٧٨ - بيان أن الإيمان بالقلب لا يكفي عن العمل بالبدن
س: هل الإيمان بالقلب كفاية أن يكون الإنسان مسلما بعيدا عن الصلاة والصوم والزكاة؟ (١)
ج: لا يكفي الإيمان بالقلب، ولا يكفي عن الصلاة وغيرها، يجب أن يؤمن بقلبه، أن الله واحد لا شريك له، وأنه ربه وخالقه، يجب أن يخصه بالعبادة، ، ويؤمن بالرسول محمد ﷺ ، وأنه رسول الله حقا إلى جميع الناس، كل هذا لا بد منه، هذا أصل الدين وأساسه، لكن لا بد من ذلك من الصلاة، وبقية أمور الدين، إذا صلى فقد أدى ما عليه، وإن لم يصل كفر، لأن ترك الصلاة كفر، أما الزكاة والصيام والحج وبقية الأمور، إذا اعتقدها وأنها واجبة، ولكن تساهل فيها فلا يكفر بذلك، يكون عاصيا، يكون إيمانه ضعيفا ناقصا، لأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد الإيمان بالطاعات، والأعمال
стр. 1577
الصالحات، وينقص بالمعاصي، أما الصلاة وحدها خاصة، فإن تركها كفر عند جمع من أهل العلم، وهو أصح قولي العلماء، بخلاف بقية أمور العبادات، من الزكاة والصوم والحج، ونحو ذلك، فإن تركها ليس بكفر أكبر على الصحيح، ولكن تكون نقصا في الإيمان وضعفا في الإيمان، وكبيرة عظيمة، ترك الزكاة كبيرة عظيمة، وترك الصيام كبيرة عظيمة، وترك الحج بعد الاستطاعة كبيرة عظيمة، ولكن لا يكون كفرا أكبر، إذا كان مؤمنا بأن الزكاة حق، وأن الصيام حق، وأن الحج بعد الاستطاعة حق، ما كذب بذلك ولا أنكر ذلك، ولكنه تساهل في الفعل فلا يكون كافرا بذلك، على الصحيح، أما الصلاة فإنه إذا تركها يكفر، في أصح قولي العلماء، كفرا أكبر نعوذ بالله، إذا تركها بالكلية.
وأما الشهادتان الشهادة بأن الله رب الجميع، وإله الجميع وأنه لا إله سواه، يعني لا معبود بحق سواه، والشهادة بأن محمدا رسول الله، هاتان الشهادتان هما أصل الدين، وهما أساس الملة، فذهب جمع من أهل العلم، وهو قول الأكثر من الفقهاء، أنه يكون مسلما بذلك، ولو لم يصل، إذا كان يعتقد وجوب الصلاة، والصوم، والحج وإلى غير ذلك، لكن لا يفعل تساهلا، فإن الأكثر من الفقهاء يرون أنه لا يكون كافرا كفرا أكبر، إذا ترك ذلك يبقى مسلما عاصيا، عليه خطر من دخول النار، ولا يكفر بذلك، وذهب جمع من أهل العلم إلى أن ترك الصلاة كفر أكبر، وهو الأرجح كما تقدم، وهو الأصح، لقول
стр. 1578
النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر (١)»، ولقوله ﵊: «بين الرجل وبين الكفر والشرك، ترك الصلاة (٢)»، كما تقدم في جواب سؤال سابق، فينبغي الانتباه لهذا، أما بقية أمور الدين الواجبة، من الزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، إذا كان المؤمن بالله ورسوله يعتقد وجوبها، وأنه لا ينكر وجوبها، لكنه قد تساهل في فعلها فهذا لا يكون كفرا أكبر، لكن يكون نقصا في الإيمان، ويكون ضعفا في الإيمان، ويكون عاصيا مستحقا لدخول النار، وغضب الله إلا أن يعفو الله عنه ، لقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣)؛ فجعل ما دون الشرك، تحت مشيئة الله، على قول أن المعاصي تحت مشيئة الله، ولا يكون بها كافرا كفرا أكبر، بل يكون عاصيا ويكون ضعيف الإيمان.
стр. 1579
٧٩ - بيان ما يتم به الدخول في الإسلام
س: بعض الناس يقولون مثلا الصلاة يشترط لها الإسلام، والحج أيضا يشترط له الإسلام، فإن الإنسان قد يكون مسلما ولو لم يأت ببقية أركان الإسلام، وأنتم أجبتم على هذا، لكن نريد أيضا تجلية هذا الموضوع؟ (١)
ج: واضح أنه يكون مسلما بالشهادتين، متى أقر بالشهادتين ووحد الله ، وصدق رسوله محمدا ﷺ ، دخل في الإسلام، ثم ينظر فإن صلى تم إسلامه وإن لم يصل صار مرتدا، وهكذا لو أنكر الصلاة بعد ذلك صار مرتدا، أو أنكر الصيام قال: ما هو بواجب صيام رمضان، صار مرتدا، أو قال عن الزكاة: زكاة الإسلام ما هي بواجبة، صار مرتدا، أو قال: الحج مع الاستطاعة غير واجب، صار مرتدا، أو استهزأ بالدين، أو سب الرسول صار مرتدا، ينبغي أن يكون واضحا، فهو إذا دخل في الإسلام بالشهادتين، حكم له بالإسلام ثم ينظر بعد ذلك في بقية الأمور، فإن استقام على الحق، تم إسلامه، وإن وجد لديه ما ينقض الإسلام، من سب الدين، من تكذيب الرسول ﷺ ، من جحد لما أوجب الله، من صلاة أو صوم، من جحد ما حرم الله، كما لو قال: الزنى حلال، فإنه يرتد عن الإسلام بهذا، ولو صلى وصام ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لو قال إن الزنى
стр. 1580
حلال وهو يعلم بالأدلة، وقد قامت عليه الحجة، يكون كافرا بالله كفرا أكبر نعوذ بالله، أو قال: الخمر حلال وقد بين له، وقد وضحت له الأدلة ثم أصر على القول بأن الخمر حلال يكون كافرا كفرا أكبر، ومرتدا عن الإسلام، نعوذ بالله أو قال مثلا أن العقوق ليس محرما، وهو يعق والديه يقول إنها حلال، يكون مرتدا عن الإسلام نعوذ بالله، أو قال إن شهادة الزور حلال، يكون هذا ردة عن الإسلام، بعد أن يبين له الأدلة الشرعية، كذلك إذا قال: الصلاة ما هي بواجبة، الزكاة ما هي بواجبة، صيام رمضان ما هو بواجب، أو الحج مع الاستطاعة ما هو بواجب، كل هذه نواقض من نواقض الإسلام، يكون بها كافرا، إنما الخلاف إذا قال: الصلاة واجبة، ولكن لا يصلي، هذا محل الخلاف، يكفر أو ما يكفر؟ هو يقول: الصلاة واجبة ولكن أنا أتساهل ما أصلي، فجمهور الفقهاء يقولون: لا يكفر، ويكون عاصيا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل حدا، وذهب آخرون من أهل العلم، وهو المقول عن الصحابة ﵃، أنه يكفر بها كفرا أكبر، فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا، لقول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، فدل ذلك على أن الذي لا يقيم الصلاة، لا يخلي سبيله بل يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢)، فدل على أن الذي لا يقيم الصلاة ولا يصلي ليس بأخ في الدين.
стр. 1581
س: السائلة: أم محمد من الرياض، تقول: سماحة الشيخ يتردد على ألسنة بعض الناس بأن الدين في القلب، هل يصح هذا القول؟ (١)
ج: الإيمان أصله في القلب، مثلما قال ﷺ : «التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره (٢)» يعني في القلب، وإذا صلح القلب صلح الجسد، كما قال النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد كله (٣)» هذا صحيح متى صلح القلب وعمره الله بالتقوى، والخشية لله استقام البدن، استقامت الجوارح، في طاعة الله، ومتى خبث القلب بالنفاق والكفر والضلال خبثت الجوارح، وانقادت له. فالأساس هو القلب، متى أصلحه الله وعمره بالتقوى انقادت الجوارح لطاعة الله، ورسوله والكف عن محارم الله، ومتى خبث القلب بالكفر والنفاق والفجور واتباع الهوى، انقادت الجوارح لأعماله السيئة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1582
٨٠ - حكم قول: أنا مؤمن إن شاء الله
س: سمعت من بعض الناس أنه يقول: إذا فعلت عملا كالصلاة أو كالصوم، أو أي عمل ثان في الدين أو الدنيا، وسئلت هل صليت؟ أو هل صمت؟ أو عملت كذا وكذا؟ لا تقل: إن شاء الله، بل قل: نعم، لأنك عملته فعلا فما رأيكم في مثل هذا؟ (١)
ج: هذا فيه تفصيل، أما في العبادات فلا مانع أن يقول: إن شاء الله صليت، إن شاء الله صمت، إن شاء الله تصدقت، لأنه لا يدري هل كملها وقبلت منه أم لا، وكان المؤمنون يستثنون في إيمانهم وفي صومهم، ونحو ذلك نظرا لأنه لا يدري هل كمل أم لم يكمل، فيقول: إن شاء الله يعني إن شاء الله إني صمت صوما طيبا سليما. ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله يعني إيمانا صحيحا أو إيمانا أموت عليه، أما الشيء الذي لا يختلف مثل ما يقال: بعت إن شاء الله لا يحتاج إن شاء الله، بعت هذا إن شاء الله، أو تغديت أو تعشيت إن شاء الله، لا يحتاج إن شاء الله في هذا، لأن هذه أمور لا تحتاج إلى المشيئة في الخبر، وإنما هي أمور عادية قد فعلها وانتهى فيها، بخلاف أمور العبادات التي لا يدري هل وفى حقها أم بخسها حقها، فإذا قال: إن شاء الله فهو للتبرك باسمه سبحانه، وللتحرر من دعواه شيئا قد يكون ما أكمله ولا أداه حقه.
стр. 1583
٨١ - بيان ما يقوى به الإيمان
س: كيف يكون المؤمن قوي الإيمان؟ (١)
ج: يقول النبي ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير (٢)» رواه مسلم في الصحيح.
المؤمن القوي هو قوي الإيمان، بما عنده من العلم والبصيرة، والخوف من الله مما يجعله قوي الإيمان حتى يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وينصح الناس ويأمر بالخير، ويكف الأذى، وكلما قوي إيمانه كثرت أعماله الصالحة، وكلما ضعف الإيمان قلت الأعمال الطيبة، فالمؤمن القوي هو الذي رزق بسطة في الدين، وغيرة لله، وتعظيما لله، فهو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وينصح لعباد الله، ويحذر السيئات، هكذا يكون المؤمن القوي، والمؤمن الضعيف، هو ضعيف الإيمان، ضعيف البصيرة.
ضعيف الخوف من الله، فهذا تقع منه المعاصي في الغالب، لضعف إيمانه وقلة خوفه من الله، نسأل الله السلامة.
стр. 1584
٨٢ - بيان أن الإيمان يزيد وينقص
س: ما كيفية زيادة الإيمان؟ (١)
ج: الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فإذا صلى الصلوات الخمس وحافظ عليها مع السنن الرواتب زاد إيمانه، وإذا أخل بالرواتب نقص إيمانه، وإذا أخل بالزكاة نقص إيمانه أو بالصوم نقص إيمانه أو بصلة الرحم نقص إيمانه، وهكذا بالمعصية ينقص الإيمان والطاعات يزيد الإيمان يزيد في صحائف أعماله وفي ميزانه وعند ربه كلما أدى طاعة زاد الإيمان، وكلما أدى معصية نقص الإيمان، وكلما ترك كثيرا من الواجبات نقص إيمانه وهكذا.
س: سؤالها الثاني تقول كيف أجد حلاوة الإيمان؟ (٢)
ج: بالإقبال على الله والعناية بالعبادة وإحضار القلب فيها وتكفر في عظمة الله وإحسانه وتذكر الجنة والنار والموت كل هذا من أسباب وجود حلاوة الإيمان ... والتلذذ بالمناجاة لربه بالقراءة والدعاء عند استحضار عظمة الله وعند استحضار ذهاب هذه الدنيا وأن العبد صائر إلى ما قدم من خير وشر عند استحضار الإنسان هذه الأمور وعند
стр. 1585
استحضاره عظمة الله، وأن الله يطلع عليه ويراقبه يحصل له ما يحصل له من خشوع.
стр. 1586
٨٣ - بيان ما يزيد به الإيمان ويقوى
س: تسأل أختنا وتقول: ما هي نصيحتكم لمن يريد أن يزيد إيمانه بالله ويقويه؟ (١)
ج: نصيحتي لكل مسلم ولكل مسلمة الإقبال على القرآن العظيم والإكثار من تلاوته، فهو يزيد الإيمان ويزيد التقوى ويحصل به الهدى والثبات كما قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢)، قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٣)، وقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤)، فنصيحتي لكل مسلم ومسلمة الإقبال على كتاب الله والاستكثار من تلاوته بالتدبر والتعقل ليلا ونهارا، ولا سيما في الأوقات المناسبة، كأول النهار وفي أثناء الليل وفي آخر الليل وفي الصلوات مع تدبر ومع سؤال الله التوفيق وأن يعينه على الفهم الصحيح والعمل بكتابه ، ثم الدعوات
стр. 1587
الطيبة، الإنسان يدعو ربه كثيرا ويسأله في أوقات الإجابة بين الأذان والإقامة وكآخر الليل وجوف الليل، وكذلك في السجود وفي آخر الصلاة قبل السلام، كل الأوقات ترجى فيها الإجابة فينبغي للمسلم والمسلمة الإلحاح في هذه الأوقات بالدعوات الطيبة وسؤال الله أن يقوي إيمان العبد وأن يعينه على الخير ويثبته على الهدى. ثم أمر آخر وهو مجالسة الأخيار وصحبة الأخيار والاستفادة من نصائحهم ومواعظهم، هذا أيضا مما يقوي الإيمان ومما يعين على الثبات على الحق والعمل به. نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
س: أنا ولله الحمد أحاول أن أكون ملتزمة، بكل ما أمرني به الله، وبكل ما نهاني عنه فأدعو أن يزيدني الله من فضله، لكن كل ما يؤرقني ويؤلمني أنني لا أبكي من خشية الله، أرجوكم أن ترشدوني إلى العمل الذي يجعلني أبكي من خشية الله (١).
ج: من أسباب ذلك التفكر في عظمة الله وما أعده إلى أوليائه من النعيم وما أعده لأعدائه من العذاب في دار الهوان في النار، التفكير في هذا كون المسلم والمسلمة يجعل هذا على باله وأنه على خطر في هذه الحياة إلا إذا قبضه الله على الإسلام، والاستقامة يفكر في هذا كثيرا،
стр. 1588
ويسأل ربه أن الله يمنحه رقة القلب وخشوع القلب والبكاء من خشيته سبحانه، يسأل ربه ويضرع إليه فهذا من أسباب حصول البكاء من خشية الله، ومن أسباب ذلك العناية بطيب المطعم كونه يتحرى الكسب الحلال الطيب يبتعد عن الكسب الحرام، كذلك مجالسة الأخيار والحرص على صحبتهم، هذا من أسباب خشوع القلب ودمع العين.
стр. 1589
٨٤ - من أسباب ذوق حلاوة الإيمان
س: يقول هذا السائل عن نفسه سماحة الشيخ أنا مؤمن والحمد لله وقد أديت مناسك الحج والعمرة ومع ذلك لا أشعر بحلاوة الإيمان، فبماذا تنصحونني؟ (١)
ج: ننصحك باستعمال ما شرع الله جل وعلا من الحرص على الطاعات، وقراءة القرآن الكريم، والإكثار من ذكر الله ، فإن هذا من أسباب ذوق المحبة، ذوق حلاوة الإيمان، يقول النبي ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار (٢)»، فالصدق في محبة الله ورسوله، والإيمان بالله ورسوله، ومحبة إخوانك
стр. 1590
في الله، وكراهة الكفر بالله، من أسباب ذوق طعم الإيمان، ويقول ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا (١)» ويقول من حديث ابن عباس ﵁: «من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، وجد حلاوة الإيمان (٢)»، أو قال: «ذاق طعم الإيمان». المقصود أن الإكثار من ذكر الله، ومن قراءة القرآن، والاستقامة على طاعة الله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، وأن تحب إخوانك في الله، وأن تكره الكفر وسائر المعاصي، كل هذا من أسباب ذوق طعم الإيمان، ووجود حلاوة الإيمان في قلبك، وأنسك بطاعة الله ورسوله، وتلذذك بذلك، بسبب صدقك في طاعة الله، ومحبة الله .
стр. 1591
س: منذ سنتين ونصف ابتليت بالوساوس والهواجس والخواطر، التي بعضها لا أستطيع دفعه وأصابني معها شيء من الخوف والقلق، والاضطراب حتى استولت علي هذه الخواطر والوساوس، وأنا خائف منها خوفا شديدا، حيث أخاف أن تضرني في ديني، لأن بعضها في عقيدتي، وإذا سألت بعض أهل العلم، يقول لي: الوسوسة من الإيمان، وإلى الآن لم تزل عني هذه الوساوس والخواطر، وأحيانا يصيبني بعض القنوط، بسبب كثرة الوساوس، فأرجو من سماحتكم توجيهي إلى النجاة من تلك البلية، وبيان الوسوسة التي ذكر أن النبي ﷺ قال: إنها من الإيمان، جزاكم الله خيرا (١).
ج: أصل الوساوس من الشيطان، هو الذي يملي على الإنسان ما يضره، ويشوش عليه دينه وقلبه، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٢) ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ (٣) ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ (٤) ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (٥)، وهو وسواس عند الغفلة، وخناس عند الذكر، يصغر ويخنس عند ذكر الله ، فعليك يا أخي أن تكثر من ذكر الله وقراءة القرآن والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فالنبي ﷺ ، لما قال له
стр. 1592
الصحابة: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد ما لأن يخر من السماء، أحب إليه من أن ينطق به، يجد من الوسوسة أشياء يفضل أن يخر من السماء، ولا ينطق بها لشدتها، فقال: «ذلك صريح الإيمان (١)» المعنى أن الشيطان لما يئس منهم، أتاهم بوساوس شديدة خطيرة في دينهم وعقيدتهم لأن يخروا من السماء، أهون عليهم من أن ينطقوا بها، فهذا من كيده الخبيث، فهو صريح الإيمان من جهة ما في قلب المؤمن من كراهتها، وإنكارها والحذر منها، هذا صريح الإيمان ليست الوسوسة من صريح الإيمان، بل كراهتها والخوف منها، كون المؤمن لأن يخر من السماء أسهل عليه من أن ينطق بها، هذا صريح الإيمان في قلوبهم، يعني أن قلوبهم أنكرت تلك الوساوس، ورأت أن السقوط من السماء أهون من النطق بها، كأن يقول له: إن الله غير موجود، أو إن الله لا بأس أن يشرك معه في الدعاء والعبادة، أو يقول كما جاء في الحديث: الله خلق الأشياء فمن خلق الله، وأشباه هذه الوساوس المتعلقة بوجود الله واستحقاقه العبادة، وأنه الخلاق العليم أو متعلقة بالجنة والنار، بأن يوسوس أنه ليس هناك جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور كل هذا من وساوس عدو الله، وإنكار هذه الوساوس من صريح الإيمان، إنكارها واعتقاد بطلانها، هذا هو صريح الإيمان،
стр. 1593
فالمؤمن أرشده النبي ﷺ : إذا رأى مثل هذا أن يقول: آمنت بالله ورسله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أمر الصحابة ﵃، قال لهم: «إذا وجدتم ذلك فليقل أحدكم: آمنت بالله ورسله وليتعوذ بالله ولينته (١)»، هذا هو الدواء لهذا الوساوس الخبيثة، إذا رآها المؤمن يقول: آمنت بالله ورسله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويمضي في حاجته، يستمر في حاجته ولا يركن إليها، ولا يلتفت إليها، أما الوساوس الأخرى في صلاته ووضوئه، فهي أيضا من الشيطان يجب ألا يلتفت إليها يجب أن يحذرها، ويتوضأ لا يعيد الوضوء، وإذا صلى لا يعيد الصلاة، بسبب الوساوس، بل يعتقد بأن صلاته صحيحة، ووضوءه صحيح، ولا يلتفت إلى وساوس عدو الله، فإنه حريص على إفساد أعمال بني آدم، وتشويش قلوبهم وإحراجهم، فالواجب الحذر منه بالتعوذ بالله من شره، تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كنت في الصلاة وكثرت عليك الوساوس، تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتنفث عن يسارك ثلاث مرات، تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقد اشتكى إلى النبي ﷺ عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁، وقال: يا رسول الله إن الشيطان قد لبس علي صلاتي، فأرشده النبي ﷺ أن يتفل عن
стр. 1594
يساره ثلاث مرات، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاث مرات، ففعل عثمان ذلك وزال عنه ذلك الوسواس، فأنت يا أخي إذا كثر الوسواس عليك في صلاتك، أو في وضوئك تتفل عن يسارك تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثلاث مرات والله يعيذك منه ، وهكذا في جميع الأمور تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتكثر من ذكر الله وتقول: آمنت بالله ورسله، إذا كان في العقيدة، آمنت بالله ورسله، وبهذا تسلم من عدو الله، ويبطل كيده كما فعله الصحابة، بإرشاد النبي ﷺ ، وأبطل الله كيده عنهم وعافاهم من هذه الوساوس.
س: السائل ص. ص. ع. سوداني مقيم في ساجر: في بعض الأحيان وبالذات عندما أكثر من العبادة، وقراءة القرآن يحصل لي وساوس، ولكن دون أن يلفظ لساني، وساوس تريد مني أن أسب الدين مثلا، أو أسب كل شيء من الدين، هل يحاسب الإنسان على وساوس القلب إذا لم يتلفظ بشيء؟
ج: هذا من الشيطان، وليس عليه بأس، لكن يحارب ذلك ويتعوذ بالله من الشيطان، سئل النبي ﷺ عن هذا فقال له بعض الصحابة: (١)
стр. 1595
«يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يخر من السماء أهون عليه من أن ينطق به، فقال: تلك الوسوسة فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله وليستعذ بالله ولينته (١)»، ويقول ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم (٢)»؛ فالمؤمن لا يضره ذلك لكن يحارب هذه الأشياء، يحارب هذه الخطوات، ويقول: آمنت بالله ورسله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وينتهي.
стр. 1596
٨٥ - الذنوب تؤثر على توحيد الله والإيمان به
س: ارتكاب بعض المعاصي ولا سيما الكبائر هل تؤثر على الركن الأول من أركان الإسلام؟ (١)
ج: نعم ارتكاب الكبائر كالزنى وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق، وأكل الربا والغيبة والنميمة وما أشبه هذا من المعاصي والكبائر، تؤثر على توحيد الله وفي الإيمان بالله، وتضعفه، وأن الإيمان يكون ضعيفا، لكن لا يكفر كما تقول الخوارج، الخوارج تكفره تجعله كافرا
стр. 1597
إذا زنا أو سرق أو عق والديه، أو أكل الربا تجعله كافرا، وإن لم يستحل ذلك، هذا غلط من الخوارج، أما أهل السنة والجماعة يقولون: هو عاص، هو ضعيف الإيمان، وناقص الإيمان، وناقص التوحيد، وهذا يضعف شهادته، ويضعف إيمانه، لكن لا يكفر كفرا أكبر، فيكون فيه نقص وفيه ضعف، ولهذا شرع الله في الزاني حدا، إذا كان بكرا يجلد مائة، ويغرب عاما، فلو كان الزنى ردة كان قتل، فدل على أنه ليس بردة، والسارق ما يقتل، تقطع يده، فدل ذلك على أن هذه المعاصي ليست ردة، ولكنها تضعف الإيمان، ونقص في الإيمان، فلهذا شرع الله تأديبهم وتعزيرهم بهذه الحدود، ليتوبوا ويرجعوا إلى ربهم، ويرتدعوا عما حرم عليهم ربهم ، وقالت المعتزلة: إنه في منزلة بين منزلتين، ولكن يخلد في النار إذا مات عليها خالفوا أهل السنة، في تخليد العاصي في النار، ووافقوا الخوارج في ذلك، والخوارج قالوا: يكفر ويخلد في النار جميعا، وطائفة يقال لها المعتزلة هؤلاء قالوا: يخلد في النار، ولكن لا نسميه كافرا، يعني كفرا أكبر، وكلتا الطائفتين قد ضلتا عن السبيل، والصواب قول أهل السنة والجماعة إنه لا يكون كافرا، يعني كفرا أكبر، ولكن يكون عاصيا، ويكون ضعيف الإيمان، ناقص الإيمان، على خطر عظيم من الكفر، ولكن ليس بكافر إذا كان ما استحل ذلك، إذا لم يستحل هذه المعصية بل فعلها وهو يعلم أنها معصية، ولكن حمله عليها الشيطان والهوى، والنفس الأمارة بالسوء، هذا هو قول الحق،
стр. 1598
فيكون إيمانه ضعيفا، ويكون توحيده ضعيفا، ولكن لا يكون كافرا، الكفر الأكبر الذي هو ردة عن الإسلام، نعوذ بالله من ذلك، ولا يخلد في النار أيضا، لو مات عليها، إذا مات الزاني على الزنى ما تاب أو على السرقة ما تاب، أو على الرياء ما تاب وهو يعلم أنه محرم، هذا يكون تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه على قدر معاصيه، ، العذاب الذي تقتضيه حكمته ، ثم بعد مضي ما حكم الله به يخرجه الله من النار إلى الجنة، هذا هو قول أهل الحق، وهذا الذي تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، خلافا للخوارج والمعتزلة، والله يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، فعلق ما دون الشرك بمشيئته ، أما من مات على الشرك فإنه لا يغفر له أبدا، والجنة عليه حرام، نعوذ بالله من ذلك، وهو مخلد في النار أبد الآباد، أما العاصي فإن دخل النار فإنه لا يخلد أبد الآباد، بل يبقى فيها ما شاء الله، قد تطول مدته، ويكون هذا خلودا لكنه خلود مؤقت، ليس مثل خلود الكفار، كما قال تعالى في آية الفرقان لما ذكر المشرك والقاتل والزاني، قال سبحانه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٢)، هو خلود مؤقت له نهاية، يعني طويلا، نسأل الله العافية، أما المشرك فخلوده دائم نعوذ
стр. 1599
بالله، أبد الآباد، ولهذا قال سبحانه في المشركين: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (١)، هكذا في سورة البقرة، وقال في سورة المائدة في حق الكفرة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٢) نسأل الله العافية.
стр. 1600
٨٦ - وجوب الإيمان بالرسل والملائكة
س: السائل إ. ح، يقول: هل يجب الإيمان بجميع الملائكة والمرسلين؟ (١)
ج: يجب على كل مؤمن أن يؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، هذا من أصول الإيمان لا بد أن يؤمن بالملائكة، وإن لم يعرف أسماءهم، يؤمن أن لله ملائكة أخبر عنهم، في طاعته، وتنفيذ أوامره من جبرائيل وميكائيل، حملة العرش وغيرهم ويؤمن بالرسل جميعا، وإن لم يعرف أسماءهم، يؤمن بأن الله أرسل الرسل، وأنهم بلغوا الرسالات. ومن سماه الله يؤمن به، كنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وداود، وسليمان، من سماه الله آمن به، ومن لم يسم يؤمن بأن لله رسلا، وإن لم يعرف أسماءهم كما يؤمن بخاتمهم
стр. 1601
محمد ﷺ ، وأنه رسول الله إلى الجميع، إلى جميع الثقلين، وأنه خاتم الأنبياء لا بد من الإيمان بهذا، من لم يؤمن بهذا فهو كافر، نسأل الله العافية.
стр. 1602
٨٧ - بيان أن مع كل إنسان حفظة من الملائكة
س: يقول السائل: هل صحيح أنه يوجد كرام كاتبون، يدافعون وينافحون عن المؤمن، إذا خاصمه أحد وهو ساكت ولم يرد؟
ج: ورد في هذا بعض الأحاديث، لكن لا أذكرها على أسانيدها، أما الكتاب فموجودون لأن الله يقول: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ (١) ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ (٢) ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣)، مع الإنسان حفظة يكتبون أعماله وأقواله، أما الدفاع عنه، والروايات التي فيها الدفاع عنه، هذه محل نظر، يحتاج إلى مراجعة أسانيدها.
стр. 1603
٨٨ - وجوب الإيمان بالكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله
س: السائل: إ. ح. يقول: ما حكم الإيمان بالكتب السماوية وكم عددها؟ (١)
ج: الواجب الإيمان بها إجمالا وتفصيلا، إجمالا فيما لم يسم، يؤمن بأن الله أنزل الكتب، على الرسل والأنبياء كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٢). يؤمن المؤمن بأن الله أنزل كتبا، على الرسل عليهم الصلاة والسلام، فيها العدل وفيها الشرائع، ويؤمن بما يسمى الله، من التوراة والإنجيل، والزبور، يؤمن بما سمى الله، سمى لنا التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، يؤمن بما سمى الله وما بين سبحانه، والقرآن على محمد ﷺ ، فما سمى الله سميناه، وآمنا به نصا، وما أجمله الله أجملناه، وتقول: الله جل وعلا أنزل كتبا على أنبيائه، ورسله نؤمن بها، ونصدق بها، ونعلم أنها حق من عند الله، ، لكن لا نعلم تفصيلها، إنما نعلم أنه أنزل كتبا، إقامة للحجة، وقطعا للمعذرة، ومنها التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والقرآن على خاتم الأنبياء محمد ﵊.
стр. 1604
٨٩ - بيان أن الإسراء ثابت بالقرآن والسنة
س: سؤال يوجد بعض الناس الذين يقولون بأن الرسول ﷺ ، أسري به ولم يعرج به إلى السماء وذلك لأن الإسراء ذكر في القرآن الكريم والمعراج لم يذكر، ما هو توجيه سماحتكم جزاكم الله خيرا (١).
ج: الإسراء ثابت بالقرآن والسنة والمعراج، ثبت بالسنة المتواترة عن النبي ﵊ أنه عرج به إلى السماء وجاوز السبع الطباق وجاوز السماء السابعة حتى وصل إلى موضوع يسمع فيه صرير الأقلام، وسمع من ربه جل وعلا فرضية الصلوات الخمس، فمن أنكر ذلك يعرف ويبين له بالأدلة الشرعية فإذا أصر وأنكرها كفر، نسأل الله العافية.
стр. 1605
٩٠ - بيان أن الإسراء كان بجسده وروحه ﵊
س: هل كان الإسراء بالنبي ﷺ بالجسد والروح أم بالروح فقط؟ (١)
ج: كان الإسراء بالجسد والروح جميعا ﵊
стр. 1606
أسري بجسده وروحه، من مكة إلى الشام ومنها إلى السماء عرج به إلى السماء، حتى جاوز السبع الطباق، حتى جاوز السماء السابعة وانتهى إلى موضع يسمع فيه صرير الأقلام، وكلمه ربه وفرض عليه الصلوات الخمس، المقصود أنه أسري بروحه وجسده، من مكة إلى الشام ثم عرج به من الشام إلى السماء بروحه وجسده ﵊، هذا هو الصواب الذي عليه عامة أهل العلم، والقول بأنه بالروح قول شاذ مخالف للآية الكريمة والأحاديث الصحيحة.
стр. 1607
باب ما جاء في القضاء والقدر
стр. 1608
باب ما جاء في القضاء والقدر
٩١ - وجوب الإيمان بالقضاء والقدر
س: يا شيخ عبد العزيز، الناس يخوضون في موضوع القضاء والقدر، لعل لكم توجيها في ذلك (١).
ج: هذا باب خاضه الأولون أيضا وغلط فيه الغالط، والواجب على كل مؤمن وعلى كل مؤمنة التسليم لله والإيمان بقدره سبحانه والحرص على الأخذ بالأسباب النافعة الطيبة والبعد عن الأسباب الضارة، كما علم الله عباده وكما جعل لهم هدى على ذلك بما أعطاهم من العقول والأدوات التي يستعينون بها على طاعته، وترك معصيته ، ولا ننصح بالخوض في القضاء والقدر، بل ينبغي عدم الخوض في هذا الباب، والإيمان بأن الله قدر الأشياء، وعلمها وأحصاها وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه الخلاق العظيم القادر على كل شيء، وأن جميع الموجودات كلها بخلقه وتكوينه ، وأن الله سبحانه أعطى العبد عقلا
стр. 1609
وتصرفا وأسبابا وقدرة على الخير والشر، كما يأكل ويشرب، ويلبس وينكح، ويسافر ويقيم وينام ويقوم إلى غير ذلك. كذلك يطيع ويعصي، والذي نخشى على الخائضين في القضاء والقدر أن ينكروه؛ لأن قوما خاضوا فيه فأنكروه كالقدرية النفاة، وقالوا: لا قدر، زعموا أنهم يخلقون أفعالهم، وأن الله ما تفضل عليهم بالطاعة ولا قدر عليهم المعصية، وقوم قالوا: بل تفضل الله بالطاعة، ولكن ما قدر المعصية فوقعوا في الباطل أيضا، وقوم خاضوا في القدر فقالوا: إنا مجبورون، وقالوا: إنهم ليس عليهم شيء، عصوا أو أطاعوا لا شيء عليهم؛ لأنهم مجبورون ولا قدرة لهم، فضلوا وأضلوا، نسأل الله العافية.
стр. 1610
٩٢ - بيان أن القدرية مجوس هذه الأمة
س: من هم مجوس هذه الأمة شيخ عبد العزيز؟ (١)
ج: هم القدرية النفاة، الذين نفوا القدر وقالوا: الأمر أنف، فإن المجوس يقولون: إن للعباد إلهين، النور والظلمة، ويقولون: النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، فشابههم نفاة القدر، حيث جعلوا لله شريكا في أفعالهم، وأنهم يخلقون أفعالهم، نسأل الله العافية. ونصيحتي لكل المسلمين ألا يخوضوا فيه، بل يؤمنون بالقدر
стр. 1611
ولا يخوضوا في ذلك خوض المبتدعة بل يؤمنون بذلك ويسلمون لذلك، ويعلمون أن الله قدر الأشياء، وعلمها وأحصاها وأن العبد له مشيئة، وله إرادة وله اختيار لكنه لا يخرج بذلك عما قدره الله .
стр. 1612
٩٣ - بيان أن الإنسان مسير ومخير جميعا
س: مستمع يسأل، ويقول: أرجو أن تتفضلوا بإجابتي عن السؤال التالي: هل الإنسان في هذه الحياة مسير أو مخير؟ مع اصطحاب جميع الأدلة؟ وجزاكم الله خيرا (١).
ج: الإنسان مسير ومخير جميعا، له الوصفان فهو مخير؛ لأن الله أعطاه عقلا وأعطاه مشيئة، وأعطاه إرادة يتصرف بها، فيختار النافع ويدعو الله، يختار الخير ويدع الشر، يختار ما ينفعه، ويدع ما يضره، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٢) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، وقال : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٤). فالناس لهم إرادة ولهم مشيئة، ولهم أعمال، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥)، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٦) فلهم أعمال
стр. 1613
ولهم إرادات، ولهم مشيئة هم مخيرون فإذا فعلوا الخير، استحقوا الجزاء من الله فضلا منه ، وإذا فعلوا الشر استحقوا العقاب، فهم إذا فعلوا الطاعات فعلوها باختيارهم، ولهم أجر عليها وإذا فعلوا المعاصي، فعلوها باختيارهم وعليهم وزرها وإثمها، والقدر ماض فيهم، هم أيضا مسيرون بقدر سابق، قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس (٢)»، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٣)، وقال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٤)، ولما سأل جبرائيل النبي ﷺ عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره (٥)»، وقال ﵊: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء (٦)».
стр. 1614
فالله قدر الأشياء سابقا، وعلم أهل الجنة وأهل النار، وقدر الخير والشر والطاعات، والمعاصي كل إنسان يسير فيما قدر الله له، وكل مسير لما خلق له، جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه ذات يوم: «ما منكم من أحد إلا ويرى مقعده من الجنة ومقعده من النار. قالوا: يا رسول الله، ففيم العمل؟ يعني ما دامت مقاعدنا معروفة من الجنة والنار، ففيم العمل، قال ﵊: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسروا لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسروا لعمل الشقاوة، ثم تلا قوله سبحانه: (٧)»، فأنت يا عبد الله عليك أن تعمل، ولن تخرج عن قدر الله ، عليك أن تعمل وتجتهد بطاعة الله، وتسأل ربك التوفيق، وعليك أن تحذر ما يضرك، وأسأل ربك الإعانة على ذلك، وأنت ميسر لما خلقت له، كل ميسر لما خلق له، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
стр. 1615
س: يسأل السائل ويقول: حدث نقاش بيني وبين صديق لي حول مسألة، هل الإنسان مخير أو مسير؟ أفيدونا عن هذا القول، جزاكم الله خيرا (١).
ج: الإنسان مخير؛ لأن الله أعطاه مشيئة، وأعطاه إرادة فهو يعلم ويعمل، وله اختيار، وله مشيئة، وله إرادة يأتي الخير عن بصيرة وعن علم وعن إرادة، وهكذا الشر، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٢) ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، قال سبحانه: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٤) فجعل لهم إرادة، جعل لهم مشيئة، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٥)، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (٦)، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٧)، فجعل لهم عملا، وجعل لهم صنعا، وجعل لهم فعلا، هم يفعلون الشر والخير، ولهم اختيار، يختار المعصية ويفعلها ويختار الطاعة فيفعلها، له إرادة، وله اختيار، كذلك يختار هذا الطعام ليأكل منه، وهذا الطعام لا يريده يريد هذه السلعة أن يشتريها والأخرى لا يريدها، يستأجر هذه الدار، والأخرى لا يستأجرها، ولا يريدها يزور فلانا والآخر لا يزوره، بمشيئته