← Фатава

Фатава · id 107

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الشويعر

ابن باز

Полный текст (14 939 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.

стр. 11866

١٩٥ - بيان معنى حديث «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» (١) ... الحديث س: سائلة تقول في سؤالها: أرجو أن تشرحوا لنا حديث الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢)؟ (٣) (٤) ج: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فهذا الحديث من الأحاديث الصحيحة، قد خرجه مسلم ﵀ في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٥) معناه: أن المؤمن وهكذا المؤمنة إذا رأيا المنكر وجب تغييره باليد مع الاستطاعة، كالأمير في حدود صلاحيته، وكذلك الهيئة في حدود صلاحيتها، وكالأب مع أهل بيته، والأخ مع أهل بيته، على حسب القدرة، كخمر يراق، آلة لهو تكسر وما أشبه ذلك، فإن لم يستطع

стр. 11867

فبلسانه، يقول: يا عبد الله هذا لا يجوز، يا أمة الله هذا لا يجوز، الواجب ترك هذا الشيء، احذروه، الله حرم عليكم هذا الشيء، وهكذا يجب على كل مؤمن ومؤمنة، يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، والمنكر ما نهى الله عنه ورسوله، والمعروف ما أمر الله به ورسوله، فإن لم يستطع المؤمن أو المؤمنة الإنكار باليد ولا باللسان فبالقلب، يكره في قلبه المنكر، يعلم الله من قلبه أنه يكرهه ويحب زواله، ولا يحضر أهله، لا يحضر معهم المجلس الذي فيه شرب الخمر، لا يحضر المكان الذي فيه آلات الملاهي، فيه الغيبة والنميمة لا يحضره، ما دام لا يستطيع الإنكار لا بيده ولا بلسانه، هذا هو معنى الحديث، وفق الله الجميع. س: يقول السائل: إذا كان إنكار المنكر درجات فهل ينبغي للناهي عن المنكر أن يتأمل تلك الدرجات حتى لا يقع في الخطأ؟ ج: نعم، عليه أن يتأمل حتى يقوم بما يلزمه، إذا كان ممن يستطيع كالهيئة المخولة في حدود التعليمات إذا أنكرت الفعل، الأمير، الأب مع أهل بيته، السلطان حسب القدرة، فالذي ليس عنده قدرة على الإنكار باليد

стр. 11868

ينكر باللسان، يقول: هذا لا يجوز، اتقوا الله، راقبوا الله، احذروا هذا الشيء، اتركوا هذا الشيء، ونحو ذلك، بالأساليب الحسنة التي يترتب عليها ترك المنكر، والقناعة بلزوم الحق، فإذا عجز باليد واللسان بقي القلب، يكرهه بقلبه إذا علم الله من قلبه كراهة المنكر ولا يحضر أهله.

стр. 11869

١٩٦ - بيان الطريق الأمثل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر س: ما هو الطريق الأمثل للأمر بالمعروف والدعوة إلى الله، حفظكم الله؟ (١) ج: الله قد بيّن طريق الدعوة، وماذا ينبغي للداعي، فقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فالداعي إلى الله يجب أن يكون على علم وعلى بصيرة، فيما يدعو إليه وفيما ينهى عنه، حتى لا يقول على الله بغير علم، ويجب الإخلاص في ذلك، لأن الله قال: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، لا إلى مذهب ولا إلى رأي فلان أو فلان، ولكنه يدعو إلى الله، يريد ثوابه، يريد مغفرته، يريد صلاح الناس، فلا بد أن يكون عن إخلاص، ولا بد أن

стр. 11870

يكون عن علم، وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، هذا بيان كيفية الدعوة، وأنها تكون بالحكمة أي بالعلم: قال الله، قال رسوله، سمَّى العلم حكمة؛ لأنه يردع عن الباطل، ويعين على إثبات الحق، ويكون مع العلم موعظة حسنة، وجدال بالتي هي أحسن عند الحاجة إلى ذلك، بعض الناس قد يكفيه بيان الحق بأدلته؛ لأنه يطلب الحق ومتى ظهر له قبله، وقد يكون في غير حاجة إلى الموعظة، وبعض الناس قد يكون عنده شيء من التوقف، شيء من الجفاء، فيحتاج إلى موعظة، فالداعي إلى الله يعظ ويقيم الأدلة، ويذكر إذا احتاج إلى ذلك، مع الجفاة ومع الغافلين ومع المتساهلين، حتى يقتنعوا وحتى يلتزموا بالحق، وقد يكون المدعو عنده شيء من الشبه، فيجادل في ذلك، ويريد كشف الشبهة، فالداعي إلى الله يوضح له الحق، بأدلته ويزيح الشبه بالأدلة الشرعية؛ لكن بكلام طيب وبالأسلوب الحسن وبرفق، لا بعنف وشدة، حتى لا يبقى للمبطل أو للمنهي أو للمدعو شبهة، يزيلها حسب الطاقة، قال الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقال الله لما

стр. 11871

بعث موسى وهارون إلى فرعون: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، ويقول ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (١) ويقول ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» (٢) فعلى الداعي إلى الله، عليه أن يتحرى ويرفق ويجتهد في الإخلاص لله، وفي علاج الأمور بالطريقة التي رسمها الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وأن يكون في هذا كله على علم، وعلى بصيرة، وعلى هدى، حتى يقنع الطالب للحق، وحتى يزيل الشبهة لمن عنده شبهة، وحتى تلين القلوب لمن عنده جفاء، أو قسوة أو إعراض، يلين القلوب بالدعوة إلى الله، والموعظة الحسنة، والتوجيه إلى الخير، وبيان ما له عند الله من الخير إذا قبل الحق، وما عليه من الخطر إذا رد الحق، إلى غير هذا من وجوه الموعظة. وأما أصحاب الحسبة، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فكذلك يجب أن يلزموا الآداب الشرعية، وفيما يلتزمه الداعية إلى الله، عليه بالرفق، وعدم العنف، إلا إذا دعت الحاجة إلى هذا، من

стр. 11872

الظلمة والمكابرين والمعاندين، أما عندهم فمثل ما للداعي، ينكر المنكر بالرفق والحكمة، ويأمر بالمعروف بالرفق والحكمة، ويقيم الأدلة على ذلك حتى يقنع صاحب المنكر، وحتى ينتبه وحتى يلتزم بالحق، وذلك على حسب الاستطاعة، كما قال ﵊: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١) رواه مسلم والله يقول سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ويقول سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وقد توعد سبحانه من ترك ذلك، وأعرض عن ذلك، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم واعتدائهم، وعدم تناهيهم عن المنكر، حيث قال سبحانه في كتابه العظيم في سورة المائدة:

стр. 11873

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فالأمر عظيم، فيجب على أهل الإيمان، وعلى أهل القدرة من الولاة والعلماء وغيرهم، من أعيان المسلمين الذين عندهم قدرة، وعندهم علم أن ينكروا المنكر، وأن يأمروا بالمعروف، وليس هذا خاصًا بطائفة معينة، وإن كانت الطائفة المعينة عليها واجبها، وعليها العلم الأكبر، لكن لا يلزم من ذلك إهمال غيرها، بل يجب على غيرها أن يساعدوها، وأن يكونوا معها في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، حتى يكثر الخير، ويقل الشر، ولا سيما إذا كانت الطائفة المعينة لم تغط المطلوب، ولم يحصل بها المقصود، بل الأمر أوسع والشر أكثر، فإن مساعدتها واجبة بكل حال، أما لو قامت بالمطلوب وحصل بها الكفاية، فهذا معلوم بأنه فرض كفاية، فإذا حصل بالمعينين أو بالمتطوعين المسؤولين المطلوب، من إزالة المنكر والأمر بالمعروف، صار في حق الباقين سنة، أما وجود منكر ليس له من يزيله إلا أنت، لأنك الموجود في القرية، أو في القبيلة، أو في الحي ليس

стр. 11874

فيهم من يأمر بالمعروف سواك، فإنه يتعين عليك إنكار المنكر، والأمر بالمعروف ما دمت أنت الذي علمته، وأنت الذي تستطيع إنكاره، فإنه يلزمك، فمتى وجد معك غيرك، صار فرض كفاية، من قام به منكما أو منكم، حصل به المقصود، فإن تركتم ذلك جميعًا، أثمتم جميعًا؟ فالحاصل أنه فرض على الجميع، فرض كفاية متى قام به من المجتمع، أو من القبيلة أو من القرية أو من المدينة من يكفي، سقط عن الباقين، وهكذا الدعوة إلى الله ومتى تركها الجميع أثموا، وصار الإثم عامًا لهم؛ لأنهم قصروا في الواجب، ولم يقوموا به، ومتى قام به من يكفي دعوةً وتوجيهًا وإنكارًا للمنكر، صار في حق الباقين سنة عظيمة؛ لأن المشاركة في الخير مطلوبة.

стр. 11875

١٩٧ - بيان العلوم التي يجب على الداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر معرفتها س: ما هو العلم الذي يجب أن يتعلمه الذي يريد الدعوة إلى الله على بصيرة، ويريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الطريقة الشرعية؟ (١)

стр. 11876

ج: لا بد من العلم، والعلم قال الله، قال رسوله، العلم أن يعتني بالقرآن الكريم، وبالسنة المطهرة، يعرف ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، ويعرف طريقة الرسول ﷺ ، في دعوته إلى الله، وفي إنكاره للمنكر، وطريقة أصحابه ﵃ وأرضاهم، يكون متبصرًا في هذا، بمراجعة كتب الحديث الشريف، مع العناية بالقرآن الكريم، ومع مراجعة كلام العلماء في هذا الباب، فقد أوسعوا الكلام رحمة الله عليهم، وبينوا ما يجب، فالذي ينتصب لهذا الأمر، يجب عليه أن يعنى بهذا الأمر، حتى يكون في ذلك على بصيرة، من كتاب الله ومن سنة الرسول ﵊، حتى يضعوا الأمور في مواضعها، فيضع الدعوة إلى الخير موضعها، والنهي عن المنكر في موضعه، وهكذا إنكار المنكر، والأمر بالمعروف يكون في موضعه على بصيرة، على علم حتى لا يقع منه إنكار المنكر، بما هو أنكر منه، وحتى لا يقع منه الأمر بالمعروف، على وجه يوجد منكرًا أكثر من هذا الأمر الذي دعا إليه، المقصود أنه لا بد من علم، حتى يضع الأمور في مواضعها، وحتى إذا أنكر المنكر نفع ذلك، ولم يترتب عليه ما هو أنكر، وحتى إذا دعا إلى المعروف يرجى أن يحصل المعروف، أو على الأقل لا يترتب عليه منكر، يكون أكبر وأعظم وأشر، من ترك هذا المعروف.

стр. 11877

١٩٨ - بيان مكانة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام س: الأخ: ن. ن. ن.، يسأل: عن الكيفية الصحيحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما هي الحكمة المقصودة في مثل هذا المقام؟ (١) ج: هذا سؤال عظيم وجدير بالعناية؛ لأن الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر من أهم الواجبات ومن فرائض الإسلام، ولأن القيام بذلك من أهل العلم والإيمان والبصيرة من أعظم الأسباب في صلاح المجتمع وسلامته، من عقاب الله سبحانه واستقامته على الصراط المستقيم، ولهذا يقول سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، فجعلهم خير أمة بسبب هذه الأعمال الطيبة، وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وصفهم بالفلاح لهذا الأمر العظيم، لدعوتهم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فجعلهم مفلحين بعملهم الطيب، والفلاح هو

стр. 11878

الحصول على كل خير، والحصول على أسباب السعادة، وقال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فوعدهم الرحمة على أعمالهم الطيبة التي منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يدل على أن هذا هو الواجب على المؤمنين والمؤمنات، ليس خاصًا بأحد دون أحد، بل هذا هو الواجب على المؤمنين والمؤمنات، وهو من صفاتهم العظيمة وأخلاقهم الكريمة، لكن يكون بالحكمة، يكون بالعلم لا بالجهل ولا بالعنف والشدة، ولكن بالعلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عن علم وعن بصيرة، بما أمر الله به وما نهى الله عنه، فالمعروف هو ما أمر الله به ورسوله، والمنكر هو ما نهى عنه ورسوله، فالواجب على الآمر الناهي أن يكون ذا بصيرة، يكون على علم سواءً كان رجلاً أو امرأة، لا بد أن يكون على علم وإلا فليمسك، حتى لا يأمر بالمنكر أو ينهى عن المعروف، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، يعني على علم، ويقول سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾،

стр. 11879

والدعوة إلى الله من جنس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنه بيان الحق وإظهاره للناس، فالآمر كذلك يدعو إلى الله والناهي كذلك، إلا أن الآمر والناهي قد يكون عنده من السلطة ما يردع المنكر، ويلزم بالمعروف، والداعي إلى الله أوسع من ذلك، يبين للناس ويرشدهم إلى الحق، وقد لا تكون عنده سلطة للإلزام، فالحاصل أن الواجب على الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون على علم، وأن يكون على بينة وعلى بصيرة، حتى لا يأمر بما يخالف الشرع، وحتى لا ينهى عمَّا هو موافق للشرع، والواجب أيضًا أن يكون برفق، وعدم عنف وعدم كلمات بذيئة، بل يكون بكلام طيب، وأسلوب حسن ورفق، كما قال الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقال سبحانه لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، فالآمر الناهي يرفق بالناس ويأمرهم بالألفاظ الحسنة، وينهاهم بالألفاظ الحسنة، حتى يكون ذلك أقرب إلى

стр. 11880

قبول أمره ونهيه، والاستفادة من ذلك إلا من ظلم وتعدى وأبى، فهذا له أسلوب آخر من التعنيف والتأديب إذا لم يلتزم بالأمر بالمعروف، ولم ينته عن المنكر، أما في أول الأمر، فإنه يخاطبهم بالتي هي أحسن، ويرشدهم وينصحهم حتى يلتزموا الحق، فمن عاند وأبى فله حال أخرى من جهة إجراء ما يستحق من تعنيف وتشديد وتأديب، أو سجن، أو غير ذلك مما يقتضيه الشرع المطهر، والله المستعان.

стр. 11881

١٩٩ - بيان وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة س: أريد أن أدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، لكن كيف أفعل؟ هل أشرع في إزالة المنكر عندما أراه هل يعتبر من الحكمة؟ (١) (٢) ج: الله يقول سبحانه في كتابه الكريم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، الحكمة العلم، قال الله، قال رسوله، ووضعها في المحل المناسب، هذه الحكمة أن تكلم بالحق في الوقت المناسب، والمحل المناسب، فتؤدي هذه الأوامر بالعبارات الحسنة، والألفاظ اللينة التي ليس فيها عنف، هذه الموعظة الحسنة، قال

стр. 11882

الله قال رسوله، يا عبد الله، هذا لا يجوز، اتق الله يرحمك الله، هذا يجب عليك، هذا يجب تركه، بعبارات لينة مع بيان الأدلة، قال الله: كذا، قال الرسول: كذا، ﵊، وهكذا تكون الحكمة والموعظة الحسنة، بالكلام الواضح من كلام الله وكلام رسوله مع الرفق وعدم العنف والشدة أو السب أو ذلك، بل يكون كلامه واضحًا لينًا ليس فيه عنف ولكن فيه الرفق والكلام الطيب والجدال بالتي هي أحسن عند المجادلة، إذا جادل من فعل المنكر فيجادله بالتي هي أحسن إلا من ظلم، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ من ظلم يستحق الجدل بمثل عمله. س: هل هناك حدود وقواعد على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ليتبعها ويسير عليها؟ (١) ج: نعم، قد صرح أبو العباس ابن تيمية ﵀ بهذا المعنى في كتاب الحسبة، كتابه الذي سماه الحسبة صرح بهذا المعنى، السلطة في

стр. 11883

هذا الشيء أو للإنسان مع أهل بيته، ومع أولاده يستطيع هذا باليد، أو مع خدمه أو مع نحو ذلك، حيث قدر. الثاني: من ليس له سلطة، وليس عنده قدرة، فهذا باللسان، يقول: يا عبد الله كذا، هذا لا يجوز، هذا واجب عليك، هذا حرام عليك، اتق الله، هداك الله، أصلحك الله، وما أشبه ذلك. الثالث: القلب ما يقدر يتكلم ينكر بقلبه، ولا يحضر المنكر، يفارق المنكر ويكرهه في قلبه. س: ما هو ضابط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عند رؤيته للمنكر؟ (١) ج: نعم، يشترط في هذا ألاَّ يكون هذا الإنكار بسبب وقوع ما هو أنكر، فإذا كان إنكاره لهذا المنكر يخشى منه منكر أكبر، فليجتنب ذلك حتى لا يقع الأكبر إذا أنكر عليه - مثلاً - جلوسه في محل ما هو مناسب، أو أنكر عليه شرب الدخان أو ما أشبه ذلك، شرب المسكر شرب الخمر أو إذا أنكر عليه سب المسلم، سب الله، ما كفاه سب المسلم، سب الله، ما كفاه سب المسلم سب الله، فهذا يترك حتى يعالج

стр. 11884

بطريقة أخرى، فالمقصود أنه يتحرى في إنكار المنكر أن يترتب عليه زوال المنكر وعدم حصول ما هو أنكر منه، فإذا كان في جماعة لو أنكر عليهم حصل منهم ما هو أنكر، يتركهم إلى وقت آخر أو إلى جهات أخرى تقوم عليهم. س: سماحة الشيخ، هل هناك حد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أم أن الأمر على إطلاقه؟ (١) ج: النبي ﷺ فصل ذلك، قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢) هذه حدوده باليد عند القدرة، وهذا يكون للمسؤولين من جهة الدولة جعلت لهم الدولة. س: الأمر بالمعروف علم مستقل بذاته، سماحة الشيخ؟ ج: نعم علم مستقل يحتاج إلى عناية، والناس أقسام فلا بد من رعاية حصول المصلحة، وزوال المضرة، المقصود من إنكار المنكر

стр. 11885

زوال الشر وحصول الخير هذا المقصود، فإذا كان هذا الإنكار يترتب عليه زيادة الشر يؤجله، لا يفعل.

стр. 11886

٢٠٠ - بيان ما يلزم من رأى من قرابته بعض المنكرات س: كيف يكون موقف من رأى من أقاربه من يرتكب بعض المنكرات، حيث إن بعض الأخوات تشكو من ذلك، جزاكم الله خيرًا؟ (١) (٢) ج: عليها أن تنكر المنكر بالأسلوب الحسن، والكلام الطيب والرفق والعطف على صاحب المنكر؛ لأنه قد يكون جاهلاً، وقد يكون شرس الأخلاق، وعند الإنكار عليه بشدة، يزداد شره، فعليها أن تنكر المنكر على أختها في الله، وعلى أخيها في الله، لكن بالأسلوب الحسن والكلام الطيب، وذكر الدليل: قال الله وقال رسوله، مع الدعاء له بالتوفيق والهداية، هكذا يكون عندها وعند الرجل، من الحكمة والبصيرة والتحمل، ما يجعل الذي ينكر عليه يتقبل، لا ينفر ولا يعاند، يعني يجتهد الداعي ويجتهد المنكر، يجتهد في استعمال الألفاظ التي يرجى من ورائها قبول الحق.

стр. 11887

س: إذا كان المنكر الذي تراه هذه الأخت هو الاختلاط وعدم الحجاب، كيف تنصحونها، سماحة الشيخ؟ ج: عليها أن تنصح وتقول لأختها في الله، الواجب عليك كذا وعدم الاختلاط، الواجب عليك عدم السفور، والتحجب عن الرجال الذين ليسوا محارم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، وهكذا تخاطبهم بالآيات والنصوص، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ يا أختي في الله الأمر عظيم، فإن السفور يترتب عليه كذا وكذا، والاختلاط بالرجال يترتب عليه كذا وكذا، فالواجب علينا جميعًا أن نحذر ما حرم الله، وأن نتعاون على البر والتقوى، وأن نتواصى بالحق ونتناصح، وهكذا تكون العبارات حسنة.

стр. 11888

٢٠١ - بيان موقف الداعية من مرتكب المعصية س: مقاطعة مرتكب الخطيئة، ما موقف الداعية منها، ولا سيما إذا كان من الأقارب؟ (١) ج: هذا فيه تفصيل، مقاطعة صاحب المنكر وهجره فيه تفصيل، يشرع هجره ومقاطعته، إذا أعلن المنكر وأصر ولم ينفع فيه النصح، شرع لقريبه أو جاره أو غيرهم هجره، وعدم إجابة دعوته، وعدم السلام عليه حتى يتوب إلى الله من هذا المنكر، هكذا فعل النبي والصحابة لما تخلف كعب بن مالك الأنصاري، وصاحباه عن غزوة تبوك بغير عذر شرعي، أمر النبي ﷺ ألا يُكلموا ويهجروا، فهجروا جميعًا وتركوا جميعًا، لا أحد يسلم عليهم، ولا يدعون لوليمة، ولا يرد ﵈، إذا سلموا حتى تابوا وتاب الله عليهم، أما إن كان هجر الشخص قد يترتب عليه ما هو أنكر؛ لأنه ذو شأن في الدولة، أو ذو شأن في القبيلة، يترك هجره ويعامل بالتي هي أحسن، ويرفق به حتى لا يترتب على هجره، ما هو أشر من فعله، وما هو أقبح من عمله، والدليل على هذا أنه ﷺ لم يعامل عبد الله بن أبي ابن سلول

стр. 11889

رأس المنافقين، لم يعامله بمعاملة الثلاثة، بل تلطف به ولم يهجره، ولم يزل يرفق به؛ لأنه رئيس قومه، ويخشى من قتله أو سجنه أو غيره فتنة للجماعة في المدينة. فلهذا كان النبي ﷺ يرفق به، حتى مات على نفاقه، نسأل الله العافية، وهنا مواضع أخرى جرت له ﷺ مع بعض الناس، لم يهجرهم بل رفق بهم ﵊، حتى هداهم الله، يهجر إذا كان الهجر أصلح، ويترك الهجر إذا كان الترك أصلح، مع إنكار المنكر، ومع إظهار كراهة المنكر، وأن صاحبه ليس صديقًا وليس صاحبًا، ولكن من أجل كذا وكذا، ترك الهجر، ولكن بالكلام الطيب والحكمة والإنكار السري والوصية عليه من خواصه، لعله يستجيب إلى غير هذا من وجوه النصيحة ووجوه الإنكار والرفق.

стр. 11890

٢٠٢ - مسألة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر س: السائلة تقول: هل إذا قام بعض الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسقط الإثم عن الباقين؟ وهل يعد ترك هذا الأمر من الكبائر؟ (١) ج: نعم، إذا قام المسلمون في أي بلد بإنكار المنكر، قامت

стр. 11891

جماعة، سقط الإثم عن الباقي في البلد؛ لأن المقصود حصل، فإذا كان جماعة تصدوا لهذا الأمر وأنكروا المنكر، وأزالوه حصل لهم الأجر العظيم، وسقط الإثم عن الباقين في القرية، أو البلد أو في القبيلة، لكن يبقى على القرية الثانية، وعلى المدينة الثانية واجبها، كل مدينة وكل قرية وكل قبيلة مسؤولة، فإذا قامت جماعة في بلد من البلدان، أو قرية من القرى، أو قبيلة من القبائل بإنكار المنكر وزال على أيديهم، سقط الإثم عن الباقين، وفاز المنكرون بالأجر العظيم، والخير الكثير، وهكذا كل قرية وكل بلد، وكل قبيلة، عليها أن تقوم بالواجب، وإذا قام به بعضها سقط الإثم عن الباقي. هو فرض كفاية، لكن إذا كان في مكان ما، فيه من لا ينكر إلا هو، وجب عليه عينًا، يعني شاهد المنكر، في حي من الأحياء ما عنده أحد، أو في قبيلة من القبائل ما عنده أحد ينكره وجب عليه أن ينكره إذا استطاع ذلك بيده أو لسانه.

стр. 11892

٢٠٣ - بيان الرد على من ادعى أن إنكار المنكر باللسان خاص بالعلماء فقط س: يقول السائل: من قسم إنكار المنكر إلى ثلاثة أقسام، سماحة الشيخ، وقال إن الإنكار باليد للسلطة، والإنكار باللسان للعلماء،

стр. 11893

والإنكار بالقلب لعامة الناس، فماذا تقولون؟ (١) ج: ليس بصحيح، الإنكار باليد لمن قدر، حتى غير العلماء، فهو لمن حوله جعله له الأمراء، كالهيئة التي تعين في البلاد، لها ما عين لها من الإنكار باليد، وهكذا لو جعلوا لغير الهيئة أشخاصا معينين غير الهيئة ينكرون لهم ذلك، فالمقصود أنه من قدر باليد أنكر، من جهة الأمراء أو في بيته وقبيلته، المقصود الحكم مناط بالاستطاعة كما قاله النبي ﵊، سواءً كان شيخ القبيلة، أو أميرًا، أو رئيس حارة، يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه، أو قد وُكل له ذلك من جهة ولاة الأمور، فهذا يستطيع بنفسه، وهكذا صاحب البيت الذي هو رئيس البيت، أو صاحب البيت يستطيع أن ينكر على أهل بيته بيده ما وقع عنده من المنكر، ثم البقية ينكرون باللسان، سواءً علماء، أو ما هم علماء، حتى العامة ينكرون باللسان، إذا رأى المنكر؛ لأن المنكرات بعضها ظاهر، ليس بخافٍ يعلمه العامة والخاصة، مثل تبرج النساء معروف عند الجميع، مثل السب والشتم معروف أنه منكر عند الجميع، مثل التخلف عن الصلاة، كونه يجلس وقد أذن المؤذن، وهو جالس ما يقوم يصلي،

стр. 11894

يعرفه العامة والخاصة، ينكر عليه، وهكذا ما أشبه ذلك، الخمر معروف عند الجميع، إذا عرف هذا المؤمن، ولو ما هو بعالم، عرف أن هذا منكر، وأنه يشربه هؤلاء، ينكره عليهم، مثل حلق اللحية منكر معروف، يقول: يا أخي اتق الله أعف لحيتك، لا تحلقها، لا تقصها، يقول النبي ﷺ : «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى» (١) «خالفوا المشركين وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب» (٢) مثل إسبال الثياب، منكر معروف، يعرفه الخاصة والعامة، فإذا قال لأخيه: يا أخي اتق الله، ارفع ثيابك لا تسبل، هذا كلام حق.

стр. 11895

٢٠٤ - بيان وجوب تغيير المنكر على الجميع رجالاً ونساء س: الأخت: ن. ع، من مدينة الطائف تسأل وتقول: ما حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وكيف يكون تغيير المنكر بالقلب، كما ورد في الحديث المعروف، مع التوضيح بالأمثلة ما أمكن، جزاكم الله خيرًا؟ (١)

стр. 11896

ج: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على المسلمين رجالاً ونساءً وهو من أهم واجبات الإسلام، والمصلحة تدعو إلى ذلك، والناس في حاجة إلى القيام بهذا الواجب، قال الله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، هذا يدل على أنه فرض على الجميع، على المؤمنين والمؤمنات، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وقال : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فالواجب على المسلمين ولا سيما العلماء، والأمراء والأعيان أن يأمروا بالمعروف، وأن ينهوا عن المنكر، وهكذا يجب على النساء، ولا سيما من لها أمر ولها قدرة، فإن هذا متعين على الجميع، تأمر أهل بيتها، تأمر بناتها، خدمها، تأمر أخواتها، تأمر من ترى يقع منه منكر، تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، حتى تأمر الرجال، كما أن

стр. 11897

الرجل يأمر المرأة بالمعروف، وينهاها عن المنكر، كذلك المرأة تأمر الرجل؛ زوجها وأخاها وابنها وغيرهم، تأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، هذا واجب على الجميع، لكن بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، الذي يرغب في الحق، ويسبب قبوله، ولا ينبغي الشدة في هذا؛ لأنها قد تنفر من قبول الحق، يقول الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وهم اليهود والنصارى، ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، يعني إلا من ظلم، فله جواب آخر، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فالآمر والناهي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر بالأسلوب الحسن، والكلمات المناسبة، التي تدعو إلى قبول الحق، وترغب في الخضوع للاستجابة، والإنكار ثلاث مراتب: كما بينه النبي ﵊، يقول ﵊: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك

стр. 11898

أضعف الإيمان» (١) فباليد للأمراء والرؤساء، وشيوخ القبائل والهيئة التي أسند إليها ذلك، عليها أن تنكر باليد بإراقة الخمر، وتفريق المجتمعين على باطل، أمر الناس بالقوة إلى الصلاة، إذا أذن المؤذن أن يقوموا إلى الصلاة، إلى أشباه ذلك، وهكذا صاحب البيت يأمر أولاده وأهل بيته، وينكر عليهم المنكر باليد، وهكذا صاحبة البيت، تنكر بيدها إذا رأت المنكر على أهل بيتها، إذا كان لها السلطان في البيت، بإراقة الخمر إذا وجدته، بكسر آلات اللهو إلى غير هذا من الإنكار باليد، إتلاف الدخان إذا وجد في البيت، إلى غير هذا، إذا كان لها سلطان وقدرة، كما يفعل الرجل، فمن عجز عن هذا كغالب الناس، وسائر الناس ينكر باللسان، ولا يقدم بيده إذا كان ذلك يسبب فتنًا ونزاعًا وشرًا بينه وبين الناس، بل يدع هذا لولاة الأمور، ومن أسند إليه الأمر، ولكن ينكر باللسان فقط، يا أخي اتق الله، هذا لا يجوز، يا أمة الله هذا لا يجوز، إذا رأى رجلاً يتعاطى الخمر، ينكر عليه، يقول: هذا لا يجوز، هذا منكر حرام، إذا رأى امرأة متبرجة سافرة في الأسواق، ينكر عليها، يقول يا أمة الله، اتق الله، احتجبي، اتركي التبرج، إذا رأى إنسانًا يسب

стр. 11899

يتكلم بالفحش، ينكر عليه، ويقول يا عبد الله اتق الله، لا يجوز السب والفحش، هكذا ينكر باللسان ما سمع من المنكر، أو شاهد من المنكر، لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك، أما من عجز عن ذلك، لا يستطيع الإنكار لا باللسان ولا بالفعل، يخشى أن يضرب، أو يقتل أو يسجن، لا يستطيع أن يتكلم في أي مكان، فإنه ينكر بقلبه، يكره المنكر بقلبه، ويفارق المكان؛ هذا الإنكار بالقلب، يكره بقلبه المنكر ويتغير، يعلم الله من قلبه إنكاره، والتغير عند رؤية المنكر، ويغادر المكان إذا استطاع أن يغادر المكان، غادر المكان وترك المكان، حتى لا يشاهد المنكر، هذا هو الإنكار بالقلب، كراهة المنكر وبغضه، ومحبة إزالته والمغادرة، إذا استطاع أن يغادر المكان حتى لا يشهد المنكر.

стр. 11900

٢٠٥ - بيان معنى تغيير المنكر باليد س: يقول السائل: ما هو حد تغيير المنكر باليد، حيث يقول الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١) ما

стр. 11901

هو حد تغيير المنكر باليد؟ (١) ج: هذا حديث صحيح رواه مسلم في الصحيح، وروى مسلم عن ابن مسعود ﵁، مثله في المعنى، والتغيير باليد معناه إزالة المنكر، مثل تفريق الجماعة الذين يجلسون على منكر يفرقهم، أو يتخلفون عن الصلاة في الجماعة، يفرقهم ويلزمهم بالتوجه إلى المساجد، مثل إتلاف الصورة، مثل إراقة الخمر، كسر المزمار، كل هذا التغيير باليد، ولكن هذا ليس لكل أحد، إنما هو لمن يقدر كالإنسان في بيته، على أولاده، والأمير على من تحت يده، والسلطان في الرعية، وولي الأمر يأذن لمن يرى من الرعية، كالهيئة وأصحاب الحسبة والشرطة، ونحوهم ممن يوكل إليه مثل هذه الأمور، أما الإنسان الذي ليس له سلطة، فحسبه أن يغير باللسان وبالقلب، لا باليد؛ لأنه إذا غير باليد حصل فتن وشرور، ومضاربات وشيء لا تحمد عاقبته، والدولة في هذه البلاد في المملكة العربية السعودية تمنع من ذلك، إلا من طريق من وكل إليهم هذا الأمر، كالهيئات ونحوهم ممن وكله إليه

стр. 11902

الأمير، فالمؤمن في مثل هذا ينكر بلسانه في الأسواق وينصح بلسانه، ويوجه إلى الخير بلسانه، أما بيده فيكون لأهل الحسبة، ومن وكل إليهم هذا الأمر، وليس لكل فرد.

стр. 11903

٢٠٦ - بيان الواجب على المرأة في الدعوة إلى الله تعالى س: يقول السائل: ما هو دور المرأة في الدعوة إلى الله؟ (١) ج: هي كالرجل عليها واجبها في الدعوة إلى الله، وإنكار المنكر فإن التعاليم تعم الجميع، والقرآن يعم الجميع، والسنة تعم الجميع، وكلامنا يعم الجميع، فعليها أن تدعو إلى الله، وأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، بالآداب الشرعية التي تطلب من الرجل، وعليها بعد ذلك ألاَّ يحملها ما تقوم به من دعوة وإرشاد وإنكار المنكر إلى الجزع وقلة الصبر، لاحتقار بعض الناس لها وسبهم لها وسخريتهم لها، أو نحو ذلك بل عليها أن تتحمل، وعليها أن تصبر ولو رأت من بعض الناس ما يكون من السخرية، أو من الاستهزاء، أو من الاحتقار، ثم عليها أيضًا أن ترعى أمرًا آخر، وهو أن تكون مثالاً في العفة والحجاب عن الرجال الأجانب، وأن تبتعد عن التبرج والاختلاط المذموم، ولتكن

стр. 11904

دعوتها مع العناية والبعد عما ينكر عليها، فإن دعت الرجال دعتهم وهي محتجبة من غير خلوة، وإن دعت النساء دعتهن بحكمة، وأن تكون نزيهة بأخلاقها وسيرتها، حتى لا يعترضوا عليها، ويقولوا لماذا ما بدأت بنفسها، وهكذا البعد عن اللباس الذي تفتن الناس به، وإظهار المحاسن فيما يتعلق بدعوتها للرجال، بل تكون بعيدة عن كل أسباب الفتنة، عند الرجل تكون بعيدة عن أسباب الفتنة، بل تكون ملتزمة بالحجاب، والبعد عن أسباب الفتنة، وعن إظهار المحاسن، أو الصوت الذي يطمع فيها، أو غير هذا مما ينكر عليها، وتكون عندها العناية الكاملة بالدعوة إلى الله، على وجه لا يضر دينها ولا يضر سمعتها وهكذا مع النساء.

стр. 11905

٢٠٧ - حكم خروج المرأة للدعوة إلى الله تعالى س: السائلة أ. ل تقول: كيف تكون المرأة داعية إلى الله وفي سبيل الله في ظل ظروف أسرية تمنعها من الخروج من البيت لحضور الدروس والمحاضرات، لأن الوالد يكرر دائمًا الآية الكريمة: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، فما معنى القرار هنا سماحة
следующие страницы →