«ألا اشهدوا أن دمها هدر (١)». فسب الدين يوجب الردة عن الإسلام، وسب الرسول كذلك يوجب الردة عن الإسلام، ويكون صاحبه مهدر الدم وماله لبيت المال، لكونه مرتدا أتى بناقض من نواقض الإسلام، لكن إذا كان عن شدة غضب واختلال عقل فلها حكم آخر، فالغضب عند أهل العلم له ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن يشتد غضبه حتى يفقد عقله، وحتى لا يبقى معه تمييز من شدة الغضب، فهذا حكمه حكم المجانين والمعاتيه، لا يترتب على كلامه حكم: لا طلاقه ولا سبه ولا غير ذلك، يكون كالمجنون لا يترتب عليه حكم.
القسم الثاني: دون ذلك، اشتد معه الغضب، وغلب عليه الغضب جدا حتى غير فكره وحتى لم يضبط نفسه، واستولى عليه استيلاء كاملا حتى صار كالمكره والمدفوع الذي لا يستطيع التخلص مما في نفسه، لكنه دون الأول لم يفقد شعوره بالكلية، ولم يفقد عقله بالكلية، لكن مع شدة غضب بأسباب المسابة والمخاصمة والنزاع الذي بينه وبين بعض الناس، أو بينه وبين أهله، أو زوجته أو أبيه أو أميره أو غير ذلك، فهذا اختلف فيه العلماء، فمنهم من قال: حكمه حكم الصاحي العاقل تنفذ فيه الأحكام، ويقع طلاقه ويرتد بسبه الدين، ويحكم بقتله وردته، ويفرق بينه وبين زوجته، ومنهم من قال: يلحق بالأول، الذي
стр. 1507
فقد عقله؛ لأنه أقرب إليه، ولأن مثله مدفوع مكره إلى النطق، لا يستطيع التخلص من ذلك لشدة الغضب، وهذا القول أظهر وأقرب، وأن حكمه حكم من فقد عقله في هذا المعنى، في عدم وقوع طلاقه وفي عدم ردته، لأنه يشبه بفاقد الشعور، بسبب شدة غضبه، واستيلاء سلطان الغضب عليه، حتى لم يتمكن من التخلص من ذلك، واحتجوا على هذا بقصة موسى ﵊، فإنه لما وجد قومه على عبادة العجل اشتد غضبه عليهم، وجاء وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، من شدة الغضب، فلم يؤاخذه الله لا بإلقاء الألواح، ولا بجر أخيه وهو نبي مثله، من أجل شدة الغضب، ولو ألقاها تهاونا بها، وهو يعقل لكان هذا عظيما، ولو جر النبي بلحيته أو برأسه فآذاه صار كفرا، هذا إذا جره إنسان، لكن لما كان موسى في شدة الغضب العظيم، غضبا لله مما جرى من قومه سامحه الله، ولم يؤاخذه بإلقائه الألواح، ولا بجر أخيه، هذه الحجة للذين قالوا: إن طلاق الذي اشتد به الغضب لا يقع، وهكذا سبه لا تقع به ردة، وهو قول قوي ظاهر، وله حجج أخرى كثيرة، بسطها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والعلامة ابن القيم، واختارا هذا القول، وهذا القول أرجح عندي وهو الذي أفتي به؛ لأن من اشتد غضبه ينغلق عليه قصده، ويشبه المجنون في تصرفاته وكلامه القبيح، فهو أقرب إلى المجنون والمعتوه منه إلى العاقل السليم، هذا القول أظهر وأقوى، لكن لا مانع من كونه يؤدب إذا فعل شيئا من وجوه الردة من باب الحيطة، ومن باب
стр. 1508
الحذر من التساهل بهذا الأمر، ووقوعه مرة أخرى، إذا أدب من باب الضرب أو السجن أو نحو ذلك، هذا قد يكون فيه مصلحة كبيرة، لكن لا يحكم عليه بحكم المرتدين، من أجل ما أصابه من شدة الغضب التي تشبه حال الجنون، والله المستعان.
أما المرتبة الثالثة، القسم الثالث: فهو الغضب العادي الذي لا يزول معه العقل، ولا يكون معه شدة تضيق عليه الخناق، وتفقده ضبط نفسه، بل هو دون ذلك غضب عادي يتكدر ويغضب، لكنه سليم العقل سليم التصرف، فهذا عند جميع أهل العلم تقع تصرفاته، بيعه وشراؤه وطلاقه وغير ذلك؛ لأن غضبه لا يغير عليه قصده ولا قلبه، والله أعلم.
стр. 1509
٥٤ - من سب الدين وجب قتله غيرة لله وحماية لدينه
س: الأخ: م. ك. أ. من جمهورية مصر العربية، يسأل ويقول: ما كفارة سب الدين؟ أعاذنا الله وإياكم من ذلك (١).
ج: سب الدين الواجب فيه القتل، لأنه ردة عظيمة، فمن سب الدين وثبت عليه ذلك وجب أن يقتل، نصرة لدين الله وحماية له من سب السابين وإلحاد الملحدين، إذا ثبت لدى الحاكم الشرعي وجب
стр. 1510
عليه الحكم بقتله، غيرة لله وحماية لدينه، ولا تقبل توبته في الحكم الشرعي، أما فيما بينه وبين الله، فإن كان صادقا في توبته تقبل عند الله ، إذا تاب توبة صادقة، وأما في الحكم الشرعي فلا تقبل، بل يجب قتله إذا ثبت لدى القاضي بالبينة الشرعية أنه سب الدين سبا واضحا، أو سب الرسول ﷺ فإنه يقتل ردة، يقول ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (١)» هكذا قال النبي ﷺ ، ولا سيما بالسب لله ولرسوله، أما لو تاب فيما بينه وبين الله، وندم فيما بينه وبين الله فهذا إلى الله ، لكن لو تاب قبل القدرة عليه، لو تاب ورجع إلى الله قبل أن نقدر عليه، لا يجوز قتله حينئذ، لو جاءنا تائبا نادما مستغفرا، يقول: لقد جرى مني كذا وكذا. فإنه لا يقتل، أما توبته بعد إمساكه، وبعد إقامة الحجة عليه، والبينة عليه، قال: تبت. فإنها لا تقبل، بل يجب قتله إذا ثبت لدى الحاكم الشرعي أنه سب الدين، أو سب الرسول ﷺ ، فإنه يقتل ويحكم بردته، ولا تقبل منه التوبة بعد القدرة عليه، كما قال الله في حق المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، أول الآية يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)
стр. 1511
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) والذي يسب الدين أو يسب الرسول ﷺ من أعظم الناس محاربة لله ورسوله، ومن أعظم الناس فسادا في الأرض، فلا تقبل توبته بعد القدرة عليه، بل يجب تنفيذ حكم الله فيه، وهو القتل حتى لا يتجرأ الناس على سب الدين، أو سب الرسول ﷺ ، وقد صنف أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابا جليلا في هذا المعنى سماه: الصارم المسلول على شاتم الرسول ﵊. وذكر الأدلة في ذلك وكلام أهل العلم، وذكر حكم ساب الله ورسوله، فينبغي أن يراجع فإنه مفيد جدا.
ونخلص إلى أن من سب الله ورسوله، ثم قدر عليه وقامت الحجة عليه، فإن الحاكم الشرعي يحكم بردته وقتله، أما لو تاب قبل ذلك، قبل أن نعلم، وجاء إلينا تائبا نادما، يخبر عن توبته فإن الصحيح أنه تقبل توبته والحمد لله.
стр. 1512
٥٥ - حكم ادعاء علم الغيب
س: أختنا تسأل وتقول: إن في قريتنا رجلا يدعي علم الغيب، وأنه يضر وينفع ويشفي المريض، والناس يذهبون إليه ويسألونه حوائجهم، وهو يقول لهم: إنكم إذا نذرتم للصالحين، مثلا للحسين أو علي أو العباس، فيجب عليكم الوفاء بهذا النذر، فإن لم تفعلوا سينزل بكم عقاب شديد، وهم يفعلون ما يقول، بدون تردد ويخشونه كثيرا، ويدعي النذر لغير وجه الله، ويقول: أنا متكئ على العباس، وهو الذي يصيح في رأسي، ويخبرني بالحقيقة، لأني رجل صالح. وهم عندما يسمعون هذا الكلام يرتعدون، خوفا منه ويتضرعون منه خوفا من أن يصيبهم غضبه، أفتونا ووجهونا جزاكم الله خيرا (١).
ج: هذا الذي يدعي علم الغيب، ويزعم أن العباس يصيح في رأسه، ويعلمه بكل شيء، ويرى النذر للحسين أو لعلي أو لغيرهم من الموتى، يتقرب إليهم، هذا ضال مضل وكافر، ولا ينبغي الالتفات إليه ولا التعلق به ولا الخوف منه، بل هو مدجل مشوش مشعوذ لا خير فيه، يأتي بهذه الألفاظ للترويج وتخويف العامة، وليأكل من أموالهم ويلعب عليهم في هذه الأشياء، فهذا الرجل يجب أن يرفع أمره إلى
стр. 1513
الجهة المسئولة إذا كان في البلد جهة مسئولة عن مثل هذا، حتى يردع عن عمله السيئ، وحتى يحاسب على عمله القبيح، وحتى يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا.
стр. 1514
٥٦ - حكم من ادعى أن الشيخ عبد القادر يتصرف في الكون ويجيب السائلين
س: لدينا مسجد نصلي فيه الفريضة والسنة، والإمام يقول عندنا: إن الشيخ عبد القادر يقول: إن شاء الله إن فلانا يموت فيموت في ساعته، كيف ترون هذا سماحة الشيخ؟ وبماذا توجهون المسلمين في ذلك المكان؟ (١)
ج: الشيخ عبد القادر من جنس سائر أهل العلم، لا يعلم الغيب لا في حياته ولا بعد وفاته، ومن ادعى أن الشيخ عبد القادر يعلم الغيب أو يتصرف في الكون، أو يغيث السائلين فهو كافر، نعوذ بالله من ذلك؛ لأن الأموات قد انقطعت أعمالهم، كما قال النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (٢)» ولأنهم مرتهنون بأعمالهم، وليس لهم تصرف
стр. 1515
في أمور الناس، بل الله هو المتصرف فيها جل وعلا، فمن زعم أن النبي ﷺ أو الشيخ عبد القادر أو البدوي أو الحسين، أو علي بن أبي طالب أو غيرهم يتصرفون في الكون، ويعطون من يشاءون ويمنعون من يشاءون، أو أنهم يعلمون الغيب من يموت ومن لا يموت هذا كافر بالله نعوذ بالله؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)، ويقول سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) فبين سبحانه على لسان نبيه محمد ﷺ في كتابه العظيم أنه بشير ونذير، وليس يعلم الغيب إن أنا إلا بشير ونذير، يعني ما أنا إلا بشير ونذير. فمن زعم أن عبد القادر يعلم أن فلانا يموت اليوم أو غدا فهذا كله باطل وكله منكر، وكله من وحي الشيطانين لهذا الشخص، ويكذب على عبد القادر، وإنما الشياطين تقول له: أما عبد القادر فلا يتكلم، ولا يقول لهم شيئا وهو مرتهن بعمله، فالحاصل أن هذا الشيء من وحي الشياطين إلى هؤلاء الضلال، توحي إليهم ما يسترقون من السمع، قد يكون يسمعون أن فلانا يموت مما استرقوه من السماء، فيوحونه إلى بعض أوليائهم، فيخبرون بذلك، كما قال النبي ﷺ : «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كالسلسلة على صفوان، قال
стр. 1516
علي وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلك، فإذا للذي قال: فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ووصف سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر فيكذب معها مائة كذبة، فيصدق فيقولون ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء (٣)».
فالحاصل أن هذا ليس من عبد القادر وليس من الأموات ولكنه مما توحيه الشياطين إلى أوليائها من الإنس الأحياء فيكذبون ويقولون: هذا من عبد القادر وهذا من الرسول وهذا من فلان وكله كذب وافتراء ولا صحة له وقد يكون الشيطان كذب عليهم وقال: إن عبد القادر قال لهم كذا أو قال: أنا عبد القادر، أو قال: أنا الرسول ﷺ يكذب عليهم كل هذا قد يقع فيأتي الشيطان فيتصور في غير صورة النبي ﷺ ، الشيطان لا يستطيع أن يتصور في صورته ﵊، ولا يتمثل في صورته لكن قد يأتي إلى بعض الناس في غير صورة النبي
стр. 1517
عليه الصلاة والسلام، ويزعم أنه النبي، أو أنه الخضر، أو أنه عبد القادر، أو أنه علي، أو أنه عمر، أو أنه فلان، أو أنه البدوي، إلى غير هذا من كذب الشياطين، فلا يجوز تصديقهم في هذه الأمور أبدا، ولو وافق قولهم قد يكون هذا الذي وافق فيه مما سمع من السماء، مما استرقته الشياطين وأوحته إلى أوليائها، نسأل الله العافية.
стр. 1518
٥٧ - حكم دعاء الأموات والاستغاثة بهم
س: يوجد لدينا بعض الإخوان يقعون في بعض الشرك ويقول بأن الولي أو الرجل الصالح هذا الذي يميل إليه أنه يعلم الغيب، أو أن لديه بعض الغيبيات، هل يجوز أن نجلس مع أمثال هؤلاء؟ جزاكم الله خيرا. (١)
ج: أصحاب هذا العمل وأشباهه لا يجوز الجلوس إليهم إلا على سبيل الدعوة والتعليم، ومن جانب النصيحة، أما دعاء الأولياء والاستغاثة بالأولياء أصحاب القبور أو الغائبون من الشرك الأكبر الذي جاءت الرسل عليهم الصلاة والسلام بالنهي عنه، ودل القرآن الكريم على النهي عنه وأنه من الشرك الأكبر، فدعاؤهم والاستغاثة بهم كل هذا من الشرك الأكبر، والطواف بقبورهم كل هذا من الشرك الأكبر، واعتقاد أنهم يعلمون الغيب هذا من الشرك الأكبر، فلا يعلم الغيب
стр. 1519
إلا الله وحده سبحانه، الرسل وغيرهم لا يعلمون الغيب إنما يعلمه الله، ولا يعلمون إلا ما علمهم الله إياه، كما عملهم أشياء من أمر الآخرة، وأمر آخر الزمان، وما مضى من الزمان، فليس لهم من علم الغيب إلا ما علمهم الله إياه، كما قال الله في كتابه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)، ويقول : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٢) وأمر الله النبي ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، هكذا الرسول ﷺ ، إنما هو بشير ونذير ليس عنده علم بالغيب، فيقول الله جل وعلا لنبيه ليعلم الناس: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٤) فإن هذا من الله سبحانه، ومن قال إن هذه للولي فلان ابن العربي أو للحسين ﵁ أو علي ﵁ إن قال: إنهم وغيرهم يعلمون الغيب فقد كفر وأشرك وكذب الله ، وهكذا من زار قبور هؤلاء يدعوهم، أو يستغيث بهم أو دعاهم بعيدا عن قبورهم، في أي مكان دعاهم واستغاث بهم، ونذر لهم أو اعتقد أنهم ينفعون أو يضرون، أو أنهم يعلمون الغيب، أو أنهم يستجيبون لمن دعاهم، لكشف الضر أو جلب النفع أو ما أشبه ذلك،
стр. 1520
هذا هو الشرك الأكبر هذا دين الجاهلية دين قريش في حال جهلها وكفرها، دين أبي جهل وأشباهه، فدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، والذبح للأموات، وطلبهم للشفاء وطلب الغائبين من الجن والملائكة، وغيرهم كله من الشرك الأكبر، فالواجب الحذر من ذلك أشد الحذر.
стр. 1521
٥٨ - حكم الاستغاثة بالجن ودعائهم
س: يدور حولنا أن عندنا في شمال اليمن، بعض الناس وهم ليسوا بقلة يدعون بالجن حينما يكون هناك أمطار أو رعد أو برق أو في وقت غير مناسب، مثل أن يكون أحدهم متخاصما مع شخص آخر، فلذلك يبدأ بدعاء الجن وما إلى ذلك، ويعتقد البعض أن هذا الدعاء يضر به نفسه، لذا نرجو من فضيلتكم إفادتنا حسب ما جاء في القرآن، وما جاءت به الشريعة الإسلامية، وما هي صحة هذه الأقوال وهل هي صحيحة، أم مجرد عادات جرى عليها بعض الناس عن جهل أو قلة معرفة من الدين؟ وفقكم الله (١).
ج: الدعاء والاستعانة والتعوذ يكون بالله وحده لا بالناس ولا بالجن ولا بالملائكة ولا بالأنبياء. التعوذ بالله والاستعانة بالله
стр. 1522
والدعاء كله لله وحده سبحانه كما قال : ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)، وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٢) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٣) وتستعين بالله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤) فلا يجوز لأحد أن يستعين بالجن ولا أن يدعوهم ولا أن يستغيث بهم كأن يقول: يا كذا يا كذا أغثني أو انصرني من الجن أو من العباد أو من الأنبياء أو من الملائكة كل هذا لا يجوز، والله ذم من فعل ذلك وقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٥) أي زادوهم طغيانا وضلالا أو زادوهم شرا إلى شرهم بسبب دعائهم إياهم فالمقصود أن الدعاء والاستعاذة والاستغاثة والاستعانة كلها لله وحده، فلا يجوز أن يستعان بالجن، ولا يستعاذ بهم ولا يدعو مع الله كأن يقول: يا جن خذوه أو يا شيطان فلان يسميه افعل كذا وافعل كذا، وانصرني على كذا أو أعذني من كذا، أو عاوني على كذا، كل هذا لا يجوز بل هذا من الشرك الأكبر كذلك ما يفعله بعض الجهال عند الأموات، يقول: يا سيدي البدوي، افعل كذا يا سيدي الحسين أنا في جوارك، أنا في حسبك انصرني، أو ارحمني، أو اشف مريضي كل هذا من الشرك الأكبر، وهكذا لو قال لغير هؤلاء كأن يقول: يا رسول
стр. 1523
الله انصرني، أو يا رسول الله اشف مريضي، أو يا رسول الله أغثني، كل هذا من الشرك الأكبر؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله فليس له تصرف لا الأنبياء ولا غيرهم ولا يجوز دعاء الأنبياء ولا الاستغاثة بهم ولا النذر لهم ولا الذبح لهم، بل هذا من أعمال الجاهلية ومن الشرك بالله تعالى.
فالواجب على جميع المسلمين وعلى من يرغب في الإسلام أن يحذر هذه الأمور وأن يتباعد عنها وأن يخلص لله العبادة وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله، فالله الذي يدعى ويرجى ويستعان به ويستغاث به ويتقرب له بالنذور والذبائح لا غيره، فالذين يتقربون بالذبائح والنذور للأموات أو للجن أو للملائكة أو يستعينون بهم أو يسألونهم قضاء الحاجات أو تفريج الكروب أو النصر على الأعداء أو شفاء المرض، كله شرك بالله سواء مع الجن، أو مع الأموات كالبدوي وغيره أو مع الملائكة أو مع الرسل وأقربهم الرسول محمد ﷺ ، كل هذا لا يجوز بل يدعو ربه وحده، يا رب افعل بي كذا، يا رب انصرني، يا رب اشف مريضي، يا رب أغثني، يا رب عافني، يسأل ربه جل وعلا: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣).
стр. 1524
فلا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا به ، هذه أمور نشأ عليها بعض الناس واعتادوها تبعا لأسلافهم وقد غلطوا في ذلك، والله سبحانه بعث نبيه محمدا ﷺ يبين للناس أن العبادة حق الله، وأنه لا يدعى مع الله أحد .
فالواجب على العاقل أن ينتبه لهذا الأمر، وأن ينصح من ابتلي بهذا الشيء، وأن يذكرهم بأن هذا منكر وشرك ومن أعمال الجاهلية، والله المستعان.
стр. 1525
٥٩ - بيان معنى قول أهل السنة: لا يكفر المسلم بذنب
س: الأخ: م. ع. إ. من السودان، من كسلا، يسأل ويقول: بعض العلماء يرى أنه لا يجوز تكفير أهل القبلة، وكل من قال: لا إله إلا الله، لكن السؤال، هل كل من قال: لا إله إلا الله، مع الاعتقادات الخاطئة من الشرك بالله، بدعاء غيره وتقديم الشعائر لغيره، هل يعتبر هذا ضمن ما قالوا، ولا يجوز تكفيرهم؟ نرجو الإيضاح جزاكم الله خيرا (١).
ج: نعم أهل السنة ﵏ يقولون: لا يكفر المسلم بذنب،
стр. 1526
ومرادهم الذنوب التي دون الشرك، ودون الكفر كالزنى والسرقة والعقوق للوالدين أو أحدهما، وشرب المسكر ونحو ذلك، إذا فعل المسلم شيئا من هذا، ما يكون كافرا كفرا أكبر، ولكن يكون عاصيا، ويكون فاسقا، ولا يكفر بذلك ما دام موحدا مؤمنا، وإنما فعل هذا طاعة للهوى، وليس مستحلا لما حرم الله من السكر والربا ونحو ذلك، فهذا يكون عاصيا، ويكون فاسقا، ويكون ضعيف الإيمان عند أهل السنة، ولا يكون كافرا، لكن اختلف العلماء في ترك الصلاة كسلا، هل يعتبر من هذا الصنف، أو يعتبر من أنواع الردة، على قولين لأهل العلم، والصواب: أنه يعتبر من نواقض الإسلام ومن أعمال الردة، وإن لم يجحد وجوبها، لأنها عمود الإسلام، وأعظم أركانه بعد الشهادتين، ولما ورد فيها من الأدلة على تعظيمها، وأن تركها كفرا أكبر، وهكذا كل عمل أو قول يتضمن تنقص الإسلام، أو الطعن في الإسلام، أو الاستهزاء بالإسلام، أو جحد ما جاء به الإسلام، من واجب من المحرم، يكون ردة عن الإسلام، كما لو استهزأ بالصلاة، أو استهزأ بالصيام أو بالحج، أو بأخبار يوم القيامة أو بغير ذلك من أمور الدين، يكون كفره أكبر، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (١)، وهكذا سب الدين كفر أكبر، الذي يسب الإسلام أو يسب الصلاة أو
стр. 1527
يسب الرسول ﵊، يكون فعله كفرا أكبر، نعوذ بالله من ذلك، وهكذا من استغاث بالأموات أو بالأصنام، أو دعاهم لكشف ضر أو جلب النفع، أو طلبهم المدد، المدد المدد يا سيدي فلان، أو من الأصنام أو من الأحجار أو من الجن، كل هذا يكون كفرا أكبر، لأن هذا مما يناقض لا إله إلا الله، فلا بد في حق من قال: لا إله إلا الله، ألا ينقضها بأعماله، ولا بأقواله، ولا بد أن يعتقد ما دلت عليه، من توحيد الله وأنه مستحق للعبادة ، فإذا قالها ولم يعتقد معناها أو لم يعمل بمقتضاه صار كافرا، كالمنافقين يقولون: لا إله إلا الله، وهم في الدرك الأسفل من النار، لأنهم قالوها باللسان فقط، وهكذا كثير من المرتدين ممن ينتسب للإسلام، يقول: لا إله إلا الله، ولكنه يتعاطى ضدها من القول والعمل، فلا ينفعه دعوى الإسلام، ولا ينفعه قول: لا إله إلا الله، مع كونه أتى بما يناقضها من الذبح لغير الله كالجن، أو دعاء غير الله كالأموات، أو الأصنام أو ما أشبه ذلك، أو الاستغاثة بغير الله عند الشدائد، أو ما أشبه هذا من أنواع العبادة التي يصرفها لغير الله، فإنه يكون بذلك مشركا شركا أكبر وعليه أن يبادر بالتوبة قبل أن يموت على ذلك.
стр. 1528
٦٠ - حكم تكفير المعين
س: أريد تفسيرا لقاعدة كفر المعين؟ (١)
ج: يمكن أن يقال في هذا: إن المعين يكفر إذا تعاطى أسباب الكفر، فإنه يكفر كفرا معينا، فإذا علم أنه يسب الدين، أو يسب الرسول ﷺ ، أو يترك الصلاة عمدا، أو جحدا لوجوبها فيقال: فلان كافر لما أظهره من الكفر، لكن عند قتله لا بد أن يستتاب، لعله يندم لعله يرجع، فإن تاب وإلا قتل على الصحيح، الذي عليه جمهور أهل العلم، فإنه يقتل، لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (٢)» قال بعض أهل العلم: يسجن ويعذب حتى يموت أو يتوب، والصواب الذي يراه أهل العلم، أنه لا يسجن إلا ريثما يستتاب فقط، فإذا تاب فالحمد لله، وإن لم يتب وجب قتله بعد الاستتابة، وذهب كثير من أهل العلم، إلى أنه يستتاب ثلاثة أيام، يضيق عليه ثلاثة أيام لعله ينتبه لعله يرجع، فإن لم يمهل ثلاثة أيام، بل استتيب ثم قتل في الحال، إذا لم يتب فلا بأس بذلك، لكن الاستتابة ثلاثة أيام يكون أولى، كما جاء ذلك عن عمر ﵁، كونه يستتاب ثلاثة أيام يكون له فيها فسحة لعله يتراجع لعله يندم لعله يتذكر ما فيه سعادته، فالحاصل أن من أتى بأعمال الكفر بعينه قيل: هذا كافر، إلا إذا كان مثله يجهل ذلك كالذين عاشوا في
стр. 1529
بلاد بعيدة عن الإسلام، ومجاهل أفريقيا وأمريكا ونحو ذلك، فهؤلاء لا بد أن يعلموا ويوجهوا ويبصروا حتى إذا عرفوا ذلك، ثم استمروا على الكفر كفروا وإلا فالذي بين أهل الإسلام، ويسمع الآيات ويسمع الأحاديث، أو في أمور ظاهرة لا تخفى على أهل الإسلام كالزنى ونحوه، فهذا يكفر كفرا معينا إذا قال الزنى حلال، أو الخمر حلال أو الربا حلال، هذا قد كذب الله وكذب رسوله فيكون كافرا، أو قال: الصلاة ما هي بواجبة، أو الزكاة ما هي بواجبة، أو صوم رمضان ما هو بواجب على المكلفين، هذا مكذب لله ولرسوله، شيء معلوم من الدين بالضرورة يكون كافرا، نسأل الله العافية، لكن إذا استتيب قبل أن يقتل، هذا هو المشروع، يستتاب قبل أن يقتل وأن تكون المدة ثلاثة أيام، لعله يتراجع لعله يتوب.
س: إذا كفر أحد الأشخاص بالله والرسول، فهل يحرم على الشخص أن يقول له استغفر الله؟ (١)
ج: من كفر فإن الواجب على من حوله من المسلمين أن ينصحه، وأن يوبخه على ما فعل، ويبين له سوء عمله، ويأمره بأن يستدرك أمره، ويتوب مما فعل، هذا هو المشروع، هذا هو الواجب، لقول
стр. 1530
النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده (١)» الحديث، ولأن هذا من الدعوة إلى الله ومن النصيحة لعباد الله، وقد قال النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢)» وأعظم الخير الدلالة على الإسلام، والدعوة إلى التوبة من الردة، هذا أعظم الخير، وقال ﵊ لعلي ﵁: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خيرا لك من حمر النعم (٣)» ينصحه ويوجهه، ويقول استغفر الله، تب إلى الله، هذه جريمة عظيمة، هذا منكر عظيم، هذا كفر وضلال، لعله يرجع فيتوب، هذا خير عظيم، وعمل صالح.
стр. 1531
٦١ - حكم من تكلم بما يوجب ردته
س: من يتلفظ بكلمة الكفر من المسلمين والعياذ بالله هل تكفيه التوبة والاستغفار، أم يجب عليه الغسل بعد ذلك؟ (١)
стр. 1532
ج: من يتكلم بما يوجب ردته عليه التوبة ويستحب له الغسل، وقال بعض أهل العلم يجب الغسل، وقول الوجوب فيه خلاف بين العلماء، والأحوط والأقرب أنه مسنون مشروع، وإنما الواجب التوبة والرجوع إلى الله والإنابة إليه والندم على ما مضى منه، والإقلاع من معصيته وكفره، والتوبة إلى الله والعزم الصادق على ألا يعود لذلك. وبذلك يتوب الله عليه، وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٢)». فإذا تكلم بكفر، بأن سب الدين أو تنقص الدين، أو سب الصحابة أو ما أشبه ذلك، يجب أن يرجع إلى التوبة، وإذا علم ولي الأمر وثبت لولي الأمر ذلك، فإنه يعزر ويؤدب ولو تاب، وإذا أصر ولم يتب وجب قتله مرتدا، نسأل الله العافية.
المقصود إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام، ثم تاب إلى الله توبة صادقة تاب الله عليه. الله يتوب عليه لكن بعضها فيه خلاف، ومن جهة الحكم الشرعي: هل يقتل؟ أو لا يقتل؟ أما فيما بينه وبين الله فكل من تاب إلى الله تاب الله عليه، إذا استوفى الشروط وأخلص في التوبة وصدق فيها، فالله يتوب عليه من كل ذنب، حتى الشرك، لكن هناك أمورا قد توجب قتله وإن تاب، كسب الله أو سب الرسول عليه الصلاة
стр. 1533
والسلام، والسحر فإن جمعا من أهل العلم قالوا: لا يستتاب الساحر بل يقتل لأن شره عظيم، لكن توبته فيما بينه وبين الله صحيحة إذا كان صادقا فيما بينه وبين الله، والحمد لله.
стр. 1534
٦٢ - حكم الإكراه على ناقض من نواقض الإسلام
س: كيف يحاسب الإنسان على أمور لا يملكها مثل الكره والحب والحسد وما إلى ذلك؟ (١)
ج: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) فالشيء الذي فعله مكرها يعني يكره بالقوة مع اطمئنان قلبه بالإيمان، أكره على شرب الخمر، أكره على الكفر بالضرب والوعيد، أكرهه قادر على فعله الذي يغلب على ظنه أنه يفعله، لا يضره ذلك إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ثابتا على الحق، لقول الله سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٤) فلو أكره على أن يسب الدين أو يسب الرسول بالضرب أو بالوعيد بالقتل يظن أن المكره يفعله، فإنه عذر أن يتكلم ولكن مع ثبات قلبه على الإيمان مع
стр. 1535
إيمانه بقلبه أنه على الحق، وأن هذا الإكراه هو الذي حمله على ما فعل، لو قال باللسان دون القلب، وهكذا لو أكره على شرب الخمر صب في فمه أو قيل له: إن لم تشرب قتلناك أو ضربناك يكون الإثم عليهم ولا عليه شيء إذا كان قلبه مطمئنا بتحريمه وأنه ما فعله إلا لدفع الشر.
стр. 1536
٦٣ - الفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر
س: يسأل أيضا عن الكفر الأكبر - سماحة الشيخ - وعن الكفر الأصغر، وعن الفسوق الأكبر والفسوق الأصغر، والشرك الأكبر، والشرك الأصغر؟ (١)
ج: ما أوجب الردة هذا كفر أكبر، وما لم يوجب الردة من أنواع الشرك كالرياء في الصلاة أو في القراءة، هذا يسمى شركا أصغر، وهكذا ما ساعد الناس على الكفر، مثل النياحة على الميت والطعن في الأنساب سماه النبي كفرا، قال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت (٢)» سماها كفرا يعني كفرا أصغر، فالمقصود أن الكفر كفران: أكبر وأصغر، والشرك شركان، والنفاق نفاقان، فإذا تأملت النصوص والأدلة عرفت ذلك فالنفاق الأصغر مثل
стр. 1537
الكذب، خيانة الأمانة، الفجور في الخصومة، إخلاف الوعد، هذه خصال النفاق الأصغر، أما النفاق الأكبر هو كونه يضمر الكفر ويظهر الإسلام يعني في الباطن لا يرى وجوب اتباع الرسول ﷺ ، ولا يوحد الله في الباطن ولا يرى أن الدين حق ولا يرى تحريم الزنى ولا تحريم ما حرم الله، في الباطن مع المنافقين مع الكفرة، هذا هو النفاق الأكبر، نسأل الله العافية، كونه يعتقد خلاف ما جاء به الرسول ﷺ يعتقد أن الدين ما هو بصحيح أو أن الصلاة ما هي بواجبة أو أن صيام رمضان ما هو بواجب، لكن لا يبين ذلك سرا بينه وبين أصحابه، هذا ردة عن الإسلام ونفاق أكبر.
س: شخص استهزأ بلسانه بشيء من الدين ثم ندم وبعد ذلك تاب هل تقبل توبته، إذا كانت له أعمال صالحة قبل التوبة، فهل يحتسبها الله أم لا؟ وهل يأثم إذا استهزأ من غير قصد في نفسه، واستعاذ من الشيطان، ماذا يلزمه في هذه الصورة؟ (١)
ج: نعم، إذا أسلم وتاب تاب الله عليه وأبقى له عمله السابق، وإنما تبطل أعماله إذا مات على الردة، أما لو استهزأ بالدين أو بالنبي ﷺ أو بالقرآن ثم تاب إلى الله وندم، فإن الله يتوب عليه ويحفظ عليه أعماله السابقة، كما قال النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «أسلمت
стр. 1538
على ما أسلفت (١)»، والله يقول جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (٢)، فشرط في بطلان أعمالهم أن يموتوا وهم كفار، فلا بد من هذا الشرط، المقصود أنه إذا مات على الكفر بطلت أعماله ولهذا قال في الآية: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٣). أما إذا مات وهو مسلم وقد تاب الله عليه وهداه فإن أعماله الطيبة من حج وصلاة وغير ذلك كلها تبقى له والحمد لله.
стр. 1539
٦٤ - حكم مظاهرة المشركين على المسلمين
س: من نواقض الإسلام مظاهرة المشركين ومعونتهم على المسلمين، نرجو أن توضحوا ذلك، وهل كل الطوائف غير المسلمة تدخل في ذلك؟ (١)
ج: مظاهرة المشركين على المسلمين ردة عن الإسلام، لقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) كونه يظاهر الكفار من اليهود والنصارى والشيوعيين أو غيرهم، كونه يظاهرهم ضد المسلمين
стр. 1540
وينصرهم ضد المسلمين، هذا تول للكفار وردة عن الإسلام نعوذ بالله، كما نص عليه أهل العلم في باب أحكام المرتد، نسأل الله العافية.
س: ما حكم من يستهزئ بالمؤمنين المتمسكين بالسنة؟ وخاصة موضوع اللحية، ويقول أيضا: أولئك الذين يرفعون الثوب إلى الكعبين؟ (١)
ج: الاستهزاء من أقبح الكبائر، ومن أقبح الشرور، لا يجوز الاستهزاء بالمسلم، فيما فعله من الشرع، وإذا استهزأ بالدين قصده أن هذا الشرع ليس بشيء أو أنه هزئ بنوع من العبادات صار كافرا، نعوذ بالله، يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) فالاستهزاء بالصلاة أو باللحى أو غير المسبلين، أو بالصيام أو بالحج، يكون كفرا، ردة عن الإسلام، إذا كان قصده الاستهزاء بالشرع.
أما إذا كان قصده الإنسان نفسه، وليس قصده اللحية، بل استهزأ بمشيته أو سوء تصرفه هذا لا يجوز، لكن لا يكون كفرا. أما إذا كان قصده استنكار اللحية، واستقباح عمله، أو استقباح منع الإسبال فهذا كفر، يعني استهزاء بالشرع.
стр. 1541
فالواجب الحذر من هذا الأمر العظيم، يعني خطير، يجب الحذر منه، فلا يجوز الاستهزاء بشيء من الشرع، لا باللحى ولا بمنع الإسبال ولا بالصلاة ولا بالصوم ولا بغير ذلك، يجب على المؤمن أن يخضع لشرع الله، وأن يؤمن به، وأن يعظمه، وألا يستهزئ به، نسأل الله العافية.
стр. 1542
٦٥ - حكم معاملة من يسب الدين
س: يسأل المستمع ويقول: ما حكم سب الدين؟ وهل يجوز معاملة من يسب الدين؟ جزاكم الله خيرا (١).
ج: سب الدين، سب الإسلام، كفر أكبر وردة عن الإسلام عند جميع العلماء، ما فيه خلاف، ذكروا هذا في باب حكم المرتد، من سب الله أو سب الرسول ﷺ ، أو سب بعض الرسل غير محمد ﷺ كأن يسب نوحا أو هودا أو آدم، أو غيرهم من الرسل والأنبياء كفر بإجماع المسلمين، وهكذا إذا سب دين الإسلام، أو استهزأ به، يكون كافرا عند جميع أهل العلم، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) ولأن سب الدين مضمونه الكراهة له، وإنكاره، والله يقول سبحانه وبحمده:
стр. 1543
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١).
فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر وأن يحفظ لسانه، ويصون لسانه عما يجره إلى الردة عن الإسلام، سب الدين والاستهزاء بالدين، أو الاستهزاء بالقرآن، أو سب القرآن، أو سب الرسول، أو سب الله، أو سب بعض الأنبياء الآخرين، كله ردة وكفر بعد الإسلام نعوذ بالله، واختلف العلماء، هل يستتاب أو لا يستتاب، فقال بعضهم: يستتاب فإن تاب وإلا قتل، يعزر أيضا، ولو تاب يعزر عن فعله القبيح بالجلد والسجن ونحو ذلك، وقال آخرون: لا يستتاب، بل يقتل حدا، يقتل كافرا، ولا يستتاب، ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، لأن جريمته عظيمة، وكفره عظيم، والأقرب عندي والله أعلم القول باستتابته، لأنه قد يقع عن جهل، وقد يقع عن غضب شديد، وقد يقع عن استهزاء ببعض الناس، فكونه يستتاب ويبين له خطؤه وظلمه لنفسه، وأنه أتى جريمة عظيمة، وكفرا عظيما، فإذا تاب رفع عنه القتل، لكن لا مانع من أن يؤدب، يؤدبه ولي الأمر، الأمير أو القاضي، يؤدبه عن هذا بجلدات، أو بسجن، أو نحو ذلك، مع التوبيخ، حتى لا يعود لمثل ذلك.
стр. 1544
باب ما جاء في الإيمان بالغيب
стр. 1545
باب ما جاء في الإيمان بالغيب
٦٦ - معرفة علم الغيب من خصائص الله
س: الأخ: م. ح. ب، من ليبيا، يقول: أتقدم إليكم بالسؤال التالي والذي يقول: علم الغيب يقتصر على المولى دون سواه، وهناك آيات قرآنية تؤكد انفراد المولى دون غيره بذلك، ولكن نجد في الكثير من الكتب عند اطلاعنا عليها، أنه يكتب في نهاية الحديث أو العبارة أو الصفحة " الله ورسوله أعلم " فما معنى ذلك؟ هل إن الرسول ﷺ يعلم الغيب في حياته ومماته، أيضا؟ نرجو من سماحتكم إجابتنا وإفادتنا، والاستدلال إذا أمكن بالقرآن الكريم، جزاكم الله خيرا (١).
ج: نعم مثل ما ذكر السائل، علم الغيب إلى الله ، وليس عند الرسول ﷺ ولا غيره علم الغيب، بل هو مختص بالله ،