى طلع أهل الكوفة، وفتحت قنسرين، وقتل ميناس، فخنس (١٦٩ - و) عند ذلك الى شمشاط حتى اذا فصل منها نحو الروم علا على شرف، والتفت ونظر نحو سورية وقال: عليك السلام يا سورية سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود اليك رومي أبدا الا خائفا، حتى يولد المولود المشؤوم، وياليته لا يولد، ما أحلى فعله، وأمر عاقبته على الروم.
стр. 392
وقال: حدثنا السري قال: حدثنا شعيب قال: حدثنا سيف عن أبي الزهراء وعمرو بن ميمون قالا: لما فصل هرقل من شمشاط وأخلى الروم، التفت الى سورية فقال: قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر، فأما اليوم فعليك السلام يا سورية تسليم المفارق لا يعود اليك رومي أبدا الا خائفا حتى يولد المولود المشؤوم، ويا ليته لم يولد، ومضى حتى نزل قسطنطينية.
***
стр. 393
ذكر جبل البشر
وهو جبل كبير في طرف عمل حلب من جهة البرية، وبينه وبين الرصافة أربعة فراسخ، وهو متصل بعاجنة الرحوب، بينهما فرسخ واحد، وعاجنة الرحوب من شماليه، ويفرغ سيوله فيها، وسمي البشر برجل يقال له البشر، وفي هذا الجبل كانت وقعة الجحاف بن حكيم السلمي ببني تغلب، قتل فيها الرجال والنساء وبقر بطون الحبالى، وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى، في ترجمة الجحاف مسندا.
واياه عنى عبد الله بن قيس الرقيات.
أمست رقية دونها البشر … فالرقة السوداء فالغمر (١)
ووقفت على صفة هذا الجبل وذكر الوقعة في شعر القطامي رواية أبي جعفر الخراساني، عن أبي يوسف يعقوب بن (١٦٩ - ظ) السكيت، مما ذكره ابن السكيت في شرح قول القطامي:
حلّوا الرحوب وحل العز ساحتهم … تدعوا أمية أو مروان والحكما (٢)
فأوردت الفصل جميعه في هذا الموضع لما تضمن من وصف الجبل، وذكر الوقعة.
قال ابن السكيت: هذا يوم الرحوب، ويوم مخاشن، ويوم البشر، وكان من سبب هذا اليوم أنه لما كانت سنة ثلاث وسبعين قتل عبد الله بن الزبير، فهدأت
стр. 394
الفتنة، واجتمع الناس على عبد الملك، وتكافّت قيس وتغلب عن المغازي بالشام والجزيرة، وظن كل واحد من الفريقين أن عنده فضلا لصاحبه، وتكلم عبد الملك، ولم يحكم الصلح، فبينا هم على تلك الحال، إذ أنشد الأخطل عبد الملك، وعنده وجوه قيس قوله:
ألا سائل الجحاف هل هو ثائر … بقتلى أصيبت من سليم وعامر (١)
حتى أتى على آخرها، فنهض الجحاف بن حكيم يجر مطرفه حتى خرج من عند عبد الملك، ثم شخص من دمشق، حتى أتى منزله بباجروان من أرض البليخ، وبين باجروان وبين شط الفرات ليلة، ثم جمع قومه بها، فقال: إن أمير المؤمنين استعملني على صدقات تغلب، فانطلقوا معي، فارتحل، وانطلقوا معه وهو لا يعلمهم ما يريد، وجعلت امرأته عبلة تبكي حين ودعته، ثم أتى بهم شط الفرات منازل بني عامر، فقال لهم مثل ذلك، وجمعهم (١٧٠ - و) فارتحلوا معه، ثم قطع بهم الفرات إلى الرصافة، وبينها وبين شط الفرات ليلة، وهي قبلة الفرات، حتى إذا كانوا بالرصافة قال لهم: إنما هي النار أو العار، فمن صبر فليتقدم، ومن كره فليرجع، فقالوا: ما بأنفسنا رغبة عن نفسك، فأخبرهم بما يريد، فقالوا: نحن معك، فيما كنت فيه من خير وشر، فارتحلوا فطرقوا صهينا بعد روية من الليل، وهي في قبلة الرصافة، بينهما ميل؛ ثم صبحوا عاجنة الرحوب، وهي في قبلة صهين، والبشر واد لبني تغلب، وإنما سمي البشر برجل من قاسط يقال له البشر، كان يخفر السابلة، وكان يسلكه من يريد الشام من أرض العراق بين مهبّ الدبور والصبا معترض بينهما يفرغ سيوله في عاجنة الرحوب وبينهما فرسخ وبين عاجنة الرحوب وبين الرصافة ثلاثة فراسخ، والبشر في قبلة عاجنة الرحوب، ودمشق في قبلة البشر.
стр. 395
ثم أغاروا على بني تغلب بين البشر والشام ليلا، فقتلوهم، وبقروا النساء فقتلوهن، فهو يوم البشر، ويوم عاجنة الرحوب، ويوم مخاشن، وهو جبل ينعرج إلى بعض البشر، وهو يوم مرج السلوطح، لأنه بالرحوب.
قال: وقتل أبو الأخطل في تلك الليلة، وفي ذلك يقول جرير:
شربت الخمر بعد أبي غياث … فلا نعمت لك النّشوات بالا (١) (١٧٠ - ظ)
وهرب الجحاف بعد فعله هذا، فتبعه عبيدة بن همّام التغلبي، فلحقه دون الدرب وهو يريد بلاد الروم، فعطف عليه فهزم أصحابه وقتلهم، وأفلت الجحاف، ومكث زمانا في بلد الروم حتى سكن غضب عبد الملك، ولان وكلمته العبسية في أن يؤمنه، فتلكأ، فقيل إنّا والله لا نأمنه على المسلمين أن يأتي بالروم إليهم، فأعطاه الأمان، وقد كان عامة أصحابه تسللوا إلى منازلهم، فأقبل فيمن بقي من أصحابه، فلما قدم على عبد الملك لقيه الأخطل، فأنشده الجحاف:
أبا مالك هل لمتني إذ حضضتني … على القتل أم هل لامني لك لائم
فزعموا أن الأخطل قال له: أراك بالله شيخ سوء، ورأى عبد الملك أنه إن تركهم على حالهم أنه لم يحكم الأمر، فأمر الوليد بن عبد الملك فحمل الدماء التي كانت قبل ذلك بين قيس وتغلب، وضمّن الجحاف قتلى البشر، وألزمها إياه عقوبة له فقال الأخطل في تصديق ذلك:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة … إلى الله منها المشتكى والمعوّل (٢)
فأدى إليهم الوليد الحمالات، ولم يكن عند الجحاف ما حمّل، فلحق بالحجاج ابن يوسف، لأنه من هوازن، فسأل الإذن على الحجاج، فمنعه، فلم يعد إليه،
стр. 396
وأتى أسماء بن خارجه، فعصب حاجته به، فقال: إني لا أقدر لك على منفعة، وقد علم الأمير مكانك، ولم يأذن لك، فقال لأسماء: والله لا يلزمها (١٧١ - و) غيرك أنجحت أم نكثت، فلما بلغ ذلك الحجاج قال: ما له عندي شيء، فأبلغه ذلك، قال:
وما عليك أن تكون أنت الذي تويسه، فانه قد لح، فأذن له، فلما رآه قال:
أعهدتني خائنا لا أبا لك؟ قال: أنت سيد هوازن، وبدأنا بك، وعمالتك خمسمائة ألف في كل سنة، وما بك بعدها إلى خيانة، قال: أشهد أن الله وفقك، وأنك نظرت بنور الله، فلك نصفها العام، فأعطاه وأدى أسماء البقية، ثم استأذن الجحاف في الحج، فأذن له في ذلك مع الجلة من الشيوخ التي شهدت الوقعة، وفعلوا الأفاعيل، فخرجوا وقد أبروا آنفهم-يقول خزموها-يمشون من الشام محرمين يلبون، فلما قدموا المدينة خرج أهل المدينة ينظرون إليهم ويتعجبون منهم، فلما قدموا مكة، تعلقوا بأستار الكعبة فقالوا: اللهم اغفر لنا وما أراك تفعل، فقال ابن عمر: يأسكم من قبول التوبة أشد عليكم من ذنوبكم، فقيل له: هذا الجحاف وأصحابه، فسكت وتمّ ذلك الصلح.
قلت قوله في هذا الخبر: ودمشق في قبلة البشر، يريد في السّمت، لا أنها على قرب منه، فإن بين دمشق وبين البشر ثمانية أيام، وقد ذكر الصّمّة بن عبد الله القشيري جبل البشر في شعره فقال:
ولما رأيت البشر قد حال دوننا … وأضحت بنات الشوق يحننّ نزّعا
تلفت نحو الحي حتى وجدتني … ألمت من الإصغاء ليتا وأخدعا (١)
(١٧١ - ظ) وقرأت في كتاب معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري: البشر بكسر أوله على
стр. 397
لفظ البشر الذي هو الاستبشار، قال عمارة بن عقيل: البشر هو عاجنة الرحوب متصل بها، وسمي البشر برجل من النّمر بن قاسط، كان يخفر السابلة يسمى بشرا، يقطعه من يريد الشام من أرض العراق بين مهب الصبا والدبور، معترضا بينهما يفرغ سيوله في عاجنة الرحوب، وبينهما فرسخ، والبشر في قبلة عاجنة الرحوب، وبين عاجنة الرحوب وبين رصافة دمشق ثلاثة فراسخ، وفي البشر قتل الجحاف بن حكيم بني تغلب، فهو يوم البشر، ويوم الرحوب، ويوم مخاشن، وهو جبل إلى جنب البشر، ويوم مرج السلوطح لأنه بالرحوب، والرحوب منقع ماء الأمطار، ثم تحمله الأودية فيصب في الفرات. وقال أبو غسان: البشر دون الرقة على مسيرة يوم منها، فهذا بشر آخر. قال الأخطل:
سمونا بعرنين أشمّ وعارض … لنمنع ما بين العراق إلى البشر
وقال أيضا في إيقاع الجحاف بهم:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة … إلى الله منها المشتكى والمعوّل (١)
قلت: قوله: «فهذا بشر آخر» غلط منه لأن الرصافة من الرقة تكون بمقدار يوم وزيادة يسيرة، وهي غربي الرقة وقبليها، وطرف جبل البشر ينتهي إلى الفرات، فيقرب من الرقة من هذا الطرف، وبينه وبين الرصافة ثلاثة فراسخ في وسطه (١٧٢ - و) فظن أبو عبيد البكري أن ثم بشرا آخر لقول عمارة بن عقيل أن بينه وبين رصافة دمشق ثلاثة فراسخ، وقال أبو غسان: البشر دون الرقة على مسيرة يوم منها، فظن أبو عبيد البكري أن الرصافة عند دمشق، ولم يعلم أنها من أرض قنّسرين، لبعده عن بلاد الشام، لأنه مغربي لا خبرة له ببلاد الشام، وإنما نسب الرصافة إلى دمشق لنزول هشام بن عبد الملك فيها وهو خليفة، وكان كرسي ملكه بدمشق،
стр. 398
فنسبها إلى دمشق ليفرق بينها وبين رصافة بغداد، والبشر جبل طويل عريض يمتد في العرض الى قباقب، وهو ماء في طرف البشر، وقد نزلت به، بينه وبين رحبه (١) مالك بن طوق مقدار عشرة فراسخ.
ولأبي الحسن محمد بن أحمد بن خلف النصروي أبيات قالها بالعراق يذكر فيها البشر وحلب وهي:
يا راكبا والفجر قد غار على … الجوزاء إذ جللها الازارا
وحلّق النسران ثم انغمسا … كالراكبين أنجدا أو غارا
أمامك البشر فإن طرحته … مستقبلا من حلب أحجارا
فكم ستلقى دونها من باحث … عن خبري يستقبل السفّارا
يودّ أن كان الذي زودتّه … من العراق كلّه أخبارا
فبلّغ القوم بأن لا سفر … يحدث أرضى بالعراق دارا
أرضى من الإسعاد أن صيّرني … لبيته سعد الكفاة جارا
(١٧٢ - ظ) ***
стр. 399
ذكر جبل برصايا
وهو جبل عال شامخ شمالي عزاز، يشرف على بلد عزاز وكورة الأرتيق، وهو من أبهى البقاع منظرا وأرقها هواء، وعلى رأسه مشهد حسن، وقريب منه مسجد آخر، وتحتهما قرية يقال لها كفر شيغان، وقفها نور الدين محمود بن زنكي على مصالح المسلمين، وعلى مشهد برصايا ويقال إن مقام داود ﷺ كان بموضع المشهد المذكور، وقال لي الشيخ علي بن أبي بكر الهروي السائح:
جبل برصايا به مقام برصيصا العابد، وقبر شيخ برصيصا، ومقام داود ﵇ (١)، وهذا الجبل بين عزاز وقورس.
***
стр. 400
ذكر الجبل الأسود
وهو جبل دون جبل اللكام من شرقيه ويقال: إن إبراهيم ﷺ كان إذا أقام بحلب يبث رعاءه إليه ليرعوا غنمه فيه، وفيه أشجار كثيرة غير مثمرة يؤخذ منه الخشب إلى البلاد التي حوله، وفيه حصن الدربساك، وهو حصن مانع وفي لحفه من شرقيه النهر الأسود له ذكر في حديث الملاحم أن الروم ينزلون عليه في الملحمة، ويقال له نهر الرقية أيضا، ويتصل هذا الجبل الى صرفد كان حصن قوي في يد الأرمن، وكان به جماعة من العبّاد والرهبان.
أخبرنا عتيق بن أبي الفضل بن سلامة قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن؛ ح.
وحدثنا أبو الحسن بن أبي جعفر عن أبي المعالي (١٧٣ - و) بن صابر قالا:
أخبرنا الشريف النسيب أبو القاسم العلوي قال: أخبرنا رشاء بن نظيف؛ ح.
وأخبرنا أبو القاسم عبد الغني بن سليمان بن سنين قال: أخبرنا أبو القاسم البوصيري وأبو عبد الله بن حمد الأرتاحي قالا: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الموصلي-قال ابن حمد إجازة-قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل قالا: أخبرنا أبو محمد الحسن بن إسماعيل بن محمد الضراب قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن مروان قال: حدثنا يوسف بن عبد الله قال: قال حذيفة المرعشي: مررت على راهب في جبل الأسود فناديته يا راهب، فأشرف علي، فقلت له: بأي شيء تجتلب الأحزان؟ قال: بطول الغربة، وما رأيت شيئا أجلب لذوي الأحزان من الوحشة والوحدة. (١) (١٧٣ - ظ)
стр. 401
ذكر جبل اللكام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
ويقال له أيضا بيت لاها الغربي، ومعناه بالسريانية بيت الله، وهو جبل عال مشرف يبين عن مسيرة أربعة أيام، ولا يزال به الثلج في الشتاء والصيف، وهو مسكن العباد والزهاد وفيه من الفواكه المباحة ما يقتاتون به، وهو يفصل بين الثغور الشامية والجزرية.
وكانت به وقعة لسيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان مع الروم، قتل منهم فيها ثلاثين ألفا. وقال أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان في ذلك:
وأبقت على اللكام قتلى سيوفه … لهم من بطون الخامعات مقابر
ويقال بتشديد الكاف وتخفيفها.
وقال أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص في كتاب دلائل القبلة وذكر الجبال فقال: ربما كان الجبل دليلا لأهل ناحية على القبله كجبل لكام بالشام، وجبل الشراة بتهامة، وجبل الراهون بسرنديب وجبل دنباوند عندنا بآمل طبرستان.
قال: وأما جبل لكام فإنه جبل ممدود ابتداؤه من مكة والمدينة، ويسمى هنالك العرج، يمتد طولا حتى يتصل بالشام، ويصير من جبال حمص، فيسمى هنالك
стр. 402
لبنان، وينثني من دمشق ثم يمضي حتى يصير من جبال أنطاكية والمصيصة، فيسمى هنالك باللكام، ثم يمتد حتى يصير من جبال ملطيّه وشمشاط وقاليقلا (١٧٤ - و)، ويمتد طولا حتى يصير من جبال خزر، ويسمى هنالك القيق.
ونقلت من كتاب الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والنجوم في آفاقها، والأقاليم وأسماء بلدانها في سياقها، تلخيص أبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمد ابن عبيد الله المنادي، وأنبأنا به أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن رواحة، وعبد الرحيم بن يوسف بن الطفيل عن أبي طاهر السلفي عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي عن رجل عنه قال: وأما جبل العرج الذي بين مكة والمدينة فإنه يمضي إلى الشام حتى يتصل بلبنان من حمص، ثم يسير من دمشق فيمضي حتى يتصل بجبال أنطاكية والمصيصة، ويسمى هنالك اللكام، ثم يتصل بجبال ملطية وشمشاط وقاليقلا أبدا إلى بحر الخزر، وهو الباب والأبواب، ويسمى هنالك القيق.
وقال قدامة في جبل العرج: وهذا الجبل يتصل بالشام فبعضه يتصل بلبنان وبعضه بجبل الثلج من أرض دمشق، ويمتد إلى الروم.
قال: وقال النضر بن شميل: يأتي إلى الشام من ناحية أيلة، ثم إلى الطور ثم إلى بيت المقدس ثم إلى طبرية، ويمتد بالبقاع وبعلبك، ويمتد غربي حمص وحلب حتى يتصل باللكام، ثم يمتد إلى ملطية، وإلى بحر الخزر، وفيه القلاع والحصون الكثيرة والمدن.
***
стр. 403
ذكر جبل الأقرع
وهو من جبال أنطاكية، جبل عال يستبين من مسيرة ثلاثة أيام، وهو مستدير (١٧٤ - ظ) عال لا نبات عليه، ولهذا يسمى الأقرع، ويتصل بجبل اللكام، وهو على شاطئ البحر.
وقال المسعودي في كتاب مروج الذهب: والجبل الأقرع من أعمال أنطاكية، وتحت هذا الجبل معظم ماء البحر وأكثره وهو يسمى عجز البحر (١).
وأنبأنا أبو القاسم بن رواحة وابن الطفيل عن الحافظ أبي طاهر عن ابن الآبنوسي عمن أخبره عن أبي الحسين بن المنادي قال: وأما الجبل المطل الذي بأنطاكية، فهو على ما ذكروا قطعة من اللكام.
قال لي علي بن أبي بكر الهروي: وجبلها-يعني أنطاكية-كان معبدا يزار من الآفاق (٢).
***
стр. 404
باب في ذكر الاقليم الرابع
إعلم أن حلب من الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة، وقد قيل إنه أفضل الأقاليم السبعة وأصحها هواء وأعذبها ماء، وهو وسط الأقاليم وخيرها.
ووقع إلي رسالة في ذكر الدنيا وما فيها من الأقاليم والجبال والأنهار والبلاد، ولم أظفر باسم مؤلف الرسالة، فنقلت منها بعض ما ذكره ملخصها في فصل منها في قسمة الأقاليم السبعة قال: فأما الأقاليم السبعة فإنها قسمت في الربع المسكون سبعة أقسام، فسمي كل قسم منها إقليم، فتكون الأقاليم كلها سبعة، فأما هرمس الأول فقسمها قسمة مستوية، فجعل الإقليم الرابع في الوسط من العمران، والستة الأقاليم تحيط به، وكل إقليم منها سبعمائة فرسخ في سبعمائة فرسخ، فالأول منها الهند، والثاني الحجاز، والثالث مصر والإسكندرية، والرابع بابل (١٧٥ - و) والخامس الروم، والسادس يأجوج ومأجوج، والسابع الصين.
فأما بطليموس الحكيم فقسمها بخلاف ذلك، وجعلها على قدر بعدها عن خط الاستواء، وقسمها سبعة أقسام جعلها في الربع المسكون من الأرض، كل إقليم كأنه بساط مفروش قد مد طوله من الشرق إلى الغرب، وعرضه من الجنوب إلى الشمال، وهي مخلتفة الطول والعرض، فأطولها وأعرضها الإقليم الأول، وأقصرها طولا وعرضا الإقليم السابع، وأما سائر الأقاليم مقسم بينهما من الطول والعرض، ثم ذكر كل واحد من الأقاليم السبعة وقال في الإقليم الرابع:
الإقليم الرابع للشمس أطول ما يكون النهار في المدن التي على الخط المسمى،
стр. 405
وبسيطه أربعة عشر ساعة ونصف، وبعد هذا الخط من خط الاستواء ستة وثلاثون درجة يكون من الأميال ألفي ميل وأربعمائة ميل، وسعة عرضه من آخر حدود الإقليم الثالث الى أول حد الخامس من الأجزاء خمس درج وأربع دقائق ونصف يكون ذلك من الأميال ثلاثمائة وثمانية وثلاثين ميلا ونصف ميل، وابتداؤه من الشرق، ويمر على بلاد الصين وجنوب بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يمر على بلاد الترك مما يلي الجنوب والشمال من بلاد الهند، ثم يمر على بلاد بلخ، ثم يمر على شمال بلاد كابل ثم يمر على سجستان، ثم يمر على وسط بلاد كرمان وخراسان، ثم يمر على بلاد فارس وخوزستان، ثم يمر على وسط (١٧٥ - ظ) بلاد العراق، ثم على وسط ديار بكر وربيعة، ثم يمر على جنوب بلد الثغر، وشمال بلد الشام، ويمر على وسط بحر الروم وجزيرة قبرس، وجزيرة رودس، ويمر في البحر على شمال بلاد مصر والإسكندرية، وشمال بلاد مماريقي وبلاد القادسية، وبلاد القيروان وبلاد طنجة، وينتهي إلى بحر المغرب، وأكثر هذه المواضع ألوانهم بين السمرة والبياض.
وفي هذا الإقليم من الجبال الطوال اثنان وعشرون يهرا (١)، ومن المدن المشهورة الكبار نحو مائتي مدينة واثنا عشر مدينة، وهذا الإقليم هو إقليم الأنبياء والحكماء، لأنه وسط الأقاليم، ثلاثة جنوبية وثلاثة شمالية، وهو أيضا في قسمة النيّر الأعظم من بعد الإقليمين اللذين عن جنبتيه أعني الثالث والخامس؛ وعدّ من المدن المشهورة في هذا الاقليم: زبطرة، ملطيه، سميساط، بالس، منبج، حلب، قنسرين، المعرة، كفر طاب، شيزر، حماه، فامية، أنطاكية، طرسوس، الكنيسة السوداء، أذنه، المصيصة، قورص، دلوك.
قال: وعرض هذه البلدان جميعها من ثلاثة وثلاثين درجة إلى تسعة وثلاثين درجة، وعدّ غير هذه المواضع من المدن لم أكتبها لأنه لا يتعلق بذكرها لي غرض، وإنما غرضي منها ما ذكرته لأنه من أعمال حلب حرسها الله تعالى.
стр. 406
وقرأت في تاريخ الموصل للخالديين أبي بكر وأبي عثمان قالا: وأما موقعها يعني الموصل من الأقاليم السبعة، ففي الإقليم (١٧٦ - و) الرابع وهو أفضل الأقاليم وأجلّها، وذلك أنه يبتدئ من المشرق بالصين فيمر ببلاد التبت ثم على خراسان، ففيه من المدن: خجنده وأشر وسنة وفرغانة وسمرقند وبلخ وبخارى وهراة وأبرشهر ومرو روذ ومرو الشاهجان وسرخس وطخارستان وطوس ونيسابور وجرجان وقومس وطبرستان ودنباوند والديلم والري وأصبهان وقم وهمذان ونهاوند والدينور وحلوان وشهرزور وسر من رأى والموصل وبلد نصيبين وآمد ورأس عين وقاليقلا وشمشاط وحران والرقة وقرقيسيا، ثم يمر على شمال الشام، ففيه من المدن:
بالس ومنبج وسميساط وملطيه وزبطرة حلب وقنسرين وأنطاكية والمصيصة وطرابلس وصيدا وأذنه وطرسوس وعمورية واللاذقية؛ ثم يمر في بحر الشام على جزيرة قبرس، ورودس، وإليها ينسب هذا الإقليم؛ ثم يمر في أرض المغرب بالأندلس وقرطبة وسردينه الى بلاد طنجة، وينتهي الى بحر المغرب.
وأهل هذا الإقليم أصح هذه الأقاليم طباعا وأتمهم اعتدالا، وأحسنهم وجوها وأخلاقا.
والإقليم الأوسط هو الذي فيه الموصل أكثر الأقاليم السبعة مدنا وعمارة، وإنّه واسطة الأقاليم وأطيبها ماء، وأعدلها هواء، وأحسنها أهلا، وفيه مغاص الدرّ، وفي جباله أنواع اليواقيت (١٧٦ - ظ) والحجارة المثمنة، وجميع أصناف الطيب، ولأهله الصنائع واللطف والتأليف في الرخام، وصنع الرخام وعمل الفسيفساء ونصب الطلسمات.
ومن أهله كان الجبابرة من الملوك، وخيرة الصالحين، وكل مدينة معتدلة الهواء مشهورة الاسم فمنه، داخلة فيه.
стр. 407
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني في كتابه: والإقليم الرابع يبتدئ من المشرق فيمر ببلد التبت ثم على خراسان، فيكون فيه من المدن: فرغانه وخجنده وأشرو سنة وسمرقند وبخارى وبلخ وآمل وهراة ومروالرود ومرو وسرخس وطوس ونيسابور وجرجان وقومس وطبرستان ودنباوند وقزوين والديلم والري وأصبهان وقم وهمدان ونهاوند والدينور وحلوان وشهر زور وسر من رأى والموصل وبلد ونصيبين وآمد ورأس العين وقاليقلا وشمشاط وحران والرقة وقرقيسيا؛ ويمر على شمال الشام ففيه من المدن هناك: بالس ومنبج وسميساط وملطيه وزبطرة وحلب وقنسرين وأنطاكية وأطرابلس والمصيصة والكنيسة السوداء وأذنه وطرسوس وعمورية ولاذقية؛ ثم يمر في بحر الشام على جزيرة قبرس، ورودس، ثم يمر في أرض المغرب على بلاد طنجه، وينتهي الى بلاد المغرب.
قال: والاقليم الرابع وسطه حيث يكون طول النهار (١٧٧ - و) الاطول أربع عشرة ساعة ونصف ساعة، وارتفاع المقطب ستة وثلاثين جزءا وخمس جزء، وعرضه من حد الاقليم الثالث الى حيث يكون طول النهار الاطول أربع عشرة ساعة ونصف وربع ساعة، وارتفاع القطب تسعة وثلاثين جزءا وهو مسافة ثلاثمائة ميل.
أنبأنا الخطيبان أبو البركات سعيد وأبو الفضل عبد الواحد ابنا هاشم بن ابن أحمد بن عبد الواحد الاسديان قالا: كتب الينا الحافظ أبو طاهر بن محمد الاصبهاني أن أحمد بن محمد بن الآبنوسي أنبأهم قال: أخبرت عن أبي الحسين ابن المنادي قال: والاقليم الرابع وسطه حيث يكون طول النهار الاطول أربع عشرة ساعة ونصف ساعة، وارتفاع القطب ستة وثلاثين جزءا وخمس جزء، وعرضه من حد الاقليم الثالث الى حيث يكون طول النهار الاطول أربع عشرة ساعة ونصف وربع ساعة وارتفاع القطب تسعة وثلاثين جزءا وهو مسافة ثلاثمائة ميل.
стр. 408
قال: والاقليم الرابع يبتدئ من المشرق فيمر ببلاد التبت ثم على خراسان، وفيه من المدن هنالك خجنده، وأشر وسنة، وفرغانة، وسمرقند، وبلخ، وبخارى وآموية، ومروذ، ومرو، وسرخس، وطوس، ونيسابور، وجرجان وقومس وطبرستان، ودنباوند، وقزوين، والديلم، والري، وأصبهان، وقم، وهمذان ونهاوند، والدينور، وحلوان، وشهرزور، وسر من رأى (١٧٧ - ظ) والموصل وبلد ونصيبين وآمد، ورأسعين، وقاليقلا، وشمشاط وحران، والرقة، وقرقيسيا، ثم يمر على شمال الشام وفيه من المدن هنالك بالس ومنبج وسميساط وملطية وزبطرة وحلب، وقنسرين وأنطاكية، وطرابلس، والمصيصة، وصيدا، والكنيسة السوداء، وأذنة، وطرسوس، وعمورية، ولاذوقية، ثم يمر في بحر الشام على جزيرة قبرس، ورودس ثم يمر في أرض المغرب على بلاد طنجة، وينتهي الى بحر المغرب، وذكر الحيار من الاقليم الثالث.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الشافعي بدمشق قال:
أخبرنا عمي أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي الحافظ قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن ابراهيم الحسيني وأبو الحسن علي بن أحمد بن منصور المالكي وأبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد بن زريق ح.
وأنبأناه اجازة عاليا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قالوا: قال لنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ: ذكر علماء الاوائل أن أقاليم الارض سبعة وأن الهند رسمتها فجعلت صفة الاقاليم كأنها حلقة مستديرة تكتنفها ست دوائر على هذه الصفة.
فالدائرة الوسطى هي اقليم بابل والدوائر الست المحدقة بالدائرة الوسطى كل دائرة منها إقليم من الأقاليم السته فالاقليم (١٧٨ - و) الأول منها إقليم بلاد الهند، والاقليم الثاني اقليم الحجاز، والاقليم الثالث اقليم مصر، والاقليم
стр. 409
الرابع إقليم بابل وهو الممثل بالدائرة الوسطى التي اكتنفتها سائر الدوائر، وهو أوسط الأقاليم وأعمرها، وفيه جزيرة العرب، وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا، وحد هذا الاقليم مما يلي أرض الحجاز وأرض نجد الثعلبية من طريق مكة، وحدة مما يلي الشام وراء مدينة نصيبين من ديار ربيعة بثلاثة عشر فرسخا، وحده مما يلي أرض خراسان وراء نهر بلخ، وحده مما يلي الهند خلف الديبل بستة فراسخ، وبغداد في وسط هذا الاقليم، والاقليم الخامس بلاد الروم والشام، والاقليم السادس بلاد الترك، والاقليم السابع بلاد الصين (١).
وهذا الذي ذكره الخطيب من أن الاقليم الخامس بلاد الروم والشام وهم فاحش لأن البلاد الشمالية من الشام وهي التي حكينا فيها عن الخالدين والجيهاني، وأبي الحسين بن المنادي، وعن الرسالة التي ذكرناها في أول الباب ما حكيناه، اتفقوا كلهم على أنها من الاقليم الرابع، وما عدا هذه البلاد من بلاد الشام وهي الاكثر هي من الاقليم الثالث، فكيف يجعل الشام جميعه من بلاد الاقليم الخامس ولم يذهب أحد الى ذلك، وانما أوردنا قوله لوصفه الاقليم الرابع لكونه أوسط الاقاليم وأعمرها. والله الموفق للصواب. (١٧٨ - ظ).
***
стр. 410
باب ما جاء في صحة تربة حلب
وهوائها واعتدال مزاجها وخفة مائها
أعلم أن هواء حلب الغربي ينعش الانفس ويحييها، ويربي الاجسام ويغذيها، ويؤثر في الأجساد كتأثيره في الزروع بعد الفساد، فإن الزرع بها قد يذبل ويبور فيخضر عند ما تهب عليه الدبور، ومياها بالرقة والخفة موصوفة، وتربتها بقلة العفونات مشهورة معروفة، وهذه الاسباب موجبة للصحة والاعتدال مؤثرة في دفع الاسقام والاعلال، وما أحسن ما وصفها عبد الملك بن صالح وجمع في أوجز كلام ما فيها وفي بلادها من المدائح، وقد قبل له يوما: يا أبا عبد الرحمن ما أحسن بلادكم! فقال: وكيف لا تكون كذلك، وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء، فيافي فيحّ وجبال وضحّ.
وسمعت الحكيم الصفي سليمان بن يعقوب بن سعيد البغدادي بقيصرية من بلد الروم يقول لي: ذكر أرسطاطاليس في كتاب الكيان أنه لما أتى مع الاسكندر لقصد دارا الملك ومقابلته، وصل معه الى حلب وكانت تسمى باليونانية بيرواء (١) فتحقق حال تربتها وصحة هوائها، فاستأذن الاسكندر في المقام بها وقال: إن بي بهاء (١٧٩ - و) مرضا باطنا، وهواء هذه البلدة موافق لشفائي، فأقام بها، فزال ما كان به من المرض.
وقد اتبعه الاسكندر بعد ذلك فيما اعتمده من فعاله، وسلك طريقه الذي
стр. 411
سلكه ونسج على منواله، فان الشيخ أبا منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الفقيه الدمشقي أخبرنا بها قال أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه قال: أخبرنا أبو الفتح نصر بن ابراهيم المقدسي وأبو محمد عبد الله بن عبد الرزاق بن فضيل قالا: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عوف بن أحمد بن عوف قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن منير قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن خريم قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا غالب بن غزوان الثقفي قال: حدثنا صدقة بن يزيد الخراساني عمن حدثه قال: لما أتى ذو القرنين العراق استنكر قلبه فبعث الى تراب الشام فأتي به، فجلس عليه، فرجع اليه ما كان يعرف من نفسه (١).
ولا أشك أن التراب الذي أحضر اليه من تراب حلب، أو بعض عملها لما ذكرناه من فعل أرسطو، ولما بيناه في الباب المتقدم من أن الاقليم الرابع واسطة الاقاليم وأطيبها ماء وأعدلها هواء وأحسنها أهلا، وأصحها طباعا، وليس في بلاد الشام من الاقليم الرابع غير حلب وأعمالها.
وقرأت بخط الحافظ أبي نصر بن فتوح الحميدي قال: ووقع طاعون ووباء بالشام فأراد الوليد أن يخرج الى حلب فيقيم بها، فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن الله يقول: «قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا» (٢) فقال له الوليد: فذلك القليل أريد.
قلت وقد كان جماعة من بني أمية اختاروا المقام بناحية حلب، وأثروها على دمشق مع طيب دمشق وحسنها، وكونها وطنهم، ولا يرغب الانسان عن وطنه إلاّ بما هو أفضل منه، فمنهم هشام بن عبد الملك انتقل الى الرصافة، وسكنها واتخذها
стр. 412
منزلا لصحة تربتها، واختار المقام بها على دمشق، ومنهم عمر بن عبد العزيز ﵀ أقام بخناصرة واتخذها له منزلا، ومنهم مسلمة بن عبد الملك سكن بالناعورة، وابتنى بها قصرا وبناه بالحجر الصلد الاسود، وبقي ولده به بعده، وكان صالح بن علي بن عبد الله بن عباس قدولي الشام جميعه، فاختار حلب لمقامه، وابتنى له بظاهرها قصر بطياس وهو من غربي النيرب وشماليه، وولد له به عامة أولاده، كل هذا لما اختصت به هذه البلاد من الصحة والاعتدال، وكذلك الحصانة.
فانني قرأت في كتاب نسب بني العباس تأليف أبي موسى هرون بن محمد بن اسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس:
أن ابراهيم بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس لما مات وكان أولاده (١٨٠ - و) بفلسطين قال: فأمر الرشيد عبد الملك بن صالح بحمل ولد ابراهيم جميعا من فلسطين الى حلب من مال أمير المؤمنين لاجتماع ولد صالح بن علي بها ولأنها حصينة منيعة، وأن يجري عليهم من الأرزاق ما أمر به لهم، فحملهم عبد الملك بن صالح جميعا من فلسطين الى حلب، فلم يزالوا بها الى أن توفي الرشيد، ثم افترقوا.
وأما غير هؤلاء من الملوك العظام أرباب الممالك الواسعة والبلاد الشاسعة الذين تركوا سائر بلادهم، واختاروا المقام بحلب قرارا، وجعلوها مسكنا لهم ودارا، فأكثر من أن يحصون، وهذا هرقل على سعة مملكته واستيلائه على بلاد الروم وبلاد الشام جميعها اختار المقام بأنطاكية، وكان كما ذكرنا عنه أنه كلما حج بيت المقدس، خلف سورية وهي شام حلب وقنسرين وعملهما وطعن في أرض الروم التفت اليها فقال: عليك السلام يا سورية تسليم مودع ولم يقض منك وطره، وهو عائد، ولما فتحت قنسرين، وسار نحو القسطنطينية التفت وقال: عليك السلام يا سورية سلام لا اجتماع بعده.
стр. 413
باب في ذكر ما ورد من الكتابة القديمة
على الاحجار بحلب وعملها وما أشبه ذلك
قد ذكرنا في أول كتابنا هذا ما حكاه أبو أسامة الخطيب بحلب أن (١٨٠ - ظ) أباه حدثه أنه حضر مع أبي الصقر القبيصي ومعهما رجل يقرأ باليونانية فنسخوا كتابة كانت على القنطرة التي على باب أنطاكية قال: ونسختها: بنيت هذه المدينة بناها صاحب الموصل والطالع العقرب والمشتري فيه، وعطارد يليه ولله الحمد كثيرا. وذكرنا أن صاحب الموصل هو تلوكوس.
وقرأت بخط ابراهيم بن أحمد بن اسحاق بن ابراهيم بن عطاء الله مما سمعه على أبي العباس الكندي قريء على أبي العباس أحمد بن ابراهيم الكندي قال:
حدثني أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان في رجب من سنة تسع عشرة وثلاثمائة قال: حدثني أبو محمد عبد الله بن أبي سعد الوراق قال: حدثني علي بن الحسين بن هرون قال: حدثني أحمد بن عباد قال: حدثنا عبد الملك بن قريب قال: وجد حجر بقنسرين مزبور مكتوب فيه بالعبرانية:
اذا كان الامير وصاحباه … وقاضي الارض يدهن في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل … لقاضي الارض من قاضي السماء
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي قاضي معرة النعمان في كتاب سير الثغور من تأليفه في ذكر مدينة طرسوس قال: وبباب قلمية يعني باب طرسوس حجر بحضرة دار مزاحم مدور لاصق بالحائط مكتوب عليه باليونانية
стр. 414
سطور قرأها أحمد بن طغان السندي البيطار فذكر (١٨١ - و) أن المكتوب عليه:
الحمد لله الوارث للخلق بعد فناء الدنيا كما غرقني، فاني ابن عم ذي القرنين عشت أربعمائة سنة وكسرا، ودرت الشرق والغرب أطلب دواء للموت من أراد أن يدخل الجنة فليصل في هذا الدير عند العمود ركعتين، ومن أراد صنعة العمد وآلتها، فعليه بالقنطرة السابعة من جسر أذنه.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن مسلم بن سلمان الاربلي قال: أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج قالت: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن محمد النعالي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن سعيد بن السماك قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الختلي قال حدثني أبو عمرو عثمان بن سعيد بن يزيد الانطاكي قال: حدثنا علي ابن الهيثم المصيصي قال: حدثنا تمام بن كثير أبو قدامة الساحلي قال: حدثنا محمد بن شعيب بن شابور قال: حدثنا الوليد القاص قال: أتيت أنطاكية فاذا أسود قد نبش قبرا فأصاب فيه صفيحة نحاس فيها مكتوب بالعبرانية، فأتوا بها الى امام أنطاكية، فبعث الى رجل من اليهود فقرأه، فاذا فيه أنا عون بن أرميا النبي، بعثني ربي الى أنطاكية أدعوهم الى الايمان بالله، فأدركني فيها أجلي، وسينبشني أسود في زمان أمه أحمد ﷺ . (١٨١ - ظ).
ووقع إلي ببغداد كتاب من تأليف أحمد بن محمد بن إسحاق الزيات الهمذاني الفقيه، فنقلت منه: حدثنا أبو عمرو عبد العزيز بن محمد بن الفضل قال: حدثني الفضل بن شحرف قال: حدثنا عبد الله بن جبير قال: حدثني موسى بن طريف عن أبي يحيى عن إسماعيل بن عياش قال: كنت جالسا إلى عامل أنطاكية إذ ورد عليه كتاب من أبي جعفر بنبش القبور فنبشوا في هذا الجبل قبرا فإذا فيه رجل أضلاعه تتثنى، وعند رأسه لوح مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله، أنا
стр. 415
عوذ بن سام بن نوح بعثت إلى أهل أنطاكية فكذبوني وقتلوني، وينبشني رجل أسود أفرع أصلع، فنظروا فإذا الذي نبشه أسود، وكانت عليه عمامه فكشفوها، فإذا هو أصلع، ونزعوا خفه فإذا هو أفرع، فقال: اتركوه كما كان.
أخبرنا سليمان بن محمد بن الفضل الموصلي في كتابه قال أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي قال: أخبرنا أبو القاسم الإسماعيلي إذنا قال: أخبرنا أبو القاسم السهمي قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي قال: حدثنا جعفر بن أحمد قال: حدثنا سعيد بن كثيّر قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد عن أبان بن أبي عياش عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إنه وجد تحت الجدار الذي قال الله في كتابه: «وكان تحته كنز لهما» (١). أنه كان لوح من ذهب، والذهب لا يصدأ ولا يتغير، فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، محمد رسول الله.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم الإربلي قال: أخبرتنا الكاتبه شهدة بنت الآبري قالت: أخبرنا أبو عبد الله النعالي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد ابن عبيد الله الحنائي قال: أخبرنا أبو عمرو بن السماك قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن سنين قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عمرو بن الجراح قال: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله «وكان تحته كنز لهما» (٢) قال:
صحف علم؛ وقال: حدثنا إسحاق بن سنين قال: حدثنا محمد بن عمرو قال:
حدثنا قتيبه بن بسام عن إسماعيل عن ليث عن مجاهد قال: كان الكنز لوحا من ذهب في أحد جانبيه، لا إله إلا الله الواحد «الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» (٣)، وكان في الجانب الآخر عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبا
стр. 416
لمن أيقن بالنار كيف يضحك، وعجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها، ثم هو يطمئن إليها، عجبا لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل.
قلت: وكان الكنز المذكور بأنطاكية فيما روي عن ابن عباس رضى الله عنه، وقد ذكرنا ذلك في فضل أنطاكية.
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن يوسف قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي، ح.
وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الزركشي البغدادي قال أخبرنا أبو الفتح بن البطي قال: أخبرنا أبو فضل بن خيرون قال: أبو إسحاق وأخبرنا أبو المظفر الكاغدي قال: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي قالا: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو جعفر بن درستويه قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثتنا هنّادة بنت مالك الشيباني ذكرت عن صاحبها حماد بن الوليد الثقفي أنه سمع جعفر بن محمد وهو (١٨٢ - و) يقول حين سئل عن كنز الغلامين اليتيمين وصلاح أبيهما فقال جعفر: إنه كان أبوهما صالحا دونه سبعة آباء، فحفظ الغلامان بصلاح أبيهما الأكبر، وإنما كان الكنز علم سطرين ونصف ولم يتم الثالث، فيه مكتوب: يا عجبا من الموقن بالموت كيف يفرح، ويا عجبا من الموقن بالرزق كيف يتعب، ويا عجبا من الموقن بالحساب كيف يغفل.
وهذا الكنز كان بأنطاكية، جاء في التفسير عن ابن عباس وغيره ذلك.
وفي جبل بني عليم من أعمال حلب قرية يقال لها: نحله، وقريب منها مقبرة عليها كتابة بالرومية، ويشاهد الناظر على المقبرة في بعض الليالي نورا ساطعا حتى إذا قصده اختفى عنه النور، فلا يرى شيئا، وهذا أمر شائع ذائع مستفيض، أخبرني جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب أنهم شاهدوه.
стр. 417
وقال لي صديقنا بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب ﵀: أمر الأمير سيف الدين علي بن قلج وكان من أكابر الأمراء بحلب، وقد اجتمعت أنا به ولم أسأله عن ذلك، بأن تنقل تلك الكتابة الرومية، فنقلت، ودفعها إلى بعض علماء الروم، فترجمها، فكان معناها هذا النور هبة من الله العظيم لنا، أو ذكر كلاما نحو هذا، وفيه زيادة عليه.
وحضرت بقلعة الراوندان عند الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب (١٨٢ - ظ) فحكى أن عنده ببلد الراوندان قرية، وأشار بيده نحو الغرب، وقال: هي في ذلك المكان، وإنه يشاهد فيها نور ساطع إما في ليلة الجمعة أو في ليلة أخرى سواها ينظر إليه من كان خارجا عن تلك القرية، حتى إذا قصدها ووصل إليها غاب عنه فلم ير شيئا ..
قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي في كتاب سير الثغور قال: وفي البرج المنسوب إلى الهري، فذكر أشياء ثم قال: وعلى أسكفتي الباب العلياتين حجر قد طبّق المصراعين، فيه قبر دقيانوس ملك أصحاب الكهف، وذكر لي جماعة ثقات بطرسوس أن يازمار الخادم في ولايته كشف عنه بمقدار ما يمكن الوصول إليه، فوجد ميتا مسّجى بأكفانه مصبرا، معه سيف إلى جانبه، فأمر بالسيف فأخذ فوزن، فوجدوه أحد عشر أوّقية بالطرسوسي التي وزن كل أوقية منها اثنان وثلاثون درهما، وردّ ما كان كشف منه إلى حاله.
قلت والعجب أن عبد الله المأمون دفن في بطانة محراب جامع طرسوس بسلاحه، ولما ملك الدمستق (١) طرسوس، سقط محراب الجامع، وسقط المأمون بسلاحه، فأخذ الدمستق سيفه، وردّ الباقي إلى حاله، ورد إلى موضعه.
وشاهدت في المدرسة الحنفية المعروفة بالحلاوية بحلب مذبحا من الرخام
стр. 418
الملكي الشفاف الذي يقرب النصارى عليه القربان (١٨٣ - و) وهو من أحسن الرخام صورة إذا وضع تحته ضوء من وجهه، فسألت الشريف تاج الدين أبا المعالي الفضل ولد شيخنا افتخار الدين أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي عنه، وكان نشأ بهذه المدرسة، وولي تدريسها بعد أبيه فقال لي: إن نور الدين محمود بن زنكي أحضره من أفامية، ووضعه في هذه المدرسة، وعليه كتابة باليونانية، فسألته عنها فذكر لي أنه حضر من ترجمها، وفيها مكتوب عمل هذا للملك دقلطيانوس والنسر الطائر في أربعة عشر درجة من برج العقرب، قال: فيكون مقدار ذلك ثلاثة آلاف سنة.
قلت وهذا دقلطيانوس هو آخر ملوك رومية، قيل انه ملك عشرين سنة والله أعلم. وسمعت والدي ﵀ يقول لي: ان نور الدين محمود بن زنكي ﵀ كان يحشو للفقهاء القطائف، ويملأ بها هذا الجرن الرخام، ويجتمعون عليه ويأكلونها.
***
стр. 419
باب في ذكر ما بحلب وأعمالها من المزارات وقبور الأنبياء
والاولياء والمواطن الشريفة التي بها مظان اجابة الدعاء
فأما قلعة حلب ففيها مقاما ابراهيم ﷺ الاعلى والاسفل، وقيل ان ابراهيم ﵇ كان قد وضع أثقاله بتل القلعة، وكان يقيم به ويبث رعاءه الى نهر الفرات والجبل الأسود، ويحبس بعض الرعاء بما معهم عنده، ويأمر بحلب ما معه، واتخاذ الاطعمة وتفرقتها على الضعفاء والمساكين، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في باب تسمية حلب (١٨٣ - ظ).
فأما المقام التحتاني فكان موضعه كنيسة للنصارى الى أيام بني مرداس، وقد قال ابن بطلان في بعض رسائله «ان فيها كان المذبح الذي قرب عليه ابراهيم ﵇»، فغيرت بعد ذلك وجعلت مسجدا للمسلمين، وجدد عمارته نور الدين محمود بن زنكي ووقف عليه وقفا حسنا، ورتب فيه مدرسا يدرس الفقه على مذهب أبي حنيفة ﵁.
وأما المقام الاعلى ففيه تقام الخطبة بالقلعة ويصلي فيه السلطان الجمعة، وفيه رأس يحيى بن زكريا ﵇ موضوع في جرن من الرخام في خزانة، ووقع الحريق ليلة من الليالي في المقام المذكور فاحترق جميعه في سنة أربع وستمائة، ولم يحترق الجرن المذكور ودفع الله النار عنه.
وقرأت في تاريخ محمد بن علي العظيمى، وأنبأنا به شيخنا أبو اليمن
стр. 420
الكندي عنه قال: في سنة خمس وثلاثين وأربعمائه ظهر ببعلبك رأس يحيى بن ذكرياء في حجر منقور، فنقل إلى حمص، ثم إلى حلب وهو إلى الآن. (١)
وأخبرني أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي ﵀ قال: بقلعة حلب مقام إبراهيم الخليل ﵇، وبه صندوق فيه قطعة من رأس يحيى بن زكريا ﵇، ظهرت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة (٢).
وأما ما هو في نفس المدينة فمنها مسجد الغضائري، ويعرف الآن بمسجد شعيب (٣)، وهو أول مسجد اختطه المسلمون بحلب عند فتحها. (١٨٤ - و).
أنبأنا شيخنا أبو اليمن الكندي عن محمد بن علي العظيمي قال: لما فتح المسلمون حلب دخلوها من باب أنطاكية، ووقفوا داخل الباب، وحفّوا حولهم بالتراس، فبني في ذلك المكان مسجد وهو المعروف بالغضائري (٤).
وأخبرني عمي أبو غانم محمد بن هبة الله أن الغضائري كان يعبد الله بالمسجد المعروف بالغضائري داخل باب أنطاكية، وهو المعروف الآن بمسجد شعيب، لأن نور الدين وقف عليه وقفا، وجعل فيه الشيخ شعيبا يقرئ الناس الفقه.
وهذا الغضائري هو أبو الحسن علي بن عبد الحميد الغضائري أحد الأولياء من أصحاب سري السقطي وحج من حلب ماشيا أربعين حجه، وسنذكر ترجمته في موضعها من كتابنا هذا إن شاء الله.
وأما شعيب فهو ابن أبي الحسن بن حسين بن أحمد الأندلسي الفقيه، كان من الفقهاء الزهاد، وكان محمود بن زنكي يعتقد فيه، وكان مقيما بهذا المسجد،
стр. 421
فوقف على المسجد وقفا ورتب فيه شعيبا هذا يذكر الدرس على مذهب الشافعي رضى الله عنه، فاليوم يعرف بمسجد شعيب. وسنذكر ترجمته إن شاء الله تعالى.
ومنها مسجد غوث داخل باب العراق في المرمى، وفيه قطعة من عمود فيه كتابة في الجمر، يزعمون أن عليا رضوان الله عليه كتبها بسنان رمحه حين ورد الى صفين، ويقولون: إن هذا الحجر نقل من الرّقة إلى حلب.
قال لي: (١٨٤ - ظ) علي بن أبي بكر الهروي فيما ذكره من الزيارات بحلب: وبها داخل باب العراق مسجد غوث به حجر عليه كتابه، ذكروا أنها خطّ علي بن أبي طالب ﵇، وله حكاية. (١)
قلت وأظن أن مسجد غوث هذا منسوب إلى غوث بن سليمان بن زياد قاضي مصر، وكان قدم مع صالح بن علي بن عبد الله بن العباس إلى حلب، وسنذكر ترجمته في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ومنها مشهد النور وهو بالقرب من باب قنسرين في برج من أسوار حلب فيما بين برج الغنم وباب قنسرين قال لي عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة: هذا مشهد النور، إنما سمي بذلك لأنه رؤي النور ينزل عليه مرارا؛ قال: وكان ابن أبي نمير العابد يتعبد فيه، فاتفق أن نزل ملك الروم على حلب محاصرا لها، فجاء الحلبيون إلى ابن أبي نمير العابد فقالوا ادع الله لنا أيها الشيخ، قال: فسجد على ترس كان عنده، ودعا الله تعالى وسأله دفع العدو عن حلب، فرأى ملك الروم في منامه تلك الليلة قائلا يقول له ارحل عن هذه البلدة، وإلا هلكت، أتنزل عليها وفيها الساجد على الترس في ذلك البرج، وأشار إلى البرج الذي فيه مشهد النور، فانتبه ملك الروم، وذكر المنام لأصحابه، وصالح أهل حلب، وقال: لا أرحل حتى تعلموني
стр. 422
من كان الساجد على الترس في ذلك البرج، فكشفوا عنه فوجدوه ابن أبي نمير (١٨٥ - و) ورحل ملك الروم عن حلب.
وقال لي الوزير الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف القفطي: مشهد النور تعتقد فيه النصيرية اعتقادا عظيما ويحجون إليه.
وهذا ابن أبي نمير هو أبو عبيد الله عبد الرزاق بن عبد السلام بن عبد الواحد بن أبي نمير العابد الأسدي، وكان من الأولياء المشهورين بالكرامات، وسنذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وقبره خارج باب قنّسرين يزار، وتنذر له النذور الى يومنا هذا، وهو مدفون في تربة بني أمين الدولة ابن الرعباني، غربي قلعة الشريف والخندق، وقيل إنه ما سئل الله عنده حاجة إلا قضاها.
وقال لي أبو بكر أحمد بن عبد الرحيم بن العجمي يقال لقبره سم ساعة، لسرعة الإجابة عنده، يعني إذا دعا الانسان عنده على عدوه.
وكان بالقرب منه من جهة الشمال إلى جانب سور باب قنّسرين قبر مشرق ابن عبد الله العابد الحنفي، وكان فقيها حنفيا منقطعا في المسجد الجامع، وكان قبره يزار ويتبرك به، وزرته مرارا مع والدي ﵀، فلما حرر الملك الظاهر خنادق حلب، ووضع التراب على المقابر حوّل قبر مشرق العابد من موضعه، ونقل إلى سفح جبل جوشن، وشاهدته في الموضع الذي نقل إليه، ولوح قبره الاوّل عليه، وسنذكره إن شاء الله في موضعه.
وفي المسجد الجامع في الشرقية من القبليّة في العضادة الثانية الملاصقة لصحن الجامع في شمال الشرقية (١٨٥ - ظ) موضع متعبّد مشرق العابد المذكور.
وأخبرني القاضي أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب قال: كان
стр. 423
الخطيب أبو الفضل عبد الواحد بن هاشم يصلي بجامع حلب في الشرقية، ويتعمد الصلاة في هذا الموضع المذكور، فسألته عن ذلك، فقال: كان أبي هاشم يصلي أبدا هاهنا كثيرا، وأخبرني أن الشيخ مشرق بن عبد الله العابد كان يصلي فيه، وأنه رأى النبي ﷺ في المنام يصلي هاهنا.
وخارج المدينة مما يلي القبلة مقام إبراهيم ﷺ في الجبانة، وفي محراب المسجد حجر قيل أنه يجلس عليه، وفي الرواق القبلي الذي يلي الصحن صخرة نابته فيها نقرة قيل إنه كان يحلب فيها غنمه (١)، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدّم، وفي المشهد المذكور في جهة الشمال فيها قبر الإمام علاء الدين أبي بكر الكاساني الحنفي أميركا سان، وقبر امرأته فاطمة بنت شيخه علاء الدين السّمرقندي، وكان من العلماء الصالحين، وسنذكرها في هذا الكتاب إن شاء الله.
وقبلي هذا المشهد مقبرة فيها جماعة من العلماء الصالحين الأخيار منهم أحمد الأصولي صاحب برهان الدين البلخي، وسيأتي ذكره إن شاء الله.
وقبلي هذه المقبرة قبر أبي الحسين الزاهد المقدسي، ينذر له النذور، والدعاء عنده مستجاب وله كرامات مشهورة، وكان الفرنج يعظمونه، وقيل إنه رؤي وهو راكب الأسد (١٨٦ - و) وإلى جانبه قبر صاحب له من الأولياء أيضا يقال له زيد العابد.
ومن شمالي المشهد التربة المعروفة بسلفي من بني العديم فيها جد أبي أبو غانم وعمي أبو غانم وكانا من العباد الأولياء، وفيها قبر الحافظ أبي بكر الجياني، وسيأتي ذكر هؤلاء في هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
стр. 424
وفي جهة الشمال من هذه الجبانة مشهد للخضر ﵇ قيل إنّه رؤي فيه، وهو قديم وعليه وقف.
ومن شرقي المدينة بينها وبين النيرب مشهد قرنبيا (١) على جبل صغير قيل إنه رؤي النبي ﷺ يصلي فيه، فعمره قسيم الدولة آق سنقر، ووقف عليه وقفا.
وخارج باب الأربعين قبر بلال بن رباح مؤذن النبي ﷺ ولا يعرف موضع قبره بل نقل إنه مات بحلب ودفن بها خارج باب الأربعين، وسنذكر ذلك في موضعه، ونذكر إختلاف الناس فيه إن شاء الله، وقد شوهد النور مرارا ينزل على الجبانة التي خارج باب الأربعين بالجبل.
وفي هذا الجبانة جماعة من الأولياء والصالحين منهم الحافظ أبو الحسن علي ابن سليمان المرادي أحد الأولياء المكاشفين، والاستاذ عبد الله بن علوان والد شيخنا الحافظ أبي محمد عبد الرحمن، وشيخنا المذكور، وفيها في تربة واحدة قبور جماعة من الأولياء منهم الشيخ أبو الحسن علي بن يوسف الفاسي، والشريف الزمن، والشيخ عبد الحق المغربي، وشيخ الشيوخ بالموصل (١٨٦ - ظ) وسيأتي ذكرهم في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وفي جبانة باب النصر مشهد يعرف بمشهد الدعاء، يقال إن الدعاء به مستجاب.
وبباب الجنان ملاصق الباب من ظاهره مشهد قديم يعرف بمشهد علي بن
стр. 425
أبي طالب ﵁، قيل رؤي في المنام؛ أخبرني بذلك الشيخ علي بن أبي بكر الهروي (١).
وبجبل جوشن مشهد الدكّة (٢)، ومشهد الحسين ﵁، وقد ذكرناهما عند ذكر جبل جوشن.
وفي قبلي جبل جوشن في طرف الياروقيه مشهد الأنصاري، قال لي أبو الحسن بن الهروي به قبر عبد الله الأنصاري، كما ذكروا (٣).
وأخبرني والدي ﵀ قال: رأت امرأة من نساء أمراء الياروقية في المنام قائلا يقول: هاهنا قبر الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، قالوا:
فنبشوا، فوجدوا قبرا، فبنوا عليه هذا المشهد، وجعلوا عليه ضريحا.
وفي قرية يقال لها نوايل من شرقي مدينة حلب على رأس جبلها مشهد يقال هو مقام إبراهيم ﷺ .
وبأرض آرل، وهي قرية من جبل سمعان، على رأس الجبل من جهة الشرق، مشهد مشرف على بلد الأرتيق جميعه، يقال له مشهد الرجم، يزار ويتبرك به، وفيه سرداب، قيل إن نبيا من الأنبياء رجمه قومه، وإنه في ذلك السرداب؛ سمعت والدي ﵀ يذكر لي ذلك.