١٧٢ - بيان واجب المسلمين تجاه إخوانهم المظلومين
س: الأخ: م. ع. س. من المملكة الأردنية الهاشمية، يسأل ويقول: دائمًا يا سماحة الشيخ نسمع في خطب الجمعة في بلادنا، عن موضوع استرداد القدس الشريف، وبالطبع أنا لست ضد ذلك، ولكن هل من الحق أن نربط بين دخولنا للجنة وإرجاعنا للقدس الشريف. أنا أجد أنه من الأفضل أن نصحح ما في مجتمعنا من أخطاء وفواحش مما يجعلنا أمة قوية تستطيع فتح القدس من جديد، ويقصد بالفواحش مثلاً: خروج النساء سافرات، ترك
стр. 11797
الصلاة والصيام، ترك صلة الرحم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، النفاق والنميمة، الاختلاط في كافة مجالات الحياة، الجامعات والعمل وغيرها وغيرها، أليس من الأولى تعميق العقيدة في النفوس أولاً، فنحن دائمًا نحس بالإحباط لدى سماعنا بعض الجمل، مثل: (القدس لن ترجع لكم، وأنتم على هذه الحال) وهل سيحاسبنا الله يوم القيامة على عدم استرداد القدس، أم على عدم تطبيق شريعتنا السمحاء؟ أفيدونا، جزاكم الله عن أمة الإسلام كل خير، ولكم مني كل الشكر والتقدير، أدامكم الله؟ (١)
ج: لا شك أن استرداد القدس من أيدي اليهود أمر مفترض على المسلمين، نصرًا للمسلمين الذين غلبوا على أمرهم، واستبيحت ديارهم، وحرصًا على إيجاد القدس بين أيدي المسلمين، حتى يعمروها بطاعة الله وما يرضيه سبحانه من الصلاة والقراءة، وأنواع العبادة التي شرعها الله في القدس، ولكن ليس هذا مربوطًا بين دخولنا الجنة وبين فتح القدس، الجنة لها أعمالها، والله شرع لنا أن نعبده وحده، وأن نطيع
стр. 11798
أوامره، وننتهي عن نواهيه، فمن استقام على دينه أدخله الله الجنة، سواء فتحت القدس وردت على أهلها أم لا، ولكن مسألة القدس متعلقة بولاة الأمور، ولاة أمر المسلمين، فعليهم أن يجاهدوا في سبيل الله، وأن يستردوا القدس إلى المسلمين، وأن ينصروا المستضعفين في فلسطين، هذا واجب على ولاة الأمور، حسب طاقتهم واستطاعتهم؛ لأن هذا من نصر دين الله ومن نصر المظلومين، ومنع الأذى عنهم والظلم لهم، ومن باب رد بلاد المسلمين إليهم، فهذا شيء يتعلق بولاة الأمور من المسلمين، وعليهم قبل ذلك أن يحكموا شريعة الله وأن يستقيموا على دين الله، حتى ينصرهم الله، فهو القائل سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وهو القائل : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فعليهم أن يستقيموا وأن يحاسبوا أنفسهم، وأن يجتهدوا في تطبيق الشريعة في بلادهم، وعلى شعوبهم، حتى ينصرهم الله على اليهود، وعلى غير اليهود، ولا شك أنهم إذا أدوا ما أوجب الله، واستقاموا على شريعة الله، وجاهدوا في سبيله؛ فهم
стр. 11799
بهذا يكونون أهلاً لنصر الله لهم، وإعانته لهم على اليهود، وعونًا لهم أيضًا على استرداد القدس، وغير ذلك من بلادهم إلى أهلها المسلمين، لكن وجود التفريط في أمر الله، والركون لمحارم الله وعدم تحكيم شريعة الله، هذا من أسباب الخذلان، ومن أسباب عدم النصر على الأعداء، فالواجب على ولاة أمر المسلمين وعلى المسلمين جميعًا أن يستقيموا على أمر الله، وأن يؤدوا ما أوجب الله عليهم، وأن يحذروا ما حرم الله عليهم، والواجب على الحكام المسلمين جميعًا أن يحكموا شريعة الله في عباده، وأن يقيموا حدوده، وأن ينصروا المظلوم ويردعوا الظالم، وأن يستقيموا على ما شرع الله لهم، حتى ينصرهم الله على اليهود وعلى غير اليهود، ثم أمر آخر وهو أن الواجب على المسلمين جميعًا أن يحاسبوا أنفسهم وأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يدعوا محارم الله، وأن يستقيموا على دين الله، سواء كانوا حكامًا أو أفرادًا وعامة، هذا واجب على الجميع، على كل فرد من المسلمين، بل على كل فرد من المكلفين، أن يعبد الله وحده وأن يطيع أوامره، وأن ينتهي عن نواهيه، وأن يقف عند حدوده، هكذا خلقهم الله، خلقهم الله ليعبدوه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾،
стр. 11800
وأمرهم بهذا سبحانه حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فالواجب على كل مسلم وعلى كل مسلمة تقوى الله وطاعته سبحانه في أداء ما أوجب وترك ما حرم، والوقوف عند حدود الله أينما كان، ويصلي كما أمر الله، ويصوم كما أمر الله، ويزكي كما أمر الله، ويحج كما أمر الله، ويبر والديه ويصل أرحامه، ويبتعد عما حرم الله عليه من الزنا، والظلم والسرقة وأكل الربا، وتعاطي المحارم كلها من الغيبة والنميمة، وغير هذا مما حرم الله.
هذا واجب على المسلمين جميعًا، رجالاً ونساءً، ومتى استقام المسلمون على دين ربهم نصرهم الله حكامًا وشعوبًا، وأيدهم بنصره وأعانهم على جهاد أعدائهم، وجعل العاقبة لهم في الدنيا والآخرة، كما قال : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وقال
стр. 11801
سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالنصر مربوط بأداء الحقوق، النصر مربوط بقيامنا بأمر الله، واستقامتنا على دين الله، وفي نصرنا لدينه، حتى ينصرنا ، نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعًا لما فيه رضاه، وأن يهديهم الصراط المستقيم، وأن يوفق ولاة أمرهم لما فيه رضاه، وأن يشرح صدورهم لتحكيم شريعته، وإلزام الشعوب بها والاستقامة عليها، إنه سبحانه خير مسؤول.
стр. 11802
١٧٣ - بيان معنى الشهادة في سبيل الله
س: أنا طالب في الجامعة، ومن خلال قراءتي لكتاب الإسلام للمستشرق هنري ماسيا، جاء في ذهني مسألتان لم توضحا جيدًا، وأعتبرهما مسألتين هامتين، وهما: نعلم أن الشهادة هي التي يقوم بها مسلم، يحارب لأجل إيمانه ويموت في سبيله مجاهدًا، فيصبح عند ذلك شهيدًا، ولكن فكرة قابلية التضحية خلقت الاضطراب في مفهوم الشهادة والانتحار عندي،
стр. 11803
فوجهوني جزاكم الله خيرًا؟ (١)
ج: الشهادة التي أعد الله لأهلها الجنة ومدح أهلها، هي التي تصدر عن الرغبة فيما عند الله، والإخلاص لله والجهاد في سبيله ، سأل رجل الرسول ﵊، قال: «يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله أأدخل الجنة؟ أتكفر عني خطاياي؟ أو كما قال، قال ﵊: نعم إن قتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر» (٢) فالمؤمن الذي يقاتل في سبيل الله، يرجو ثواب الله، ويريد نصر دين الله، هذا هو المجاهد في سبيل الله، وهو الشهيد إذا قتل في حكم الشهادة التي وعد الله أهلها الجنة، أما من جهة حكم الدنيا، فكل من قتل في سبيل الله لا يغسل ولا يصلى عليه، والعمل على الظاهر، ونيته إلى الله ، إذا قتل في سبيل الله، مات في المعركة - قتل - لا يغسل ولا يصلى عليه، بل يدفن في ثيابه كما فعل النبي ﷺ في شهداء يوم أحد.
стр. 11804
وأما حكمه عند الله، فإن قتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر، موحدًا لله قاصدًا وجهه الكريم، فإنه تكفر عنه خطاياه ويكون من أهل الجنة؛ لأنه جاء في الرواية الأخرى عن الرسول ﷺ أنه قال: «إلا الدين قال: أخبرني به جبرائيل آنفا» (١) فالدين معناه أن صاحبه لا يرجع إليه دينه، بل يعطى حقه إما بأنه يرضيه الله عنه يوم القيامة من فضله وإحسانه، وإما أن يعطى من حسنات هذا الشهيد، ما يقابل هذا الدين، فالشهيد على خير، وصاحب الدين لا يضيع حقه، بل الله يرضيه عنه سبحانه، بما يشاء جل وعلا.
стр. 11805
١٧٤ - التفصيل في معنى الفداء والاستشهاد في سبيل الله
س: موضوع الفداء والاستشهاد في سبيل الله، يا سماحة الشيخ؟ كأنه يطلب المقارنة بينهما، والتفريق بينهما؟ (١)
ج: إذا كان قصده بذلك أن يبارز الناس، وأن يجتهد في مهاجمة
стр. 11806
الأعداء، ولو قتل في سبيل الله، هذا مطلوب إذا كان العدو من الكفرة المعروفين، وجاهده في سبيل الله، وأقدم على الجهاد، ولو قتل يرجى له الخير العظيم، مثل ما فعل أنس بن النضر، لما انصرف الناس يوم أحد، تقدم إلى الجهاد حتى قتل ﵁، والناس منصرفون وهو متقدم إلى العدو، وجاهد حتى قتل، فوجدوا فيه بضعا وثمانين؛ ما بين رميه بسهم أو ضربة بسيف أو طعنه برمح ﵁ وأرضاه.
الحاصل أن الفداء يعني التقدم إلى العدو، حرصًا على الشهادة في سبيل الله، حرصًا على قتال الأعداء؛ هذا فيه فضل عظيم وخير كثير، إذا كان لله لا رياء ولا سمعة، وليس من قصده الوطن، إنما قصده القتال في سبيل الله، هذا له خير عظيم، ولا يعد هذا من الانتحار.
стр. 11807
١٧٥ - بيان بعض صفات الشهداء
س: هل الشهيد في سبيل الله يأكل ويشرب ويسمع؟ وهل هو حي يرزق إلى يوم القيامة، كما قال الحق ﵎: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾؟ (١)
стр. 11808
ج: نعم، كما قال الله، هم أحياء عند ربهم؛ يعني الأرواح، والأبدان في التراب، وأما أرواحهم فتنقل إلى الجنة، ويأكلون فيها ويشربون في الجنة، كما أخبر .
стр. 11809
١٧٦ - بيان فضل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله
س: سمعت أن الجهاد بالمال يعدل الجهاد بالنفس، فما رأيكم بهذا؟ (١)
ج: الله سبحانه قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في غالب الآيات، لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فالمقصود أن الجهاد في سبيل الله له شأن عظيم، فهو بالمال أفضل في بعض الوجوه، وبالنفس أفضل في بعض الوجوه؛ فالنفس أغلى شيء عند الإنسان، فالجهاد بالنفس هذا أفضل الجهاد؛ لأنه مجاهد بنفسه، لكن قدم الله المال؛ لأن المال ينفع في جهات كثيرة،
стр. 11810
يستطاع أن يستأجر به المجاهد، ويستطاع أن يجهز به المجاهد، ويستطاع أن يشترى به السلاح، ويشترى به الطعام والشراب، وتشترى به الكسوة، وتشترى به المؤونة والذخيرة، فنفع المال متنوع.
أما جهاد النفس فهو جهاد خاص، وهو لذلك المجاهد نفسه في سبيل الله ، لكن الفائدة من المال، أنواع منوعة وكثيرة، فلهذا قُدم في غالب الآيات، وذكرت النفس في آية واحدة، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، فلما كان المقام مقام تقديم النفس، وتقديم المال فتقديم النفس أعظم من تقديم المال، وأغلى عند الله وعند المؤمنين.
стр. 11811
١٧٧ - فضل مجاهدة النفس في أداء الواجبات وترك المحرمات
س: رجل يسأل: عن مجاهدة النفس، هل هي من أعظم الجهاد؟ وكيف يكون ذلك، جزاكم الله خيرًا؟ (١)
ج: الجهاد في النفس من أهم المهمات هو الجهاد في سبيل الله في الحقيقة، في الحديث يقول ﷺ : «المجاهد من
стр. 11812
جاهد نفسه لله» (١) والله يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فالمجاهد للنفس في أداء الواجبات، وترك المحارم، والوقوف عند حدود الله، هذا من أهم الجهاد، ومن أهم الواجبات والفرائض.
стр. 11813
١٧٨ - حكم من نوى عملاً صالحًا ومنع لعذر شرعي
س: إنني فتاة ملتزمة، وقد هداني الله إلى طريق الحق، وحبب الله في قلبي الإيمان، حتى أصبحت أتقدم إلى كل عمل صالح يقربني إلى الله، ولكن هناك أعمال صالحة لم أستطع أن أصل إليها وذلك لأنني امرأة، فمثلا عظمت منزلة المجاهد عند الله، وإنني أحب أن أكون في منزلتهم، والغريب في ذلك أن الأنبياء والصالحين اغتبطوا المجاهدين، لعظم منزلتهم عند الله، وهم على منابر من نور، فسؤالي: هل هناك عمل للمرأة يعادل منزلة المجاهد سواء كانت المرأة متزوجة أو غير متزوجة؟ وهل المرأة إذا تمنت الجهاد
стр. 11814
وتوفاها الله بعد ذلك كتبت في منزلة الشهداء؟ (١)
ج: أرجو لك أيتها الأخت في الله الخير العظيم، وأن يكتب لك مثل أجر المجاهدين؛ لأن العبد إذا نوى الخير ومنعه مانع شرعي، أو مانع حسي كالمرض، فإنه يكتب له أجر العاملين، يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح عند غزوة تبوك: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر» (٢) وفي لفظ آخر: «إلا شركوكم في الأجر» (٣) وقال ﵊: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا» (٤) هذا من فضل الله ، وقال في الحديث الصحيح: «الدنيا لأربعة: رجل، أعطاه الله مالا
стр. 11815
وعلما فهو يتقي في ماله ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقه، فهذا بأرفع المنازل، ورجل أعطاه الله علما ولم يعط مالا، فكان يقول: لو كان لي من المال مثل فلان لعملت فيه مثل عمله، قال: فهذا بنيته فهم في الأجر سواء» (١) ولما قالت عائشة: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد، قال ﵊: عليكن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (٢) فجهادكن الحج والعمرة، متى تيسر لك الحج أو العمرة، ووافق زوجك على ذلك، فهذا من الجهاد في حقكن، وعليك الجهاد بالمال، إذا كان عندك مال تساعدين بالمال حسب الطاقة، فيكون لك أجر الجهاد بالمال، تسلحين بالمال ما تستطيعين للجهات التي تقبل المال للمجاهدين، ويكون لك نصيب وأجر المجاهدين بالمال، ونرجو لك أيضًا أجر المجاهدين بأنفسهم؛ لأنه منعك من الجهاد بالنفس العذر الشرعي، وهو أمر الرسول ﷺ بأن عليكن جهادًا لا قتال فيه؛ الحج والعمرة، وأن الله أسقط عنكن الجهاد بالنفس، وجعل عليكن
стр. 11816
الجهاد بالحج والعمرة، والمال كما في النصوص الأخرى، لقوله سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقد اختلف العلماء، هل على المرأة جهاد بالمال على قولين: والأقرب والأرجح أن عليها جهادًا بالمال؛ لأنها داخلة في العموم إذا كان عندها مال وعندها سعة فإنها تجاهد من مالها مع قيامها بما يسر الله من الحج والعمرة، والمرأة قد تصل بنيتها إذا أحسنتها ما لا يصل إليه الرجال.
стр. 11817
١٧٩ - حكم بقاء المسلمين في بلاد استولى عليها الأعداء
س: لقد استولى الأعداء على بعض أرضنا، فهل بقاء المؤمنين من سكانها فيها أفضل أو الهجرة منها؟ (١)
ج: بقاء المسلمين في بلادهم ولو استولى عليها بعض الكفرة، بقاؤهم في بلادهم أصلح إذا استطاعوا إظهار دينهم، واستطاعوا الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو باللسان، وإظهار الدين، هذا أصلح حتى لا يضيع الدين في بلادهم، وحتى لا يلبس
стр. 11818
الأمر على من بقي من المسلمين الضعفاء.
فإذا كان المسلم لا يستطيع إظهار دينه، بل يخشى على نفسه؛ فإنه يلزمه أن يهاجر مع القدرة؛ لأن الله سبحانه أوجب الهجرة على المسلمين مع القدرة، وقد هاجر المسلمون من مكة إلى الحبشة، ثم هاجروا إلى المدينة، لما آذاهم الكفار في مكة، فإذا كان الإنسان في بلد يؤذيه الكفار ويمنعونه من إظهار دينه، أو يخشى على نفسه من الفتنة والكفر، فإنه يلزمه أن يهاجر إلى بلاد يستقيم فيها دينه، ويأمن فيها على دينه إذا استطاع؛ لأن الله قال - جل وعلا - ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾، المستضعف مستثنى، فإذا كان يستطيع وجب عليه أن يهاجر إلى بلد الإسلام، وبلد الأمن والعافية، لكن إذا كان مقامه في بلاده أصلح للمسلمين وأنفع للمسلمين، وهو يقوى على الإقامة للدعوة إلى الله والتوجيه إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحفاظ على بقية المسلمين، فهذا أولى، وقد يجب عليه الجلوس لما في بقائه من مصلحة للمسلمين، والحماية لهم من مكايد الأعداء، ودعوتهم إلى الخير وتبصيرهم بدينهم.
стр. 11819
١٨٠ - كلمة توجيهية للدعاة إلى الله تعالى
س: يقول السائل: هل من كلمة للشباب الذين بدؤوا الالتزام، وبدؤوا يمارسون الدعوة إلى الله، ويلتزمون بأحكام السنن، هل من كلمة يتفضل بها سماحة الشيخ؟ (١)(٢)
ج: نوصيهم بتقوى الله، وأن يشكروا الله على ما منَّ به عليهم، من الالتزام وطاعة الله ورسوله، ونوصيهم بعدم العجلة في الأمور، وعدم التشديد الذي لا يوافق الشرع، بل نوصيهم بالتثبت والتوسط في الأمور، وعدم الغلو وعدم الجفاء، لا هذا ولا هذا، الواجب التوسط في الأمور، فلا غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، بل إذا التزم بالحق بإعفاء لحيته والصلاة في الجماعة، بالطمأنينة وبعدم الإسبال وبعدم حلق اللحية، يستقيم على ذلك، ويسأل ربه العون والتوفيق، ولا يعنف على الآخرين بشدة، بل يدعوهم إلى الله بالحكمة والكلام الطيب، يا أخي: الرسول ﷺ ، أمر بإعفاء اللحى، يا أخي نوصيك بإعفائها، يا أخي لا تسبل ثيابك، الرسول ﷺ نهى عن الإسبال، نهى عن الخيلاء، بالكلام الطيب والأٍسلوب الحسن، الذي
стр. 11820
يرجى من ورائه قبول الحق والتأثر، فإن الشدة قد يحصل بها التنفير والمخاصمة والنزاع، ولكن بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، يحصل الخير الكثير، يقول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، هكذا أرشدنا مولانا ، ويقول جل وعلا في كتابه العظيم، في وصف النبي ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، ويقول الله لموسى وهارون ﵉، لما بعثهما إلى فرعون، قال سبحانه: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، ويقول سبحانه في جدال أهل الكتاب اليهود والنصارى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فإذا كان اليهود والنصارى يجادلون بالتي هي أحسن، فكيف بالمسلم، فهو من باب أولى.
فوصيتي للشباب وغير الشباب، لجميع من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لجميع الدعاة إلى الله، وصيتي للجميع الرفق في الأمور
стр. 11821
كلها، والجدال بالتي هي أحسن، وتحري الأسلوب الجيد اللين، لعل الله ينفع بذلك، كما نوصي بالحذر من العنف والشدة، والكلام البذيء، فإن هذا ينفر من الحق، وربما يسبب خصومة ونزاعًا، ومقاتلة ومضاربة، والمؤمن قصده الخير، والداعي إلى الله قصده الخير، فينبغي سلوك أسباب الخير، الواجب على الداعي إلى الله، والآمر والناهي، أن يسلك المسالك التي تعين على حصول الخير، وتعين إخوانه على قبول الحق، نسأل الله للجميع الهداية.
وهذه الوصية للجميع، من الدعاة إلى الله من الرجال والنساء، ولجميع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، في كل مكان من أرض الله، الواجب على الجميع تحري الحق، وتحري الأسلوب الحسن، والصبر في ذلك والرفق، وأن يقول عن علم وعن بصيرة، يجب الحذر من القول على الله بغير علم، لا من الرجال ولا من النساء، ويجب أن يسلك المسلك الذي يرجى من ورائه حصول المنفعة، حصول الخير، قبول الحق، وذلك بسلوك الطريق الذي رسمه الرسول ﷺ ، ودل عليه كتاب الله في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو الذي يرجى من ورائه الخير العظيم للمجتمع كله؛ رجاله ونسائه، كما قال مولانا سبحانه في كتابه العظيم، يخاطب نبيه
стр. 11822
صلى الله عليه وسلم، والمراد به الأمة كلها: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ أي إلى دين ربك، ﴿بِالْحِكْمَة﴾ العلم قال الله، قال رسوله، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، الترغيب والترهيب بالكلام الطيب، قال الله كذا، قال الرسول كذا، وعد الله من فعل كذا بالجنة، وتوعد الله من فعل كذا بالنار، يعني يذكر الآيات والنصوص، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني بالأسلوب الحسن بالرفق، يقول النبي ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (١)، ويقول ﵊: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» (٢) ويقول جل وعلا: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعني اليهود والنصارى، ﴿إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، الظالم يعامل بما يستحق، إذا ظلم وتعدى وضرب أو سب؛ يعاقب بما يستحق، ومن عفا فأجره على الله، لكن ما دام لم يتعد ولم يظلم تبدؤه بالتي هي أحسن، بالكلام الطيب،
стр. 11823
قال الله: كذا، قال الرسول: كذا، إذا كان مسلمًا يا أخي كذا، يا أخي افعل كذا، أوصيك بكذا، قال الله: كذا، قال الرسول: كذا، حتى يلين قلبه، ويرغبه في الخير، ولا يخاطبه بالعنف والشدة، أو يقول: يا جاهل، أو يا حمار، أو يا مغرور، أو يا متكبر، أو يا كافر، لا، يأتي بالعبارات الطيبة، يا أخي إن كان مسلمًا، أو يا فلان إن كان كافرًا، أو يا عبد الله أو يا أبا فلان، مثل ما قال النبي ﷺ لعبد الله بن الخباب، وهو منافق يرغبه في الخير، يخاطبه بالاسم المناسب، باسمه أو بكنيته، يدعوه إلى الله، ولا يخاطبه أبدًا بالألفاظ المنكرة؛ لأنها تنفر عن الحق، وربما قال له مثلما قال، إذا قال له: يا مغرور، قال: أنت المغرور، وإذا قال له: يا جاهل، قال: أنت الجاهل، وإذا قال: يا فاجر، قال: أنت الفاجر، وإذا قال: يا كافر، قال: أنت الكافر، هذا يسبب المشكلات، ولكن بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، تقبل الدعوة، ويقبل الحق، وتؤدى الفريضة ويؤدى الواجب.
س: يقول السائل: سماحة الشيخ تفرح الأمم بالنابغين منهم، ولا شك أن هؤلاء الشباب يعتبرون قادة النابغين، نطمع بكلمة في هذا المقام؟
стр. 11824
ج: نعم، لا شك أن الأمة تفرح بالنابغين، بالعلم والفضل والتقوى، حتى في أمور الدنيا، النابغ في الهندسة أو في أي صنعة، يفرح به أهله، ومجتمعه فكيف إذا كان في الدين، والدعوة إلى الله، والإرشاد إلى الخير، والتفوق في العلم النافع، هذا أعظم وأعظم، فينبغي الفرح بهؤلاء، والدعاء لهم بلتوفيق، والثبات على الحق، وتشجيعهم على الخير، والمزيد من العلم النافع، وتشجيعهم على الرفق في الأمور، وعدم الغلو في الأمور؛ لأن الإنسان قد يصيبه شدة، بسبب غيرته على الإسلام، قد يحصل له شيء من الغلو ولا يشعر بنفسه، بسبب ما عنده من الخير ومحبة الخير للأمة، وقد يتجاوز الحدود، ولكن ينصح ويوجه إلى الخير، بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، حتى يعتدل، وينبغي الفرح به، والسرور بوجوده، للنابغين بالعلم والدعوة والغيرة لله، لكن يسعى معهم لتوجيههم للخير، وتثبيتهم على الحق، وحثهم على التوسط في الأمور، وعدم العجلة وعدم الغلو، وعدم استعمال الألفاظ المنفرة عن الحق، كل هذا مما يجب فيه التواصي والتعاون.
стр. 11825
١٨١ - بيان كيفية الدعوة إلى الله تعالى
س: يسأل المستمع: ح. ع من الجزائر، ويقول: ما كيفية الدعوة إلى الله ؟ وما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الداعي
стр. 11826
إلى الله ؟ وهل الدعوة إلى الله واجبة؟ جزاكم الله خيرًا؟ (١)
ج: الكيفية بينها الرب ، قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، هكذا السنة، وقال جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقال الله لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، فالسنة للداعي أن يرفق، وأن يجمع الدعوة بالحكمة، بالعلم: قال الله، قال رسوله، وأن يعتني بالموعظة الحسنة، والترغيب والترهيب، يذكر ما جاء من الوعيد في المعاصي، وما جاء من الأجر العظيم والخير الكثير في الطاعات، يجادل بالتي هي أحسن عند وجود الشبه والاشتباه، يجادل بالتي هي أحسن، وبالبيان الواضح ولا يشدد، بل يرفق؛ لأن هذا أقرب إلى القبول والتأثر، ولا بد من شرط البصيرة، شرط العلم، لا بد أن يكون الداعي عنده علم
стр. 11827
وعنده بصيرة، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، فالواجب على الداعي إلى الله أن يكون على بصيرة وعلى علم، وأن يرفق في دعوته، ويجادل بالتي هي أحسن، حتى لا ينفر الناس من الحق، والواجب عليه أيضًا، أن لا يخالف قوله فعله ولا فعله قوله، وأن يقول الحق، ويكون من أسرع الناس إليه، وأن ينهى عن الباطل، وأن يكون من أبعد الناس من الباطل، هكذا يكون الداعي إلى الله، يدعو إلى الحق ويسارع إليه ويتخلق به، وينهى عن الباطل ويحذره، ويبتعد عنه، ويرفق في دعوته، ويجتهد في ذكر الآيات والأحاديث؛ لأن ذلك يؤثر في القلوب ويسبب القبول.
والواجب عليه أن يكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه، ومن أبعد الناس عما ينهى عنه من الواجبات والمحرمات، ويكون أسرع الناس إلى كل واجب يدعو إليه، ومن أبعد الناس عن كل محرم ينهى عنه، حتى يتأسى بقوله وفعله، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فهو ﷺ كان يدعو ويعمل، فهو
стр. 11828
داعية إلى الله بقوله وفعله ﵊، فهكذا الدعاة، المشروع لهم أن يكونوا دعاة إلى الله بأفعالهم وأقوالهم، وأن يكونوا على بصيرة، وأن يحذروا القول على الله بغير علم.
стр. 11829
١٨٢ - بيان صفات الداعية إلى الله تعالى
س: السائل م. خ. يقول: ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الداعية إذا أراد أن يدعو إلى الله ؟ وهل يدعو الإنسان بأقل قدر من العلم، أم يجب أن يتعلم بعض العلوم الشرعية؟ وما هي هذه العلوم؟ (١)(٢)
ج: إن الداعية إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة؛ لأن الله يقول جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، لا بد أن يكون عنده علم من القرآن العظيم والسنة المطهرة، فإذا كان عنده علم وبصيرة بالأدلة القرآنية والأدلة الحديثية عن الرسول ﷺ ، فإنه يدعو إلى الله حسب علمه، سواءً كان متخرجًا من كليات الشريعة، أو كليات الدعوة، أو كليات الحديث، أو كليات القرآن، أو درس في المساجد على العلماء، فالمقصود إذا كان عنده علم بالقرآن
стр. 11830
والسنة، فإنه يدعو إلى الله، ويعلم الناس دينهم، ويرشدهم إلى توحيد الله وعبادته، ويعلمهم ما أوجب الله عليهم، ويحذرهم ما حرم الله عليهم، ويرغب ويرهب كما شرع الله، وإذا كان ما عنده علم، فليس له الكلام فيما لا يعلم، لكن الإنسان إذا كان عنده علم في بعض الأشياء دعا إليها، مثل ما يدعو المؤمن إخوانه إلى الصلاة، وإن كان عاميًا؛ لأن الصلاة معلومة، يدعوهم إلى الصلاة والمحافظة عليها في الجماعة، يدعوهم إلى بر الوالدين، هذا شيء معروف، يدعوهم إلى أداء الزكاة، هذا شيء معروف، يدعوهم إلى صيام رمضان، هذا شيء معروف حتمي، ولو العامي يجتهد مع أهله ومع إخوانه في العناية بهذه الأمور، كذلك يحذر من الزنا، من الربا، من الرياء، من عقوق الوالدين، من شرب الخمر، هذه أمور معلومة، لكن الأشياء التي قد تخفى تحتاج إلى علم، فلا يتكلم فيها إلا صاحب العلم، أما الأمور الواضحة المعروفة من الدين بالضرورة، هذه يتكلم فيها العالم وغير العالم، فالإنسان في أهل بيته ومع جيرانه ينصحهم في الأمور الظاهرة، التحذير مما حرم الله، الحث على أداء الصلاة في الجماعة، الحث على بر الوالدين، في صلة الرحم، هذه أمور معلومة بحمد الله، لكن ليس للداعي إلى الله أن يتكلم فيما لا يعلم، بل يجب أن يتحرى ما دل عليه القرآن والسنة حتى
стр. 11831
يكون في دعوته على بصيرة، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، والله يقول جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، فجعل القول عليه بغير علم في القمة، فوق الشرك لعظم خطره، وأخبر سبحانه أن الشيطان يأمر بذلك، فقال عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، فالشيطان يدعو الناس إلى كلام بغير علم، والدعوة بالجهل، وهذا منكر عظيم، فالداعي إلى الله يجب أن يثبت، ويجب أن يتعلم، حتى يكون على بينة وعلى بصيرة مما يدعو إليه، وفيما ينهى عنه، لكن الأمور الظاهرة المعروفة من الدين بالضرورة، هذه يدعو إليها العالم وغير العالم، كالتحريم من الزنا، التحريم من العقوق، التحريم من قطيعة الرحم، التحريم من الربا، هذا أمر معلوم، كذلك يدعو إلى الصلاة في الجماعة، يدعو إخوانه وجيرانه وأهل بيته، يحذرهم من الغيبة والنميمة، كل هذه أمور معروفة.
س: يسأل عن كيفية الدعوة إلى الله؟ وما هي الشروط الواجب
стр. 11832
توافرها في الداعية إلى الله؟
ج: يدعو إلى الله في بذل النصيحة للناس من طريق المكاتبة، أو من طريق الخطابة، أو من طريق الوعظ في المجلس، أو من طريق المحادثة في التليفون، أو ما أشبه ذلك، بشرط أن يكون على علم لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، ولأن الله سبحانه حرم القول عليه بغير علم، فالواجب على طالب العلم أن يتقي الله، وأن لا يتكلم إلا عن علم وعن بصيرة، وبالأسلوب الحسن والعبارات الحسنة، لا بالفحش والشدة، ولكن بالعبارات الحسنة التي يرجى من ورائها أن ينتفع المدعو، ويستفيد ويتحرى الأوقات المناسبة، والألفاظ المناسبة التي يفهمونها، فيتكلم مع كل قوم باللغة التي يفهمونها، وعن علم بالأدلة الشرعية، وعن رفق وحكمة بأسلوب حسن.
стр. 11833
١٨٣ - بيان كيفية الجمع بين الرفق والحكمة في الدعوة إلى الله
س: سائل يقول: كيف الجمع بين الرفق بالناس في الدعوة إلى الله والحكمة في ذلك مع تطبيق هذه الآيات،
стр. 11834
﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ وهل البغض في الله يكفي بالقلب أم لا بد من إظهاره في كل الظروف والأحوال في مجال الدعوة إلى الله؟ (١)
ج: الرفق في الدعوة لا ينافي هذا، الله جل وعلا قال في كتابه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وعن إبراهيم أنه قال لقومه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، فالإنسان إذا علم ودعا إلى الله وأرشد ولم يستجب له يصرح لهم بالعداوة والبغضاء، وهذا ما ينفي الحكمة لا يسبهم ولا يلعنهم، ولكن يدعوهم إلى الله ويدعو لهم بالهداية، وإذا صرح لهم بالعداوة والبغضاء؛ لأن هذا ديننا يوجب البغضاء والعداوة من المسلم للكافر، كما أمر الله نبيه وخليله إبراهيم أن
стр. 11835
يقول ذلك، ويقول تبًا لآلهتكم إذا كانت من الأصنام ونحوها، تبًا لها، وإذا كان من الأموات الكفار تبًا لهم، وإذا كان المعبودون أنبياء أو صالحين لا، لا يقول هذا، يقول: هم برآء منكم، الأنبياء والصالحون، بَرَاء مما يعبدون من دون الله، هم يتبرؤون من عابدهم، فالواجب على الداعي إلى الله أن يكون عنده حكمة، يرفق في دعوته ويرشد إلى الله بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، مع بيان بطلان عبادة غير الله، وأن الكفار أعداء للمسلمين وبينهم العداوة والبغضاء هذا واجبهم.