← Фатава

Фатава · id 107

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الشويعر

ابن باز

Полный текст (14 939 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

والاعتماد عليه، والتفويض إليه، والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن كل شيء بقضائه وقدره، ومن ذلك فعل الأسباب، المتوكل يعتمد على الله ويثق به، ويعلم أن كل شيء بقضائه وقدره، ومع ذلك يأخذ بالأسباب، يأكل لئلا يجوع، يشرب لئلا يهلك، يستدفئ في الشتاء عن البرد، إلى غير هذا من الأسباب التي شرعها الله لعباده. ***

стр. 1367

٦ - حكم تعطيل الأسباب بزعم قوة اليقين س: أمن الممكن ألا يأخذ المؤمن بالأسباب إذا وصل إلى درجة معينة من الإيمان، لقوة يقينه؟ (١) ج: ليس كذلك، لا بد من الأخذ بالأسباب، مهما كان المؤمن، حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم أفضل الخلق وأرفع الناس درجة في الإيمان، كانوا يأخذون بالأسباب، وهم أكمل الناس إيمانا، وأرجحهم ميزانا، وأكملهم عقولا، ومع هذا يأخذون بالأسباب، والنبي ﷺ يوم أحد أخذ بالأسباب، حمل السلاح، وجعل على رأسه البيضة تقيه السلاح، وظاهر بين درعين ﵊، وهو سيد ولد آدم وأفضل الخلق، وأكملهم إيمانا، وأكملهم توكلا ﵊، وكان يأكل ويشرب ويجامع النساء، يأخذ بالأسباب،

стр. 1368

فلا يجوز تعطيل الأسباب لأي أحد من الناس، مع القدرة، فعلى كل أحد، وإن بلغ في الإيمان القمة، فإنه يأخذ بالأسباب، كما أن الرسل وهم أفضل الناس، وأكمل الناس إيمانا، وهم القمة في كل شيء يأخذون بالأسباب، عليهم الصلاة والسلام. ***

стр. 1369

٧ - حكم قول إني متوكل على الله ثم عليك س: بعض الناس يردد عبارة: إني متوكل على الله ثم عليك أن تنجز لي هذه المعاملة، ما رأيكم بهذه العبارة سماحة الشيخ؟ (١) ج: لا بأس بـ: ثم. أما: وعليك. فلا يصلح، لكن لو قال: وكلتك أحسن من توكل، لأن أهل العلم يمنع التوكل على المخلوق مطلقا، فيقول: وكلتك على كذا، أو أنت وكيلي، أو اعتمدت على الله ثم عليك، أو بالله ثم بك، إذا جاءت ثم زال المحذور، لكن ترك لفظة: متوكل أحسن، وإلا فالمعنى صحيح، متوكل يعني أنت معتمدي في هذا الأمر، يعني أعتمد على الله ثم عليك بعد الله جل وعلا.

стр. 1370

٨ - بيان الفرق بين التوكل والوكالة س: هل يجوز إعطاء وكالة من شخص لآخر، ليدير أعماله في فترة غيابه، والذي عرفنا أنه لا يجوز التوكل إلا على الله وحده؟ (١). ج: الوكالة غير التوكل أيها السائل: الوكالة معناها أن يقوم شخص مقامه في إدارة عمله، في بناء بيته، في إصلاح سيارته، في غير ذلك، هذا لا بأس به، هذه وكالة، تفويض منه، إذن له، يأذن له: افعل كذا وكذا. أما التوكل فهو الاعتماد على الغير بأنه يتصرف في الأمور بقدرته. فالله هو الذي يعتمد عليه ، والتوكل يكون على الله، ومعنى التوكل أن يعتمد عليه، لأنه قادر على كل شيء ومسبب الأسباب، والاعتماد على الله والتوكل عليه ، ثم الإنسان يفعل الأسباب، يعتمد على الله بأنه مصرف الأمور، ومسبب الأسباب، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعتمد على المخلوق، ولا على نفسه، بل يعتمد على الله وحده، ويتوكل عليه، ومع هذا يأخذ بالأسباب، ويتعاطى الأسباب، فيزرع الأرض، ويغرس الغرس، ويبني ما يحتاج إليه، ويوكل من يحتاج إليه حتى ينوب عنه في الغرس، في الزراعة، في البناء، ليس في هذا بأس، الوكالة شيء، والتوكل شيء آخر. أما كونه يتوكل على إنسان بأن يعتقد فيه أنه يتصرف في الكون،

стр. 1371

وأنه يدبر الأمور، وأنه له القدرة على التصرفات بدون مشيئة الله وما أشبه ذلك. هذا لا يجوز مع المخلوق أبدا، يتوكل على الله وحده .

стр. 1372

باب ما جاء في الخوف والرجاء

стр. 1373

باب ما جاء في الخوف والرجاء ٩ - شرح معنى الخوف من الله تعالى س: سائل يرجو شرح معنى الخوف من الله (١). ج: المؤمن يخاف الله في كل شيء، لا يكون آمنا من مكر الله، يقول سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢)، ويقول سبحانه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، ويقول سبحانه: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (٤)، ويقول عن عباده الصالحين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٥)، ويقول سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٦)، ويقول سبحانه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٧).

стр. 1374

فالواجب خوف الله مع فعل ما أوجب، وترك ما حرم الله، يكون خوف يحمل على فعل الأسباب، يخاف الله خوفا حقيقيا، يحمله على أداء الواجب، وعلى ترك المحرم، كما يرجوه أنه يدخله الجنة، وينجيه من النار، إذا أدى حقه، فهو يخاف الله، فيعمل ما أوجب الله، ويدع ما حرم الله، وهو يرجو ويخاف، لكن مع العمل، مع أداء الواجبات، وترك المحارم، هذا هو الصادق الذي يخاف الله، ويرجوه، هو الذي يخاف ويرجو مع العمل مع أداء الفرائض، وترك المحارم، والوقوف عند حدود الله، يرجو ثوابه، ويخشى عقابه، ، هكذا جاءت الرسل، وهكذا جاء القرآن الكريم. ***

стр. 1375

١٠ - بيان مذهب أهل السنة والجماعة في الرجاء والخوف س: المستمع: أ. ل. ع. يسأل ويقول: ما مذهب أهل السنة والجماعة في الرجاء والخوف؟ (١) ج: أهل السنة والجماعة يقولون: يجب الرجاء والخوف، والعبد يسير إلى الله بين الرجاء والخوف، كجناحي الطائر، يخاف الله ويرجوه، يصلي، ويصوم، ويتصدق، ويحج، ويجاهد، وهو مع ذلك يخاف الله ويرجوه، كما قال تعالى عن الرسل وأتباعهم، يقول سبحانه:

стр. 1376

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (١) رغبا يعني رجاء، ورهبا يعني خوفا: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٣). فالمؤمن يرجو رحمة ربه، ويخاف عذابه، ويتقيه دائما، فلا يقنط، ولا يأمن، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) وقال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٥)، وقال : ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٦). فالواجب الخوف والرجاء، لا أمن، ولا قنوط، يرجو ربه، ولا ييأس، ولا يقنط، ولا يخاف، ولا يأمن أيضا، يخاف عقوبته، يخاف الذنوب وشرها، هكذا المؤمن، وهذا قول أهل السنة والجماعة قاطبة، يجب على المؤمن أن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء حتى يلقى ربه. قال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلب الرجاء في حال المرض، والخوف في حال الصحة، حتى ينشط في العمل الصالح، وحتى يحذر محارم الله، ولكن المعتمد في هذا أن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء دائما.

стр. 1377

س: قرأت في أحد الكتب وهو كتاب: (حكم وإرشادات)، يقول صاحب الكتاب هذه الوصية: كن راجيا عفو الله تعالى ورحمته، وحسن الظن بالله ، أرجو من سماحتكم أن تتفضلوا بشرح هذه العبارة، جزاكم الله خيرا (١). ج: يجب على المؤمن دائما وهكذا المؤمنة، أن يسير إلى الله في أعماله وأقواله بين الخوف والرجاء، وحسن الظن بالله ، لأن الله جل وعلا أمر عباده بأن يحسنوا به الظن، وبأن يخافوه ويرجوه، فقال جل وعلا: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (٣)، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٤)، فالمؤمن مأمور برجاء ربه وخوفه سبحانه، فيخافه ويرجوه، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥) ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ (٧).

стр. 1378

والمعنى حث الناس على الخوف والرجاء، فلا يقنط ولا يأمن، ولكن يرجو الله ويخافه، ويجتهد في العمل الصالح، وترك ما حرم الله عليه، ويحسن ظنه بربه، وأنه سبحانه يوفي بما وعد، وهو الكامل وهو الكريم الجواد، فمن أدى ما عليه فالله جل وعلا سيوفي له بما وعده من الخير، أما إن قصر ولم يقم بالواجب فلا يلومن إلا نفسه، وصح عن رسول الله ﵊، أنه قال: «يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني (١)»، وقال ﵊: «لا يبيتن أحد منكم إلا وهو يحسن ظنه بالله»، ولا يستقيم له هذا إلا إذا أحسن الفعل، إذا أحسن العمل إذا اتقى ربه وجاهد نفسه، وحاذر محارمه، فإن هذا هو الذي يستطيع أن يحسن ظنه بربه. أما من ساءت أعماله وساءت أقواله فكيف يستطيع أن يحسن ظنه بربه، وقد بارزه بالمحاربة، وتعدى حدوده، وترك أوامره، وارتكب نواهيه، فتحسين الظن بربه في هذه الحالة غرور، وفيه أداء من الشيطان، فمن ساء فعله ساء ظنه، فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يراقب الله سبحانه، وأن يجتهد في طاعته وترك معصيته، وأن يحسن الظن به سبحانه، لكونهما قاما بما يجب وتركا ما نهى الله عنه.

стр. 1379

١١ - التفصيل في مسألة تغليب الخوف على الرجاء س: سائلة تقول: يا سماحة الشيخ: عندي الخوف أكثر من الرجاء، هل لا بد أن يتساويا في ذلك؟ (١) ج: لا حرج في ذلك، بعض أهل العلم يقول: ينبغي أن يكون الخوف أغلب في حال الصحة، لأن الله قال جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (٢)، وقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (٥) ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٦)، كون الخوف يغلب في الصحة، هذا أفضل عند أهل العلم، وإن تعادلا فلا بأس، الرجاء والخوف، أما عند المرض وعند الموت فينبغي أن يكون الرجاء أغلب، وحسن الظن بالله يكون بالرجاء أغلب في حال المرض وقرب الأجل، ينبغي للإنسان أن يحسن ظنه بربه دائما، ولا سيما عند المرض، يكون الرجاء أغلب وحسن الظن أغلب، نسأل الله لنا وللمسلمين العافية والسلامة.

стр. 1380

١٢ - بيان معنى القنوط س: ما معنى القنوط من رحمة الله وذلك من الكتاب والسنة؟ جزاكم الله خيرا (١). ج: القنوط من رحمة الله هو اليأس، كونه لا يرجو الله يقنط أن الله يرحمه، هذا من الكبائر من كبائر الذنوب، ربنا جل وعلا نهانا عن هذا، قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) هذا لا يجوز لأحد أن يقنط من رحمة الله، يعني ييأس لكفره، أو لمعاصيه، بل عليه التوبة والرجوع إلى الله والإنابة إليه، وله البشرى بأن الله يقبل توبته، ويعظم أجره، ويجازى على ما فعل من الخير، أما اليأس والقنوط لأجل سوء العمل فهذا من تزيين الشيطان، ولا يجوز، بل يجب على العبد الحذر من ذلك، وألا يقنط وألا ييأس، بل يرجو رحمة ربه، وأن الله يتوب عليه، يرجو أن الله يقبل عمله ولا ييأس.

стр. 1381

١٣ - مسألة في الوعد والوعيد س: هل تتفضلون بالحديث ولو موجزا عن الوعد والوعيد في شريعة الله؟ وقد تطرقتم إلى هذا في إجابة هذا المستمع. (١) ج: نعم الوعد والوعيد وردا في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، فالوعد يوجب حسن الظن بالله، والوعد للموحدين وعدهم الله بالمغفرة والرحمة، إذا ماتوا على التوحيد وعدهم الله بالمغفرة والرحمة والجنة، وتوعد العاصين بالنار. فالواجب على المسلم ألا يقنط ولا يأمن، ويكون بين الرجاء والخوف، لأن الله ذم الآمنين، وذم القانطين، فقال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٣). فالواجب على المكلف ذكرا كان أو أنثى ألا ييأس، ولا يقنط ويدع العمل، بل يكون بين الرجاء والخوف يخاف الله، ويحذر المعاصي، ويسارع في التوبة، ويسأل الله العفو، ولا يأمن من مكر الله، ويقيم على المعاصي ويتساهل، ولكن يحذر معاصي الله، ويخافه ولا يأمن، بل يكون بين الخوف والرجاء، يحسن الظن بربه، ولكن

стр. 1382

لا يأمن ولا يقنط وييأس، بل يخاف ويحذر ولا يقنط ولا ييأس، فلا قنوط ولا يأس ولا أمن من مكر الله، ولكن بين ذلك، يعبد الله بين الخوف والرجاء، ويحسن ظنه بربه، ويرجو رحمته مع خوفه من عقابه وغضبه ومعاقبته، بسبب معاصيه وسيئاته، وهكذا الواجب على المؤمن أن يكون في سيره إلى الله بين الرجاء والخوف، لكن في حال الصحة، رأى بعض السلف أن يغلب جانب الخوف حتى يحذر وحتى يتباعد عن المعاصي، وبكل حال الواجب أن يسير إلى الله بين الرجاء والخوف، لا أمن ولا قنوط، وفق الله الجميع.

стр. 1383

١٤ - بيان أن تعظيم حرمات الله والحذر من الوقوع فيها من علامات الخوف منه تعالى س: أمامي رسالة تصور بعض الحالات النفسية التي تنتاب بعض الشباب، هذا شاب يقول: إنني فتى في السابعة عشرة، أؤدي ولله الحمد ما افترضه الله جل وعلا على عباده من أركان الإسلام وواجباته، وأجاهد نفسي على جعلها في أتم صورة، إلا أن في نفسي شعورا أحس من خلاله أنني أرتكب معصية موبقة، وأيضا توقعني في عذاب الله وسخطه، وقد ارتكبته من حيث لا أشعر، وأحس أنني مثل عبد كان عند النبي ﷺ الذي أصابه سهم من الكفار،

стр. 1384

في حرب خيبر، فاقل المسلمون: هنيئا له الجنة، فقال النبي ﷺ : «كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها من المغانم يوم خيبر، لم تصبها القسمة لتشتعل عليه نارا (١)» خلاصة الأمر أنني في معصية لا أعرفها، أرجو إجابتي نحو هذا الشعور، هل هو دليل خير وتقوى، أم دليل على غير ذلك؟ وأرجو التعليق على هذا جزاكم الله خيرا (٢). ج: هذا من الدلائل على شدة خوفك من الله ، وتعظيمك لحرماته، فأنت على خير إن شاء الله، وعليك أن تبتعد عن هذا الخوف الذي لا وجه له، لأنه من الشيطان ليتعبك ويقلقك، ويضيق عليك حياتك، فاعرف أنه من عدو الله، لما رأى منك المحبة للخير، ورأى منك الغيرة لله، ورأى منك المبادرة للخيرات، أراد أن يتعبك، فاعصه وابتعد عما أراده منك، واطمئن إلى ربك واعلم أن التوبة كافية، وإن كان الذنب أعظم من كل عظيم فتوبة الله فوق ذلك، وليس هناك ذنب أعظم من الشرك، والمشرك متى تاب تاب الله عليه، وغفر له، فأنت

стр. 1385

عليك بالتوبة مما قد علمت أنك فعلته، وبعد التوبة ينتهي كل شيء، ولا ينبغي لك أن توسوس أو تطيع عدو الله في هذا الخجل، أو في هذا الخوف الذي قد يضرك، ولكن تعلم أنك بحمد الله قد فزت فوزا عظيما بالتوبة الصادقة النصوح، كما قال المولى سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١) وهناك آيات أعظم في المعنى وهي: أن العبد متى تاب وأتبع التوبة بالإيمان والعمل الصالح أبدل الله تلك السيئة حسنة، جعل مكان كل سيئة حسنة، كما قال سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٢) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٣) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤) فأخبر سبحانه أنه يبدل سيئات هؤلاء حسنات، بسبب توبتهم الصادقة وإيمانهم وعملهم الصالح، فأنت بذكرك ذنبك الذي أشرت إليه، وتوبتك فيه من متابعتك ما جرى منك، من الأعمال الصالحة وبالإيمان والتصديق، والرغبة فيما عند الله، فالله سبحانه يبدلك بدل تلك السيئة حسنة، وهكذا جميع السيئات التي يتوب منها العبد، ويبدلها بالإيمان والعمل الصالح، الله يبدلها له حسنات فضلا منه وإحسانا.

стр. 1386

باب ما جاء في الرياء

стр. 1387

باب ما جاء في الرياء ١٥ - بيان معنى الرياء وكيفية تجنبه س: أرجو أن تعرفوا لنا الرياء شرعا، وكيف نتجنبه؟ (١) ج: الرياء مصدر راءى يرائي رياء فهو مراء، والمعنى أن يفعل العمل ليراه الناس، يصلي ليراه الناس، يتصدق ليراه الناس، قصده أن يمدحوه ويثنوا عليه، ويعرفوا أنه يتصدق أو أنه يصلي، أو يحج أو يعتمر لذلك، أو ما أشبه ذلك، وهكذا إذا قرأ ليمدحوه، ويسمى السمعة، إذا كان بالأقوال يسمى السمعة، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر ليمدح، ويثني عليه، لا لله وحده ، فهذا من الرياء في الأفعال، ويقال لما يسمع سمعة، ويقول النبي ﷺ : «من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به (٢)» ويقول ﵊: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه، فقال: الرياء (٣)».

стр. 1388

يقول الله يوم القيامة للمرائين: «اذهبوا إلى ما كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء؟ (١)» ويقول ﵊: «يقول الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (٢)». فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك، وأن تكون أعماله لله وحده، يصلي لله، يصوم لله، يتصدق لله، يرجو ثوابه، يرجو مغفرته سبحانه، وهكذا يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، يحج، يعتمر، يعود المريض، يطلب ما عند الله من الأجر، لا رياء الناس، ولا سمعتهم، هذا هو الواجب على المؤمن، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣) نسأل الله لجميع المسلمين الهداية والتوفيق.

стр. 1389

١٦ - بيان المقصود بالشرك الخفي س: ما هو الشرك الخفي أو الشرك الأصغر؟ (١) ج: ما يكون في القلوب من الرياء يسمى خفيا، لكونه يصلي يرائي، أو يقرأ يرائي الناس، أو يسبح ويهلل حتى يمدحوه، أو يتصدق حتى يمدحوه، وهو في نيته لمراءاتهم، هذا يقال له: شرك خفي. ويسمى الشرك الأصغر شركا خفيا، مثل: لولا الله وفلان، هذا من الله وفلان. يسمى شركا خفيا ويسمى شركا أصغر، وهكذا الحلف بغير الله، والنبي أو بالنبي، أو بأبيك أو بشرفك، هذا شرك أصغر، ويسمى شركا خفيا، لأنه يخفى على بعض الناس، ويقول كذلك بالأمانة، هذا شرك خفي، لأنه حلف بالأمانة أو بحياة فلان، أو بالأنبياء، كله شرك أصغر، وكله محرم، وكله لا يجوز.

стр. 1390

١٧ - الرياء يحبط العمل إذا قارنه س: أخاف كثيرا من الرياء، والسؤال: هل المرائي يخلد في النار؟ وإذا تصدقت أو صليت أخاف كثيرا من الرياء، فبماذا توجهونني حول هذا الإشكال، جزاكم الله خيرا؟. (١)

стр. 1391

ج: عليك أن تحذر الرياء، تجاهد نفسك وأن تتقي الله، وتعمل لله وحده، ولا ترائي الناس، لا بصدقات ولا بصلواتك، ولا بغيرها، لا بد من الجهاد، قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١). فالشرك يحبط العمل، والرياء يحبط العمل إذا قارنه، فمن صلى يرائي فلا صلاة له، ومن قرأ يرائي فلا قراءة له، ومن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، يرائي فلا أجر له، وهكذا، بل عليه إثم وليس من الشرك الأكبر، فهو شرك أصغر، قد يدخل به النار، ويعذب على قدره، ويخرج من النار، وقد تكون له حسنات عظيمة، يرجح بها ميزانه ويسلم، فالمقصود أن الرياء، إذا كان الإنسان راءى، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليس بمنافق هو مؤمن، لكن يعرض له الرياء في بعض الصلوات، أو القراءة، هذا شرك أصغر، ولا يخرج من دائرة الإسلام، بل هو مسلم، عليه أن يجاهد نفسه في ترك هذا الرياء، حتى يخلص لله في أعماله.

стр. 1392

س: أعاني كثيرا من الرياء، مع أنني أصلي وأصوم وأزكي وأعمل الأعمال الصالحة، فهل آثم في ذلك؟ وهل أدخل في الشرك الأصغر؟ (١). ج: عليك أن تحذر الرياء، والرياء: مراءاة الناس بأعمالك، قراءة أو صلاة، أو صدقات أو غير ذلك، يجب أن تحذره، وأن تعتمد الإخلاص لله في أعمالك، وألا تبالي بالمخلوق، يكون عملك لله وحده، لا تقصد به أحدا من الناس، لا في قراءة، ولا في أمر بالمعروف، ولا في نهي عن منكر، ولا في صلاة ولا في غير ذلك، تقصد وجه الله، تقصد بأعمالك وجه الله، والقربة لديه ، ولو كان عندك أمك، أو أبوك أو أقرباؤك الآخرون، تجعل القصد وجه الله جل وعلا، واعمل ابتغاء مرضاته، سواء كان العمل مع أمك أو مع أبيك، أو مع غيرهم، فالواجب أن تكون أعمالك كلها لله وحده، ويقصد بها وجهه الكريم.

стр. 1393

١٨ - حكم الامتناع عن العمل الصالح بحجة الخوف من الرياء س: يقول السائل: إنه كان يصلي بالناس، وله صوت حسن وجميل، وكان يتعمد أيضا تحسين صوته، وخوفا من الرياء امتنع عن الإمامة، وجعل أناسا آخرين يصلون بالناس، رغم أنهم لا يقرءون ولا يكتبون، كيف توجهونه؟ جزاكم الله خيرا. (١) ج: نوجهه بأن يصلي بالناس ويحسن صوته والحمد لله، ويجاهد نفسه بعدم الرياء، لقول النبي ﷺ : «ليس منا من لم يتغن بالقرآن (٢)» أي يحسن صوته به، ومر ذات ليلة على أبي موسى الأشعري وهو يقرأ، فاستمع له النبي ﷺ ، فلما أصبح أتاه أبو موسى، فأخبره النبي ﷺ أني سمعت صوتك، وقال: «لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود (٣)» يعني صوتا من أصواتهم، فقال أبو موسى ﵁: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا، أي حسنته

стр. 1394

لك تحسينا، فتحسين الصوت الذي فيه منفعة للمسلمين ليستمعوا وينصتوا ويتدبروا، هذا أمر مطلوب، وليس هذا من الرياء، هذا من الإحسان، والرسول ﵊ قال: «زينوا القرآن بأصواتكم (١)» فتزيين الصوت ينفع الأمة، وينفع المستمعين، وأنت تفعله لنفعهم لا ليمدحوك، دع عنك الرياء، ولكن تفعله حتى يستفيدوا وينتفعوا. س: تسأل المستمعة وتقول: كيف يكون الرياء داخل الإنسان؟ وكيف يتجنب الإنسان ذلك الشعور؟ جزاكم الله خيرا (٢). ج: الرياء كونه يصلي حتى يمدحه الناس، أو يقرأ ليمدحه الناس، أو يتصدق ليمدحه الناس بالجود، هذا الرياء، يعني يفعل العمل الصالح حتى يثني عليه من الناس، يرائيهم، ما هو لأجل الله، بل يتصدق حتى يقال: إنه جواد، يصلي ليقال إنه يصلي، يقرأ كذلك، قصده ثناء الناس

стр. 1395

عليه، وليمدحوه هذا الرياء وهو شرك، يقول ﷺ : «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه، قال: الرياء (١)». فالواجب الحذر، وأن تكون العبادات لله وحده، من صلاة أو قراءة، أو صدقة، أو تسبيح، أو تهليل، أو غير هذا، يجب أن يكون لله وحده لا رياء ولا سمعة.

стр. 1396

١٩ - حكم صاحب الرياء إذا مات ولم يتب س: هل الشرك الأصغر وهو الرياء مخلد صاحبه في النار أم لا؟ (١). ج: الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه، فهو مثل الكبائر لا يخلد صاحبه في النار، مثل قوله: لولا الله وأنت، ما شاء الله وشئت، ومثل يسير الرياء، ومثل الحلف بغير الله، كل هذه من باب الشرك الأصغر، لا توجب الخلود في النار، ولا تبطل الأعمال، ولكنها محرمة، من جنس كبائر الذنوب، بل أشد من كبائر الذنوب، ولكنها لا توجب خلوده في النار، ولا توجب اليأس من المغفرة.

стр. 1397

٢٠ - وجوب الحذر من الوقوع في الرياء س: ما حكم من يداخله الرياء في بعض الأعمال القليلة؟ وللعلم هو يتألم أشد الألم بسبب هذا، وهو في قلق مستمر، ما نصيحته سماحتكم؟ جزاكم الله خيرا. (١) ج: نوصي كل مسلم بالحذر من الرياء، دقيقه وجليله، كثيره وقليله، نوصي بالحذر، والرياء هو كونه يعمل عملا لأجل الناس، لأجل يسمعونه أو يرونه، حتى يمدحوه، ونحو ذلك، يصلي حتى يروه أو يتكلم بوعظ حتى يثني عليه، أو يقرأ حتى يثني عليه أو ما أشبه ذلك، يعني يعمل من أجل رياء الناس وحمدهم وثنائهم ونحو ذلك، يجب الحذر، وهذا الرياء يبطل العمل، فلا يكون له ثواب، يكون صاحبه آثما، وهذا من الشرك، يقول النبي ﷺ آمرا للصحابة: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه فقال: الرياء (٢)» خافه عليهم وهم أفضل الناس بعد الأنبياء، وسماه شركا أصغر. فالواجب الحذر منه، فالذي يقرأ يرائي الناس قد أشرك شركا أصغر، أو يصوم لأجل أن يقول الناس: هذا صائم يرائي الناس أو يتصدق يرائي الناس، أو يحج يرائي الناس، أو ما أشبه ذلك الواجب الإخلاص لله وأن يعمل لله احتسابا، لا يرائي أحدا من الناس.

стр. 1398

٢١ - بيان أن الرياء شرك ومن أعمال المنافقين س: أنا شاب في الخامسة والعشرين من عمري، وأنا مستقيم ومؤد لواجباتي الدينية ولله الحمد، إلا أنني أشعر بأنني أميل للرياء والسمعة في أعمالي كالصلاة وغيرها من الأعمال، وهذا والله رغما عني وأنا ألح على الله بالدعاء، بأن يخلصني من هذا البلاء، ولكن دون جدوى، سؤالي: هل أعتبر مشركا بالله؟ وهل اعتبر كمن يرائي بأعماله عامدا متعمدا، أم أن الله لا يؤاخذني، حيث إن ذلك بغير إرادتي؟ أرجو الإجابة على سؤالي هذا، وأن تدلوني على ما يخلصني من هذه البلوى. (١) ج: لا شك أن الرياء منكر، وشرك، ومن أعمال المنافقين، فالواجب عليك الحذر منه وجهاد نفسك حتى تتخلص منه، مع سؤال الله ، والضراعة إليه أن يعافيك من ذلك ولا تيأس، بل استمر في الدعاء والضراعة إلى الله في أن يوفقك، وأن يهديك حتى تدعه، وجاهد نفسك واصبر وصابر في ذلك، حتى يعافيك الله من ذلك، وهو من خلق أهل النفاق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢).

стр. 1399

ويقول النبي ﷺ : «يقول الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (١)»، ويقول أيضا ﵊: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر فلان إليه (٢)» فأنت جاهد نفسك، وأبشر بالخير، ومن جاهد أعانه الله، يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) فإذا جاهدت نفسك في هذا السبيل فأبشر بالخير، والله سوف يعينك ويهديك السبيل القويم، ولا تيأس ولا تقنط واصبر وصابر، واسأل ربك العون، وأبشر بالخير الذي وعد الله به الصادقين والصابرين، وهذا شرك أصغر، وليس بشرك أكبر، بل هو من الشرك الأصغر، كما قال ﵊، يخاطب الصحابة: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر (٤)» فهو قد أصاب غيرك كما أصابك، فعليك بالصبر وسؤال الله العافية، وهو ليس من الشرك الأكبر الذي يحبط الأعمال، ولكنه شرك أصغر، يحبط العمل الذي قام به، فإذا قمت تصلي صلاة من أجل الرياء بطلت هذه الصلاة التي فعلتها للرياء، وإذا تصدقت للرياء بطل ثوابها، وإذا سبحت أو ذكرت الله للرياء، أو قرأت القرآن للرياء،

стр. 1400

ما لك ثواب، بل عليك إثم، وإذا جاهدت نفسك في تركه والحذر منه أعانك الله ويسر أمرك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٢) فأبشر بالخير واصبر وصابر والله يعينك.

стр. 1401

٢٢ - وجوب مجاهدة النفس للتخلص من العجب والرياء س: أولا يا سماحة الشيخ، أعرفك أنني أحبك في الله تعالى، وأرجو الله ثم منك أن تدعو الله لي بظهر الغيب، أن يرزقني الإخلاص في كل أعمالي الدينية والدنيوية، حيث إنني دائما أشعر أن عملي يخالطه شيء من الرياء، وإذا ما قرأت القرآن وسمعت الناس ينصتون إلي ينتابني حالة من العجب، وجهوني سماحة الشيخ حتى أكون مخلصا لله تعالى، وهل يؤثر ذلكم الإحساس على عملي؟ جزاكم الله خيرا. (١) ج: نقول: أحبك الله الذي أحببتنا له، ونسأل الله أن يمنحك الإخلاص والتوفيق والهداية، نسأل الله لنا ولك التوفيق والهداية، وأن تكون مخلصا في أعمالك كلها، ونوصيك بالحذر من العجب والرياء، وأن تجاهد نفسك، فإذا جاهدت نفسك فأبشر بالخير إن شاء الله، إذا قرأت القرآن أو صليت أو فعلت شيئا من الخير فاحرص على أن يكون ذلك

стр. 1402

لله وحده، ليس فيه رياء ولا سمعة، وإذا خطر لك شيء فاطرده بالاستعاذة بالله من الشيطان، وبالحذر، فإن المجاهد يعان، ربنا يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، فكلما عرض لك شيء من الرياء فعليك بالمجاهدة والطرد له بالتعوذ بالله من الشيطان، والحرص على الإخلاص لله سبحانه في قراءتك وفي صلاتك وفي جميع العبادات.

стр. 1403

٢٣ - وجوب إحسان الظن بالله ومحاربة الوساوس الشيطانية س: إنسان دوما مشغل نفسه باليوم الآخر، وبالموت وبالحساب يوم القيامة، ويخاف أن يكون من أهل النار، وأن عمله لا يقبل منه، وأنه قد يكون فيه شرك، ويخاف أن يدخل عليه الشرك من حيث لا يدري، ودوما يردد قوله: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم، وأعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا لا أعلم»، ماذا عليه؟ وهل عليه إثم؟، جزاكم الله خيرا. (١) ج: عليه أن يجتهد في محاربة الشكوك، وهو إن شاء الله على خير، لأن هذا حمله عليه الخوف من الله، والحذر من الشرك، فعليه أن يحاسب نفسه، وأن يسأل ربه العون والتوفيق، وأن يحذر مكائد

стр. 1404

الشيطان، فإن الشيطان يؤذي الناس بالوساوس، فعليه أن يحذر مكائد الشيطان، ويحسن ظنه بربه، ويجتهد في العمل الصالح، ولا يشغل نفسه بهذه الوساوس، فإذا أحس به يتعوذ بالله من الشيطان، ويجتهد في أن تكون أعماله لله وحده، ليس فيها رياء ولا سمعة، والشيطان عدو مبين، يجب أن يتحرز منه بالتعوذ بالله من الشيطان، كلما أشغله بهذه الوساوس.

стр. 1405

٢٤ - بيان كفارة الرياء س: ما كفارة الرياء؟ وما هو الرد على من أثنى علي بالمدح كمن يقول: فلان يصلي ويذكر الله، حتى لا يدخل في عملي رياء؟ وقانا الله وإياكم شر هذا المرض. (١) ج: كفارة الرياء التوبة إلى الله، وهكذا كل معصية وكل شرك، توبته ودواؤه التوبة إلى الله التوبة النصوح، من ندم على الماضي والإقلاع عن الرياء ونحوه، والعزم الصادق ألا يعود فيه، وإذا مدحك أحد تقول: يا أخي اتق الله، لا ينبغي المدح، والرسول ﵊ قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب (٢)»، لأن المدح قد
следующие страницы →