١١٨ - حكم الاعتقاد أن الشرب في آنية معينة فيها شفاء
س: يوجد عند بعض الناس في وادي قديد إناء مصنوع من النحاس، ويسمونه طاسة السم، وعندما يمرض إنسان فإنه يذهب إلى من توجد عنده هذه الطاسة ويملؤها بالماء ويشرب ذلك الماء معتقدا أنه يوجد شفاء في هذه الماء ولا سيما إذا كان هذا المرض في المعدة، فقد لاحظت وجود صور محفورة على الإناء وهي للعقرب والحصان والقط والغزال والحمير - أجلكم الله - والحية والثعلب والفيل، والأسد وللرجال وبعض صور أخرى لا أعرفها، وهي جميعها منقوشة نقشا على هذا الإناء، كما توجد أسماء وكتابات مثل الشهيد وهكذا، ما توجيهكم جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: هذه الطاسة التي أشار لها السائل طاسة منكرة وفيها من
стр. 1332
دلائل المنكرات، هذه الصور التي ذكرها السائل، ولا نعلم أن أي طاسة من حديد أو نحاس أو ذهب أو فضة يحصل بها شفاء أمراض المعدة، وإنما هي دعوى يدعيها صاحب الطاسة، وإنما الظاهر والله أعلم أنه يستخدم الجن، ويعمل شعوذة يزعم بها أنه يعالج حتى يأخذ أموال الناس بالباطل، حتى يغرهم بأنه يعالجهم بهذه الطاسة، فالواجب أن تصادر هذه الطاسة، وأن يعالج الأمر بتأديب صاحبها ومعرفة الحقيقة التي يتعاطاها حتى يقام عليه ما يستحق من التعزير، وهذا واجب على المسؤولين قي قديد، الأمير والقاضي والهيئة يجب أن يرفع الأمر إلى المحكمة والهيئة والإمارة؛ حتى يقوموا بما يجب في هذا الموضوع، ولا يجوز السكوت عن صاحب هذه الطاسة؛ لأن عمله منكر لا وجه له من الشرع، وعليك أيها السائل أن تقوم بهذا الأمر، أنت وإخوانك العارفون بهذا الأمر، حتى تخلصوا بلدكم من هذا المنكر، وحتى يقضى على هذه المفسدة وهذا الشر بأسبابكم إن شاء الله.
стр. 1333
باب ما جاء في التطير
стр. 1334
باب ما جاء في التطير
١١٩ - حكم التشاؤم بالمسكن
س: هناك أناس لهم منزل، كانوا في خير، ثم تعاقبت عليهم الحوادث في هذا المنزل حتى تشاءموا منه وقاموا ببيعه. ومن ضمن تلك الحوادث فتن حصلت لهم وانتحار بعض أفراد الأسرة، هل هذا من التشاؤم؟ وجهوا الناس جزاكم الله خيرا (١)
ج: ليس هذا من التشاؤم، فقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الشؤم في ثلاث: في البيت والدابة والمرأة (٢)»، قد يكون الشؤم في هذه الثلاث، وفي لفظ آخر: «إن كان الشؤم في شيء، ففي ثلاث ثم ذكرها (٣)» هذا يدل على أنه يقع، قد تكون بعض النساء
стр. 1335
مشؤومة على زوجها، فإذا ظهر منها ما يدل على شؤمها في سوء أخلاقها معه، وسوء سيرتها معه أو ترادف الحوادث عليه لما تزوجها، من خسارة وكساد في تجارته، أو فساد في مزرعته، وتلف في مزرعته تتابع عليه أو ما أشبه ذلك، فلا مانع من طلاقها، وهكذا الدار إذا توالت عليه الحوادث فيها، وسوء الأحوال فيها والأمراض عليه وعلى أولاده، فلا بأس بالانتقال عنها والاستئجار لغيرها أو بيعها؛ لهذا الحديث الصحيح. وهكذا الدابة من ناقة أو فرس ونحو ذلك، إذا لم ير فيها فائدة، ورأى منها شرا كمن توالت عليه حوادث بأسبابها، فلا بأس أن يبيعها ويستبدلها حسب نص الحديث عن رسول الله ﵊.
стр. 1336
١٢٠ - حكم التشاؤم بيوم الجمعة إذا وافق يوم عيد
س: سائل من السودان يقول: هنالك عدة تناقضات وتشاؤم في يوم الجمعة، عندما تقع يوم عيد، ما هو السبب في هذه التشاؤمات والتردد، مع أن كل الأيام هي أيام الله أرجو إفادتي؟ (١)
стр. 1337
ج: هذه الأشياء التي أشرت إليها إنما تكون عن جهل، وقلة بصيرة ولا أعلم فيما بلغني عن البلدان، التي بلغنا عنها سيرة أهلها، أنهم يتشاءمون بالجمعة، الجمعة يوم فاضل، يوم محبوب عند المسلمين، فيه اجتماعهم، وإذا صادف مع يوم العيد صار عيدا مع عيد، فكيف يكون التشاؤم، هذا شيء غريب، فإذا كان وقع عند السائل في بلاده، فهذا يدل على جهل من الذين وقع منهم، وقلة بصيرة، فيوم الجمعة يوم عيد، فإذا صادف يوم عيد الفطر، أو يوم عيد الأضحى، فقد اجتمع عيدان فالمطلوب: الفرح بهما، والسرور بهما، وعمل ما شرع الله فيهما، أما التشاؤم في ذلك، فهذا شيء منكر ولا وجه له ولا سبب له، فهما يومان عظيمان فاضلان، اجتمع فيهما خير عظيم، وفيهما اجتماع على طاعة الله وعبادته، وسماع الخطبة فأي وجه لهذا التشاؤم؟ لا وجه لذلك بل هو أمر باطل وأمر منكر لا وجه له.
стр. 1338
١٢١ - حكم التشاؤم بشهر صفر
س: أحسن الله إليكم في الحديث: «لا عدوى ولا طيرة (١)» يتشاءم الناس من بعض الشهور، كشهر صفر، هل له أصل؟ (٢)
ج: قال ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (٣)» فصفر مثل بقية الشهور، لا يجوز التشاؤم به، قد أبطل التشاؤم به النبي ﷺ ، وقال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (٤)» الهامة: طائر يتشاءم به أيضا في الجاهلية، يزعمون أنه إذا صاح على البيت، هلك أهله وهو باطل، وصفر الشهر المعروف، كان بعضهم في الجاهلية يتشاءمون به، فأبطل النبي هذا، وبين أنه مثل بقية الشهور، ليس فيه شؤم، والطيرة معروفة، التطير بالمرئيات، والمسموعات، كان أهل الجاهلية يتطيرون بالغراب أو بغيره، فأبطل النبي هذا وقال: «لا طيرة (٥)».
стр. 1339
١٢٢ - بيان معنى حديث: "لا عدوى ولا طيرة "
س: ورد في الحديث الصحيح قول الرسول ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل (١)» ماذا يقصد الرسول ﷺ في قوله: " لا عدوى " أهي عدوى المرض نرجو التوضيح؟ (٢).
ج: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، ويعجبني الفأل "، قيل يا رسول الله: وما الفأل؟ قال: " الكلمة الطيبة (٣)» فقد كانت العرب تعتقد العدوى، ويقولون: إنه إذا خالط المريض الأصحاء، أصيبوا بمثل مرضه، وقالوا للنبي: «يا رسول الله، الإبل تكون كذا وكذا فيخالطها البعير الأجرب فتجرب، فقال ﵊: " فمن أعدى الأول: لا عدوى ولا طيرة (٤)»، والمعنى نفي العدوى التي يعتقدها الجهال من المشركين، وأن المرض كالجرب ونحوه يعدي بطبعه، هذا باطل، أما كون الخلطة تؤثر، فهذا ما نفاه النبي ﷺ ، الخلطة قد تؤثر، قد ينتقل المرض من المريض إلى الصحيح، بسبب الخلطة بإذن الله جل وعلا؛ لقوله ﷺ :
стр. 1340
«لا يورد ممرض على مصح (١)» يعني لا يورد صاحب الإبل المراض على صاحب إبل صحاح، من باب تجنب أسباب الشر، وقال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد (٢)»، هذا من أسباب اجتناب الشر، فالعدوى التي يعتقدها الكفار باطلة، وهو كون المرض ينتقل بنفسه، ويعدي بطبعه من دون قدر الله، ولا مشيئته هذا باطل، أما كون المرض ينتقل من المريض إلى الصحيح بإذن الله، فهذا قد يقع، ولهذا قال ﷺ : «فر من المجذوم فرارك من الأسد» يعني لا تجالسه، قد ينتقل مرضه إليك، وقال: «لا يورد ممرض على مصح»، يعني إذا ورد الجميع الماء.
فالممرض صاحب الإبل المراض، لا يوردها مع صاحب الإبل الصحاح، بل يكون هذا له وقت، وهذا له وقت، بعدا عن العدوى، وبعدا عن انتقال المرض من المريضة إلى الصحيحة.
والخلاصة: أن الشريعة جاءت باجتناب أسباب الشر، مع الإيمان بأن الأمور بيد الله، وأنه لا يقع شيء إلا بقضائه وقدره سبحانه، فاعتقاد المشركين أن العدوى تنتقل حتما بنشرها وطبعها هذا باطل، أما كونه ينتقل بإذن الله، إذا شاء فهذا واقع، ولهذا أمر النبي ﷺ بأسباب
стр. 1341
الوقاية، وقال: «لا يورد ممرض على مصح (١)»، «وفر من المجذوم فرارك من الأسد (٢)» مع أنه ﷺ أخذ بيد المجذوم، وأكل معه وقال: «كل بسم الله، ثقة بالله (٣)»؛ ليبين أن الأمور بيد الله وأن الله هو الذي يقدر الأمور، فإذا اجتنب مخالطة المجذومين، هذا هو المشروع بعدا عن الشر، ولو فعل ذلك وأكل معهم، لبيان أن الأمور بيد الله، وليتضح للناس أن المرض لا يعدي بطبعه، وإنما ينتقل بقدر الله، إذا فعل هذا بعض الأحيان، لإبطال العدوى التي يعتقدها الجاهليون، هذا حسن كما فعله النبي ﷺ ، كما أن الواجب الأخذ بالأسباب فالإنسان يبتعد عن أسباب الشر، ويحذر أسباب المرض، ولا يعرض نفسه للخطر، ومع هذا يعتمد على الله ويتوكل عليه، ويعلم أن الأمور بيده ، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٥) ولكن مع اجتناب أسباب الشر، فلا يخالط المرضى الذين قد جرت العادة بإذن الله، أن مرضهم ينتقل ولا يخالط أهل الشر؛ لأنه قد
стр. 1342
يصيبه ما أصابهم من الشر فيفعل أفعالهم، ويحرص على صحبة الأخيار؛ لأن ذلك من أسباب أن يتخلق بأخلاقهم، ولا يأكل الأشياء التي يعلم أنها قد تضر، وما أشبه ذلك.
س: الأخ: ر. س. س. يسأل ويقول: قرأت في كتاب التوحيد، هذا الحديث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (١)» السؤال: ماذا يقصد ﷺ بقوله: لا عدوى؟ والعلم الحديث قد أثبت أن كثيرا من الأمراض تنتقل بالعدوى. وضحوا لي هذا الأمر، جزاكم الله خيرا؟ (٢)
ج: الحديث المذكور صحيح، أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، زاد مسلم: «ولانوء ولا غول (٣)» في الحديث أيضا: «ويعجبني الفأل " قيل يا رسول الله ما الفأل؟. قال: " الكلمة الطيبة (٤)» فالعدوى: التي نفاها الرسول ﷺ ، هي ما يعتقده أهل الجاهلية من الكفرة، أن الأمور تعدي بطبعها من دون قضاء الله وقدره سبحانه، وأن
стр. 1343
انتقال الجرب أو الجذام من شخص إلى شخص، أو من دابة إلى دابة، أن هذا طبعي، لا دخل لقدر الله في ذلك، ولا لفعله إياه ، هذا باطل. فلا انتقال من عين إلى عين في الجرب وغيره إلا بإذن الله وقدره السابق، وحكمته ، ولهذا لما قال بعض أهل البادية، لما سمع: «لا عدوى " قال: يا رسول الله الإبل كثيرة، يكون فيها البعير الأجرب، فتجرب كلها. قال ﷺ : " فمن أعدى الأول (١)» يعني من الذي أنزل الجرب بالأول، الله هو الذي أنزله، بحكمة بالغة. فالذي أنزله بالأول، هو الذي أنزله بالبقية، ولهذا قال ﷺ : «لا يورد ممرض على مصح (٢)» يعني لا يورد صاحب إبل مراض إبله على صاحب الإبل الصحاح، لأن هذا وسيلة لانتقال المرض، وقال ﵊: «فر من المجذوم فرارك من الأسد (٣)»؛ لأن الجذام ينتقل، وهذا معناه إقرار الانتقال للمرض بالعدوى لكن ليس العدوى التي تقولها الجاهلية، بل ينتقل بإذن الله عند المخالطة، قد ينتقل عند المخالطة. إذا خالط الأجرب الصحيح،
стр. 1344
والمجذوم الصحيح، قد ينتقل. وهكذا الأمراض الأخرى عند الاختلاط قد ينتقل، وقد لا ينتقل، هو ليس بلازم. لكن إذا أبعد الصحيح عن المريض، يكون هذا هو الأفضل، هذا نهي من النبي ﷺ : «لا يورد ممرض على مصح (١)» وقال آمرا: «فر من المجذوم فرارك من الأسد (٢)» فالمعنى أبعدوا المريض عن الصحيح، إذا كان يخشى منه العدوى، لا يخلط هذا مع هذا، فهذا معناه تجنب الأسباب التي تسبب انتقال المرض، ولكن ينبغي اعتقاد أنه لا عدوى، بطبعها وأن انتقاله إذا انتقل، ليس لأنه يعدي بطبعه، وأنه ليس بإذن الله ولا بمشيئة الله، بل ينتقل، لكن بمشيئة الله، وبإذنه، وقدره ، لا أحد يستطيع أن ينقل شيئا إلى شيء إلا بإذن الله وقدره، لا حيوان ولا إنسان ولا مثل ذلك، كل شيء بقضاء وقدر. يقول النبي ﷺ «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس (٣)»، ويقول الله في كتابه العظيم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٤)، ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٥)، المقصود أن الله سبحانه قدر الأشياء كلها، الصحة، والمرض، والسفر، والإقامة، والولد، ذكرا كان أو أنثى،
стр. 1345
والحياة، والموت، وغير ذلك. كلها بأقدار ماضية من الله ، يقول النبي ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السماوات والأرض، بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء (١)»، فالأمور كلها مقدرة. فكون هذا البعير يمرض، أو هذا الفرس، أو هذا الإنسان، كله بقدر، وكون هذا الصحيح يخالط المريض، فيصاب بمرضه، هذا بقدر، وليس بلازم قد يقع، وقد تكون الصحيحة مع الجرب ولا تجرب، وقد يكون إنسان مع المجذوم ولا يصاب بالجذام، وجاء عنه ﷺ أنه أخذ بيد مجذوم وهو يأكل، فقال: «كل بسم الله، ثقة بالله (٢)» ولم يجذم ﵊، فالإنسان إذا خالطهم، في بيان أن الله جل وعلا هو المقدر، وليعلم الناس أن هذا ليس بمشيئة العدوى، ولكن بمشيئة الله، فيفعل ذلك حتى يعلم الناس أن هذه الأمور بقضاء الله، فهو سبحانه الجواد الكريم، الذي يصونه ويحفظه حتى يعلم الناس الحقيقة، التي بينها رسوله ﷺ ، والخلاصة أنه لا عدوى على طريقة الجاهلية، يعني لا عدوى بالطبع، ولكن قد تقع العدوى وهي الانتقال، قد تقع بمشيئة الله وإذنه، بسبب الاختلاط بين المرضى والأصحاء، في بعض الأحيان.
стр. 1346
١٢٣ - حكم الاعتقاد في البروج والنجوم
س: أرى في بعض المجلات، أنه من ولد في برج كذا فسيكون له ما هو كذا وكذا، أو سيكون عليه ما هو كذا وكذا، ما هو توجيهكم للمسلمين حيال ذلك جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: هذا كله باطل لا أصل له، بل هو من الطيرة المنكرة، والمذمومة والتشاؤم المنهي عنه، فالحاصل أنه لا خصوصية لبرج كذا أو نجم كذا، لأن من ولد في نجم كذا، وبرج كذا صار له كذا وكذا، كل هذا باطل.
стр. 1347
باب ما جاء في التنجيم
стр. 1348
باب ما جاء في التنجيم
١ - بيان حكم التنجيم
س: أنا شاب متزوج، وقد أصابني مرض شبيه بالجنون، فأنا دائم القلق والتشنج وكثير الوساوس وأعيش بين أسرة تؤمن بالتنجيم والتطير ولذلك فقد أشاروا علي أن أطلق زوجتي فهي السبب في كل ما أصابني؛ لأن نجمها نحس كما يقولون، ولا يزول مرضه إلا بفراقها، وطمعا في الشفاء فقد نطق بطلاقها بالثلاث، وليس عنده أحد، ولا حتى زوجته، ولم يخبر أحدا بذلك؛ خوفا من خروجها من بيته، وعدم عودتها إليه، وبقيت مدة عنده إلى أن وضعت مولودا، فقد سألت عن هذا فقيل لي: عليها عدة بعد أن تخبرها ثم تسترجعها، ومضى إلى الآن أربع سنين، وقد سألت أيضا آخر فقال: ليس عليك طلاق، وليس عليها عدة، ولكن تب إلى الله.
فأرجو إفادتي عما يترتب على هذا الطلاق والزوجة لا زالت عندي في البيت،
стр. 1349
وحالتي الصحية كما هي، لم أستفد شيئا من فعلي ذلك، وما هي نصيحتكم لمن يعتقد الصحة والنفع في مثل تلك الأعمال؟ (١)
ج: إن التنجيم أمر منكر، وهو من شعب السحر، وقد صح عن رسول الله ﵊ أنه قال: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد (٢)» والتنجيم محرم عند أهل العلم إجماعا، وهو اعتقاد أن النجوم لها أثر في الحوادث، من صحة ومرض، وفقر وغنى أو غير ذلك، بل هذا من أوهام المنجمين، فإن هذه النجوم خلقها الله زينة للسماء، ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها في البر والبحر، وليس لها أثر فيما يتعلق بالحوادث، لا في الصحة ولا المرض، ولا في الغنى، ولا في الفقر، ولا في نزول المطر ولا في غير ذلك، وإنما هي أوهام باطلة من أصحابها لا أساس لها من الصحة، ولا يجوز للمسلم أن يأتي المنجمين، ولا أن يسألهم لا المنجمين، ولا الرمالين، ولا جميع الكهنة والعرافين، الذين يدعون بعض علوم الغيب بهذه الأشياء، فيجب هجرهم وتأديبهم، والقضاء عليهم من جهة ولاة الأمور، حتى لا يضروا الناس، ولا يضلوهم،
стр. 1350
، ولا يجوز سؤالهم، ولا تصديقهم قال النبي ﷺ : «من أتى عرافا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يوما (١)» والعراف هو المنجم والرمال والكاهن ونحوهم، ممن يدعي علم بعض المغيبات، بالطرق التي سلكها، بالطرق الشيطانية: من تنجيم أو ضرب بالحصى، أو أشباه ذلك، من طرقهم الفاسدة، وقال ﵊ أيضا: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (٢)» ﵊. فأخبارهم باطلة، ولا يجوز سؤالهم، ولا تصديقهم وعلى من فعل هذا التوبة إلى الله ، والإنابة إليه، والندم على ما مضى، وعدم العود إلى ذلك، أما هذا الرجل المطلق فإن كان عقله معه، فإنه يقع الطلاق، لكن يكون واحدة؛ لأن الصحيح من أقوال العلماء أن الطلاق بالثلاث بكلمة واحدة، كتابة أو لفظا لا يقع به إلا واحدة؛ لما ثبت عن رسول الله ﷺ في حديث ابن عباس، أن الطلاق كان على عهد رسول الله طلاق الثلاث واحدة، وهكذا على عهد الصديق، وعهد عمر في أول خلافته، ثم إن عمر ﵁ أمضى ذلك، أمضى الثلاث، فقال: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلأمضينه عليهم. فأمضاه عليهم. أما في عهده ﷺ ،
стр. 1351
فإن الثلاث بلفظ واحد تعتبر واحدة، لكن إن كان عقله غير مستقيم بسبب ما أصابه، وعرف الثقات العارفون به أن مثله يعتبر معتوها، فإنه لا يقع منه طلاق، أما إن كان عقله مضبوطا، والمرض لم يؤثر على عقله، فإنه يقع على زوجته طلقة بهذا الطلاق، ويكون بقاؤها عنده من غير رجعة غلطا منه، ويعتبر جماعه لها مراجعة لها، إذا كان أراد بمجامعتها مراجعتها وردها إليه، فإن الجماع على الصحيح يكون مراجعة لها مع النية، أما من غير نية فهذا فيه خلاف قوي بين أهل العلم، ولعل الصواب أنه يتم بذلك الرجعة لجهله بذلك، فيكون راجعها بالجماع حال حملها، وتكون زوجة له، ويكون مضى عليها طلقة، تعتبر هذه طلقة واحدة، أما إن كان لم يراجعها، ولا اتصل بها حتى الآن فإنها بوضعها الحمل قد خرجت من عدته، ومضى عليها طلقة وله أن يعود إليها بنكاح جديد ومهر جديد، كخاطب من الخطاب، كأنه أجنبي يخطبها لنفسه، فإذا وافقت فإنه يتزوجها بزواج جديد؛ لكونها خرجت من العدة بوضع الحمل، هذا إذا كان ما جامعها بعد الطلاق، أما إن كان جامعها بعد الطلاق فإنه يعتبر رجعة لها، وتبقى عنده على طلقتين، ومضى عليها طلقة، إذا كان ما طلقها قبل ذلك، سوى هذه الطلقة. نسأل الله للجميع الهداية.
стр. 1352
٢ - حكم التحدث عن وقت وقوع الكسوف والخسوف
س: أحيانا يقول العلماء: سيحدث كسوف أو خسوف يوم كذا أو كذا، شهر كذا في منطقة كذا، الساعة كذا. ويتحقق ما يقولون، هل هذا من العلم بالغيب، أم لا؟ وفقكم الله. (١)
ج: ليس التحدث عن وقت الكسوف والخسوف من علم الغيب، إنما هذا من علم الحساب، كثير من أصحاب الفلك يعرفون هذا الشيء، بمراقبة سير الشمس والقمر في منازلهما، فإذا صار في الشمس ميزة معينة، أو القمر قد عرفوا بالحساب أنها تكسف بإذن الله في ذلك الوقت، هذا من علم الحساب، وليس من علم الغيب، بل هذا حساب دقيق، يعرفه أصحاب الفلك بالنظر في سير الشمس والقمر، وقد يكون ذلك، وقد يغلطون، فقد يغلطون في بعض الأحيان، وقد يصيبون، قال أبو العباس ابن تيمية ﵀: إن أخبارهم من جنس أخبار بني إسرائيل، لا تصدق، ولا تكذب، فقد يقولون: تكسف الشمس في كذا، ثم لا يقع، وقد يقع ذلك ويكون قد ضبطوا الحساب. فالحاصل أن أخبارهم قد يعتريها الخطأ والغلط، فلا يصدقون، ولا يكذبون، ولكن ينظر فيما أخبروا عنه، فإن وقع الكسوف شرع للناس ذكر الله عند الكسوف، واستغفاره والصلاة والصدقة وإعتاق الرقاب، وذكر الله
стр. 1353
وتكبيره ، لأن الرسول أمر بذلك، قال: «إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه واستغفاره (١)» وقال: «إذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا (٢)»، وأمر بالتكبير، وأمر بإعتاق الرقاب، هذا كله سنة ومشروع، وثابت عن النبي ﵊، أما أخبار الحسابين فإنها ليست من علم الغيب، لكنها تخطئ وتصيب، قد يغلطون، وقد يصيبون.
стр. 1354
باب ما جاء في التوكل
стр. 1355
باب ما جاء في التوكل
٣ - بيان حقيقة التوكل
س: السائل: أ. أ. مصري مقيم بالمنطقة الشرقية، يقول: أود أن أتعرف على حقيقة التوكل على الله، ما حقيقة التوكل على الله؟ (١)
ج: حقيقة التوكل على الله هو الاعتماد عليه، في كل شيء، تعلم أنه مقدر الأمور ومسبب الأسباب، وأن كل شيء بقضائه وقدره، وتعمل الأسباب، تصلي وتصوم، وتعمل الأسباب متوكلا على الله جل وعلا في حصول المطلوب، من دخول الجنة والنجاة من النار، من ثمرة الزرع، ونتاج الحيوان، وربح التجارة، تعمل تأخذ بالأسباب الشرعية التي شرعها الله، وتعمل معتمدا على الله جل وعلا، ومتوكلا عليه في حصول النتيجة المطلوبة، من قبول العمل ومن نجاح الزراعة، ومن نجاح التجارة، إلى غير ذلك، تعمل وأنت تعلم أن كل شيء بيده سبحانه، وأنه مسبب الأسباب، ولكنك
стр. 1356
تأخذ بالأسباب الشرعية، والمباحة، معتمدا على الله، راجيا منه أن يسدد خطاك، وأن ينفع بأسبابه.
...
س: يقول السائل: ما هي حقيقة التوكل؟ وهل التوكل على الله يكون بالإلحاح بالدعاء، مع كثرة الاجتهاد في فعل الصالحات؟ (١)
ج: التوكل على الله هو الاعتماد عليه، والتفويض إليه في أمورك كلها، مع العمل، تفوض أمورك إلى الله، وتعلم أنه سبحانه العالم بحالك، وأن كل شيء بيده، وأنه إن لم يعنك لم تنفع أعمالك، ولم تستطع أن تعمل فتعتمد عليه جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، تعتمد عليه في إعانتك وفي قبول عملك، وتسأله العون والتوفيق والقبول، وهكذا مع فعل الأسباب، تعتمد على الله، وتسأله العون والتوفيق مع البدار بالسبب، مع الجد في العمل، كما قال النبي ﷺ : «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز (٣)».
стр. 1357
٤ - بيان أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل
س: تقول السائلة: أقرأ في القرآن الكثير من الآيات التي تحث على التوكل على الله، أسأل كيف يكون هذا التوكل في حياتنا، مع رجاء ضرب أمثلة لذلك؟ (١)
ج: التوكل من أهم الواجبات على المؤمن، والله يقول سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٣) ويقول جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٤) التوكل من أهم العبادات، ومن أوجب العبادات، وهو التفويض إلى الله، والاعتماد عليه، والثقة به سبحانه، مع تعاطي الأسباب، تعلم أنه مسبب الأسباب، وأنه مصرف الأمور، وأن كل شيء بيده، جل وعلا، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، هو النافع الضار، هو المعطي المانع، ولكنك مع هذا تأخذ بالأسباب التي تفيدك، فتأكل عند الجوع، وتشرب عند الظمأ، وتتزوج، وتكسب الكسب الحلال، بالبيع والشراء أو بغير ذلك، لا تعطل الأسباب، وأنت مع هذا متوكل على الله، تعلم أنه لن يصيبك إلا ما قدر الله لك، وأنك لن تنجح إلا بتوفيقه وتيسيره ، فتأخذ بالأسباب، وتعمل بالأسباب مع الثقة بالله والاعتماد
стр. 1358
عليه، فتعالج المريض، وأنت متوكل على الله، تعلم أنه هو الذي يشفي المريض، تعالجه تذهب به إلى الطبيب، تفعل ما قال الطبيب من إعطائه دواء، أو كيه أو حمية، أو ما أشبه ذلك، تبيع وتشتري وأنت متوكل على الله في ذلك، تعلم أنه لن يحصل لك إلا ما كتب الله لك، تؤجر ما عندك من العمارات، على من يرغبها منك لتنتفع بالأجرة، تسقي حرثك، تسقي دوابك، تعلفها حتى تستفيد منها، وأنت متوكل على الله في كل شيء، يعني تأخذ بالأسباب في كل شيء، مع الثقة بالله والاعتماد عليه، وأنه هو مسبب الأمور ومصرفها، وهو النافع الضار، المعطي المانع، وأنت إنما تفعل الأسباب المأمور بها، كما أنك تسافر إلى الحج، وإلى العمرة وللتجارة، أخذا بالأسباب وأنت تعلم أن الله سبحانه هو المسبب، وهو الذي بيده إيصالك إلى الحج، وبيده إعانتك على مناسك الحج، وبيده إعانتك على مقاصد التجارة، والرجوع من السفر، إلى غير ذلك.
...
س: السائلة: ف. أ. ي. من الأردن تقول: هل من أساس التوكل على الله عدم الاستعانة بالآخرين لقضاء أمور الدنيا؟ (١)
ج: التوكل على الله معناه الاعتماد عليه، والأخذ بالأسباب الشرعية لهذا وهذا، فالتوكل على الله التفويض إليه، والاعتماد عليه، والإيمان به، وأنه مدبر الأمور وقاضي الحاجات ،
стр. 1359
ولكن مع هذا يأخذ بالأسباب، فالتوكل يجمع الأمرين: الاعتماد على الله، ثم الأخذ بالأسباب، فيعتمد على الله ويأكل ويشرب ويتزوج، يجامع أهله لطلب الولد، ويسافر لحاجات التجارة، ولا بأس: يتوكل على الله، ويستعين بإخوانه في إصلاح سيارته، في إصلاح مزرعته، في بناء بيته، لا بأس بهذا.
فالتوكل يجمع الأمرين، كما قال ﷺ : «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز (١)»، فأمر بالحرص على ما ينفع، وأمر بالاستعانة بالله، فالتوكل أن تستعين بالله وتعتمد عليه، تعلم أنه سبحانه مصرف الأمور، ومدبر الأمور، وأن ما دبره وقضاه وشاءه كان، ومع هذا تأتي بالأسباب تحرص على ما ينفعك، تبيع تشتري، تحرث الأرض، تسافر للتجارة، تستعين بأخيك في إصلاح السيارة في المزرعة، كل هذا لا بأس به.
...
س: أرجو أن تتكرموا بشرح بعض المعاني بالتفصيل، ليطبقها الإنسان في حياته تطبيقا عمليا، مثل التوكل على الله (٢).
ج: التوكل على الله معناه: التفويض إليه والاعتماد عليه سبحانه، فهو يخرج من بيته متوكلا على الله، يصوم متوكلا على الله، يصلي
стр. 1360
متوكلا على الله، يعتمد عليه في أدائه هذه الأمور لا على نفسه، ولا على زيد ولا عمرو، بل هو يصلي ويتوكل على الله أن الله يعينه على أدائها، يصوم ويتوكل على الله أن الله يعينه على أداء الصيام، يخرج يبيع ويشتري يتوكل على الله أن الله ينفع بأسبابه، يستدين ويتوكل على الله أن الله يعينه على أداء الدين، يخرج إلى الحج وهو يتوكل على الله أن الله يعينه على أداء الحج، وهكذا يستعين الله في كل أموره، ويتوكل عليه، بل مع فعل الأسباب مع تعاطي الأسباب التي شرعها الله وأمره بها.
...
س: ن. ع. ح: من القصيم، تقول: إنها امرأة متزوجة، وعندها ثلاثة من الأطفال، ومدرسة وتحمد الله على ذلك، المشكلة عند دخولها إلى المدرسة ينتابها شيء من الخوف، وهذا الخوف يتحول إلى وسوسة حيث تقول: لا أستطيع أن أتكلم مع زميلاتي وعندما أتكلم مع إحداهن أشعر بالخجل والخوف الشديد، ولا أستطيع أن أرد كلمة واحدة، وأنا أشكو إلى الله قبل كل شيء ثم لكم أن توجهوني إلى الأمر الذي يفرج عني بالدعاء الخالص وأن يزيد إيمانا إلى إيماني جزاكم الله خيرا، وما سبب ذلك مأجورين؟ (١)
ج: هذا الكرب الذي يصيبك كله من الشيطان، فالواجب التعوذ
стр. 1361
بالله من الشيطان الرجيم، والثقة بالله والاعتماد على الله وسؤاله التوفيق والإعانة، هكذا يجب عليك وعلى أمثالك، أن يكون عندك القوة والنشاط، والهمة العالية، والتوكل على الله، وأن تسأله سبحانه أن يعينك وأن يثبت قلبك على الهدى، وأن يعينك على أداء الواجب وعلى تعاطي ما شرعه وعلى ترك ما نهى الله عنه، وإذا صدقت يسر الله أمرك هم نساء مثلك، يجب ألا تهتمي بهذا الأمر، وأن يكون عندك القوة والنشاط في الدروس، وفي السلام، وفي التحدث مع زميلاتك ونحو ذلك واضرعي إلى الله أن يعينك على هذا، وأن يثبت قلبك ولسانك على الحق، وأن يعينك على كل خير، وأن يمنعك من نزغات الشيطان، وعليك أن تحذري هذه الوساوس، وإذا أحسست بشيء من هذا، قولي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان، ويزول هذا الأمر إن شاء الله، كل هذا من الشيطان، فأنت عليك الصدق في اللجوء إلى الله وسؤاله التوفيق والإعانة والعافية من كل سوء، وعليك مع هذا التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والجد في هذا والتكرار، نسأل الله لك التوفيق والهداية، ونسأل الله لك العافية من كل سوء.
...
س: سماحة الشيخ: تشكو الكثير من الأخوات من الوسوسة في الصلاة والطهارة، البعض منهن تجلس ما يقارب من نصف ساعة في الحمام، تعيد وتكرر الوضوء، ما العلاج الناجح
стр. 1362
في ذلك، سماحة الشيخ؟ (١)
ج: هذا من الشيطان، الواجب الحذر من وساوسه والصدق في ذلك، وسؤال الله العافية بصدق، وبذلك يزول هذا الوسواس، لا في الصلاة، ولا في الطهارة، الواجب على المصلي أن يعرض عن هذه الوساوس رجل أو امرأة، وأن يتعوذ بالله من الشيطان ولو في الصلاة، ولما «اشتكى عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ إلى النبي ﷺ قال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا"، فقال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (٢)».
فوصيتي للجميع من الرجال والنساء التعوذ بالله من الشيطان من هذا الوسواس، عند الصلاة، أو في الطهارة أو في الطواف، أو في غير ذلك، يكون عند الرجال وعند المرأة القوة والنشاط والهمة العالية، والتعوذ بالله من الشيطان وسؤال الله الإعانة والتوفيق والثبات على الحق والعافية من نزغات الشيطان، ويتفل عن يساره ثلاث مرات، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاث مرات، إذا أحس بهذا الشيء، وإذا صدق مع الله في التعوذ، وسأل الله العافية، أعاذه الله وكفاه شر عدوه، وأورده الصباح
стр. 1363
والمساء لها الأثر في ذلك، يكثر من الأوراد التي فيها الدعاء وسؤال الله العافية من كل سوء، وسؤال الله العافية من الشيطان، سؤال الله الهداية والسداد، فالأوراد لها أثرها العظيم.
стр. 1364
٥ - الأخذ بالعلاج أفضل من تركه
س: حقيقة التوكل على الله، منها: الأخذ بالأسباب، ولكن سمعت بعض المشايخ يقول: لو أن الإنسان أصيب بمرض، ولم يستعمل الدواء لكان أجره أعظم من الذي استعمل الدواء، ولا يصبر على الألم. ما رأي سماحتكم في ذلك؟ (١)
ج: الصواب أن العلاج أفضل، هذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وقد عالج النبي ﷺ ، وعالج الصحابة، وهم أفضل الناس، فالمريض إذا ترك الدواء فلا حرج عليه، ولكن لو عالج فهو أفضل، وأخذ الدواء النافع المباح هو أفضل، ومن الدواء القراءة على المريض، هذا من الدواء، ومنه الكي لمن يناسبه الكي، والحجامة لمن تناسبه الحجامة، وشرب العسل لمن يناسبه شرب العسل، والفصد لمن يناسبه الفصد إلى غير ذلك، فتعاطي الأسباب أمر مشروع، للحديث: «عباد الله تدووا (٢)»، «ولما قالوا: يا رسول الله، إن لنا رقى نسترقي
стр. 1365
بها، ودواء نتداوى به، هل يرد من قدر الله شيئا؟ قال: هو من قدر الله (١)». تعاطي الأسباب من قدر الله، ولما رجع عمر من الشام لما وقع بها الطاعون، وأشار إليه بعض المسلمين بالرجوع، وعزم على ذلك، فقيل له في ذلك: أتفر من قدر الله؟ قال: نفر من قدر الله إلى قدر الله، يعني: نفر من قدر الله الذي فيه الخطر، إلى قدر الله الذي فيه السلامة، ثم جاءه عبد الرحمن بن عوف، فحدثه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا سمعتم الطاعون في بلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنت بها فلا تخرجوا فرارا منه (٢)»، فحمد الله أن الله وفقه لموافقة الحديث، وانصرف إلى المدينة. فالحاصل أن التداوي وتعاطي الأسباب أمر مشروع ومطلوب، وهو أفضل من ترك ذلك، وقد يكون بعض الأسباب واجبا، يأكل لئلا يموت ويشرب، هذا واجب، وتوقي ما يضره كأن لا يلقي نفسه في بئر كل هذا لازم له، فتعاطي الأسباب التي يحتاج إليها أمر مطلوب ومشروع، وتوقي أسباب الهلاك أمر واجب متحتم، والله فطر العباد على هذا الشيء، وجاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو لا ينافي التوكل. التوكل: الثقة بالله
стр. 1366
والاعتماد عليه، والتفويض إليه، والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن كل شيء بقضائه وقدره، ومن ذلك فعل الأسباب، المتوكل يعتمد على الله ويثق به، ويعلم أن كل شيء بقضائه وقدره، ومع ذلك يأخذ بالأسباب، يأكل لئلا يجوع، يشرب لئلا يهلك، يستدفئ في الشتاء عن البرد، إلى غير هذا من الأسباب التي شرعها الله لعباده.
***
стр. 1367
٦ - حكم تعطيل الأسباب بزعم قوة اليقين
س: أمن الممكن ألا يأخذ المؤمن بالأسباب إذا وصل إلى درجة معينة من الإيمان، لقوة يقينه؟ (١)
ج: ليس كذلك، لا بد من الأخذ بالأسباب، مهما كان المؤمن، حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم أفضل الخلق وأرفع الناس درجة في الإيمان، كانوا يأخذون بالأسباب، وهم أكمل الناس إيمانا، وأرجحهم ميزانا، وأكملهم عقولا، ومع هذا يأخذون بالأسباب، والنبي ﷺ يوم أحد أخذ بالأسباب، حمل السلاح، وجعل على رأسه البيضة تقيه السلاح، وظاهر بين درعين ﵊، وهو سيد ولد آدم وأفضل الخلق، وأكملهم إيمانا، وأكملهم توكلا ﵊، وكان يأكل ويشرب ويجامع النساء، يأخذ بالأسباب،
стр. 1368
فلا يجوز تعطيل الأسباب لأي أحد من الناس، مع القدرة، فعلى كل أحد، وإن بلغ في الإيمان القمة، فإنه يأخذ بالأسباب، كما أن الرسل وهم أفضل الناس، وأكمل الناس إيمانا، وهم القمة في كل شيء يأخذون بالأسباب، عليهم الصلاة والسلام.
***
стр. 1369
٧ - حكم قول إني متوكل على الله ثم عليك
س: بعض الناس يردد عبارة: إني متوكل على الله ثم عليك أن تنجز لي هذه المعاملة، ما رأيكم بهذه العبارة سماحة الشيخ؟ (١)
ج: لا بأس بـ: ثم. أما: وعليك. فلا يصلح، لكن لو قال: وكلتك أحسن من توكل، لأن أهل العلم يمنع التوكل على المخلوق مطلقا، فيقول: وكلتك على كذا، أو أنت وكيلي، أو اعتمدت على الله ثم عليك، أو بالله ثم بك، إذا جاءت ثم زال المحذور، لكن ترك لفظة: متوكل أحسن، وإلا فالمعنى صحيح، متوكل يعني أنت معتمدي في هذا الأمر، يعني أعتمد على الله ثم عليك بعد الله جل وعلا.
стр. 1370
٨ - بيان الفرق بين التوكل والوكالة
س: هل يجوز إعطاء وكالة من شخص لآخر، ليدير أعماله في فترة غيابه، والذي عرفنا أنه لا يجوز التوكل إلا على الله وحده؟ (١).
ج: الوكالة غير التوكل أيها السائل: الوكالة معناها أن يقوم شخص مقامه في إدارة عمله، في بناء بيته، في إصلاح سيارته، في غير ذلك، هذا لا بأس به، هذه وكالة، تفويض منه، إذن له، يأذن له: افعل كذا وكذا. أما التوكل فهو الاعتماد على الغير بأنه يتصرف في الأمور بقدرته. فالله هو الذي يعتمد عليه ، والتوكل يكون على الله، ومعنى التوكل أن يعتمد عليه، لأنه قادر على كل شيء ومسبب الأسباب، والاعتماد على الله والتوكل عليه ، ثم الإنسان يفعل الأسباب، يعتمد على الله بأنه مصرف الأمور، ومسبب الأسباب، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعتمد على المخلوق، ولا على نفسه، بل يعتمد على الله وحده، ويتوكل عليه، ومع هذا يأخذ بالأسباب، ويتعاطى الأسباب، فيزرع الأرض، ويغرس الغرس، ويبني ما يحتاج إليه، ويوكل من يحتاج إليه حتى ينوب عنه في الغرس، في الزراعة، في البناء، ليس في هذا بأس، الوكالة شيء، والتوكل شيء آخر. أما كونه يتوكل على إنسان بأن يعتقد فيه أنه يتصرف في الكون،