س: ما هو توجيه سماحتكم للمرأة التي دائمًا تطلب الطلاق من زوجها، ما نصيحتكم، ولأمثالها، جزاكم الله خيرًا؟ (١)
ج: إن كانت مظلومة قد ظلمها زوجها وتعدّى عليها، فهي معذورة، أما إن كانت تطلب الطلاق من غير بأس، فلا يجوز لها ذلك، يقول النبي ﷺ : «أيما امرأة سألت الطلاق من غير ما بأس، لم ترح رائحة الجنة» (٢) فكونها تطلب الطلاق من غير علّة شرعيّة، لا يجوز، الواجب عليها الصبر والاحتساب، وعدم طلب الطلاق، أما إذا كانت هناك علة لأنه يضربها ويؤذيها، أو لأنه يتظاهر بفسق وشرب المسكرات، أو لأنه لم تقع في قلبها محبة له، بل تبغضه كثيرًا ولا تستطيع الصبر، فلا بأس، مثلما فعلت زوجة ثابت بن قيس، طلبت من النبي ﷺ أن يفرّق بينها وبينه، فسألها النبي
стр. 14492
عن ذلك، فقالت: إنها لا تطيقه بغضًا، فقال لها ﵊: «أتردين عليه حديقته» (١) يعني المهر، الحديقة بستان، فقالت: نعم. فأمره أن يقبل الحديقة ويطلقها، والعلة أنها لا تستطيع البقاء معه من أجل بغضها له، والحياة مع البغض لا تستقيم؛ ولهذا يلزمها أن ترد المهر، فإذا ردّت المهر، فعليه أن يطلقها، والله يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾، وهكذا إذا كان يتعاطى السكر، أو معروفًا بالتساهل في الزنى، وتعاطي الفحشاء، هذا لها عذر؛ لأنّ البقاء معه يضرّها، أما إن كان لا يصلّي، فلا يجوز لها البقاء معه، فالواجب عليها الامتناع منه، وعدم تمكينه من نفسها؛ لأن ترك الصلاة كفر أكبر على الصحيح وإن لم يجحد وجوبها؛ لقول النبي ﷺ : «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (٢) وقوله ﵊: «العهد الذي بيننا وبينهم
стр. 14493
الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١) فالأمر عظيم، فإذا كان لا يصلي فليس لها البقاء معه، نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 14494
س: السائلة من المدينة المنورة، تقول: إنها امرأة متزوجة منذ تسع سنوات، وزوجها لا يعمل دائمًا، فكان يعمل في التجارة، وخسر جميع ما يملك من أمواله وأموال الناس الشركاء، ثم عمل في شركة، وتركها بعد ثلاثة شهور، وهو دائم الاستلاف، وأصبح مديونًا للناس بمائة وخمسين ألف ريال، وهو الآن لا يعمل، علمًا بأنها تقول دائمًا تقف إلى جواره في كل أزماته، والآن مرضت هذه الزوجة، ولا تطيق أن ترى هذا الزوج، بسبب تصرفاته، وبسبب الديون التي تراكمت عليه وعدم الاستقرار العائلي، وتسأل هذه الزوجة سماحتكم وتقول: لو طلبت الطلاق من هذا الرجل هل أكون آثمة؟ علمًا بأن أهلي يريدون أن يطلقوني منه؛ لأنّ زوجي باع جميع ما يخصني من منزل وأثاث، فهل طلبي للطلاق حرام أم حلال؟ (١)
стр. 14495
ج: إذا كان يقوم بما يجب من النفقة، فلا يجوز لكِ الطلب، إذا كان لا يظلمك، ويقوم بما تحتاجين إليه من النفقة، ولو أنه مدين، فليس لكِ طلب الطلاق، أما إذا كان يظلمكِ وتخافين على نفسكِ منه، من ضربه، أو أخذ بقية مالكِ، يطالبكِ بأخذ بقية مالكِ، فلكِ طلب الطلاق، أما إذا كان لا، قد قام بحقّكِ، ولكن عليه ديون، فلا يضره ذلك، عليكِ السمع والطاعة والبقاء في حسابه، والحذر من طلب الطلاق بغير حق.
стр. 14496
٤ - حكم طلب الزوجة من زوجها الطلاق
س: السائلة أم عبد الله تسأل وتقول: تزوجت وأنا عمري ثلاث عشرة سنة، وكنت أجهل أمور الزواج، وحقوق الزوج، وكثيرًا ما كنت أطلب منه الطلاق، تكرّر مني كثيرًا، حتى اضطر أن يقول في مرة من المرات: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وبعد أربعة أشهر، وفي ذلك اليوم، الذي كتب به ورقة الطلاق، وشهد على طلاقي شاهدان، كانت عليَّ العادة، فما حكم الطلاق في هذه الحالة؟ (١)
стр. 14497
ج: أولاً الواجب على المرأة تقوى الله والمعاشرة الطيبة لزوجها، وعدم إيذائه بطلب الطلاق ولا بغيره من الأذى، كالسبّ والشّتم، وعدم السمع والطاعة، كل هذا لا يجوز، ما دام الزّوج قائمًا بحقها، الواجب عليها أن تقوم بحقّه أيضًا، والله يقول سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ويقول : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فعليه المعاشرة بالمعروف، وعليها المعاشرة بالمعروف، بالكلام الطيب، والفعل الجميل في الفراش، وفي البيت وفي جميع الأحوال، تقول له الكلام الطيب، وهو يقول لها الكلام الطيب، تؤدّي له ما يجب من الطاعة في بيته، في خدمته، في طاعته في الفراش، في غير هذا مما أباح الله ، وهو كذلك يعاملها بالمثل، بالكلام الطيب، والسيرة الحميدة، والإنفاق عليها كما أمر الله، إلى غير هذا من وجوه المعاشرة الطيبة، وليس لها طلب الطلاق، مع الاستقامة، بل هذا لا يجوز، أمّا إذا كانت الحالة غير ذلك، بأن أساء العشرة، أو ما كتب الله لها في قلبه المحبّة، بل كانت تبغضه، ولا تستطيع القيام بحقّه للبغضاء، فلا مانع
стр. 14498
أن تطلب منه الطلاق، حتى لا تخل بالواجب، وإن سمح بذلك، فالحمد لله، وإلا فعليها الصبر، حتى يجعل الله فرجًا ومخرجًا، أما ما وقع من الطلاق في حال الحيض، هذا فيه خلاف بين أهل العلم، جمهور أهل العلم يرون أنه يقع الطلاق، وهذا قول الأكثرين من أهل العلم، والقول الثاني أنه لا يقع في الحيض، ولا في النفاس، ولا في طهر جامعها فيه زوجها؛ لما ثبت من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، في الصحيحين: «أنه طلّق امرأته وهي حائض» (١) ورفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فغضب وأنكر عليه ذلك، وأمره أن يراجعها، وأن يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلّق، قبل أن يمسّها، هذا يدل على أن الطلاق في حال الحيض أو النفاس منكر، وهكذا في الطهر الذي جامعها فيه، وإنما السنة أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، أو في حال حملها؛ ولهذا في اللفظ الآخر: «فليطلقها طاهرًا أو حاملاً» (٢) فالصواب أنه لا يقع في هذه الحالة وإن كان قول الأقل، والأكثرون على وقوعه، لكن قول
стр. 14499
الأقل في هذا أصح؛ لهذا الحديث الصحيح والله المستعان، ولا حرج في كونها صغيرة عمرها ثلاث عشرة سنة.
فالنبي ﷺ «تزّوج عائشة وهي بنت سبع سنين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين» (١) فالأمر في هذا واسع، لكن على أهلها أن يعلّموها، إذا أرادوا تزويجها بهذا السن، عليهم أن يعلّموها، ويوجّهوها، ويشرحوا لها حقوق الزوج، وأنّ عليها كذا وكذا وكذا، حتى تكون على بصيرة، وإلا فلا يعجلوا حتى تأخذ العلم، بنت خمسة عشر، بنت ستّ عشرة، بنت سبع عشرة، يعني ينبغي لهم أن يزوّجوها في الأوقات المناسبة، التي يرون أنها أهل لذلك، فإذا أرادوا التبكير؛ لأنه خطبها الكفؤ، وخافوا فوت الكفؤ، فينبغي أن يغتنموا الرجل الطيب، ولو كانت بنت ثلاثة عشر، لكن عليهم أن يعلّموها ويوجهوها، حتى تعرف ماذا تعمل مع الزوج، رزق الله الجميع الهداية.
стр. 14500
٥ - حكم وقوع الطلاق على الزوجة إذا طلبته من زوجها وهي في حالة غضب
س: خلال ثورة غضب عارمة من الزوجة على زوجها أصرت عليه وألحت أن يطلقها، علمًا بأن الزوج لم يكن له الرغبة في ذلك واستجاب لطلبها مرغمًا، وتلفظ بالطلاق، فهل يغير هذا واقعًا، أفيدونا مأجورين؟ (١)(٢)
ج: نعم ما دام طلقها باختياره كونه اشتدت هي ما هو بعذر له، لا يلزمه أن يطلق، لكن ما دام أجاب رغبتها وطلقها يقع الطلاق الشرعي، إذا طلقها طلاقًا شرعيًّا في طهر لم يجامعها فيه، وليست حبلى، ولا آيسة، أو طلقها في حال الحمل يقع، أما إذا طلقها في حال حيضها، أو نفاسها وهو يعلم بذلك يعلم أنها حائض أو نفساء، فلا يقع الطلاق على الصحيح من حديث ابن عمر ﵄ خرج في الصحيحين أو طلقها بطهر جامعها فيه، وليست حبلى ولا آيسة، وهو يعلم ذلك، لم يقع على الصحيح، لحديث ابن عمر.
стр. 14501
س: تقول السائلة: أصبح الناس في المجتمع ينظرون إلى المرأة التي لم تكمل تعليمها بنظرة حزن واحتقار وإهانة، فهل يصلح هذا العمل وأنا أريد أن أكمل دراستي، لكن زوجي رافض، فهل يحق لي أن أطلب الطلاق؛ لكي أكمل دراستي؟ (١)
ج: لا، لا تطلبي الطلاق، ولكن بالأسلوب الحسن، لعل الله يهديه حتى يسمح لكِ، وفي الإمكان أن تستفيدي من إذاعة القرآن ومن خطب الجمعة التي تذاع، وإذاعة القرآن فيها خير عظيم محاضرات وندوات نور على الدرب، كل هذا علم عظيم، وفي الإمكان أن يسمح لكِ بطريقة حسنة، إذا حاولت ذلك بالكلام الطيب والأسلوب الحسن، وليس بصحيح أن المجتمع ينظر للمرأة التي لم تكمل تعليمها بنظرة احتقار وحزن، إذا كانت تقية ومستقيمة لا يجوز احتقارها؛ لأن الدراسة قد تتيسر لها، وقد لا تتيسر، ليس كل أحد يستطيع الدراسة، ولكن يقدر أمرها بتقواها لله، فإذا كانت من الأتقياء، فلها شأن عظيم، لها منزلة كبيرة، وجديرة بألاّ تحتقر لإيمانها وتقواها لله، وعقلها وتمييزها، فلا ينبغي ولا يجوز احتقارها؛ لأنها لم تدرس، والمؤمن لا
стр. 14502
يحتقر أخاه، يقول النبي ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام، فالمسلم أخو المسلم لا يحقره ولا يكذبه ولا يخذله، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» (١) لا يجوز هذا.
стр. 14503
٦ - حكم طلاق مختل الشعور
س: يقول السائل: طلقت زوجتي ثلاث مرات، المرة الأولى، كانت زوجتي حاملاً وراجعتها وهي عندي، وتمت المراجعة في نفس اليوم الذي كان فيه الطلاق، والمرة الثانية كانت حائضًا، وراجعتها أيضًا في نفس اليوم، وهي عندي وكان الطلاق مرتين، لي منها الآن خمسة أولاد، وهي عندي في البيت. والسائل يذكر في رسالته بأنه يشكو من مرض يسيطر عليه، ويقول: لو سئل عن حالته العقلية أثناء الطلاق، لقال: إنه مختل الشعور، يرجو من سماحة الشيخ إرشاده، جزاكم الله خيرًا (١)
ج: إن الله شرع الطلاق لمصالح كثيرة، قد
стр. 14504
يحتاجها الزوج، وقد تحتاجها الزوجة، فمن نعمته سبحانه أن شرع الطلاق، حيث قال جلّ وعلا: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، الآية، فإذا احتاج المسلم إلى الطلاق؛ لكون المرأة لم تناسبه، أو لأسباب أخرى تقتضي الطلاق، شرع له أن يطلق طلقةً واحدة فقط، هذا هو السنة، طلقة واحدة فقط؛ لأنه قد يبدو له أن يراجع، فإذا هو في سعة، فيطلق واحدة فقط في طهر لم يجامع فيه، أو في حال الحمل؛ لقوه سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، قال علماء التفسير: معناه طاهرات من غير جماع، يعني في حال الطهر من حيض أو نفاس، وقبل أن يمسها، أو في حال الحمل، كما ثبت في الصحيح، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال له، لمّا طلق امرأته وهي حائض: «راجعها ثم أمسكها، حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شئت طلقها قبل أن تمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» (١)
стр. 14505
وفي رواية قال: «ثم يطلقها طاهرةً أو حاملاً» (١) فهذا هو المشروع أن يطلق الزوج امرأته إذا احتاج إلى ذلك طلقة واحدة، في إحدى حالين: إما في حال كونها حاملاً، أو في حال كونها طاهرة في طهر لم يجامعها فيه، هذا هو الطلاق الشرعي، ويكره أن يطلق ثنتين من دون حاجة، بل يطلق واحدة فقط، ولا يجوز له أن يطلقها في حال الحيض، ولا في حال النفاس ولا في حال طهر جامعها فيه؛ لأنّ الرسول ﷺ ، أنكر على ابن عمر ذلك، وجعل هذا من تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، المعنى في طهر لم يجامعها فيه، فعلم بهذا أن الطلاق في حيض أو نفاس، أو في طهر جامعها فيه، يخالف نصّ الآية الكريمة، ويخالف التعليم النبويّ، الذي وجهه الرسول ﷺ لابن عمر، وهو للأمة كلها؛ لأنّ تعليمه ﷺ للواحد تعليم للأمة كلها، ثم اختلف العلماء في وقوعه: هل يقع إذا كان في حال لا يشرع فيها، كالحيض والنفاس والطهر الذي جامعها فيه؟ فذهب جمهور أهل العلم
стр. 14506
وأكثرهم، إلى أنه يقع مع الإثم، يأثم الزوج ويقع الطلاق، وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يقع؛ لأنه طلاق غير مشروع فلا يقع؛ لقول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) وهذا عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ ، فيكون مردودًا، ولأن الرسول ردها، ردّ المرأة على ابن عمر لمّا طلقها، وهي حائض ردها النبي ﷺ ، ولم يرها شيئًا كما ثبت في الصحيح، وقال: «إذا طهرت فليطلق أو ليمسك» (٢) وسئل ابن عمر ﵁ عن ذلك؟ فقال: لا يعتدّ بها، مع أنه ﵁ حسب ما وقع منه من تطليق، حسبها اجتهادًا منه، حسب ما وقع من تطليقة، ولم يحسبها عليه النبي ﵊، وهذا القول أرجح من حيث الدليل، أنه لا يقع الطلاق في حال الحيض والنفاس، ولا في طهر جامعها فيه، وإن كان فيه خلاف للجمهور، لكنه أظهر في الدليل، والأصل بقاء النكاح وعدم وقوع الطلاق، الذي لم يشرع، فالله شرع لعباده ما فيه مصلحتهم، ونهاهم عمّا يضرهم، ولا ريب أن
стр. 14507
وقوع الطلاق، في حال الحيض والنفاس، وفي الطهر الذي جامع فيه، فهو يضر الزوج، ويضر المرأة في الغالب، فكان من محاسن الإسلام، ومن رحمة الله ، القول بأنه لا يقع، قال من لم يوقعه: ومما يؤيد ذلك أن الإنسان في حال كون امرأته حائضًا أو نفساء، يسهل عليه الطلاق؛ لأنها لا تصلح للجماع، وممنوع من جماعها فيسهل عليه الطلاق، وهكذا إذا كان قد قضى وطره وجامعها، يسهل عليه الطلاق، فمن رحمة الله أن منعه من ذلك؛ وحرم عليه ذلك، فمتى أقدم على التحريم، لم يقع منه ذلك؛ لكونه خلاف أمر الله، وهذا السائل طلق الأولى وهي حامل، فالطلاق واقع؛ لأن طلاق الحامل أمر مشروع، أما الطلاق الثاني إذا كان في الحيض باتفاقهما واعترافهما جميعًا، فإنه لا يقع على الصحيح، إلا أن يحكم حاكم بذلك، فإن حكم حاكم بالوقوع وقع؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، فإذا حكم حاكم ممن يرى أنه يقع الطلاق كما هو قول الجمهور، فحكم عليه بوقوع الطلاق، فإنه يرتفع الخلاف، ويقع الطلاق، وينفذ، وليس للمفتي أن ينقض ذلك؛ لأن المسألة خلافية يسوغ فيها الاجتهاد، أما كونه مختل الشعور فهذا يحتاج إلى أن يستفتي قاضي بلده، إذا وقع منه شيء، حتى ينظر في
стр. 14508
الأمر، وحتى يطالبه بالبينة الدالّة على ما قاله، فليس كل من ادّعى شيئًا يسلم له، يقول المصطفى ﵊: «لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى أناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي» (١) فالذي يدعي أنه طلق في حال زوال عقله، يطالب بالبينة على ما قال، وإذا ثبت ذلك لم يقع الطلاق، وإذا أقرت الزوجة بأنه وقع منه في حالٍ غير شعورية، كالسكران الذي طلق في حال غيبوبة عقله، بتعاطيه ما حرم الله، فالصحيح أنه لا يقع كالمجنون، ولو كان آثما، فإن الآثم عليه التوبة إلى الله، وعلى ولي الأمر أن يقيم عليه الحدّ، إذا رفع إلى ولي الأمر، وليس من عقوبة السكران إيقاع الطلاق، فالصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم، وبه أفْتى الخليفة الراشد عثمان ﵁، أن طلاق السكران الذي قد فقد عقله لا يقع، حتى ولو كان آثمًا، أمّا غير الآثم، فلا يقع عند الجميع، كالمجنون، فلو أن إنسانًا سقي ما يسكره، ويغير عقله بغير علمه، أو أجبر عليه وأكره عليه، لم يقع طلاقه عند أهل العلم، وإنما الخلاف
стр. 14509
فيمن شرب المسكر عمدًا، فهذا هو محل الخلاف، فهو آثم، ويجب أن يقام عليه الحد، إذا رفع للسلطان، ولكن لا يقع الطلاق، إذا كان في حال الطلاق فاقد العقل، كالمعتوه والمجنون، والله المستعان.
стр. 14510
س: تقول الأخت من المنطقة الشرقية: أنا تزوجت إنسانًا أنانيًّا بمعنى الكلمة، لم يكن يحسب للعواطف ولا الإنسانية أي حساب، أي أنه جعل يتصرف دون تفكير، إنه جاد في كل شيء، وحين يتخذ قرارًا لا يرجع فيه، إنني كنت أُحبه، ولكن عندما اتضحت لي الحقيقة كرهته ولم أفكر فيه، أروي لكم قصتي حيث إنني في يوم من الأيام، قد نسيت صلاة الظهر والعصر، لم أصلهما، فاستغفرت ربي، وقد تكرر هذا الحدث، وفي كل مرة هو الذي يوجهني، وليس لأجل أنه يحبني ويريد الخير لي، إنما يريد أن يرصد الأخطاء ويحاسبني فيها في المستقبل، وعندما حاسبني للصلاة التي قد نسيتها، أردته أن يسامحني، وتظاهر لي بأنه قد سامحني، ولكنه بعد مضي فترة على زواجنا، وأنجبت طفلة، طلب مني أن ننفصل؛ لعدم كفاية ديني، وأنني أهمل في بعض المرات، والأهم من ذلك كله منذ تزوجنا أنه لا يريد أن يفهمني، ولا يتفاهم معي، وأنه يعاملني بأسلوب يصعب عليّ إظهار عواطفي وحبي له، بأنه
стр. 14511
يتهرب من الكلام معي، وعدم مصارحتي بما يجول داخله، وفي ذات مرة فوجئت بأنه عندما ذهب بي إلى أهلي، خطب فتاة، ولم يوافق أهلها؛ لأنه متزوج، ولديه طفلة، وعندما رجعت، قال: يجب أن ننفصل لأنني أريد امرأة متدينة، وذكر لي الحديث الذي يقول: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» فاعذريني، وأخذ يكلمني بأسلوب عرفت منه أنه ناوٍ أن يتزوج غيري، ولكني عرضت عليه جميع الحلول غير الطلاق، لكنه صمم، وطلقني دون ذنب، وأنا وابنتي الآن في حيرة، علمًا بأنه لم يتزوج متدينة، وكان زواجه في حفلة لبست زوجته الجديدة ثوب التشريعة، أرجو التفضل بالجواب وفقكم الله (١)؟
ج: ما دام الطلاق حصل، فالعلاج الآن ليس له أثر كبير في حصول المطلوب، لكن إن قدر الله رجوعك إليه، فالواجب عليك لا من أجله، بل من أجل الله وعظمته، وما أوجب عليك من الحق، الواجب عليكِ، أن تهتمي بأمور الدين، وأن تحرصي على أداء الصلاة في وقتها، فمثلها لا ينسى، هي عمود الإسلام، وهي الركن الثاني من
стр. 14512
أركان الإسلام بعد الشهادتين، فالواجب عليكِ أن تكوني مثالية في الأخلاق الإسلامية، وفي أداء ما أوجب الله عليكِ، حتى لا يجد طريقًا إلى ذمّك وعيبك، وإلى التماس امرأة أدين منك، هذا الذي ينبغي منك، أن تكوني حريصة؛ لأن الله أوجب عليكِ أن تستقيمي على دينه، وأن تحافظي على ما أوجب عليكِ، وأن تحذري ما حرم الله عليكِ، فأنتِ إن شاء الله سواءً عند أهلكِ، أو إن رجعت إليه، الواجب عليكِ أن تهتمي بأمر الدين، وأن تحرصي على أداء ما أوجب الله، من الصلاة العظيمة في وقتها، بالخشوع والطمأنينة، وهكذا جميع ما أوجب الله عليكِ، من بر الوالدين، من صلة الرحم، من حظ اللسان عن الغيبة والنميمة، من حفظه عن السب والشتم والكذب، إلى غير ذلك، عليكِ أن تحرصي على كل ما أوجب الله، وهكذا صوم رمضان، تحرصين على أدائه كما شرع الله، مع التحفظ عن كل ما حرم الله، من غيبة، أو نميمة، أو كذب، أو سب، أو غير ذلك، مما يجرح الصيام، وهكذا في الزكاة إذا كان عندك مال تزكينه، كما أمر الله، وهكذا في جميع الشؤون، تحرصين على حفظ دينك، وعلى ترك ما حرم الله عليكِ، وإن يسّر الله لكِ الرجوع، فكوني مثالاً طيبًا للمرأة الصالحة، ذات الخلق الكريم،
стр. 14513
بشوشة في وجه زوجك، تحبين له الخير، وتكرهين له الشر، ولو قدر أنه لم يعمل معك ما ينبغي من البشاشة وحسن الخلق، فكوني خيرًا منه، حتى يرجع إلى أن يتحسن خلقه، أن يعاملك بمثل ما تعاملينه، فعليكِ بتقوى الله في كل الأحوال، وإن قدر الله إليكِ الرجوع، فاحرصي على الأخلاق الفاضلة، واللين في وجهه، والبشاشة، والكلام الطيب، والمبادرة إلى فعل أوامره التي لا حرج فيها، وترك ما نهاكِ عنه من الأمور التي يجب أن تتركيها، وهي لا تتعلق بحق الله ، المقصود أن تلتمسي أسباب رضاه، وأن تبتعدي عن أسباب سخطه، إلا في الأمور التي أوجبها الله عليكِ، فهذه أمور يجب عليكِ أن تفعليها، وهكذا ما حرم الله عليكِ، يجب أن تتركي ما حرم الله عليكِ، وليس لكِ أن تطيعيه ولا غيره في معصية الله ، ومتى اجتهدتِ في الخير وفي الأخلاق الفاضلة، وفي معاملته بما ينبغي من الخلق الكريم، والعمل الطيب، والمسارعة إلى تحضير أوامره وامتثالها، فإنه سوف يرجع إلى العمل الطيب معكِ إن شاء الله، والسيرة الحميدة معكِ، وربما يستغني بكِ عن الزواج، نسأل الله أن يقدر لكِ وله كل خير، وأن يجمعكما على خير، إنه على كل شيء قدير.
стр. 14514
س: سماحة الشيخ إذا أذنتم لي، ألحظ على كتابة أختنا، أنها كتبت بصدق وموضوعية، فهي تقول: إنني نسيت فريضة كذا وكذا ثم تقول إنه يوجهني، لكن الرجل فيما يبدو جاد أكثر مما يجب، نصحتم المرأة جزاكم الله خيرًا وهي نصيحة ثمينة ولا شك، لكن ماذا عن الرجال يا سماحة الشيخ؟ (١)
ج: هو رجل كذلك، عليه إذا قدر الله له الرجوع إليها، أو مع الجديدة، عليه أن يتقي الله، وأن يحسن المعاشرة فالله سبحانه يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ويقول : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، فللزوجات حق عظيم، وإن كان حق الزوج أكبر، وله درجة فوق حقها، لكن يجب ألاّ يستغل درجته في إيذائها وظلمها، وعدم إنصافها، فلها حقّ كبير وله حق، وحقه أكبر، لكن عليه أن يؤدّيَ الحق الذي عليه، في حسن المعاشرة والتلطف بالمرأة، وطيب الكلام معها، وإعطائها حقوقها، هذا واجب عليه، وهي
стр. 14515
واجب عليها أن تبادله المحبة، والفعل الطيب والكلام الطيب، وأداء الحقوق وحسن المعاشرة، وأن تزيد فوق ذلك؛ لأن له عليها درجة، هذا هو واجبهما جميعًا، أما إذا أراد الزوج، أن تكون هي طيبة وهو ليس بطيب، هذا ليس من الإنصاف في شيء، بل يجب أن ينصفها، وأن يقوم بحقها، ويحسن معاشرتها، حتى ينشرح صدرها للقيام بحقه، وحتى تبادله المحبة والمعاشرة الطيبة، نسأل الله للجميع الهداية.
стр. 14516
س: سماحة الشيخ هذه الجدّية الزائدة، أو هذه الصراحة، أو الشخصية القوية التي يسميها بعض الرجال، كيف تنصحونهم نحوها لو تكرمتم؟ (١)
ج: الواجب على الرجل أن يحرص على التسامح، والعفو عن بعض الهفوات التي لا أهمية لها في حقه، وألاّ يطلب حقه كاملاً بل يتسامح ويعفو عن الكثير، هكذا ينبغي للرجل، وهكذا كان النبي ﷺ مع زوجاته ﵊، يكون لينًا معهن، طيب الخلق معهن، يعاشرهن بالمعروف، ويتسامح عن كثير مما قد
стр. 14517
تغلط فيه المرأة، أو يزل به لسانها، أو تجهله، أو ما أشبه ذلك، فالرّجل هكذا ينبغي له أن يكون سمح الأخلاق، طيب السيرة كثير العفو والصفح عما يتعلّق بحقّه، لا يطلب حقه كاملاً، بل يتسامح عن بعض الشيء، ثم إذا عاتب يعاتب بلطف، وكلام طيب، وعبارات حسنة، وتوجيه واضح، ليس فيه غلظة ولا شدة ولا عنف، اللهم إلا إذا كابرت وعاندت، فهذا هو محل الشدة عليها، بسبب عنادها وتكبرها وعنفها، أمّا ما دامت تلتمس فيه التوجيه، وكلامها طيب فينبغي له أن يكون أطيب.
стр. 14518
٧ - حكم طلاق الحامل
س: ما حكم طلاق الحامل؟ (١)
ج: طلاق الحامل مشروع لا بأس به، لكن يكون طلقة واحدة؛ لأن النبي ﵇ قال لابن عمر: «طلقها طاهرًا أو حاملاً» (٢) بعض العامة يرى أنّ طلاق الحامل لا يصلح، وهذا غلط إنما هو من رأي العامّة، أمّا طلاق الحامل عند أهل العلم فلا بأس به، وقد ثبت في
стр. 14519
الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنّ النبي ﷺ ، قال: «طلقها طاهرًا أو حاملاً» (١).
стр. 14520
س: هل المرأة الحامل عليها طلاق؟.
ج: هذه المسألة تقع لبعض العامة، بعض العوام يظن الحامل لا يقع عليها طلاق، ولا أدري من أين جاءهم هذا الظن، وهو لا أصل له في كلام العلماء، ليس له أصل، بل الذي عليه أهل العلم قاطبة، أن الحامل يقع عليها الطلاق، هذا بإجماع أهل العلم، ليس فيه خلاف، الحامل طلاقها إما سنة، وإما لا سنة ولا بدعة، فالحاصل أنه يقع عليها الطلاق، قد ثبت عنه ﷺ أنه قال لابن عمر لما طلق امرأته في حيضها: «أمره أن يمسكها حتى تحيض، ثم تطهر، ثم يطلقها طاهرًا أو حاملاً» (١) فجعل تطليق الحامل من جنس تطليق الطاهر التي لم تمسّ، فالحاصل أن طلاق الحامل، أمر لا بأس به، بل هو سنة على الراجح، يعني طلاقها سنيّ لا بدعي، وإنما المنهيّ عن تطليقها حال وجودها بالصفة التي نبه عليها النبي ﷺ الحائض والنفساء، فما دامت في حال الحيض، أو النفاس، فإنه لا يجوز لزوجها
стр. 14521
أن يطلقها، بل يمسك حتى تطهر، ثم إن شاء طلق، وإن شاء أمسك، أما كونه يطلّقها وهي حائض أو نفساء فلا؛ لأنّ الرسول ﷺ غضب على ابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض، وكذلك إذا طلقها في طهر قد مسّها فيه؛ لأن الرسول ﵊: «قال ثم يطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء» (١) لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، قال العلماء: معناه طاهرات من غير جماع، هذا تطليق العدّة، يطلقها وهي طاهر لم يمسّها، أو حبلى قد ظهر حملها هذا محل السنة، تطليق المرأة في حالين: إحداهما أن تكون حبلى يعني حاملاً، وطلاقها سنيّ لا بدعيّ، الحالة الثانية أن تكون طاهرًا لم يمسّها الزوج، قد طهرت من حيضها أو نفاسها قبل أن يمسّها، فإن هذا الطلاق سنيّ في هذه الحالة، أما البدعيّ فله ثلاث حالات: تطليق الحائض، هذه واحدة، تطليق النفساء، ثنتين، تطليق المرأة في طهرها بعد المسيس بعدما جامعها، هذا بدعي، لا ينبغي أن يقع، وينبغي للزوج أن يمسك عن الطلاق، في
стр. 14522
هذه الحال، حتى تحيض ثم تطهر، قبل أن يمسّ يطلق والحكمة في ذلك -والله أعلم-، أن الشارع يريد عدم الطلاق، ويرغب في بقاء النكاح؛ لما فيه من الخير والمصالح؛ فلذا ضيّق الطريق إليه؛ فجعل المرأة في حال حيضها أو نفاسها، أو طهر مسّها فيه، ليست محل الطلاق، حتى يمسك، فلعل الحائض تحسن بعد ذلك، ولعل الوئام يحصل بعد ذلك، فلا يقع الطلاق، ولا يطلقها إلا في إحدى حالين: إحداهما أن تكون حبلى، والثاني أن تكون في طهر لم يمسّها فيه، وهو في هذه الحال في الغالب لا يطلّقها؛ لأنه يرغب فيها، إذا طهرت طلب جماعها، وإذا جامعها منع من طلاقها، حتى تبقى معه، وكذلك الحبلى ليس فيها موانع من الجماع، هي صالحة للجماع في كل وقت؛ فلهذا لا يرغب في طلاقها في الغالب، ولأنه يرجو هذا النتاج هذا الحمل، يرجو أن يشاهده، وأن يربيه، فحينئذ يحصل الامتناع من الطلاق، هذا من رحمة الله للعباد ، أن جعل الطلاق في هاتين الحالين، حالة الطهر من دون مسيس، وفي حالة الحمل حتى لا يطلقها؛ لأنه إذا كانا في هاتين الحالين، فالغالب أنه لا يقع الطلاق في هاتين الحالين؛ لأن بعد الطهر يشتاق إلى جماعها، بعدما منع منها
стр. 14523
أيامًا في حال حيضها ونفاسها، يشتاق أن يجامعها، فإذا جامعها منع من طلاقها، حتى تحيض مرة أخرى، وتطهر، وفي الحقيقة أن المرأة إذا أراد الزوج الأمر المشروع، فإنه يقل الطلاق، ويكثر الإمساك، والشارع يرغب في بقاء النكاح؛ لما يترتب عليه من المصالح الكثيرة؛ ولهذا كان الطلاق أبغض الحلال إلى الله، أبغض الحلال إلى الله الطلاق؛ لأنه يفرّق بين الرجل وأهله، ويسبب شيئًا كثيرًا، من الأذى على الأولاد، والزوج أيضًا قد يتأخر ما يتزوج والمرأة تتأخر ما تزوجت بعد ذلك، فالحاصل أن الطلاق فيه مساوئ؛ فلهذا شرع الله أسباب بقاء النكاح؛ ليبقى الرجل محافظًا على زوجته مستفيدًا منها، وتبقى المرأة كذلك في عصمة زوجها في هذه الأحوال التي بينا أنه لا يطلّق فيها، وهي: حالة الحيض حالة النفاس حالة الطهر التي قد جامعها فيه، هذه الأحوال الثلاثة لا يطلّق فيها، ولا يجوز له الطلاق فيها، وبهذا يقلّ الطلاق، ويكثر الإمساك، وهذا من رحمة الله وإحسانه إلى عباده جل وعلا.
стр. 14524
س: السائل ع. ب، بعث يسأل ويقول: رجل طلق زوجته ثلاث طلقات، وكانت الطلقة الثالثة وهي حامل، وأوصى عمّته أن تذهب إلى
стр. 14525
زوجته؛ لإرجاعها قبل الولادة، وحضرت العمة، وقالت بصوت عال أمام الزوجة، وأمام بعض الأقارب: أرجعناها، وبناءً عليه عادت الزوجة إلى زوجها، ما حكم هذا التصرف؟ جزاكم الله خيرًا؟ (١)
ج: هذا تصرف باطل، وليس الإرجاع إلى المرأة ولا إلى الزوج في مثل هذا، ما دام طلقها الطلقة الأخيرة الثالثة، ولو أنها حامل، تحرم عليه، حتى تنكح زوجًا غيره، إلا أن تكون الطلقتان السابقتان فيهما ما يوجب عدم وقوعهما، أو إحداهما، وإلاّ فطلاق الحامل واقع، طلاق الحامل شرعي، يقول ﷺ لابن عمر: «طلقها طاهرًا أو حاملاً» (٢) يعني من دون مسيس، فمن طلقها من دون مسيس، وهي حائل، أو طلقها وهي حامل، كله طلاق شرعيّ، إنما المنكر أن يطلقها في حيض، أو نفاس، أو في طهر جامعها فيه، هذا هو الذي لا يجوز، أمّا طلاق الحامل، فهو طلاق شرعي، ولكن بعض العامة يظن أن طلاق الحامل لا يقع، جهلاً منهم، وهذا الذي طلق زوجته الطلقة الثالثة، وهي حامل، طلاقه واقع، إذا كان لا مانع به: عاقل، وهكذا الطلقتان
стр. 14526
السابقتان، إذا كانتا ليس فيهما ما يوجب عدم وقوعهما، أو إحداهما، فإنّ الطلاق باق، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره؛ لأنّ الله سبحانه يقول: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فالواجب على المؤمن في مثل هذا أن يتبصّر، وألاّ يعجل. أما إرساله المرأة، وأن تقول أرجعناها، فهذا شيء لا وجه له ولا أساس له، بل هو من الخرافات العامة، لكن النظر في الطلقتين السابقتين، فإذا كانتا وقعتا في طهر ليس فيه مسيس، أو في حال حمل، فقد وقعتا، وتمت الثلاث، وليس له الرجوع إليها إلا بعد زوج شرعي، إلا بعد زوج يطؤها في نكاح شرعي، ثم يفارقها بموت أو طلاق. والله المستعان.
стр. 14527
٨ - بيان الطلاق المحرم
س: متى يكون الطلاق حرامًا؟ (١)
ج: في ثلاث أحوال، يحرم الطلاق في الحيض وفي النفاس، وفي طهر جامع الزوج امرأته فيه، وهي ليست حاملاً ولا آيسة، في هذه الأحوال الثلاث، يحرم الطلاق، كما ثبت هذا في حديث ابن عمر
стр. 14528
رضي الله عنهما، أن النبي ﵇ أمره: «أن يطلقها قبل أن يمسها بعد طهرها من الحيض» (١) فدل ذلك على أنها لا تطلق إلا في طهر لم يمسّها فيه، ولا تطلق في أثناء الحيض، ولا في حال النّفاس، فهذه الأحوال الثلاثة، يحرم فيها الطلاق، أمّا إذا كانت حاملاً فلا بأس بطلاقها، وإنْ كان قد جامعها، أو كانت آيسة كبيرة في السن لا تحمل، فإنه لا بأس بطلاقه لها، ولو كانت في طهر جامعها فيه.
стр. 14529
٩ - بيان الخلاف في وقوع طلاق الحائض والنفساء وفي الطهر الذي جامع فيه
س: إذا طلق الرجل في هذه الأحوال الثلاثة، هل يقع الطلاق (١)؟
ج: فيه خلاف بين أهل العلم، الجمهور يرونه يقع الطلاق في هذه الثلاث الأحوال، يحرم ويقع، والقول الثاني يحرم ولا يقع، وهو الأرجح، أرجح القولين لأهل العلم أنه يحرم ولا يقع؛ لكونه خلاف الشرع، لأن الرسول ﷺ ، لما طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، أمره الرسول أن يراجعها، ولم يعتبرها شيئًا، ﵊، فردها عليه، ولم يرها شيئًا، وقال: «إذا طهرت، فليطلق أو ليمسك» (٢) ولم يحسبها النبي
стр. 14530
صلى الله عليه وسلم في الأصح من قولي العلماء، فهذا هو المختار، لكن لو حكم حاكم بإمضاء الطّلاق، أمضي حكمه واعْتُبر، ولم يجز نقضه لأحد من الناس، فلو عرض الموضوع على حاكم شرعيّ، فحكم بإمضاء الطلاق في الحيض، أو في النفاس، أو في طهر جامعها فيه، أمضي واعْتُمِد؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ولأنه قول الجمهور، فإذا حكم به الحاكم وجب تنفيذه.