فالواجب الحذر من هذا الأمر العظيم، يعني خطير، يجب الحذر منه، فلا يجوز الاستهزاء بشيء من الشرع، لا باللحى ولا بمنع الإسبال ولا بالصلاة ولا بالصوم ولا بغير ذلك، يجب على المؤمن أن يخضع لشرع الله، وأن يؤمن به، وأن يعظمه، وألا يستهزئ به، نسأل الله العافية.
стр. 1542
٦٥ - حكم معاملة من يسب الدين
س: يسأل المستمع ويقول: ما حكم سب الدين؟ وهل يجوز معاملة من يسب الدين؟ جزاكم الله خيرا (١).
ج: سب الدين، سب الإسلام، كفر أكبر وردة عن الإسلام عند جميع العلماء، ما فيه خلاف، ذكروا هذا في باب حكم المرتد، من سب الله أو سب الرسول ﷺ ، أو سب بعض الرسل غير محمد ﷺ كأن يسب نوحا أو هودا أو آدم، أو غيرهم من الرسل والأنبياء كفر بإجماع المسلمين، وهكذا إذا سب دين الإسلام، أو استهزأ به، يكون كافرا عند جميع أهل العلم، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) ولأن سب الدين مضمونه الكراهة له، وإنكاره، والله يقول سبحانه وبحمده:
стр. 1543
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١).
فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر وأن يحفظ لسانه، ويصون لسانه عما يجره إلى الردة عن الإسلام، سب الدين والاستهزاء بالدين، أو الاستهزاء بالقرآن، أو سب القرآن، أو سب الرسول، أو سب الله، أو سب بعض الأنبياء الآخرين، كله ردة وكفر بعد الإسلام نعوذ بالله، واختلف العلماء، هل يستتاب أو لا يستتاب، فقال بعضهم: يستتاب فإن تاب وإلا قتل، يعزر أيضا، ولو تاب يعزر عن فعله القبيح بالجلد والسجن ونحو ذلك، وقال آخرون: لا يستتاب، بل يقتل حدا، يقتل كافرا، ولا يستتاب، ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، لأن جريمته عظيمة، وكفره عظيم، والأقرب عندي والله أعلم القول باستتابته، لأنه قد يقع عن جهل، وقد يقع عن غضب شديد، وقد يقع عن استهزاء ببعض الناس، فكونه يستتاب ويبين له خطؤه وظلمه لنفسه، وأنه أتى جريمة عظيمة، وكفرا عظيما، فإذا تاب رفع عنه القتل، لكن لا مانع من أن يؤدب، يؤدبه ولي الأمر، الأمير أو القاضي، يؤدبه عن هذا بجلدات، أو بسجن، أو نحو ذلك، مع التوبيخ، حتى لا يعود لمثل ذلك.
стр. 1544
باب ما جاء في الإيمان بالغيب
стр. 1545
باب ما جاء في الإيمان بالغيب
٦٦ - معرفة علم الغيب من خصائص الله
س: الأخ: م. ح. ب، من ليبيا، يقول: أتقدم إليكم بالسؤال التالي والذي يقول: علم الغيب يقتصر على المولى دون سواه، وهناك آيات قرآنية تؤكد انفراد المولى دون غيره بذلك، ولكن نجد في الكثير من الكتب عند اطلاعنا عليها، أنه يكتب في نهاية الحديث أو العبارة أو الصفحة " الله ورسوله أعلم " فما معنى ذلك؟ هل إن الرسول ﷺ يعلم الغيب في حياته ومماته، أيضا؟ نرجو من سماحتكم إجابتنا وإفادتنا، والاستدلال إذا أمكن بالقرآن الكريم، جزاكم الله خيرا (١).
ج: نعم مثل ما ذكر السائل، علم الغيب إلى الله ، وليس عند الرسول ﷺ ولا غيره علم الغيب، بل هو مختص بالله ،
стр. 1546
كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) الآية من سورة النمل. قال : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) هكذا في سورة الأعراف. ويقول سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٣) فالغيب إلى الله ، مختص به ، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعلم ما يكون في الآخرة، وما في الجنة والنار، ويعلم الناجين من الهالكين، ويعلم أهل الجنة ويعلم أهل النار، ويعلم كل شيء ، والرسل إنما يعلمون ما جاءهم به الوحي، ما أوحى الله به إليهم، يعلمونه كما قال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (٤) فالله يوحي إلى الرسل ما شاء، كما أوحى إلى نبينا ﷺ أشياء كثيرة، من أمر الآخرة وأمر القيامة وأمر الجنة والنار، وما يكون في آخر الزمان، من الدجال ونزول المسيح وهدم الكعبة، ويأجوج ومأجوج وغير ذلك مما يكون في آخر الزمان، كل هذا من علم الغيب، أوحى الله إلى نبيه ﷺ فعلمنا إياه، وصار معلوما للناس، وهكذا ما يعلمه الناس من أمور الغيب، عند وقوعه، في
стр. 1547
بلادهم، أو في غير بلادهم فيكون معلوما لهم بعد وقوعه، وكانوا لا يعلمونه قبل ذلك، أما ما يقع في كتب أهل العلم: الله ورسوله أعلم، فهذا فيما يتعلق بأمور الشرع، وأحكام الشرع، ومرادهم يعني في حياته، يعلم هذه الأشياء ﵊، أما بعد وفاته فلا يعلم ما يكون في العالم، ولا يدري عما يحدث في العالم، لأنه بالموت انقطع علمه بأحوال الناس، ﵊، إلا ما يعرض عليه من الصلاة والسلام عليه، حيث قال ﷺ : «صلوا علي فإن الصلاة تبلغني حيث كنتم (١)» في الحديث الصحيح: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام (٢)». ﵊، أما أمور الناس وحوادث الناس وما يقع منهم من أغلاط وظلم أو حسنات، كل هذا لا يعلمه الرسول ولا غيره، ممن مضى، ممن مات، ولا يعلمه من يأتي، وقد يعلمه من حولهم من الناس، بمطالعتهم إياه ومشاهدتهم أعمالهم، من جلسائهم وأهل بلادهم. المقصود أن علم الغيب لا يعلمه إلا الله ، وما أوحاه الله إلى الرسل فهو من علم الغيب، الذي أطلعهم عليه ، وهم أطلعوا الناس عليه وعلموه
стр. 1548
الناس. وقد صح عن رسول الله ﵊، أنه قال: «يذاد أناس عن حوضي يوم القيامة، فأقول: يا ربي، أمتي أمتي، وفي لفظ فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (١)». فبين ﷺ أنه لا يعلم، يقال له: «لا تدري ما أحدثوا بعدك (٢)» وفي اللفظ الآخر: «يذاد أناس عن حوضي، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا من بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (٤)» فهو ﷺ إنما يعلم ما أوحاه الله إليه، وما كان عند الله من الغيب لا يعلمه سواه ، وبعد موته لا يعلم حوادث الناس.
стр. 1549
٦٧ - حكم من يخبر بالمغيبات
س: ما حكم من يخبر بالمغيبات، ويعمل البخور والشعوذة؟ (١)
ج: يجب على المسلم أن يحذر هؤلاء المخرفين، الذين ينسبون إلى التصوف والشعوذة، إما بدعوى علم الغيب، أو بدعوى أخرى يدعونها، أنهم بينهم وبين شيوخهم صلة، تمكنهم أن يفعلوا كذا وكذا فيشوشوا على الناس، ويوهموهم أنهم لهم قدرة على إشفاء المرضى، أو قضاء الحاجات بالطرق غير الشرعية، فهؤلاء يجب الحذر منهم، لأنهم مخرفون ودعاة باطل، وقد قال ﵊ في الحديث الصحيح: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل صلاته أربعين يوما (٢)»، وقال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد (٣)» ﷺ ، فهؤلاء الذين يدعون أمور الغيب، أو يدعون أن مشايخهم يرشدونهم إلى أشياء تتعلق بالغيب، وأن ما يقول مشايخهم صحيح، وأنهم معصومون وأن أخبارهم لا بد أن تقع، وما أشبه هذا مما يقع لبعض الصوفية، أو يعتقد أنه يأتيه الوحي من السماء، يقول:
стр. 1550
حدثني قلبي عن ربي، بكذا وكذا. فكل هذه خرافات، والذي يدعيها كافر، الذي يدعي أنه يعلم الغيب، أو يأتيه الوحي من السماء ما عدا محمدا ﷺ فيما أطلعه الله عليه، كل هذا كفر وضلال، وهكذا من يصدقه بدعوى علم الغيب، من صدقه فهو مثله، وإذا جعل بخورا من الأشياء التي يشوش بها أو يلبس بها فلا يلتفت إليه، العمدة على ما يقول، إذا كان يدعي علم الغيب أو يدعي أنه يخدم الجن، وأن الجن هم الذين يخبرونه بالمغيبات، أو ما أشبه ذلك، هذا من الخرافيين، ومن المشعوذين، فيجب الحذر منهم وعدم سؤالهم، وعدم تصديقهم، ومتى ظهر منه أنه يدعي علم الغيب أو أنه يعبد الجن ويخدمهم بالطاعات والذبح لهم، صار مشركا، إما بدعوى علم الغيب، وإما لكونه يعبد الجن، ويستغيث بهم وينذر لهم ونحو ذلك، وإذا زعم أنه يعرف الأشياء بالطرق الأخرى، فهو كذاب لقصده التلبيس، لأنه لا يعلم الغيبيات إلا الله ، أما إذا كان يداوي المريض بالأدوية المعروفة الحسية، كما يفعل الأطباء المعروفون، يداوي بالكي، يداوي بأشياء يستعملها مأكولات أو مشروبات أو مروخات، جربت ونفعت، ولا يدعي علم الغيب، ولا يخدم الجن، هذا لا حرج عليه، هذا طب شعبي، قد اعتاده الناس فيما بينهم، من أنواع من المأكولات أو المشروبات، أو الدهونات أو المروخات أو الكي، هذا لا بأس به، إذا كان سليما ليس معه دعوى علم الغيب، وليس معه عبادة للجن، قد كانت العرب، وغالب الناس على هذا فيما مضى يعرفون عادات
стр. 1551
يفعلونها، ويعالجون بها، ويتطببون بها، وقد تنفع وقد لا تنفع، وليست من علم الغيب، ولا من خدمة الجن، بل هي أمور اعتادوها، من أشربة أو مأكولات، أو بخور يتبخرون به، وينفع الله به، أو ما أشبه ذلك، من الأمور الواضحة الظاهرة، التي ليس فيها تلبيس ولا عبادة للجن، ولا دعوى علم الغيب وهكذا الكي.
س: يقوم رجل صالح حينما تحضر لهم في إحدى المشكلات، يقول: نستخير لك الله، أو نفتح لك الكتاب، أو نشوف لك الخيرة، ويحدثونك عن المستقبل، ويعالجونك عما بك من مصائب، هل هذا صحيح أم لا؟ (١)
ج: هذا غلط فإنهم لا يعلمون الغيب، فإذا أرادوا أن يفكروا في الدواء والعلاج فلا بأس، أما أن ينظروا في أمر معناه أنهم يعلمون الغيب، بطريق يقرءونها أو يكتبونها، أو تكتب لهم فهذا لا صحة له أبدا، يقول الله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) فهو سبحانه يعلم الغيب، ولقول النبي ﵊: «مفاتح الغيب خمسة لا يعلمهن إلا الله، ثم قرأ قوله تعالى: (٤)»
стр. 1552
سبحانه وتعالى، ويقول الله له: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) فهو ﵊ لا يعلم الغيب، وإنما هو نذير وبشير لعباد الله، فالذي يدعي أنه يستخير للمريض، أو يستفتح للمريض، أو يفكر للمريض، حتى يعلم ما وراء علم الأسباب، بل علم آخر وهو علم الغيب، هذا لا يجوز وهذا باطل، ومن ادعى علم الغيب فهو كافر نعوذ بالله، أما إن أراد أن يفكر في الدواء المناسب، والعلاج المناسب، فهذا لا بأس به، والطبيب قد يخفى عليه المرض، فيفكر كذلك، بقوله: أستخير، هذا إن كان قصده يستخير الله في الصلاة ركعتين، ويستخير الله في كيفية علاجه، هذا لا بأس، أما يستخير بمعنى أن ينظر في علم الغيب فهذا باطل.
стр. 1553
٦٨ - حكم تصديق من يدعي معرفة أحوال الموتى
س: مستمعة يمنية مقيمة في المملكة ل. م. أ، تقول: يوجد عندنا امرأة تسمى متسفلة، وتعني هذه الكلمة أنها تزور القبور في الليل، وتعرف أحوال الموتى من أقربائها ومن غيرهم، وقد لوحظ أن هناك بعض الناس يذهبون إلى هذه المرأة، وإعطاؤها نقودا لتقوم بزيارة أبنائهم أو إخوانهم، ولمعرفة أحوالهم، وعندما تذهب هذه المرأة كما تدعي، بأنه يقوم هؤلاء الأموات، بطلب أشياء من أقربائهم، وعليهم تنفيذها في الدنيا، وليس الذهب إليهم في القبور، ثم تستمر في سرد هذه القضية، لتصل إلى هذه النتيجة، فتقول: إن هذه المرأة، عندما تزور القبور تنام، وتذهب الروح فقط، وتبقى الجثة في المنزل، وسؤالنا هل عمل هذه المرأة صحيح؟ جزاكم الله خيرا. (١)
ج: الحمد لله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فعمل هذه المرأة عمل منكر وباطل، وكله تمويه وتضليل وكذب، أولا: زيارتها للقبور لا تجوز، لأن النساء لا يزرن القبور، والرسول لعن زائرات القبور ﵊، فليس للنساء زيارة القبور، وإنما هي للرجال، أما النساء فقد نسخت زيارتهن للقبور، واستقر الأمر على أنهن لا يزرن القبور، لقوله ﷺ :
стр. 1554
«زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١)» هكذا للرجال، وجاء في الحديث الصحيح: «لعن رسول الله زائرات القبور (٢)» أما قولها إنها تعرف أحوال المقبورين، وترفع طلباتهم لأقربائهم، فهذا كله باطل، لا يعلم الغيب إلا الله، ولا يعلم أحوال القبور إلا الله سبحانه، هو الذي يعلم أحوالهم وبما هم فيه، وليس هناك دليل على ما تقول، بل هو كذب وأخذ لأموال الناس بالباطل، وترويج للباطل، ولا يجوز أن تصدق، بل يجب أن يرفع أمرها إلى ولي الأمر الشرعي، حتى تعاقب بما تستحق ولا يجوز تصديقها، ولا أن تعطى شيئا مما تقول، نعم قد يرى الإنسان بعض أقاربه في النوم في خير، أو يراهم في شر، هذا قد يحدث في الرؤيا، أما المرأة إذا زارت القبور، أو الرجل إذا زار القبور، يعلم أحوال المقبورين من خير وشر، وأنهم يوصونه بأشياء، ويأمرونه بأشياء، هذا باطل لا صحة له، وقد يطلع الله بعض الناس على بعض أحوال المقبورين، إذا كشف القبر لحاجة في القبر، إما نسيان لأداة حفر، أو شيء آخر ينسونه في القبر، فقد ذكر ابن رجب ﵀ أن بعض الناس حفر عنه القبر، فوجد يعذب في قبره، هذا
стр. 1555
قد يقع ليري الله عباده العبر، وقد يوجد ما يدل على أنه في خير ونور، ولكن ليس هناك ما يدل على أن أحدا يطلع على أحوال المقبورين، بدون أسباب حسية، أو أن أهل القبور يبلغون كذا وكذا يعلمون كذا وكذا كل هذا باطل، إنما قد تقع الرؤيا إما رؤيا صالحة، أو رؤيا غير صالحة، والنبي ﷺ أخبر أن الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى الإنسان ما يسره، يخبر بها من أحب، والرؤيا المكروهة من الشيطان، فإذا رآها إنسان، يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويتعوذ بالله من الشيطان، ومن شر ما رأى ثلاث مرات، ثم ينقلب على جنبه الآخر، فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحدا، هكذا أمر النبي ﵊، والمقصود أنها يعني: هذه المتسفلة هي على اسمها متسفلة خبيثة، لا يجوز تصديقها والالتفات إليها، بل يجب ردعها وتأديبها عن هذا العمل السيئ، نسأل الله العافية.
стр. 1556
٦٩ - معرفة مستقبل الناس من علم الغيب
س: ما هو مستقبل العالم الإسلامي، من حيث القوة والضعف، حسبما نظرت السنة الشريفة، وكذلك مستقبل أعداء الإسلام، في هذه الحياة الدنيا؟ (١)
ج: هذا يا أخي من علم الغيب، هذا أمره إلى الله ، وهو
стр. 1557
من علم الغيب، ولا يعلم مستقبل الناس إلا الله ، لكن مقتضى الأدلة الشرعية أن الغربة تزداد، ولا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، كما قال النبي ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ (١)». لكن قد تقع فجوات في الدهر، ينتصر فيها الإسلام على غيره، ويظهر فيها الإسلام في بعض الأوقات، وفي بعض الجوانب من الدنيا، كما جرى في عهد عمر بن عبد العزيز، كان عهده أحسن من عهد الأمير الذي قبله، بسبب ما قام به من الدعوة إلى الله، وإلزام الناس بالحق، وكما جرى في نجد في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، من ظهور الإسلام والقضاء على أسباب الكفر، واجتماع المسلمين على الجهاد في سبيل الله، وعلى إخلاص العبادة لله وحده، وهدم مباني القبور المعبودة من دون الله، والقضاء على الأوثان، وكانت الحال في النصف الثاني من القرن الثاني عشر وما بعده، أحسن من الحالة في قرون كثيرة مضت ظهر فيها الشرك، وظهر فيها الفجور والمعاصي، الحاصل أن الأصل أن الإسلام تشتد غربته عاما بعد عام، وقرنا بعد قرن في الجملة، كما قال جماعة من أهل العلم، وقد يأتي الله بزمان ينفس فيها الله عن المسلمين، فيحصل فيه خير كثير، وتكون الحالة أحسن من الزمن الذي قبله، رحمة من الله
стр. 1558
جل وعلا، وقد يكون ذلك في جانب دون جانب، وفي إقليم دون إقليم، كما جرى في وقت الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفي بلدان أخرى خرج فيها المصلحون، وصارت الحالة في بلادهم أحسن من الحالة التي قبلها، وقتا ما. والله جل وعلا أخبرنا أن هذا الإسلام، ينتهي في آخر الزمان، وأن هناك ريحا تخرج يرسلها الله ، يقبض بها أرواح المؤمنين والمؤمنات، ثم يبقى الأشرار فعليهم تقوم الساعة، وفي آخر الزمان يرفع القرآن، ويقبض المؤمنين والمؤمنات، ويبقى الأشرار فعليهم تقوم الساعة، لكن في أول هذا القرن وفي آخر القرن السابق، حصل بحمد الله يقظة للمسلمين، وحركة مباركة للمسلمين، صار فيها المسلمون أحسن حالا من قبلها، في أوقات بسبب الحركة الإسلامية من الشباب وغيرهم، وبسبب كثرة الدعاة إلى الله، والجمعيات الإسلامية والمراكز الإسلامية في شتى بقاع الأرض، وانتشر الدعاة من هنا وهنا، من الجامعة الإسلامية ومن هذه الرئاسة، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والدعوة والإرشاد، ومن الرابطة ومن جهات أخرى، فالحاصل أن هذا الوقت الآن يبشر بخير، من حركة إسلامية قوية، وتكاتف ودعوة إلى الله، ونشاط، فنرجو أن يكون المستقبل القريب أحسن مما مضى بكثير، أما ما بعد ذلك فالله أعلم، جل وعلا، والأدلة معروفة في هذا الباب، وأما مستقبل الكفرة فكذلك، كلما نشط الإسلام ضعف جانب الكفر، وأما تفصيل الأشياء وعلم نهاياتها، هذا إلى الله ، لكن الواجب على المسلمين أن
стр. 1559
يجتهدوا في نصر دين الله، والدعوة إلى الله، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يحرصوا على جهاد الأعداء، ونشر تعاليم الإسلام حتى يظهر دين الله، وحتى يبقى دينه، وحتى يستعيدوا ما سلبه الأعداء منهم، هذا واجب المسلمين، وهذا واجب على الدول الإسلامية أن تتقي الله، وأن تحكم شريعته سبحانه، وأن تجتهد في إصلاح أوضاع بلادها، وإقامة حكم الله في بلادها، وفي شعبها، هذا هو الواجب على جميع المسلمين، وقد سرنا ما سمعنا من حكومة بنجلاديش، من إعلانهم تحكيم الشريعة، واجتماعهم على هذا الأمر، وهذا يبشر بخير كثير، ونرجو أن يوفقهم الله لهذا الأمر، وأن يعينهم على تحكيم الشريعة، وأن يوفق الباقين لهذا الأمر، وأن يقتدوا بغيرهم ممن سعى، وبادر بتحكيم الشريعة، وهكذا حكومة الباكستان عندها عزم كبير على تحكيم الشريعة، ونسأل الله أن يعينها على ذلك، وهكذا نرجو لبقية الدول الإسلامية: كحكومة مصر والأردن وغيرها، نسأل الله لهم العون والتوفيق، حتى يحكموا شريعة الله، وحتى يدعوا النظم المخالفة لشرع الله، هذا هو الواجب عليهم وبذلك ينصرهم الله ويعينهم، ويحسن لهم العاقبة، ويجمع شملهم على الخير. والله المسئول سبحانه أن يوفق المسلمين جميعا، حكاما ومحكومين، وقادة وشعوبا لكل ما فيه رضاه وصلاح عباده، وأن يعينهم على تحكيم الشريعة والتمسك بها، وترك ما يخالفها، إنه سميع قريب.
стр. 1560
٧٠ - بيان أن التقاويم لها حسابات معروفة وليست من علم الغيب
س: التقويم السنوي الذي يكتب به التاريخ، ومواعيد الصلاة مقدما، هل من يكتبه يعلم بالمواعيد مقدما، ولا يعلم الغيب إلا الله، وهل استعمال التقويم حرام، وما حكم من يعمل التقويم؟ (١)
ج: التقاويم معروفة لها طرق معروفة وحساب معروف، ليس هو من علم الغيب، لها حساب معروف في ضبط دخول الشهر وخروج الشهر، وضبط الأيام والليالي والدقائق والساعات، لها طرق حسابية معروفة ليس من علم الغيب، ولا ينبغي أن تظن أنه من علم الغيب أيها السائل، هذه أمور معروفة لها طرق ولها حسابات معروفة يسير عليها الحاسبون ويدركون معناها، فليس فيها من علم الغيب شيء.
стр. 1561
٧١ - بيان معنى القضاء والقدر
س: تقول السائلة: م. غ. ما الفرق بين القضاء والقدر؟ (١)
ج: القضاء هو القدر، والقدر هو القضاء، ومعناهما واحد وهو الشيء الذي قضاه الله سابقا وقدره سابقا، يقال لهذا قضاء، ولهذا قدر
стр. 1562
يعني ما سبق في علم الله أنه قدره من موت وحياة وعز وذل وأمن وخوف، كله وغيره يسمى قضاء ويسمى قدرا.
стр. 1563
٧٢ - بيان أن شكوى الهموم لأجل التعاون ليس من الاعتراض على القدر
س: ما حكم الشرع في نظركم - سماحة الشيخ - فيمن يشكو بعضا من همومه لصديقه، هل يعتبر ذلك من الاعتراض على قضاء الله وقدره؟ (١).
ج: إذا كان الشكوى عن الهموم لأجل التعاون يظهر ما لديه لعل الله ينفعه برأيه واجتهاده من باب المشورة، من باب الاستعانة بالرأي، فلا بأس بذلك يشكو همومه وحاجاته ليستعين برأيه، وإذا كان مضطرا وسأل المساعدة، فلا بأس، لأن النبي ﷺ قال: «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة - مسألة المال يعني - لا تحل إلا لأحد ثلاثة، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة، اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة يعني كان غنيا وكان بخير ثم أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، يعني حتى يشهدوا له، قال: وما سواهن يا قبيصة سحت يأكله
стр. 1564
صاحبه سحتا (١)» فالإنسان إذا سأل من أجل جائحة أصابته أو فقر طرأ عليه لذهاب أمواله فلا حرج عليه في ذلك.
стр. 1565
٧٣ - حكم قول: حصل هذا صدفة
س: يقول السائل: ما حكم قول الإنسان حصل هذا الشيء صدفة؟ (١)
ج: ليس فيه شيء، لأن المراد حصل من دون ميعاد له مثلما لو وافق فلانا في الطريق وسلم عليه وهو ما واعده وافقه عند إنسان زاره ففرح به ليس عن موعد، الصدفة عن غير ميعاد يعني أنه حصل الشيء عن غير ميعاد بينه وبين زيد أو عمر أو فلان أو فلان هذا معنى الصدفة عني من غير ميعاد.
стр. 1566
باب ما جاء في حقيقة الإيمان
стр. 1567
باب ما جاء في حقيقة الإيمان
٧٤ - الكلام على الإيمان والإسلام
س: ما الفرق بين الإيمان والإسلام؟ (١)
ج: الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان عند الإطلاق، لأن الإيمان تصديق القلوب، وكل ما يتعلق بالإسلام من قول وعمل، والإسلام كذلك هو: الانقياد لله والخضوع له بتوحيده والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه، فإذا أطلق أحدهما شمل الآخر، كما قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) يعني والإيمان داخل في ذلك، أما إذا جمعا فإن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة، إذا جمع بينهما كما في حديث جبريل، لما سأل النبي عن الإسلام والإيمان، فسر له النبي الإسلام بأمور ظاهرة، كالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، وفسر له الإيمان بأمور باطنة، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره
стр. 1568
وشره (١)»، هذا هو الفرق بينهما عند الاجتماع، يكون الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة، وإن الكفر بأحدهما يدخل فيه الآخر، وهكذا قوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (٢)»، فالإيمان بضع وسبعون شعبة، يدخل فيه الإسلام، ولهذا ذكر أفضل خصاله، لا إله إلا الله، وهي أصل الإسلام، فدل ذلك على أن الإيمان إذا أطلق، دخل فيه الإسلام، وهكذا إذا أطلق الإسلام، دخل فيه الإيمان عند أهل السنة.
стр. 1569
٧٥ - علامات الإيمان
س: يسأل المستمع، من ليبيا، ويقول: ما هي علامات الإيمان؟ وما هي الأشياء التي تقسي القلب، وما هي الأشياء التي ترقق القلوب؟ (١)
ج: من علاماته ذكر الله جل وعلا، وتسبيحه، وتهليله، والتفكير
стр. 1570
فيما أوجب الله عليك، ومصيرك يوم القيامة، كل هذا مما يرقق القلب، ومجالسة الأخيار والصالحين، كل هذا مما يرقق القلب. فعلامات الإيمان وعلامات الخير، المحافظة على الصلوات والإكثار من ذكر الله، وصحبة الأخيار كل هذا من علامات الخير، ومن علامات الشر صحبة الأشرار، والكذب والخيانة، وأشباه ذلك وخلاف الوعد، كما أخبر النبي عن المنافقين: «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان (١)»، ومن علامات الإيمان الاستقامة على الخير، والإكثار من ذكر الله، وصحبة الأخيار، والإكثار من قراءة القرآن، والمحافظة على الصلاة في الجماعة، وبر الوالدين، وصلة الرحم، إلى غير هذا. ومن علامات الشر صحبة الأشرار، الغفلة عن ذكر الله، الإعراض عما أوجب الله، ارتكاب المعاصي والتساهل بها، كل هذه من علامات الشر نسأل الله العافية.
س: السائل: أبو أحمد، يقول: كيف يعرف المسلم مقدار إيمانه؟ (٢)
ج: على قدر خوفه من الله، وتعظيمه لله، ومسارعته لما أوجب
стр. 1571
الله، وتركه لما حرم الله، يدل هذا على قوة الإيمان، وإذا تساهل بالمعاصي، فهذا يدل على ضعف الإيمان، فالإيمان القوي هو الذي يتضمن خوف الله، ومراقبته، والمسارعة إلى ما أوجب والحذر مما حرم، هذا دليل على قوة الإيمان وأن صاحبه على خير، أما إذا كان يتساهل بالمعاصي، وترك الصلاة في الجماعة، وعقوق الوالدين، والغيبة والنميمة، وتعاطي الربا، فهذا يدل على ضعف الإيمان، وقلة الإيمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1572
٧٦ - شرح معنى محبة الله
س: سائل يرجو شرح معنى محبة الله (١).
ج: يجب أن يحب الله بكل قلبه محبة لا يعادلها شيء يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، محبة صادقة تقتضي طاعته وترك معصيته، وحب أوليائه ورسله، وكراهة أعدائه وبغضهم في الله فهو يحب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، وقال في المؤمنين: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٣)، فالواجب أن يحب الله بكل قلبه محبة صادقة وأن يكون الله أحب إليه مما سواه قال
стр. 1573
النبي ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما (١)»، فهو يحب الله فوق كل شيء وأحب من كل شيء ثم يحب الرسول ﷺ محبة صادقة بعد محبة الله يحبه في الله لأنه رسول الله ويحب المؤمنين لأنهم أولياء الله وأحباء الله ويكره الكافرين ويبغضهم لأنهم أعداء الله هكذا المؤمن.
стр. 1574
٧٧ - شرح معنى اليقين
س: سائل يرجو من سماحتكم شرح معنى اليقين بالله (١).
ج: اليقين معناه أن يكون مؤمنا بالله عن جزم وعن يقين، يؤمن بأن الله ربه المعبود بحق، وأنه لا يستحق العبادة سواه، وأنه خالق كل شيء وأنه الكامل، في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأن الله سبحانه يجب أن يعبد وحده ويخص بالعبادة، ويجب على المؤمن أن يحذر شر لسانه، في تنقص ربه أو نفي صفاته أو التهاون بما أوجب عليه، يكون المؤمن متيقنا أنه سبحانه هو المستحق للعبادة، وأنه رب العالمين، وأنه الخلاق العليم، وأنه المستحق للعبادة، وأنه لا رب سواه ولا خالق سواه، ولا يستحق العبادة غيره ، فيتيقن أنه سوف يجمع الناس يوم القيامة سوف يجازيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر
стр. 1575
ويتيقن أن الله سبحانه سوف يفي بوعده سيدخل المؤمنين الجنة كما وعدهم ويدخل الكفار النار كما وعدهم ، وهكذا كل ما أخبر الله به ورسوله في القرآن أو بالأحاديث الصحيحة يكون المؤمن مؤمنا بذلك يصدق بذلك ولا يشك في ذلك.
стр. 1576
٧٨ - بيان أن الإيمان بالقلب لا يكفي عن العمل بالبدن
س: هل الإيمان بالقلب كفاية أن يكون الإنسان مسلما بعيدا عن الصلاة والصوم والزكاة؟ (١)
ج: لا يكفي الإيمان بالقلب، ولا يكفي عن الصلاة وغيرها، يجب أن يؤمن بقلبه، أن الله واحد لا شريك له، وأنه ربه وخالقه، يجب أن يخصه بالعبادة، ، ويؤمن بالرسول محمد ﷺ ، وأنه رسول الله حقا إلى جميع الناس، كل هذا لا بد منه، هذا أصل الدين وأساسه، لكن لا بد من ذلك من الصلاة، وبقية أمور الدين، إذا صلى فقد أدى ما عليه، وإن لم يصل كفر، لأن ترك الصلاة كفر، أما الزكاة والصيام والحج وبقية الأمور، إذا اعتقدها وأنها واجبة، ولكن تساهل فيها فلا يكفر بذلك، يكون عاصيا، يكون إيمانه ضعيفا ناقصا، لأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد الإيمان بالطاعات، والأعمال
стр. 1577
الصالحات، وينقص بالمعاصي، أما الصلاة وحدها خاصة، فإن تركها كفر عند جمع من أهل العلم، وهو أصح قولي العلماء، بخلاف بقية أمور العبادات، من الزكاة والصوم والحج، ونحو ذلك، فإن تركها ليس بكفر أكبر على الصحيح، ولكن تكون نقصا في الإيمان وضعفا في الإيمان، وكبيرة عظيمة، ترك الزكاة كبيرة عظيمة، وترك الصيام كبيرة عظيمة، وترك الحج بعد الاستطاعة كبيرة عظيمة، ولكن لا يكون كفرا أكبر، إذا كان مؤمنا بأن الزكاة حق، وأن الصيام حق، وأن الحج بعد الاستطاعة حق، ما كذب بذلك ولا أنكر ذلك، ولكنه تساهل في الفعل فلا يكون كافرا بذلك، على الصحيح، أما الصلاة فإنه إذا تركها يكفر، في أصح قولي العلماء، كفرا أكبر نعوذ بالله، إذا تركها بالكلية.
وأما الشهادتان الشهادة بأن الله رب الجميع، وإله الجميع وأنه لا إله سواه، يعني لا معبود بحق سواه، والشهادة بأن محمدا رسول الله، هاتان الشهادتان هما أصل الدين، وهما أساس الملة، فذهب جمع من أهل العلم، وهو قول الأكثر من الفقهاء، أنه يكون مسلما بذلك، ولو لم يصل، إذا كان يعتقد وجوب الصلاة، والصوم، والحج وإلى غير ذلك، لكن لا يفعل تساهلا، فإن الأكثر من الفقهاء يرون أنه لا يكون كافرا كفرا أكبر، إذا ترك ذلك يبقى مسلما عاصيا، عليه خطر من دخول النار، ولا يكفر بذلك، وذهب جمع من أهل العلم إلى أن ترك الصلاة كفر أكبر، وهو الأرجح كما تقدم، وهو الأصح، لقول
стр. 1578
النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر (١)»، ولقوله ﵊: «بين الرجل وبين الكفر والشرك، ترك الصلاة (٢)»، كما تقدم في جواب سؤال سابق، فينبغي الانتباه لهذا، أما بقية أمور الدين الواجبة، من الزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، إذا كان المؤمن بالله ورسوله يعتقد وجوبها، وأنه لا ينكر وجوبها، لكنه قد تساهل في فعلها فهذا لا يكون كفرا أكبر، لكن يكون نقصا في الإيمان، ويكون ضعفا في الإيمان، ويكون عاصيا مستحقا لدخول النار، وغضب الله إلا أن يعفو الله عنه ، لقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣)؛ فجعل ما دون الشرك، تحت مشيئة الله، على قول أن المعاصي تحت مشيئة الله، ولا يكون بها كافرا كفرا أكبر، بل يكون عاصيا ويكون ضعيف الإيمان.
стр. 1579
٧٩ - بيان ما يتم به الدخول في الإسلام
س: بعض الناس يقولون مثلا الصلاة يشترط لها الإسلام، والحج أيضا يشترط له الإسلام، فإن الإنسان قد يكون مسلما ولو لم يأت ببقية أركان الإسلام، وأنتم أجبتم على هذا، لكن نريد أيضا تجلية هذا الموضوع؟ (١)
ج: واضح أنه يكون مسلما بالشهادتين، متى أقر بالشهادتين ووحد الله ، وصدق رسوله محمدا ﷺ ، دخل في الإسلام، ثم ينظر فإن صلى تم إسلامه وإن لم يصل صار مرتدا، وهكذا لو أنكر الصلاة بعد ذلك صار مرتدا، أو أنكر الصيام قال: ما هو بواجب صيام رمضان، صار مرتدا، أو قال عن الزكاة: زكاة الإسلام ما هي بواجبة، صار مرتدا، أو قال: الحج مع الاستطاعة غير واجب، صار مرتدا، أو استهزأ بالدين، أو سب الرسول صار مرتدا، ينبغي أن يكون واضحا، فهو إذا دخل في الإسلام بالشهادتين، حكم له بالإسلام ثم ينظر بعد ذلك في بقية الأمور، فإن استقام على الحق، تم إسلامه، وإن وجد لديه ما ينقض الإسلام، من سب الدين، من تكذيب الرسول ﷺ ، من جحد لما أوجب الله، من صلاة أو صوم، من جحد ما حرم الله، كما لو قال: الزنى حلال، فإنه يرتد عن الإسلام بهذا، ولو صلى وصام ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لو قال إن الزنى
стр. 1580
حلال وهو يعلم بالأدلة، وقد قامت عليه الحجة، يكون كافرا بالله كفرا أكبر نعوذ بالله، أو قال: الخمر حلال وقد بين له، وقد وضحت له الأدلة ثم أصر على القول بأن الخمر حلال يكون كافرا كفرا أكبر، ومرتدا عن الإسلام، نعوذ بالله أو قال مثلا أن العقوق ليس محرما، وهو يعق والديه يقول إنها حلال، يكون مرتدا عن الإسلام نعوذ بالله، أو قال إن شهادة الزور حلال، يكون هذا ردة عن الإسلام، بعد أن يبين له الأدلة الشرعية، كذلك إذا قال: الصلاة ما هي بواجبة، الزكاة ما هي بواجبة، صيام رمضان ما هو بواجب، أو الحج مع الاستطاعة ما هو بواجب، كل هذه نواقض من نواقض الإسلام، يكون بها كافرا، إنما الخلاف إذا قال: الصلاة واجبة، ولكن لا يصلي، هذا محل الخلاف، يكفر أو ما يكفر؟ هو يقول: الصلاة واجبة ولكن أنا أتساهل ما أصلي، فجمهور الفقهاء يقولون: لا يكفر، ويكون عاصيا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل حدا، وذهب آخرون من أهل العلم، وهو المقول عن الصحابة ﵃، أنه يكفر بها كفرا أكبر، فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا، لقول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، فدل ذلك على أن الذي لا يقيم الصلاة، لا يخلي سبيله بل يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢)، فدل على أن الذي لا يقيم الصلاة ولا يصلي ليس بأخ في الدين.