← Фатава

Фатава · id 107

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الشويعر

ابن باز

Полный текст (14 939 стр.). Показаны 11831–11870 · переход к 11836.

стр. 11831

يكون في دعوته على بصيرة، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، والله يقول جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، فجعل القول عليه بغير علم في القمة، فوق الشرك لعظم خطره، وأخبر سبحانه أن الشيطان يأمر بذلك، فقال عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، فالشيطان يدعو الناس إلى كلام بغير علم، والدعوة بالجهل، وهذا منكر عظيم، فالداعي إلى الله يجب أن يثبت، ويجب أن يتعلم، حتى يكون على بينة وعلى بصيرة مما يدعو إليه، وفيما ينهى عنه، لكن الأمور الظاهرة المعروفة من الدين بالضرورة، هذه يدعو إليها العالم وغير العالم، كالتحريم من الزنا، التحريم من العقوق، التحريم من قطيعة الرحم، التحريم من الربا، هذا أمر معلوم، كذلك يدعو إلى الصلاة في الجماعة، يدعو إخوانه وجيرانه وأهل بيته، يحذرهم من الغيبة والنميمة، كل هذه أمور معروفة. س: يسأل عن كيفية الدعوة إلى الله؟ وما هي الشروط الواجب

стр. 11832

توافرها في الداعية إلى الله؟ ج: يدعو إلى الله في بذل النصيحة للناس من طريق المكاتبة، أو من طريق الخطابة، أو من طريق الوعظ في المجلس، أو من طريق المحادثة في التليفون، أو ما أشبه ذلك، بشرط أن يكون على علم لقول الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، ولأن الله سبحانه حرم القول عليه بغير علم، فالواجب على طالب العلم أن يتقي الله، وأن لا يتكلم إلا عن علم وعن بصيرة، وبالأسلوب الحسن والعبارات الحسنة، لا بالفحش والشدة، ولكن بالعبارات الحسنة التي يرجى من ورائها أن ينتفع المدعو، ويستفيد ويتحرى الأوقات المناسبة، والألفاظ المناسبة التي يفهمونها، فيتكلم مع كل قوم باللغة التي يفهمونها، وعن علم بالأدلة الشرعية، وعن رفق وحكمة بأسلوب حسن.

стр. 11833

١٨٣ - بيان كيفية الجمع بين الرفق والحكمة في الدعوة إلى الله س: سائل يقول: كيف الجمع بين الرفق بالناس في الدعوة إلى الله والحكمة في ذلك مع تطبيق هذه الآيات،

стр. 11834

﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ وهل البغض في الله يكفي بالقلب أم لا بد من إظهاره في كل الظروف والأحوال في مجال الدعوة إلى الله؟ (١) ج: الرفق في الدعوة لا ينافي هذا، الله جل وعلا قال في كتابه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وعن إبراهيم أنه قال لقومه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، فالإنسان إذا علم ودعا إلى الله وأرشد ولم يستجب له يصرح لهم بالعداوة والبغضاء، وهذا ما ينفي الحكمة لا يسبهم ولا يلعنهم، ولكن يدعوهم إلى الله ويدعو لهم بالهداية، وإذا صرح لهم بالعداوة والبغضاء؛ لأن هذا ديننا يوجب البغضاء والعداوة من المسلم للكافر، كما أمر الله نبيه وخليله إبراهيم أن

стр. 11835

يقول ذلك، ويقول تبًا لآلهتكم إذا كانت من الأصنام ونحوها، تبًا لها، وإذا كان من الأموات الكفار تبًا لهم، وإذا كان المعبودون أنبياء أو صالحين لا، لا يقول هذا، يقول: هم برآء منكم، الأنبياء والصالحون، بَرَاء مما يعبدون من دون الله، هم يتبرؤون من عابدهم، فالواجب على الداعي إلى الله أن يكون عنده حكمة، يرفق في دعوته ويرشد إلى الله بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، مع بيان بطلان عبادة غير الله، وأن الكفار أعداء للمسلمين وبينهم العداوة والبغضاء هذا واجبهم.

стр. 11836

١٨٤ - بيان الكتب التي ينبغي للداعية الاعتناء بقراءتها س: يقول السائل هل من كتب معينة ينصح بها الشيخ عبد العزيز بن باز، لكل من يود أن يعمل في مجال الدعوة إلى الله؟ (١) ج: نعم، أعظم كتاب وأشرف كتاب، كتاب الله، وأنصح كل داعٍ إلى الله، وكل آمر بمعروف وناهٍ عن منكر، وكل معلم ومدرس ومرشد، أنصحه بالعناية بالقرآن، وأن يعتني بقراءته وتدبر معانيه، والإكثار من ذلك، فهذا أصل كل خير، وهو المعلم والهادي إلى الخير، كما قال عز

стр. 11837

وجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وهو يهدي بهداية الله إلى الطريق الأقوم، وإلى سبيل الرشاد، فأنفع كتاب وأصلح كتاب وأشرف كتاب، وأغلى كتاب هو كتاب الله، فالواجب على الدعاة وعلى الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر والمعلمين، أن يعتنوا بهذا الكتاب العظيم، وأن يجتهدوا في الإكثار من تلاوته، وتدبر معانيه، فإنهم بذلك يستفيدون الفائدة العظيمة، ويتأهلون بذلك للدعوة والتعليم بتوفيق الله ، ثم أنصح بالسنة، أن يعتني بالسنة، وما جاء في الباب من الأحاديث، ويراجع كتب الأحاديث، وما ألفه الناس في ذلك، حتى يستفيد؛ مثل: صحيح البخاري وصحيح مسلم، كتاب الإيمان وكتاب العلم من رياض الصالحين، وما جمع في ذلك من كتاب بلوغ المرام، عمدة الحديث، جامع بيان العلم وفضله، كذلك كتاب ابن عبد البر التمهيد، كذلك كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب، هذه الكتب وأشباهها، تفيده فائدة عظيمة، وهكذا ما ذكره ابن القيم في زاد المعاد، وإعلام المعوقين، وفي طريق الهجرتين، والطرق الحكمية، ذكر في هذه الكتب شيئًا كثيرًا حول الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

стр. 11838

فينبغي للمؤمن أن يستفيد منها؛ لأنها كتب عظيمة من أئمة وعلماء، لهم القدح المُعَلَّى في هذا السبيل، مع حسن العقيدة، ومع التجارب الكثيرة، وهكذا ما كتبه أبو العباس ابن تيمية في السياسة الشرعية، وفي كتاب الحسبة، وفي الفتاوى، وفي منهاج السنة، فهو من أئمة الدعوة، الذين جربوا هذا الأمر وعنوا به، وابتلوا في سبيله كثيرًا، وصابروا فيه كثيرًا، وجدوا بالدعوة، وصبروا على أذاها، وابتلوا بخصوم كثيرين، أعانه الله على كبح جماحهم، وعلى بيان الحق لهم، وعلى إزاحة ما عندهم من الشبه، فأنا أنصح كل داعية وكل متعلم، وكل مرشد، وكل آمر بالمعروف، وناهٍ عن المنكر، أن يعتني بهذه الكتب المفيدة بعد العناية بكتاب الله وسنة رسوله ﵊، وكذلك السياسة الشرعية التي كتب فيها خلق كثير مثل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كذلك الكتب المؤلفة في هذا الباب، من المذاهب الأخرى، كمذهب المالكية والشافعية والحنفية، وما جمع في مذهب الحنابلة، لغير ابن القيم وشيخ الإسلام. المقصود أنه يستعين بكتب أهل العلم، التي ألفت في هذا الباب، لأنها ترشده إلى ما قد يجهله، مع عنايته بكتاب الله وسنة رسوله ﵊.

стр. 11839

١٨٥ - بيان ما يلزم الداعية تجاه المدعوين س: يقول السائل كيف يتم إقناع الناس من خلال الدعوة إلى الله تعالى؟ وما هي الأسس السليمة للدعوة إلى الله؟ (١) ج: إقناع الناس قد لا يتيسر، لكن الذي على الداعي البيان، يبين ويوضح، والله الذي يهدي من يشاء، قال الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾، ما قال حتى يتبين قال: ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾، المقصود البيان والإيضاح، والله يقول: ﴿هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ﴾، هذا بيان للناس، المقصود

стр. 11840

البلاغ والبيان، والله الذي يهدي من يشاء، يقول سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فليس من شرط الدعوة أن تقنع، قد يكون مكابرًا، وقد يكون معاندًا لا يقنع، وإن كان الكلام مقنعًا والإيضاح مقنعًا، لكن قد لا يقتنع، قد يقول: ما اقتنعت، فلا يلتفت إلى قوله متى بلغ وأنذر وحذر، وجبت عليه الحجة، ووجب أخذه بها، ولا يلتفت إلى قول: أنا ما قنعت، المقصود البيان، فمتى أبلغ الحجة بيّن له الأمر، ووجب أن يعامل بمقتضى ذلك، فإن كان لا يصلي، وجب أن يعامل بما يقتضيه الحكم الشرعي، من قتله إن لم يتب، وإن كان يسب الله ورسوله، أو يتعاطى أمورًا من الردة، عُومل بما يستحق، وهكذا في جميع المسائل يعامل بما يستحق، بعد البيان والإيضاح، ولو قال: إني لم أقتنع له باللغة التي يفهمها.

стр. 11841

١٨٦ - بيان الوسائل المعينة للداعي إلى الله س: هذا السائل طالب من الجامعة، يقول في سؤاله الذي كتبه باختصار، يقول: سماحة الشيخ، ما هي السبل المعينة للداعي إلى الله ؟ وهل الدعوة خاصة بأناس معينين؟ حيث إنني

стр. 11842

أريد أن أدعو إلى الله بحكمة وبصيرة، ولكن معرفتي بالأمور الشرعية قليلة جدًا؟ (١) ج: الدعوة إلى الله سبحانه منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن الله بعثهم دعاة إلى الحق، وهداة للخلق، بما أوحى إليهم ، وعلى رأسهم خاتمهم وإمامهم نبينا محمد ﵊، فقد قال الله له: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وسبل الدعوة هي توجيه الناس إلى الخير بالخطابة والموعظة والكتابة، والمشافهة الخاصة، ومن طريق الهاتف، ومن أي طريق يوصل به الداعي الحق إلى المدعوين، ليس لذلك حد محدود، متى أمكن الداعي إلى الله جل وعلا، أي طريق، يوصل به الحق، مما أباحه الله وشرعه الله، فعل ذلك؛ لأن المقصود هو إيصال الحق إلى الناس، والحرص على هدايتهم، وعلى قبوهم للحق،

стр. 11843

من طريق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فهو يعظهم بآيات الله، ويتلو عليهم كتاب الله، ويتلو عليهم السنة، ويفهمهم في المعنى، حسب الطاقة، ولكن ليس له أن يدعو إلا على علم وبصيرة، الذي ليس عنده علم، ليس له أن يدعو على جهالة، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، المعنى على علم، الجاهل ليس له أن يدعو حتى يتعلم، فإذا تعلم وكان على بصيرة دعا غيره على حسب ما عنده من العلم والبصيرة، أما الجهالة، فلا يجوز له أن يدعو وهو جاهل، بل ذلك محرم، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، فجعل القول بغير علم فوق مرتبة الشرك، نسأل الله العافية، وقال في وصف الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، فالواجب على الدعاة إلى الله سبحانه، أن يكونوا على بصيرة على علم، وأن يتوخوا الطرق والسبل الطيبة الجائزة التي توصل

стр. 11844

الحق إلى المدعوين، وتوضحه لهم، تلاوة وكتابة، وغير ذلك مما يتيسر به إيصال الحق إليهم، وللداعي مثل أجر من هداه على يديه، مثل ما قال ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (١) فمن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، والناس بحاجة إلى الدعوة، بل في ضرورة إلى الدعوة، في كل زمان، ولكن بعض الناس أشد حاجة من بعض، في المدن والقرى، فالذين عندهم علماء، وعندهم موجهون، حاجتهم أقل من حاجة الذين ليس عندهم أحد، فعلى العلماء أينما كانوا أن يوجهوا الناس، ويرشدوا الناس إلى الحق، ويبصروهم بدين الله ، ولهم مثل أجور من هداهم الله على أيديهم، وعليهم أن يتوجهوا إلى البلدان والقرى التي ليس فيها دعاة، حتى يقوموا بالواجب حسب طاقتهم، وهكذا أهل القبائل، قبائل العرب التي ليس فيها من يوجههم للخير، يجب على ولاة الأمور أن يوجهوا لهم الدعاة، حتى يبصروهم ويرشدوهم إلى الحق.

стр. 11845

١٨٧ - بيان توجيه من يرغب في الدعوة إلى الله تعالى س: يسأل المستمع ويقول: إنني أريد أن أكون أحد الدعاة إلى الله، وأدعو بالحق وبالعلم وبالمعرفة، بماذا تنصحونني في ذلك؟ جزاكم الله كل خير؟ (١) ج: ننصحك بالجد في طلب العلم، والتفقه في الدين، والدعوة إلى الله لأنك مسؤول مأمور بالدعوة إلى الله، إذا كان عندك علم، الله يقول سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، وعليك أن تدعو إلى الله، وتدعو الناس إلى الخير في بيتك، وفي جماعتك وفي مسجدك وفي قبيلتك، حسب طاقتك، لكن إذا كان عندك علم من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، عرضت ذلك على أهل العلم، وأذنوا لك ووجهوك فأنت اجتهد واعمل واحرص على الخير، وأبشر بالخير والعاقبة الحميدة، وإن كان ليس عندك علم، فلا تقل على الله ما لا تعلم، وتتكلم بغير علم، واسأل أهل العلم حتى يوجهوك ويبصروك، وإذا أحببت أن تكتب لنا في ذلك، أرشدناك إن شاء الله.

стр. 11846

١٨٨ - بيان حكم الدعوة إلى الله تعالى س: الأخ: ن. ن. أ، من اليمن يقول: هل الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم، أم على أشخاص معينين رسميين؟ جزاكم الله خيرًا؟ (١) ج: الدعوة إلى الله فرض كفاية، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقي، فإذا تولى الدعوة إلى الله من فيهم الكفاية في القرية، أو في القبيلة، أو في المدينة كفى، وإذ لم يكفوا؛ لأن القرية واسعة، أو المدينة واسعة، أو القبيلة واسعة، وجب على من عنده علم أن يشارك في الدعوة إلى الله حتى تحصل الكفاية والتعميم، ولو قام بها غيره كان أفضل له، حتى يشاركه في الخير، لقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٢) ولا تختص بالرسميين، بل هي مشروعة للجميع، الرسمي وغير الرسمي، وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروع للجميع، كلٌ يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، كما قال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

стр. 11847

، وقال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فالمشروع لجميع أهل العلم الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في المدينة وفي القرية وفي القبيلة وفي أي مكان، لكن إذا قام بذلك من تحصل بهم الكفاية في قبيلة معينة أو قرية معينة أو مدينة معينة سقط الوجوب عن الباقين، وصار في حق الباقين سنةً مؤكدة، من باب التعاون على البر والتقوى، والله المستعان.

стр. 11848

١٨٩ - بيان ما ينبغي أن يتحلى به الواعظ والخطيب س: يقول السائل المواعظ والخطب التي نسمعها من بعض المحدثين هداهم الله، حيث يخرج منهم كلام حاد وعنيف على بعض من صدرت منهم مخالفة، والبعض من الناس تحصل منه هذه المخالفة، عن طريق الجهل، هل هذا مشروع؟ (١) ج: السنة للواعظ والمذكِّر الرفق، واستعمال الأسلوب الحسن،

стр. 11849

والترغيب والترهيب، الجدال بالتي هي أحسن، هذا هو السنة، قال الله تعالى:: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، حتى يقبل الناس الحق، وحتى يخضعوا لسماع الخير، وحتى يطمئنوا، ولا يكون في مثل هذا التعنيف والتشديد؛ لأن هذا ينفر من سماع المواعظ والذكرى، وقد قال النبي ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» (١) وقد قال الله تعالى في وصف نبيه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فما دام المستمعون يصغون إلى الحديث، ويستفيدون فالحمد لله، عليه أن يستمر ويراعي الأسلوب الحسن، والرفق رجاء أن ينفعهم الله بما يسمعون، أما من تعدى وظلم، فله شأن آخر في عقابه، وفي عقابه بما يستحق، لما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، من ظلم له عقاب يليق به، لكن الداعية يستعمل الرفق في دعوته، وإذا دعت الحاجة إلى الشدة في

стр. 11850

بعض المنكرات لأن صاحبها قد ظلم، وتعدى وكابر فلا بأس.

стр. 11851

١٩٠ - حكم من يدعو إلى الله تعالى وعنده بعض النقص في دينه س: يقول السائل عندنا في السودان ناسٌ يدعون إلى الإسلام، ويعملون لإعلاء كلمة الله، وتطبيق شرع الله، ولكن تطالعنا صور بعضهم وهم من قادة هذه الدعوة بدون اللحى، أي يحلقون اللحية، والرسول ﷺ أمر بإطلاق اللحى في عدة أحاديث، ما رأى سماحتكم في مخالفة هذا الأمر؟ (١) ج: الداعي إلى الله جل وعلا، والمعلم لعباد الله ليس بمعصوم، فإذا كان يدعو إلى الله جل وعلا، ويرشد الناس إلى الخير، فهو مشكور وله أجره العظيم، كما قال النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (٢) والله يقول سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فالدعوة إلى الله وإلى توحيده، وإلى طاعة أوامره وترك نواهيه، هذه هي سبيل الرسل:

стр. 11852

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ والداعي إلى الله قد يقع منه بعض المعاصي ليس بمعصوم، فلا تزهد فيه من أجل هذه المعصية، اسمع ما يقوله من الحق، من: قال الله وقال رسوله واستفد من ذلك وانتفع بذلك وادع الله أن يوفقه لتوفير لحيته وإكرامها، وإعفائها، فلا شك أن حلق اللحية محرم ومنكر، كما قال النبي ﷺ : «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى، خالفوا المشركين» (١) وقال ﵊: «خالفوا المشركين وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب» (٢) وقال في اللفظ الآخر: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» (٣) كلها أحاديث صحيحة، بعضها في الصحيحين، وبعضها في صحيح مسلم، فالواجب على كل مسلم وإن كان من غير أهل العلم، أن يعفيها وأن يوفرها وأهل العلم أولى بهذا؛ لأنهم الدعاة ولأنهم القدوة، فالواجب عليهم أن يوفروها ويحترموها طاعة لله ولرسوله، وعملاً بشرع

стр. 11853

الله وحتى تقبل دعوتهم وحتى لا يساء الظن، لكن لو قصر في ذلك فإنك لا تترك الاستجابة لدعوتهم للحق، وعليك أن تقبل الدعوة بالحق، وإن كان صاحبها مقصرًا في بعض الأمور، فليس الداعي إلى الله كاملاً ولا معصومًا، فقد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله وعنده بعض النقص، فاقبل منه فيما دعا إليه من الخير والهدى وانصحه فيما قصر فيه، نصيحة المؤمن لأخيه باللطف والأسلوب الحسن، وأنت مأجور وهو مأجور هو على ما قال به من الخير، وأنت مأجور على النصيحة والتوجيه إلى الخير، ولا يمنعك تقصيره في أن تقبل دعوته للخير، وأن تعينه على الخير، وفق الله الجميع.

стр. 11854

١٩١ - بيان الفرق بين الداعي وبين الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر س: ما هو الفرق بين الدعوة إلى الله وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ (١) ج: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة إلى الله، لكن الآمر والناهي يستطيع أن يزيل المنكر، ويُلزم بالمعروف إذا كان عنده قدرة، والداعي إلى الله يبين الأحكام الشرعية، ويرشد إليها ويحذر من

стр. 11855

مخالفتها، ولا يلزم بذلك، ولهذا جمع الله بين الأمرين، فقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فالداعي يبين ويرشد الناس، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مع الدعوة يلزم بالحق ويمنع المنكر؛ لأن عنده سلطانًا وعنده قوة.

стр. 11856

١٩٢ - بيان ضابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر س: هذا سائل للبرنامج يقول: ما هو ضابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفظكم الله؟ (١) ج: يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، هذا وصف المؤمنين والمؤمنات، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومعنى الأمر بالمعروف إذا رأيت من لا يصلي في الجماعة تأمره بالمعروف، تحثه على الصلاة في الجماعة، هذا معروف وتركها منكر، وتأمره بالمعروف وهو الصلاة في

стр. 11857

الجماعة، وتنهاه عن المنكر وهو التخلف عنها، وإذا رأيت الذي يشرب الدخان، تأمره بترك الدخان وتنهاه عن شربه، فالأمر بالترك أمر بالمعروف، والنهي عن شربه نهي عن المنكر، وإذا رأيت الذي يحلق لحيته أو يقصرها، تقول له: اتق الله وفر اللحية، هذا أمر بالمعروف، لا تحلقها هذا نهي عن المنكر، وإذا رأيت الذي يعق والديه، تنهاه عن ذلك، وتقول: اتق الله بر والديك، أحسن إليهما لا تعقهما، فالأمر بالبر أمر بالمعروف، والنهي عن العقوق نهي عن المنكر، وإذا رأيت الذي يشرب الخمر، تنهاه؛ لأن هذه نهي عن المنكر، تقول له: اتق الله، راقب الله اترك الخمر، هذا نهي عن المنكر، وإذا رأيت الذي يسبل ثيابه ويجرها تحت الكعب، تقول: اتق الله، ارفع ثيابك، الإسبال محرم، منكر اتق الله راقب الله، هذا من النهي عن المنكر.

стр. 11858

١٩٣ - حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر س: ما حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الخاصة والعامة؟ أي هل يعذر بقية المسلمين إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر؛ لأنهم لا يأخذون على ذلك أجرًا؟ (١)

стр. 11859

ج: هذه مسألة عظيمة يجب على أهل الإسلام أن يعنوا بها، وأن يعظموها كما عظمها الله، ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد بين الله أن من صفات المؤمنين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ليس خاصًا بالرجال دون النساء، وبالنساء دون الرجال، بل على الجميع، وليس خاصًا بأهل الحسبة، الذين لهم مرتبات، مكلفون بهذا الشيء، لا، بل يعم الجميع، لكنه أشد وجوبًا وأعظم مسؤولية، ولكن الأمر عام للجميع للعلماء والعامة، والصغير والكبير، للمكلفين والأمراء والقضاة، كل منهم عليه واجبه، وعليه قسطٌ من هذا الأمر، قال الله في كتابه العظيم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فذكر سبحانه أن من صفات المؤمنين والمؤمنات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا واجب ومن أخلاق المؤمنين والمؤمنات، فيجب عليهم ألاَّ يتساهلوا فيه، بل يجب عليهم أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر كما ذكر الله، هذا من صفاتهم، وقال

стр. 11860

سبحانه وتعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وذم الله كفار بني إسرائيل ولعنهم على عصيانهم واعتدائهم، وعدم نهيهم عن المنكر، وقال جل علا: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، بعدما ذكر أنه سبحانه لعن كفار بني إسرائيل، على لسان داود وعيسى ابن مريم، ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وفسر العصيان والاعتداء بقوله: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فذمهم وعابهم ولعن كفارهم الذين فعلوا هذا المنكر وتساهلوا فيه، فوجب على المسلم أن يحذر صفات الكفرة، وأن لا يكون على أخلاقهم، بل يكون بعيدًا عن أخلاق الكافرين، ويكون أمارًا بالمعروف نهاءً عن المنكر، حتى يسلم من العقوبة العامة والخاصة، وقال جل وعلا في آية أخرى:

стр. 11861

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ والنبي ﵊ قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيروه، أوشك الله أن يعمهم بعقابه» (١) هذا وعيد عظيم يدل على أن الناس إذا تساهلوا بهذا الأمر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمهم العقاب، والعقاب قد يكون في القلوب بطمسها والختم عليها، ومرضها وإعراضها عن الحق، وقد يكون بعقوبات أخرى، من تسليط أعداء، من غور المياه، من أمراض عامة، من عقوبات متعددة متنوعة، بسبب التساهل بهذا الواجب العظيم، والخلاصة أن هذا أمر عظيم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر عظيم، وواجب مقدس، وفرض على المسلمين إذا قام به من يكفي في البلد أو القرية سقط عن الباقين، أما إذا لم يقم به من يكفي، وجب على الباقين وأثموا بتركه، وإذا كنت في محل أو في قرية أو في بلد أو في مسجد أو في حارة فيها منكر ظاهر، ولم ينكره أحد وجب عليك إنكاره، وألاَّ تتساهل فيه؛ لأنه لم يوجد من ينكره، ويقوم مقامك فيه، فالواجب عليك أن تنكر المنكر، أينما كنت حسب طاقتك، كما قال

стр. 11862

النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١) خرجه مسلم في الصحيح، وهذا يدل على أنه مراتب، وأنه واجب على كل مسلم، وأنه ينكر حسب طاقته، بيده ثم لسانه ثم قلبه، والإنكار بالقلب يكون بالتغير، بالتمعر والكراهة والمفارقة للمجلس الذي فيه المنكر، إذا لم يستجيبوا لنهيه وإنكاره، هكذا يكون المؤمنون، وقد قال ﵊: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» (٢) وقال: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده» (٣) وقال أيضًا ﵊: «يا أيها الناس إن الله يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم وتسألوني فلا أعطيكم،

стр. 11863

وتستنصروني فلا أنصركم» (١) هذا يدل على الخطورة العظيمة، نحن في عصر تساهل أكثر الناس فيه، وضعفت فيهم الغيرة، وفشا فيه المنكر، وقل الإنكار، فواجب على المسلم ألاَّ يتخلق بهذا الخلق، وألاَّ يغتر بالناس، وهكذا المسلمة في بيتها، ومع أولادها، مع جيرانها، يجب أن تكون غيورة لله ، وتنكر المنكر على بنتها وأختها، وخادمتها ومن حولها، ومن ترى في الأسواق وغير الأسواق، تنكر المنكر بيدها ولسانها حسب طاقتها، على أولادها تنكر المنكر بيدها، تزيل المنكر على أهل بيتها، من خدم وغيرهم، وفي غير ذلك، تنكر بلسانها حسب الطاقة، كالرجل سواء كل منهما عليه واجب من الإنكار باليد، ثم اللسان ثم القلب، وبهذا تصلح الأمور وتصلح المجتمعات، ويكثر فيها الخير، وتسود فيها الفضائل، وتقل بها الرذائل، لكن إذا تساهل الناس، ورأوا المنكرات ولم يغيروها، انتشرت الرذائل، وقلت الفضائل، وضعف جانب الأمر والنهي، بسبب التساهل، وخشي من العقوبات العامة والخاصة على الجميع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 11864

١٩٤ - بيان دفع التعارض بين حديث ... «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١) وبين حديث: «من رأى منكم منكرًا فليغيره» (٢) ... الحديث س: السائل: أ. س، يقول: ما الفرق بين حديث الرسول ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وبين حديث الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٣)؟ (٤) ج: ليس بينهما تعارض، هذا معناه شيء وهذا معناه شيء، «من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه» (٥) شيء ما لا يعنيه ولا له فيه دخل ولا يهمه، لا يتعرض له ولا يدخل نفسه في شيء ما له فيه لزوم، إنسان يسار أخاه يقول وش تقولون، وش عليه منهم، إنسان ذهب

стр. 11865

ليزور أخاه يقول له: ليش تزوره، وش تبغي تزوره، يعني لا يشغله ما لا يعنيه، شيء ما له فيه لزوم، لا يسأل عنه، لا يدخل فيما لا يعنيه، أما المنكر فهو يعنيه، الرسول أمر بإنكار المنكر، بل الله أمر بذلك قال جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، المؤمن مأمور بهذا، وقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، ويقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإنه لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١) هذا بعني كل مؤمن وكل مؤمنة، بل واجب على الجميع إنكار المنكر، ليس داخلاً في حديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٢) هذا شيء وهذا شيء.

стр. 11866

١٩٥ - بيان معنى حديث «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» (١) ... الحديث س: سائلة تقول في سؤالها: أرجو أن تشرحوا لنا حديث الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢)؟ (٣) (٤) ج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فهذا الحديث من الأحاديث الصحيحة، قد خرجه مسلم ﵀ في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٥) معناه: أن المؤمن وهكذا المؤمنة إذا رأيا المنكر وجب تغييره باليد مع الاستطاعة، كالأمير في حدود صلاحيته، وكذلك الهيئة في حدود صلاحيتها، وكالأب مع أهل بيته، والأخ مع أهل بيته، على حسب القدرة، كخمر يراق، آلة لهو تكسر وما أشبه ذلك، فإن لم يستطع

стр. 11867

فبلسانه، يقول: يا عبد الله هذا لا يجوز، يا أمة الله هذا لا يجوز، الواجب ترك هذا الشيء، احذروه، الله حرم عليكم هذا الشيء، وهكذا يجب على كل مؤمن ومؤمنة، يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، والمنكر ما نهى الله عنه ورسوله، والمعروف ما أمر الله به ورسوله، فإن لم يستطع المؤمن أو المؤمنة الإنكار باليد ولا باللسان فبالقلب، يكره في قلبه المنكر، يعلم الله من قلبه أنه يكرهه ويحب زواله، ولا يحضر أهله، لا يحضر معهم المجلس الذي فيه شرب الخمر، لا يحضر المكان الذي فيه آلات الملاهي، فيه الغيبة والنميمة لا يحضره، ما دام لا يستطيع الإنكار لا بيده ولا بلسانه، هذا هو معنى الحديث، وفق الله الجميع. س: يقول السائل: إذا كان إنكار المنكر درجات فهل ينبغي للناهي عن المنكر أن يتأمل تلك الدرجات حتى لا يقع في الخطأ؟ ج: نعم، عليه أن يتأمل حتى يقوم بما يلزمه، إذا كان ممن يستطيع كالهيئة المخولة في حدود التعليمات إذا أنكرت الفعل، الأمير، الأب مع أهل بيته، السلطان حسب القدرة، فالذي ليس عنده قدرة على الإنكار باليد

стр. 11868

ينكر باللسان، يقول: هذا لا يجوز، اتقوا الله، راقبوا الله، احذروا هذا الشيء، اتركوا هذا الشيء، ونحو ذلك، بالأساليب الحسنة التي يترتب عليها ترك المنكر، والقناعة بلزوم الحق، فإذا عجز باليد واللسان بقي القلب، يكرهه بقلبه إذا علم الله من قلبه كراهة المنكر ولا يحضر أهله.

стр. 11869

١٩٦ - بيان الطريق الأمثل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر س: ما هو الطريق الأمثل للأمر بالمعروف والدعوة إلى الله، حفظكم الله؟ (١) ج: الله قد بيّن طريق الدعوة، وماذا ينبغي للداعي، فقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فالداعي إلى الله يجب أن يكون على علم وعلى بصيرة، فيما يدعو إليه وفيما ينهى عنه، حتى لا يقول على الله بغير علم، ويجب الإخلاص في ذلك، لأن الله قال: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، لا إلى مذهب ولا إلى رأي فلان أو فلان، ولكنه يدعو إلى الله، يريد ثوابه، يريد مغفرته، يريد صلاح الناس، فلا بد أن يكون عن إخلاص، ولا بد أن

стр. 11870

يكون عن علم، وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، هذا بيان كيفية الدعوة، وأنها تكون بالحكمة أي بالعلم: قال الله، قال رسوله، سمَّى العلم حكمة؛ لأنه يردع عن الباطل، ويعين على إثبات الحق، ويكون مع العلم موعظة حسنة، وجدال بالتي هي أحسن عند الحاجة إلى ذلك، بعض الناس قد يكفيه بيان الحق بأدلته؛ لأنه يطلب الحق ومتى ظهر له قبله، وقد يكون في غير حاجة إلى الموعظة، وبعض الناس قد يكون عنده شيء من التوقف، شيء من الجفاء، فيحتاج إلى موعظة، فالداعي إلى الله يعظ ويقيم الأدلة، ويذكر إذا احتاج إلى ذلك، مع الجفاة ومع الغافلين ومع المتساهلين، حتى يقتنعوا وحتى يلتزموا بالحق، وقد يكون المدعو عنده شيء من الشبه، فيجادل في ذلك، ويريد كشف الشبهة، فالداعي إلى الله يوضح له الحق، بأدلته ويزيح الشبه بالأدلة الشرعية؛ لكن بكلام طيب وبالأسلوب الحسن وبرفق، لا بعنف وشدة، حتى لا يبقى للمبطل أو للمنهي أو للمدعو شبهة، يزيلها حسب الطاقة، قال الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقال الله لما
следующие страницы →