غادني يا غلام بالبابلي … ..... (١٤٥ - و)
وكان ابن نوبخت فاضلا أديبا، وكاتبا أريبا، وله رأي ثاقب، وتدبير حسن صائب؛ وقد ذكرنا دخوله حلب في ترجمة علي بن الحسن بن العلاف (١).
من أسم أبيه عبد الله من الاحمدين
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الحسين:
أبو نصر بن أبي محمد بن أبي العباس الماسرجسي المطوعي، كان كثير الغزو والجهاد، وخرج الى طرسوس مجاهدا، فتوفي بعد دخوله الى الشام وهو متوجه إليها بأعمال حلب.
وذكره أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور بما أخبرنا به أبو بكر عبد الله ابن عمر بن علي بن الخضر القرشي، وعبد الرحمن بن عمر الغزال في كتابيهما قالا:
أخبرنا أبو الخير القزويني قال: أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي والحيري، وأبو عثمان الصابوني والبحيري فيما أذنوا لنا فيه قالوا:
أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الحسين، أبو نصر بن أبي محمد بن أبي العباس الماسرجسي، ابن ابنه الحسن بن عيسى بن ماسرجس، وكان من المطوعة الكثيري الجهاد.
سمع جده أبا العباس، وأباه، وعمه أبا أحمد، وأبا أحمد والد الحسين، وغيرهم من أهل بيته، وسمع أبا بكر محمد بن اسحاق، وأبا العباس السراج وأقرانهما.
стр. 807
توفي أبو نصر الماسرجسي في متوجهه (١٤٥ - ظ) الى طرسوس وخرجت له الفوائد عند خروجه الى طرسوس سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وفيها توفي بالشام.
أحمد بن عبد الله بن أحمد المرعشي أبو الحسن:
حدث عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، روى عنه القاضي أبو بكر محمد بن يوسف بن الفضل الجرجاني.
أخبرنا أبو بكر القاسم بن أبي سعد بن أبي حفص الصفار في كتابه إلينا من نيسابور قال: أخبرنا جدي أبو حفص عمر بن أحمد بن منصور الصفار، وأخته عائشة قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن عمير بن خلف الشيرازي قال: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن يوسف بن الفضل الجرجاني-قدم علينا رسولا-قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن أحمد المرعشي قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: حدثنا طالوت بن عبد الله الجحدري قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي الأحوص عن عبد الله قال:
أتى رجل الى رسول الله ﷺ فقال: أخبرني عن «شهد الله» بماذا شهد ربنا؟ فقال النبي ﷺ : «لما خلق الله اللوح وسماه محفوطا جعل دفيته من ياقوتة حمراء، ثم خلق الله القلم من لؤلؤة رطبة، مشقوق شفته، يستمدّ من غير من يستمدّ وأقام (١٤٦ - و) بإزاء عرشه، وأراد منهم الإقرار، فقال لهم: من أنا؟ فقالوا: أنت الله لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، فأمر الله القلم اكتب «شهد الله أنه لا إله إلاّ هو»، ثم خلق الله الملائكة بعلمه لا يعلم عددهم إلا الله، وأراد منهم الإقرار، فقال لهم: من أنا؟ فقالوا: «أنت الله لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك»، فأمر الله القلم: اكتب «والملائكة» فكتب القلم «والملائكة» ثم وقف، وخلق الله آدم ﵇ وسماه أبا البشر وخلق
стр. 808
ذريته على مثال الذر وأقامهم بإزاء عرشه، وأراد منهم الإقرار فقال لهم: من أنا؟ فقالوا: أنت «الله الذي لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك» فأمر الله القلم:
اكتب «وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم» (١).
أحمد بن عبد الله بن اسحاق:
أبو الحسن وقيل أبو الحسين الخرقي، كان له اختصاص بالمتقي لله قبل أن يلي الخلافة فلما وليها خلع عليه، وولاه قضاء مصر والشامات جميعها والحرمين، ومرّ في الشارع والجيش معه، وكان المتقي يشاركة في الرأي ويقبل مشورته، وسيره في رسائل عدة منها أنه كان قدم مع المتقي الى الرقة حين قدمها وقد جرى له ما جرى مع توزون، فسيره المتقي رسولا الى حلب الى الإخشيذ أبي بكر محمد ابن طغج، فقدم عليه حلب يسأله أن يسير إليه (١٤٦ - ظ) ليجتمع معه بالرقة ويجدد العهد به، ويستعين به على نصرته ويقتبس من رأيه، ولما وصل أبو الحسن الى حلب تلقاه الإخشيذ وأكرمه وأظهر السرور، والمتعة بقرب المتقي، وسار الإخشيذ الى المتقي الى الرقة، فأكرمه وكناه، وخاطبه بأبي بكر، وسنذكر ذلك في ترجمة الإخشيذ إن شاء الله تعالى.
أنبأنا أبو روح عبد المعز الهروي عن زاهر بن طاهر قال: أنبأنا أبو القاسم البندار عن أبي أحمد المعرئ قال: أخبرنا أبو بكر الصولي إجازة قال في حوادث سنة ثلاثين وثلاثمائة: وصرف القضاة عن الجانبين ببغداد، وتقلد القضاء بهما أبو الحسين أحمد بن اسحاق الخرقي لأربع بقين من شهر ربيع الآخر، وخلع عليه في يوم خميس ونزل في جامع الرصافة، وقرأ عهده (٢).
وقال أبو بكر الصولي في حوادث سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة قال: ووجه المتقى لله أحمد بن عبد الله بن اسحاق القاضي من الرقة الى الأمير توزون ليؤكد الأيمان عليه ويجددها، ووافقه على شرائط اشترطها عليه المتقي لله، وأشهد عدو له
стр. 809
عليه ووجوه الهاشميين أصحاب المراتب الذين يصلون الى السلطان أيام الموكب، ويتقدمون القضاة والعالم في السلام، ويسمعون أيمانه، وما عملت له منها مما يطوقون رقبته، فوصل القاضي الى بغداد يوم الخميس لأربع خلون من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ففعل جميع ما تقدم به إليه المتقي (١٤٧ - و) لله، وكان قد وجه معه بخلع وطوق من ذهب ليخلعها على الأمير توزون إذا فرغ مما بينه، وبينه، ففعل هذا كله إلاّ أمر الخلع فإنه دافع عنه.
قال: وتحدث الناس بمجيء الخليفة الى هيت، وخرج القاضي إليه وعرفه جميع ما جرى وطيب نفسه، وسكن الى ذلك، ورجع القاضي الى الأمير توزون فعرفه ما صنع، فدخل بغداد للنصف من صفر، ثم ذكر قبض توزون على المتقي لله، وأنه كحله.
قال: وعبر توزون مع المستكفي بالله يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر، ونزل بباب الشماسية، وقبض على أبي الحسين علي بن محمد بن مقلة وزير المتقي، وعلى القاضي الخرقي، وعلى جماعة معهم.
قال: وحمل القاضي الخرقي الى دار ابن شيرزاد ليؤدي ما بقي عليه من مال مصادرته التي فورق عليها. (١٤٧ - ظ) (١)
أحمد بن عبد الله بن الحسن القاضي:
أبو الفضل الأنطاكي، من الرؤساء وأولي الهيئات والممدحين بأنطاكية، ومدح المتنبي فيه يدل على فضله وسعة علمه.
أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن الأخضر قال: أخبرنا الرئيس أبو الحسن علي بن علي بن نصر بن سعد قال أخبرنا أبو البركات محمد بن عبد الله بن
стр. 810
يحيى قال: أخبرنا علي بن أيوب بن الحسين قال: أنشدنا أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي لنفسه يمدح القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي:
لك يا منازل في القلوب منازل … أقفرت أنت وهنّ منك أواهل
قال فيها:
جمع الزمان فلا لذيذ خالص … مما يشوب ولا سرور كامل
حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ … يته المنى وهي المقام الهائل
ممطورة طرقي إليه ودونها … من جوده في كلّ فجّ وابل
محجوبة بسرادق من هيبة … يثني الأزمّة والمطيّ ذوامل
للشمس فيه وللرياح وللسحاب … وللبحار وللأسود شمائل
ولديه ملعقيان والأدب المفاد … وملحياة وملممات مناهل
لو لم تهب لجب الوفود حواله … لسرى إليه قطا الفلاة الناهل
يدري بما بك قبل تظهره له … من ذهنه ويجيب قبل تسائل (١٤٨ و)
وتراه معترضا لها ومواليا … أحداقنا وتحار حين تقابل
كلماته قضب وهنّ فواصل … كلّ الضرائب تحتهن مفاصل
هزمت مكارمه المكارم كلها … حتى كأنّ المكرمات قتائل
وقتلن ذفرا والدهيم فما ترى … أمّ الدهيم وأم ذفر هائل
علامة العلماء واللجّ الذي … لا ينتهي ولكلّ لج ساحل
لو طاب ولد كل حيّ مثله … ولد النساء ومالهنّ قوابل
لو بان بالكرم الجنين بيانه … لدرت به ذكرا أم أنثى الحامل
ليزد بنو الحسن الشراف تواضعا … هيهات تكتم في الظلام مشاعل
ستروا الندى ستر الغراب سفاده … فبدا وهل يخفي الرباب الهاطل (١)
стр. 811
أحمد بن عبد الله بن حمدون بن نصير بن ابراهيم:
أبو الحسن الرملي المعروف بالجبريني، أظن أن أصله من بيت جبرين (١)، وسكن الرملة.
سمع بحلب أبا بكر أحمد بن محمد بن أبي ادريس إمام جامعها، وبأنطاكية أبا بكر محمد بن الحسن بن فيل، وحدث عنهما وعن أبي محمد عبد الله بن أبان بن شداد العسقلاني، وأبي الفضل عباس بن محمد بن الحسن بن قتيبة، وأبي هاشم محمد بن عبد الأعلى بن عليك الإمام، وأبي الحسن داود بن أحمد بن مصحح العسقلاني وأبي الحسن محمد بن بكار بن يزيد السكسكي الدمشقي.
روى عنه عبد الوهاب بن جعفر الميداني، وتمام بن محمد الرازي (١٤٨ ظ)
أحمد بن عبد الله بن سابور بن منصور الدقاق:
أبو العباس البغدادي السابوري، منسوب الى جده سابور، قدم حلب وسمع بها أبا نعيم عبيد بن هشام، وبركة بن محمد الحلبيين وحدث عنهما، وسمع بغيرها أبا بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد بن شبّوية، وسفيان بن وكيع وواصل بن عبد الأعلى الكوفي، ونصر بن علي الجهضمي، ومحمد بن أبي نوح فراد.
روى عنه أبو الحسين محمد بن المظفر بن موسى الحافظ، وأبو عمر بن حيوية وأبو بكر الأبهري، وابن المقرئ، وعمر بن محمد بن سنبك، وأبو محمد عبد العزيز بن الحسن بن علي بن أبي صابر.
أخبرنا أبو اسحاق إبراهيم بن عثمان الكاشغري في كتابه، وقرأت عليه بحلب قال: أخبرنا أحمد بن صالح بن شافع الجيلي قال: أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد
стр. 812
ابن عبد الله بن محمد بن البيضاوي قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الطيوري قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن المظفر بن موسى الحافظ قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق قال: حدثنا بركة بن محمد بحلب قال: حدثنا يوسف بن أسباط بن واصل الشيباني عن سفيان بن سعيد عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ جعل الاستنشاق والمضمضة للجنب ثلاثا فريضة (١٤٩ - ظ).
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال: أخبرنا أبو مسلم المؤيد بن عبد الرحيم بن الأخوة وصاحبته عين الشمس قالا: أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي-قالت: إجازة؛ قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي، وأبو الفتح منصور بن الحسين-قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقرئ قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق قال: حدثنا أبو نعيم الحلبي قال: حدثنا المعتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد أن ابن عباس-قال: سمعته عن علي-قال: ألا أخبركم بخبر الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قالوا: بلى، قال: أبو بكر وعمر ﵄.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد-قراءة عليه وأنا أسمع-قال:
أخبرنا أبو القاسم علي بن طرّاد بن محمد الزينبي، ح.
قال ابن طبرزد: وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي وابن المجلي-إجازة إن لم يكن سماعا منهما أو من أحدهما-قالوا: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي قال: قرئ على حمزة بن يوسف السهمي وأنا حاضر أسمع قال:
سألت أبا الحسن الدارقطني عن أبي العباس أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق فقال: ثقة.
стр. 813
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي فيما أذن لنا في روايته عنه قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت قال: أحمد بن عبد الله بن سابور بن منصور أبو العباس الدقاق، سمع أبا بكر بن أبي شيبة، وأبا نعيم (١٥٠ و) عبيد بن هشام، وبركة بن محمد الحلبيين، وعبد الله بن أحمد بن شبّويه المروزي، وسفيان بن وكيع بن الجراح، ونصر بن علي الجهضمي، وواصل بن عبد الأعلى الكوفي.
روى عنه عمر بن محمد سنبك، وأبو عمر بن حيّويه، وأبو بكر الأبهري الفقيه، وغيره.
وقال الخطيب: أخبرني الأزهري قال: قال لنا محمد بن العباس الخزاز: مات أبو العباس أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق يوم السبت بالعشي، ودفن يوم الأحد ضحوة لعشر بقين من المحرم سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة (١).
أنبأنا أبو الحسن بن علي بن المفضل المقدسي قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد ابن محمد بن أحمد السّلفي الأصبهاني قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي-قرأت عليه من أصل ابن الفرات-قال: قرأت على أبي اسحاق إبراهيم بن عمر البرمكي: أخبركم أبو الحسن محمد بن العباس بن الفرات في كتابه قال: قرئ على أبي عبد الله محمد بن مخلد ونحن نسمع فأقر به وقال: نعم، قال: سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة: فيها مات أبو العباس أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق في المحرم.
وأنبأنا حسن بن أحمد الأوقي قال: أخبرنا السّلفي قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار: قال أخبرنا أبو الحسن الحربي قال: أخبرنا أبو محمد الصفار قال:
стр. 814
أخبرنا عبد الباقي بن قانع قال: سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، أبو العباس بن سابور الدقاق في المحرم-يعني مات.
أحمد بن عبد الله بن سليمان:
ابن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أرقم بن أسحم، وقيل أنور بن أسحم بن النعمان، وهو الساطع بن عدي بن عبد غطفان بن عمرو بن بريخ بن جذيمة بن تيم اللاّت، وهو مجتمع تنوخ بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن العرنج بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر، وهو هود ﵇، أبو العلاء بن أبي محمد التنوخي المعري.
قرأ النحو واللغة على أبيه أبي محمد عبد الله بمعرّة النعمان، ومحمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب.
وحدث عن أبيه أبي محمد عبد الله بن سليمان بن محمد-بن محمد (١) -، وجدّه سليمان بن محمد وأبي الفتح محمد بن الحسن بن روح، ويحيى بن مسعر (١٥٠ ظ) أبي زكريا وأخويه أبي المجد وأبي الهيثم عبد الواحد ابني عبد الله، وأبي الفرج عبد الصمد بن أحمد بن عبد الصمد الفقيه الضرير الحمصي، وأبي عبد الله محمد بن يوسف الرقي المعروف بابن كراكير، وأبي بكر محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الرحيم الرحبي، والقاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي قاضي معرة النعمان، وجدته أم سلمة بنت الحسن بن اسحاق بن بلبل.
ورحل إلى بغداد سنة ثماني وتسعين وثلاثمائة، ودخلها سنة تسع وتسعين
стр. 815
وثلاثمائة، وسمع بها أبا الحسن علي بن عيسى الربعي، وأبا أحمد عبد السلام ابن الحسين البصري المعروف بالواجكا.
وقرأ عليه ببغداد أبو القاسم التنوخي، وابن فورجه، وروى عنه أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، وأقام مدة بالمعرة يقرأ عليه، وأبو المكارم عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم الأبهري، وأبو محمد الحسن بن علي بن عمر المعروف بقحف العلم، وابن أخيه القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد قاضي معرة النعمان، وابنه أبو المجد محمد بن عبد الله بن محمد، والشيخ أبو الحسين علي بن محمد بن عبد اللطيف بن زريق المعري، وابنه أبو الفضل أحمد بن علي، روى عنه سبعة أجزاء من حديث أبي العلاء عن شيوخه، وأبو الحسن يحيى بن علي بن عبد اللطيف ابن زريق، وجد جدي أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن يحيى بن أبي جرادة، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبيان، والقاضي أبو الفتح ابن أحمد بن أبي الروس (١٥١ و) السروجي، والخليل بن عبد الجبار بن عبد الله التميمي القرّائي، وعثمان بن أبي بكر السفاقسي المغربي، وأبو التمام غالب بن عيسى بن أبي يوسف الأنصاري الأندلسي، وأبو الخطاب العلاء بن حزم الأندلسي وأبو الحسن علي بن أخيه أبي المجد بن عبد الله بن سليمان، وزيد بن أخيه أبي الهيثم عبد الواحد، وأبو غالب همّام بن الفضل بن جعفر بن المهذب، وأبو صالح محمد ابن المهذب بن علي بن المهذب، وأبو اليقظان أحمد بن محمد بن أبي الحواري، وأبو العباس أحمد بن خلف الممتع، وابن أخته إبراهيم بن الحسن البليغ، ومحمد ابن الخضر المعروف بالسابق بن أبي مهزول، وأبو الفضل بن صالح المعريون، والقاضي أبو القاسم المحسن بن عمرو التنوخي المعري، وأبو القاسم عبيد الله بن علي ابن عبد الله الرقّي الأديب، وأبو الحسن رشاء بن نظيف بن ما شاء الله، وأبو نصر محمد بن محمد بن هميماه السالار، وأبو الحسن الدلفي الشاعر المصيّصي، وأبو سعد إسماعيل بن علي السّمّان، وأبو الوليد الدربندي، وأبو طاهر
стр. 816
محمد بن أحمد بن أبي الصّقر الأنباري، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الأصبهاني، وأبو الفرج محمد بن أحمد بن الحسن التبريزي، وأبو المظفر إبراهيم ابن أحمد بن الليث الآذري.
وكتّابه الذين كانوا يكتبون مصنفاته وما يمليه: أبو الحسن علي بن عبيد الله ابن أبي هاشم، وابنه أبو الفتح محمد بن علي، وجعفر بن أحمد بن صالح، وأبو إسحاق إبراهيم بن علي بن إبراهيم الخطيب (١٥١ ظ) القارئ.
وكان خشن العيش، قنوعا من الدنيا بملك ورثه من أبيه، والناس فيه مختلفون على مذهبين فمنهم: من يقول أنه كان زنديقا ملحدا ويحكون عنه أشياء تدل على كفره، ومنهم من يقول أنه كان على غاية من الدين والزهد، وأنه كان يأخذ نفسه بالرياضة والخشونة وظلف العيش، وأنه كان مقتنعا بالقليل، غير راغب في الدنيا، وسأورد من قول كل فريق ما فيه كفاية ومقنع، وقد أفردت كتابا جامعا في ذكره، وشرحت فيه أحواله وتبينت وجه الصواب في أمره، وسمته «بدفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري» فمن أراد معرفة حقيقة حاله فلينظر في ذلك الكتاب فإن فيه غنية في بيان أمره (١)، وتحقيق صحة اعتقاده، وعلو قدره ان شاء الله تعالى.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي بن البناء البغدادي بدمشق، وأبو سعد ثابت بن مشرف بن أبي سعد البناء البغدادي بحلب قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن نصر بن الزاغوني قال: حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر الخطيب الأنباري من لفظه قال: أخبرنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي بقراءتي عليه في داره بمعرة النعمان قال: حدثني أبو زكريا بن مسعر
стр. 817
التنوخي المعري قال: حدثنا أبو عروبة بن أبي معشر الحراني قال: حدثنا هوبر قال: حدثنا مخلد بن عيسى الخياط عن أبي الزناد عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (١٥٢ و) «إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار، فالصلاة نور المؤمن والصيام جنّة من النار (١)».
قرأت بخط أحمد بن علي بن عبد اللطيف المعري: وولد-يعني أبو العلاء- يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاثة أيام مضت من شهر ربيع الاول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
وقرأت في تاريخ جمعه أبو غالب همّام بن الفضل بن جعفر بن علي بن المهذب المعري التنوخي قال: سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، فيها ولد الشيخ أبو العلاء أحمد ابن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي، يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول.
وسير إلي قاضي معرة النعمان أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سليمان جزءا بخطه يتضمن أخبار بني سليمان، نقله من نسخة عنده، فقال في ذكر أبي العلاء: ولد يوم الجمعة قبل مغيب الشمس لسبع وعشرين ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، واعتل علة الجدري التي ذهب بصره فيها في جمادى الأولى من سنة سبع وستين وثلاثمائة.
أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: حدثني أبو الخطاب العلاء بن حزم الأندلسي قال: ذكر لي أبو العلاء المعري أنه ولد في يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة (٢).
стр. 818
أخبرنا أبو الحسن بن أبي جعفر أحمد بن علي، وأبو المحامد إسماعيل بن حامد ابن عبد الرحمن (١٥٢ ظ) القوصي قالا: أخبرنا أبو جعفر محمد بن المؤيد بن أبي اليقظان أحمد بن محمد بن حواري التنوخي المعري-قال أبو الحسن: إجازة- قال: أخبرني جدي أبو اليقظان قال: كان مولد الشيخ أبي العلاء بن سليمان المعري ﵀ بمعرة النعمان يوم الجمعة مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وجدّر في أول سنة سبع وستين وثلاثمائة فعمي من الجدري، وغشّى يمنى حدقتيه بياضا، وأذهب اليسرى جملة.
ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين، ودخلها سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ولزم منزله عند منصرفه من بغداد مدة سنة أربعمائة، وسمى نفسه رهين المحبسين للزومه منزله ولذهاب عينيه، وتوفي بين صلاتي العشاءين ليلة الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة، فكان عمره ستا وثمانين سنة إلا أربعة وعشرين يوما، ولم يأكل اللحم من عمره خمسا وأربعين سنة، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة، رحمة الله عليه.
أخبرنا أبو القاسم الحسين بن عبد الله بن رواحة الحموي عن أبي طاهر أحمد ابن محمد السلفي قال: سمعته-يعني أبا محمد عبد الله بن الوليد بن غريب الإيادي المعري-يقول: دخلت على أبي العلاء وأنا صبي مع عمي أبي طاهر نزوره، فرأيته قاعدا على سجادة لبد وهو يسبح، فدعا لي ومسح على رأسي (١٥٣ و) وكأني انظر إليه الساعة، وإلى عينيه إحداهما بادرة والأخرى غائرة جدا، وهو مجدر الوجه نحيف الجسم.
أخبرني والدي ﵀ يأثره عن شيوخ الحلبيين أنه بلغهم أن أبا العلاء بن سليمان قال: أحقق من الألوان لون الحمرة، وذلك أنني لما جدّرت ألبستني أمي قميصا أحمر فأنا أذكر ذلك اللون وأحققه قبل العما.
стр. 819
وقرأت فيما سيّره القاضي أبو المعالي أحمد بن مدرك قاضي المعرة من أخبار بني سليمان قال: ولما قدم من بغداد-يعني أبا العلاء-عزم على العزلة والانقضاب من العالم فكتب إلى أهل معرة النعمان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا كتاب إلى السّكن المقيم بالمعرة شملهم الله بالسعادة، من أحمد بن عبد الله بن سليمان، خصّ به من عرفه وداناه، سلّم الله الجماعة ولا أسلمها ولم شعثها ولا آلمها.
أما الآن فهذه مناجاتي بعد منصرفي عن العراق، مجتمع أهل الجدل، وموطن بقية السّلف، بعد أن قضيت الحداثة فانقضت، وودّعت الشبيبة فمضت، وحلبت الدهر أشطره، وخبرت خيره وشره، فوجدت أقوى ما أصنعه أيام الحياة أن اخترت عزلة تجعلني من الناس كبارح الأروى (١) من سانح النعام، وما ألوت نصيحة لنفسي، ولا قصرت في اجتذاب المنفعة إلى حيّزي، فأجمعت على ذلك، واستخرت الله فيه بعد جلائه عن نفر يوثق بخصائلهم، فكلهم رآه حزما وعدّة إذا تم (١٥٣ ظ) رشدا، وهو أمر أسري عليه بليل قضى سنة، وخبت به النعامة، ليس بنسج الساعة ولا ربيب الشهر والسنة، ولكنه غذيّ الحقب المتقادمة، وسليل الفكر الطويل، وبادرت إعلامهم ذلك مخافة أن يتفضل منهم متفضل بالنهوض إلى المنزل الجارية عادتي بسكناه ليلقاني فيه، فيتعذر ذلك عليه، فأكون قد جمعت بين سمجين: سوء الأدب، وسوء القطيعة، وربّ ملوم لا ذنب له.
والمثل السائر خلّ امرأ وما اختار (٢)، وما أسمحت القرون الإياب حتى وعدتها أشياء ثلاثة: نبذة كنبذة فتيق النجوم (٣)، وانقضابا من العالم
стр. 820
كانقضاب القابية من القوب (١)، وثباتا في البلد إن جال أهله من خوف الروم، فإن أبى من يشفق عليّ أو يظهر الشفق إلا النفرة مع السواد كانت نفرة الأعضب (٢) والأدماء (٣).
وأحلف ما سافرت استكثر من النشب، ولا أتكثّر بلقاء الرجال، ولكن آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس ما كان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه، والجاهل مغالب القدر، فلهيت عما ما استأثر به الزمان، والله يجعلهم أحلاس الأوطان، لا أحلاس الخيل والركاب، ويسبغ عليهم النعمة سبوغ القمراء الطلقة على الظبي الغرير، ويحسن جزاء البغداديين فلقد وصفوني بما لا أستحق (١٥٤ و) وشهدوا لي بالفضيلة على غير علم وعرضوا علي أموالهم عرض الجد، فصادفوني غير جذل بالصفات ولا هش الى معروف الأقوام، ورحلت وهم لرحلتي كارهون، وحسبي الله «وعليه فليتوكل المتوكلون (٤).»
قال: وانما قيل رهن المحبسين للزومه منزله، وكف بصره، وأقام مدة طويلة في منزله محتجبا لا يدخل عليه أحد، ثم ان الناس تسببوا اليه حتى دخلوا عليه، فكتب الشيخ أبو صالح محمد بن المهذب إلى أخيه أبي الهيثم عبد الواحد بن عبد الله بن سليمان رحمهما الله في ذلك.
بشمس زرود لا ببدر معان … ألمّا وإن كان الجميع شجاني
يقول فيها:
أبا الهيثم اسمع ما أقول فإنّما … يعين على ما قلت خير معان
قريضي هجاء إن حرمت مديحه … لأروع وضّاح الجبين هجان
стр. 821
أطلّ على بغداد كالغيث جاءها … بأسعد نجم في أجلّ أوان
نضاها ثياب المحل وهي لباسها … وبدّلها من شدّة بليان
فياطيب بغداد وقد أرجت به … على بعدها الأطراف من أرجان
غدا بكم المجد المضئ وإنّه … ليقمر من أضوائه القمران
ميسّر المعالي دوننا هل يسرّها … بطون وهاد أو ظهور رعان
(١٥٤ ظ)
نأى ما نأى فالموت دون فراقه … فما عذره في النأي إذ هو دان
فكن حاملا مني إليه رسالة … تبيّن لينا في هضاب أبان
فإن قال: أخشى من فلان تشبها … فقل ما فلان عندنا كفلان
هو الخلّ ما فيه اختلال مودّة … فلا تخشى منه زلة بضمان
فإن خنت عهدا أو أسأت خليقة … ولم يك شأني في المودّة شاني
فلا أحسنت في الحرب امساك مقبضي … يميني ولا يسراي حفظ عناني
لعلّ حياتي أن تعود نضيرة … لديه كما كانت وطيب زماني
قلت: وكان أبو صالح بن المهذب قائل هذا الشعر ابن عمة أبي العلاء.
وكان أبو العلاء مفرط الذكاء والحفظ، وأخبرني والدي ﵀ فيما يأثره عن أسلافه أنه قيل لأبي العلاء: بم بلغت هذه الرتبة في العلم؟ فقال: ما سمعت شيئا إلا حفظته، وما حفظت شيئا فنسيته.
وحكى لي أيضا والدي فيما يأثره عن سلفه قال: سار أبو العلاء من المعرة الى بغداد، فاتفق عند وصوله إليها موت الشريف أبي أحمد الحسين والد المرتضى والرضي، فدخل الى عزيته، والناس مجتمعون، فخطا الناس في المجلس، فقال له بعضهم ولم يعرفه: الى أين يا كلب؟ فقال: الكلب من لم يعرف للكلب كذا وكذا اسما، ثم جلس في أخريات الناس الى أن أنشد الشعراء، فقام وأنشد قصيدته الفائية التي أولها (١٥٥ و):
стр. 822
أودى فليت الحادثات كفاف … مال المسيف وعنبر المستاف
يرثي بها الشريف المتوفى، فلما سمعها الرضي والمرتضى قاما إليه ورفعا مجلسه إليهما وقالا له: لعلك أبو العلاء المعري؟ فقال: نعم، فأكرماه واحترماه، وطلب أن تعرض عليه الكتب التي في خزائن بغداد، فأدخل إليها وجعل لا يعرض عليه كتاب إلا وهو على خاطره، فعجبوا من حفظه (١).
وزادني غير والدي أنه لما أنشد:
أودى فليت الحادثات كفاف ....
قيل له: كفاف، فأعادها كفاف، فتأملوا ذلك وعرفوا أن الصواب ما قال.
أخبرنا الشريف أبو علي المظفر بن الفضل بن يحيى العلوي الاسحاقي- إجازة كتبها لي ببغداد وأنا بها وقد اجتمعت به بحلب وعلقت عنه فوائد-قال:
حدثني والدي ﵁ وأرضاه يرفعه الى ابن منقذ قال: كان بأنطاكية خزانة كتب، وكان الخازن بها رجلا علويا، فجلست يوما إليه فقال: قد خبأت لك غريبة طريفة لم يسمع بمثلها في تاريخ ولا كتاب منسوخ، قلت: وما هي؟ قال: صبي دون البلوغ ضرير يتردد إلي وقد حفظته في أيام قلائل عدة كتب، وذاك أنني أقرأ عليه الكراسة والكراستين مرة واحدة فلا يستعيد إلا ما يشك فيه، ثم يتلو علي ما قد سمعه كأنه قد كان محفوظه، قلت: فلعله يكون يحفظ ذلك، قال:
سبحان الله كل كتاب في الدنيا (١٥٥ - ظ) يكون محفوظا له، وإن كان ذلك كذلك فهو أعظم، ثم حضر المشار إليه وهو صبي دميم الخلقة، مجدور الوجه على عينيه بياض من أثر الجدري كأنه ينظر بإحدى عينيه قليلا، وهو يتوقد ذكاء، يقوده رجل طوال من الرجال أحسبه يقرب من نسبه فقال له الخازن: يا ولدي
стр. 823
هذا السيد رجل كبير القدر، وقد وصفتك عنده، وهو يحب أن تحفظ اليوم ما يختاره لك، فقال: سمعا وطاعة فليختر ما يريد.
قال ابن منقذ: فاخترت شيئا وقرأته على الصبي وهو يموج ويستزيد، فإذا مر به شيء يحتاج الى تقريره في خاطره يقول: أعد هذا، فأردده عليه مرة واحدة حتى انتهيت الى ما يزيد على كراسة، ثم قلت له: يقنع هذا من قبل نفسي، قال:
أجل حرسك الله، قلت: كذا وكذا وتلا علي ما أمليته عليه وأنا أعارضه بالكتاب حرفا حرفا حتى انتهى الى حيث وقفت عليه، فكاد عقلي يذهب لما رأيت منه، وعلمت أن ليس في العالم من يقدر على ذلك إلا أن يشاء الله، وسألت عنه فقيل لي: هذا أبو العلاء التنوخي من بيت العلم والقضاء والثروة والغناء.
قلت: ذكره لهذه الحكاية أنها كانت بأنطاكية لا يصح، فإن أنطاكية استولى عليها الروم وانتزعوها من أيدي المسلمين في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وولد (١٥٦ و) أبو العلاء بعد ذلك بأربع سنين وثلاثة أشهر، وبقيت أنطاكية في أيدي الروم الى أن مات أبو العلاء بن سليمان في سنة تسع وأربعين وأربعمائة وبعده الى أن فتحها سليمان بن قطلمش في سنة سبع وسبعين وأربعمائة (١)، فكيف يتصور أن يكون بها خزانة كتب وخازن علوي وهي في أيدي الروم، ويشبه أن تكون هذه الواقعة بكفر طاب أو بغيرها، وقد يتصحف كفر طاب بأنطاكية، وابن منقذ أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ كان من أقران أبي العلاء، وكانت له كفر طاب فيحتمل أن يكون ذلك كان معه والله أعلم.
وقرأت في كتاب «جنان الجنان ورياض الأذهان» (٢) لابن الزبير المصري ما يناسب هذه الحكاية، قال ابن الزبير: حدثني القاضي أبو الفتح محمود بن
стр. 824
القاضي اسماعيل بن حميد الدمياطي قال: حدثني أبي قال: حدثني هبة الله بن موسى المؤيد في الدين، وكانت بينه وبين أبي العلاء صداقة ومراسلة (١)، قال: كنت أسمع من أخبار أبي العلاء وما أوتيه من البسطة في علم اللسان ما يكثر تعجبي منه، فلما وصلت المعرة قاصدا للديار المصرية لم أقدّم شيئا على لقائه، فحضرت إليه، واتفق حضور أخي معي وكنت بصدد أشغال يحتاج إليها المسافر فلم أسمح بمفارقته والاشتغال بها، فتحدث معي أخي حديثا باللسان الفارسي فأرشدته الى ما يعمله فيها، ثم عدت الى مذاكرة أبي العلاء، فتجارينا الحديث الى أن (١٥٦ ظ) ذكرت ما وصف به من سرعة الحفظ، وسألته أن يريني من ذلك ما أحكيه عنه فقال:
خذ كتابا من هذه الخزانة-لخزانة قريبة منه-واذكر أوله، فإني أورده عليك حفظا، فقلت: كتابك ليس بغريب إن حفظته، قال: قد دار بينك وبين أخيك كلام بالفارسية إن شئت أعدته، قلت: أعده، فأعاده ما أخل والله منه بحرف، ولم يكن يعرف اللغة الفارسية.
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل-إذنا-قال: أخبرنا أبو سعد السمعاني-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: وذكر أبو العلاء بن سليمان، وحكى تلميذه أبو زكريا التبريزي أنه كان قاعدا في مسجده بمعرة النعمان بين يديه يقرأ عليه شيئا من تصانيفه، قال: وكنت قد أتممت عنده سنتين ولم أر أحدا من بلدي، فدخل مغافصة (٢) المسجد بعض جيراننا للصلاة فرأيته وعرفته وتغيرت من الفرح، فقال لي أبو العلاء: ما أصابك، فحكيت له أني رأيت جارا لي بعد أن لم ألق أحدا من بلدي منذ سنين، فقال لي: قم وكلمه، فقلت: حتى أتمم السّبق (٣)، فقال: قم أنا أنتظرك، فقمت وكلمته بالأذربيجية شيئا كثيرا، الى
стр. 825
أن سألت عن كل ما أردت، فلما عدت وقعدت بين يديه قال لي: أي لسان هذا؟ قلت: هذا لسان أهل أذربيجان، فقال: ما عرفت اللسان ولا فهمته غير أني حفظت ما قلتماه، ثم أعاد لفظنا بلفظ ما قلنا، فجعل (١٥٧ و) جاري يتعجب غاية العجب، ويقول: كيف حفظ شيئا لم يفهمه.
وأخبرني عنه بمثل هذه الحكاية والدي ﵀ يأثره عن أسلافه قال: كان لأبي العلاء جار أعجمي فاتفق أنه غاب عن معرة النعمان، فحضر رجل أعجمي يطلبه قد قدم من بلده فوجده غائبا ولم يمكنه المقام فأشار إليه أبو العلاء أن يذكر حاجته إليه، فجعل ذلك الرجل يتكلم بالفارسية وأبو العلاء يصغي إليه الى أن فرغ من كلامه، ولم يكن أبو العلاء يعرف باللسان الفارسي، ومضى الرجل، فقدم جاره الغائب، وحضر عند أبي العلاء فذكر له حال الرجل، وجعل يذكر له بالفارسية ما قال والرجل يبكي ويستغيث ويلطم الى أن فرغ من حديثه، وسئل عن حاله، فأخبرهم أنه أخبر بموت أبيه وأخوته وجماعة من أهله.
قال لي والدي: ومما بلغني من ذكائه أن جارا سمانا كان له وبينه وبين رجل من أهل المعرة معاملة، فجاءه ذلك الرجل وحاسبه برقاع كان يستدعي فيها ما يأخذ منه عند دعو حاجته إليه، وكان أبو العلاء في غرفة له يسمع محاسبتهما.
قال: فسمع أبو العلاء السمان المذكور بعد مدة يتأوه ويتململ، فسأله عن حاله، فقال: كنت حاسبت فلانا برقاع كانت له عندي، وقد عدمتها ولا يحضرني حسابه، فقال له: ما عليك من بأس تعال إلي فأنا أملي عليك حسابه، وجعل يملي (١٥٧ ظ) معاملته جميعها رقعة رقعة، والسمان يكتبها الى أن فرغ وقام، فما مضت إلا أيام يسيرة ووجد السمان الرقاع وقد جذبها الفأر الى زاوية في الدكان، فقابل بها ما أملاه عليه أبو العلاء، فلم تخرم حرفا واحدا.
أخبرني القاضي أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سعيد بن مدرك بن علي بن
стр. 826
سليمان قاضي معرة النعمان، قال: أخبرني جماعة من سلفنا أن بعض أمراء حلب قيل له: إن اللغة التي ينقلها أبو العلاء إنما هي من الجمهرة، وعنده نسخة من الجمهرة ليس في الدنيا مثلها، وحسنوا له طلبها منه قصدا لأذاه فسيّر أمير حلب إليه من يطلبها منه، فقال للرسول: سمعا وطاعة للأمير، تقيم عندنا هذه الأيام حتى نقضي شغلك، ثم أمر من يقرأ عليه كتاب الجمهرة، فقرئت عليه حتى فرغت، ثم دفعها الى الرسول، وقال: ما قصدت بذلك إلا بأن أمرها على خاطري خوفا من أن يكون قد شذ منها شيء عن خاطري، فعاد الرسول بها وأخبر أمير حلب بذلك، فقال: من يكون هذا حاله لا يجوز أن يؤخذ منه هذا الكتاب، وأمر برده إليه.
قلت وكان أبو العلاء قد سمع الجمهرة من أبيه أبي محمد عبد الله، وسمعها أبوه من أبي عبد الله الحسين بن خالويه ورواها أبو عبد الله عن ابن دريد الأزدي.
وسمعت أبا المعالي قاضي المعرة يقول: سمعت (١٥٨ و) جماعة من أهلنا يقولون كان الشيخ أبو العلاء متوقد الخاطر على غاية من الذكاء من صغره، وتحدث الناس عنه بذلك، وهو إذ ذاك صبي صغير، فكان الناس يأتون إليه ليشاهدوا منه ذلك، فخرج جماعة من أهل حلب الى ناحية معرة النعمان وقصدوا أن يشاهدوا أبا العلاء، فدخلوا الى معرة النعمان وسألوا عنه، فقيل لهم هو يلعب مع الصبيان، فجاءوا إليه وسلموا عليه، فرد ﵈، فقيل له: إن هؤلاء جماعة من أكابر حلب جاءوا لينظروك ويمتحنوك، فقال لهم: هل لكم في المقافاة؟ فقالوا:
نعم، فجعل كل واحد منهم ينشد بيتا وهو بافية حتى فرغ محفوظهم بأجمعهم وقهرهم، فقال لهم: أعجزتم أن يعمل كل واحد منكم بيتا يقافي به عند الحاجة؟ فقالوا له: فافعل أنت ذلك، فجعل يجيب كل واحد منهم من نظمه في مقابلة ما أنشده حتى قهرهم، فعجبوا منه وانصرفوا.
стр. 827
ومن أعجب ما بلغني من ذكائه ما حدثني به والدي ﵀ قال: بلغني أنه لما سافر أبو العلاء الى بغداد وأقام بها المدة التي أقامها اجتاز في طريقه وهو متوجه بشجرة، وهو راكب على جمل، فقيل له طأطئ رأسك لئلا تلحقك الشجرة، ففعل ذلك، فلما عاد من بغداد ووصل الى ذلك الموضع، وكانت الشجرة قد قطعت، طأطأ رأسه (١٥٨ ظ) فقيل له في ذلك، فقال: هاهنا شجرة، فقال (١) له: ما هاهنا شجرة، فقال: بلى، فحفروا في ذلك الموضع، فوجدوا أصلها، والله أعلم.
أخبرني بعض أهل المعرة بها قال: كان أبو العلاء المعري يشرب الماء من بئر بالمعرة يقال له بئر القراميد، وكان يستطيب ماءه، فلما رحل الى بغداد سيرت له والدته من ماء بير القراميد شيئا، فلما وصل الماء لم يعلموه به، وسقوه منه، فلما شربه قال: لا إله إلا الله ما أشبه هذا الماء بماء بير القراميد.
وأخبرني الوزير الفاضل مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن العلقمي (٢) ببغداد قال: سمعت شيخي في النحو ابن أيوب يقول: كان ببغداد رجل من أهل العلم يقال له: أبو القاسم، وكان أديبا وبينه وبين أبي العلاء بن سليمان مكاتبات قد تكررت، ولم يكونا اجتمعا، فاتفق أن أبا القاسم المذكور قدم الشام ودخل على أبي العلاء، ولم يكن رآه قبل ذلك، فسلم عليه فقال له: أبو القاسم؟ فقال:
نعم، فقيل له: كيف عرفت أنه أبو القاسم؟ فقال: أخذت اسمه من كلامه.
قرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي: سمعته-يعني أبا الزاكي حامد بن بختيار خطيب الشمسانية (٣) -يقول: سمعت عبد المنعم-يعني أبا المهذب بن أحمد بن أبي الروس-يقول: سمعت أخي-يعني أبا الفتح-يقول: دخل
стр. 828
أبو العلاء المعري يوما على عمه القاضي أبي محمد التنوخي فلما رآه من بعيد يقصده قال لجارية لهم: قومي الى سيدك وخذي بيده، فقامت وأخذت بيده، فلما قام أشار إليها أيضا، فأخذت بيده لتوصله الى حجرته، فلما أخذ يدها التفت الى عمه وقال: دخلت وهذه الجارية بكر، والآن فهي ثيب، فقال: ومن أين تعلم، أيوحى إليك؟ فقال: حاشى وكلا، قد انقطع الوحي بعد المصطفى محمد ﵊، ولكنني لما دخلت مسكت يدها وعصب الزند كالأوتار المشدودة، فعلمت أنها بكر، والآن فقد ارتخت، فعلمت أن البكورية زالت، فبحث القاضي أبو محمد وإذا ابن له قد دخل بها في تلك الساعة.
وهذا القاضي أبو محمد هو ابن أخي أبي العلاء، وأبو العلاء عمه، ولعل بعض رواة هذا الخبر نقله من حفظه، فاشتبه عليه أي الرجلين عم صاحبه، فوهم والله أعلم.
أخبرنا أبو يوسف يعقوب بن محمود بن الحسين الساوي بالقاهرة عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني قال: سمعت أبا الحسن علي بن بركات بن منصور التاجر الرحبي بالذنبة (١) من مضافات (١٥٩ و) دمشق يقول: سمعت أبا عمران المعري يقول: عرض على أبي العلاء التنوخي الكفيف كف من اللوبياء، فأخذ منها واحدة ولمسها بيده، ثم قال: ما أدري ما هي إلا أني أشبهه بالكلية، فتعجبوا من فطنته واصابة حدسه.
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة عن الحافظ أبي طاهر السلفي، ح.
وكتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز بن عيسى اللخمي قال: سمعت
стр. 829
أحمد بن محمد الأصبهاني يقول: سألت أبا زكريا التبريزي إمام عصره في اللغة ببغداد وقلت له: قد رأيت أبا العلاء بالمعرة، وعالي بن عثمان بن جني الموصلي بصور، والقصباني بالبصرة، وابن برهان ببغداد، وغيرهم من الأدباء، فمن المفضل من بينهم؟ فقال: هؤلاء أئمة لا يقال لهم أدباء، وأفضل من رأيته ممن قرأت عليه أبو العلاء.
أخبرنا أبو القاسم بن أبي علي الأنصاري قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال: سمعت أبا الطيب سعيد بن إبراهيم بن سعيد الطّلبيري الطبيب بالثغر يقول:
سمعت عبد الحليم بن عبد الواحد السوسي بسفاقس (١) يقول: سئل الحسن بن رشيق (٢) عن أبي العلاء المعري هل هو أشعر أم أنت؟ فقال: قد ألفت أنا كتابا وهو كتابا في معناه، فالفرق ما بيننا كالفرق ما بين الترجمتين، سمى هو كتابه «زجر النّابح» وسميت (١٥٩ ظ) أنا كتابي «ساجور الكلب» يشير إلى أن أبا العلاء أفضل وألطف وأهدى إلى المعاني وأعرف (٣).
أخبرنا عبد الله بن أبي علي الحموي عن أبي طاهر أحمد بن محمد، وكتب إلي أبو القاسم عيسى بن عبد الله بن عيسى اللخمي-قال: أخبرنا أبو طاهر السّلفي قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن الحسن بن زرارة اللغوي يقول: كان بالمشرق لغوي، وبالمغرب لغوي في عصر واحد لم يكن لهما ثالث وهما ضريران، فالمشرقي أبو العلاء التنوخي بالمعرة، والمغربي ابن سيدة الأندلسي. وابن سيده أعلم من المعري، أملى من صدره كتاب المحكم ثلاثين مجلدا، وما في كتب اللغة أحسن منه.
قلت: وهذا غير مسلم لابن زرارة فإن ابن سيدة إن كان أملى المحكم في اللغة
стр. 830
فأبو العلاء قد أملى من خاطره نثرا: «كالأيك والغصون، والفصول والغايات، والسجع السلطاني» وغير ذلك مما يتضمن اللغة وغيرها من الألفاظ البليغة، والكلمات الوجيزة، ونظما مثل: «استغفر أو استغفري، ولزوم ما لا يلزم، وجامع الأوزان» يزيد على المحكم في المقدار أضعافا مضاعفة، وكتبه محصورة ولولا خوف الإطاله بذكرها لذكرت أسماءها وبيان حجم كل مصنف منها، وقد استوعبت ذلك في كتاب «دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري».
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أحمد بن عبد الله سليمان أبو العلاء التنوخي الشاعر من أهل معرة (١٦٠ و) النعمان، كان حسن الشعر، جزل الكلام، فصيح اللسان، غزير الأدب، عالما باللغة حافظا لها.
وذكر لي القاضي أبو القاسم التنوخي أنه ورد بغداد في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وأنه قرأ عليه ديوان شعره ببغداد.
قال الخطيب: وكان أبو العلاء ضريرا، عمي في صباه وعاد من بغداد إلى بلده معرة النعمان، فأقام به إلى حين وفاته، وكان يتزهد ولا يأكل اللحم، ويلبس خشن الثياب، وصنف كتابا في اللغة، وعارض سورا من القرآن، وحكي عنه حكايات مختلفة في اعتقاده حتى رماه بعض الناس بالالحاد (١).
أخبرنا أبو القاسم بن أبي علي الرمّاني قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد السّلفي-إذنا إن لم يكن سماعا-؛ وكتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز الأندلسي قال: أخبرنا أحمد بن محمد قال: يحكى عن أبي العلاء المعري في الكتاب الذي أملاه وترجمه «بالفصول والغايات» وكأنّه معارضة منه للسور والآيات، فقيل له: أين هذا من القرآن؟ فقال: لم تصقله المحاريب أربعمائة سنة.
стр. 831
وسمعت والدي يقول: قيل إن أبا العلاء عارض القرآن العزيز، فقيل له:
ما هذا إلاّ مليح إلا أنه ليس عليه طلاوة القرآن، فقال: حتى تصقله الألسن أربعمائة سنة وعند ذلك انظروا كيف يكون.
وقرأت بخط الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي في كتاب له تتبع الكلام فيه على الصرفة (١)، ونصر فيه مذهب المعتزلة في أن القرآن ليس (١٦٠ ظ) بمعجز في نفسه، لكن العرب صرفوا عن معارضته، فقال فيه: وقد حمل جماعة من الأدباء قول أرباب الفصاحة أنه لا يتمكن أحد من المعارضة بعد زمان التحدي على أن نظموا على اسلوب القرآن وأظهر ذلك قوم وأخفاه آخرون ومما ظهر منه قول أبي العلاء في بعض كلامه: أقسم بخالق الخيل والريح الهابة بليل بين الشرط ومطالع سهيل إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر المكفوف الذيل، اتق مدارج السّيل، وطالع التوبة من قبيل تنج وما أخالك بناج.
وقوله: أذلت العائدة أباها، وأضاءت الوهدة ورباها، والله بكرمه احتباها، أولاها الشرف بما حباها، أرسل الشمال وصباها «ولا يخاف عقباها» (٢).
وهذا الكلام الذي أورده ابن سنان هو في كتاب «الفصول والغايات في تمجيد الله تعالى والعظات» (٣) وهو كتاب إذا تأمله العاقل المنصف علم أنه بعيد عن المعارضة وهو بمعزل عن التشبه بنظم القرآن العزيز والمناقضة، فإنه كتاب وضعه على حروف المعجم، ففي كل حرف فصول وغايات، فالغاية مثل قوله: نباج، والفصل ما يقدم الغاية، فيذكر فصلا يتضمن التمجيد أو الموعظة ويختمه بالغاية على الحرف من حروف المعجم، مثل تاج، وراج، وحاج، كالمخمسات والموشحات في الشعر.
стр. 832
وله كتاب آخر كبير نحو ستين مجلدا على هذا الوضع أيضا سماه «الأيك (١٦١ و) والغصون» وسماه «الهمزه والردف» يتضمن أيضا تمجيد الله تعالى والثناء عليه والمواعظ، ولم ينسبوه فيه إلى معارضة القرآن العزيز، وإنما نسبوه في الفصول والغايات لا غير، وقد كان له جماعة يحسدونه على فضله ومكانته من أبناء زمانه تصدّوا لأذاه، وتتبعوا كلامه وحملوه على غير المقصد الذي قصده كما هو عادة أبناء كل زمان في افتراء الكذب واختلاق البهتان، ووقفت له على كتاب وضعه في الرد على من نسبه إلى معارضة القرآن والجواب عن أبيات استخرجوها من نظمه رموه بسببها بالكفر والطغيان، سمى الكتاب «بزجر النابح» ورد فيه على الطاعن في دينه والقادح.
قرأت بخط أبي طاهر السلفي في رسالة كتبها أبو المظفر إبراهيم بن أحمد بن الليث الآذري إلى الكيا أبي الفتح الأصبهاني قال: ومنها-يعني من قنسرين- أدلجت متوجها الى معرة النعمان، والسوق الى أبي العلاء أحمد بن عبد الله التنوخي أسعده الله، يحدو ركابي، والحنين إلى لقائه يحثّ أصحابي، وبلغت المعرة ضحية فلم أطق صبرا حتى دخلت إلى الشيخ أبي العلاء أسعده الله، فشاهدت منه بحرا لا بدرك غوره، وقليب ماء لا يدرك قعره، فأما اللغة ضمن قلبه، والنحو حشو ثوبه، والتصريف نشر بيته، والعروض ملك يده، والشعر طوع طبعه، والترسل بين أمره ونهيه، ورأيت أسبابه كلها أسباب من علم أن العيش (١٦١ ظ) تعليل وأن المقام فيها قليل.
قال فيها: ورأيت من كتبه كتاب «الفصول والغايات، وكتاب لزوم ما لا يلزم، وكتاب زجر النابح» وسبب تصنيفه هذا الكتاب أن قوما من حساده فكوا من مقاطيع له في كتاب «لزوم ما لا يلزم» أبياتا كفروه فيها، وشهدوا عليه باستحالة معانيها، ومقاصد الشيخ أبي العلاء فيها غير مقاصدهم، ومغايصه في معانيها غير مغايصهم، فمن ذلك قوله:
стр. 833
إنما هذه المذاهب أسباب … لجذب الدنيا إلى الرؤساء
عرض القوم لا يرقون لدمع … الشمّاء والخنساء (١)
كالذي قام يجمع الزّنج بالبصرة (٢) … والقرمطي بالأحساء (٣)
وأول الأبيات:
يا ملوك البلاد فزتم بنسئ (٤) … العمر
والجور شانكم في النّساء
ما لكم لا ترون طرق المعالي … قد يزور الهيجاء زيّ النّساء (٥)
يرتجي الناس أن يقوم إمام … ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الظنّ لا إمام سوى العقل … مشيرا في صبحه والمساء
فإذا ما أطعته جلب الرّحمة … عند المسير والإرساء
ثم يقول: «إنما هذه المذاهب» الأبيات الثلاثة، فأي بأس بهذا الشعر، وهل أتي القوم إلا من ضعف الخيزة (٦) وسوء الفكر.
قرأت بخط الإمام أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني: سمعت الشيخ أبا الطيب سعيد بن إبراهيم بن سعيد الأندلسي يقول: سمعت عبد الحليم بن عبد الواحد بسفاقس (١٦٢ و) يقول: قدم بعض أهل الأدب من المشرق إلى إفريقية، فسأله الحسن بن رشيق عن أبي العلاء المعري وقال: أنشدني شيئا من شعره، فأنشده القصيدة التي أولها:
стр. 834
منك الصّدود ومني بالصدود رضا … من ذا عليّ بهذا في هواك قضى (١)
فلم يرتض هذا المذهب من الشعر، واستلانه، وعزم على هجائه، فهجاه، ثم أنشده بعد بعض أحد الأدباء ممن جاء من المشرق أيضا:
هات الحديث عن الزوراء أو هيتا … وموقد النار لا تكرى بتكريتا (٢)
فقطع ما عمل فيه من الهجو، وقال: لو أخرج أبو العلاء يده من المعرة وصكّ ابن رشيق صكّة لرده إلى الزّاب من حيث جاء، وكان رشيق أبوه مملوكا ربي بالزّاب.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الجبار بن عبد الله العثماني في كتابه قال:
سمعت الشيخ الإمام الحافظ السلفي ﵀ إملاء من لفظه ومن كتابه قال: سمعت أبا المكارم عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم الأسدي رئيس أبهر (٣) بأبهر، وكان من أفراد الزمان، يقول: سمعت رشاء بن نظيف بن ما شاء الله المقرئ الفاضل الكبير بدمشق يقول: ما حملت الأرمض مثل أبي العلاء العري في فنه؛ وكان يتغالى فيه، وكان قد رآه وقرأ عليه. (١٦٢ ظ).
стр. 835
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله، وعيسى بن عبد العزيز الأندلسي-قراءة على الأول، وكتابة من الثاني-قالا: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني-قال عبد الله: إجازة إن لم يكن سماعا-قال: سمعت محمد بن حمزة بن أحمد التنوخي يقول: سمعت عبد الباقي بن علي المعري يقول:
كان أبو نصر المنازي أحد وزراء نصر الدولة بن مروان بديار بكر، فأرسله إلى مصر رسولا، فوصل إلى المعرة، ودخل إلى أبي العلاء، مسلما، فتناشدوا وانبسط أحدهما إلى الآخر، فذكر أبو العلاء ما يقاسي من الناس وكلامهم فيه، فقال له أبو نصر: ماذا يريدون منك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة! فقال: والآخرة أيضا والآخرة أيضا، وأطرق ولم يكلمه إلى أن قام.
وهذا هو عبد الباقي هو أبو المناقب عبد الباقي بن علي من أهل معرة النعمان، وكان قد أقام بمصر وتلقب خريطة النايات، وشعره شعر بارد متهلهل النسج، والذي ذكره عن المنازي وجده في تاريخ غرس النعمة (١) أبي الحسن محمد بن هلال بن المحسّن بن إبراهيم بن هلال الصابئ-وقرأته فيه-قال: وحدثني الوزير فخر
стр. 836
الدولة أبو نصر بن جهير قال: حدثني المنازي الشاعر قال: اجتمعت بأبي العلاء المعري بمعرة النعمان وقلت له: ما هذا الذي يروى عنك ويحكى؟ فقال: (١٦٣ و) حسدني قوم فكذبوا علي وأساءوا إلي، فقلت له: على ماذا حسدوك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟! فقال: والآخرة أيها الشيخ؟ قلت: أي والله، ثم قلت له: لم تمتنع من أكل اللحم وتلوم من يأكله؟ فقال: رحمة مني للحيوان، قلت: لا بل تقول إنه من شر الناس، فلعمري إنهم يجدون ما يأكلون ويتجزون به عن اللحمان ويتعوضون، فما تقول في السباع والجوارح التي خلقت لا غذاء لها غير لحوم الناس والبهائم والطيور ودمائها وعظامها، ولا طعام يعتاض به عنها ولا يتجزى به منها، حتى لم تخلص من ذلك حشرات الأرض، فإن كان الخالق لها الذي بقوله نحن، فما أنت بأرأف منه بخلقه ولا أحكم منه في تدبيره، وإن كانت الطبائع المحدثة لذاك على مذهبك فما أنت بأحذق منها، ولا أتقن صنعة ولا أحكم عملا حتى تعطلها ويكون رأيك وعقلك أوفى منها وأرجح وأنت من أبجادها غير محسوس عندها، فأمسك.
قلت: وهذا يبعد وقوعه من أبي نصر المنازي فإنه كان قدم على أبي العلاء وحكى ما أخبرنا به أبو القاسم بن رواحة عن أبي طاهر السّلفي قال: سمعت أبا الحسن المرجي بن نصر الكاتب يقول: سمعت خالي الوزير أبا نصر أحمد بن يوسف المنازي يقول:
بعثني نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان (١) سنة من ميافارقين إلى مصر رسولا، فدخلت معرة النعمان واجتمعت (١٦٣ ظ) بأبي العلاء التنوخي، وجرت بيننا فوائد، فقال أصحابه فينا قصائد، ومن جملتها هذه الأبيات:
تجمع العلم في شخصين فاقتسما … على البريّة شطريه وما عدلا
стр. 837
جاءا أخيري زمان ما به لهما … مماثل وصل الجد الذي وصلا
أبو العلاء وأبو نصر هما جمعا … علم الورى وهما للفضل قد كملا
هذا كما تراه رامح علم … وذاك أعزل للدنيا قد اعتزلا
هما هما قدوة الآداب دانية … طورا وقاصية إن مثلا مثلا
لولا هما لتفرّ العلم عن حلم … أو لافترى صاحب التمويه إن سئلا
يا طالب الأدب اسأل عنهما وأهن … إذا رأيتهما أن لا ترى الأولا
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به … فطلعة البدر تغني أن ترى زحلا
فلو كان المنازي واجه أبا العلاء بهذا الكلام القبيح المستفظع لما مدح أصحابه أبا نصر بما ذكره، وكذلك الذي احتج به في ترك اللحم لا يليق أن يصدر مثله من أبي نصر المنازي، وقد كان عارفا بالفقه، وشهد له سليم الرازي بأن له يدا في الفقه واللغة على ما نذكره في ترجمته، ومثل ما نقله الناقل عنه جوابا عن قوله في ترك أكل اللحم أنه رحمة للحيوان لا يحسن الجواب عنه بما ذكر، والرحمة للحيوان من الخصال المندوب إليها كما قال ﷺ : «والشاة إن رحمتها رحمك» (١)، وقد ترك جماعة (١٦٤ و) من الزهاد والعباد أكل الشهوات والطيبات تقربا إلى الله تعالى، وعدّ ذلك في مناقبهم ومحاسنهم، ولم ينكر عليهم، فكيف يجعل الامتناع من أكل اللحم تركا للآخرة، وقد استقصينا الكلام على هذا في كتاب «دفع الظلم والتجري».
وقد قال أبو نصر المنازي في أبي العلاء أبياتا خاطبه بها في مدحه:
لله لؤلؤ ألفاظ تساقطها … لو كن للغيد ما استأنسن بالعطل
ومن عيون معان لو كحلن بها … نجل العيون لأغناها عن الكحل
سحر من اللفظ لو دارت سلافته … على الزمان تمشي مشية الثمل
стр. 838
فمن هذا خطابه له وذكره لما قيل فيهما كيف يصح عنه أنه يواجهه بهذا الكلام الفاحش الخارج عن حسن الآداب، المجانب لصحة القول والصواب.
أخبرنا عبد الله بن أبي علي الانصاري عن أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ قال: ذكر-يعني أبا الفضل هبة الله بن المثنى بن ابراهيم الهيتي-له أنه دخل المعرة، وكان أبو العلاء يعيش فيها، فنهاه أبو صالح بن شهاب عن الدخول عليه.
قلت: وهذا أبو صالح هو أبو صالح محمد بن المهذب بن علي بن المهذب ابن أبي حامد بن همام بن أبي شهاب، وكان ابن عمه أبي العلاء، وهو الذي كتب الأبيات النونية الى أبي الهيثم أخي أبي العلاء حين احتجب أبو العلاء ومنع الناس من (١٦٤ ظ) الدخول عليه وأولها:
بشمس زرود لا ببدر معان.
وقد ذكرناها وفيها من المدح والتقريظ لأبي العلاء والتحيل في الدخول عليه ما هو واضح، فكيف يمنع الناس من الدخول عليه وينهاهم عنه، اللهم إلاّ إن كان ذلك وقع في الوقت الذي قدم أبو العلاء من بغداد، وعزم على العزلة عن الناس، وكتب الى أهل المعرة ما كتب، وأراد أبو الفضل الهيتي الدخول عليه فنهاه أبو صالح عن ذلك مخافة أن يمضي فيتعذر عليه فيكون كما قال في رسالته:
«فأكون قد جمعت بن سمجين: سوء الأدب وسوء القطيعة».
ذكر ابن السيد البطليوسي في شرح سقط الزند لأبي العلاء قال: وكان المعري متدينا، كثير الصيام والصدقة، يسمع له بالليل هينمة (١) لا تفهم، وكان لا يقرع أحد عليه الباب حتى تطلع الشمس، فاذا سمع قرع الباب علم أن الشمس قد طلعت، فقطع تلك الهينمة وأذن في الدخول عليه، وكان لا يرى أكل اللحم، ولا شرب
стр. 839
المسكر، ولا النكاح، وكان ذا عفة ونزاهة نفس، إلاّ أنه كان مخالفا لما عليه أهل السنّة.
وقول ابن السيد: «أنه كان مخالفا لما عليه أهل السنة» لا أعلم بأي طريق وقعت المخالفة، وقد وصفه بهذه الصفات المحمودة، وكان شافعي المذهب من أهل السنة والجماعة.
وقرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي في تعليق له: سمعته يقول:-يعني حامد بن بختيار ابن جروان الشمساني-سمعت عبد المنعم يقول:-يعني عبد المنعم بن أحمد بن أبي الروس السروجي-سمعت أخي-يعني أبا الفتح-يقول:
دخل رجل من أهل الساحل على الشيخ أبي العلاء التنوخي بالمعرة ونحن عنده، وكان يعرفه، فقال له: أريد أن يملي سيدنا علي شيئا من غريب القرآن، فقال يا هذا من أين وصل إليّ غريب القرآن وأنا هاهنا في زاوية البيت، فلما خرج قال لنا: مضى فلان؟ فقلنا: نعم، فقال: ضعوا ما في أيديكم من الكراريس وخذوا سواها، ففعلنا، فقال: اكتبوا غريب القرآن فأملى علينا غريب القرآن والكلام عليه ثلاثة أسابيع من صدره، فقلنا له بعد ذلك: العلم لا يحل منعه وقد منعت ذلك الرجل الساحلي، فقال: ما كنت لأضيع الحكمة مع رجل يسب أصحاب رسول الله ﷺ ويتنقصهم.
وأخبرنا أبو القاسم بن رواحة عن أبي طاهر السلفي قال: قال لي الرئيس (١٦٥ و) أبو المكارم يعني عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم الابهري، وكان من أفراد الزمان ثقة مالكي المذهب: لما توفي أبو العلاء اجتمع على قبره ثمانون شاعرا وختم في اسبوع واحد عند القبر مائتا ختمة، وهذا ما لم يشارك فيه.
وكانت الفتاوى في بيتهم على مذهب الشافعي من أكثر من مائتي سنة بالمعرة.
قلت: ولم ينقل أن أبا العلاء كان مبتدعا، لكن نسبوه الى ما هو أعظم من ذلك.
стр. 840
وقرأت في تاريخ غرس النعمة ابن الصابئ: أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري الشاعر، الأديب الضرير، وكان له شعر كثير، وفيه أدب غزير، ويرمى بالالحاد، وأشعاره دالة على ما يزن به من ذاك، ولم يك يأكل لحوم الحيوان ولا البيض، ولا اللبن، ويقتصر على ما تنبته الأرض، ويحرم ايلام الحيوان ويظهر الصوم زمانه جميعه، ونحن نذكر طرفا مما بلغنا من شعره ليعلم صحة ما يحكى عنه من الحاده، وله كتاب سماه «الفصول والغايات» عارض به السور والآيات، لم يقع الينا منه شيء فنورده.
وذكر أشعارا: نسبها اليه، فمنها ما هو من شعره في «لزوم ما لا يلزم» وفي «استغفر واستغفري» قد أجاب عنها في كتابه المعروف «بزجر النابح» والكتاب «بنجر الزجر»، واذا تأملها المنصف حق التأمل لم يجد فيها ما يوجب القدح في دينه، ومنها ما وضع على لسانه وتعمل (١٦٥ ظ) تلامذته المنحرفون وغيرهم من الحسدة نظمها على لسانه وضمنوها أقاويل الزنادقة، وفيها من ركاكة اللفظ والعدول عن الفصاحة التي هي ظاهرة في شعره ما يوجب نفيها عنه وبعدها منه، فمما أورده وهو موضوع عليه:
إذا كان لا يحظى برزقك عاقل … وترزق مجنونا وترزق أحمقا
فلا ذنب يا رب السماء على إمرئ … رأى منك ما لا يشتهى فتزندقا (١)
وهذا شعر في غاية السقوط والنزول والهبوط، يقضي على ناظمة بالجهل والعمه والكفر والسفه ومما أورد من الأشعار الموضوعة على لسانه البعيدة عن فصاحته وبيانه.
صرف الزمان مفرق الإلفين … فاحكم إلهي بين ذاك وبيني
أنهيت عن قتل النفوس تعمدا … وبعثت أنت بقبضها ملكين
وزعمت أن لها معادا ثانيا … ما كان أغناها عن الحالين (٢)
стр. 841
ولم يعز غرس النعمة شيئا من هذه الاشعار المكذوبة الى كتاب يعتمد عليه، ولا: نسب روايتها الى ناقل أسندها اليه، بل اقتصر في ذكرها كما ذكر على البلاغ ولم يتأمل أن مثلها مما يختلق عليه زورا ويصاغ.
وقد نسج أبو يعلى بن الهبارية على منوال غرس النعمة من غير فكر ولاروية، فقال في كتابه الموسوم «بفلك المعاني» المشحون بقول الزور فيما ينقله ويعاني: (١٦٦ و) وقد قال أبو العلاء أحمد بن سليمان مع تحذلقه ودعواه الطويلة العريضة وشهرته نفسه بالحكمة ومظاهرته:
ونهيت عن قتل النفوس تعمدا … وبعثت تقبضها مع الملكين
وزعمت أنّك في المعاد تعيدها … ما كان أغناها عن الحالين
قال ابن الهبارية: وهذا كلام مجنون معتوه يعتقد أن القتل كالموت، والموت، كالقتل، فليت هذا الجاهل الذي حرم الشرع وبرده، والحق وحلاوته، والهدى ونوره، واليقين وراحته، لم يذع ما هو برئ منه بعيد عنه ولم يقل:
غدوت مريض العقل والرأي فأتني … لتخبر أنباء الأمور الصحائح
حتى سلط الله عليه أبا نصر بن أبي عمران داعي الدعاة بمصر، فقال: أنا ذلك المريض رأيا وعقلا، وقد أتيتك مستشفيا فاشفني، وجرت بينهما مكاتبات كثيرة، وأمر باحضاره حلب، ووعده على الإسلام خيرا من بيت المال، فلما علم أبو العلاء أنه يحمل للقتل أو الإسلام سمّ نفسه فمات (١).
وابن الهبّاريّة لا يعتمد على ما ينقله، وأبو نصر بن أبي عمران هو هبة الله ابن موسى، المؤيد في الدين، وكان اجتمع بأبي العلاء بمعرة النعمان، وذكرنا فيما نقله ابن الزبير باسناده أنه كانت بينه وبين أبي العلاء صداقة ومراسلة، وذكر حكايته معه.
стр. 842
وأما الرسائل التي جرت (١٦٦ ظ) بينه وبين أبي العلاء فإنني وقفت عليها، وملكتها نسخه، والمؤيد في الدين ابتداه وقال: بلغني عن سيدنا الشيخ بيتا، وذكر البيت المذكور، وقال: أنا ذلك المريض عقلا ورأيا وقد أتيتك مستشفيا، لم امتنعت عن أكل اللحم؟
فأجابه أبو العلاء أن ذلك لرقة تأخذه على الحيوان، وأن الذي يحصل له من ملكه لا يقوم بسعة النفقه.
فأجابه بجواب حسن وقال: إنه قد تقدم إلى الوالي بحلب أن يحمل إليه ما يقوم بكفايته، لا كما ذكر ابن الهبّاريّة بأن يحمل الى حلب، وأنه وعد عن الاسلام خيرا من بيت المال، فامتنع أبو العلاء عن قبول ما بذله له وأجابه عن كتابه بجواب حسن، فورد جواب المؤيد في الدين يتضمن الاعتذار إليه عن تكليفه المكاتبة في المعنى المذكور، وشغل خاطره، لا كما ذكر ابن الهبارية.
وكذلك قول ابن الهبّاريّة أن أبا العلاء «سم نفسه فمات»، خطأ فاحش من القول فإن أبا العلاء مات حتف أنفه بمرض أصابه، وسنذكر ذلك إن شاء الله في ذكر وفاته.
قرأت بخط أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد سليمان أو بخط أبيه أبي محمد عبد الله فإن خطيهما متشابهان، في ورقة وقعت إليّ، ذكر فيها شيئا من أحوال أبي العلاء، وقال فيها: إن المستنصر بالله صاحب مصر بذل له ما لبيت المال بمعرة النعمان من الحلال، فلم يقبل منه شيئا وقال: (١٦٧ و).
كأنما غانة لي من غنى … فعدّ عن معدن أسوان (١)
سرت برغمي عن زمان الصبى … يعجلني وقتي وأكواني
ضد أبي الطيب لما غدا … منصرفا عن شعب بوّان (٢)
стр. 843
وقال:
لا أطلب الأرزاق والمولى … يفيض علي رزقي
إن أعط بعض القوت أعلم … أن ذلك ضعف حقي (١)
قال: وكان ﵁ يرمى من أهل الحسد له بالتعطيل، وتعمّل تلامذته وغيرهم على لسانه الأشعار يضمنونها أقاويل الملحدة قصدا لهلاكه، وإيثارا لتلاف نفسه، فقال ﵁:
حاول إهواني قوم … فما واجهتهم إلا بإهوان
تخوّنوني بسعاياتهم … فغيروا نية إخواني
لو استطاعوا لوشوا بي … إلى المريخ في الشهب وكيوان
وقال:
غريت بذمّي أمة … وبحمد خالقها غريت
وعبدت ربي ما استطعت … ومن بريته بريت
وفرتني الجهال حا … شدة علي وما فريت (٢)
سعروا علي فلم أحس … وعندهم أني هريت (١٦٧ ظ)
وجميع ما فاهوا به … كذب لعمرك حنبريت (٣)
وقال أيضا في ذلك:
والله سلم بعدما … حشد العداة ونفّروا
وسعوا الى الأمراء علي … في المجال أفرفر (٤)
стр. 844
وتراسلوا وتألبوا … وسكت لما اسحنفروا
خالوني الصيد الأخير … سطا عليه غضنفر
والله يعلم أينا … أطغى وأي أكفر
قال: وكان يدفع الله سبحانه عند مكائد الأعداء، ويقوم له من المتقدمين من ينتخي له، ويذب عنه، فقال في ذلك ﵁:
ضعفت عن كيدهم غير … أن الله بالحكمة قواني
أعانني من عز سلطانه … فلم أبك قلة أعواني
وزينوا هلكي بعدوانهم … لكل ذي جور وعدوان
ومدّ في القصر (١) … حديثي وكم
ذممت في قصر وإيوان
كفاني الصدق ورب رأى … تعظيمه معظم ديواني
فما رموا سهما لهم بالغوا … في سمه إلا وأشواني (٢)
يا دائبا في عنتي جاهدا … إبليس في ودّك أغواني
خال من الضغن وخال حجى … إني وإياك لخلوان (١٦٨ و)
كأن طرحي في لظى مالك … يدخله جنة رضوان
قال: ولم يكن من شأنه أن يلتمس من أحد من خلق الله شيئا، وكان كثير الأمراض فقال:
لا أطلب السّيب من الناس … بل أطلبه من خالق السّيب
ويشهد الأول أني امرؤ … لي جسد يغرق في عيني
تضرب أضراسي وطبي بها التعطيس … بالكندس في جيبي
ويلي مما أنا فيه وجل … الأمر عن ويح وعن ويب
стр. 845
لو أن أعمالي محمودة … لقلت حوطي بي وأعني بي
قال: وأبان عن تعظيم الله سبحانه واعتقاده الصحيح فيه فقال:
ترتاح في الصيف الى أشهر … القرّ وفي مشتاك للصيف
فخف إلها عز سلطانه … وجل عن أين وعن كيف
وعلم الناس محاسن الأخلاق فقال:
والرزق مقسوم فياسر ولا … تطلبه بالرمح والسيف
وكن لما تملكه باذلا … ولا تهاون بقرى الضيف
فاز امرؤ أنصف في دهره … وخاب من مال الى الحيف
سمعت العماد ساطع بن عبد الرزاق بن المحسن بن أبي حصين المعري يقول:
بلغني أن الناس لما أكثروا القول في الشيخ أبي العلاء بن سليمان ورموه بما (١٦٨ ظ) رموه به من الإلحاد، سير صاحب حلب قصدا لأذاه، فلما جاءه الرسول بات على عزم أن يأخذوه بكرة اليوم الآتي، فبات الشيخ أبو العلاء تلك الليلة في محرابه يدعو الله ويذكره، ويسأله أن يكفيه شره، وقال لبعض أصحابه أرقب النجم الفلاني فما زال يرقبه الى أن أخبره بأنه غاب، والشيخ يدعو مستقبلا القبلة. فلما أصبح جاءه الرسول فقال له أبو العلاء: امض فقد قضي الأمر، فقال: وما ذاك؟ قال: إن صاحبك مات، قال: تركته وهو في عافية، قال: إنه قد مات الليلة، فعاد فوجد الأمر كما ذكر، وذاك أنه سقط بيت كان به، وتقصفت الأخشاب فمات، هذا معنى ما ذكره لي أو قريب منه (١).