٧٢ - حكم الخطبة وعقد النكاح لمن تحلل التحلل الأول
س: إذا تحلل الحاج التحلل الأصغر، وبقي عليه الإفاضة والسعي، فهل له أن يخطب ويعقد القران؟ لقد فعلت ذلك منذ تسع سنوات وتذكرت ذلك في حج هذا العام (١).
ج: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والأرجح أنه لا حرج عليه بالخطبة وبالعقد؛ لأنه قد تحلل وصار غير محرم، يتطيب ويقلم أظفاره، ويقص شعره، لا حرج عليه، فما بقي عليه إلا جماع النساء، لا حرج في ذلك، وإن تورع وترك الخطبة وترك عقد النكاح حتى ينتهي من أعمال الحج من الطواف والسعي هذا أحوط له، وخروج من الخلاف، وإلا فالعقد صحيح والخطبة لا بأس بها، أما قوله صلى الله
стр. 11587
عليه وسلم: «لا ينكح المحرم ولا يُنكح» (١) فهذا المراد إذا كان في حال الإحرام، أما الذي تحلل التحلل الأول فقد فسخ الإحرام وصار من جملة الحلال، ما عدا شيئًا واحدًا وهو مجامعة النساء.
стр. 11588
٧٣ - بيان ما يفعله الحاج أو المعتمر المحصر
س: هل يجب الدم على من أحرم عند الميقات وحل في وسط الطريق لما أصابه من العذر؟ يعني كانت سيارته خربانة ثم صلحها، ثم رجع إلى الميقات فأحرم وأتم منسكه؟ (١)
ج: هذا يعتبر في حكم المحصر الذي أحرم ثم أصاب السيارة خلل، وخاف أن يطول عليه المقام ويشق عليه، فيتحلل، هذا يكون في حكم المحصر على الصحيح، وعليه دم، عليه أن يذبح أو ينحر هديًا، ويحلق ويتحلل إذا لم يصبر، إذا كان عليه مشقة في الصبر مثل ما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإذا
стр. 11589
أحصر ولم يتيسر له الصبر فإنه ينحر هديًا، ثم يحلق رأسه، ويتحلل ويعيد الحج إن كانت حجة الفريضة، ويعيد العمرة الفريضة، فإن كانت نافلة فلا شيء عليه؛ لأن النبي لما أحصر ﵊ في عام الحديبية لما أحصر نحر هو وأصحابه، ثم حلقوا وتحللوا في عام ست من الهجرة، فإذا تيسر له العودة والإحرام من الميقات بعد ذلك فهذا نسك آخر، إذا عاد وأحرم من الميقات هذا نسك آخر، ولا يلزمه إذا كان قد أدى حج الفريضة وعمرة الفريضة القضاء، لكن إذا فعل ذلك من باب الاستحباب فهذا حسن، الرسول ﷺ لما صالح أهل مكة، ونحر هديه وحلق جاء في العام القادم، يسمونها عمرة القضاء، أدى العمرة الشرعية هو وأصحابه في عام سبع من الهجرة، ولكن قال العلماء: إن العمرة ليست واجبة، وإنما هي مستحبة؛ لأن الرسول ما ألزم الذين حلوا معه في الحديبية أن يعتمروا، الحاصل أن الإحصار لا يوجب القضاء، الذي قد أدّى عمرة سابقة قد أدى عمرة، والذي ما أدى عمرة يؤدي عمرة الفريضة، وهكذا الحج لو أحصر في الحج، وقد أدى حج الفريضة فلا يلزمه أن يؤدي الحج الذي أحصر عنه، وإن كان ما أدّى حج الفريضة فإنه يحج مرة أخرى من أجل الفريضة لا من أجل الإحصار الذي أصابه، فالحاصل أن هذه المرأة أو
стр. 11590
الرجل الذي أصابه الإحصار بسبب خراب السيارة إذا استعجل وتحلل فإنه يكون حكمه حكم المحصر، إذا كان نوى التحلل ونحر الفدية، ذبح ذبيحة واحدة، وعليه أن يحلق رأسه بعد ذلك.
стр. 11591
٧٤ - بيان أنواع الهدايا والفدية
س: حدثونا عن كل فدية وعن البديل، وعن الهدي والبديل عنه (١).
ج: الهدايا والفدية في حق الحاج والمعتمر متنوعة، فعلى من تمتع بالحج والعمرة أو قرن بالحج والعمرة عليه هدي، يسمى هدي التمتع، وهذا فريضة، وهو شاة من الغنم تجزئ في الأضحية، سليمة من العيوب تجزئ في الأضحية، شاة واحدة، رأس واحد من الغنم، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة في حق من تمتع بالعمرة والحج، أو قرن بينهما، والبديل عن ذلك صيام عشرة أيام، من عجز صام عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج قبل عرفة، أو في أيام التشريق، وسبعة إذا رجع إلى أهله، هذا هو البديل. وهكذا من ترك واجبًا، إذا ترك الإحرام من الميقات، أو ترك الرمي رمي الجمار، أو جمرة من الجمار، إن كان ما رمى جمرة العقبة
стр. 11592
أو إحدى الجمار الثلاث يكون عليه دم، ويجزئ عنه إذا عجز عنه صيام عشرة أيام كما في أدلة التمتع. وهكذا لو لبس المخيط وهو محرم، أو غطى رأسه أو حلق رأسه، أو تطيب عمدًا يكون عليه فدية مخيرة، وهي صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، والإطعام ثلاثة أصواع، كل مسكين له نصف صاع من قوت البلد من التمر، أو الأرز، أو الحنطة، وتفاصيل الفدية معروفة في محلها في كتب أهل العلم.
стр. 11593
٧٥ - حكم تغطية الحاج رأسه من شدة البرد
س: أدّيْتُ بفضل الله فريضة الحج، وأثناء المبيت بمنى يوم التروية شعرت في آخر الليل ببرد شديد؛ لأنني كنت نائمًا في الخلاء، وعندما أحسست بشدة البرد، قمت بتغطية نفسي ببطانية كانت معي، غطيت جسدي كله بما في ذلك رأسي وأنا محرم، وأعلم أن كشف الرأس واجب حال الإحرام، فما الحكم؟ وإن كان عليَّ دم فهل يجوز لي أن أذبح في مصر التي أقيم بها، أو أوكِّلَ غيري ممن يسافر إلى الحج بالذبح عني بمكة المكرمة؟ (١)(٢)
ج: المحرم ليس له أن يغطي رأسه كما هو معلوم، وليس له أن يلبس
стр. 11594
المخيط كما هو معلوم، إذا كان ذكرًا، لكن إذا اضطرّ إلى ذلك لمرض أصابه احتاج معه إلى تغطية رأسه، أو برد اشتد به حتى اضطرّ إلى تغطية رأسه فلا حرج عليه، ولكن عليه فدية، وهذه الفدية مخيرة بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة كما في قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وجاء في حديث كعب بن عجرة ﵁ في الصحيحين أن الرسول ﵊ أمره لما اشتد به الأذى في رأسه أن يحلق رأسه، وأن يتصدق بثلاثة آصع من التمر على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يذبح شاة. فهذا هو الحكم فيمن احتاج إلى تغطية الرأس، أو حلق الرأس، أو لبس المخيط، أو الطيب، أو قلم الأظفار، حكمه حكم ما جاء في حديث كعب بن عجرة، يخير بين ثلاثة أمور: إحداها صيام ثلاثة أيام في أي مكان، يصومها في مصر، أو في غيرها، الثانية إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد، من تمر، أو أرز، أو حنطة، أو شعير، أو نحو ذلك، وهذا في مكة، الثالثة ذبح شاة، والذبح يكون في مكة أيضًا لفقراء
стр. 11595
الحرم، فعليك أيّها السائل أن تصوم ثلاثة أيام في بلادك، وإن شئت أن تطعم ستة مساكين، أو تذبح شاة هذا يكون في الحرم عليك أن توكّل ثقة يقوم بهذه المهمة، أو تحضر بنفسك وتقوم بهذه المهمة، أمّا الصيام فلك أن تصوم في بلادك، والحمد لله.
стр. 11596
٧٦ - بيان الشروط التي يجب أن تتوفر في الهدي
س: يسأل المستمع ويقول: ما الشروط التي يجب أن تتوفر في الهدي؟ وما الشروط التي يجب أن تتوفر في الأضحية؟ (١)
ج: لا بد أن تكون سليمة من العيوب، مثل ما قال ﷺ : «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والهزيلة التي لا تنقي» (٢) ونهى أن يضحى بمعيبة القرن أو الأذن، التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها لا بد أن يراعى فيها سلامتها من العيوب سواء كانت ضحية أو هديًا.
стр. 11597
٧٧ - حكم التصدق بقيمة الهدي
س: إذا لم يتمّ ذبح شاة عما سقط من واجبات، فهل أتصدق بقيمتها؟ (١)
ج: الذبح في حقّ المتمتع والقارن، أمّا الذي أحرم بالحج وحده، إنْ أفرد بالحج فهذا ليس عليه ذبح، لكن الذي حج قارنًا بحج وعمرة، أو أحرم بالعمرة، وفرغ منها، ثم أحرم بالحج فهذا عليه دم، ذبيحة واحدة يذبحها في منى أيام النحر ويوم العيد، والثلاثة من بعده، أو في وسط مكة لا بأس، ويتصدّق منها، ويأكل منها ويطعم، هذا يقال له: هدي التمتع، ذبيحة واحدة أو سبع بدنة، أو سبع بقرة، فإن عجز صام عشرة أيام: ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، وإن صامها في أيام منى أجزأه، لكن الأفضل أن يقدّمها قبل عرفة، وسبعة إذا رجع إلى أهله، أرفق به كما بين الله في كتابه العظيم حيث قال سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني أنّ الذي من أهل مكة وهم حاضرو المسجد الحرام ليس عليهم هدي التمتع، إذا كانوا من أهل مكة، وهذا من
стр. 11598
تيسير الله ورحمته ، ولهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ يعني ثلاثة يأتي بها قبل الحج في مكة، وسبعة بعد رجوعه إلى أهله، فضل من الله سبحانه ورحمة منه جل وعلا وتيسير.
стр. 11599
٧٨ - بيان ما يلزم من عجز عن هدي التمتع ولم يستطع الصيام
س: سائل يقول: شخص حج متمتعًا وقام بجميع المناسك مناسك الحج، ولم يفدِ لظروفه، وهو مقيم في المملكة، ولم يستطع الصيام لظروفه الصحية، فهل يسقط عنه ذلك؟ جزاكم الله خيرًا (١)(٢).
ج: يجب عليه هدي التمتع، فإذا عجز عن هدي التمتع وعجز عن الصيام يبقى معلقًا في ذمته حتى يستطيع الهدي فيهدي، أو الصوم فيصوم؛ لأن الله جلّ وعلا أوجب عليه الهدي، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فعليه أن يتقي الله وأن يراقب الله، فإذا استطاع الهدي أرسله إلى مكة وذبحها هناك، أو وكَّلَ من يشتري له ويذبحها هناك، فإن عجز واستمر العجز عن الهدي فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فإن تأخر الصيام
стр. 11600
صامها كلها عند أهله، المقصود أنه ليس له أن يتساهل بل عليه الهدي أو الصوم، فإن عجز عنهما تبقى في ذمته حتى يتيسر له ذلك، فإن مات ولم يتيسر له ذلك قضي من تركته إن كان له تركة، يشترى من تركته ويفدى عنه؛ لأنه دين في ذمته.
س: إنني حججت بيت الله الحرام والحمد لله، وأكملت جميع نسك الحج، ونسيت أن أصوم ثلاثة أيام خلال فريضة الحج، وسبعة أيام بعد أداء الفريضة علمًا بأنني لم أعلم ولم أعرف بصيام هذه الأيام، فهل أصوم هذه الأيام أم أن لها كفارة؟ (١)
ج: إذا كنت حين أحرمت من الميقات لبّيت بالعمرة والحج جميعًا، أو بالعمرة ثم لبّيت بالحج بعدها فعليك أن تصوم هذه الأيام إلا إذا استطعت الهدي، وهي شاة من الغنم، أو ثني من المعز، توكل من يذبحه في مكة في الحرم الشريف للفقراء، فإن ذلك هو الواجب عليك هو الهدي، وإذا كنت عاجزًا ما تستطيع رأسًا من الغنم يذبح في مكة، وسبع بدنة ولا سبع بقرة، يذبح في مكة فإنك تصوم عشرة أيام في بلدك، ويكفيك ذلك، أمَّا إن كنت إنما لبّيت بالحج فقط وأحرمت
стр. 11601
بالحج فقط مفردًا فليس عليك لا صيام ولا هدي؛ لأن الهدي إنما يجب على من تمتع بالعمرة إلى الحج، فأمّا المحرم الذي لم يحرم إلا بالحج فقط فإنه لا شيء عليه عند جميع أهل العلم، يعني المتمتع والقارن هما اللذان عليهما الهدي، وهو رأس من الغنم، الجذع من الضأن، أو ثني من المعز، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة، يذبح في مكة في الحرم الشريف، يوزع على فقراء الحرم، والصيام يكون على المتمتع والقارن إذا عجز عن الهدي.
س: يقول السائل: لم أكن أملك ثمن هدي، فقمت بصيام يوم سبعة وثمانية وأحد عشر من ذي الحجة، وبعد رجوعي قمت بصيام سبعة أيام متفرقة في شهر ذي الحجة ومحرم، فهل عليّ شيء فيما تقدم؟ جزاكم الله خيرًا.
ج: لا شيء عليك إذا كنت عاجزًا عن الدم - والحمد لله - لكن الأفضل أن يكون الصيام قبل يوم عرفة، الثلاثة، فإن لم يتيسر ففي أيام منى: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، أما يوم عرفة فالسنة فيه أن تكون مفطرًا.
стр. 11602
٧٩ - بيان ما يلزم من ترك واجبًا في الحج وعجز عن ذبح الفدية
س: تركت واجبًا في حج هذا العام ولا أستطيع ذبح شاة في هذا المقام، فهل يجوز لي أن أصوم - وفقكم الله - بدلاً من الشاة؟ (١)(٢)
ج: إذا عجز المؤمن عن القيام بذبح الشاة التي وجبت عليه بترك الواجب، مثل تجاوز الميقات وأحرم دون الميقات هذا عليه دم، فإذا عجز عن ذلك صام عشرة أيام مثل هدي التمتع والقران، إن صامها في مكة أجزأت، وإن صام ثلاثة أيام منها في الحج قبل عرفة فحسن، وسبعة إذا رجع إلى أهله، وإن أخرها كلها إلى أن يصل إلى أهله وصامها هناك فلا بأس، وإن قدر على الهدي ثم بعث به إلى مكة قبل أن يصوم، يذبح الهدي في مكة أجزأه والحمد لله، فهو على سعة من الأمر، إن تيسر له هدي وجب عليه الهدي، وإن عجز وجب عليه الصوم، فإن لم يتيسر له الصوم لشدة حرارة مكة، أو لمرض، أو لأشباه ذلك أخره إلى هناك، ثم صام هناك، وإن تيسر أن يقدّم ثلاثًا في الحج زيادة على هدي التمتع والقران يصومها هنا، هذا حسن وفيه احتياط، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ولكن لو أنه وجد الهدي قبل أن يصوم وتيسر له الهدي، وبعثه إلى مكة
стр. 11603
أجزأه عن الصوم والحمد لله، وليس شرطًا أن يبعثه إلى مكة، يعني في وقت يوكّل ثقة يشتريه ويذبحه في مكة، هذا هو المطلوب.
س: حججنا حجًّا صحيحًا وذهبنا إلى طواف الوداع فلم يُمكِنَّا؛ لأن السائق كان غشيمًا، ولم يمكنه أن يلقى خط الحرم، فماذا ترون في حجنا هذا خاصة حج والدتي التي حجت عن والدها هل يلزمنا في هذا شيء أم لا، أم حجنا مقبول؟ وفقكم الله.
ج: طواف الوداع فرض على الصحيح من أقوال العلماء؛ لقول النبي ﷺ : «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت» (١) رواه مسلم في الصحيح. ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» (٢). فهذا يدل على أن طواف الوداع في الحج مفترض مأمور به إلا على الحائض، ومثلها النفساء فلا وداع عليها، فالذي خرج ولم يودع بسبب زحمة أو بسبب جهل السائق أو ما أشبه ذلك، كل هذا ليس بعذر، الواجب عليه أن يرجع حتى يؤدي
стр. 11604
طواف الوداع، فإن لم يفعل فعليه الفدية؛ يعني دمًا يذبح في مكة ويوزع بين الفقراء في أصح قولي العلماء، والفدية من استمر في السفر، فإن فدى كفى، وإن رجع وطاف الوداع نرجو أن يكفيه ذلك، كما قاله بعض أهل العلم، وهذا في الحج. أما العمرة فأمرها أوسع، ليس الوداع فيها واجبًا على الصحيح، وهو قول الجمهور، ومِمَّن نقله، أبو عمر بن عبد البر ﵀ نقل إجماع أهل العلم بأنه لا وداع للعمرة، ليس فيها وداع واجب، وذهب بعض أهل العلم بأن فيها وداعًا، والأقرب والأظهر أنه ليس بواجب الوداع فيها؛ لأن الله شرعها في جميع السنة، ورغب في تكرارها، ومما يعين على ذلك عدم وجوب الوداع فيها؛ ولأنه لم يحفظ عنه ﷺ أنه ودع لمّا اعتمر في عمرة القضاء، فدل ذلك على أن المراد بالوداع في الحج خاصة، أما العمرة فأمرها أوسع، إن ودع فحسن؛ لأنها حج أصغر، وإن لم يودع فلا شيء عليه، هذا هو الأفضل، وهذا هو الأرجح والأقوى في هذه المسألة.
стр. 11605
٨٠ - بيان ما يلزم من ترك رمي الجمرات في أيام التشريق
س: ما حكم من ترك الرمي للأيام الثلاثة بدون عذر أو بعذر؟ (١)(٢)
стр. 11606
ج: أما من ترك الرمي لغير عذر فهذا عاصٍ لربه، وهو على خطر من عاقبة هذه المعصية، وعليه التوبة إلى الله ، والإنابة إليه صادقًا بالندم على ما مضى منه، والعزيمة ألا يعود في ذلك، وعليه دمٌ أيضًا مع التوبة، دم يذبحه في مكة للفقراء؛ لأن الرمي واجب، وقد تركه، فعليه أن ينحر عن هذا دمًا يوزع بين الفقراء في مكة، والدم المراد به إذا أطلق رأس من الغنم، ثني المعز، أو جذع الضأن، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة، هذا هو المراد بالدم، وأما المعذور فهذا لا إثم عليه، وعليه أن يوكل كالمريض ونحوه، لا حرج عليه ولكن يلزمه أن يوكل من يرمي عنه.
س: يقول السائل إني شاب أبلغ من العمر ما يقارب ثمانية وعشرين عامًا، وقد حججت والحمد لله تعالى، إلا أني عندما أردت مغادرة مكة المكرمة لم آخذ طواف الوداع، وفي الحقيقة ما أدري ما يترتب عليّ في هذه الحالة، أفيدوني جزاكم الله خيرًا.
ج: إن الله شرع للحاج أن يودع البيت قبل خروجه إلى وطنه، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال «لا ينفرن أحد
стр. 11607
منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت» (١) رواه مسلم. وقال ابن عباس ﵄: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» (٢). متفق عليه. والصحيح أن ذلك واجب؛ لأن الأمر أصله الوجوب فوجب على كل حاج رجل أو امرأة أن يودع البيت قبل أن يغادر من مكة إلى وطنه بعد الانتهاء من مناسك الحج بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر إذا تعجل، أو في اليوم الثالث عشر إذا لم يتعجل، فإنه بعد ذلك يطوف الوداع سبعة أشواط بالبيت، وليس فيه سعي، فإذا غادر إلى بلاده، ولم يطف هذا الطواف فإن عليه دمًا؛ أي ذبيحة يذبحها في مكة وتوزع بين الفقراء يذبحها بنفسه، أو يوكل من يذبحها، فإن رجع وطاف الوداع أجزأه عند جمع من أهل العلم، ولكن ذبحه للهدي وتوزيعه بين الفقراء أولى وأحوط خروجًا من خلاف من قال: لا يجزئه العودة مع التوبة والاستغفار، فإن تارك طواف الوداع قد ترك واجبًا، وترك الواجب معصية، فالواجب التوبة والاستغفار والندم وعدم العودة لمثل هذا مع الفدية المذكورة وهي
стр. 11608
الذبيحة من جنس الضحايا والهدايا، يذبح جذع ضأن، أو ثني معز، سليمًا من العيوب، يذبح في مكة ويقسم بين الفقراء.
стр. 11609
٨١ - بيان ما يلزم من لم يرم إلاَّ جمرة واحدة يوم الحادي عشر نسيانًا
س: حججت والحمد لله أول حجة، ولا زالت أول حجة حتى الوقت الحاضر، وحدث عندي في الحج أنني قضيت جميع المناسك، ولكن حدث أنني رميت يوم العيد الجمرة الكبرى، وفي اليوم الثاني رميت جمرة واحدة فقط، وهو عن طريق النسيان، وعدم المعرفة الكاملة، وفي الليل الثالث ذهبت مع جماعة ورميت الجمرات الثلاث، ولكني نسيت أنني رميت جمرة واحدة اليوم الثاني، وما ذكرتها إلا بعد حين سنة أو سنتين، تذكرت التي ما رميت، ما الذي يجب عليَّ؟ وفقكم الله (١).
ج: على السائل أن يهدي هديًا يذبح في مكة، عليه ذبيحة عن تركه الواجب الذي تركه في اليوم الحادي عشر، يذبحها في مكة، يعني يوكّل ثقة، أو يأتي هو بنفسه يذبحها في مكة، إمّا ثني ماعز، أو جذع ضأن،
стр. 11610
مثل هدي التمتع والقران، مثل الضحية يذبحها في مكة، ويقسمها بين الفقراء عما ترك من الرمي.
стр. 11611
٨٢ - بيان المقصود بحاضري المسجد الحرام
س: العمال والمتعاقدون الذين وفدوا إلى مكة للإقامة لمدة سنة أو أكثر، وبعضهم أحضر معه عائلته، فهل يعتبرون من أهل مكة في موضع الهدي، وقد تكون العمرة التي أتوا بها في أشهر الحج أحرموا لها من التنعيم، فهل يلزمهم هدي أم لا؟ (١)
ج: هذا محل نظر؛ لأنهم غير مستوطنين؛ ولأنهم غير وافدين في وقت الحج، فهم بين هؤلاء وهؤلاء، والله سبحانه لما ذكر المتعة والهدي فيها قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ولهذا اختلف أهل العلم في هذا، هل يعتبر مثل هذا من حاضري المسجد الحرام؛ لأنه مقيم قبل العمرة وقبل الحج، أم يعتبر آفاقيًّا لأنه ليس بمستوطن، وإنما أقام لحاجة وسوف يرجع إلى بلاده، هذا موضع نظر
стр. 11612
واحتمال، والأحوط عندي والأقرب عندي أن مثله ليس بحاضري المسجد الحرام في الحقيقة، وأنه إنما جلس لعارض وأقام لعارض من تدريب أو طلب، أو عمل آخر، ثم يرجع إلى بلاده، فالأحوط له الهدي، وأن يعامل نفسه معاملة الوافدين في الحج، هذا هو الأحوط، وإن قلت: إنه من حاضري المسجد الحرام ومن الساكنين بمكة فهو قول قوي، فلا يدفع، قول قوي جدًّا، ولكن الأحوط في مثل هذا والأقرب أنه يفدي، وأن جانب كونه وافدًا أقرب من كونه حاضري المسجد الحرام.
стр. 11613
٨٣ - حكم المتمتع إذا عدل عن ذبح الهدي إلى الصيام
س: أديت الحج والحمد لله، وعندما لبست الإحرام نويت الحج والعمرة معًا، ولم أذبح، ثم صمت عشرة أيام بعد أيام الحج، ما حكم عملي هذا؟ (١)
ج: لا شك أن من أحرم بحجٍّ أو عمرة يعتبر متمتعًا وعليه دم التمتع، فالسائل عليه دم التمتع، فإذا كان عاجزًا فالصوم الذي فعله يجزئ، أما إذا كنت أيها السائل تستطيع الدم فإن عليك أن تذبح ذبيحة، تجزئ في
стр. 11614
الأضحية، رأس من الغنم، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة في مكة المكرمة؛ لأن هذا هو الواجب في التمتع والقران، وعملك يسمى قرانًا، ويسمى تمتعًا، فعليك الهدي، فإذا كنت عاجزًا لا تستطيع ذلك الوقت، وصمت عشرة الأيام أجزأت العشرة، والحمد لله.
стр. 11615
٨٤ - حكم الهدي لمن تمتع وهو من حاضري المسجد الحرام
س: أنا مقيم في مكة، وفيما إذا أُذِن لي وقمت بأداء الحج، وأنوي حج التمتع، هل عليَّ فدية؟ (١)
ج: إذا كنت مستوطنًا في مكة فليس عليك فدية؛ لأن أهل مكة هم حاضرو المسجد الحرام، فإذا تمتعوا بالعمرة إلى الحج فليس عليهم هدي، أما إذا كنت مقيمًا للعمل ولست من أهل مكة، وإنما أقمت للعمل ثم اعتمرت في أشهر الحج، وحججت في ذلك العام فإنك تُهدي، هذا هو الأحوط لك؛ لأنك لست من حاضري المسجد الحرام بالمعنى الكامل، وإنما أنت مقيم لعارض.
стр. 11616
٨٥ - حكم من ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر
س: طلب منا بعض الرفاق نحر هدينا فور وصول مكة، فذبحنا في
стр. 11617
خمسة وعشرين من ذي القعدة، والآن ذهبت أيام التشريق، وقد رأينا جميع الناس يذبحون في يوم العيد فما بعده، فهل عملنا صحيح؟ وما الذي يجب علينا - وفقكم الله - علمًا أننا الآن عازمون على الذهاب عن السعودية؟ جزاكم الله عنا خيرًا (١).
ج: الواجب على من عليه هدي؛ لكونه حج قارنًا أو متمتعًا بالعمرة إلى الحج أنه يذبح أيام الذبح، وهي الأيام التي ذبح فيها النبي وأصحابه ﵊، يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة، أربعة أيام، هذه هي أيام الذبح، والنبي ﷺ قدم ومعه هدي من الإبل فلم ينحرها حتى جاء يوم العيد وهكذا أصحابه، فالذي ذبح قبل العيد عليه أن يعيد ذبح هديه ذلك، يشتري من مكة هديًا ويذبح في مكة بعد الحج متى تيسر له ذلك، يذبح في مكة في الحرم، ويقسمه بين فقراء مكة بين الفقراء في الحرم بدلاً من ذلك الهدي الذي ذبحه قبل وقته، فإن كان عاجزًا ليس عنده قدرة، فإنه يصوم عشرة أيام بدلاً من ذلك الهدي، هذا هو المشروع، ونسأل الله للجميع التوفيق.
стр. 11618
٨٦ - بيان ما يلزم المتمتع إذا عجز عن الهدي وأخر الصيام حتى رجع إلى بلاده
س: يسأل المستمع ر. ع. من الرياض ويقول كان عليَّ أن أصوم في الحج عشرة أيام؛ لعدم استطاعتي تقديم الهدي، فلم أستطع أن أصوم أيامًا في مكة بل صمتها جميعًا بعدما عدت إلى أهلي، فهل ما فعلته صحيح؟ (١)
ج: الواجب أن تصوم ثلاثة أيام في الحج قبل عرفة أو أيام التشريق، فإذا لم يتيسر ذلك لعجز أو مرض أو غير ذلك صم العشر جميعًا في أهلك وبلدك والحمد لله، ولا شيء عليك.
стр. 11619
٨٧ - بيان ما يلزم مَن اعتمر بعد رمضان وسافر إلى المدينة وهو يريد الحج
س: سائل يقول: ذهبت من مكة إلى المدينة، وصليت عيد رمضان في المدينة، وعدت إلى مكة ثاني يوم العيد، وأنا أريد الحج، هل علي هدي؟ (١)
ج: هذا فيه تفصيل: إذا كنت أديت عمرة في أشهر الحج بعد رمضان ثم حججت ذلك العام، عليك الهدي، ولو رحت إلى المدينة ورجعت
стр. 11620
عليك الهدي، إذا كنت أديت العمرة بعد رمضان، ثم حججت من ذلك العام فأنت متمتع، وعليك الهدي، ذبيحة واحدة من الغنم، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة؛ لأنك والحال ما ذكر تُسمَّى متمتعًا.
стр. 11621
٨٨ - حكم المتمتع إذا عجز عن الهدي وعجز عن الصيام لمشقة العمل
س: السائل ع. م. ع من مصر يقول: حيث منّ الله عليّ بأداء فريضة الحج لهذا العام قارنًا، ونظرًا لظروفي المادية لم أتمكن من تسديد ثمن الهدي المفروض عليّ، وسألت بعض العلماء عن ذلك فأجابني بأن أصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة عند الرجوع، وذلك في خلال شهر ذي الحجة، وفعلاً قمت بصيام ثلاثة الأيام الأولى في الحج، وعند عودتي إلى عملي، لم أستطع صيام السبعة الأخرى لظروف عملي الشاقة، فما حكم الشرع في ذلك؟ وماذا يجب عليّ عمله إزاء هذا الموضوع؟ جزاكم الله خيرًا (١).
ج: هذه الفتوى صحيحة، إذا عجزت عن الدم فصم عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجعت إلى الأهل، لكن لا يتعين في ذي الحجة،
стр. 11622
ليس لها حد محدود، تصومها متى تيسر، في محرم، في صفر، في ربيع حسب التيسير، تصوم السبعة مجمعات أو متفرقات لا بأس، لكن لا يجوز لك التساهل بل يجب أن تصومها، تحرص في ذلك عند التيسر، أما إذا شغلت عنها بأسباب تمنعك فلا بأس، ولكن عليك أن تتحين الأوقات التي تستطيع فيها ولو مفرقة.
стр. 11623
٨٩ - حكم الاستقراض لشراء الهدي
س: يقول السائل: رجل في أعمال الحج، وبعدما رمى جمرة العقبة، وحلق رأسه، ذهب يشتري الهدي ففقدت نقوده قبل أن يشتري الهدي، فاستلف من أحد رفاقه نقودًا، واشترى الهدي وذبحه، هل يجزئ هذا الهدي حيث إن نقوده كانت بالاستلاف؟ (١)(٢)
ج: نعم يجزئ ولا حرج في ذلك، والحمد لله.
س: يسأل المستمع ويقول: هل الهدي له علاقة بالتحلل الأول أو الثاني؟
стр. 11624
ج: هدي التمتع ليس له تعلق بالتحلل، التحلل يتعلق بالرمي والحلق أو التقصير والطواف والسعي فقط، الهدي ما يتعلق بالتحلل.
стр. 11625
٩٠ - حكم من حج ولم يجد مكانًا يبيت فيه بمنى
س: إذا لم يجد الحاج مكانًا يبيت فيه بمنى فماذا يفعل؟ وهل إذا بات خارج منى عليه شيء؟ (١)
ج: إذا لم يجد مكانًا في منى بات خارج منى، الله سبحانه يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ويقول: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾.