الذي لا يستطيع تغييره، فإن استطاع تكلم وأنكر المنكر بكلامه، فإن أجابوا وامتثلوا فالحمد لله، وإلا غادر المكان وابتعد عن محل المنكر، وليس له أن يغير بيده على وجه يحصل فيه فساد وما هو أنكر، بل يكون هذا لغيره ممن أذن لهم في ذلك، من جهة الدولة ومن جهة المسؤولين عن هذا الأمر، أما من لم يؤذن له فإنه ينكر باللسان، ويقول له: قال الله كذا، قال الرسول كذا، إذا كان عنده علم، إذا كان على بصيرة لا ينكر إلا على بصيرة، أما الجاهل الذي لا يعرف الحكم فلا يتكلم، ولكن ما دام يعلم الحكم الشرعي، فينكر بالكلام الطيب والأسلوب الحسن وإقامة الأدلة، لعل الله يهدي به من فعل المنكر حتى يدع المنكر.
س: ما الحكم إذا جلست في مجلس وهم يتحدثون في الغيبة والنميمة وهم يعرفون حكم ذلك؟ فهل علي ذنب إذا لم أقل شيئًا مع العلم أنهم أكبر مني سنًا؟
ج: إذا جلس المسلم أو المسلمة في مجلس يحصل فيه الغيبة، فإنه ينكر ذلك؛ لأن الله يقول سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فالأمر بالمعروف
стр. 12112
والنهي عن المنكر أمر فرض على الجميع، على الرجال والنساء، فإذا جلس الرجل والمرأة في مجتمع فيه غيبة، فإنه ينكر ذلك، والمرأة تنكر ذلك على من معها، فإن لم يسمعن لها، قامت ولم تحضر هذا المنكر، وإن سمعن لها، الحمد لله، وقد أدت ما عليها من إنكار المنكر، لكن لو كن لا يبالين بها، ولا يسمعن منها، فإنها تقوم منكرة لذلك، حتى لا تحضر المنكر، ولا تشارك في سماعه.
стр. 12113
٢٧٥ - حكم السكن مع أناس يخوضون في أعراض الناس
س: أم عبد الله تقول: أعيش مع أناس أشبه ما يكونون بمنافقين، وأنا غير متزوجة وأعيش معهم، وأضطر أن أشاركهم وجبات الطعام، غير أنهم لا يبالون بالغيبة والنميمة والكذب، وأثناء هذه الجلسة يخوضون في أعراض الناس بين الحين والآخر، وجهونا سماحة الشيخ، ولا سيما في بعض الأحيان لا أستطيع أن أنكر المنكر؟ (١)(٢)
ج: الواجب عليك إنكار المنكر بالنصيحة والكلام الطيب، عليك إذا خاضوا في المنكر والنميمة أن تنكري حسب الطاقة، وإذا تيسر لك
стр. 12114
أن تكوني وحدك قبلهم أو بعدهم، تأخذي طعامك وحدك قبلهم أو بعدهم، وإذا لم يتيسر هذا الشيء فاتقي الله ما استطعت، كلي وأنكري المنكر، وقومي بعد قضاء حاجتك، ولكن إذا تيسر لك الخروج من المحل الذي هم فيه أن تكوني في معزل منهم فافعلي، هذا الواجب عليك، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
س: تقول السائلة: إن عائلتها هذه السائلة يتكلمون في أعراض الناس بحق وبغير حق، وتقوم بمحاولة منعهم من ذلك، إلا أنهم يردون عليها بكلمات نابية، ويطلبون منها الابتعاد عنهم، مما يثير أعصابها، ثم تزوج أخوها، وأصبحت زوجته تهين والدتها، ولا تساعدها في المنزل، وتشارك في إهانة الناس بالكلام فيهم، فماذا تفعل هذه الفتاة المسلمة، تجاه والديها وزوجة أخيها؟ (١)
ج: هذه السائلة نرجو لها خيرًا كثيرًا؛ لأن إنكار المنكر مما شرعه الله لعباده؛ ولأن ذلك من صفات المؤمنين والمؤمنات، كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾،
стр. 12115
ولا شك أن الكلام في أعراض الناس والغيبة للناس من المنكرات، قال الله جل وعلا: ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فالغيبة ذكرك أخاك بما يكره، ولما سئل النبي عن ذلك ﵊ قال: «إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» (١) والخلاصة أنها مأجورة على إنكارها، وأن هذا هو الواجب عليها إذا حضرته، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: «من رد عن عرض أخيه بالغيب، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة» (٢) فإنكار المنكر على من فعله أمر لازم على الرجال والنساء جميعا، وعليها أن تجتهد وتسأل الله لهم الهداية، وتخاطبهم بالتي هي أحسن، وتنصح لهم، وتذكر لهم أن هذا فيه خطر، وأنه من أسباب
стр. 12116
غضب الله، وأشباه ذلك من الكلام، لعل الله يهديهم، وهكذا مع زوجة أخيها التي تهين الوالدة، وتتكلم في الأعراض، تنصحها أيضًا، وتقول لها: اتقي الله، راقبي الله، لعل الله يهديها بأسبابها، وهكذا أيتها الأخت السائلة ينبغي أن تفعلي هذا، استقيمي على إنكار المنكر، اصبري، فلا بد من الصبر، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فالآمر والناهي لا بد له من أذى، ولا بد له من أن يسمع ما يكره، فعليه أن يصبر، فقد وصف الله الرابحين في كتابه الكريم بأنهم صُبَّرٌ، فقال جل وعلا: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، هذه صفات الرابحين، صفة أهل الإيمان والصدق، إيمان صادق، وعمل صالح، وتواصٍ بالحق، وتواصٍ بالصبر.
س: رسالة من المستمعة (أ. أ. س) من الكويت تقول: سماحة الشيخ، أنا امرأة بفضل الله ومنته عليَّ، أؤدي فرائض ربي،
стр. 12117
وأعمل ما أطيق من السنن، ولكن أجد مشكلة في الجلوس مع النساء، وكلنا يعلم ما في مجالس النساء من غيبة ونميمة، وأنا تحتم علي ظروف مسكني أحيانًا أن أجلس معهن، فتراني أحيانًا لا أرضى بما يدور منهن من غيبة ونميمة، وأنصحهن، وأحيانًا إما ناسية أو أجد عدم القدرة، أو الملل من كثرة النصح أسكت، فلا أشارك ولكني أنصت، فهل علي إثم في ذلك؟
ج: نعم، عليك إثم؛ لأنك جلست معهن، ولم تنكري، عليك إثم، قومي عنهن، أنكري عليهن الغيبة والنميمة وغيرها من المعاصي، فإن أجبنك وامتثلن، فالحمد لله، حصل المطلوب، وإن أبين وأصررن فقومي عنهن، يقول الله جل وعلا: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ المقصود أنه جل وعلا أمر من جلس مع قوم وخاضوا في الباطل أن يقوم عنهم إن لم يمتثلوا، فالحاصل أن عليك أن تنكري المنكر، وأن تأمري بالمعروف، فإن أجبنك وامتثلن، فالحمد لله، وإلا ففارقي
٢٧٦ - حكم صحة حديث: إن عليًا ﵁ شكا إلى النبي ﷺ تفلت القرآن من صدره
س: ما صحة هذا الحديث عن ابن عباس ﵁، أنه قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ ، إذ جاءه علي بن أبي طالب ﵁ بما معنى الحديث - فشكا إلى النبي ﷺ من تفلت القرآن من صدره، فأرشده النبي ﷺ بأن يقوم ليلة الجمعة، إن استطاع في ثلث الليل الأخير، ويدعو فيها بدعاء طويل جدًا، ففعله علي خمس أو سبع جمع، ثم أتى إلى النبي ﵇ فقال: لقد استرجعت ما حفظت من القرآن، وما حفظت من سنة المصطفى ﵊ ثم يستمر يا سماحة الشيخ فيسأل: هل هذا الحديث صحيح؟ (١) وجهونا جزاكم الله خيرًا.
ج: ليس بصحيح، ولكن المؤمن يستعين بالله في كل شيء في
стр. 12120
حفظ القرآن، أو حفظ السنة، وفي جميع الأحوال، يسأل ربه أن يعينه على حفظ السنة، وحفظ الأحاديث الصحيحة.
стр. 12121
٢٧٧ - حكم العيش في بلاد لا تطبق الشريعة
س: أنا أعيش في مجتمع لا يطبق الشرع الإسلامي من جميع النواحي، ولا أستطيع جعلهم يطبقونه، فهل عليَّ شيء في ذلك أم لا؟ (١)
ج: إذا أمكن من يعيش في بلاد لا تطبق الشريعة، إذا أمكنه أن يهاجر إلى بلاد تطبق الشريعة وجب عليه الهجرة إذا استطاع ذلك، فإن لم يستطع فلا حرج عليه في الإقامة، ويتقي الله ما استطاع، ويرشد إلى الخير، وينصح العباد، ويدعو إلى تحكيم الشريعة حسب طاقته، وهو مأجور في هذه الحالة، وإذا كان هناك قدرة على الإلزام بالحق، ومنع الباطل ككونه رئيسًا أو شيخ القبيلة، أو أمير قرية، فليفعل ما يستطيع في هذه الأشياء، إذا علم الله منه الصدق أعانه، فهو يفعل ما يستطيع من تحكيم الشريعة حسب طاقته، كونه شيخ قبيلة، يحكم الشريعة فيهم، إذا كان يعلم عنده معلومات، إذا كان أمير قرية، ويستطيع أن يحكم فيهم الشريعة، بما يتنازعون فيه عنده وما أشبه ذلك، المقصود أنه يجتهد،
стр. 12122
يتقي الله ما استطاع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ويدعو الله لولاة الأمور بالهداية، بأن الله يهديهم، ويفقههم أو يأتي بغيرهم، من يحكم الشريعة هكذا، أما إن قدر أن يهاجر، وينتقل إلى بلاد تحكم الشريعة، هذا واجب عليه، إلا إذا كان عالمًا ذا معلومات وبصيرة وهدى، ويرى أن إقامته في هذا البلد فيها دعوة إلى الله، فيها توجيه الناس إلى الخير، فيها إرشاد إلى توحيد الله، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، هذا له أجر في ذلك من أجل الدعوة، من أجل التوجيه إلى الخير، من أجل إنقاذ الناس مما هم فيه من الباطل، فهو على خير عظيم، ولا تلزمه الهجرة في هذه الحال؛ لأنه يظهر دينه، ولأن عنده معلومات في دينه، ولا يخشى على نفسه من شبهاتهم، فلا بأس.
стр. 12123
٢٧٨ - بيان وجوب احتجاب النساء عن غير محارمهن
س: يقول السائل: إننا في بلاد قبالة، غرب مدينة بيشة، لدينا مذاهب، وهي قديمة على أثر الأولين، وهي أن نساء القبيلة لا يتغطين من رجال القبيلة، سواء من أقاربهن أو من غيرهم، وحيث إنني أنا السائل، فإن هذا الإجراء ليس مشروعًا في السنة والكتاب، ولكن لم أقدر على إلغاء هذه العادات المخالفة للسنة، فماذا
стр. 12124
يلحق المحتار في عدم مشاهدة النساء، اللاتي من غير محرم، وهن كاشفات؟ أفيدوني أفادكم الله، كما أفيدكم أنه لم يحصل في هذه البلاد إرشاد، يعلمهم الصحيح المتبع لدى كثير من المسلمين وفقكم الله؟ (١)
ج: الواجب عليك وعلى غيرك إرشادهم، وتعليمهم وتحذيرهم من هذا، تقول لهم يا أمة الله، يا فلانة هذا لا يجوز، الواجب عليكن الاحتجاب من غير المحارم، إذا كن يكشفن لغير المحارم، من رجال القبائل، وعلى أوليائهن أن يعلموهن، أن هذا لا يجوز، وأن الله سبحانه أمر بالحجاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فالحجاب طهارة لقلوب الجميع، الرجال والنساء، وأبعد لهم جميعًا عما حرم الله، فأنت عليك أن تغض بصرك، وأن تنكر المنكر، وتعلم من استطعت من نساء قومك، وكذلك من يسمع كلامي هذا، من رجال القبيلة عليهم أن يتآمروا بالمعروف، ويتناهوا عن المنكر، وأن يجتهدوا في منع نسائهم من
стр. 12125
التكشف والسفور لغير محارمهن، هذا هو الواجب على الجميع، والتعاون على البر والتقوى، والسكوت عن هذا من باب التعاون على الإثم والعدوان، فالواجب على رجال القبيلة في هذه المنطقة، أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يعلموا نساءهم الاحتجاب عن غير المحارم، وأن ينكروا على من تساهل في ذلك، حتى تعم الفائدة، وحتى يقل هذا المنكر، وأنا إن شاء الله سوف أبلغ الجهات المسؤولة عندنا في رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، حتى يعمدوا الدعاة إلى الله في بيشة وما حولها بالعناية بهذا الأمر، وإرشاد أهلها إلى ما ينفعهم، في دينهم ودنياهم، ولا سيما ما يتعلق بالعقيدة، وأمر الصلاة وأمر الحجاب وما أشبه ذلك، مما يحصل به التساهل، نسأل الله للجميع الهداية.
стр. 12126
٢٧٩ - حكم مساندة حاكم يظهر من أعماله أنه ضد الإسلام
س: ما حكم مساندة الحاكم، الذي دائمًا ضد الإسلام وضد المسلمين، وخاصة إذا برزت نواياه، نرجو الإفادة وفقكم الله؟ (١)
ج: كل حاكم يظهر من أعماله أنه ضد الإسلام فإنه لا يساعد على الأشياء التي ضد الإسلام؛ لأنه إما جاهل وإما متبع لهواه، فلا
стр. 12127
يجوز أن يساعد على الباطل، ويكون المساعد له من أعوان الظلمة، ومن التعاون على الإثم والعدوان، لكن إذا أمر بخير يساعد عليه، إذا أمر بأمر يرضي الله، كأن يأمر بالصلاة، يأمر بالزكاة، يأمر بالصيام، يأمر بشيء من الخير، يساعد على هذا، ويشكر عليه، فإذا أمر بأمر منكر، لا يساعد على ذلك، ولا يشكر عليه؛ لذا يكون المؤمن على بصيرة، يوافق على الخير ويساعد على الخير، ولكنه لا يساعد على الشر ولا يعين على الإثم والعدوان، الله سبحانه بيّن هذا في كتابه الكريم، حيث قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
стр. 12128
٢٨٠ - بيان كيفية دعوة وتوجيه الصم
س: إذا كان لدي أخ أصم وأبكم وهو لا يسمع ولا يتكلم كما هو معلوم، وطبعًا لا يعرف شيئًا عن الصلاة ولا الصوم ولا الزكاة، ولا يعرف شيئًا عن أحكام الإسلام، ولا يعرف شيئًا من القرآن، كيف يكون التوجيه والحالة هذه فهل يعلم بالتقليد؟ (١)
ج: هذا لا بد من الاهتمام به، يعني يفعل معه ما يعلم به عقله من
стр. 12129
إشارة، وإذا كان يبصر وحضر الناس وقت الصلاة، حتى ينظر أعمالهم، ويكتب له إن كان يكتب، يعلم الكتابة لعله يستفيد من الكتابة حتى يعرف عقلاً، ويعي ويفهم، فإذا كان يعي ويفهم بالكتابة، والإشارة فهو مكلف بحسب ما وصل إلى علمه، إن كان لا ينطق ولا يسمع، فقد يفهم بالإشارة أو بالكتابة إن تيسرت الكتابة، حتى يعمل بما أوجب الله، ويترك ما حرم الله، من طريق الكتابة أو من طريق الإشارة، هذا إذا كان يعقل، أما إذا كان ما يعقل ظهر من حاله أنه لا يعقل، فلا حرج عليه؛ لأنه غير مكلف، للحديث: «رفع القلم عن ثلاثة: منهم الصغير حتى يبلغ، والمعتوه حتى يفيق» (١) فإذا كان معتوهًا لا عقل له، فلا شيء عليه، لكن إذا كان عاقلاً عليهم أن يعلموا حسب الإمكان بالكتابة، بالإشارة بالشيء الذي يستطيعون، وقد يعوض الله هذا الجنس فهمًا عظيمًا، للإشارات إذا فقد حاسة السمع، وحاسة الكلام قد يعوض بإذن الله، هذا مشاهد معروف من أولئك الذين يبتلون بهذا، عندهم فهم عظيم للإشارات، ونحن نعرف من هذا أناسًا يعملون، ويكدحون ويحصلون أموالاً بالإشارة، ويصلون مع الناس ويصومون مع الناس، وكانوا من خيرة الناس، كله بالإشارة أو بالكتابة.
стр. 12130
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 12131
كتاب البيوع
стр. 12132
كتاب البيوع
стр. 12133
١ - حكم بيع الإنسان ما ليس عنده
س: يقول السائل: س. ي. من اليمن: أنا أعمل بالتجارة، وفي بعض الأحيان يأتي شخص يطلب سلعة معينة وهي غير موجودة عندي، فأقول له بأنها موجودة ثم آخذ التليفون وأبحث في السوق حتى أجدها، ثم آخذها من التاجر الآخر بسعر معين على أن أسدد له المبلغ عندما يأخذها الزبون، والآن أسأل عن ذلك مأجورين (١)(٢).
ج: إذا اشتريت السلعة وأحضرتها في محلك ثم بعتها على الشخص لا بأس، لا تبع حتى تحضرها وتشتريها وتحضرها، تنقلها إلى محلك، فإذا اشترى الإنسان السلعة من زيد أو عمرو، ثم نقلها إلى محله جازمًا عليها ثم باعها بعد ذلك لا بأس، أما أن يبيع الشيء عند غيره فلا؛ لأن
стр. 12134
الرسول ﷺ قال: «لا تبع ما ليس عندك» (١) لا يبيع الإنسان ما ليس عنده، لكن إذا ذهب واشتراها أو عن طريق التليفون أُرْسِلَت إليه وجاءت إليه السلعة في محله مشتريًا لها ثم باعها بعد ذلك فلا بأس.
س: من المستمع ع. م. ع، يمني من بيحان مقيم في الرياض صدر رسالته سماحة الشيخ بقوله: إنني أحبكم في الله، ثم يسأل سماحتكم فيقول: ما حكم بيع السلعة لزبون وبعد ما يوافق على سعرها، آتي بها من محل ثانٍ، وأنا متأكد من كسبي؟ وجهوني جزاكم الله خيرًا.
ج: أما المحبة في الله فنقول: أحبك الله الذي أحببتنا له، التحاب في الله من أفضل القربات، يقول النبي ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني
стр. 12135
أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا – يعني ما عنده أحد – ففاضت عيناه» (١) يعني خوفًا من الله، كل هؤلاء يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم المتحابون في الله، ويقول النبي ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي» (٢) جعلنا الله وسائر إخواننا من المتحابين فيه منهم.
أما بيع السلعة قبل أن تشتريها فهذا لا يجوز، لا يجوز للإنسان أن يبيع ما ليس عنده، يقول النبي ﷺ : «لا يحل سلف وبيع، ولا بيع ما ليس عندك» (٣) وسأله حكيم بن حزام ﵁،
стр. 12136
قال: «يا رسول الله، الرجل يأتيني يريد السلعة وليست عندي فأبيعها، ثم أذهب فأشتريها، فقال ﷺ : لا تبع ما ليس عندك» (١) فأنت إذا أردت البيع، تشتري السلعة أولاً، فإذا قبضتها وحزتها وصارت عندك، تبيع بعد ذلك وتقول لمن تريد بيعه: اصبر حتى أشتريها، فإذا اشتريت السلعة وصارت في حوزتك وقبضتها تبيع من شئت منهم.
стр. 12137
٢ - حكم السوم على سوم الشخص إذا لم يتفق مع مالك السلعة
س: ذهبت يومًا من الأيام إلى سوق السيارات المسمى بالحراج، ووقفت عند سيارة أريد شراءها، وسألت صاحبها بكم هذه؟ فقال لي مثلاً: بعشرة آلاف ريال، فأخذت أنظر في السيارة وأتفحصها، ثم جاء رجل وسأل صاحبها، بكم هذه؟ فقال له مثل ما قال لي، فزاد هذا الرجل مائتين، وقال صاحب السيارة: هي من نصيبك، فتردد الرجل فقال: سأذهب أشاور، ونحن لا زلنا عند السيارة، فقال صاحب السيارة: إذا كنتم تريدونها بهذا السعر، فخذوها بما أراد هذا الرجل شراءها به، فاشتريناها منه، فهل فعلي هذا يعتبر من بيع المسلم على بيع أخيه، أو شرائه
стр. 12138
على شرائه، إذا كان كذلك فأرشدونا ماذا نفعل الآن (١)(٢)؟
ج: إذا كان الواقع هو ما ذكره السائل، فلا حرج في ذلك؛ لأن صاحب السيارة لم يبعها على ذلك، الذي قال: أشاور، بل تركه، قال: إن كنتم تريدون شراءها بهذا فخذوها، ما دام المالك لم يرض ببيعها على من قال: عشرة آلاف ومائتين، وسوف أشاور لما قال: نعم، وأراد بيعها على من حضر فلا بأس، من حضر وأخذها بعشرة آلاف ومائتين فلا بأس؛ لأن صاحب السيارة لم يجزم بيعها على ذلك، بل لما قال له سوف أشاور، أعرض عنه وقال: من يأخذها بكذا وكذا، فهذا معناه أنه لم يرض بانتظاره، وأراد أن يبيعها في الحال، فأنت أيها السائل إذا كنت أخذتها بما قال، فلا بأس وليس هذا من بيع المسلم على بيع أخيه، بيع المسلم على بيع أخيه إذا باعه عليك وانتهى الأمر، فليس له أن يزيد عليك، هذا معناه، أمّا ما دام يقول: من أراد أن يشتري فله الشراء، هو حتى الآن ما باع على أحد.
س: لو تتفضلون بمثال لبيع الرجل على بيع أخيه لعله يتضح؟
стр. 12139
ج: المثال واضح إذا باع السيارة عليه، وقال: نصيبك بعشرة آلاف أو بأقل أو بأكثر، فليس لأحد بعد هذا أن يزيد عليه، لا في المجلس ولا بعده، ولهذا الرسول نهى عن بيع المسلم على بيع أخيه، وهكذا الشراء على شرائه، ما يجوز، ما دام قال: نصيبك هي لك، فليس لأحد أن يشتري على شرائه، ويقول له: تبيع بكذا وكذا، ولا يبيع على بيع أخيه، يذهب للذي شراها بعشرة آلاف، ويقول له: عندي سيارة أحسن منها، أنا أعطيكها بتسعة آلاف أو بعشرة آلاف، حتى يتراجع عن هذه، فليس له البيع على بيع أخيه، وليس له الشراء على شراء أخيه، فالشراء على شرائه، أن يجيء واحد يقول: أنا آخذها بأكثر، هذا لا يجوز، والبيع على بيعه كونه يذهب للمشتري يقول: أعطيك سيار أحسن منها، بكذا وكذا أو مثلها بأقل منها.
стр. 12140
٣ - حكم الشراء من محلات تبيع أشياء مباحة وأشياء محرمة
س: سائل يقول: بعض المحلات تبيع الأشياء المباحة وأشياء محرمة، هل يجوز للمسلم أن يرتاد تلك المحلات لكي يشتري ما هو مباح منها رغم أنها تبيع الأشياء المحرمة (١)؟
стр. 12141
ج: لا حرج على الإنسان أن يتصل بالدكاكين، الحوانيت أو غيرها من الأسواق فيشتري حاجته منها المباحة، وإن كان يوجد فيها بيع شيء محرم، لأن الله يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، لكن إذا كان يستطيع إنكار ذلك، فعليه إنكار المحرم، والتحذير منه وأنه لا يجوز بيع هذا المحرم، وإذا تيسر سوق أو دكان يبيع المباح دون المحرم فهذا أولى؛ لأن فيه تشجيعًا له وفيه بعد عن مساعدة أهل الحرام والمضرة بالناس، إذا تيسر له دكان أو سوق يبيع حاجاته المباحة، فلينتقل إليه وليشتر منه، وليعامله وليترك ذاك الذي قد خلط حلالاً بحرام، حتى لا يكون مشجعًا له، أما إذا دعت الحاجة إلى أن يشتري من ذلك الدكان فلا حرج إن شاء الله.
стр. 12142
٤ - حكم الشراء بالأقساط مع زيادة سعر السلعة
س: هذا السائل من الإمارات، يقول: أخي اشترى سيارة وقالوا له: إذا دفعت المبلغ دفعة واحدة نخفض من سعرها، وإذا دفعت المبلغ بالأقساط نزيد في سعرها، ومن هنا أتساءل يا سماحة الشيخ هل يجوز لأخي أن يشتري السيارة بالأقساط وعليها
стр. 12143
الفائدة، هل يعتبر ذلك من الربا (١)؟
ج: إذا اتفقوا على هذا أو هذا فلا بأس، إذا اتفقوا على النقد فلا بأس، وإذا اتفقوا على أقساط معلومة فلا بأس، كل شهر كذا، وكذا، لقول الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، هذا يعم الأقساط والقسط الواحد إذا اتفقوا على ذلك كل شهر شيء معلوم أو كل سنة شيء معلوم، وإن اتفقوا على النقد وتفرقوا على النقد بشيء معلوم فلا بأس، أما أن يتفرقوا وهم ما اتفقوا على شيء لا هذا ولا هذا، لا يصلح، لا بد أن يجزموا على النقد أو على التأجيل قبل أن يتفرقوا.
стр. 12144
٥ - بيان بعض شروط البيع
س: حفظكم الله يا سماحة الشيخ، لعلكم تبسطون القول في البيوع في وقتنا الحاضر ما هو المحرم منها؟ وما هو الجائز؟ لأنها أشْكلت على الكثير من الناس، سماحة الشيخ (١)(٢).
стр. 12145
ج: الله سبحانه يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، البيع حلال إذا كان سليماَ من الجهالة بثمن معلوم والمبيع معلوم لأجل معلوم لا بأس، أما إذا كان مجهول الأجل ومجهول الثمن أو مجهول المبيع لا يصلح، لا بد أن يكون المبيع معلومًا والثمن معلومًا إما نقدًا وإما مؤجلاً لأجل معلوم.
س: ما حكم بيع السلعة بالتقسيط مع رفع ثمنها عن السعر الأصلي (١)؟
ج: لا بأس إذا باعها بالتقسيط، وزاد في الثمن لا حرج؛ لأن بيع الأجل غير بيع النقد، فإذا كانت السيارة تساوي خمسين ألفًا نقدًا، وباعها بستين ألفًا أو سبعين ألفًا، في كل سنة كذا وكذا، أو في كل شهر كذا وكذا، فلا حرج، ذلك داخل في قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، لا بأس به، هذا بيع أجل، بيع دين ولا حرج، وقد ثبت عنه ﷺ (٢)، أنه أقر أهل بريرة لما باعوها بتسع أواق، كل عام أوقية باعوها نفسها بتسع
стр. 12146
أواق، تسع سنين كل سنة أوقية أربعون درهمًا، هذا نوع من التقسيط.
س: هذا سائل للبرنامج يقول: هل البيع بالتقسيط مع زيادة سعر البضاعة ربا أم لا (١)؟
ج: لا حرج في بيع التقسيط ولا بأس، إذا كانت السلعة تساوي أربعين نقدًا، وباعها بستين أقساطًا كل شهر خمسة آلاف، أو كل سنة خمسة آلاف، لا بأس بهذا، بريرة ﵂، بيعت بالتقسيط، بيعت بتسع أواق كل عام أوقية أربعون درهمًا، فاشترتها عائشة بنقد، فلا بأس بالتقسيط وفيه فرج للناس، فإذا باع البيت، أو السيارة أو غيرهما بالتقسيط، فلا حرج في ذلك إذا كانت الأقساط معلومة، والآجال معلومة لا حرج في ذلك.
س: إذا أخذت من بائع ثوبًا بخمسة دنانير نقدًا، مع أن البائع نفسه يبيع هذا الثوب بسبعة دنانير لمن يريده بالتقسيط، فهل هذا يعتبر من الربا، وهل يحرم عليَّ التعامل معه؟
ج: ليس هذا من الربا؛ لأن بيع التقسيط غير البيع بالنقد المعجل، بيع
стр. 12147
النقد المعجل يكون أرخص، فإذا كانت السلعة ثوبًا، أو إناءً، أو سيارةً تساوي مبلغًا معينًا بالنقد، ومبلغًا أكثر بالتقسيط لا حرج في ذلك، فإذا اشتريت الثوب نقدًا بعشرة، وإلى أجل بخمسة عشر أقساطًا، كل شهر خمسة، أو كل شهر سبعة، فلا حرج في ذلك إذا كان المبيع مملوكًا للبائع – وعنده، وحاضر لديه في حوزته، فبيع التقسيط يكون أوسع، يكون أكثر ثمنًا من بيع المعجل ولا حرج في ذلك.
стр. 12148
٦ - حكم بيع حيوان إلى أجل بزيادة في السعر
س: من المستمع إ. ع. يسأل فيقول: رجل اشترى جملاً بألف جنيه مصري، وباعه على رجل آخر لشهر معين في سنة مثل شهر ستة، ١٢٠٠ جنيه مصري، رغم أن الجمل لا يساوي إلا ألف جنيه مصري إنما الزيادة لأنه صبر، فهل هذا البيع ربا أم أنه جائز؟ جزاكم الله خيرًا (١)(٢).
ج: هذا البيع وأمثاله لا حرج فيه، ولا بأس به إذا كان البائع قد ملك الجمل، وحازه وصار في قبضته، ثم باعه بأجل مسمى بزيادة فلا بأس بذلك لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾،
стр. 12149
ولعموم قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، هذا من البيع الحلال كبيع التقسيط، وقد بيعت بريرة في عهد النبي ﷺ بالتقسيط، باعها ملاكها نفسها بتسع أواق مقسطةً في كل عام أوقية، فالبيع إلى أجل بالتقسيط لا حرج فيه، إذا كان البائع قد ملك المبيع وصار في قبضته وحوزته، ثم باعه بآجال مقسطة بأكثر من ثمنه فلا حرج في ذلك، وهذا بيع إلى أجل لا بأس فيه، فالبيع إلى أجل غير البيع الحالي؛ لأن البيع بالنقد له شأن، والبيع إلى أجل له شأن، فالبائع مستفيد الفائدة الزائدة، والمشتري بمهلته، وينتفع بالمبيع.
س: ما حكم شراء أية بضاعة بدين لمدة معينة بسعر أكثر مما يستحق نقدًا بالحاضر، فهل هناك إثم أو ربا على البائع والمشتري (١)؟
ج: لا حرج في ذلك، إذا اشترى سلعة تساوي مائة نقدًا اشتراها بمائة وعشرين إلى شهر وشهرين، سنة وسنتين لا بأس، المقصود أن الزيادة من أجل الأجل لا حرج من ذلك.
стр. 12150
س: شخص استدان بذورًا وأسمدة لمدة مؤجلة بفرق ثلاثة ريالات في الكيس عن السعر الحالي في السوق، وتقارب هذه المدة ثلاثة أشهر، وأعطى أهل البضاعة شيكًا بالمبلغ مؤجلاً لحين الصرف، فهل يعد هذا من الربا (١)؟
ج: شراء السلع إلى أجل معلوم بأقساط زائدة على السعر الحاضر لا بأس هذا شأن الدين؛ لأن الدين غير النقد، بل الذي يُشْرَى بالدين تكون قيمته أغلى، والإنسان إنما يشتري بالدين عند عجزه عن النقود، والإنسان يبيع بالدين لأجل الفائدة، ولا حرج في ذلك إذا باع ما يساوي ثلاثين بأربعين أو بخمسين مقسطةً على آجال معلومة لا بأس، وهكذا إذا أعطاه شيكًا بها في أوقاتها، كل ذلك لا بأس به، وهو من المداينة الشرعية المذكورة في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، والنبي ﷺ اشترى إلى أجل، ومات ودرعه مرهونة في طعام لأهله ﵊ (٢)، فلا حرج في ذلك، يبين تاريخه، يحول في يوم كذا في شهر كذا.