← Фатава

Фатава · id 107

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الشويعر

ابن باز

Полный текст (14 939 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١٠٢ - توضيح أنواع الشرك س: أرجو من سعادتكم توضيح أنواع الشرك، وهل الحلف بغير الله شرك يخرج صاحبه من الملة أم لا؟ (١). ج: الشرك نوعان: شرك أكبر وشرك أصغر، الشرك الأكبر صرف العبادة لغير الله، أو بعضها: كدعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم أو الجن أو الملائكة، أو غيرهم؛ لأن الأموات من الغائبين، هذا هو الشرك الأكبر كما كانت قريش وغيرها من العرب يفعلون ذلك عند أصنامهم وأوثانهم، ومن ذلك أيضا إذا جحد الإنسان أمرا معلوما من الدين بالضرورة وجوبا أو تحريما، من جحده كان كافرا أو مشركا شركا أكبر، أو قال: إن الصلاة لا تجب على المكلفين من المسلمين، أو قال: إن الزكاة لا تجب على من عنده أموال زكاة، أو قال: إن صوم رمضان لا يجب على المسلم المكلف؛ هذا يكون كافرا مشركا شركا أكبر، أو أحل ما حرمه الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة مما أجمع عليه المسلمون، كأن يقول: الزنى حلال أو شرب المسكر حلال أو عقوق الوالدين حلال أو السحر حلال أو ما أشبه ذلك؛ يكون كافرا أو مشركا شركا أكبر. والقاعدة أن من صرف العبادة أو بعضها لغير الله من أصنام أو أشجار أو أموات أو جن أو غيرهم من الغائبين؛ هذا مشرك شركا أكبر، وهكذا من جحد ما أوجب الله

стр. 317

أو ما حرم الله بما هو معلوم من الدين بالضرورة، ومما أجمع عليه المسلمون، هذا يكون كافرا كفرا أكبر، ومشركا شركا أكبر، وكل من أتى ناقضا من نواقض الإسلام يكون مشركا شركا أكبر، كما أسلفنا، أما الشرك الأصغر فهو أنواع أيضا، مثل الحلف بغير الله، بالنبي بالأمانة برأس فلان، هذا شرك أصغر لقوله ﷺ : «من حلف بشيء غير الله فقد أشرك (١)»، وهكذا الرياء كونه يقرأ يرائي أو يتصدق يرائي هذا شرك أصغر؛ لقوله ﷺ : «أخوف ما أخاف عليكم من الشرك الأصغر. فسئل عنه، فقال: الرياء (٢)». وهكذا قول: ما شاء الله وشاء فلان بالواو، أو لولا الله وفلان، أو من الله ومن فلان، من الشرك الأصغر؛ لقوله ﷺ : «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان (٣)»، ولما قال رجل: يا رسول الله: ما شاء الله وشئت! قال: «أجعلتني لله ندا، ما شاء الله وحده (٤)».

стр. 318

وقد يكون الأصغر شركا أكبر إذا اعتقد صاحبه أنه والحالة هذه أي مع الله، أو قال فيه: ما شاء الله وشاء فلان، أنه له تصرف في الكون، وأن له إرادة تحول عن إرادة الله، وعن مشيئة الله، أو القدرة فيضر وينفع دون الله، أو اعتقد أنه يصلح أن يعبد من دون الله، وأن يستغاث به، يكون شركا أكبر بهذا الاعتقاد، أما إذا كان مجرد حلف بغير الله، من غير اعتقاد آخر، لكن جرى على لسانه الحلف بغير الله تعظيما لهذا الشخص، يرى أنه أهل لأن يحلف به: نبي أو صالح، أو حياة أبيه أو أمه أو ما أشبه ذلك، فهذا من الشرك الأصغر لا من الشرك الأكبر عند أهل العلم.

стр. 319

١٠٣ - بيان بعض أنواع الشرك التي توجب الخلود في النار س: تسأل أختنا وتقول: ما هي الأعمال أو الكبائر التي تجعل الإنسان خالدا في النار؟ وهل صحيح أن كل شخص غير مسلم لا يدخل الجنة وهو خالد في النار؟ (١). ج: نعم، الأعمال التي توجب الخلود في النار أبد الآباد هي أعمال الكفر، من مات كافرا بالله فهو مخلد في النار، أبد الآباد. كاليهود والنصارى والشيوعيين، وهكذا كل من أتى بمكفر،

стр. 320

ومثل ذلك من ترك الصلاة، أو من سب الدين أو استهزأ بالدين، أو استهزأ بالجنة أو بالنار، أو سب الرسول ﷺ ، أو تنقص الرسول أو سب الله، أو تنقصه وطعن في دينه، كل هذا ردة عن الإسلام، إذا مات عليها الإنسان صار مخلدا في النار، أبد الآباد، كسائر الكفرة. أما العصاة، المسلم العاصي هذا لا يخلد في النار، إذا دخل النار لا يخلد فيها، مثل من مات وهو على الزنى، وما تاب من الزنى، أو مات وهو يشرب الخمر، ولكنه موحد مسلم يعبد الله وحده، ولا يسب الإسلام ولا يسب الدين، بل هو مسلم، ولكنه أطاع الهوى في بعض المعاصي، كشرب الخمر، كالعقوق للوالدين، أو أحدهما. كأكل الربا، كالزنى. هذه وأشباهها من المعاصي إذا مات عليها وهو مسلم يعبد الله وحده، وليس بكافر، فهذا تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء الله غفر له وعفا عنه بتوحيده وإسلامه وإيمانه الذي معه، وإن شاء سبحانه عذبه على قدر الجرائم والذنوب التي مات عليها، ثم بعد ما يمحص في النار ويعذب ما شاء الله، يخرجه الله من النار إلى الجنة، كما قال الله سبحانه في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فأبان سبحانه أن الشرك لا يغفر، من مات على شرك لا يغفر له، نعوذ بالله. أما من مات على ما دون الشرك من المعاصي فهذا تحت مشيئة الله. وقد أجمع العلماء، علماء المسلمين على أن العاصي

стр. 321

الذي هو مسلم موحد مؤمن. لكنه عنده معصية لا يخلد في النار أبد الآباد، بل متى دخل النار بهذه المعصية، فإنه لا يخلد؛ بل يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرجه الله من النار إلى الجنة. هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الحق. أما من مات على كفره بالله فهذا يخلد في النار، أبد الآباد. نسأل الله السلامة والعافية. ومن الكفرة اليهود والنصارى المعروفون، والشيوعيون المعروفون وعباد الأوثان، عباد أصحاب القبور؛ ومن ذلك من يسب الدين أو يستهزئ بالدين، أو يسب الله؛ أو يسب رسوله ﵊؛ هؤلاء إذا ماتوا على ذلك، ولم يتوبوا فهم من أهل النار المخلدين فيها أبد الآباد؛ نعوذ بالله.

стр. 322

١٠٤ - بيان بعض ظواهر الشرك القولية والعملية س: ما هي ظواهر الشرك القولية والعملية الموجودة في أي مجتمع؟ نرجو منكم الإفادة (١). ج: ظواهر الشرك تارة تكون بالكلام؛ وتارة تكون بالفعال، إذا كان في محل تدعى فيه القبور من دون الله؛ ويجتمع الناس لدعوة الأموات، والاستغاثة بالأموات، هذه مظاهر الشرك؛ وإذا كان الناس يجهرون بدعاء الأموات، أو بدعاء الأنبياء، أو الأولياء، أو الأصنام،

стр. 323

أو الجن، هذه مظاهر الشرك: يستغيثون بهم، ينذرون لهم، يذبحون لهم، هذه مظاهر الشرك، فالواجب الحذر من ذلك. المقصود أن الشرك له مظاهر، تارة عند دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات عند القبور، وتارة بعبادة الأشجار، أو الأحجار، وتارة أصنام مصورة توضع في محلات معينة، يدعونها من دون الله، تارة بدعاء الجن والاستغاثة بالجن، إلى غير ذلك، تارة بدعاء الأموات، وإن كان في بيته أو في السيارة أو في الطائرة يا سيدي فلان يا رسول الله انصرني، أو يا سيدي البدوي انصرني أو يا حسين أو يا حسن انصرني أو اشف مريضي، ويا شيخ عبد القادر الجيلاني أو يا فلان أو يا فلان، كل هذا شرك أكبر، ولو في السيارة، ولو في الطريق، ولو في الطائرة، ولو عند قبر كذلك. نسأل الله العافية.

стр. 324

١٠٥ - توضيح الفرق بين الشرك والكفر س: السائل ح. م. ح. من الرياض يقول: ما الفرق بين الشرك والكفر؟ (١) ج: كل شرك يسمى كفرا، دعوة غير الله والاستغاثة بغير الله، وصرف العبادة لغير الله يسمى شركا، ويسمى كفرا، وقد يسمى كفرا،

стр. 325

وشركا أيضا، كمن جحد وجوب الصلاة، أو قال: الزنى حلال، يسمى كافرا ويسمى مشركا، ولكن الغالب على ما كان جحدا لواجب، وجحدا لمحرم يسمى كفرا، والغالب ما كان دعوة لغير الله، والاستغاثة بغير الله، والنذر لغير الله، يسمى شركا، وإلا فكل شرك يسمى كفرا، وكل كفر أكبر يسمى شركا.

стр. 326

١٠٦ - بيان معنى النفاق س: ما هو النفاق؟ وكيف الخلاص منه؟ (١) ج: النفاق نفاقان: نفاق أكبر ونفاق أصغر، النفاق الأكبر كون الإنسان يتعاطى الدين، ويتظاهر بالدين وهو يكذب، لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا يؤمن بالدين، ولكن يصلي مع الناس، أو يذكر الله مع الناس رياء كفعل المنافقين في عهد النبي ﷺ وإلا لا يؤمن بالدين، ولا يؤمن بالجنة، ولا بالنار، ولا بتوحيد الله، هذا كافر كفرا أكبر، أعظم من الكفار من اليهود والنصارى، قال الله في حقهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (٢) نسأل الله العافية، وهناك نفاق أصغر وهو من صفات المنافقين، قال النبي ﷺ :

стр. 327

«آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان (١)»، هذه من خصال المنافقين، وقال ﷺ : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا (٢)» نفاقا عمليا معنى إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، هذه من أعمالهم التي تجعله نفاقا أصغر، كذلك التكاسل عن الصلاة، وعدم الإكثار من ذكر الله من خصال المنافقين: كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣)، هذه خصالهم، لكن هذا يسمى النفاق الأصغر، ما يخرج من الإسلام، مسلم، لكن ناقص الإيمان، ناقص التوحيد، فهو مسلم لكن يعتبر بهذه الخصال منافقا نفاقا أصغر، نسأل الله العافية، ويخشى عليه من النفاق الأكبر.

стр. 328

صفحة فارغة

стр. 329

باب ما جاء في الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله

стр. 330

باب ما جاء في الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ١٠٧ - بيان أهمية الدعوة إلى توحيد الله تعالى س: نريد من سماحتكم أن توجهوا نداء للناس، تبينوا فيه أهمية الدعوة إلى الله وتبصير الناس بمعنى لا إله إلا الله (١). ج: في كتاب الله العظيم الكفاية العظيمة والدعوة إلى هذا الحق العظيم، فقد دعاهم مولاهم سبحانه في كتابه العظيم في آيات كثيرة إلى أن يعبدوه وحده، وهكذا رسوله ﷺ دعاهم إلى ذلك في مكة والمدينة مدة ثلاث وعشرين سنة، يدعو إلى الله ويبصر الناس بدينهم، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) وقال جل وعلا:

стр. 331

﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (٤)، في آيات كثيرات قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥)، وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٦)» متفق على صحته. وقال ﵊: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار (٧)». وقال ﵊: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار (٨)». فالواجب على جميع أهل الأرض من المكلفين أن يعبدوا الله وحده وأن يقولوا لا إله إلا الله وأن يشهدوا أن محمدا رسول

стр. 332

الله، وأن يخصوا الله بدعائهم وخوفهم ورجائهم واستغاثتهم وصومهم وصلاتهم وسائر عباداتهم، وهكذا طوافهم بالكعبة يطوفون بالكعبة تقربا إلى الله وعبادة له وحده ، وأن يحذروا دعوة غير الله من أصحاب القبور أو الأصنام أو الأنبياء وغير ذلك، فالعبادة حق الله وحده، لا يجوز أن يصرفها لغيره ، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والصلاة عبادة والصوم عبادة والصدقة عبادة والحج عبادة وخوف الله عبادة ورجاؤه عبادة، والنذر عبادة والذبح عبادة، وهكذا يجب أن تكون كلها لله وحده، فلا يذبح المسلم إلا لله ولا يصلي إلا لله، ولا يسجد إلا لله، ولا يخاف خوف السر خوف القلوب إلا من الله ، وهكذا لا يستغيث إلا بالله، ولا يطلب المدد إلا منه ؛ لأنه خالقه وربه ومعبوده الحق ، وقد بعث الله الرسل كلهم بذلك، من أولهم إلى آخرهم من أولهم نوح إلى آخرهم محمد ﵊، كلهم يدعون الناس إلى توحيد الله كما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢)،

стр. 333

وكان يقول ﷺ لأهل مكة: «يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا (١)» هذا هو الواجب على جميع المكلفين من الرجال والنساء، من العجم والعرب، من الجن والإنس، في جميع أرض الله، يجب عليهم أن يعبدوا الله وحده، وأن يقولوا لا إله إلا الله وأن يخصوه بالعبادة وأن لا يعبدوا معه سواه لا صنما ولا نبيا ولا ملكا ولا جنيا ولا شجرا ولا غير ذلك، العبادة حق الله وحده: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٤) لكن خوف الإنسان ما يضره واتخاذ الأسباب هذا غير داخل في العبادة، وخوفه من اللص حتى يغلق الباب ويتخذ الحرس لا حرج في ذلك، كما قال الله عن موسى لما خاف فرعون قال: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (٥) يعني خائفا من شر فرعون، فخوف الأمور الحسية، وخوف الظلمة واتخاذ الأسباب هذا غير داخل في العبادة، فإذا خاف من اللصوص وأغلق بابه أو جعل حارسا على ماله، أو خاف حين سفره من اللصوص أو من قطاع الطريق وحمل السلاح وسلك الطريق الآمنة، كل هذا لا بأس به، وهكذا إذا

стр. 334

خاف الجوع أكل، وخاف الظمأ شرب، وخاف البرد لبس ما يدفئه وما أشبهه، هذه كلها أمور حسية معروفة لا حرج فيها، وهكذا إذا استعان بأخيه في مزرعته، في إصلاح سيارته، في بناء بيته، هذه أمور عادية، غير داخلة في العبادة، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١) يعني موسى، هذه أمور عادية يقدر عليها المخلوق، فالتصرف مع المخلوق الحي الحاضر في أشياء يقدر عليها من تعاون في بناء، في مزرعة، في جهاد، وفي غير ذلك، هذا غير داخل فيما يتعلق بالعبادة، لكن دعاؤه وهو ميت، دعاء الشجر، دعاء الصنم، دعاء الجن، دعاء الملائكة، دعاء الأنبياء؛ يستغيث، هذا هو الشرك الأكبر، أو دعاء الحي في أمور لا يقدر عليها، يعتقد فيه أنه له تصرف في الكون، كما يفعل بعض الصوفية مع مشايخهم يدعونهم مع الله، ويعتقدون أن لهم تصرفا في الكون، وأن لهم سرا يستطيعون معه أن يعلموا الغيب، أو ينفعوا الناس بما لا يقدر عليه إلا الله ، هذه أمور شركية حتى مع الأحياء. نسأل الله السلامة، والله ولي التوفيق.

стр. 335

١٠٨ - الواجب على العلماء أن يرشدوا الناس إلى حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك س: أنا أعيش في مكان يوجد فيه أناس يدعون أنهم من المسلمين، يصلون ويزكون ويصومون ويحجون، ولكنهم يعتقدون في الأموات، ويقولون: إن الولي الميت أو الشيخ واسطة عند الله، ويتبركون به، ويستغيثون بهذا الميت الولي ويزورونه وينذرون له النذر ويشدون إليهم الرحال، وإذا نصحتهم قالوا: هؤلاء أولياء يجب التقرب إليهم، ويكرهون من يمنعهم وينصحهم بأن لا يعبدوا الأموات والأولياء، ماذا نفعل؟ وهل نتركهم على ما هم عليه؟ جزاكم الله خيرا (١). ج: هذه مصيبة عظيمة، واقعة في بلدان كثيرة، والواجب على أهل العلم أن يرشدوا الناس إلى حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، حتى يعلم هؤلاء العوام بطلان ما هم عليه، فكونه يصلي ويحج ويصوم، ويزكي ثم يعبد غير الله، هذا يبطل عمله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).

стр. 336

فدعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم، والذبح لهم، هذا شرك أكبر، ينافي التوحيد الذي هو معنى لا إله إلا الله، وينافي ما دلت عليه الآيات من وجوب إخلاص العبادة لله، كما في قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢). وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٥) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٦) وقوله : ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٧) وقوله ﵎: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٨) وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٩) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١٠) . فجعل دعاءهم للأموات والأصنام والأشجار والأحجار شركا بالله ، فالواجب تنبيه هؤلاء وتحذيرهم وحث العلماء على

стр. 337

تنبيههم وتحذيرهم، حتى يتبصروا ويعلموا أنهم على باطل، وعلى شرك، وأن صلاتهم تحبط بذلك، وهكذا صومهم، وزكاتهم، وحجهم، وأعمالهم الأخرى، حتى يخلصوا العبادة لله وحده، وقد بعث الله نبيه ﷺ إلى الناس ليخلصهم من هذا الشرك، فأقام في مكة عشر سنين يدعوهم إلى توحيد الله وترك دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والأصنام، والأشجار والأحجار ويقول: «يا قوم قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا (١)» قبل أن تفرض الصلاة، ثم فرضت الصلاة في مكة، ومكث بعد ذلك مدة يدعوهم إلى توحيد الله، ثم هاجر إلى المدينة ولم يزل يدعو إلى الله، وإلى توحيده . فالواجب عليك يا أخي أن تحرص على دعوة هؤلاء وإرشادهم بالحكمة والصبر والأسلوب الحسن، لعل الله يهديهم بأسبابك، يقول النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢)» ويقول ﷺ لعلي ﵁ لما بعثه إلى خيبر لدعوة اليهود: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم (٣)»، فدعوة

стр. 338

الأموات، كأن يقول: يا سيدي فلان، اشف مريضي، انصرني أو المدد المدد يا فلان، أو النذر لهم أو ما أشبه ذلك من أنواع العبادة، كله شرك بالله، وهكذا الذبح لهم، ذبح البقر أو الدجاج أو غير ذلك، يقول الرسول ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (١)»، والله يقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). فالذبح لغير الله مثل الصلاة لغير الله، والذي يذبح للأموات يتقرب إليهم مثل الذي يصلي لهم، وهكذا من ينذر لهم القرابين إن شفى الله مريضي للسيد فلان كذا، أو يا سيدي البدوي اشف مريضي، أو المدد المدد، أو يا سيدي الحسين أو يا شيخ عبد القادر، أو يا رسول الله اشف مريضي، أو انصرنا، أو ما أشبه ذلك، كل هذا من الشرك الأكبر، فالواجب الحذر، والواجب على أهل العلم أينما كانوا أن يبلغوا الناس ذلك، وأن ينصحوهم وأن يرشدوهم إلى الحق وإلى الصواب، وأن يصبروا على جهلهم وأذاهم حتى يتعلموا ويستفيدوا، هكذا كان الرسل ﵈ يصبرون وهم أفضل الخلق ﵈، وآذاهم أقوامهم، وربما قتلوهم على ذلك ومع هذا صبروا عليهم الصلاة والسلام، وبلغوا الرسالة وأدوا الأمانة حتى قبضهم الله، عليهم

стр. 339

الصلاة والسلام، وخاتمهم نبينا محمد ﵊، وهو أفضلهم قد صبر على قومه ثلاثا وعشرين سنة، وهو يدعوهم إلى الله حتى هدى الله على يديه من هدى، وحتى أكمل الله به الدين وأتم عليه النعمة، فالواجب التأسي به في ذلك، ﵊، والصبر على الدعوة والتوجيه والإرشاد، رجاء ما عند الله من المثوبة.

стр. 340

١٠٩ - كيف نبدأ الدعوة إلى الإسلام ؟ س: إذا أردنا دعوة إنسان ما إلى الدين الإسلامي كيف نبدأ معه الدعوة؟ وما هي الخطوات الرئيسية حتى يستجيب هذا الإنسان ويدخل في الدين الإسلامي الحنيف؟ جزاكم الله خيرا (١). ج: الخطوة الأولى: تبيين فضل الإسلام، وأن الله بعث محمدا ﷺ بدين الإسلام الذي بعث به الأنبياء الماضين، والرسل كلهم. تبين له أن هذا هو دين الحق، وأن الله بعث محمدا بالحق وأن على العاقل أن يجتهد في أسباب السلامة والحيطة لدينه حتى إذا مات مات على طريقة سليمة، وعلى دين مستقيم، فيفوز بالجنة والنجاة من النار، تشرح له الدين الإسلامي وأنه طريق النجاة وأنه الصراط المستقيم، وأن جميع

стр. 341

الأديان الأخرى يهودية أو نصرانية كلها باطلة، وليس هناك دين حق إلا دين الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) لكن بالأسلوب الحسن، باللطف والكلام الطيب، وترغبه في ذلك، وتحرص على أنه بحمد الله ميسر ليس فيه صعوبة، ولا آصار ولا أغلال، بل هي أعمال صالحة ميسرة بحمد الله، حتى يقبل منك إن شاء الله، ويدخل في الإسلام، أما إن كان مسلما لكن عنده معاص، تبين له شر المعاصي، وأخطارها وأنها من أسباب قسوة القلب، وموت القلب من أسباب غضب الله عليك، ومن الأسباب التي تبقى عليها حتى تموت، وتحذره من البقاء عليها، تحرضه على التوبة، يعني توصيه بالتوبة والمسارعة إليها قبل أن يموت؛ لأن بقاءه على المعاصي من أسباب غضب الله، ومن أسباب سوء الخاتمة، ومن أسباب العذاب يوم القيامة إلا من ﵀. الخطوة الثانية: أن يشرح له الإسلام، إذا كان كافرا يشرح له الإسلام، بأن يقال له: الإسلام هو كذا وكذا، الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، تبين له معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن معناها أن لا يعبد إلا الله وحده، وأن لا يدعو معه صنما ولا نبيا ولا قبرا ولا شجرا ولا حجرا، بل يخلص العبادة لله وحده، صلاته ودعاءه وذبحه ونذره وصومه، إلى غير ذلك، وكذلك أن يشهد أن محمدا رسول الله، يعني يشهد أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب،

стр. 342

الهاشمي القرشي هو رسول الله حقا، بعثه الله إلى الناس عامة وختم به الأنبياء، وأنزل عليه شريعة كاملة من تمسك بها فله الجنة، ومن ضيعها وتركها فله النار، يبين له بقية أركان الإسلام: الصلاة والزكاة والصيام والحج وأركان الإيمان، ويوصيه بأن يبادر إلى هذه الأشياء، ويستقيم على طاعة الله ورسوله، وإذا مات على هذا فله الجنة. الخطوة الثالثة: أن يجتهد بتوصيته في الأعمال الصالحات، والحرص على الحفظ للوقت عن النقص وعن الأشياء التي لا نفع فيها، والحرص على عمارة الوقت بذكر الله، بالأعمال الصالحة، بالتطوع حتى تكون هذه الأعمال الصالحة جبرا، لما قد يقع من النقص في الفرائض، ومن أسباب علو الدرجات، وكثرة الحسنات، تكون أوقاته معمورة بالخيرات، وبالصلوات وبالذكر وقراءة القرآن، وصحبة الأخيار، إلى غير ذلك، والدعوة إلى وجوه الخير.

стр. 343

١١٠ - الضابط الشرعي لتعليم وإرشاد المسلم الجديد س: بعض الناس تستعجل في بعض الأمور في توضيحها لمن يسلم مجددا، فربما ذكروا مثلا أمورا، ربما تكون فرعية كالالتزام بالحجاب الكامل بالنسبة للنساء وكالالتزام بإعفاء اللحية، من أول وهلة وكالختان، وما أشبه ذلك. هل لسماحتكم من كلمة حول هذا الموضوع؟ (١). ج: هذه فروع إن بينها له فلا بأس، وإن أخرها إلى وقت آخر فلا بأس، المهم الأصول حتى يدخل في الإسلام، أما الفروع الأخرى: حلق اللحية أو قصها، وكذلك الحجاب، وكذلك ما يتعلق بالختان وما أشبه ذلك، هذه لو أجلت لئلا ينفر من الإسلام، ويكون التعليم بأصول الإسلام ومبانيه العظام، فإذا دخل بالإسلام بعد ذلك يرغب في بقية أعمال الإسلام.

стр. 344

١١١ - ما يشرع البدء به في دعوة وإرشاد المجتمعات الإسلامية س: نحن نعيش في مجتمع يكثر فيه الدجل والشعوذة والشركيات، كبناء القباب على القبور، وكذلك دعاء

стр. 345

الأموات لتفريج الكروب. هل يشرع أولا في مجتمع كهذا الدعوة إلى التوحيد وتصحيح العقائد من أدران الشرك والاهتمام بتربية الفرد تربية دينية، حتى يصبح عضوا صالحا في المجتمع، أم يشرع المناداة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، كما يفعل الكثير من الجماعات الإسلامية؟ (١). ج: إذا كنت في بلد إسلامي وبين المسلمين، تعلمهم ما جهلوا من الشرك وغيره من المعاصي، أما إذا كنت في بلد كافرة بين النصارى أو بين اليهود، بين الوثنيين الذين لا يعرفون الإسلام، ولا يدعون الإسلام، فإنك تبدأهم بالتوحيد، تدعوهم إلى توحيد الله، فإذا أسلموا ودخلوا في دين الله، تعلمهم الصلاة والزكاة وغير ذلك، كما أمر النبي ﷺ معاذا بذلك، لما بعثه إلى اليمن ﵊، أما إذا كنت بين المسلمين، في مصر، في الشام، في الأردن، في السعودية، في أي مكان، فإنك تنكر عليهم ما وقع منهم من شرك أو غيره، وتعلمهم دينهم، وتعلمهم ما جهلوا، وتبصرهم بالحق الذي جهلوه. سواء كان شركاء أو تهاونا بالصلاة، أو عقوقا للوالدين، أو تعاطيا للربا، أو غير ذلك مما يقع من بعض المسلمين.

стр. 346

١١٢ - الصفات الواجب توافرها في الداعية المسلم س: ما هي الصفات الواجب توفرها في الداعي المسلم، لدعوة ملحد أو يهودي أو نصراني؟ أي هل باستطاعة أي مسلم أن يكون داعيا إلى الله؟ (١). ج: ليس في استطاعة كل مسلم الدعوة إلى الله إلا بعد التعلم، الدعوة إلى الله تحتاج إلى علم، وتحتاج إلى لغة المخاطب أيضا، والله يقول سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٢) يعني على علم، فمن أراد أن يدعو الناس إلى الله، فليتعلم ويتفقه في الدين، وليعتن بالقرآن الكريم وتفسيره، ومعرفة معانيه، وليحضر عند أهل العلم، يحضر حلقات العلم ويسأل أهل العلم عما أشكل عليه، حتى يصلح للدعوة، فإذا وجد من نفسه قوة على ذلك، واستشار من يطمئن إليه من أساتذته ليبين له، حتى يصلح للدعوة وحتى يوجهه إلى ما ينبغي وحتى يشير عليه بما ينبغي أن يستعمل، فإذا وجد من نفسه القدرة، لأن عنده حصيلة من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، في أي موضوع من الموضوعات التي يريد أن يدعو إليها، أو يناقش فيها فليتكلم، وإذا كانت اللغة غير العربية، فلا بد أن يستعين بمن يفهم اللغة من الثقات، حتى يكون واسطة بينه وبينه في توجيه الخير، وإرشاده إلى

стр. 347

الحق باللغة التي يفهمها بواسطة من يعرف اللغة المذكورة، من الثقات المعروفين بالعلم والفضل، وإذا كان الداعي يعرف اللغة هذا نعمة كبيرة، يدعو إلى الله باللغات التي يفهمها ويعرفها المخاطب، وبكل حال فالصفات التي يجب توافرها في الداعي: أن يكون عنده علم وعنده حلم وبصيرة، حتى يدعو إلى الله على بينة ورفق ولين، وبأسلوب يؤثر على المدعو، وأن يكون في نفسه صالحا، حتى لا يحتج عليه المدعو، يقول: أنت تدعونا إلى كذا وأنت فاسد تخالف أقوالك أعمالك، وأعمالك أقوالك، ينبغي له أن يكون حريصا بأن يعمل بما يدعو إليه، وأن يحذر ما ينهى عنه، فالداعي يمثل دعوته بأفعاله وأخلاقه، وسيرته مع الناس، وينبغي أيضا أن يكون عنده حصيلة محفوظة من الأحاديث الصحيحة، ومن آثار السلف الصالح الذين قاموا بالدعوة، حتى يتأسى بهم مع كتاب الله ، والعناية بحفظه وتدبر معانيه، والاستعانة بكلام أئمة التفسير المعروفين بالعلم والفضل والعقيدة الصالحة، كالإمام ابن جرير والبغوي وابن كثير، وغيرهم من أئمة التفسير الذين يستفاد من كلامهم في تفسير كلام الله ، فالحاصل أنه لا بد من بصيرة ولا بد من أخلاق فاضلة، وأن يكون ذا خلق كريم في حلمه، وقوله وعمله وأساليبه، حتى لا يجد المدعو ثغرة يدخل منها عليه، لينتقصه أو ليهجن دعوته، ويقول: إنك لست كما تقول.

стр. 348

١١٣ - الفروق بين دعوة الملحد والكتابي س: سماحة الشيخ، كأن السائلة تفرق بين دعوة الملحد ودعوة اليهودي، ودعوة النصراني، هل فيها فروق معينة؟ (١) ج: نعم لا شك أن اليهودي والنصراني عندهم إيمان بالآخرة، وعندهم إيمان بالرسل وإن كان إيمانهم مدخولا، وإن كان لا ينفعهم لأنهم خلطوا كفرا وإيمانا، لكن دعوتهم أسهل لأنهم يخاطبون بالكتب التي نزلت على الأنبياء، يخاطبون بالإيمان باليوم الآخر، وأن الواجب الإعداد لليوم الآخر، وأن الواجب طاعة الرسل، هم يعرفون أن طاعة الرسل لازمة، وأن محمدا من الرسل ﵊، وتقام الحجج على رسالته ﵊، ويدعون إلى الإيمان به، واتباع شريعته وأنه ليس هناك نجاة إلا باتباع محمد ﵊، فالحجة قائمة على اليهود والنصارى، لما عندهم من العلم السابق، من عهد الأنبياء، وإنما حملهم على الترك الهوى والحسد والبغي، ولا سيما اليهود فإنهم أمة الحسد، وأمة البغي وأمة الغضب، وأمة العناد، وهكذا أئمة النصارى الذين عرفوا الحق، ولكن آثروا الدنيا على الآخرة، فصاروا مشابهين لليهود في عنادهم، وفي جحدهم الحق، وهم يعلمون. نسأل الله العافية، لكن الغالب على النصارى الضلال والجهل، وهم يحتاجون إلى التعليم والتوجيه، بالأدلة الشرعية

стр. 349

حتى يدخلوا في الحق، وعندهم أصل الإيمان بالآخرة، وأصل الإيمان بوجود الله، وإن كان إيمانا فاسدا مشوشا لا ينفعهم في الآخرة؛ لأن اليهود اعتقدوا عزيرا ابن الله، والنصارى اعتقدوا المسيح ابن الله، ثالث ثلاثة، وعندهم أيضا غلو في أحبارهم ورهبانهم، كلهم عندهم غلو في أحبارهم ورهبانهم، وعندهم أنواع من التحريف والشر، لكنهم أسهل في الدعوة، من دعوة الملحد الشيوعي، أما الملحد فيحتاج لإقامة الأدلة على وجود الله، وعلى صحة ما جاء به الرسل من العقل الذي يفهمه هو، فدعوتهم تحتاج إلى مزيد من البصيرة والحكمة والتجارب، وبيان ما فطر الله عليه العباد حتى يخاطبه بمقتضى الفطرة والعقل. والله المستعان.

стр. 350

١١٤ - الواجب على جميع أهل الأرض الدخول في الإسلام والالتزام به س: إذا أردنا دعوة إنسان إلى الدين الإسلامي، كيف نبدأ هذه الدعوة؟ وجهونا حول هذا الموضوع جزاكم الله خير (١) ج: البداءة: تبدأ بترغيبه في الإسلام. والبيان له أن الإسلام هو دين الله الذي بعث به الرسل؟ وأنزل به الكتب، وبعث به آخر الأنبياء،

стр. 351

وخاتمهم محمدا ﵊، وأنه واجب على جميع أهل الأرض الدخول في الإسلام والالتزام به، هذا الواجب على جميع أهل الأرض، من اليهود والنصارى، والشيوعيين وغيرهم. جميع أهل الأرض رجالا ونساء، يجب عليهم الدخول في الإسلام واعتناقه، والتمسك به والثبات عليه، لأن الله خلق الخلق ليعبدوه، وهذه العبادة التي خلقوا لها هي الإسلام الذي بعث الله به الرسل، وبعث به محمدا ﵊، وجعل شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ناسخة لشريعة التوراة، والإنجيل، وجميع ما في الأرض من تعبدات، شريعة محمد ﷺ ناسخة لذلك، يجب الأخذ بها، والتمسك بها على جميع أهل الأرض، فتبين له أن الإسلام هو دين الله، وأنه هو الذي بعث الله به محمدا ﷺ ، وهو دين الأنبياء قبله جميعا وأصله وأساسه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فتعلمه الشهادتين أولا وتعلمه معناهما، ثم الصلاة والزكاة والصيام والحج وأركان الإيمان الستة، وتفهمه معناها، وتعلمه أن عليه البراءة من جميع الأديان المخالفة للإسلام، من دين النصارى وغيرهم، عليه أن يتبرأ من كل دين يخالف الإسلام، وأن يؤمن بأن عيسى هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، إذا كان نصرانيا، تعلمه أن عيسى هو عبد الله ورسوله، خلقه الله من أنثى بلا ذكر، قال الله له كن فكان، فالواجب الإيمان بأنه عبد الله ورسوله، وليس هو الله، وليس هو ابن الله، وليس هو ثالث ثلاثة، بل هو عبد الله ورسوله، خلقه الله من

стр. 352

أنثى، وهي مريم البتول الصديقة ﵂، وليس له أب، قال الله له: كن فكان، فعلى العبد أن يؤمن بهذا، ويصدق بهذا، ويتبرأ من طريقة اليهود والنصارى في ذلك.

стр. 353

١١٥ - الإسلام يدعو للعقيدة الصحيحة س: إذا كان الإسلام قد أقر حرية العقيدة، فلماذا يحارب الوثنية والارتداد والإلحاد؟ (١). ج: الإسلام لا يقر حرية العقيدة، وإنما الإسلام يأمر بالعقيدة الصالحة، ويلزم بها ويفرضها على الناس، ولا يجعل الإنسان حرا يختار ما شاء من الأديان، لا، القول بأن الإسلام يجيز حرية العقيدة، هذا غلط، الإسلام يوجب توحيد الله، والإخلاص له سبحانه، والالتزام بدينه والدخول في الإسلام، والبعد عما حرم الله، وأعظم الواجبات وأهمها: توحيد الله، والإخلاص له، وأعظم المعاصي وأعظم الذنوب: الشرك بالله ، وفعل ما يكفر العبد من سائر أنواع الإلحاد، والله سبحانه يقول: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢)، ويقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٣)

стр. 354

ويقول سبحانه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) ويقول : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ويقول سبحانه ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣). ويقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (٤)» متفق على صحته. وبين الرب ، وبين الرسول ﷺ وجوب العقيدة، ووجوب الالتزام بشرع الله، وأن لا حرية للإنسان في هذا، فليس له أن يختار دينا آخر، وليس له أن يعتنق ما حرم الله، وليس له أن يدع ما أوجب الله عليه، بل يلزمه ويفترض عليه أن يستقيم على دين الله وهو الإسلام، وأن يوحد الله بالعبادة، وأن لا يعبد معه سواه ، وأن يؤمن برسوله محمد ﵊، وأن يستقيم

стр. 355

على شريعته، ويوالي على هذا ويعادي على هذا، وأن يقيم الصلاة كما أمر الله، ويؤدي الزكاة كما أمر الله، وأن يصوم كما أمر الله، ويحج كما أمر الله، وهكذا يلتزم، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال: «يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " قلت: ثم أي؟ قال: " أن تزني بحليلة جارك (١)». فأنزل الله بهذا قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٢) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٣) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٤) الآية. فدل ذلك على أن توحيد الله، والإخلاص له وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتحريم القتل وتحريم الزنى؛ أمر مفترض لا بد منه، وليس لأحد أن يشرك بالله، ليس له أن يزني، وليس له أن يسرق، وليس له أن يقتل نفسا بغير حق، وليس له أن يشرب الخمر، وليس له أن يدع الصلاة، وليس له أن يدع الزكاة وعنده مال، وليس له أن يدع الصيام وهو قادر، صيام رمضان إلا في السفر والمرض، وليس له أن يترك الحج وهو قادر، بل يحج مرة في العمر، إلى غير ذلك، فلا حرية
следующие страницы →