تعجل، وإذا خفَّ الزحام تطوف وتسعى وتقصر، وتحل من عمرتك، هذا هو الأفضل، وهذا هو السنة، فإن شق عليك ذلك تلبي بالحج وتقول: اللهم لبيك حجًّا مع العمرة. وتكون قارنًا، وإذا تيسر لك الطواف تطوف فقط، وإن طفت وسعيت كفى، ثم تبقى على إحرامك إلى الحج، لكن السنة أنك تطوف وتسعى وتقصر وتحل، ويكفى؛ لأن الرسول أمر أصحابه بهذا ﵊، أمرهم أن يطوفوا ويسعوا ويقصروا، ولا يبقوا على إحرامهم، فأنت كذلك عليك التأسي بهم كما أمرهم النبي ﵊، فإذا خف الزحام تطوف وتسعى وتقصر – والحمد لله – وتلبي بالحج في وقته إذا جاء وقت الحج يوم الثامن، تلبي بالحج ثم تذهب إلى منى.
стр. 11202
٢٠٩ - حكم اكتفاء القارن بسعي العمرة عن سعي الحج
س: لقد حججت مرتين، واعتمرت أربع مرات، وهذا العام حججت لوالدتي التي لم تستطع أداء المناسك، وأيضًا أخي الذي حج لوالدي الذي لم يستطع أداء المناسك، نظرًا لكبر سنهما فقد نويت عند الإحرام بالحج متمتعًا، وبعد أن وصلت إلى الأراضي
стр. 11203
الطاهرة قمت بطواف القدوم وطواف السعي، ولم أقصر من شعري، ولم أتحلل إلا بعد رمي الجمرة الأولى، ولم أنحر، ولم أسع مرة أخرى غير طواف الإفاضة وطواف الوداع، فهل يجوز ذلك؟ وهل يحتسب حجة فقط أم ماذا؟ وما حكم الدين في ذلك؟ وهل لي حسنات أجزى بها؟ أفيدوني جزاكم الله الكريم خير الجزاء (١)(٢).
ج: الذي يظهر من سؤال السائل أنه أراد التمتع بالعمرة إلى الحج، ولكنه ما صرح بالعمرة، فأحرم متمتعًا، فإذا كان أراد بقصده التمتع فالتمتع بالعمرة إلى الحج، فالقِران يسمى تمتعًا، وهذا عمل القارن، أخونا طاف وسعى وبقي على إحرامه، هذا عمل القارن، ثم طاف بعد ذلك ولم يسع، يجزئ السعي الأول عن السعي بعد الحج إذا كان نوى أن يؤدي حجًّا وعمرة جميعا فقط ولم يقصد أن يتحلل بعد السعي عند قدومه مكة، إنما أراد التمتع بالعمرة إلى الحج، يعني أن يجمع بينهما وأن يقرن بينهما، فهو قد طاف وسعى، ثم طاف بعد الحج وطاف للوداع فهذا يكفي، لكن عليه هدي، عليه أن يرسل من يذبح
стр. 11204
هديًا في مكة؛ لأن القارن مثل من حلَّ بالعمرة سواء بسواء، فعليه هديٌ يذبحه بمكة، أما إن كان أراد بقوله متمتعًا بالحج لا بالعمرة، وأن قصده حج مفرد، فهذا ليس عليه هدي، فالطواف والسعي الأول كافٍ، وطواف الحج طواف الإفاضة الذي فعله بعد ذلك يكفي، وطواف الوداع كذلك، وليس عليه سعيٌ آخر، وهكذا إذا كان أراد حجًا وعمرة جميعًا، فليس عليه إلا سعي واحد، وهو السعي الأول الذي فعله يكفيه، ولكن إذا كانت العمرة يعرفها ويقصدها فإن عليه الهدي، عليه أن يأتي ويذبح في مكة، أو يوكل ثقة من الثقات يذبحه في مكة عن قرانه، ويكون بذلك قد أدى الواجب، وهو واجب هدي التمتع، وليس عليه سوى ذلك، والله أعلم.
س: أنا وصلت من بلدي لأداء العمرة، واعتمرت، ثم ذهبت إلى المدينة للزيارة، وجلست في المدينة أسترزق عدة شهور، ثم جاء وقت الحج وأريد أن أحج، فما هو الحكم في عملي هذا ولا سيما أنني قدمت فقط للعمرة والزيارة (١)؟
ج: تحج من المدينة والحمد لله، هذا من فضل الله عليك أن يسر
стр. 11205
لك الحج، تحرم من ميقات المدينة بالحج والحمد لله، وإذا أخذت عمرة ثانية من ميقات المدينة، ثم يوم الثامن من ذي الحجة تلبي بالحج مع الناس يكون أفضل، وتكون متمتعًا، ويكون عليك الدم ذبيحة واحدة، تذبحها يوم النحر يوم العيد، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة، هذا هو الواجب على المتمتع، وإذا أحرمت بحج مفرد فلا بأس، لكن الأفضل لك أن ترحم بالعمرة، هذا هو السنة، تطوف وتسعى وتقصر وتحل، ثم في اليوم الثامن بعد ذلك عند الذهاب إلى منى تلبي بالحج، هذا هو الذي أرشد إليه النبي ﷺ أصحابه لما قدموا من المدينة في حجة الوداع، أمرهم أن يحلوا ويجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي، إلا من ساق الهدي من المدينة، أو من الطريق، هذا يبقى على إحرامه، أما الذي لبى بالحج وليس معه هدي فالرسول ﷺ أمرهم أن يحلوا بالطواف والسعي والتقصير، ويجعلوها عمرة، ثم يلبون بالحج يوم الثامن، وقد فعلوا ﵃.
س: أريد أن أحج حجًّا بدون عمرة؛ لأنني ليس عندي الاستطاعة للفدية، لكني لا أعرف الطرق الصحيحة التي أتبعها حتى يكون
стр. 11206
حجي صحيحًا وبدون فدية علمًا بأنني أقيم وأعمل في جدة؟
ج: الحج الذي ليس فيه فدية أن تحرم بالحج مفردًا، تقول: اللهم لبيك حجًّا مع النية في قلبك إذا كنت في جدة، من جدة تلبي بالحج ناويًا الحج مفردًا، فتذهب إلى مكة وقت الحج، وتطوف وتسعى، أو تبقى على إحرامك حتى تقف في عرفات، وحتى ترمي جمرة العقبة، فإذا رميت جمرة العقبة فالأفضل أن تحلق، وإن قصرت فلا بأس، ثم تحل، ومن حل بعد الرمي أجزأه، لكن الأفضل يكون بعد الرمي والحلق أو التقصير، ثم يلبس ثيابه إذا شاء، ويتطيب إذا شاء، ثم يطوف ويسعى طوافًا بالبيت سبعة أشواط، ويصلي ركعتين، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، هذا هو الحج المفرد، ليس فيه هدي، تحرم من مكانك في جدة، أو من الميقات إن كنت من غير جدة، إذا مررت بالميقات تحرم من الميقات بالحج فقط، تقول: اللهم لبيك حجًّا. ثم إذا جئت مكة تطوف بدون أن تسعى، وتبقى على إحرامك حتى تخرج إلى عرفات، وحتى ترمي الجمرة يوم العيد، ثم تحل وتحلق أفضل أو تقصر، ثم تحل وتتطيب وتلبس ملابسك، ثم عليك الطواف بعد ذلك طوافًا فقط بدون سعي، إلا إذا كنت أخرت السعي إلى ما بعد
стр. 11207
العيد، تسعى مع الطواف، ليس عليك إلا سعي واحد، إن قدمته مع طواف القدوم كفى، وإن أخرته مع طواف الإفاضة فلا بأس، وإذا رميت الجمرة حصل التحلل الأول، لكن الأفضل والأحوط أن يكون مع الرمي الحلق أو التقصير خروجًا من الخلاف، ثم تحل – يعني تلبس الملابس، تتطيب – ثم يبقى عليك الطواف والسعي إن كنت ما سعيت مع طواف القدوم، ويبقى عليك الطواف والسعي، وبهذا يحصل التحلل كله، إن كان لك زوجة تحل لك الزوجة، ويبقى عليك الرمي في الحادي عشر والثاني عشر، رمي الجمار الثلاث، والمبيت ليلة إحدى عشرة، وليلة اثنتي عشرة، وإن شئت بقيت يوم الثالث عشر، يكون أفضل، تبقى اليوم الثالث عشر، وإن تعجلت اليوم الثاني عشر بعد الرمي فلا بأس، ترمي الجمرة بعد الزوال في اليوم الثاني عشر، وتعجل إلى مكة، تطوف طواف الوداع، ثم تخرج إلى أهلك بعد طواف وداع بدون سعي، وإن بقيت في منى يوم الثالث عشر ترمي الجمار الثلاث، هذا أفضل كما بقي النبي ﷺ ، ثم بعد رمي الجمار بعد الزوال تخرج إلى مكة للوداع، وإن بقيت في مكة أيامًا فلا بأس، لكن إذا عزمت على السفر تطوف للوداع سبعة أشواط قبل السفر، وتصلي ركعتين سنة بعد الطواف، وليس فيه سعي.
стр. 11208
٢١٠ - حكم الفصل بين الطواف والسعي بزمن
س: أحرمت بالحج مفردًا من مكان إقامتي في جدة ليلة الثامن من ذي الحجة، وطفت طواف القدوم قبل يوم التروية، ثم سعيت سعي الحج بعد صلاة فجر يوم التروية، فهل الترتيب الزمني الذي أديت فيه المناسك المذكورة صحيح؟ جزاكم الله خيرًا (١).
ج: لا حرج في ذلك والحمد لله، لكن لو سعيت مع الطواف مبادرة فهو أفضل، ولكن تأخيره كونك طفت يوم الثامن أو في اليوم الثامن، ثم سعيت في صباح اليوم التاسع أو في يوم التروية لا بأس، المقصود الفصل بين السعي وبين الطواف لا يضر، لكن كون السعي يلي الطواف هذا هو الأفضل، فإذا طاف الإنسان في اليوم الثامن، أو في السابع ثم سعى بعد ذلك في اليوم الذي بعده أو في الليلة فلا حرج في ذلك.
стр. 11209
٢١١ - حكم الشك بعد أداء العبادة
س: يقول السائل: أديت فريضة الحج، وأكملت الحج تمامًا – ولله الحمد – وعند عودتي شعرت بأني لم أكمل الحج على الوجه المطلوب علمًا بأني أديت مناسك الحج والعمرة بالشكل
стр. 11210
المطلوب، وجهوني حول هذه الخواطر، جزاكم الله خيرًا (١).
ج: هذه الخواطر من الشيطان، فلا تلتفت إليها، والشكوك التي ترد بعد الفراغ من العبادة لا يعول عليها ولا يلتفت إليها، وأنت بحمد الله قد أديت ما عليك، وعرفت ذلك، فهذه الشكوك والأوهام كلها من الشيطان، الواجب إطراحها وعدم الالتفات إليها، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
стр. 11211
٢١٢ - بيان أن الواجب في حق الحاج أن يؤدي الحج كما أمر الله
س: بعض الحجاج لا يبالي بحجه، فهو لا يسأل عما أشكل عليه، أو أنه يسأل عاميًّا أو شخصًا لا يعرف بالعلم، وتعلمون سماحتكم ما يترتب على ذلك، فبم تنصحون الناس؟ جزاكم الله خيرًا (١).
ج: إن وصيتي لكل مسلم ولكل حاج أن يعني بحجه وعباداته من صلاة وصوم وزكاة وغير ذلك، المؤمن من شأنه أن يهتم بدينه، وأن يحرص على دينه حتى يؤدي ما أوجب الله عليه على بصيرة، وحتى يحذر ما حرم الله عليه على بصيرة، والحجاج جاؤوا من أقطار الأرض
стр. 11212
من كل فج عميق يريدون رحمة الله وفضله، وعتقه لهم من النار، ويريدون أداء ما أوجب الله عليهم من مناسك الحج والعمرة، الواجب عليهم أن يهتموا بذلك وأن يعتنوا بذلك، وأن يسألوا عما أشكل عليهم أهل العلم، وهم بحمد الله موجودون، ومن أشكل عليه سأل عنهم في المسجد الحرام والمسجد النبوي، وقد عينت الحكومة السعودية – وفقها الله – علماء في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفي المشاعر يبصرون الناس ويعلمونهم مناسكهم، ويرشدونهم إلى كا ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وهم يقومون بالوعظ والتذكير والتدريس والإفتاء، فعلى الحاج أن يسأل من وجد منهم في المسجد الحرام وفي المشاعر في المسجد النبوي، وهكذا يسأل من يعرف من العلماء من جماعته من رفقته، ومن غيرهم من علماء الشريعة المعروفين بالاستقامة والغيرة لله والعلم بشريعته، يسألهم من أي جنس كانوا، من الشام، من العراق، من مصر من أفريقيا، من أي مكان، ما دام يعرفهم بكل خير، ويعرفهم بالعلم والفضل، والغيرة لله والبصيرة في دينهم، حتى يفقهوه، وحتى يعلموه ما يحتاج إليه في حجه وعمرته وصلاته وسفره وإقامته وغير ذلك.
ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: «من يرد الله به
стр. 11213
خيرًا يفقهه في الدين» (١) متفق على صحته. هذا يدلنا على أن من علامات الخير ومن علامات التوفيق للعبد أن يتفقه في دين الله، وأن يتبصر في دين الله، كما يدل على أن من علامات الخذلان وعدم التوفيق الجهل بالدين والإعراض عن الدين والغفلة، فعليك يا أخي أيها الحاج، وعليك أيتها الأخت في الله الحاجة، عليكما جميعًا العناية بالحج، والعناية بجميع أمور الدين في مكة وفي المدينة، وفي بلادكم وفي كل مكان، الواجب على المكلف من الرجال والنساء العناية والتبصر في الدين، لماذا؟ لأننا مخلوقون لنعبد الله، يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ والله أرسل الرسل لهذا الأمر؛ ليبصروا الناس ويعلموهم، وعلى رأسهم نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، فهو أفضل الرسل، وهو إمامهم، وهو خاتمهم، وهو نصيبنا منهم ﵊، فالواجب علينا جميعًا أن نتعلم ديننا من كتاب ربنا، ومن سنة نبينا ﵊ حتى نعلم العبادة التي خلقنا لها، ما هي العبادة التي خلقنا لها، نتعلمها من
стр. 11214
كلام ربنا، ومن كلام رسوله، فما أمر الله به ورسوله فهو العبادة، وما نهى عنه الله ورسوله فهو المنكر الذي يترك، والطريق إلى هذا العلم والعلماء الشرعيون، العلماء الفقهاء في دين الله، المعروفون بالخير والاستقامة هم الواسطة بين العامة وبين كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، هم الذين يعلمون الناس دينهم، فمن كان عنده علم رجع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وتبصر منهما وعلم الناس، ومن لم يكن له علم من عامة المسلمين من الحجاج وغيرهم عليهم أن يسألوا أهل العلم، والله يقول سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ فوصيتي للحجاج جميعًا من الرجال والنساء أن يتقوا الله وأن يحرصوا غاية الحرص على إكمال حجهم وعلى العناية به، وعلى كل ما أوجب الله عليهم من صلاة وصوم، وحق الزوج وحق الزوجة، وحق الأقارب، وحق الوالدين، وحق الجار، إلى غير ذلك.
المؤمن يتبصر في دينه، والمؤمنة كذلك وبالأخص في الحج وقت أداء الحج، يخص ذلك بمزيد العناية حتى يؤدي حجه على بصيرة، والله سبحانه يقول:
стр. 11215
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ويقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (١) يعني رجع مغفورًا له إذا أدى الحج كما ينبغي. والرفث: الجماع ودواعيه من قبلة ومس بشهوة ونحو ذلك، فالحاج لا يجوز له جماع زوجته، وليس لها أن تمكنه من ذلك حتى يحل من حجه، وحتى يحل التحلل الثاني الكامل برمي الجمار يوم العيد، وبالحلق أوالتقصير وبالطواف والسعي، هذا هو التحلل الكامل، وبعده يحل للرجل جماع أهله، وفي العمرة ليس له جماع ولا وسائل ذلك من القبلة والملامسة بشهوة، ليس له ذلك حتى يطوف كل منهما، وحتى يسعى كل منهما، وحتى يحلق الجل أو يقصر، وحتى تقصر المرأة؛ لأنه ليس لها إلا التقصير، فإذا طاف الرجل وسعى وحلق أو قصر حل من عمرته، وإذا طافت وسعت وقصرت من رأسها حلت من عمرتها، فبعد ذلك يحل لهما الجماع
стр. 11216
الذي أباح الله من الرفث مثل ما تقدم، دواعي الجماع، كونه يلمسها بشهوة، أو يداعبها المداعبة التي تجر إلى الجماع، هذا محرم لأنه من الرفث. والفسوق: المعاصي جميعها، كل المعاصي تسمى فسوقًا كالسب والشتم للناس، وضربهم وإيذائهم، والغيبة والنميمة، والسرقة سرقة أموال الناس أو نهبها، كل هذا من الفسوق، فيجب على الحاج أن يحذر ذلك، وهكذا غير الحاج يجب الحذر من هذه المعاصي، ولكن الحاج بصفة خاصة يجب أن يحذر ذلك فلا يؤذي أحدًا لا عند الطواف ولا في السعي، ولا في أي مكان لا بيده ولا برجله ولا بكلامه، ولا يأخذ مال أحد إلا بحق، ولا يغتاب الناس ولا ينم عن الناس، ولا يشهد بالزور ولا يكذب، ولا يفعل شيئًا مما حرم الله، حتى يكمل حجه، حتى يتممه، وحتى يرجع مغفورًا له بإذن الله. والجدال: معناه المراء في الدين بغير حق، ولا جدال في الحج: يعني لا مراء في غير الحق، يعني يجادل بالباطل مع إخوانه، أو مع آخرين غير جماعته، لا يجادل، أما بيان الحق بالدليل وبالتي هي أحسن فهذا لا بأس به؛ لأن الله قال في كتابه العظيم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
стр. 11217
فجادل بالتي هي أحسن في بيان الحق، بيان مشاعر الحج، بيان ما أشكل على الناس لإزالة الشبهة، هذا لا بأس، أما الجدال لإظهار جودته أو لإظهار فهمه، أو ليغلب الناس، أو لشيء من الأغراض الأخرى ليس لقصد الخير فهذا هو المذموم، وهو الجدال الذي نهى الله عنه، أما الجدال بالتي هي أحسن في بيان الحق وإرشاد الجاهل وتعليمه، وإزالة الشبهة وكشفها فهذا مأمور به، وليس داخلاً في النهي، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.
стр. 11218
٢١٣ - بيان وجوب تعلم المسلم أحكام العبادة قبل الشروع فيها
س: سمعنا في نور على الدرب من حلقات الشيخ عبد العزيز بن باز بعض الأسئلة الخاصة بالحجاج، وكثير من الأسئلة عن الحج، وكان من المفروض أن ترسل قبل أن يتلبسوا بنسك العبادة لا أن يرسلوها بعد ما يتلبسون بالعبادة ويخطئون، فما موقف الإسلام من ذلك، وما رأي الشيخ؟ جزاه الله عنا خيرًا (١)(٢).
ج: هذا هو الواجب، الواجب على المسلم أن يسأل قبل أن
стр. 11219
يتلبس بالعبادة، يسأل عن أمور دينه ويتفقه في دينه قبل أن يتلبس بالعبادة، يسأل عن الحج قبل أن يحرم، يسأل عن أمور الصلاة قبل أن يشرع في الصلاة، يسأل عن الصيام قبل أن يأتي شهر رمضان إذا تيسر ذلك – يعني لا يغفل، بل يبادر ويسارع إلى السؤال قبل الشروع في العبادات – لكن لو قدر أنه فرط وتساهل ولم يسأل إلا بعد ذلك فلا حرج، المهم أن يتعلم مثل ما قال النبي ﷺ : «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» (١) وقال ﵊: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٢) فالواجب على أهل الإسلام أن يتعلموا ويتفقهوا قبل أن يقعوا في الخطأ في عباداتهم، في صلاتهم، في صومهم، في حجهم، في عباداتهم، في جميع أمورهم، لكن لو قدر أنه غفل وسأل عما جرى في صلاته وعما جرى في صيامه كل هذا طلب علم واجب متعين، والله قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ قبل العبادة وبعدها، قبل التلبس وبعد التلبس،
стр. 11220
لكن كونه يتأهب، كونه يسأل قبل أن يتلبس ويعد نفسه إعدادًا كاملاً حتى إذا شرع في العبادة إذا هو يؤديها عن علم وعن بصيرة، هذا هو الواجب وهذا هو الطريق السليم.
س: يقول السائل: من حج مع الناس، وفعل كما يفعلون دون معرفة بالأركان والواجبات والسنن، فما الحكم في هذا الحج؟ (١)
ج: حجه صحيح ما دام فعل ما يفعله المسلمون من الوقوف بعرفات، والذهاب إلى مزدلفة والمبيت فيها، والطواف والسعي، وبقية الأعمال من رمي الجمار وغيرها، فالحمد لله حجه صحيح، المقصود ما دام فعل أعمال الحج وإن كان ما عنده علم إنما قلد الناس فيما يفعلون، وفعل كفعلهم في أعمال الحج فإنه يكون حجه صحيحًا، مجزئًا له، لكن ليس مثل من حج عن فقه وعن علم، ذاك أفضل، والمطلوب من الحاج أنه يتعلم ويسأل أهل العلم عما أشكل عليه حتى يكون على بينة وعلى بصيرة، وهنا الآن المناسك موجودة، فيها بيان أعمال الحج، ولنا منسك مستوفٍ غالب أعمال الحج، سميناه التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة، وهو منسك مفيد،
стр. 11221
وغيره مناسك أخرى، المقصود أن طالب العلم والمسلم الذي يريد الحج يستطيع أن يحصل منسكًا من مناسك أهل العلم يفيده في مسائل الحج، وهكذا سؤاله أهل العلم قبل أن يتوجه إلى مكة عما قد يخفى عليه، وهكذا سؤاله المدرسين في مكة في الحرم عما أشكل عليه.
س: أنا مقيم في الرياض، وأريد أن أؤدي فريضة الحج في العام القادم إن شاء الله، لكني لا أعرف كيف أبدأ، وجهوني إلى الصواب، وهل من إرشاد إلى كتاب معين يفيدني في أن أؤدي فريضة الحج على الطريق الصحيح؟ جزاكم الله خيرًا (١).
ج: نعم، يوجد كتاب مختصر كتبناه في مناسك الحج أسميناه التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء الكتاب والسنة، تراجع المكتب في الرياض ويعطونك نسخة منه أو أكثر لتستفيد، ولك أن تبدأ بالعمرة، وتعتمر في رمضان أو في غيره، والعمرة أن تتوجه إلى مكة، فإذا وصلت الميقات تقول: اللهم لبيك عمرة. تغتسل وتتوضأ الوضوء الشرعي، وتصلي ركعتين سنة الوضوء، ثم تقول: اللهم لبيك عمرة. من الميقات، ميقات الرياض إن كنت من طريق الرياض،
стр. 11222
وهو السيل، وإن كنت من المدينة فميقات المدينة، وإن كنت في الجنوب فمن ميقات اليمن يلملم، الميقات الذي تمر عليه تحرم منه بالعمرة، تقول: اللهم لبيك عمرة. تنويها بقلبك، وتلبس الإزار والرداء قبل الإحرام قبل النية بالقلب، ثم تستمر تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. هذه التلبية الشرعية، وهي التلبية التي لباها النبي ﵊ حتى تصل مكة وأنت تلبي، وإن ذكرت الله وسبحت الله واستغفرت الله حينذاك كله طيب، أو قراءة القرآن، كله طيب، فإذا جئت المسجد الحرام طفت سبعة أشواط، تبدأ بالحجر الأسود في كل شوط، تذكر الله في أشواطك، تدعوه، ولا بأس أن تقرأ القرآن، كله طيب، تبدأ بالتكبير: الله أكبر، عندما تبدأ الطواف من الحجر تستلمه بيدك، وتقبله، ثم تجعل البيت على يسارك وتطوف سبعة أشواط، كلما وازيت الحجر قبلته واستلمته وكبرت، وهكذا عند الركن اليماني تستلمه بيمينك بيدك وتقول: باسم الله، والله أكبر. وتقول في آخر كل شوط: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. في آخر كل شوط من السبعة، ثم تصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم، أو في مكان من المسجد، والأفضل خلف مقام
стр. 11223
إبراهيم ركعتين، تقرأ فيهما الفاتحة، و: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الأولى، و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثانية، هذا هو الأفضل كما فعله النبي ﵊، ثم تسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط.
وباقي الإجابة نحولك إلى مراجعة كتاب التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة نظرًا لضيق الوقت.
س: سائلة من القصيم تقول: ما هي فرائض الحج على أتم وجه حتى يقبله الله ؟
ج: الحج له أركان وله واجبات، وله أشياء مشروعة موضحة في المناسك التي كتبها أهل العلم، وقد كتبنا منسكًا مختصرًا سميناه التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة، لعلك تحصلين عليه من بعض الإخوان عندك في القصيم، وفيه بيان أركان الحج وواجباته وما شرع الله في ذلك، وهو كتاب – بحمد الله – مختصر، وفيه الفائدة المطلوبة، وأركان الحج أربعة: الإحرام بالحج بالقلب،
стр. 11224
والواجب أن يكون من الميقات الذي يمر عليه، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة – يعني طواف الإفاضة – والسعي. هذه أربعة أركان للحج، وله واجبات سبعة بينها العلماء، وهي مذكورة في المنسك: أولها: الإحرام من الميقات الذي يمر عليه الإنسان، الذي يجيء من مصر يحرم من ميقات مصر الجحفة – يعني رابغًا – والذي يمر من المدينة يحرم من ميقات المدينة، والذي من نجد يحرم من ميقات أهل نجد، والذي يأتي من اليمن يحرم من ميقات أهل اليمن، كل إنسان يحرم من ميقات بلده إذا مر عليه بنية الحج، يحرم من الميقات، أو بنية العمرة كذلك. الثاني: كونه يقف بمزدلفة بعد انصرافه من عرفات يبيت فيها. والثالث: المبيت بمنى ليلة إحدى عشرة، واثنتي عشرة لمن تعجل. والرابع: رمي الجمار. هذه من واجبات الحج. والخامس: الحلق أو التقصير، الحلق للرجل، والتقصير للمرأة. والسادس: طواف الوداع، إذا انتهى من حجه يطوف للوداع عند سفره إلى بلاده. والسابع: الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، أما إن وقف في الليل كفاه، الوقوف بالليل والحمد لله. هذه سبع واجبات من ترك شيئًا منها وجب عليه دم إلا أن يكون له عذر شرعي، وهذا مبسوط في كتب المناسك، وموضح، وهناك أشياء مشروعة للحاج مثل التلبية من حين يحرم، يلبي، والإكثار
стр. 11225
من ذكر الله ، والإكثار من الطواف إذا تيسر ذلك، وكل ما يتعلق بالمسائل الشرعية التي ينتهزها الحاج أو المعتمر من الصدقات على الفقراء والمساكين، مثل الإكثار من قراءة القرآن، إلى غير هذا من وجوه الخير التي يفعلها في الحرم الشريف في مكة المكرمة، أو في المدينة إذا زار المدينة، هذه مكملات وفيها فضل.
стр. 11226
٢١٤ - بيان الفرق بين الأركان والواجبات والسنن في الحج
س: يقول السائل: هل هناك فرق بين الأركان والواجبات والسنن في الحج من حيث الأحكام (١)؟
ج: نعم، الأركان لا بد منها، لا تسقط لا سهوًا ولا جهلاً ولا نسيانًا، وهي الإحرام بالقلب، والطواف، والسعي، وعرفة. هذه أركان لا بد منها، لا بد من أداء الحاج لها، وهكذا العمرة: الإحرام بنية القلب، والطواف والسعي. هذه أركان لا بد منها، أما الواجبات إذا سقط منها شيء يجبر بالدم مثل الحلق أو التقصير، ومثل المبيت بمزدلفة وفي منى، مثل طواف الوداع، ومثل رمي الجمار، هذه تجبر بالدم، إذا ترك واحدًا منها فعليه دم، وينجبر الحج والحمد لله.
стр. 11227
٢١٥ - بيان بعض الكتب التي ينصح الحاج بقراءتها
س: إذا كنت أقيم بمنطقة جبلية وأريد أن أحج، فأي الكتب تنصحونني بقراءتها كي أحج على بصيرة؟ جزاكم الله خيرًا (١).
ج: ننصحك بقراءة الكتب التي بينت أحكام الحج مثل عمدة الأحكام في الحديث للشيخ المقدسي، ومثل بلوغ المرام، ومثل المنتقى، هذه موجودة، وهناك مناسك فيها الفائدة والبركة إذا قرأتها أنت استفدت منها، منها ما كتبناه في هذا وسميناه التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة. جيد ونافع ومفيد، وهناك مناسك أخرى لغيري من المشايخ والإخوة مثل منسك الشيخ عبد الله بن جاسر، منسك جيد ومفيد، فإذا استعملت شيئًا منها واستفدت منه فهو طيب.
стр. 11228
٢١٦ - بيان وقت التمتع
س: هل الإحرام بنسك التمتع له وقت معين كفاصل زمني بين الوقوف بعرفة ووقت الإحرام (١)؟
стр. 11229
ج: ليس فيه شيء محدود، إذا أحرم بعد رمضان يحل من العمرة ويبقى حلالاً إلى يوم التروية ليحرم بالحج، لكن قبل شهر رمضان يحرم بالعمرة فقط، لا يحرم بالحج، السنة يلبي بالعمرة إذا كان قبل العيد في رمضان، ويحل منها ويبقى، وإذا جاء وقت الحج لبى بالحج من مكة، إذا كان مقيمًا.
стр. 11230
٢١٧ - بيان وقت الوقوف والانصراف بعرفة
س: ما هي أقل مدة للوقوف بعرفة، ومتى يجوز الانصراف منها إلى مزدلفة؟ أرجو إيضاح أول الوقت وآخره ولكم الأجر من الله (١).
ج: الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم بالحج كما قال النبي ﷺ : «الحج عرفة» (٢) فمن أدرك عرفة بليل قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج، وزمن الوقوف ما بين زوال الشمس يوم عرفة يوم
стр. 11231
التاسع إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، هذا هو وقت الوقوف عند أهل العلم، ما بين الزوال يوم التاسع من ذي الحجة يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، هذا مجمع عليه بإجماع أهل العلم، ليس فيه خلاف أن هذا هو وقت الوقوف، فإذا وقف فيه ولو قليلاً أجزأه الحج، لكن إن كان بالليل أجزأه، وليس عليه فدية، وإن كان بالنهار وجب عليه أن يبقى إلى غروب الشمس كما وقف النبي ﷺ ، فإنه وقف نهارًا بعد ما صلى الجمع، بعد ما صلى الظهر والعصر جمعًا جمع تقديم بأذان وإقامتين، تقدم إلى الموقف فوقف ﵊ على راحلته حتى غابت الشمس، هذا هو الأفضل، هذا هو الكمال، يقف نهارًا ويبقى حتى غروب الشمس، فإن انصرف قبل غروب الشمس فعليه دم عند أكثر أهل العلم، يذبح في مكة للفقراء إلا إن رجع في الليل سقط عنه الدم، ولو قليلاً سقط عنه الدم، وإذا وقف قليلاً ساعة أو ربع ساعة أو نصف ساعة، المقصود مر بعرفات وهو محرم بالحج، فإن مروره أو وقوفه بها قليلاً يجزئ، إن كان في الليل أجزأ بلا فدية، وإن كان في النهار ولم يبق حتى الغروب فعليه فدية عند الجمهور، وحجه صحيح عند جمهور أهل العلم، أما الوقوف قبل الزوال فأكثر أهل العلم على أنه لا يجزئ، من وقف قبل الزوال ولم
стр. 11232
يرجع بعد الزوال ولا في الليل أنه لا يجزئ عند الجمهور، وذهب الإمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه يجزئ قبل الزوال لحديث عروة بن مضرِّس حيث قال فيه النبي ﷺ : «وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا» (١) فأطلق النهار فقال: هذا يشمل قبل الزوال وما بعد الزوال. ولكن الجمهور قالوا: يحمل على ما بعد الزوال؛ لأن الرسول ﷺ وقف بعد الزوال، ولم يقف قبل الزوال، وقال: ﵊ «خذوا عني مناسككم» (٢) فالأحوط للمؤمن أن يكون وقوفه بعد الزوال كما قاله جمهور أهل العلم، وكما فعله النبي ﵊، ولا يتحدد الوقوف بشيء قليل أو كثير، كله يجزئ، لكن مثل ما تقدم، إن كان بالليل في أول الليل أو في
стр. 11233
وسطه أو في آخره أجزأ بلا فدية، وإن كان في النهار ولم يبق حتى الغروب فعليه فدية عند أكثر أهل العلم؛ لأنه ترك واجبًا وهو الجمع بين الليل والنهار في حق من وقف نهارًا. وقال قوم: لا فدية عليه حتى لو وقف نهارًا بعد الزوال كالليل، ولكن أكثر أهل العلم قالوا: إن وقوف النبي ﷺ إلى الغروب يدل على الوجوب. وقال: «خذوا عني مناسككم» (١) وقوله: «خذوا عني مناسككم» (٢) يدل على وجوب البقاء إلى الليل، فإنه ﵊، لم ينصرف حتى غابت الشمس فينبغي لمن وقف نهارًا أن يبقى إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت انصرف إلى مزدلفة، فإن استعجل وانصرف قبل الغروب جبره بدم عند أكثر أهل العلم، يذبح في الحرم للفقراء جبرًا للحج.
стр. 11234
٢١٨ - حكم من ترك المبيت بمزدلفة لعذر
س: ذهبت لأداء فريضة الحج، وذهبنا يوم تسعة من ذي الحجة إلى جبل عرفات، ولم نتمكن من المبيت في منى، وعدنا من الجبل بعد المغرب إلى المزدلفة، وصلنا في منتصف الليل، وصلينا المغرب والعشاء، وذهبنا إلى منى، ووصلنا قبل الفجر، ولم
стр. 11235
نتمكن من المبيت في مزدلفة، فما رأيكم في عدم المبيت في منى يوم ثمانية؟ وما رأيكم في عدم المبيت في المزدلفة بعد النزول من عرفة – جزاكم الله خيرًا – وهذا المبيت كان عدم تمكننا منه بسبب المسؤولين عن الحملة؟ جزاكم الله خيرًا (١).
ج: ما دام الواقع كما ذكره السائل فلا شيء عليه؛ لأن مروره بمزدلفة بعد نصف الليل، وجمعه الصلاة فيها، كل ذلك يحصل به الإجزاء، والحمد لله؛ ولأنه معذور بسبب الحملات وعدم تمكنه من البقاء، فلا حرج في ذلك، والمبيت في مزدلفة واجب على الصحيح، وقال بعض أهل العلم: إنه ركن، والصواب أنه واجب، وقال آخرون من أهل العلم: إنه سنة، والصواب الوسط، ليس بركن، ولكنه فوق السنة، واجب؛ لأن الرسول بات في ذلك وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢) اللهم صل عليه وسلم. فالواجب على الحجاج أن يبيتوا في مزدلفة إلى ما بعد نصف الليل، ومن جاءها بعد نصف الليل أجزأه ذلك إذا خرج منها آخر الليل، ويجوز للضعفة من النساء وأتباعهم الخروج بعد نصف الليل إلى منى قبل حطمة الناس؛ لأن الرسول ﵇ رخص لهم
стр. 11236
في ذلك ﵊، والخلاصة أن من بات بها فقد أدى الواجب، ومن خرج منها بعد نصف الليل فلا حرج عليه، ولا حرج على الضعفة أن يخرجوا بعد نصف الليل الأخير قبل حطمة الناس؛ لأن الرسول رخص لهم ﵊، ومن حيل بينه وبين ذلك بعذر شرعي كأن تعطلت سيارته ولم يصل إلى مزدلفة فلا حرج عليه إن شاء الله؛ لأنه معذور عذرًا شرعيًّا، وهكذا من منع من البقاء بها بسبب القائمين على حملته، منعوه البقاء في مزدلفة، وحالوا بينه وبين ذلك فنرجو أن لا حرج عليه إن شاء الله، وإن فدى احتياطًا بذبيحة تذبح في مكة للفقراء من باب الاحتياط فهذا حسن إن شاء الله، وأما الليلة التاسعة في منى فليست واجبة، المبيت في منى ليلة التاسعة ليس واجبًا ولكن مستحب. الرسول ﷺ بات بها الليلة التاسعة، فإذا بات في منى الليلة التاسعة فهو أفضل، وإلا فليس بواجب لو لم يأت منى إلا يوم التاسع، وسار منها إلى عرفات فلا حرج في ذلك.
стр. 11237
٢١٩ - بيان أفضل الدعاء يوم عرفة
س: ما هو أفضل دعاء يقوله الحاج في عرفة؟ (١) ج: ليس في هذا شيء مخصوص، فإنه يدعو بما تيسر، وقد روي
стр. 11238
عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (١) لكن في إسناده ضعف، ومعناه صحيح، فإن يوم عرفة يوم عظيم، وهو أفضل أيام السنة عند قوم من أهل العلم، وقال آخرون: بل أفضلها يوم النحر، وكلا القولين له حظ من القوة، والمقصود أن يوم عرفة يوم عظيم، وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو فيباهي بهم ملائكته» (٢) فيوم عرفة يوم عظيم، وليس في الدنيا يوم أكثر أن يعتق الله فيه من النار من يوم عرفة، فينبغي أن يكثر من الدعاء، وأن يجتهد في الدعاء، ويكثر من: لا إله إلا الله؛ فإنها دعاء، وفي المعنى ذكر ودعاء، هذه الكلمة العظيمة ذكر الله ، وهي في المعنى دعاء؛ لأن الذاكر إنما ذكر يطلب الأجر، ويطلب الفضل من الله ، ولهذا روي عنه عليه
стр. 11239
الصلاة والسلام قوله: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (١) فينبغي للمؤمن أن يكثر من الدعاء بسؤال الجنة والتعوذ بالله من النار، ويسأله العفو: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. وسؤاله القبول قبول الحج، والمغفرة من الذنوب والأوزار، وسؤال الله لولاة الأمور – ولاة أمر المسلمين – أن يصلحهم الله، وأن يوفقهم للقيام بحقه، وأن يعينهم على أداء الواجب، وأن يصلح أحوالهم وبطانتهم، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في عباد الله، والحذر من تحكيم القوانين الباطلة، هذه من الدعوات الطيبة، والحاج يدعو لنفسه ولإخوانه المسلمين في هذا اليوم العظيم، يسأل ربه فإنه حري بالإجابة، ويكثر من الحمد لله، يثني على الله ويصلي على النبي ﷺ ، كل هذا من أسباب الإجابة، يحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ ، هذا من أسباب الإجابة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سمع رجلاً يدعو ولم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ ، فقال: " عجل هذا" ثم قال: «إذا دعا أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي – صلى الله عليه
стр. 11240
وسلم – ثم يدعو بما شاء» (١) فدل ذلك على أن البداءة بالحمد والثناء والصلاة على النبي ﵊ من أسباب الإجابة، والواقفون بعرفة ينبغي لهم أن يفعلوا هذا فإنهم في موقف عظيم، ودعاؤهم ترجى إجابته، فينبغي الإكثار من الدعاء بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، ثم يدعو ويلح في الدعاء، ويكثر من الدعاء، هذا كله من أسباب الإجابة، كذلك رفع اليدين، فالرسول ﵊ رفع يديه في دعاء يوم عرفة، وفي مزدلفة رفع يديه، فيستحب للحاج في يوم عرفة أن يرفع يديه ويدعو ويلح في الدعاء ويكثر من الدعاء حتى تغيب الشمس كما فعله المصطفى ﵊، ويدعو لوالديه المسلمين، ويدعو لأقاربه المسلمين، ويدعو للمسلمين عمومًا أن يصلحهم الله، وأن يثبتهم على الحق، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يعلمهم ما ينفعهم، وأن يمنحهم الفقه في الدين، والثبات