ولم يعز غرس النعمة شيئا من هذه الاشعار المكذوبة الى كتاب يعتمد عليه، ولا: نسب روايتها الى ناقل أسندها اليه، بل اقتصر في ذكرها كما ذكر على البلاغ ولم يتأمل أن مثلها مما يختلق عليه زورا ويصاغ.
وقد نسج أبو يعلى بن الهبارية على منوال غرس النعمة من غير فكر ولاروية، فقال في كتابه الموسوم «بفلك المعاني» المشحون بقول الزور فيما ينقله ويعاني: (١٦٦ و) وقد قال أبو العلاء أحمد بن سليمان مع تحذلقه ودعواه الطويلة العريضة وشهرته نفسه بالحكمة ومظاهرته:
ونهيت عن قتل النفوس تعمدا … وبعثت تقبضها مع الملكين
وزعمت أنّك في المعاد تعيدها … ما كان أغناها عن الحالين
قال ابن الهبارية: وهذا كلام مجنون معتوه يعتقد أن القتل كالموت، والموت، كالقتل، فليت هذا الجاهل الذي حرم الشرع وبرده، والحق وحلاوته، والهدى ونوره، واليقين وراحته، لم يذع ما هو برئ منه بعيد عنه ولم يقل:
غدوت مريض العقل والرأي فأتني … لتخبر أنباء الأمور الصحائح
حتى سلط الله عليه أبا نصر بن أبي عمران داعي الدعاة بمصر، فقال: أنا ذلك المريض رأيا وعقلا، وقد أتيتك مستشفيا فاشفني، وجرت بينهما مكاتبات كثيرة، وأمر باحضاره حلب، ووعده على الإسلام خيرا من بيت المال، فلما علم أبو العلاء أنه يحمل للقتل أو الإسلام سمّ نفسه فمات (١).
وابن الهبّاريّة لا يعتمد على ما ينقله، وأبو نصر بن أبي عمران هو هبة الله ابن موسى، المؤيد في الدين، وكان اجتمع بأبي العلاء بمعرة النعمان، وذكرنا فيما نقله ابن الزبير باسناده أنه كانت بينه وبين أبي العلاء صداقة ومراسلة، وذكر حكايته معه.
стр. 842
وأما الرسائل التي جرت (١٦٦ ظ) بينه وبين أبي العلاء فإنني وقفت عليها، وملكتها نسخه، والمؤيد في الدين ابتداه وقال: بلغني عن سيدنا الشيخ بيتا، وذكر البيت المذكور، وقال: أنا ذلك المريض عقلا ورأيا وقد أتيتك مستشفيا، لم امتنعت عن أكل اللحم؟
فأجابه أبو العلاء أن ذلك لرقة تأخذه على الحيوان، وأن الذي يحصل له من ملكه لا يقوم بسعة النفقه.
فأجابه بجواب حسن وقال: إنه قد تقدم إلى الوالي بحلب أن يحمل إليه ما يقوم بكفايته، لا كما ذكر ابن الهبّاريّة بأن يحمل الى حلب، وأنه وعد عن الاسلام خيرا من بيت المال، فامتنع أبو العلاء عن قبول ما بذله له وأجابه عن كتابه بجواب حسن، فورد جواب المؤيد في الدين يتضمن الاعتذار إليه عن تكليفه المكاتبة في المعنى المذكور، وشغل خاطره، لا كما ذكر ابن الهبارية.
وكذلك قول ابن الهبّاريّة أن أبا العلاء «سم نفسه فمات»، خطأ فاحش من القول فإن أبا العلاء مات حتف أنفه بمرض أصابه، وسنذكر ذلك إن شاء الله في ذكر وفاته.
قرأت بخط أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد سليمان أو بخط أبيه أبي محمد عبد الله فإن خطيهما متشابهان، في ورقة وقعت إليّ، ذكر فيها شيئا من أحوال أبي العلاء، وقال فيها: إن المستنصر بالله صاحب مصر بذل له ما لبيت المال بمعرة النعمان من الحلال، فلم يقبل منه شيئا وقال: (١٦٧ و).
كأنما غانة لي من غنى … فعدّ عن معدن أسوان (١)
سرت برغمي عن زمان الصبى … يعجلني وقتي وأكواني
ضد أبي الطيب لما غدا … منصرفا عن شعب بوّان (٢)
стр. 843
وقال:
لا أطلب الأرزاق والمولى … يفيض علي رزقي
إن أعط بعض القوت أعلم … أن ذلك ضعف حقي (١)
قال: وكان ﵁ يرمى من أهل الحسد له بالتعطيل، وتعمّل تلامذته وغيرهم على لسانه الأشعار يضمنونها أقاويل الملحدة قصدا لهلاكه، وإيثارا لتلاف نفسه، فقال ﵁:
حاول إهواني قوم … فما واجهتهم إلا بإهوان
تخوّنوني بسعاياتهم … فغيروا نية إخواني
لو استطاعوا لوشوا بي … إلى المريخ في الشهب وكيوان
وقال:
غريت بذمّي أمة … وبحمد خالقها غريت
وعبدت ربي ما استطعت … ومن بريته بريت
وفرتني الجهال حا … شدة علي وما فريت (٢)
سعروا علي فلم أحس … وعندهم أني هريت (١٦٧ ظ)
وجميع ما فاهوا به … كذب لعمرك حنبريت (٣)
وقال أيضا في ذلك:
والله سلم بعدما … حشد العداة ونفّروا
وسعوا الى الأمراء علي … في المجال أفرفر (٤)
стр. 844
وتراسلوا وتألبوا … وسكت لما اسحنفروا
خالوني الصيد الأخير … سطا عليه غضنفر
والله يعلم أينا … أطغى وأي أكفر
قال: وكان يدفع الله سبحانه عند مكائد الأعداء، ويقوم له من المتقدمين من ينتخي له، ويذب عنه، فقال في ذلك ﵁:
ضعفت عن كيدهم غير … أن الله بالحكمة قواني
أعانني من عز سلطانه … فلم أبك قلة أعواني
وزينوا هلكي بعدوانهم … لكل ذي جور وعدوان
ومدّ في القصر (١) … حديثي وكم
ذممت في قصر وإيوان
كفاني الصدق ورب رأى … تعظيمه معظم ديواني
فما رموا سهما لهم بالغوا … في سمه إلا وأشواني (٢)
يا دائبا في عنتي جاهدا … إبليس في ودّك أغواني
خال من الضغن وخال حجى … إني وإياك لخلوان (١٦٨ و)
كأن طرحي في لظى مالك … يدخله جنة رضوان
قال: ولم يكن من شأنه أن يلتمس من أحد من خلق الله شيئا، وكان كثير الأمراض فقال:
لا أطلب السّيب من الناس … بل أطلبه من خالق السّيب
ويشهد الأول أني امرؤ … لي جسد يغرق في عيني
تضرب أضراسي وطبي بها التعطيس … بالكندس في جيبي
ويلي مما أنا فيه وجل … الأمر عن ويح وعن ويب
стр. 845
لو أن أعمالي محمودة … لقلت حوطي بي وأعني بي
قال: وأبان عن تعظيم الله سبحانه واعتقاده الصحيح فيه فقال:
ترتاح في الصيف الى أشهر … القرّ وفي مشتاك للصيف
فخف إلها عز سلطانه … وجل عن أين وعن كيف
وعلم الناس محاسن الأخلاق فقال:
والرزق مقسوم فياسر ولا … تطلبه بالرمح والسيف
وكن لما تملكه باذلا … ولا تهاون بقرى الضيف
فاز امرؤ أنصف في دهره … وخاب من مال الى الحيف
سمعت العماد ساطع بن عبد الرزاق بن المحسن بن أبي حصين المعري يقول:
بلغني أن الناس لما أكثروا القول في الشيخ أبي العلاء بن سليمان ورموه بما (١٦٨ ظ) رموه به من الإلحاد، سير صاحب حلب قصدا لأذاه، فلما جاءه الرسول بات على عزم أن يأخذوه بكرة اليوم الآتي، فبات الشيخ أبو العلاء تلك الليلة في محرابه يدعو الله ويذكره، ويسأله أن يكفيه شره، وقال لبعض أصحابه أرقب النجم الفلاني فما زال يرقبه الى أن أخبره بأنه غاب، والشيخ يدعو مستقبلا القبلة. فلما أصبح جاءه الرسول فقال له أبو العلاء: امض فقد قضي الأمر، فقال: وما ذاك؟ قال: إن صاحبك مات، قال: تركته وهو في عافية، قال: إنه قد مات الليلة، فعاد فوجد الأمر كما ذكر، وذاك أنه سقط بيت كان به، وتقصفت الأخشاب فمات، هذا معنى ما ذكره لي أو قريب منه (١).
стр. 846
وقرأت بخط الشريف إدريس بن الحسن بن علي بن عيسى بن علي الإدريسي الحسني قال: أخبرني الشريف النقيب: نظام الدين أبو العباس بن أبي الجن الحسيني قال: حدثني ابن أخت أمين الدولة الشريف القاضي الأفطسي قال: كان الشريف أبو ابراهيم محمد يحضر مجلس معز الدولة ثمال بن صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب، ويحضره المحبرة العباسي من ولد إسماعيل بن صالح وكل واحد منهما فقيه نبيل في المذهب الذي عرف به، وكان المحبرة يدق على أبي العلاء بن سليمان ويكفره ويحض معز الدولة على قتله، فكان معز الدولة يستطلع رأي (١٦٩ و) الشريف أبي إبراهيم فيه، فيقول فيه بخلاف ما يقول المحبرة ويقرظه عند معز الدولة ويرغبه في إبقائه وينشده من أشعاره التي لا يلم فيها بأمر منكر، فجمع المحبرة جماعة من الفقهاء وغيرهم من أهل السنّة وصعد الى معز الدولة وألجأه الى أن يبعث إليه فيحضره الى حلب، ويعقد له مجلس يخاطب فيه على ما شاع له من الشعر والتصانيف التي صنفها، فندب لإحضاره رسولا من خاصته، فيقال: إن أبا العلاء بن سليمان صعد في الليلة التي ورد فيها الرسول لإحضاره، وبسط منديلا عليه رماد فوضع عليه خده ودعا الله بدعاء الفرج طول ليلته، فلم ينزل إلا ورسول ثان من معز الدولة يقول للأول:
لا تزعج الرجل واتركه، فعاد، واتفق في تلك الليلة أن سقط المحبرة من سطوح داره فمات.
وغبر على ذلك مدة طويلة وأبو إبراهيم محمد ينتظر الثواب من أبي العلاء على ما كان منه إليه، وكان أبو العلاء لا يمدح أحدا ترفعا وضنّا بنفسه وشعره، إلا ما كان من مدحه لنفسه أو أحد من أهل بيته كالقاضي التنوخي، والفصيصي، وما اضطر إليه، فابتدأه الشريف أبو ابراهيم بالقصيدة النونية التي أولها:
غير مستحسن وصال الغواني … بعد ستين حجة وثمان (١٦٩ ظ)
стр. 847
فأجابه عنها بالقصيدة المكتوبة في سقط الزند:
عللاني فان بيض الأماني … فنيت والظلام ليس بفان (١)
قلت: والشريف المحبرة هو أبو علي محمد بن محمد بن هارون الهاشمي الحلبي، وكان قد تصدى للسعي بأبي العلاء، والتأليب عليه، وكان من أكابر الحلبيين وفقهائهم، ولم يسقط من سطح داره، لكن معز الدولة ثمال بن صالح اعتقله بقلعة حلب سنة أربعين وأربعمائة مع جماعة من أكابر حلب عندما طرق ناصر الدولة بن حمدان الشام، ثم قتله دونهم بسعاية علي بن أحمد بن الأيسر في سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، ولم يكن الشريف أبو إبراهيم محمد بن أحمد ناظم النونية موجودا، ولا أدرك زمان ثمال فإنه توفي قبل الأربعمائة، ويحتمل أن أبا إبراهيم المذكور الذي كان يقرظ أبا العلاء عند معز الدولة هو أبو إبراهيم محمد بن جعفر بن أبي إبراهيم، فإنه كان جليل القدر محترما عند صالح بن مرداس وثمال بن صالح، لكن الشعر الذي ذكره لجده أبي إبراهيم الأكبر، والله أعلم (٢).
أنبأنا الشريف أبو علي المظفر بن الفضل بن يحيى العلوي قال: قرأت بخط ابن سنان الخفاجي في ذكر أبي العلاء بن سليمان أنه ترك أكل اللحم تزهدا، وكان مع ذلك يصوم أكثر زمانه ويفطر على الخل والبقل ويقول: ان في هذا لخيرا كثيرا.
أخبرنا عمر بن محمد بن طبرزد اجازة عن أبي الفضل بن ناصر قال: (١٧٠ و) حدثنا أبو زكريا التبريزي قال: كان المعري يجري رزقا على جماعة ممن كان يقرأ
стр. 848
عليه، ويتردد لاجل الأدب إليه، ولم يقبل لاحد هدية ولا صلة، وكان له أربعة رجال من الكتاب المجودين في خزانته وجارية يكتبون عنه ما يرتجله ويمليه.
أنبأنا زيد بن الحسن الكندي قال: أنبأنا هبة الله بن علي العلوي الشجري قال: حدثنا أبو زكريا التبريزي قال: ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعري، ولقد اتفق قوم ممن كان يقرأ عليه ووضعوا حروفا وألفوها كلمات وأضافوا إليها من غريب اللغة ووحشيها كلمات أخرى وسألوه عن الجميع على سبيل الامتحان، فكان كلما وصلوا الى كلمة مما ألفوه ينزعج لها وينكرها ويستعيدها مرارا ثم يقول:
دعوا هذه، والألفاظ اللغوية يشرحها ويستشهد عليها حتى انتهت الكلمات، ثم أطرق ساعة مفكرا ورفع رأسه وقال: كأني بكم وقد وضعتم هذه الكلمات لتمتحنوا بها معرفتي وثقتي في روايتي، والله لئن لم تكشفوا لي الحال وتدعوا المحال، وإلا هذا فراق ما بيني وبينكم، فقالوا له: والله الأمر كما قلت، وما عدوت ما قصدناه، فقال: سبحان الله، والله ما أقول إلاّ ما قالته العرب وما أظن أنها نطقت بشيء ولم أعرفه.
قرأت في كتاب تتمة اليتيمة لأبي منصور الثعالبي وذكر فيها أبا العلاء المعري فقال: (١٧٠ ظ) وكان حدثني أبو الحسن الدلفي المصيّصي الشاعر، وهو ممن لقيته قديما وحديثا في مدة ثلاثين سنة قال: لقيت بمعرة النعمان عجبا من العجب، رأيت أعمى شاعرا طريفا يلعب بالشطرنج والنرد، ويدخل في كل فن من الجد والهزل، يكنى أبا العلاء؛ وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر، فقد صنع لي وأحسن بي إذ كفاني رؤية الثقلاء والبغضاء.
قال: وحضرته يوما وهو يملي في جواب كتاب ورد من بعض الرؤساء إليه:
وافى الكتاب فأوجب الشكرا … فضممته ولثمته عشرا
стр. 849
وفضضته وقرأته فإذا … أحلى كتاب في الورى يقرا
فمحاه دمعي من تحدره … شوقا إليك فلم يدع سطرا
فتحفظتها واستعملتها في مكاتبات الإخوان (١).
قلت: وهذا الذي حكاه الدلفي لم أسمعه في كتاب غير تتمة اليتيمة، ولم ينقل أحد من المعريين وغيرهم عن أبي العلاء اشتغالا بشطرنج أو نرد، أو دخولا في فن من فنون الهزل، ولم تزل أوقاته منذ نشأ مصروفة إلى الاشتغال بالعلم، كيف وهو أن منصب أبيه ومنصب أخيه لا يقتضى تمكينه من شيء من ذلك، فقد كانا من العلماء الفضلاء، وكان أبو العلاء يزيد عليهما.
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن اسماعيل الطرسوسي قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي إجازة (١٧١ و) -قلت: ونقلته أنا من خط المقدسي، قال: سمعت الرئيس أبا نصر أحمد بن أحمد بن عبدوس الوفراوندي بها يقول: سألت شيخ الإسلام أبا الحسن علي بن أحمد بن يوسف الهكاري عن أبي العلاء المعري-وكان قد رآه-فقال: رجل من المسلمين.
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة-قراءة عليه- قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي-إجازة، إن لم يكن سماعا-، ح.
وكتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز اللخمي من الاسكندرية قال:
سمعت أبا طاهر السّلفي يقول: سمعت أبا الزاكي حامد بن بختيار بن جروان النميري الخطيب بالشمسانية-مدينة بالخابور-يقول: سمعت القاضي أبا الفتح عبد المنعم بن أحمد بن أبي الروس السروجي يقول: سمعت أخي القاضي أبا الفتح
стр. 850
يقول: دخلت على الشيخ أبي العلاء التنوخي بالمعرة ذات يوم في وقت خلوة بغير علم منه، وكنت أتردد إليه وأقرأ عليه، فسمعته وهو ينشد من قبله:
كم غودرت غادة كعاب … وعمرت أمّها العجوز
أحرزها الوالدان خوفا … والقبر حرز لها حريز
يجوز أن تبطئ المنايا … والخلد في الدّهر لا يجوز
ثم تأوه مرات وتلا قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ﴾ (١٧١ ظ) ﴿لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ» (١)، ثم صاح وبكى بكاء شديدا وطرح وجهه على الأرض زمانا، ثم رفع رأسه ومسح وجهه وقال:
سبحان من تكلم بهذا في القدم، سبحان من هذا كلامه، وسكت وسكن، فصبرت ساعة ثم سلمت عليه، فرد علي وقال: يا أبا الفتح متى أتيت؟ فقلت: الساعة، فأمرني بالجلوس، فجلست وقلت: يا سيدنا أرى في وجهك أثر غيظ، فقال: لا يا أبا الفتح بل أنشدت شيئا من كلام المخلوق وتلوت شيئا من كلام الخالق، فلحقني ما ترى، فتحققت صحة دينه وقوة يقينه.
أخبرنا أبو القاسم الأنصاري عن الحافظ أبي طاهر السّلفي، وأنبأنا أبو القاسم اللخمي قال: وسمعت أبا طاهر أحمد بن محمد يقول: وقد كان شيخانا أبو زكريا التبريزي ببغداد وأبو المكارم الأبهري بأبهر، وهما هما ولا يخفى من العلم محلّهما، يبالغان في الثناء عليه ويصفانه بالزهد والدين القوي، والعقيدة الصحيحة القوية، والخوف من الله تعالى، وإن كل ما يذكر من شعره إنما كان يذكره على ما جرت به عادة أهل الأدب، كما فعله أبو الحسين بن فارس في فتيا فقيه العرب، وقبله أبو بكر بن دريد في الملاحن، وعدّ ذلك منهما في جملة
стр. 851
المناقب والمحاسن، وهذا الإمامان فمن أجلاّء (١٧٢ و) من رأيته من أهل الأدب والمتبحرين في علوم العرب، والى أبي العلاء انتماؤهما وفي العربية اعتزاؤهما، وقد أقاما عنده برهة من الدهر للقراءة والأخذ عنه والاستفادة.
أخبرنا القاضي أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سعيد بن سليمان قاضي معرّة النعمان قال: بلغني من شيوخ المعرة أن جماعة من أهل حلب خرجوا إلى ناحية المعرة فقالوا: نريد أن نجتمع بالشيخ أبي العلاء فقال: واحد منهم يقال له ابن الطرسوسي: أي حاجة بنا أن نمضي إلى ذلك الأعمى الأصطيك فقالوا:
لابد لنا من المضي إليه، فمضوا حتى وصلوا إلى بابه ودقوا الباب واستأذنوا عليه، فقال: يؤذن للجماعة كلهم ما خلا فلان فلا حاجة له إلى أن يجتمع بالأعمى الأصطيلي، فدخلوا وسألوه الإذن له، فأذن له، وعجبوا من ذلك.
قرأت بخط أبي الفرج محمد بن أحمد بن الحسن الكاتب الوزير في روزنامج أنشأه لولده الحسن يذكر فيه رحلته الى الحج من أذربيجان وعبوره بحلب ومعرة النعمان في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وكان رجلا جليلا وفاضلا، وسنذكر ترجمته في موضعها إن شاء الله.
ذكر معرّة النعمان ثم قال وحسنتها وغرّتها وديباجتها وعالمها وراويتها وعلاّمتها ونسابتها الشيخ الجليل العالم أبو العلاء أحمد عبد الله بن سليمان المعروف برهن المحبسين، وهو العالم المقصود (١٧٢ ظ) والبحر من الأدب المورود، والإمام الموجود، والأديب الذي يشهد بفضله الحسود، والزاهد الذي لو أحلّ الدين السجود لوجب له السجود، والفاضل الذي تنضى إليه الركائب، وتركب إلى الاقتباس منه الطريق الموعّر واللاحب (١)، وتهجر لمواصلته المناسب والمصاحب، وتطوى إليه البلاد، ويخالف للاكتحال به الرقاد ويحالف السهاد ليؤخذ منه العلم المحض والسداد، ويستفاد من مجالسته العلم المطلوب والرشاد،
стр. 852
يفقد لديه الزيغ والإلحاد والفضول في الدين والعناد، الفهم ملء إهابه، والفضل حشو ثيابه، شخص الأدب ماثلا، ولسان البلاغة قائلا: جمال الأيام، وزينة خواص الأنام، وفارس الكلام، والمقدم في النثار والنظام، قد لزم بيته فما يرى متبرزا، وألف داره وأصبح فيها معتمدا متعززا لا يؤنسه عن الوحشة إلاّ الدفاتر، ولا يصحبه في الواحدة إلا المحابر، وقد اقتصر من دنياه على الزاوية، وأنس الاعتزال والعافية، وقصر همته على أدب يفيده، وتصنيف يجيده، وقريض ينظمه، ونثر ينثره فيحكمه، ومتعلّم يفضل عليه، ومسترفد صعلوك يحسن إليه، فهو عذب لمشرب، عف المطلب، نقي الساحة من (١٧٣ و) المآثم، بريء الذمة من الجرائم يرجع الى نفس أمّارة بالخير، بعيدة من الشر، قد كفّ عن زخرف الدنيا ونضرتها، وغضّ طرفه عن متاعها وزهرتها، ونقىّ جيبه فأمن الناس عيبه، قد استوى في النزاهة نهاره وليله، فلم يتدنّس بفاحشة قط ذيله، وعاد لإصلاح المعاد بإعداد الزاد، واعتزل هذه الغدّارة، وأفرج عن المراد.
وله دار حسنة يأويها، ومعاش يكفيه ويمونه، وأولاد أخ باق يخدمونه ويقرءون بين يديه، ويدرسون عليه، ويكتبون له، ووراق برسمه مستأجر، ثم ينفق على نفسه من دخل معاشه نفقة طفيفة، وما يفضل عنه يفرقه على أخيه وأولاده واللائذين به الفقراء والقاصدين له من الغرباء، ولا يقبل لأحد دقيقا ولا جليلا، فقد استعمل قول النبي ﷺ أن رجلا أتاه فقال: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه. قال ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره (١) وما روي أن عقبة بن عامر قال: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك (٢) فقد اتخذ الله تعالى ذكره صاحبا، وترك الناس جانبا.
فمضيت اليه مسلما، وللاستسعاد به مغتنما، فرأيت شيخا (١٧٣ ظ) حكمت
стр. 853
بأنه مولود في طالع الكمال، وأنه جملة الجمال، شمس عصره، وزينة مصره، وعلم الفضل المطلوب، وواسطة عقد الادب المحبوب يزيد على العلماء زيادة النور على الظلام، والكرام على اللئام، وينيف عليهم انافة صفحة الشمس على كره الارض ويشأهم (١) كما يشأى السابق يوم الامتحان والعرض.
وذكر قصائد سمعها منه من شعره، وقال في آخرها: يا ولدي أبقاك الله هذا ما علقته عن هذا الشيخ المذكور في زورة كانت أقصر من ابهام الضب، وعتاب الصب، وحسوة الطائر، وهجعة السائر، وسالفة الذباب، ودولة الخضاب، ثم عرضت عليه ما أسأرته النوائب من حالي، وتخطته الحوادث من نفقتي ومالي، فأبى عن القبول وامتنع وتلكأ علي ودفع، فلما عرفت مذهبه وظلف نفسه جئته من الباب الذي اقترن بمراده وأنسه.
قرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي في رسالة كتبها الكيا أبو الفتح الحسن ابن عبد الله بن صالح الأصبهاني الى أبي المظفر الليثي الآذري، وقد سأله عن حاله في سفرة سافرها الى الشام وغيرها، قال فيها: وهل أدرك أبا العلاء المعري المحجوب حجب الله عنه السوء، وهو أديبهم الراجح، وعالمهم الفاضل، وشاعرهم البارع، وعهدي به راجعا من بغداد، ولم يصح بجانبي ليله النهار، ولم يقع على شبابه لوقائع الدهر غبار، وهو … احتجت الى علمه، وجئت … الى وطني أربح
رأيته معنا مغنّا … فتذكرت قول … لساني وقلبي … صارم كالسيف
(٢) كتبها الى الدهخذا أبي الفرج محمد بن أحمد قال: فيها والشيخ أبو العلاء المعري فاني وجدته كما قال أبو الطيب.
стр. 854
علامة العلماء واللج الذي … لا ينتهي ولكل لج ساحل (١)
ولم يكن التقائي به في دفعتين الا قدر قبسة العجلان وخفقه النعسان.
أخبرنا أبو اسحاق ابراهيم بن أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان قال: أخبرني أبي أبو اليسر قال: أخبرني جدي أبو المجد محمد بن عبد الله قال: كان ظهر بمعرة النعمان منكر في زمن صالح بن مرداس، فعمد شيوخ البلد الى انكار ذلك المنكر، فأفضى الى أن قتلوا الضامن بها، وأهرقوا الخمر، وخافوا فجمعهم الى حلب واعتقلهم بها، وكان (١٧٤ و) فيهم بعض بني سليمان، فجاء الجماعة الى الشيخ أبي العلاء وقالوا له:
ان الامر قد عظم وليس له غيرك، فسار الى حلب ليشفع فيهم، فدخل الى بين يدي صالح، ولم يعرفه صالح، ثم قال له: السلام عليك أيها الامير.
الامير أبقاه الله كالسيف القاطع، لان وسطه، وخشن جانباه، وكالنهار الماتع قاظ، وسطه، وطاب جانباه، «خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين» (٢)، فقال له: أنت أبو العلاء؟ فقال: أنا ذاك، فرفعه الى جانبه، وقضى شغله وأطلق له من كان من المحبسين من أهل المعرة، فعمل فيه-قال لي: قال لي أبي: قال لي جدي: وأنشدنيها لنفسه:
ولما مضى العمر إلا الأقل … وحان لروحي فراق الجسد
بعثت رسولا إلى صالح … وذاك من القوم رأي فسد
فيسمع مني هديل الحمام … وأسمع منه زئير الأسد
فلا يعجبني هذا النفاق … فكم محنة نفقت ما كسد
وقرأت هذه الحكاية في تاريخ أبي غالب همام بن المهذب المعري، وذكر أن
стр. 855
اجتماع أبي العلاء بصالح كان بظاهر معرة النعمان قال: سنة سبع عشرة وأربعمائة فيها: صاحت امرأة في الجامع يوم الجمعة، وذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغصبها نفسها، فنفر كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ، وهدموا الماخور، وأخذوا خشبه ونهبوه، وكان أسد الدولة صالح في (١٧٤ ظ) نواحي صيدا.
ثم قال: سنة ثماني عشرة وأربعمائة فيها: وصل أسد الدولة صالح بن مرداس الى حلب وأمر باعتقال مشايخ المعرة وأما ثلها، فاعتقل سبعون رجلا في مجلس الحصن سبعين يوما، وذلك بعد عيد الفطر بأيام، وكان أسد الدولة غير مؤثر لذلك، وانما غلب تاذرس (١) على رأيه وكان يوهمه أنه يقيم عليهم الهيبة، ولقد بلغنا أنه خاطبه في ذلك فقال له: أقتل المهذب وأبا المجد بسبب ماخور، ما أفعل وقد بلغني أنه دعي لهم في آمد وميافارقين، وقطع عليهم ألف دينار، واستدعى الشيخ أبا العلاء بن عبد الله بن سليمان ﵀ بظاهر معرة النعمان، فلما حصل عنده في المجلس قال له الشيخ أبو العلاء: مولانا السيد الاجل، أسد الدولة ومقدمها وناصحها، كالنهار الماتع اشتد هجيره وطاب أبرداه، وكالسيف القاطع لان صفحه وخشن حداه: «خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين» فقال صالح: قد وهبتهم لك أيها الشيخ، ولم يعلم الشيخ أبو العلاء أن المال قد قطع عليهم والا كان قد سأل فيه، ثم قال الشيخ أبو العلاء بعد ذلك شعرا:
تغيبت في منزلي برهة … ستير العيون فقيد الحسد
فلما مضى العمر إلاّ الأقل … وحم لروحي فراق الجسد (١٧٥ ظ)
بعثت شفيعا إلى صالح … وذاك من القوم رأي فسد
فيسمع مني سجع الحمام … وأسمع منه زئير الأسد
فلا يعجبني هذا النفاق … فكم نفقت محنة ما كسد
стр. 856
قلت: وبلغني في غير هذه الرواية أنه قال بيتين حين أطلق صالح أهل المعرة:
نجى المعرة من براثن صالح … رب يداوي كل داء معضل
ما كان لي فيها جناح بعوضة … الله ألحفهم جناح تفضل (١)
نقلت من خط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ في تاريخه قال: وحدثني أبي قال: حدثني أبو المعافى بن المهذب قال: عمل الشيخ أبو العلاء في بغداد:
منك الصدود ومني بالصدود رضا
وهي قصيدة مليحة، فلما ظهرت غني بها، فهو ليلة قاعد في بيته اذ سمع في جواره غناء من القصيدة:
بي منك ما لو بدا بالشمس ما طلعت … والغصن ماماس أو بالبرق ماو مضا
قال: فلطم وبكى واستغفر الله من ذلك وقال: والله لو علمت أنه يغنى بشعري لما نطقت به.
أنشدنا ضياء الدين الحسن بن عمرو بن دهن الخصا بقراءتي عليه بحلب قال:
أنشدنا أبو الفضل خطيب الموصل قال: أنشدنا أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي، ح.
وأنشدنا الخطيب أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن حرب (١٧٥ ظ) خطيب قلعة حلب، والشريف أبو المحاسن عبد الله بن محمد بن عبد الله الهاشمي الحلبيان بها، والقاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن مدرك بن سعيد بن ابن سليمان المعري بها، وشهاب الدين أبو المحامد اسماعيل بن حامد القوصي بدمشق، قالوا: أنشدنا القاضي المؤيد أبو جعفر محمد بن مؤيد بن أحمد بن حواري قال: أنشدني جدي أبو اليقظان أحمد بن محمد بن حواري قالا: أنشدنا
стр. 857
أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه وهي في أبي الرضا عبد الله بن محمد بن عبد الله القصيصي الكاتب:
يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر … لعل بالجزع أعوانا على السفر
وإن بخلت عن الأحياء كلهم … فاسق المواطر حيا من بني مطر
ويا أسيرة حجليها أرى سفها … حمل الحلي بمن أعيى عن النظر
ما سرت إلاّ وطيف منك يصحبني … سرى أمامي وتأويبا على أثري
لو حط رحلي فوق النجم رافعة … ألفيت ثم خيالا منك منتظري
يود أن ظلام الليل دام له … وزيد فيه سواد القلب والبصر
لو اختصرتم من الاحسان زرتكم … والعذب يهجر للافراط في الخفر
أبعد حول تناجي الشوق ناجية … هلا ونحن على عشر من العشر
قال فيها في المدح:
يا روع الله سوطي كم أروع به … فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر (١٧٦ و)
باهت بمهرة عدنانا فقلت لها: … لولا الفصيصي كان المجد في مضر
وقد تبين قدري أن معرفتى … من تعلمين سترضيني عن القدر
القاتل المحل اذ تبدو السماء … لنا كأنها من نجيع الجدب في أزر
وقاسم الجود في عال ومنخفض … كقسمة الغيث بين النبت والشجر
قد أخذ قوم على أبي العلاء قوله: لولا الفصيصي كان المجد في مضر وجعلوا هذا القول دليلا على سوء اعتقاده لانه يشعر بتفضيل الفصيصي على النبي ﷺ ، لان المجد في مضر كان به ﷺ ، فلما جاء الفصيصي صار المجد في قحطان.
قالوا: وهذا تفضيل للفصيصي نعوذ بالله من ذلك، وكنت أبدا أستعظم معنى هذا البيت وأفكر له في وجه يحمل عليه، وتأويل يصرفه عن هذا المعنى القبيح الذي طعن به الطاعن على ناظمه، فلم يخطر لي في تأويله شيء أرتضيه، ومضى
стр. 858
لي على ذلك سنون، فرأيت في منامي ليلة من ليالي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة كأنني أذاكر رجلا بهذا البيت وأقول له: ان هذا كفر، فقال لي ذلك الرجل: لم يرد أبو العلاء ما ذهبت اليه من التفضيل وانما أراد أن المجد كله كان في مضر دون غيرها من القبائل فلما جاء الفصيص وانما صار لقحطان به مجد ونصيب منه، وهذا تأويل حسن، وتكون الالف واللام لاستغراق الجنس والله أعلم. (١٧٦ ظ).
أنشدنا أبو اسحاق ابراهيم بن عثمان بن يوسف بن أيوب الكاشغري قال:
أنشدنا هبة الله بن يحيى بن الحسن بن البوقي الفقيه الشافعي قال: أنشدنا أبو محمد الحسن بن علي بن عمر قحف العلم قال: أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه:
أما يفيق المرء من سكر … مجتهدا في سيره والسرى
نمت عن الأخرى فلم تنتبه … وفي سوى الدين هجرت الكرى
كم قائل راح الى معشر … أبطل فيما قاله وافترى
على القرا يحمل أثقاله … وإنما يأمل نزر القرى
يفتقر الحيّ ويثرى وما … يصير إلا حثوة في الثرى
اسمع فهذا هاتف صادق … أراك عقباك فهلاّ ترى
أخبرنا أبو هاشم بن أبي المعالي الحلبي قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي بكر الإمام قال: أنشدتنا أم سلمة سنّبك بنت عبد الغابر بن اسماعيل الفارسي بنيسابور، وأبو حفص عمر بن أحمد بن منصور الإمام بمرو قالا: أنشدنا أبو نصر الرامشي النحوي الإمام قال: أنشدني أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه:
رغبت الى الدنيا زمانا فلم تجد … بغير عناء والحياة بلاغ
стр. 859
والقى ابنه اليأس المريح وبنته … لدي فعندي راحة وفراغ (١٧٧ و)
وزاد بلاء الناس في كل بلدة … أحاديث مما تفترى وتصاغ
تأمّلتها عصر الشباب فلم تسغ … وليس لها من المشيب مساغ
ومن شرّ ما أسرجت في الصبح والدجى … كميت لها بالراكبين مراغ
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب قال: وبلغنا أنه-يعني أبا العلاء-مات في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة. (١)
وقرأت بخط أبي الفضل هبة الله بن بطرس الحلبي النصراني المعروف بابن شرارة: لزم أبو العلاء منزله من سنة أربعمائة الى أن توفي يوم الجمعة لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول من سنة تسع وأربعين بمعرة النعمان.
وقرأت في الجزء الذي سيره لي قاضي المعرة أبو المعالي بن سليمان في أخبار بني سليمان أنه توفي ﵀ وقت صلاة العصر من يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الأول من سنة تسع وأربعين وأربعمائة، ودفن في مقابر أهله بمعرة النعمان، وصلى عليه ابن أخيه أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان ﵀.
وكذلك قرأت وفاته بخط مؤيد الدولة أبي المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ الكناني.
أخبرنا أبو العرب بن أبي الشكر بن أبي القاسم الأنصاري قال: أخبرنا محمد ابن المؤيد التنوخي قال: أخبرني جدي أحمد بن محمد المعري التنوخي (١٧٧ ظ) أبو اليقظان قال: وتوفي-يعني-أبا العلاء بين صلاتي العشاءين ليلة الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
стр. 860
وقرأت في تاريخ غرس النعمة أبي الحسن محمد بن هلال الصابئ في حوادث سنة تسع وأربعين وأربعمائة قال: وفي الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول توفي بمعرة النعمان من الشام أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان.
قال: وأذكر عند ورود الخبر بموته تذاكرنا أمره وإظهاره الإلحاد وكفره، ومعنا غلام يعرف بأبي غالب بن نبهان من أهل الخير والسلامة والعفة والديانة، فلما كان من غد يومنا حكى لنا وقد مضى ذلك الحديث يسمعه غرضا فقال: أريت البارحة في منامي رجلا ضريرا وعلى عاتقه أفعيان متدليان الى فخذيه وكل منهما يرفع فمه الى وجهه فيقطع منه لحما يزدرده وهو يصيح ويستغيث، فقلت من هذا-وقد أفزعني ما رأيته منه، وروعني ما شاهدته عليه-؟ فقيل لي: هذا المعري الملحد، فعجبنا من ذلك واستطرفناه بعقب ما تفاوضناه من أمره وتجاريناه (١).
قلت: خفي على غرس النعمة تأويل المنام وهو أن الأفعيين: هو والذي كان يذاكره بإلحاد المعري وكفره، فرأى هذا الغلام في النوم ما عاينه منهما في اليقظة، قال الله : «أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه» (٢) وأما (١٧٨ و) صياحه واستغاثته فإلى الله تعالى عليهما.
ذكر الوزير القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني في كتاب «إنباء الأنباه في أنباء النحاة» قال: قرأت بخط المفضل بن مواهب بن أسد الفارزي الحلبي قال: حدثني الشيخ أبو عبد الله الأصبهاني قال: لما حضرت الشيخ أبا العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي الوفاة أتاه القاضي الأجل أبو محمد عبد الله التنوخي (٣) بقدح شراب فامتنع من شربه فحلف القاضي أيمانا مؤكدة لا بد من أن
стр. 861
يشرب ذلك القدح وكان سكنجبين (١)، فقال أبو العلاء مجيبا له عن يمينه:
أعبد الله خير من حياتي … وطول ذمائها موت صريح
تعلّلني لتشفيني فذرني … لعلي أستريح وتستريح
وكان مرضه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع ولم يكن عنده غير بني عمه، فقال لهم في اليوم الثالث: اكتبوا فتناولوا الدوى والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، فقال القاضي أبو محمد: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت، فمات في غداة غد، وإنما أخذ القاضي هذه المعرفة من ابن بطلان، لأن ابن بطلان-كان يدخل على أبي العلاء، ويعرف ذكاءه وفضله، فقيل له قبل موته بأيام قلائل: إنه أملى شيئا فغلط فيه، فقال ابن بطلان: مات أبو العلاء، فقيل: وكيف عرفت ذلك فقال: هذا رجل (١٧٨ ظ) فطن ذكي ولم تجر عادته بأن يستمر عليه سهو ولا غلط، فلما أخبرتموني بأنه غلط علمت أن عقله قد نقص، وفكره قد انفسد (٢)، وآلاته قد اضطربت، فحكمت عليه عند ذلك بالموت والله أعلم.
قرأت بخط بعض البغداديين، قيل: لما مات أبو العلاء المعري سامحه الله وقف على قبره سبعون شاعرا من أهل المعرة، فأنشد كل منهم قصيدة يرثيه بها فقال بعضهم:
إن كنت لم ترق الدماء زهادة … فلقد أرقت اليوم من عيني دما
سيرت ذكرك في البلاد كأنّه … مسك فسامعة تضمّخ أو فما
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة … ذكراك أوجب فدية من أحرما
стр. 862
قلت: وهذه الأبيات لعلي بن محمد بن همام التنوخي، وسنذكرها في ترجمته إن شاء الله تعالى.
قرأت في مجموعة بخط بعض الفضلاء لابن أخي المعري يرثي عمه أبا العلاء.
لو كان ينفع بعد مصرع مالك … تطويلي الأشعار والأشعارا
لوقفت في سبل القوافي خاطري … ولبست من شعري عليك شعارا
قلت: وإياه عنى أبو محمد الخفاجي الشاعر في قصيدته الرائية بقوله:
ومقيما على المعرّة تطويه … الليالي وذكره منشورا (١)
ووقع إلي جزء بخط بعض المعريين فيه بعض مارثي به أبو العلاء من الشعر (١٧٩ و) فقرأت فيه لأبي مسلم وادع بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان من جملة قصيدة:
ألا يا شبيه البحر أقسم لو درى … بموتك ما جاشت بليل غواربه
ويا من بكى طرف المكارم وحشة … له ولسان الفضل والحلم نادبه
ولو نطقت كتب العلوم إذا بكى … على فقده من كلّ علم غرائبه
ولو أنّ هذا الليل يعلم أنه … قضى لقضى ألاّ تزول غياهبه
ولو علمت شهب الظلام بفقده … إذا ندبته في الظلام كواكبه
سقى قبره السحب الغزار وخصه … من الله عفو لا يزال يصاحبه
فما زال كلّ الناس ينهب علمه … الى أن غدا صرف الردى وهو ناهبه
وقد عمّ أهل الأرض جمعا مصابه … كما عمّهم إحسانه ومواهبه
رعى الله قبرا أنت يا عمّ ملحد … به وسقاه من حيا المزن صائبه
ولولا توخيك الطهارة شيمة … لقلت: سقاه من دم الدمع ساكبه
стр. 863
وقرأت فيه لأبي يعلى عبد الباقي بن أبي حصين من قصيدة:
نصال الدهر أقصد من سواها … وإن أدمت ولم تدم النصال
ألم تر كيف لم يأمن شباها … أمين الأرض والورع البجال
وسار سريره فوق الهوادي … لقد خفّت مذ اليوم الجبال
وأقبر في المعرّة وهو أولى … بقبر في المجرّة لا يطال (١٧٩ ظ)
وقرأت فيه لأبي الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة:
العلم بعد أبي العلاء مضيّع … والأرض خالية الجوانب بلقع
لا عالم فيها يبين مشكلا … للسائلين ولا سماع ينفع
وعظ الانام بما استطاع من الهدى … لو كان يعقل جاهل أو يسمع
ومضى وقد ملأ البلاد غرائبا … أسفي عليه وقد مشيت وراءه
ما كنت أعلم وهو يودع في الثرى … أن الثرى فيه الكواكب تودع
جبل ظننت وقد تزعزع ركنه … أنّ الجبال الراسيات تزعزع
وعجبت أن تسع المعرة قبرة … ويضيق عرض الارض عنه الأوسع
أسفي عليه وقد مشيت وراءه … ومتالع فوق المناكب ترفع
والشمس كاسفة الضياء كئيبة … والجوّ مسود الجوانب أسفع
والأرض عادمة النسيم كأنما … سدّت منافسها الرياح الأربع
لو فاضت المهجات يوم وفاته … ما استكثرت فيه فكيف الأدمع
إني لمحتشم وقد دخل الثرى … ويكون لي كبد ولا تتقطع (١)
أخبرنا أبو اليمن الكندي في كتابه قال: أجاز لنا أبو عبد الله محمد بن نصر القيسراني، وقال: وكتبها عند قبر أبي العلاء بمعرة النعمان.
стр. 864
نزلت فزرت قبر أبي العلاء … فلم أر من قرى غير البكاء
ألا يا قبر أحمدكم جلال … تضمه ثراك وكم ذكاء (١)
وزرت قبر أبي العلاء في البرية التي فيها مقابر أهله داخل معرة النعمان، بالقرب من آدر بني سليمان، ﵀.
أحمد بن عبد الله بن صالح:
ابن عبد الله بن صالح بن علي عبد الله بن العباس، أبو جعفر الصالحي من أهل حلب، وجدت ذكره (١٨٠ و) في جزء وقع إلي بخط القاضي أبي طاهر صالح بن جعفر الهاشمي يتضمن نسب بني صالح بن علي.
قال: وكان-يعني أحمد بن عبد الله بن صالح-سيد ولد عبد الله بن صالح في أيامه، وجليلهم الذي يقتدون برأيه ويرجعون الى أمره.
أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم:
أبو الحسن العجلي الكوفي الحافظ، كان حافظا كبيرا كثير الحديث، تفقه في الحديث ومهر فيه، وخرج عن الكوفة وقدم الشام، ودخل أنطاكية، وتوجه منها الى الساحل، ودخل مصر، وتوجه الى أطرابلس المغرب وأقام بها الى أن مات.
سمع بأنطاكية نزيلها يعقوب بن كعب الحلبي، وبالمصيصة نزيلها موسى بن أيوب النصيبي، وروى عنهما وعن أبيه عبد الله بن صالح، وعن الامام أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وعبيد الله بن موسى، والحسين بن علي الجعفي، وأبي أحمد الأسدي، ومحمد بن جعفر غندر، ويحيى بن معين، وأبي داود الجفري، ومحمد ابن يوسف الفيريابي، وأبي سفيان الحميري، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعثمان ابن محمد العبسي، ومحمد ويعلى ابني عبيد، وقاسم العرفطي، وأبي زيد سعيد بن
стр. 865
الربيع الهروي، وأسد بن موسى، وقبيصة بن عقبة، وعفان بن مسلم، وحجاج بن منهال، وعبد الله بن نافع الزبيري، وشبابه، وسليمان بن حرب، ويزيد بن هارون واسماعيل بن عبد الكريم وابن أبي مريم، واسماعيل بن خليل، ونعيم بن حماد، وعمر بن حفص بن غياث، وجعفر بن عون، ويعقوب بن اسحاق، ويحيى بن آدم، ونصر بن علي، وعمرو بن عون، والعلاء بن عبد الجبار.
روى عنه ابنه أبو مسلم صالح بن أحمد، وكان زاهدا، ورعا، وهو من بيت العلم والحديث، وجده صالح من شيوخ الكوفة من أقران سعيد الثوري (١٨٠ ظ) والد سفيان، وأبوه كان قاضيا بشيراز من أصحاب شعبة واسرائيل، وقد أخرجه البخاري في صحيحه، وابنه صالح بن أحمد كان من أهل العلم والرواية، وله سؤالات سأل عنها أباه.
أنبأنا أبو الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد الاصبهاني-إجازة ان لم يكن سماعا-قال: أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار بن ابراهيم البقال قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر ابن محمد السلماسي قال: أخبرنا أبو العباس الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد الغمري الاندلسي قال: سمعت علي بن أحمد-يعني ابن زكريا بن الخصيب الهاشمي-قال: سمعت صالح بن أحمد يقول: سمعت أبي أحمد يقول: طلبت الحديث سنة سبع وتسعين ومائة، وكان مولدي بالكوفة سنة اثنتين وثمانين ومائة.
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن يوسف-فيما أذن لنا أن نرويه عنه عن أحمد بن محمد بن أحمد السلفي-قال: أخبرنا ثابت بن بندار قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر السلماسي قال: أخبرنا أبو العباس الوليد بن بكر بن مخلد الغمري قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن زكريا قال: حدثنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي قال: حدثني أبي قال: حدثنا يعقوب
стр. 866
ابن كعب قال: حدثنا يحيى بن اليمان العجلي عن أشعث بن اسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل. قال: هذا في العلم.
وقال: حدثنا أبو (١٨١ و) مسلم قال: حدثني أبي قال: أخرج إلي أحمد بن نوح نفقة دنانير كثيرة فقال: خذ منها حاجتك، أراك رث الهيئة، فأخرجت اليه منطقة لي فيها دنانير بعت بها بزا بأنطاكية فقلت: لو كنت أحوج الخلق أجئ الى أسير آخذ منه.
قلت: وكان أحمد بن نوح محبوسا في المحنة مع أحمد بن حنبل (١).
أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين الانصاري عن الحافظ أبي طاهر قال:
أخبرنا أبو المعالي البقال قال: أخبرنا أبو عبد الله بن جعفر قال: أخبرنا أبو العباس الوليد بن بكر بن مخلد قال: وكان أبو الحسن أحمد بن عبد الله من أئمة أصحاب الحفاظ المتقنين، ومن ذوي الورع والزهد.
كما سمعت زياد بن عبد الرحمن أبا الحسن اللولي بالقيروان يقول: سمعت مشايخنا بهذا المغرب يقولون لم يكن لابي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي ببلادنا شبه ولا نظير في زمانه ومعرفته بالحديث واتقانه له، وزهده وورعه.
وقال: أخبرنا الوليد قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن زكريا بن الخطيب بأطرابلس المغرب قال: حدثنا أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم الحافظ بالقيروان قال: سألت مالك بن عيسى القفصي-وكان من علماء أصحاب الحديث بالمغرب-فقلت له: من أعلم من رأيت بالحديث؟ فقال لي: أما من الشيوخ فأبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي الساكن باطرابلس المغرب.
وقال: أخبرنا الوليد قال: وحدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا أبو العرب قال:
стр. 867
حدثنا مالك بن عيسى قال: حدثنا عباس بن يحيى الدوري عن عبد الله بن صالح العجلي-قال مالك بن عيسى: فقلت لعباس الدوري: إن له ابنا عندنا بالمغرب، فقال: أحمد؟ فقلت نعم، قال عباس: إنما كنا نعده مثل أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين-قال: قال لي علي بن أحمد: وقد ذكر أحمد بن عبد الله بن صالح أن ابن حنبل وابن معين قد كانا يأخذان عنه. (١)
وقال: أخبرنا الوليد قال: حدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا محمد بن أحمد ابن غانم الحافظ قال: سمعت أحمد بن معتب-مغربي ثقة-يقول: سئل يحيى بن معين عن أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم فقال: ثقة ابن ثقة ابن ثقة.
قال (١٨١ ظ) الوليد: وإنما قال فيه يحيى بن معين بهذه التزكية لأنه عرفه بالعراق قبل خروج أحمد بن عبد الله إلى المغرب، وكان نظيره في الحفظ إلا أنه دونه في السن، وكان خروجه إلى المغرب أيام محنة أحمد بن حنبل لأنه يقول في هذه السؤالات: دخلت على أحمد بن حنبل وهو محبوس بصور (٢)، وذلك أن المأمون احتمل ابن حنبل إليه من بغداد للمحنة في القرآن.
وأحمد بن عبد الله هذا أقدم في طلب العلم، وأعلى إسنادا، وأجل عند أهل المغرب في القديم والحديث ورعا وزهدا من محمد بن اسماعيل البخاري لأنه سمع من الحسين بن علي الجعفي، ومن محمد بن جعفر غندر، ومن أبي داود الجفري، وأبي سفيان الحميري، وأبي عامر العقدي، ومحمد ويعلى ابني عبيد، ومن أسد ابن موسى بمصر، وسمع الأكابر من أصحاب سفيان وشعبة، وغيرهما، وهو كثير الحديث، خرج عن الكوفة والعراق بعد أن تفقه في الحديث، ثم نزل أطرابلس المغرب.
стр. 868
قال: أخبرنا الوليد قال: حدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا أبو مسلم عن أبيه قال: آخر سفرة سافرتها الى البصرة كتبت بها ألف حديث منتقا إلا حديث حماد بن سلمة القعيني، واستعرت حديث حفص بن عمر النميري، وكانت عشرين ألف حديث فما تنقيت منها إلا مائتي حديث فسمعتها.
قال: أخبرنا الوليد قال: قلت لزياد بن عبد الرحمن: أي شيء أراد أحمد بن صالح بخروجه إلى المغرب؟ فقال: أراد التفرد للعبادة.
يحكي ذلك عن مشايخ المغرب، قال: وسمعت علي بن أحمد يقول نحو ذلك.
قال الوليد: وحدث أحمد، وتصانيفه وأخباره بالمغرب، وحديثه عزيز بمصر والشام والعراق لبعد المسافة.
وتوفي باطرابلس، وقبره هناك على الساحل، وقبر ابنه صالح إلى جنبه رحمهما الله.
أنبأنا أبو علي الأوقي عن أبي طاهر السّلفي قال: أخبرنا ثابت بن بندار قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر السلماسي قال: أخبرنا الوليد بن بكر الأندلسي قال: حدثنا علي بن أحمد قال: سمعت صالح بن أحمد قال: ومات أبي بعد الستين والمائتين. (١٨٢ و).
أحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين:
ابن مصعب بن رزيق بن أسعد بن زاذان الخزاعي، الأمير أبو الفضل ابن الأمير أبي العباس ابن الأمير أبي طلحة ذي اليمينين؛ أمير فاضل من الأمراء الكبراء، والأجواد الكرماء، قدم الشام، ونزل جبل السماق فاستطاب ماءه، واستلذ هواءه، وأعجب به إعجابا كثيرا، ورحل منه عن هوى له، فقال أبياتا ذكرها السّري الموصلي في كتابه الذي سماه «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» فقال: أنشد المبرد قال: أنشدني أحمد بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
стр. 869
يا جبل السماق سقيا لكا … ما فعل الظبي الذي حلّكا
فارقت أطلالك لا أنه … قلاك قلبي لا ولا ملكا
فأي لذاتك أبكي دما؟ … ماءك أم ظبيك أم ظلكا
أم نفحات منك تبدي إذا … دمع الندى إثر الدجى بلكا (١)
أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق السلمي:
أبو القاسم (١٨٢ ظ) العطار بن أبي محمد البغدادي، سمع أباه أبا محمد عبد الله، وأبا الوقت عبد الأول بن شعيب السّجزي، وأبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن البسطي وغيرهم بإفادة والده أبي محمد، وكان والده من شيوخ الحديث ببغداد.
وقال القاضي أبو المحاسن عمر بن علي القرشي فيما نقلته من خطه: كان يذكر -يعني أبا محمد عبد الله-أنه من ولد أبي عبد الرحمن السلمي.
وكان أبو القاسم ولده شيخا صالحا ورعا ثقة أمينا صموتا، حسن السمت، اجتمعت به بدمشق في سنة ثلاث وستمائة، وكان عطارا بها، وسمعت منه جزء بيتي الهرثمية، ثم قدم علينا حلب في سنة اثنتي عشرة وستمائة، وأنزله الملك المحسن أحمد بن الملك الناصر يوسف بن أيوب في جواره، وكان يصحبه بدمشق، فسمعت منه بحلب صحيح البخاري ومسند الدارمي بروايته لهما عن أبي الوقت، وغيرهما من الأجزاء، وكان ﵀ تعجبه قراءتي الحديث، وكان به لما قدم علينا حلب رياح الشوكة؛ وسألته عن مولده فقال: يوم الجمعة ثامن عشر شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وخمسمائة-يعني ببغداد-.
أخبرنا الشيخ الثقة شمس الدين أبو القاسم أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد
стр. 870
السلمي قراءة عليه بدمشق قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السّجزي قال: أخبرتنا الحرة أم عزّي بيبي بنت عبد (١٨٣ و) الصمد بن علي بن محمد الهرثمية قالت: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأنصاري قال:
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: حدثنا مصعب بن عبد الله بن مصعب قال: حدثني مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» (١).
أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد قراءة عليه بحلب حرسها الله قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداوودي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمّوية السرخسي قال:
أخبرنا أبو عمران عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: أخبرنا يوسف بن موسى قال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا محمد بن الحسن الصنعاني قال: حدثنا منذر عن وهب بن منبه (٢) قال: مجلس يتنازع فيه العلم أحب إليّ من قدره صلاة، لعل أحدهم يسمع الكلمة فينتفع بها سنة أو ما بقي من عمره.
رجع شيخنا أبو القاسم من حلب إلى دمشق فتوفي بها في يوم الخميس سابع عشر شعبان من سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن من يومه بجبل قاسيون. (١٨٣ ظ)
وأخبرني الحافظ أبو الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي قال: أبو القاسم هذا بغدادي سكن دمشق، من أهل الصلاح والعفاف والخير، ويعرف بالشمس
стр. 871
العطار، محدث ابن محدث، وكان والده يذكر أنه من ولد أبي عبد الرحمن السلمي.
وذكر الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري في كتاب «التكملة لوفيات النقلة» فيمن مات سنة خمس عشرة وستمائة قال: وفي ليلة السابع عشر من شعبان توفي الشيخ الأجل أبو القاسم أحمد بن الشيخ الأجل أبي محمد عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق السلمي البغدادي العطار الصيدلاني، نزيل دمشق، بدمشق، وصلي عليه من الغد بالمدرسة المجاهدية ظاهر باب الفراديس، ودفن بجبل قاسيون.
سمع بإفادة والده، وذكر بعضهم أن أبا القاسم هذا توفي في جمادى الآخرة من السنة، والأول أكثر (١). (١٨٤ و).
стр. 872
أحمد بن عبد الله بن علي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي
أبو العباس الفرائضي الرازي، سمع بحلب نزيلها سليمان بن المعافى بن سليمان ومحمد بن معاذ الحلبي المعروف بدرّان، وبالمصيصة الحسن بن منصور المصّيصي.
وروى عنهم وعن: الحسين بن أحمد بن الفضل الباهلي، والحسن بن علي بن زكريا العدوي، ومطين الحضرمي، وأبي بكر محمد بن قارن، وأبي بكر أحمد بن سعيد السوسي، وعثمان بن الأصبغ الرقّي، والحسين بن محمد بن أبي الأحوص، وجعفر بن محمد الفريابي، وأحمد بن جعفر القطان، وعبد الله بن أحمد القواريري، وأبي شعيب الحراني، وابن أبي حسان؛ وعن موسى بن عمران الوراق، سمع منه بطرسوس، ويوسف بن يعقوب القاضي، ومكي بن أحمد بن ماهان.
روى عنه: أبو الحسن الدارقطني، وأبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين، ويوسف القواس، وأحمد بن الفرج بن الحجاج، وعبد الله بن عثمان الصفار، وأبو الحسن علي بن محمد بن اسحاق بن محمد بن يزيد الحلبي.
أنبأنا أحمد بن عبد الله بن علوان عن أبي البركات الخضر بن شبل الحارثي قال: أخبرنا أبو الحسن رشاء بن نظيف المقرئ-إجازة-قال: أخبرنا أبو الحسن
стр. 873
علي بن محمد الحلبي قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله الفرائضي قال:
حدثنا موسى بن عمران الوراق بطرسوس قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي قال: حدثنا يحيى بن اليمان قال: سمعت سليمان الأعمش يقول: إني لأرى الشيخ يخضب بالحناء، ليس عنده شيء من الحديث فأشتهي أن ألطم قفاه.
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن ابن محمد القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا أبو بكر البرقاني قال:
أخبرنا أبو (١٨٥ - و) الحسن الدارقطني قال: أحمد بن عبد الله بن علي الفرائضي رازي ثقة.
أحمد بن عبد الله بن علوان:
أبو العباس الأسدي الحلبي، أخو شيخنا أبي محمد عبد الرحمن بن الاستاذ، شيخ حسن صالح، زاهد ورع، حسن الأخلاق، كثير العبادة والدعاء.
سمع بحلب الحافظ أبا بكر محمد بن علي بن ياسر الحياني، وأبا طالب عبد الرحمن بن الحسن بن العجمي الحلبي، ومحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مسعود المسعودي الفنجديهي وغيرهم، وسمع بمكة أبا محمد عبد الدائم بن عمر بن حسين الكتاني وغيره، وبالموصل أبا الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي.
وكان سار من حلب صحبة والدته، وكانت امرأة صالحة، وصحبه أخيه الشيخ علوان إلى الحج، فجاور بمكة مع أخيه ووالدته يخدمهما إلى أن مات أخوه علوان، فأقام بمكة يخدم والدته إلى أن ماتت، فكانت إقامته بمكة عشرين سنة متوالية يخدم والدته، ثم عاد إلى حلب الحروسة من مكة بأخت له كانت مع والدته، وكان بعد ذلك يتردد من حلب حاجا إلى مكة في بعض السنين، وكان يجاور في بعضها، وآخر حجة حجّها في سنة ثمان وستمائة، سيره الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب ليلحق عمته ربيعه خاتون بنت أيوب، وكانت حجت في هذه السنة، ليعلمها مناسك
стр. 874
الحج، وكانت حجت من إربل، وعادت على الشام، فقدم معها، وكنت بالبيت المقدس، فقدم علينا معها في أوائل سنة (١٨٥ - ظ) تسع وستمائة، وأقام بعدها بحلب إلى أن مات.
وقال لي ابن أخيه القاضي الإمام زين الدين أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن:
إنه تكمل للشيخ أحمد-عمه-إلى أن مات ثلاثون حجة إلى مكة حرسها الله بسني المجاورة.
وسمعت القاضي زين الدين المذكور يقول: كان الشيخ ربيع بن محمود المارديني-وكان أحد الأولياء-يقول: لو صعد أحد إلى السماء بخدمة والدته لصعد الشيخ أحمد، فإنه لم يخدم أحد والدته مثل خدمته.
قال: وبلغني أنه طاف ليلة بأمه من العشاء إلى الصباح ويدها على كتفه لضعفها ومعه إبريق فيه ماء، وهو يطوف والماء معه معدّ لأمه إن عرضت لها حاجة إليه.
قال: وكان الشيخ عبد الحق الفاسي، وكان أيضا أحد الأولياء قد سكن الفين، قرية في وادي بطنان، وأقام بمسجدها، وذلك بعد موت الشيخ أبي زكريا المدفون بدير النقيرة، وعزم عبد الحق على أن لا يخرج من الفين إلى أن يموت، فلما قدم الشيخ أحمد من مكة بعد المجاورة الطويلة، دخل عبد الحق من الفين قصدا لرؤيته، وأقام بحلب أياما قلائل حتى قضى حق زيارته، ثم عاد إلى الفين.
وسألت القاضي أبا محمد المذكور عن مولد عمه أبي العباس، فقال: لا أعلم، إلا أنه كان بينه وبين والدي في العمر مقدار سبع سنين، ومولد والدي في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة في ربيع، فيكون تقدير (١٨٦ - و) مولد عمي في سنة إحدى أو اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم وجدت في تعليق بخط رفيقنا رزق الله الدنيسري:
إن شيخنا أحمد مولده سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فلا أدري من أين وقع له ذلك.
стр. 875
سمعت من الشيخ أحمد ﵀ كتاب الصحاح للجوهري في اللغة، بحق سماعه لها من أبي محمد عبد الدائم الكناني عن أبي البركات بن العرقي، وبإجازته من ابن العرقي، وكان له إجازة حسنة من شيوخ مصر ودمشق وأصبهان، وغير ذلك من البلاد، أخذها له ولأخيه شيخنا أبي محمد بن عبد الرحمن الفنجديهي، وسمعت منه عدة أجزاء من حديثه، وعلقت عنه فوائد وانشادات عن شيوخه.
أخبرنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان الاسدي الحلبي بها قال: أخبرنا أبو طالب عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن العجمي الحلبي بها قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن بيان الرزاز قال: أخبرنا أبو قاسم طلحة ابن علي بن الصقر بن عبد المجيب بن عبد الحميد قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن أحمد بن ابراهيم قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال:
حدثنا ابن وهب قال: أخبرنا عمرو بن الحارث عن كعب بن علقة التنوخي عن عبد الرحمن بن شماسة المهري عن أبي الخير عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله (١٨٦ - ظ) عليه وسلم قال: «كفارة النذر كفارة اليمين (١)» هذا حديث صحيح أخرجه مسلم.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن علوان قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن ابن محمد بن أبي الحسن المسعودي قال: أخبرنا أبو الخير محمد بن أحمد بن محمد بن عمر المقدر قال: أخبرنا الشيخ أبو عمرو عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن مندة قال: أخبرنا والدي أبو عبد الله محمد بن اسحاق قال: أخبرنا أبو بكر محمد ابن الحسين بن الحسن القطان قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «يضحك
стр. 876
الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» قالوا: وكيف يا رسول الله؟ قال: «يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر فيهديه الى الاسلام، ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد» (١).
أنشدنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان من لفظه قال: أنشدني الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي بالموصل بمسجده عند منزله، في سنة ثمان وستين وخمسمائة قال: أنشدني والدي لنفسه:
إني وإن بعدت داري لمغترب … منكم بمحض موالاة واخلاص
وربّ دان وإن دامت مودته … أدنى الى القلب منه النازح القاصي
(١٨٧ - و)
وأنشدنا أبو العباس قال: أنشدنا الخطيب أيضا لوالده:
إنا وإن بعد اللقاء فودنا … باق ونحن على النأي أحباب
كم نازح بالود وهو مقارب … ومقارب بودادنا مرتاب
أنشدنا أحمد بن عبد الله الاسدي قال: أنشدني شيخ بالحجاز لبعضهم:
قد تفاءلت بالأراك فلما … أن رأيت الأراك قلت أراكا
وتخوفت أن يكون سواكا … فيكون الذي أراه سواكا
توفي شيخنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بحلب في سنة سبع عشرة وستمائة، ودفن بالجبيل في التربة المدفون بها والده رحمها الله.
أحمد بن عبد الله بن عمر بن جعفر:
أبو علي المالكي البغدادي، نزيل حلب، وقيل ان اسم جد أبيه حفص بدل جعفر، حدث عن أبي جعفر الحسن بن علي بن الوليد الفسوي، وأبي شعيب
стр. 877
الحراني، وجعفر بن محمد بن المستفاص الفريابي، وخلد بن عمرو العكبري، والحسن بن علي بن الوليد الفارسي.
روى عنه محمد بن يونس بن هاشم الاسكاف، وتمام بن محمد بن عبد الله الرازي.
أخبرنا يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال: أخبرنا أبو طاهر بركات ابن ابراهيم بن طاهر قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي، ح.
وأخبرنا أبو القاسم بن محمد بن أبي الفضل الحرستاني-إجازة عاليا- قال: (١٨٧ - ظ) أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة قال: أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتاني قال: أخبرنا أبو القاسم تمام بن محمد ابن عبد الله الرازي قال: حدثنا أبو علي أحمد بن عبد الله بن عمر بن حفص البغدادي-ومسكنة حلب، قدم دمشق-قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني قال: حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي قال: حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «اذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من عذاب القبر وعذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، وشر المسيح الدجال.
هكذا في كتابه، والصواب حسان بن عطية عن محمد بن أبي عائشة عن أبي هريرة، والله أعلم.
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أحمد بن عبد الله بن عمر جعفر، أبو علي، سكن حلب، وحدث بدمشق عن: أبي شعيب الحراني، وجعفر الفريابي، والحسن بن علي بن الوليد الفارسي.
стр. 878
روى عنه تمام الرازي.
أحمد بن عبد بن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق:
ابن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو العباس، صاحب الخال، نسب نفسه هكذا.
وقيل: أحمد بن عبد الله بن محمد بن جعفر.
وقيل: محمد بن عبد الله بن جعفر، وقيل عبد الله بن أحمد بن محمد بن اسماعيل (١٨٨ - و).
وقيل: ان اسمه الحسين بن زكرويه بن مهرويه (١) وقيل ابن مهري- الصواني، من أهل صوان، من سواد الكوفة، وهو المعروف بصاحب الخال، أخو علي بن عبد الله القرمطي، نسب نفسه الى محمد بن اسماعيل بن جعفر، وتسمى بالمهدي.
وبايعته القرامطة بعد قتل أخيه بنواحي دمشق (٢) وصار الى السخنة، والاركه والزيتونة (٣) وخناصرة من الأحص من أعمال حلب، ودخل هذه المواضع عنوة، ونهب ما فيها من الاموال والسلاح.
وأفسد بالشام، وعاث في بلادها، وغلب على أطراف حمص، وخطب على منابرها، وفتحوا له بابها، وسار الى حماه، ومعرة النعمان وغيرهما من البلاد، فقتل أهلها، والنساء والاطفال، ثم جاء الى سلمية، فمنعوه، ثم أعطاهم الامان ففتحوا له بابها، فدخل وقتل الهاشميين أجمعين بها، ثم قتل الرجال، ثم البهائم ثم الصبيان ثم خرج منها وليس بها عين تطرف.
وجهز جيشا كثيفا بخيل ورجاله مع بعض دعاته ويعرف بعميطر المطوّق،
стр. 879
الى ناحية حلب فأوقعوا بأبي الاغر خليفة بن المارك (١) بوادي بطنان، وقتلوا خلقا عظيما، وانتهبوا عسكره، وأفلت أبو الأغر في ألف رجل لا غير، فدخل الى حلب، ووصلوا خلفه الى حلب، فأقاموا عليها على سبيل المحاصرة، وتسرع أهل حلب في يوم الجمعة سلخ شهر رمضان من سنة تسعين ومائتين، وطلبوا الخروج لقتالهم فمنعوا من ذلك، فكسروا قفل باب المدينة، وخرجوا الى (١٨٨ - ظ) القرامطة فتحاربوا، ونصر الله الرعية من أهل حلب عليهم، وقتل من القرامطة جماعة كبيرة، وخرجوا يوم السبت يوم عيد الفطر مع أبي الأغر الى مصلى العيد، وعيد المسلمون وخطب الخطيب على العادة، ودخل الرعية الى مدينة حلب في أمن وسلامة، وأشرف أبو الأغر على عسكر القرامطة فلم يخرج اليه أحد منهم، فلما يئسوا من فرصة ينتهزونها من حلب ساروا ومضوا الى صاحب الخال.
ولما انتهى الى المكتفي بالله هذه الامور خرج نحوه، وجهز اليه عسكرا قويا في المحرم سنة احدى وتسعين ومائتين، فقتل من أصحاب القرمطي خلق كثير، وانهزم نحو الكوفة، فقبض بالدالية من سقي الفرات، وحمل الى الرقة الى المكتفي بالله.
فحمل الى بغداد، وشهر وطيف به على جمل، وقيل على فيل، ثم بنيت له دكة فقتل عليها هو وأصحابه في شهر ربيع الاول من سنة احدى وتسعين ومائتين.
وكثير مما يقع الاختلاف في اسمه ونسبه، واسم أخيه الذي قبله علي بن عبد الله، وبعضهم يسمي أخاه محمد بن عبد الله بن يحيى، والصحيح أن الذي ثبت عليه في اسمه ونسبه: أبو العباس أحمد بن عبد الله، وهو دعي.
وانما سموا القرامطة، زعموا أنهم يدعون الى محمد بن اسماعيل بن جعفر
стр. 880
ابن محمد بن علي، ونسبوا الى قرمط، وهو حمدان بن الاشعث، كان (١٨٩ - و) بسواد الكوفة، وانما سمي قرمطا لأنه كان رجلا قصيرا، وكان رجلاه قصيرتين، وكان خطوه متقاربا، فسمي بهذا السبب قرمطا، وكان قرمط قد أظهر الزهد والورع وتسوق به على الناس مكيدة وخبثا.
وكان أول سنة ظهر فيها أمر القرامطة سنة أربع وستين ومائتين، وذكر بعض العلماء أن لفظة قرامطة انما هو نسبة الى مذهب يقال له القرمطة خارج عن مذاهب الاسلام، فيكون على هذه المقالة عزوة الى مذهب باطل، لا الى رجل (١).
وانما قيل لهذا القرمطي صاحب الخال، لانه كان على خده الايمن خال (٢)، ويعرف بابن المهزول زكرويه بن مهري الصواني، من أهل صوان، من سواد الكوفة وقيل هو وأخوه من قيس من بني عبادة بن عقيل من بني عامر، ثم من بني قرمطي ابن جعفر بن عمرو بن المهيّا بن يزيد بن عبد الله بن يزيد بن قيس بن جوثة بن طهفة بن حزن بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن بكر بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، فادعى أنه من ولد محمد بن اسماعيل بن جعفر، فعلى هذا يكون منسوبا الى قرمطي، ولا يبعد أن يكون الأمران جميعا، والله أعلم.
وقرأت في رسالة أبي عبد الله محمد بن يوسف الانباري (٣) الكاتب الى أخيه أبي علي في ذكر أخبار هذا (١٨٩ - ظ) القرمطي: انه ادعى أنه أحمد بن عبد الله بن جعفر، وأنه المهدي، وأنه نظر محمد بن اسماعيل في النسب، فلما وقف على بعد هذا النسب، ادعى بعد وقعة السطح (٤) من الكسوة، أنه محمد بن