على النبي وعلى صاحبيه، وزار مسجد قباء وسلم على المقبورين في البقيع وفي أحد، فهذا هو السنة.
стр. 11132
١٩٣ - حكم قراءة الفاتحة على قبر الرسول ﷺ
س: ما حكم قراءة الفاتحة على قبر الرسول ﷺ ؟ إذ إن كثيرًا من الناس عندما يذهب إلى الحج أو العمرة يقول لك: اقرأ لي الفاتحة على قبر الرسول ﷺ (١).
ج: هذا لا أصل له، هذا بدعة، والقرآن لا يُقرأ على القبور، يُقرأ في المساجد، وفي البيوت، وفي الطريق، أما على القبور لا، لا يقرأ عند القبور، النبي ﷺ قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا» (٢)؛ «لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» (٣) فدل على أن القبور لا يقرأ
стр. 11133
عندها الناس، القراءة في المساجد، في البيوت، أما القبور تزار، يسلم عليهم، يدعى لهم بالمغفرة والرحمة، ولكن لا يجلس عندهم للقراءة ولا يجلس عندهم للدعاء ولا للصلاة، لا يصلي عندها ولا يقرأ عندها، ولا تتخذ محلاً للدعاء، ولكن يسلم عليهم، الزائر يدعو لهم يستغفر لهم، ثم ينصرف، هذه هي السنة، كان النبي ﷺ يزور القبور في البقيع، فيسلم عليهم ثم ينصرف، وهكذا الصحابة كانوا يزورون القبور فيسلمون على القبور، ويدعون لهم ثم ينصرفون هذه السنة، أما القراءة عند قبر النبي ﷺ ، أو عند قبر غيره، أو الصلاة عند القبر، أو الجلوس عنده يتحرى الدعاء عنده، يظن أنه أقرب للإجابة هذا ليس له أصل، هذا من البدع التي أحدثها الناس.
стр. 11134
١٩٤ - حكم زيارة المساجد السبعة في المدينة النبوية
س: ما حكم زيارة المساجد السبعة في المدينة النبوية (١)؟
ج: ليس لها أصل وليست مشروعة؛ لأن هذه المساجد السبعة ليس لها أصل، وإنما اعتادها الناس على غير بصيرة، وليست مشروعة زيارتها، إنما المشروع زيارة المسجد النبوي، وإذا زار المسجد النبوي
стр. 11135
يستحب أن يزور مسجد قباء خاصة، كان النبي يزوره ﷺ ، فمن زار المدينة يستحب أن يزور مسجد قباء، أما ما سوى ذلك: مسجد القبلتين، المساجد السبعة، هذه غير مشروعة، لا تشرع زيارتها، ليس عليها دليل، وإنما المشروع زيارة مسجد قباء خاصة، كان النبي يزوره ﷺ كل سبت، وقال: «من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء وصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» (١) وزيارة مسجده ﷺ أمر مشروع مع المسجد الحرام والمسجد الأقصى؛ لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» (٢) وقال ﵊: «صلاة في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» (٣) متفق على صحته، والحاصل أن ليس في المدينة ما
стр. 11136
يستحب زيارته من المساجد، إلا مسجد قباء، لمن زار المدينة بعد مسجد النبي ﵊، وهكذا الأماكن ليس هناك أماكن تزار سوى مسجده ﷺ ، ومسجد قباء، لكن إذا زار القبور للسلام عليهم هذا مستحب في كل بلد يزور القبور، ويسلم عليهم وفي المدينة يزور قبور الشهداء، ويزور قبور البقيع، ويسلم عليهم ويدعو لهم هذا مستحب.
стр. 11137
١٩٥ - نصيحة فيما يشرع لمن عزم على الحج
يقول السائل: من عزم على الحج، لا بد لسماحة الشيخ من توجيه حول هذا الموضوع، بِمَ تنصحون من يعزم على الحج (١)؟
ج: إذا عزم على الحج: شُرع له أن يعتني بهذا الأمر، ويستعد له: بقضاء الدين إن كان هناك دين، وإن كانت حقوق عليه يؤدِّها، ويُعد نفقة لأهله حتى يرجع إليهم، وإن كان هناك بينه وبين أحد شحناء يجتهد في حل الشحناء وعدم التهاجر بغير حق، ويعد الزاد المناسب، والحاجات المناسبة له في سفره وفي مكة، ويبادر بالتوبة النصوح من ذنوبه وسيئاته، كل هذه ينبغي له إعدادها قبل السفر، حتى إذا سافر فإذا هو قد
стр. 11138
خف عنه الحمل، أدى الديون وتحلل من إخوانه، إذا كان بينه وبينهم شيء، وأحضر لأهله ما يكفيهم، واستعد لسفره بما يكفي، وأقلع عن المعاصي، وتاب إلى الله منها.
стр. 11139
١٩٦ - بيان صفة حجة النبي ﷺ
س: ما هي صفة حجة النبي ﷺ مختصرة؟ وما هي الكتب التي ترشدوننا بقراءتها في هذا المجال (١)(٢)؟
ج: قد بيناها، أو بيَّنها العلماء في كتب المناسك، وبيناها في كتابنا: (التحقيق والإيضاح)، وهو كتاب مختصر، بيَّنا فيه حجة النبي ﷺ من حين خرج من المدينة ﵊ فإنه خرج من المدينة وأحرم من الميقات ﵊ في ذي الحليفة، بحج وعمرة، وقد ساق الهدي مائة من الإبل: ثلاثًا وستين من المدينة، وسبعًا وثلاثين جاءت من اليمن، ولم يزل يلبي لما أحرم من ذي الحليفة، لم يزل يلبي: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن
стр. 11140
الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (١) في الطريق حتى وصل مكة، ثم طاف سبعة أشواط، بدأ بالحجر الأسود وقَبَّله واستلمه بيده، وقال: "الله أكبر". وطاف سبعة أشواط ﵊، ورمل في الثلاثة الأولى؛ يعني خب فيها، ومشى في الأربعة الأخيرة، ثم صلى ركعتين خلف المقام، ثم مر الحجر واستلمه، ثم بين الصفا والمروة، وسعى سبعة أشواط، يصعد الصفا ويرفع يديه، ويوحد الله ويكبره، ويدعوه ثلاث مرات، يكررها، ثم ينزل ويمشي لما جاء بطن الوادي سعى، رمل في بطن الوادي بين العلمين حتى يخرج من الوادي، ثم يمشي حتى يصعد المروة، ويكبر ويذكر الله ويهلل ويدعو ثلاث مرات، كما فعل على الصفا، سبعة أشواط، ثم بقي على إحرامه؛ لأنه معه الهدي لم يحل، وأمر الناس أن يقصروا ويحلوا، الذين ليس معهم هدي، فطافوا وسعوا وقصروا وحلوا بأمر النبي ﷺ ، أما الذين معهم هدي فأمرهم أن يبقوا على إحرامهم حتى حلوا يوم النحر، وبقية حجة النبي معروفة من أرادها يراجع كتب أهل العلم، ومن ذلك كتابنا: (التحقيق والإيضاح)، فهو مختصر ومفيد في هذا المقام.
стр. 11141
س: لخصوا لنا الطريق الذي سار عليه النبي ﷺ في حجه (١)؟
ج: هذا معناه بيان حجه ﷺ ، وعمدة المؤمنين وعمدة الفقهاء في كل مذهب من المذاهب المعروفة، عمدتهم حج النبي ﵊ في بيان أحكام الحج؛ لأنه ﷺ حج، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢) فالمسلمون اعتمدوا في بيان أعمال الحج وسننه، اعتمدوا على حجته ﷺ ، حجة الوداع وهي حجة واحدة، لم يحج بعدما هاجر سوى حجة واحدة، وهي الحجة الأخيرة التي حجها عام عشر، ولم يعش بعدها إلا قليلاً، قريبًا من ثلاثة أشهر قريبًا من ثمانين يومًا، تزيد قليلاً، ثم توفي ﵊، ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى ﵊، وقيل لها: حجة الوداع. لأنه ودع الناس فيها، وقال: «خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» (٣). فهو ﷺ خرج من المدينة، لخمس بقيت من ذي القعدة عام عشر من
стр. 11142
الهجرة، ونزل إلى ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، يوم السبت بعد صلاة الظهر، صلى بالناس الظهر في المدينة، وذكرهم ووعظهم وعلمهم كيفية مناسك الحج، ثم ارتحل فنزل في ذي الحليفة بالناس، وصلى فيها العصر ركعتين والمغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين وصلى فيها الفجر يوم الأحد، وصلى فيها الظهر يوم الأحد ركعتين، حتى تلاحق الناس، ثم توجه من ذي الحليفة بعد الظهر، أحرم بعدما صلى الظهر ﵊، بالحج والعمرة جميعًا قارنًا، وساق معه ثلاثًا وستين بدنة، وجاء عليٌّ ﵁ من اليمن ببقية الهدي مائة، سبعًا وثلاثين صار الجميع مائة بدنة، ساقها ﵊، صلى الظهر بعد ما لبس الإزار والرداء، وبعد الغسل والتطيب لبى ﵊، بقوله: «اللهم لبيك عمرة وحجًا» (١) بعدما اغتسل وبعد ما لبس الإزار والرداء، وبعدما طيبته عائشة بطيب من المسك، بعد ذلك لبى بعدما ركب دابته. هذا هو السنة، إذا أتى الميقات يغتسل ويتطيب ويلبس إزاره ورداءَه إذا كان رجلاً، وتلبس ملابسها المرأة التي تريد الحج، والأفضل أن تكون ملابس لا تلفت النظر، ملابس غير جميلة
стр. 11143
حتى لا تلفت النظر، فإذا فَرَغَ كلٌّ منهما من ذلك ركب دابته أو السيارة ثم لبَّى، هذه السنة يلبِّي بعدما يركب، بعدما يفرغ من حاجاته كلها، كما فعله النبي ﷺ ، وإذا كان بعد فريضة كان أفضل؛ لأن الرسول ﷺ أحرم بعد فريضة الظهر، وإن كان في غير فريضة كالضحى وصلى فلا بأس، وذكر جمهور العلماء أنه يستحب له أن يتوضأ ويصلي ركعتين قبل أن يحرم، كما صلى النبي ﷺ الظهر، وأحرم بعدها يستحب للمسلم والمسلمة، عند الإحرام في غير وقت الصلاة أن يصلي ركعتين من الضحى، فيحرم بعدهما هكذا قال الجمهور، ولا أعلم نصًا واضحًا في ذلك، إلا أنهم أخذوا بفعله ﷺ ، لما أحرم بعد صلاة الظهر؛ ولأنه جاء في حديث صحيح رواه البخاري، أن النبي ﷺ قال: «أتاني آت من ربي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة» (١) قال بعض أهل العلم: إن هذا في عمومه يدل على شرعية الصلاة عند الإحرام، ولكنه ليس بصريح؛ لأنه يحتمل أن المراد صلوات الفريضة التي صلاها ﵊. فالحاصل النظر في هذا واسع، إن
стр. 11144
كان بعد فريضة فهو أفضل، إذا وافق فريضة فهو أفضل، وإن لم يوافق فريضة، بأن كان إحرامه مثلاً الضحى، فإذا توضأ وصلى ركعتين وأحرم بعدهما كان حسنًا إن شاء الله، كما قال جموع أهل العلم، ولأن الوضوء له سُنة، إذا توضأ الإنسان شرع له سنة الوضوء، فيلبس إزاره ورداءَه ويتطيب، ويستكمل كل شيء مثلاً: إن كان شاربه طويلاً قَصَّهُ، وإن كان عنده أظفار طويلة قلمها، وهكذا إبطه وهكذا عانته، هذا من باب السنة، وإذا فعل هذا في بيته قبل ذلك كفى والحمد لله، ثم بعد ما يفعل هذا كله يتهيأ ليركب الدابة أو السيارة، والآن الموجود السيارات، والدواب الآن تركت واكتفي بالسيارة، فالسيارة تقوم مقام الدابة، فإذا ركب لبى قال: اللهم لبيك عمرةً وحجًا. إن كان قارنًا، كفعل النبي ﷺ ؛ لأنه لبى قارنا؛ لأنه ساق الهدي، أما إن كان ما ساق الهدي فالأفضل له أن يلبي بالعمرة، يقول: اللهم لبيك عمرة. وإن كان الوقت ضيقًا لبى بالحج: اللهم لبيك حجًا. فيكفي هذا، هذا هو الأفضل من القران، وإنما يشرع القران لمن ساق الهدي، من إبل أو بقر أو غنم، وبعدما يقول هذا يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. هذه تلبيته ﵊، بعد ما بين نسكه، بعدما لبى بالعمرة والحج، وهكذا الصحابة ﵃ وأرضاهم فعلوا مثله، كانوا يرفعون أصواتهم بذلك، وكان يرفع صوته
(لجزء رقم: ١٧ PgPg ٣٢٣
بذلك ﵊، وهذا المشروع رفع الصوت بالتلبية، حتى يسمع القريب والبعيد، وحتى ينشط الناس ويتتابعوا في هذه التلبية العظيمة، التى فيها توحيد الله والإخلاص له، ولهذا قال جابر ﵁: «أنه ﷺ لما أحرم في ذي الحليفة أَهَلَّ بالتوحيد؛ لأن قوله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك» (١) هذا هو التوحيد وكانت العرب تشرك بالتلبية، فتقول: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك (٢)، فأبطل الله ذلك بفعل نبيه ﷺ قولاً وعملاً ﵊، فقال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (٣) هذه التلبية الشرعية الثابتة عن رسول الله ﵊، وإن لبى بزيادة بأن قال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك إله الحق لبيك» (٤) فقد ورد هذا عن رسول الله ﵊، أو لبى بأنواع ما جاء عن بعض
стр. 11145
الصحابة، مثل: «لبيك وسعديك والخير كله بين يديك، والشر ليس إليك» (١) ومثل: «لبيك حقًا حقًا تعبدًا ورقًا» (٢) وما أشبه ذلك كله حق لا بأس به، لكن التلبية التي فعلها النبي ﷺ ، ولازمها أفضل من غيرها، ولما كانت أسماء بنت عميس قد ولدت في ذي الحليفة ابنها محمد بن أبي بكر، واستفتت النبي ﷺ ، فقد أمرها أن تغتسل وتلبي، وهي في نفاسها (٣)، فدل ذلك على أن المرأة إذا كانت في النفاس تلبي، وهي في النفاس لا بأس، وهكذا الحائض إذا جاءت الميقات وهي حائض تلبي، تغتسل؛ لأن الرسول أمرها بالاغتسال، أمر أسماء بالاغتسال، وأمر عائشة لما حاضت وأرادت التلبية بالحج قرب مكة، فأمرها أن تغتسل، فالمقصود أنه ﷺ أمر النفساء والحائض بالاغتسال عند الإحرام، وهو سنة للجميع، ولو كان لا يرفع الحدث في حق الحائض، حتى تنتهي، لكنه فيه النظافة والنشاط، وعائشة ﵂ لما وصلت مكة محرمة
стр. 11146
بالعمرة نزل بها الحيض قبل أن تطوف وتسعى، فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل، وأن تلبي بالحج مع العمرة، فصارت قارنة ﵂ وأرضاها، ثم سار النبي ﷺ من ذي الحليفة ملبيًا، وسار معه المسلمون يلبون: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (١). حتى وصل مكة في يوم الأحد الذي هو دون الأحد، الذي أحرم فيه ﵊، وصل مكة صباح يوم الأحد، ونزل بذي طوى في طرف مكة، وصلى بها الفجر ﵊، بعدما بات بها ﷺ ، واغتسل فيها أيضا عند دخوله مكة، فهو أفضل عند دخول مكة إذا تيسر أن يغتسل المحرم، هذا إذا تيسر، وليس بلازم، ثم لما اغتسل دخل مكة ﷺ ، وطاف وسعى يوم الأحد ﵊، رابع شهر ذي الحجة عام عشر من الهجرة، طاف وسعى وبقي على إحرامه؛ لأنه قارن ومعه الهدي، فلم يحل إلى يوم النحر، ﵊. وأما الصحابة الذين معه فمن كان معه الهدي فعل فعله، طاف وسعى وبقي على إحرامه، فلم يحل إلا يوم النحر، وأما الذين ليس معهم هدي وقد لبوا بالحج أو بالحج والعمرة جميعًا فإنه ﷺ أمرهم أن يجعلوها عمرة، وأن يفسخوا إحرامهم بالحج أو بالحج والعمرة إلى العمرة، أمرهم أن يجعلوها عمرة مفردة، فطافوا وسعوا
стр. 11147
وقصروا وحلوا بأمره ﵊، ومن كان معه الهدي بقي على إحرامه مع النبي ﷺ ، هذه صفة دخوله مكة ﵊، وسيره من ذي الحليفة إلى أن وصل مكة ﵊، على هذا النحو والمسلمون تابعوه بهذا، ﵊، واحتجوا بعمله هذا على ما ذكر من هذه الأمور؛ لأنه ﷺ المشرع المبين للناس، ولأنه قال للناس: «خذوا عني مناسككم» (١) هذا هو المشروع، كما ذكرنا عنه ﵊، ويأتي إن شاء الله بيان بقية أعماله ﷺ ، لما توجه إلى منى وتوجه المسلمون، في الحلقات الأخرى.
س: أرجو أن تتفضلوا بتكملة الحديث عن حجة النبي ﷺ ؛ لِمَا في هذا الموضوع من فائدة عظيمة، ولعل الكثير يتأسون بفعله عليه أفضل الصلاة والسلام (٢)؟
ج: لقد سبق أن ذكرنا صفة حجه ﵊، من حين أحرم من ذي الحليفة إلى أن خرج من منى إلى عرفات صباح اليوم التاسع، وقلنا: إنه توجه من منى إلى عرفات بعد طلوع الشمس في اليوم
стр. 11148
التاسع ملبيًا، والصحابة منهم من يلبي، ومنهم من يهل، فلم ينكر على واحد منهم، فدل ذلك على أن الحجاج إذا توجهوا من منى إلى عرفات يشرع لهم التلبية والتهليل والتكبير، والتلبية أفضل؛ لأنها عمله ﵊، وسبق أنه ﷺ نزل من نمرة، ووجد فيها قبة من شعر قد ضربت له، فنزل بها حتى زالت الشمس، فلما زالت الشمس أمر بناقته فرحلت له، ثم ركب ﵊، حتى أتى بطن الوادي؛ يعني وادي عرنة، وخطب الناس خطبة طويلة ﵊، وذكرهم بالله وبحقه، وبيَّن فيها ما قدمنا من وضعه أمر الجاهلية، ووضعه الربا ووضعه دماء الجاهلية، ووصيته للمسلمين بالنساء خيرًا، وبيانه حق النساء على الأزواج، وحق الأزواج على النساء، وتقدم أيضًا أنه أوصى ﵊ بكتاب الله، أوصى بالقرآن الكريم، وقال: «إنكم لن تضلوا ما اعتصمتم به» (١) وفي الرواية الأخرى: «بكتاب الله وسنته» (٢) ﵊، وسبق أن هذا أمر
стр. 11149
معلوم، فالوصية بكتاب الله والوصية بالسنة؛ لأنها الوحي الثاني، ولأن القرآن أمر بطاعة الله ورسوله، وطاعة الرسول هي امتثال السنة، والأخذ بها والتمسك بها، ثم إنه ﷺ لما فرغ من خطبته قال لهم: «وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟. قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. وجعل يرفع إصبعه إلى السماء، ثم ينكبها للناس، ويقول: "اللهم اشهد اللهم اشهد"» (١) فهذا يدل على أن الله سبحانه في السماء في العلو؛ ولهذا رفع يده إلى السماء، وهذا قول أهل السنة والجماعة: أن الله سبحانه فوق العالم، فوق جميع الخلق، وأنه سبحانه فوق العرش. هذا هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، وعِلْمه في كل مكان ، كما قال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. وقوله سبحانه: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾. فهو سبحانه فوق العرش، فوق جميع الخلق، وعلمه لا
стр. 11150
يخلو منه مكان؛ ولهذا استشهد ﵊ برفع أصبعه إلى السماء ﵊، وفي هذا من الفوائد شرعية خطبة الناس في عرفات، وأن ولي الأمر يخطب الناس تأسيًا بالنبي ﵊، أو يخطبهم نائبه حتى يبين لهم مناسك حجهم، وحتى يرشدهم إلى أصل الدين وأساسه، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، مع بيان معنى ذلك، وأن هاتين الشهادتين هما أصل الدين، وهما أصل الإسلام، ومعناهما توحيد الله والإخلاص له، والإيمان برسوله محمد ﵊، ويذكر لهم ما يحتاجون إليه في هذه الخطبة، من مناسك الحج ومن غير هذا من شؤون الإسلام، ثم إنه ﷺ بعدما فرغ من خطبته أمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام وصلى العصر ركعتين جمع تقديم، وهذا هو السنة للحجاج: أن يصلوا الظهر والعصر قصرًا وجمعًا، في أول وقت الظهر كما فعله المصطفى ﵊؛ حتى يتسع الوقت للدعاء والذكر في عرفات، تكون الخطبة قبل الأذان وقبل الصلاة، وفيه دلالة على أنه ما صلى الجمعة، رغم أنه كان يوم الجمعة، فخطب الناس قبل الأذان وذكرهم، ثم أذن فصلى الظهر ركعتين بعدما أقام بلال، ثم صلى العصر ركعتين أيضًا بعد الإقامة هكذا السنة، ويدل ذلك على أن المسافر لا يصلي لجمعة، وإنما يصلي ظهرًا، وهكذا
стр. 11151
الحجيج إذا صادف يوم الجمعة يوم عرفة فإنهم يصلونها ظهرًا، كما فعله المصطفى ﵊، لا يصلون جمعة؛ ولهذا صلى الظهر ركعتين، وصلى العصر ركعتين، بأذان واحد وإقامتين، فهذا هو السنة للحجاج لفعله ﵊، ثم بعد ذلك تقدم إلى عرفات، فوقف عند الصخرات أو جبل الدعاء، ويسمى جبل الرحمة، وجعل وجهه إلى القبلة ﵊، وجعل طريق المشاة بين يديه، فلم يزل يدعو ويضرع إلى الله رافعًا يديه حتى غابت الشمس، فهذا يدل على أن هذا هو المشروع للحجاج، بعد صلاة الجمع الظهر والعصر، يتوجهون إلى عرفات، إن كانوا خارج عرفات، وإن كانوا في عرفات استقبلوا القبلة واجتهدوا في الدعاء والذكر، اقتداء به ﵊، وقال لهم ﵊، لما وقف عند الصخرات واستقبل القبلة، قال: «وقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف» (١)
فدل ذلك على أن جميع أجزاء عرفة كلها موقف، وأن الحاج يقف في أي جزء من عرفات، فيكفيه ذلك، والسنة استقبال القبلة حال الدعاء والذكر، سواء كان الجبل أمامه أو عن يمينه أو شماله أو خلفه، يستقبل
стр. 11152
القبلة كما استقبلها النبي ﵊، ويدعو ويضرع إلى الله، ويذكره سبحانه حتى تغيب الشمس، والسنة أن يرفع يديه كما فعل المصطفى ﵊، وإن أكل أو استراح فلا بأس عليه، فقد ثبت عنه ﷺ أن أم الفضل أرسلت إليه بقدح لبن، فشرب وهو على راحلته ﵊ (١)، فعلم الناس أنه مفطر، وهذا هو السنة أن يفطر الحجيج يوم عرفة؛ لأنه أنشط لهم على العبادة، ولأنهم ضيوف الرحمن، فناسب أن يكونوا مفطرين ينشطون للعبادة والذكر والدعاء، في هذا اليوم العظيم، وقد قال ﵊: «الحج عرفة» (٢) هذا اليوم هو ركن الحج الأعظم، الوقوف فيه، فمن فاته الوقوف في عرفة فاته الحج، ويبتدئ الوقوف بعد الزوال إلى طلوع الفجر، من ليلة النحر يعني بقية يوم عرفة على الليلة كلها، ليلة النحر
стр. 11153
غروب الشمس إلى طلوع الفجر، كل هذا موقف سواء وقف بعرفات بعد الزوال، أو بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك عرفة إلا بعد طلوع الفجر فاته الحج، واختلف العلماء رحمة الله عليهم فيما قبل الزوال من يوم عرفة: هل يجزئ الوقوف فيه، أم لا يجزئ؟ على قولين: الأكثرون على أن الوقوف لا يجزئ إلا بعد الزوال؛ لأنه الموقف الذي فعله النبي ﵊. وقال آخرون: لو وقف قبل الزوال في صباح عرفة، وانصرف أجزأه ذلك، ولكن عليه دمًا؛ لأنه لم يقف إلى الغروب. واحتجوا بما ثبت من حديث عروة بن مضرس، أنه أتى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله، «أَكْلَلْتُ راحلتي وأتعبت نفسي، فما تركت من جبل إلا وقفت عنده، فهل لي من حج؟ فقال ﵊: من شهد صلاتنا هذه بمزدلفة، وقد وقف في عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد تمَّ حجه، وقضى تفثه» (١) فقوله ﷺ : «وقد وقف بعرفة قبل ذلك
стр. 11154
ليلاً أو نهارًا» (١). يعم ما قبل الزوال، ولهذا ذهب أحمد ﵀ وجماعة، إلى أن الوقوف قبل الزوال يجزئ، ويدرك به الحج، وذهب الجمهور رحمة الله عليهم، إلى أنه لا يدرك الحج إلا بالوقوف بعد الزوال، فينبغي للمؤمن أن يحتاط لدينه، وألاّ يقف إلا بعد الزوال، كما وقف النبي ﵊، ثم بعد ما غابت الشمس توجه ﵊ إلى مزدلفة، بعد غروب الشمس هذا هو المشروع للحجيج، أن يمكثوا في عرفات ذاكرين ملبين، داعين مخلصين لله خاشعين لله ، حتى تغيب الشمس، فإذا غابت انصرفوا إلى مزدلفة، وليس في يوم عرفة دعاء واجب، ولا متعين، بل يدعون الله بما تيسر بذكر الله، ويدعونه بأي دعاء، وروي عنه ﷺ أنه قال «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٢)
فينبغي أن يكثر من ذكر الله ، تسبيحه وتحميده وتكبيره واستغفاره، ومن الدعاء في هذا اليوم العظيم، ويسأل ربه الجنة ويستجير به من النار، ويسأله كل خير ، ويستجير به من كل شر،
стр. 11155
فهو يوم عظيم، فيه يتجلى الله لعباده، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ «أن الله جل وعلا، يتجلى للعباد يوم عرفة، ويدنو منهم كما يشاء سبحانه، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ويقول ﷺ : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه سبحانه ليدنو فيباهي بهم الملائكة» (١) فهو يوم عظيم يباهي الله فيه ملائكته بالحجيج، ويدنو منهم كما يشاء دنوًا يليق بجلاله، لا يعلم كيفيته إلا هو ، ويعتق العتقاء الكثير من النار في هذا اليوم العظيم، فينبغي لك يا عبد الله أن تجتهد في الضراعة إلى الله، واستغفاره وسؤاله القبول، وسؤاله العتق من النار في هذا اليوم العظيم، ثم بعد ما وصل مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء، وكان في الطريق ﵊ يحث الناس على السكينة وعدم العجلة، ويقول لهم في الطريق: «السكينة السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع» (٢)
стр. 11156
يعني ليس بالإسراع، ويلبي في طريقه ﵊، هكذا السنة إذا انصرف الناس من عرفات بعد الغروب أن يلبوا، ويكثروا من التلبية، ولا يعجلوا؛ لئلا يضر بعضهم بعضًا، بل بالسكينة، فإذا وجد النص منه ﵊ وجب العمل بمقتضاه، هكذا الناس ينبغي أن يكون انصرافهم بالسكينة، ومن وجد سعة في بعض الأماكن فلا مانع أن يعجل تعجيلاً لا يضر غيره، فلما وصل ﷺ مزدلفة أمر بالأذان، فأذن مؤذنه ثم صلى المغرب بإقامة ثلاثًا، وصلى العشاء بإقامة ركعتين، يعني صلاهما بأذان واحد وإقامتين، كما فعل في عرفات ﵊، وهذا هو السنة للحجيج: أن يصلوا المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا؛ يعني قصرًا للعشاء، أما المغرب فإنها لا تقصر، ثلاثًا دائما في السفر والحضر، فيصليهما بأذان واحد وإقامتين اقتداء بنبينا ﵊، ثم بعد ذلك استراح ﵊، ونام كما ثبت في حديث جابر ﵁ حتى طلع الفجر، فلما طلع الفجر قام وصلى الفجر بأذان واحد وإقامة، صلاها بغلس (١). أبكر من عادته ﵊، حتى يتسع الوقت للوقوف عند المشعر
стр. 11157
الحرام، وأذن للضعفاء والنساء والشيوخ بالانصراف من مزدلفة ليلاً؛ لئلا يَحطِمَهم الناس، وأما الأقوياء فجلسوا معه حتى صلوا الفجر ووقفوا عند المشعر، ودعوا الله كثيرًا حتى أسفروا، فلما أسفر النبي ﷺ انصرف إلى منى قبل طلوع الشمس، هكذا ينبغي للناس أن يبقوا في مزدلفة حتى يبيتوا فيها، ويصلوا فيها الفجر، أما الضعفاء من النساء والعجائز والشيوخ الكبار والصبيان ونحوهم، ومن يكون معهم فلا بأس، بل الأفضل أن ينصرفوا قبل حطمة الناس؛ أي انصرافهم من مزدلفة إلى منى في النصف الأخير من الليل، ومن انصرف معهم من محارمهم ومن هو معهم في رحلهم فلا بأس عليه، أما القوي الذي ليس معه نساء فالأفضل له أن يبقى حتى يصلي الفجر، ثم يدعو الله ويذكره كثيرًا حتى يسفر، وقد قال ﷺ لما وقف يوم مزدلفة: «وقفت ها هنا، وجمع كلها موقف» (١) يعني مزدلفة، يقال لها: جمع. فالمعنى أن مزدلفة كلها موقف، كما أن عرفة كلها موقف، كل إنسان في مزدلفة يجلس في محله، ويدعو الله ويستغفر ويضرع إليه ، ويذكر الله، وليس هناك حاجة إلى أن يتقدم إلى قزح،
стр. 11158
موقف النبي ﵊، الجبل المعروف، بل كل إنسان يدعو الله في مكانه والحمد لله، وكان ﵊ في عرفات وفي مزدلفة يرفع يديه في الدعاء، ويلح في الدعاء، فالسنة رفع اليدين مع الإلحاح في الدعاء، والإكثار من الدعاء؛ تأسيًا به ﵊، ومن انصرف من الأقوياء إلى منى قبل دخول الفجر أجزأه على الصحيح، لكن فاته الفضل، فالأفضل له والكمال أن يجلس حتى يصلي الفجر، وحتى يقف بعد طلوع الفجر يذكر الله ويثني عليه، ويدعو إلى أن ينصرف قبل طلوع الشمس، وكان المشركون ينصرفون بعد طلوع الشمس، فخالفهم النبي ﷺ ، وانصرف قبل طلوع الشمس بعد ما أسفر ﵊، وهذا هو المشروع لجميع الحجاج: أن ينصرفوا قبل طلوع الشمس؛ اقتداء به ﵊.
س: في حلقة سابقة عن حجة الرسول ﷺ ، قد تفضلتم بشرح هذه الحجة، آمل من سماحتكم تكملة ما تبقى
стр. 11159
من هذه الحجة المباركة، جزاكم الله خيرًا، حيث وصل بكم القول إلى انصراف الرسول ﷺ من مزدلفة (١).
ج: قد سبق أن تكلمت على صفة حجه ﵊، من حين خرج من المدينة إلى أن وصل إلى مكة، ﵊، ثم عن رحلته من مكة إلى منى، وعن رحلته من منى إلى عرفات، وعن رحلته من عرفات بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، وما فعله في مزدلفة، ﵊، وسبق أنه ﵊ صلى بها الفجر، ثم أتى المشعر فارتقاه، وجعل يدعو ويذكر الله ويهلل، حتى أسفر جدًا ﵊، ورفع يديه بالدعاء، فلما أسفر انصرف إلى منى هذا هو السنة: أن يبيت الحجيج في مزدلفة، وأن يصلوا بها الفجر، وأن يدعوا الله، كل في مكانه وفي منزله؛ لأنها كلها موقف، كل يدعو في مكانه، ويضرع إلى الله، ويسأله من فضله، ويرفع يديه ويذكره كثيرًا، ويدعوه كثيرًا حتى يسفر، فإذا أسفر جدًّا انصرف إلى منى قبل طلوع الشمس؛ تأسيًا بالنبي ﵊، وتقدم أنه أذن للضعفة من النساء والشيوخ والصبيان بأن ينصرفوا إلى منى في الليل قبل حَطْمة
стр. 11160
الناس، هذا هو الذي ينبغي للضعفاء: أن ينصرفوا حتى يخففوا عن الناس، وحتى يسلموا هم أيضًا من حطمة الناس، فالنساء والشيوخ ونحو ذلك، ومن يتبعهم من محارمهم، ومن صاحبهم في الرحلة إلى منى في النصف الأخير من ليلة مزدلفة، فإذا وصلوا إلى منى باتوا فيها بقية الليل، وإن رموا الجمرة فلا بأس، رموها آخر الليل لا بأس، وقد ثبت عن أم سلمة ﵂، أنها رمت الجمرة في آخر الليل (١).
وثبت عن أسماء بنت أبي بكر ما يدل على ذلك، وأن الرسول ﷺ أذن للضعفة، وهُن النساء في ذلك، فإذا رمين ومن معهم في آخر الليل كفى ذلك، وإن أخروا ورموا بعد ارتفاع الشمس فلا بأس، ولكن الأرفق بهن وبمن معهم أن يرموا في آخر الليل إذا وصلوا منى، هذا هو الأرفق بهم، ثم يرجعون إلى منازلهم في منى للإقامة بها وذبح الهدايا، ورمي الجمار في الأيام القادمة، وغير ذلك من شؤون الحج، أما الرسول ﷺ ، فقد انتظر حتى صلى الفجر، ودعا ربه بعد الصلاة، وذكره ورفع يديه وألح في الدعاء، ثم انصرف قبل طلوع
стр. 11161
الشمس، ﵊، وسبق أنه صلى بها المغرب والعشاء قصرًا وجمعًا بأذان واحد وإقامتين، ثم نام بعد ذلك ﵊، وهكذا الفجر صلاها بأذان وإقامة مع سنتها الراتبة، وصلاها بعد طلوع الفجر مبكرًا، قال ابن مسعود ﵁: «إنه صلاها قبل ميقاتها» (١) يعني قبل ميقاتها المعتاد؛ وذلك – والله أعلم – ليتسع الوقت للدعاء والذكر بعد صلاة الفجر، ثم المشروع للمسلمين، إذا وصلوا إلى منى بعد انصرافهم من مزدلفة، أن يرموا الجمرة؛ لأنه ﷺ انصرف من مزدلفة قبل طلوع الشمس ملبيًا حتى أتى الجمرة ضحى، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ولم يقف عندها، بل رمى وانصرف ﵊، فهكذا المسلمون من الحجاج، إذا وصلوا إلى منى بعد طلوع الشمس بدؤوا بالجمرة تحية منى، وليس في منى صلاة عيد للحجاج، ويقوم مقامها رمي الجمار ذلك اليوم، فترمى الجمرة بسبع حصيات، يرميها الرجل والمرأة والصغير والكبير بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة يقول: الله أكبر، مع كل
стр. 11162
حصاة، مستشعرًا عظمة الله وطاعته سبحانه، ومستشعرًا إرغام الشيطان ودحره بهذه الحصيات التي ترجم بها مواقفه، ثم ينصرف ولا يقف؛ لأن الرسول ﵊ لم يقف عند جمرة العقبة، بل رماها وانصرف ﵊، ووقف للناس يسألونه في منى بعد رميه الجمرة، هذا يقول: «يا رسول الله، أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال ﵊: لا حرج» (١) وآخر يقول: «نحرت قبل أن أرمي، فيقول: "لا حرج"» (٢). وآخر يقول: «حلقت قبل أن أذبح، يقول له: "لا حرج"» (٣). وهذا يدل على أن أفعال الحج يوم العيد فيه توسعة، وأن الرمي والطواف والسعي والحلق، أو التقصير والنحر كلها فيها سعة، والنبي ﷺ رتبها، فرمى يوم العيد ثم نحر ﵊، ثم حلق رأسه ثم طيبته عائشة ﵂، ثم ركب إلى البيت، فطاف ﵊، هكذا الترتيب، هذا هو الأفضل: رمي، فنحر، فحلق أو تقصير، فطواف، وسعيٌ إن كان عليه سعي، هذا هو الترتيب، الأول: الرمي، ثم نحر الهدي، ثم حلق الرأس أو تقصيره،
стр. 11163
وبهذا يتحلل التحلل الأول، يلبس المخيط ويغطي رأسه إن كان رجلاً، والمرأة كذلك تتطيب، تكد شعرها إن شاءت، وتقص أظافرها إن شاءت؛ لأنها حلت التحلل الأول، ولا يبقى عليهما جميعًا: الرجل والمرأة، إلا تحريم الجماع، وما يتعلق بالجماع من النساء، فإذا طافا وسعيا بعد ذلك تمَّ الحل كله، وحل للرجل الاتصال بأهله، إذا طاف وسعى بعد الرمي، وبعد الحلق أو التقصير، والسعي إنما يجب عليه إذا كان متمتعًا؛ لأن السعي الأول لعمرته، وهذا لحجه، أو كان قارنًا أو مفردًا لكن لم يسعَ مع طواف القدوم، فيسعى مع طواف الإفاضة، وإن كان سعى مع طواف القدوم فلا سَعْيَ عليه، يكفيه الطواف، الحاج المفرد والحاج القارن بين الحج والعمرة، والنبي كان قارنًا ﵊، ولهذا طاف طوافًا فقط ولم يسعَ؛ لأنه قد سعى مع طواف القدوم، ﵊، وفي هذا من الفوائد: أن الإنسان قد يشق عليه تأخير الطواف، وقد يشق عليه تأخير الحلق إلى أن يذبح؛ لأن الذبح ليس متيسرًا، فيتأخر إلى اليوم الثاني، فمن رحمة الله ومن تيسير الله ، ومن إحسانه إلى عباده ورحمته بهم، أن فسح لهم المجال، وجعل هذا الترتيب ليس بواجب، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم، أنَّ له أن يبدأ بما أخره الرسول ﷺ ، له أن يقدمه؛ لأنه سئل عليه
стр. 11164
الصلاة والسلام عما يقدم ويؤخر، فقال: «لا حرج، لا حرج» (١) فإذا أفاض الإنسان قبل أن يرمي، مثل المرأة إذا خافت من الحيض، فأفاضت قبل أن ترمي فلا بأس، ومثل إنسان نحر هديه صار النحر متيسرًا والرمي ما تيسر، له أن يرمي مبكرًا، فنحر قبل أن يرمي فلا بأس، أو حلق قبل أن يرمي، أو ذبح قبل أن يرمي كل ذلك لا بأس والحمد لله. فالحاصل أن الترتيب ليس بواجب، ولكن الأفضل أن يرمي ثم ينحر، ثم يحلق أو يقصر، ويتحلل التحلل الأول، ويلبس المخيط ويغطي رأسه، ثم يذهب إلى البيت فيطوف ويسعى، هذا هو الترتيب المشروع، فمن قدم بعضها على بعض فلا حرج عليه في ذلك، كما فعله المصطفى ﷺ ، وكما أذن للناس ﵊ في ذلك، ثم بعد ذلك لما رمى الجمرة ﵊، ونحر هديه وحلق رأسه طيبته عائشة، ثم ركب إلى البيت، فطاف به ﵊، وصلى بمكة الظهر ﵊، ثم عاد من مكة وصلى بالناس الموجودين الذين ينتظرونه، صلى بهم الظهر في منى، فصلاها مرتين الأولى في مكة وهي الفريضة، والثانية في منى بمن
стр. 11165
بقي ينتظره، وهي نافلة له ﵊، وبهذا يستدل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، كما كان معاذ يصلي بأصحابه متنفلاً، ويصلي مع النبي فريضته ﵊، كل هذا جائز بحمد الله، ثم أقام النبي ﷺ في منى، الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، يرمي بعد الزوال الجمار الثلاث، كل جمرة يرميها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة، ويكبر مع كل حصاة ويجعل الجمرة الأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف، يجعلها عن يساره ويتقدم ويسهل؛ حتى لا يصيبه رمي الناس، وحتى لا يضايق الناس، فيرميها بسبع حصيات، ويقف عندها ويجعلها عن يساره، ويدعو ويرفع يديه، ويلح ويطيل الدعاء، كما فعله النبي ﷺ ؛ لأنه رفع يديه، وأكثر الدعاء ﵊ بعدما رمى الجمرة يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، ثم أتى الوسطى فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم جعلها عن يمينه، وأخذ ذات الشمال عن يساره، ووقف يدعو ورفع يديه وألح في الدعاء، ﵊، هذا هو السنة لمن تيسر له ذلك، فمن لم يتيسر له ذلك فلا شيء عليه، هو سنة مؤكدة، فعلها المصطفى ﵊، أما الثالثة فكان يرميها ولا يقف عندها، جمرة العقبة يرميها يوم الحادي عشر، والثاني عشر،
стр. 11166
والثالث عشر، ولا يقف عندها، كما أنه لم يقف عندها يوم العيد، بل رماها وانصرف ﵊، ثم أذن للناس بالتعجل، من أراد أن يتعجل يوم الثاني عشر فلا بأس؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
من أحب أن يتعجل بعد الرمي يوم الثاني عشر فلا بأس، يرمي الجمار ثم يذهب إلى مكة لطواف الوداع، ومن أحب أن يبقى إلى اليوم الثالث عشر، كما بقي النبي ﷺ ، فإنه بقي اليوم الثالث عشر ﵊، فلما رمى الجمار يوم الثالث عشر بعد الزوال تقدم إلى الأبطح، فنزل به، وصلى به الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ﵊، ثم ركب في أثناء الليل إلى مكة لطواف الوداع، فطاف آخر الليل طواف الوداع، ﵊، وصلى بالناس الفجر، وقرأ فيها بـ (الطور)، ثم بعدما انتهى من صلاة الفجر توجه إلى المدينة ﵊، صباح يوم الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجة، ﵊، وبهذا انتهت أعمال الحج بطواف الوداع، ومن انصرف في اليوم الثاني عشر، ودع، إذا كان يريد السفر
стр. 11167
ذلك اليوم، وإن أحب أن يبقى في مكة أيامًا، أَخَّرَ الوداع، حتى يعزم على السفر، فإذا عزم على السفر، طاف ثم سافر، وهكذا من أخر إلى اليوم الثالث عشر، ولم يتعجل، فإنه إذا فرغ من الرمي، إن كان أحب أن يبقى في مكة، يبقَ في مكة، وإن أحب السفر، طاف للوداع وساف هكذا، كما فعله النبي ﵊، والرمي بعد الزوال في أيام التشريق، لا قبل الزوال، فإن عجز أو شُغل رمى بعد الغروب لهذا اليوم؛ يعني كل يوم إذا لم يتيسر في النهار، يرميه بعد الغروب لذلك اليوم الذي غابت شمسه، وهكذا اليوم الثاني عشر يرميه بعد الزوال إن تيسر، وإلا بعد الغروب، ولزمه المبيت والرمي من غد، وهكذا اليوم الثالث عشر يرميه بعد الزوال، لكن ليس فيه رمي بعد الغروب؛ لأنه انتهى الرمي بغروب الشمس، فالثالث عشر يجب عليه أن يرميه قبل الغروب، وهذا في الغالب غير متعذر، ولا متعسر؛ لأن الناس في الغالب ينصرفون في اليوم الثاني عشر، ولا يبقى إلا القليل في الثالث عشر، فلا يكون هناك صعوبة في الرمي قبل الغروب، لكن بعد الزوال، وفي أيام منى يكثر من ذكر الله، ومن التكبير والتهليل، قال النبي صلى الله عليه
стр. 11168
وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله» (١) يذبح فيها الهدايا، ويأكل ويُطْعِم، كما قال سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
ويكثر من الدعاء والذكر، وقراءة القرآن في الأوقات المناسبة، وتعليم الناس الخير والدعوة على الخير، كل هذا مطلوب، إذا كان عنده علم، وفي العيد كذلك، إذا لم يتيسر الرمي يوم العيد يرمي بعد الغروب إلى آخر الليل، فليلة الحادي عشر تابعة ليوم العيد، إذا لم يتيسر الرمي، فيه فإنه يرمي بعد الغروب، ويجزئه ذلك والحمد لله؛ لأن بعض الناس قد ينشغل يوم العيد، وقد يحصل له مانع من الرمي يوم العيد، فيرمي على الصحيح بعد الغروب، ولا حرج في ذلك.
س: سماحة الشيخ، الذي يتابع ما تفضلتم به يلحظ أن حجة النبي ﷺ كانت قرانًا، نسمع كثيرًا من المفتين أنهم يفتون بأن التمتع أفضل، كيف تناقشون هذا؟ حفظكم الله.
ج: نعم، - النبي ﷺ لما قدم مكة أمر الصحابة أن
стр. 11169
يجعلوا إحرامهم عمرة؛ الذين ليس معهم هدي، وقد أفردوا الحج، أو قرنوا، فقال: «اجعلوها عمرة، ولولا أن معي الهدي لأحللت» (١) وقال أيضًا ﵊: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولجعلتها عمرة» (٢) فهذا وجهه قول العلماء: النبي استحب التمتع؛ لأن الرسول ﵊، رجع إليه وأمر به الصحابة، وأحب أن يكون فعل ذلك، لكن من أحب أن يحرم قارنًا وهو مُهْدٍ، فلا بأس؛ لأنه ﷺ لم يمنع من هذا النسك، وإنما أمر أصحابه أن يحلوا، إلا من كان معه الهدي، وبقي على حاله، فدل ذلك على أن القران باقٍ لمن معه الهدي؛ لأن الرسول لم يبطله ﵊، بل استمر عليه، لكن كونه يُحرم بالتمتع ولا يهدي أفضل، يشتريه من مكة أو منى عند الحاجة، ولا يهدي؛ لأن في الهدي والبقاء على الإحرام مشقة كبيرة، قد يندم عليها الإنسان، ولا سيما إذا طال الأمر، قد يقدم في آخر ذي القعدة، أو في أول ذي الحجة، ثم يبقى محرمًا لا يتطيب ولا يقص ظفرًا ولا شاربًا، ولا يأتي أهله، قد
стр. 11170
يشق عليه ذلك، فمن رحمة الله أن شرع لنا التمتع، وألاّ نكلف أنفسنا هذه الكلفة، بل نشتري هدينا من داخل مكة، ولا حاجة إلى أن نهدي من خارجها، إذا جاء يوم العيد، أو أيام التشريق اشترى الإنسان هديه، من منى أو من مكة، وذبحه والحمد لله، ولا يشق على نفسه بالبقاء محرمًا من آخر ذي القعدة إلى يوم العيد، لا يتطيب، ولا يقص شعرًا ولا ظفرا، ولا يأتي أهله، كل هذا فيه صعوبة على الرجال والنساء جميعًا، فمن رحمة الله أن شرع التمتع لما فيه من الراحة والتيسير وعدم التكلف.