إماما أو غير إمام، لا يجوز النذر إلا أن يكون لله، والذبيحة تكون لله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤)، وثبت عن النبي ﵊ أنه قال: «لعن الله من ذبح لغير الله (٥)» خرجه مسلم في الصحيح، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (٦) يعني يجازيكم عليه، وقال النبي ﵊: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٧)»، فالنذور عبادات فيها تعظيم الله، وفيها تعظيم المخلوق إذا نذر له، كما أن الذبح عبادة يعظم بها الرب، ويعظم بها المخلوق، فلا تليق إلا لله ، فليس له أن يذبح للجن ولا للأنبياء يتقرب إليهم بذلك، يريد شفاعتهم أو شفاء مريضه أو رد غائبه أو قضاء دينه أو ما أشبه ذلك، لا للأنبياء ولا للملائكة ولا للجن ولا للأولياء ولا لغيرهم، بل يكون الذبح لله وحده يتقرب به إلى الله ، وهكذا النذر كما يقول بعض الجهلة: إن شفى الله مريضي، فللشيخ كذا وكذا، وللولي الفلاني كذا وكذا، ويقول: إن شفى الله مريضي فلك يا شيخ فلان كذا وكذا يتقرب إليه لأنه واسطة بزعمه في
стр. 527
الشفاء، هذا من الشرك الأكبر، لا يجوز بل يجب على من فعل هذا أن يتوب إلى الله، وأن يقلع عن هذا العمل السيئ، وأن يندم على ما مضى منه، ومن تاب تاب الله عليه ، وهذا غير الذبيحة التي يذبحها الإنسان كرامة للضيف أو لأهله ليأكلوا، هذا لا بأس به إذا ذبح ذبيحة للضيف الذي نزل به لإكرامه فإكرام الضيف حق، كالذي ذبح ذبيحة ليأكلها هو وأولاده أو يجعلها موزعة على أيام، كل هذا لا بأس به، وهذا غير الضحية التي تذبح أيام النحر، هذه ذبيحة لله، الضحية يتقرب بها الذابح إلى الله فإن ذبحها عنه أو عن أبيه أو أمه فلا يقال: إنه ذبحها لغير الله، هذه ذبحها لله يتقرب بها إلى الله يريد ثوابها له أو لأهل بيته، أو له ولأهل بيته، هذا لا حرج فيه، وإنما المنكر أن يتقرب بالذبيحة لغير الله، يذبحها للنبي أو الولي أو للجن أو للملائكة يقصد أنه بهذه الذبيحة يتوسط بهم في قضاء حاجاته في شفاعتهم به إلى الله ليشفي مريضه، ليرد غائبه ليشفيه هو من مرضه، يرى أن هذه العبادة تكون سببا لوساطتهم وتقريبهم له إلى الله .
س: يسأل المستمع من السودان ويقول: هل يجوز لي أن أمنع الهبة كالنخيل التي وهبها جدي تقربا للسيد أو الولي، وإرشادي إلى بعض الكتب التي تنهى عن البدع؟ (١)
стр. 528
ج: إذا كان جدك أو أبوك وقف نخلات أو بيتا على الضريح الفلاني يبنى منه عليه، أو ينفق منه على تطييب المحل، أو البناء عليه، أو تجصيصه، أو ما أشبه ذلك، فالوقف باطل ويكون للورثة، ولا يلتفت إلى الهبة، لقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، ويقول ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)»، فلا بد أن تكون الأوقاف على الوجه الشرعي، فالوقف الذي لا يوافق الشرع يكون باطلا.
وعن طلب إرشادك إلى الكتب التي تنهى عن البدع وهل هناك بدع حسنة، فنرشدك إلى كتاب فتح المجيد، وشرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفتح المجيد لحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والبدع والنهي عنها للشيخ ابن وضاح ﵀، والاعتصام للشاطبي ﵀، كل هذه فيها التحذير عن البدع، ويكفي قول النبي ﷺ : «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٣)»، كل بدعة ضلالة، فما أحدث
стр. 529
الناس في الدين من عبادة لم يشرعها الله اجتنبها واحذرها، ولكن تستعين بالكتب التي ذكرنا وغيرها من الكتب المعروفة في بيان السنة وبيان البدعة، وإذا أشكل عليك شيء تسأل أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
стр. 530
١٨ - حكم الأموال التي تنذر للأولياء
س: ما حكم الشرع في الأموال التي تنذر للأولياء، وتوضع في صناديق، هل لأحد حق فيها لانتسابه إلى هذا الولي؟ (١)
ج: النذر من العبادات التي يجب إخلاصها لله، وحده، لأنها التزام المكلف ما ليس لازما له، من جهة الشرع، هي تعظيم للمنذور له وتقربا إليه، وهذا لا يصلح إلا لله وحده، فليس لأحد أن يلتزم صلاة ولا صوما، ولا صدقة ولا غير ذلك، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، ولا لنجم ولا لشجر ولا لحجر، ولا لجني ولا لغير ذلك، فهذه النذور التي يقدمها بعض الجهال، إلى الأولياء من أصحاب القبور، تعتبر شركا أكبر، كالذبح لغير الله، والاستغاثة بالأموات، كل ذلك من قسم الشرك الأكبر قال الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) وقال :
стр. 531
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (٢). المعني فيجازيكم عليه ، فالنذور عبادات وقرب، يجب أن تكون لله وحده، ومع ذلك فالرسول نهى عن النذر، قال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل (٣)»؛ فلا ينبغي للمؤمن النذر، ولكن متى نذر فليكن لله وحده، لا لغيره ، فإذا قال: لله علي أن أصلي كذا، أو أصوم كذا، أو يتصدق بكذا، لزمه الوفاء لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٤)» خرجه البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فإذا قال: لله علي أن أصلي الضحى ركعتين وجب عليه الوفاء، أو لله علي أن أتصدق بكذا وكذا درهما، أو بكذا وكذا صاعا من بر أو شعير أو أرز أو غير ذلك وجب عليه الوفاء، أو قال: لله علي أن أحج وجب عليه الحج، أو لله علي أن أعتمر وجب عليه العمرة، وهكذا لقوله ﵊: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». أما أن ينذر للأولياء، لأصحاب القبور للجن، للكواكب، للرسل عليهم الصلاة والسلام، أو لغيرهم من المخلوقين فهذا شرك بالله، كما لو ذبح لغير الله، أو استغاث بغير الله، من الأموات أو من الجن أو من الكواكب أو ما أشبه ذلك، كله شرك بالله بإجماع أهل
стр. 532
العلم، وإنما وقع هذا من المتأخرين الذين جهلوا توحيد الله، وجهلوا أحكام شريعته ووقعوا في الشرك، وقد يقع في هذا بعض من ينتسب إلى العلم، لعدم بصيرته في العقيدة الصحيحة التي درج عليها سلف الأمة، وهذه النذور التي تكون من الأموال، وتجمع في الصناديق حول القبور، هذه حكمها حكم الأموال التي لا رب لها، تؤخذ لبيت مال المسلمين، أو يأخذها ولي الأمر يصرفها في مصالح المسلمين، كمساعدة الفقراء والمساكين أو إصلاح الطرق، أو دورات المياه أو ما أشبهها من المصالح العامة، ولا ترد على أهلها، وليس لأحد أن يأخذها من الناس، بل هذه ترجع لولي الأمر، إذا كان ولي الأمر صالحا، ينفذ شرع الله، وإلا فلأصحاب البصيرة من أهل العلم أن يأخذوها، ويوزعوها في وجوه البر والخير، على الفقراء والمحاويج ونحو ذلك، يبصرون الناس ويحذرونهم منها، وأنها منكر، وأنها من الشرك حتى لا يعودوا إليها، وتزال هذه الصناديق وترفع من المساجد وغيرها، لأنها منكر ولأنها دعوة للشرك بالله، فالواجب إزالتها والتحذير منها، وتوعية الناس وتبصيرهم، بأن هذا من الشرك الأكبر، وما وجد فيها حين إزالتها، من نقود وغيرها تصرف في أعمال الخير كما تقدم، مع إزالتها من المساجد، ومع تنبيه العامة وتحذيرهم من مثل هذا، وأنه لا يجوز التقرب إلى غير الله، لا بالصلاة ولا بالنذور ولا بالصدقات ولا غير هذا، لا لأصحاب القبور، ولا للأصنام، ولا للكواكب ولا للجن ولا لغير هذا، العبادة لله وحده
стр. 533
سبحانه وتعالى، كما قال : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) والعبادة كل ما أمر الله به ورسوله، قال بعض أهل العلم: معناها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وتكون قولية وتكون عملية، وتكون بالقلب، وتكون باللسان، وتكون بالجوارح، خوفا لله وتعظيمه ومحبته، هذه عبادات قلبية وهكذا رجاؤه سبحانه، ونحو ذلك من سائر العبادات القلبية، وهناك عبادات عملية: كالصلاة والزكاة والصدقات والذبح، والنذر هذه عبادات عملية وتكون قولية، كالنذر من جهة القول، فالنذر عبادة قولية، وما يحصل به من صدقات ونحو ذلك، عبادات مالية، فالحاصل: أن جميع العبادات قولية أو عملية أو قلبية أو لسانية يجب أن تكون لله وحده ، ولا يجوز لأي أحد أن يصرفها لأي مخلوق، من ولي أو رسول أو ملك، أو جني أو صنم أو غير ذلك، نسأل الله للجميع الهداية والسلامة.
стр. 534
١٩ - بيان حكم النذر
س: هل النذر الذي يعود أجره للأئمة حلال، أم حرام وصفته أن يقول صاحب النذر لتأديته له، يقول: النذر لله وثوابه للإمام الفلاني مثلا؟ (١)
ج: هذا السؤال فيه إجمال، والنذور قسمان: قسم شرعي وقربة إلى الله ، وإن كان أصله ينهى عنه لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٢)»، لكن جنس النذر ينبغي أن يدعه المؤمن، لقوله ﵊ لما سئل عن النذور قال: «لا تنذروا فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل (٣)» متفق على صحته. وفي اللفظ الآخر من حديث ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل (٤)» هذا يدل على أن جنس النذر لا ينبغي، لأن فيه إلزاما، وقد يشق على المسلم أداؤه، فينبغي له أن يدع النذر، لكن متى نذر نذر طاعة وجب عليه
стр. 535
الوفاء؛ لأن الله سبحانه مدح الموفين بالنذر، فقال : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢). وقال ﵊: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٣)». فإذا قال: لله علي أن أصوم ثلاثة أيام، أو يصوم شهر شعبان، أو يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس من كل أسبوع، أو ما أشبه ذلك هذا كله نذر طاعة، يجب عليه الوفاء، أو قال: لله عليه أن يصلي الضحى، أو هذه الليلة ركعتين، أو أربع ركعات، أو ما أشبه ذلك، هذا نذر طاعة، أو قال: لله علي أن أتصدق بكذا وكذا، على الفقراء والمساكين هذا نذر طاعة، وإذا كان نوى بذلك أن هذا النذر صدقة، عن أبيه أو أمه أو نفسه، فهو على ما نوى من نيته، أو نواه عن الإمام مالك، أو عن فلان أو فلان من أهل العلم هو على نيته، لكن هنا أمر آخر ينبغي التنبه له، وهو أنه قد يقصد بالنذر غير الله، والتقرب إلى غير الله، كما يفعله بعض عباد القبور، أو عباد الأموات، فيقول: إن شفى الله مريضي، فللشيخ البدوي كذا من الطعام، وللشيخ عبد القادر الجيلاني كذا وكذا من النقود أو من الشمع، هذا شرك بالله، لأن هذا نذر لمخلوق، والنذور عبادة،
стр. 536
والعبادة لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)؛ وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣). فالنذر للمشايخ وأصحاب القبور، أو للجن أو للكواكب، والتقرب إليهم هذا من عبادة غير الله، هذا لا يجوز بل نص العلماء أنه من الشرك بالله ، لأنه تقرب بهذه العبادة لغير الله، من الأموات أو من الجن، أو من المشايخ الأموات أو غيرهم، ممن يتقرب إليهم بالنذور، هذا لا يجوز، أما إذا تقرب به لله، قال: لله علي كذا وكذا، صدقة بكذا دراهم، بكذا من الطعام، ينويها عن نفسه أو عن أبيه أو عن أمه، أو عن بعض أحبائه، صدقة لله يتقرب بها إلى الله وحده هذا لا بأس به، ولكن تركه أولى لأن الرسول ﷺ نهى عن النذر فينبغي تركه، ويكره النذر مع كونه لله يكره، أما إذا أراد به النذر لغير الله يعتقد أن هذا الشيخ يشفي مريضه، يرد الغائب بما أعطاه الله من الولاية، أو من الكرامة فلهذا ينذر له، ينذر للبدوي بالطعام، ينذر له عجل، ينذر له شاة، أو للشيخ عبد القادر الجيلاني أو للدسوقي، أو لفلان أو لفلان، ممن يغلو فيهم الصوفية، وغيرهم هذا كله من الشرك بالله ، أو ينذر للجن أو يسألهم، أو يستغيث بهم أو يستعين بهم أو يستغيث بالأموات، يقول: يا سيدي
стр. 537
فلان انصرني، أو اشف مريضي، أو رد غائبي أو أنا في حسبك، أو أنا في جوارك، كما يفعله عباد الأموات، أو عباد القبور، هذا لا يجوز هذا من الشرك بالله ، ومن النذور البطالة أيضا التي تحرم، كأن ينذر أن يشرب الخمر، أو يزني أو يتعامل بالربا، هذه نذور معصية والنبي ﵇ قال: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (١)». واختلف العلماء هل فيه كفارة أم لا على قولين، والأرجح أن نذر المعصية فيه كفارة، إنه لا يعصي ولكن فيه كفارة يمين، لأنه جاء في بعض الروايات أنه لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين، فينبغي لمن فعل ذلك أن يتوب إلى الله، وعليه كفارة يمين، إذا قال: لله عليه أن يشرب الخمر، أو يزني أو يسرق أو يضرب فلانا بغير حق، هذا نذر باطل منكر ومعصية، ولا يجوز له فعله، وعليه كفارة يمين على الصحيح.
стр. 538
٢٠ - حكم التبرع للمساجد التي حولها قبور
س: يوجد عندنا مسجد بجانبه قبران خارج المسجد، أحدهما يوجد داخل حجرة مبنية له، بحجة أنه ولي صالح، ويوجد بداخل الحجرة صندوق مخصص للتبرعات، يضع فيه الزوار النقود وتنفق هذه النقود فيما ينقص المسجد، السؤال ما الحكم في إنفاق هذه النقود، وما الحكم بالنسبة للصلاة فيه، وبماذا تنصحوننا أفتونا أثابكم الله؟ (١)
ج: إذا كان القبر خارج المسجد، فلا حرج من الصلاة في المسجد، لأنه مستقل حينئذ والرسول ﷺ نهى عن اتخاذ المساجد على القبور، قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)». فإذا كان القبر خارج ذلك المسجد، في حجرة خارج المسجد فلا حرج، لكن هذا القبر يجب أن يبعد إلى مقابر المسلمين، حتى لا يغلى فيه وحتى لا يعبد من دون الله، وهذا الصندوق يجب أن يزال، لأن الجهلة يسلمون الأموال تقربا إلى صاحب القبر، لأنه بزعمهم ولي، فكونهم يتقربون إليه بالنذور والصدقات، هذا شرك أكبر
стр. 539
لا يجوز، فالواجب على المسؤولين في البلد أن يتصلوا بالعلماء، وأن يزيلوا هذا القبر، ويزيلوا رفاته إلى مقابر المسلمين، مع المقابر وتزال هذه الحجرة التي قد يفتن بها الناس، ويزال الصندوق وهذه الأموال التي في الصندوق تصرف في مصالح المسلمين، في مصالح المسجد أو مصالح المدارس، أو يعطاها الفقراء ونحو ذلك، لأنها أموال ضائعة ليس لها مالك في الحقيقة، فتصرف في المصالح العامة، ويزال هذا الصندوق ويخبر الناس بأنه لا يجوز التقرب لأهل القبور، لا بالذبائح ولا بالنذور، ولا يصلى عند القبور ولا يصلى لهم، ولا يدعون من دون الله، ولا يستغاث بهم، ولا ينذر لهم، لأن هذا لا يجوز، النذر لهم شرك بالله، ودعاؤهم من دون الله، كأن يقول يا سيدي أنا بجوارك، يا سيدي المدد المدد هذا شرك أكبر من جنس عمل المشركين في عهد النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم، الميت يدعى له ويستغفر له، ويترحم عليه، ولا يدعى من دون الله، ولا يستغاث به، ولا ينذر له ولا يذبح له، فمن فعل هذا مع الأموات فقد أشرك، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤)، وقال ﵊ في الحديث الصحيح، عن علي ﵁ أمير المؤمنين - أنه قال:
стр. 540
«لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا - يعني مبتدعا أو غيره ممن يحدثون حدثا في الدين، وينصرون ويجارون - لعن الله من غير منار الأرض (١)». يعني مراسيمها وحدودها. والشاهد قوله: «لعن الله من ذبح لغير الله (٢)». فالذبح لغير الله تقرب لغير الله، كالصلاة لغير الله، فلا يجوز أن يذبح لفلان أو فلان، تقربا إلى الميت الفلاني، والنبي الفلاني أو للجن أو للملائكة، يتقربون إليهم أو للأنبياء يعبدونهم، بهذا من دون الله هذا لا يجوز، الذبيحة لله وحده والدعاء كذلك لا يدعى مع الله أحد.
стр. 541
٢١ - حكم الأموال التي يتبرع بها للقبور
س: سؤال يقول سماحة الشيخ: ما حكم الشرع في الأموال التي تنذر للأولياء، وتوضع في صناديق أضرحتهم، وهل لأحد فيها حق لانتسابه إلى هذا الولي؟ (١)
ج: هذه الأموال التي تنذر للموتى، ويتقرب بها إليهم، هذه نذور شركية باطلة، وعلى من فعلها أن يتوب إلى الله، وأن ينيب إليه وأن يستغفره سبحانه، لأن النذر عبادة كالصلاة والذبح، كلها عبادات، فالذي ينذر لأصحاب القبور، أو للأصنام أو للجن كالذي يدعوهم
стр. 542
ويستغيث بهم، وكالذي يذبح لهم كله شرك بالله ، فالواجب الحذر من ذلك، وهذه الأموال التي توضع في الصناديق من النذور، يجب أن يأخذها ولي الأمر وأن تصرف في وجوه البر والخير، كالصدقة على الفقراء أو في مشاريع خيرية، وأن تمنع منعا باتا إذا عثر عليها ولي الأمر المسلم، يزيلها ويمنع الناس من هذا الأمر، ويعلمهم أن هذا لا يجوز، وما كان موجودا فيها يوزع بوجوه الخير كما تقدم، ولا يجوز أن يقر هذا الصندوق، بل يجب أن يمنع وتمنع السدنة الذين يدعون إلى ذلك، ويعاقبوا بما يردعهم وأمثالهم، وينادي في الناس في المساجد والخطب والصحف المحلية أن هذا شرك وأنه لا يجوز حتى يرتدع الناس، وحتى يعلم الناس بذلك، والواجب على العلماء أن يفعلوا ذلك، الواجب على أهل العلم في كل مكان أن يرفعوا هذا اللبس عن الناس بالكلام الطيب في الإذاعة وفي الصحافة وفي التلفاز، حتى يكون الناس على بينة وعلى بصيرة، والله يقول جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٢)، ويقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣)؛ فالدعوة إلى الله من أهم الأمور وهي فرض على المسلمين فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقي، فإن
стр. 543
تركها العلماء والدعاة أثموا جميعا، فالواجب على أهل كل بلد وكل قرية من أهل العلم أن ينشروا العلم وأن يبينوا للناس ما أوجب الله عليهم من الدعوة ومن الإخلاص لله، وتوحيد العبادة وعدم صرفها لغير الله كائنا من كان، وتحريم الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، وهكذا بقية الأوامر والنواهي، يوضحوا للناس وجوب الصلاة وأدائها في الجماعة، وجوب الزكاة ووجوب صوم رمضان، وحج البيت مع الاستطاعة، بر الوالدين صلة الرحم، صدق الحديث، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى غير هذا مما أوجب الله، كما أنه يجب عليهم أن يبينوا للناس ما حرم الله عليهم من الشرك وترك الصلاة، أو التساهل بها أو العقوق للوالدين أو أحدهما، أو قطيعة الرحم أو أكل الربا أو الغيبة والنميمة، أو قتل النفوس بغير الحق أو شهادة الزور، أو غير هذا مما حرم الله، هذا واجب العلماء والله سائلهم ، عما كتموا وعما لديهم من العلم، وهذا أوان نشر العلم، هذا وقت الغربة الآن، وقبل هذا العام بأزمان كثيرة، فالغربة للإسلام عظيمة ومنتشرة والعلماء قليل، العلماء بالله ودينه، أهل البصائر قليلون، الواجب عليهم مع قلتهم أن ينشروا العلم، وأن يتقوا الله في جميع الدول، في الدول الإسلامية وفي الأقليات الإسلامية، وفي كل مكان يجب عليهم أن ينشروا العلم، وأن يعلموا الناس من طريق وسائل الإعلام، فقد يسر الله للناس اليوم وسائل الإعلام، طريق الإذاعة والصحافة والتلفاز، والخطابة ومن سائر الأمور الممكنة،
стр. 544
كالنصيحة في المجتمعات والمحافل ونحو هذا، مما يتيسر لطالب العلم إذا اجتمع بإخوانه أو في حفلة وليمة، أو حفلة عرس أو غير هذا من أنواع الاجتماعات، المؤمن يستغل الفرص، العالم يستغل الفرص حتى ينشر العلم، وحتى يوضح للناس ما أوجب الله عليهم، وحتى يشرح للناس ما حرم الله عليهم، وبذلك تبرأ ذمته، وينتشر العلم وتقوم الحجة، ويحصل له من الأجور مثل أجور من هداه الله على يديه، وهذا من فضل الله ، يقول ﵊ في الحديث الصحيح: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (١)».
ويقول ﵊: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا (٢)». والعكس بالعكس لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول ﷺ : «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٣)». ويقول ﷺ لعلي ﵁ أمير المؤمنين - لما بعثه إلى خيبر لدعوة اليهود، وقتالهم إن أبوا، قال له ﵊: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤)». هكذا يقول المصطفى ﵊ لابن عمه
стр. 545
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والخليفة الراشد رابع الخلفاء، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ﵁، يقول له النبي ﷺ : «فوالله " - يحلف وهو الصادق وإن لم يطلب منه الحلف، لكن للتأكيد - لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (١)»، فلا يليق بطالب العلم ولا بالعالم، بل يجب أن يشمر أينما كان، وأن يتقي الله وأن يراقبه، وأن ينشر العلم يريد ما عند الله من المثوبة، يريد أن يهدي الناس وأن يرشدهم، وأن ينقذهم مما هم فيه من الباطل، وأن يخرجهم من الظلمات إلى النور، تأسيا برسول الله ﷺ وعملا بأمره، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
стр. 546
٢٢ - حكم النذر لأصحاب القبور ودعائهم من دون الله
س: ما حكم النذر على القبور والدعاء لأصحاب القبور، مثلا يدعو صاحب القبر، يا شيخ فلان ويا شيخ فلان، وما حكم هؤلاء الناس الذين يدعون أصحاب القبور؟ (١)
ج: هذا فيه تفصيل، أما النذر للأموات والاستغاثة بهم ودعاؤهم، فهذا من الشرك الأكبر ومن العبادة لغير الله، فإذا قال: لله علي كذا وكذا من المال للبدوي أو للرسول ﷺ ، أو للصديق أو للشيخ عبد القادر،
стр. 547
أو عليه ذبيحة أو ذبيحتان للشيخ عبد القادر، أو للسيد الحسين أو للبدوي أو للرسول ﷺ ، هذا من الشرك الأكبر، لأن النذر عبادة، لا ينذر إلا لله وحده ، أو قال: يا رسول الله أغثني أو اشف مريضي، أو يا سيد الحسين أو يا علي أو يا فاطمة، أو يا سيدي البدوي أو يا فلان أو يا فلان، كل هذا من الشرك الأكبر، لأنه دعوة لغير الله، والله يقول سبحانه في كتابه العظيم: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)، فقول سبحانه أحدا نكرة في سياق النهي، تعم الأنبياء وتعم الصالحين، وتعم الملائكة وتعم الأصنام عامة، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). يعني المشركين وجميع المخلوقات لا ينفعون ولا يضرون إلا بالله، هو الذي ينفع ويضر ، ويقول : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) فسمى من دعا غير الله كافرا، فدل ذلك على أنه من الشرك الأكبر، وقال : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٤)؛ القطمير: اللفافة التي على النواة، على عجمة التمر: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٥) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٦)
стр. 548
فسماه شركا، سمى دعاءهم إياهم شركا، ونفى أنهم يسمعون، لأنهم ما بين ميت لا يستطيع السمع، وما بين ملك مشغول بما هو فيه، أو جني مشغول أو لا يعرف شيئا من ذلك، ولا يدري عن شيء من ذلك، أو ميت أو صنم أو شجرة، كلها لا تجيب داعيها، كل هؤلاء لا يجيبون داعيهم، لا يسمعون ولا يستجيبون، وهم مع هذا لو قدر أنهم سمعوا، كالملك أو غيره، لا يستطيعون أن يجيبوا، لأن أمرهم بيد الله ، هو مالكهم ومالك غيرهم ، فإذا كانوا أمواتا فلن يستطيعوا، وإذا كانوا جمادا لا يستطيعون وإذا كانوا ملائكة أو جنا فهم لم يشرع لنا أن ندعوهم من دون الله، وهم لا يتصرفون إذا كانوا ملائكة إلا بإذن الله، والله لا يأذن لهم أن يعبدوا من دون الله، ولا يرضوا بذلك وهكذا الجن المؤمنون، لا يرضون بذلك، والكافرون لا يجوز أن يعبدوا، فلا يعبد هؤلاء ولا هؤلاء، فالمؤمنون من الجن والإنس، لا يرضون بذلك ولو رضوا لكفروا بذلك، والجن لا يرضون بذلك، إذا كانوا مؤمنين، وأما كفار الإنس وكفار الجن، فليسوا أهلا لأن يعبدوا من دون الله، ولو عبدوا من دون الله، لكان عابدهم كافرا من باب أولى، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (١). هؤلاء المعبودون كلهم يكفرون بشرك العابدين، من جن وإنس وملائكة، كلهم يكفرون بعبادة عابديهم، فعلم بذلك أن عبادة غير الله
стр. 549
من جن أو إنس، أو ملائكة أو صنم أو شجر أو غير ذلك، كله كفر بالله، كله شرك بالله ، ولهذا يقول سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (١) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٢). قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٣). نسأل الله العافية، فالخلاصة أنه لا يجوز دعاء غير الله، ولا النذر لغير الله، ولا الاستغاثة بغير الله، ولا سؤالهم شفاءهم المرضى، ولا رد الغياب ولا الرزق ولا غير هذا، مما يحتاجه الناس سوءا كانوا أنبياء أو ملائكة، أو شجرا أو صنما أو جنا أو غير ذلك، يجب أن تكون العبادة لله وحده ، أما كونه يدعو للميت، ويستغفر له فلا بأس، إذا كان الميت مسلما قال: اللهم اغفر لفلان، اللهم اغفر للحسين، اللهم ارض عن الحسين، اللهم اغفر لأبي بكر، اللهم ارض عن أبي بكر أو دعا لغيرهم، من الصالحين من المسلمين هذا مأجور عليه، دعاء المسلم لأخيه فيه أجر عظيم، وخير كثير قال الله تعالى عن الصالحين إنهم قالوا: ﴿اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٤)؛ فالدعاء للميت المسلم والاستغفار له، هذا طيب لكن المنكر أن يدعوه من دون الله، أن يستغيث به أن ينذر له أن
стр. 550
يسأله الشفاعة ويسأله شفاء المريض، هذا هو المنكر هذا هو الشرك، أما إذا دعا له قال: اللهم اغفر له، الله ارحمه، اللهم ارفع درجته في الجنة، اللهم اغفر سيئاته، هذا لا بأس به وهذا طيب مأمور به.
стр. 551
٢٣ - حكم النذر بالذبح عند القبر
س: يقول هذا السائل: مرضت وأنا صغير، فنذرت أمي إن شفيت وكبرت أن تذبح ماعزا عند قبر الولي، ويجتمع عليها الناس، وعندما كبرت أحضرت ماعزا لتفي بنذرها، فأخذت الماعز وبعتها في السوق، وقلت لها إن هذا شرك بالله، هل ما قمت به صحيح أم لا؟ أرجو الإفادة، جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: قد أحسنت، هذا هو الصواب، ليس لها أن تذبح عند قبر الولي لا عن نذر ولا عن غير نذر، إذا كان الذبح للولي كان شركا أكبر، إذا كان القصد التقرب للولي، لفلان أو فلان، عند قبر البدوي، أو فلان أو الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو ابن عربي، أو فلان أو فلان، كل هؤلاء لا يجوز التقرب إليهم بالذبائح، ولا يدعى أحد من دون الله ولا يستغاث به، ولا ينذر له، كل ذلك من الشرك الأكبر،
стр. 552
وهكذا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لا يجوز للمسلم أن يذبح للنبي، يتقرب إليه، أو يسأله أن يغيثه أو ينصره، أو يشفي مريضه، لا نبينا محمد ﷺ ولا غيره، هذا حق الله ، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١)، ويقول : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣)، ويقول : ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤) والنبي ﵇ يقول: «الدعاء هو العبادة (٥)» فلا يدعى أحد مع الله، لا نبي ولا ملك ولا جن ولا إنس ولا ولي ولا غير ذلك. وهكذا الذبح، لا يذبح للأنبياء ولا للملائكة ولا للأولياء، ولا يتقرب إليهم بالنذور، ولا غير هذا من العبادات. يقول الله سبحانه: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٦)، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٧) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٨)، ويقول النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (٩)»، فالتقرب للأولياء بالذبيحة من الشرك الأكبر، كونه يذبح عند قبره أو في غير قبره، حتى ولو في مكان بعيد، ولو ببيت الإنسان، كونه يذبح ينوي الولي، فلانا أو فلانا، هذا شرك أكبر، مثل لو صلى له وسجد له فهو شرك، فهكذا إذا ذبح له، أو دعاه أو استغاث به أو نذر له، أو قال: يا سيدي اشف مريضي، أو
стр. 553
انصرني أو دلني على كذا، أو ما أشبه ذلك، سواء عند قبره أو بعيدا عن قبره، هذا كله لا يجوز، هذا حق الله، هو الذي يدعى ، هو الذي يسأل؛ أما الحي الحاضر كونه يذبح له ذبيحة، كرامة له لأنه ضيف، جاء من سفر، أو لأنه قريب له زاره وذبح له، من أجل الكرامة، ضيف، هذا لا بأس به، وهكذا لو قال لأخيه الذي عنده: ساعدني على كذا، الحي الحاضر، ساعدني على إصلاح سيارتي، على إصلاح مزرعتي، يتعاون هو وإياه في المزرعة، لا بأس؛ أما الأموات أو الغائبون أو الملائكة، أو الأنبياء، أو الجن يدعوهم مع الله، أو يستغيث بهم أو ينذر لهم هذا لا يجوز، هذا من الشرك الأكبر، لا يدعى الغياب ولا الموتى ولا الجمادات، كالأشجار والأحجار والأصنام ولا الملائكة كلهم ما يدعون مع الله، ولا يستغاث بهم ولا ينذر لهم، بل هذا من الشرك الأكبر، نعوذ بالله من ذلك. أما إذا كان بالطرق الحسية مع الأحياء، مثل أن يكتب برقية، يقول: أقرضني كذا أو يكلمه بالهاتف، أقرضني كذا أو ساعدني على كذا، مع إنسان حي يكلمه، أو يكتب له رسالة، هذا مثل الحي الحاضر، مثل المشاهد، لا حرج في ذلك كما قال الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١) فالناس يتعاونون، الأحياء يتعاونون، لا حرج في ذلك، لكن دعاء الميت أو الغائب لأنه يعتقد فيه
стр. 554
السر، أنه يسمع ولو بعد، أو دعاء الجمادات كالأصنام والكواكب هذا كله شرك أكبر، أو دعاء الملائكة والجن، هذا شرك أكبر؛ لأنهم غائبون عنك، مشغولون بشؤونهم، ليس من جنس الحاضر بين يديك، الذي تخاطبه، وتسأله أن يعينك على كذا، أو كذا. وبهذا ينبغي للمؤمن أن يحتاط ويبتعد عن أسباب الشرك، وعن ذرائعه وعن أعماله. وقد أحسنت أيها السائل في إخبار أمك، وإيضاح الحق لها، فقد أحسنت في ذلك، بارك الله فيك.
стр. 555
٢٤ - حكم أكل الذبيحة التي تذبح لغير الله
س: يسأل السائل ويقول: عندنا في القرية إذا حصل للإنسان مكروه يقول: إذا أزال الله عني هذا المكروه سوف أذبح ذبيحة على قبر الشيخ فلان، هل يصح الأكل من هذه الذبيحة؟ وهل يصح الوفاء بهذا النذر إذا زال المكروه؟ (١)
ج: النذر فيه تفصيل، فإذا كان النذر طاعة لله، كأن يقول: لله علي إن شفى الله مريضي فلانا أن أصلي كذا وكذا، أو أصوم أيام كذا وكذا، أو شهرا، أو ما أشبه ذلك، أو أتصدق بكذا، هذا نذر طاعة يقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه (٢)»، فإذا قال: إن شفى
стр. 556
الله مريضي، أو رد غائبي، أو شفيت من كذا، صمت لله خمسة أيام أو عشرة أيام، تصدقت بألف درهم، صليت كذا وكذا، كل هذا نذر طاعة متى حصل المطلوب وجب عليه الوفاء. أما إذا كان النذر معصية لله فالنذر لا يجوز، لقوله ﷺ : «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه (١)»، فلو قال: لله علي إن شفى الله مريضي أن أذبح للشيخ فلان ذبيحة للبدوي، أو للحسين، أو الشيخ عبد القادر، أو لغيرهم، هذا شرك أكبر، هذا لا يجوز، هذا لا يحل الوفاء به، وعليه التوبة إلى الله من ذلك، لأن هذا هو الشرك الأكبر، الذبح للأموات والتقرب إليهم بالذبائح، أو النذور، هذا الشرك الأكبر. العبادة حق الله وحده؛ يقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢). ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي﴾ (٣) يعني قل يا محمد للناس: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (٤) يعني ذبحي، ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٦)، ويقول سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٧) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٨)، ويقول النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (٩)» فلا يجوز الذبح للجن ولا للمشايخ أصحاب القبور، ولا لغيرهم من أصنام أو أشجار أو أحجار أو ملائكة أو أنبياء، لا. الذبح يكون لله وحده، التقرب لله بالذبح، الضحايا والهدايا لله وحده . فيقول: لله علي إن شفى الله مريضي أن أذبح كذا وكذا، لله وحده ناقة أو بقرة أو ذبيحة
стр. 557
من الغنم، لله وحده، هذا قربة وطاعة. عليه أن يوفي بذلك. أما أن يذبح للشيخ الفلاني يتقرب إليه، حتى يشفع له، أو يشفي مريضه، فهذا الشرك الأكبر وهكذا إذا قال: يا شيخ فلان اشف مريضي، أو انصرني، أو يا رسول الله اشفني، أو انصرني، أو يا شيخ عبد القادر انصرني، أو اشف مريضي، أو رد غائبي كل هذا من الشرك الأكبر، لا يجوز دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات ولا النذر لهم، ولا سؤال الجن، ولا النذر لهم، ولا التقرب إلى الأصنام من الحجارة أو غيرها، كل هذا منكر عظيم، وشرك أكبر. الله يقول سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) يعني المشركين. قال : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٤)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥) الواجب إخلاص العبادة لله وحده. ومن ذلك الدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر، كله عبادة، يجب أن تكون لله وحده، ولا يصرف منها شيء، لا للأصنام ولا للشيوخ ولا للأنبياء ولا للجن ولا للأشجار ولا للملائكة ولا لغيرهم العبادة حق الله وحده . وهكذا لو قال: لله علي إن شفى الله مريضي أو رد غائبي أن أشرب الخمر، أو أزني هذه معصية لله لا يوفي
стр. 558
بها، هذا منكر عظيم. يتقرب لله بالمعاصي، هذا منكر عظيم، لا يجوز له الوفاء بذلك، وعليه كفارة يمين عن هذا النذر الباطل عن هذا النذر المعصية. والخلاصة أن النذر أقسام، فما كان لله وحده، إذا كان طاعة لله وجب الوفاء به، وما كان معصية أو شركا لا يوفى به. المعصية يجب التوبة منها والشرك يجب التوبة منه. أما إذا كان ليس شركا، ولا معصية، ولا طاعة مثل لله علي أن أزور فلانا، أو آكل طعام فلان، هذا مخير إن شاء زار فلانا وإن شاء كفر عن نذره ولم يزره ولم يأكل طعامه، مخير؛ لأن هذا مباح أو لله علي أن أعزم فلانا، أو أصنع له طعاما، هو مخير، إن شاء عزمه ودعاه وإن شاء ترك. لكن إذا لم يعزمه ولم يوف بنذره عليه كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن عجز صام ثلاثة أيام، هذا كفارة اليمين، كما نص على ذلك ربنا في سورة المائدة.
стр. 559
٢٥ - حكم النذر بذبح الدجاج بناء على نصائح المشعوذين
س: بعض الناس إذا مرض نذر أن يذبح بعض الدجاج بناء على نصائح بعض المشعوذين الذين يحددون لهم ألوانه، هل هذا جائز أم لا؟ (١)
ج: إذا كان على طريقة المخرفين والدجالين والكهنة ونحو هذا
стр. 560
فلا يجوز، أما إذا أراد التقرب إلى الله إن الله شفاه أن يذبح دجاجا أو ناقة، أو شاة للفقراء والمحاويج هذا قربة إلى الله، ولكن النذر مكروه، ما ينبغي النذر، لكن لو نذر عليه أن يوفي بنذره؛ لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه (١)»، ولقول الله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٢)، لكن النبي ﷺ نهى عن النذر، قال: إنه لا يأتي بالخير، فينبغي له ألا ينذر، لكن إذا نذر طاعة لله كصلاة وصوم وصدقة يوفي بنذره إذا حصل الخير، أما أن ينذر دجاجا على رأي المخرفين الذين قد يجرونه إلى الشرك، ويقول له: إذا نذرت دجاجة صفتها كذا، أو دجاجة صفتها كذا أو كذا يشفى مرضك، هذا كله باطل لا أصل له، هذا منكر فلا يطيعهم في ذلك، وإنما الذبح صدقة، وإذا نذر على أنه صدقة لله، لعل الله ينفعه بهذه الصدقة لا بأس، أما على اعتقاد أن هذا الشيء يحصل به الشفاء بأسباب قول المخرفين هذا لا يجوز.
стр. 561
باب ما جاء في دعاء غير الله تعالى
стр. 562
باب ما جاء في دعاء غير الله تعالى
٢٦ - حكم دعاء النبي ﷺ عند زيارة قبره
س: نسمع الكثير من بعض الحجاج وغيرهم، إذا دخلوا المسجد النبوي، نادى رسول الله ﷺ ، بقوله: يا رسول الله أتيتك من بلاد كذا وكذا، فاشف مريضي واقض حاجتي، وارزقني كذا وكذا إلى آخره فما هو توجيه سماحتكم لهؤلاء؟ (١)
ج: الزيارة للمسجد النبوي سنة، وقربة وطاعة ويشد لها الرحال، لقول ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (٢)». فهذه الثلاثة المساجد أفضل مساجد الدنيا ولهذا شرع الله شد الرحال لها، للعبادة في المسجد
стр. 563
الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، والقراءة والاعتكاف، والمسجد النبوي للصلاة فيه والقراءة والذكر، والاعتكاف والتعلم والتعليم كما في المسجد الحرام، لكن يختص المسجد الحرام بالطواف، لأن الله شرع الطواف فيه، ويقصد بأداء الحج والعمرة، أما المسجد النبوي فيقصد للعبادة، لا يقصد من أجل القبر بل من أجل المسجد من أجل الصلاة فيه، والقراءة فيه، والذكر والاعتكاف ونحو ذلك، لقول النبي ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام، أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة (١)»؛ هذا فضل عظيم، والسنة للزائر إذا زار المسجد أن يسلم على الرسول ﷺ ، وعلى صاحبيه يقف على قبره وقبر صاحبيه، ويسلم على الجميع ﵊، فيقف على القبر الشريف ويقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك أفضل الجزاء، وأحسنه وإن اكتفى بالسلام فقط وانصرف فلا بأس ثم يأخذ عن يمينه قليلا، فيسلم على الصديق، فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمة محمد خيرا، ورضي الله عنك، فلقد نصحت وأديت الأمانة
стр. 564
ونحو ذلك، وهكذا ينحرف قليلا عن يمينه أيضا، ويسلم على عمر الفاروق ﵁ كما سلم على الصديق، ويدعو لهم رضي الله عن الجميع، هذا السنة. أما أن ينادوا من قريب، أو من بعيد يقول: يا رسول الله أغثني أو اشف مريضي، أو جئت من بلاد بعيدة لتشفيني أو لتعطيني كذا وكذا، هذا هو الشرك الأكبر، هذا لا يجوز لا مع النبي ﷺ ولا مع غيره، ولا مع الصديق ولا مع عمر ولا مع أي أحد من الناس، لأن العبادة حق الله وحده، والدعاء هو العبادة فلا يجوز صرفه لغير الله، كائنا من كان.
والأموات لا يسألون ولا يدعون ولا يستغاث بهم، سواء كانوا من الأنبياء أو من غير الأنبياء، فالواجب إخلاص العبادة لله وحده كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣). فقوله سبحانه أحدا نكرة في سياق النهي، تعم الأنبياء وتعم الصالحين، وتعم الأصنام والأشجار والملائكة وغير ذلك، فلا يدعو مع الله أحدا، يعني كائنا من كان. وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) يعني: المشركين، وكل ما سوى الله لا ينفع ولا يضر، الله سبحانه هو النافع الضار، وهو الذي يجعل المنفعة فيمن يشاء، ويسلبها عمن يشاء،
стр. 565
ويجعل العزة فيمن يشاء، ويسلبها عمن يشاء، وهو سبحانه النافع الضار، المعطي المانع القوي العزيز جل وعلا، فهو الذي يسأل ويطلب، ، فإذا جئت للرسول ﷺ للسلام عليه، أو إلى أي مقبرة للسلام على القبور والدعاء لهم، فاحذر أن تدعوهم مع الله لا تقول يا سيدي فلان اشف مريضي، أو اقض حاجتي، أو أنا في حسبك أو أنا في جوارك، أو قد جئت قاصدا لك لتغفر لي، أو لترحمني أو لتشفي مريضي، أو لتسهل كربتي، لا مع النبي ﷺ ولا مع غيره، هذا حق الله ، ولكن تسلم على الرسول ﷺ وعلى صاحبيه، وتترضى عنهما، وتصلي على النبي ﷺ ، وتشهد له أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، هذا حق. أما الزيادة على هذا الوضع: بأن تقول يا رسول الله اشفع لي في كذا أو انصرني، أو اشف مريضي أو أنا في جوارك، أو أنا في حسبك، أو أنا مظلوم، فانصرني، أو أمتك قد أصابها ما أصابها فانصرها، أو اشفها مما أصابها، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز. هذا من الشرك بالله ، ولكن هذا يطلب من الله، تطلب في صلاتك في المسجد النبوي وغيره، أو في بيتك تقول: يا رب انصرني، يا رب أصلح أمة محمد، يا رب وفقهم يا رب اجمع كلمتهم على الحق، يا رب احمهم من شر أعدائهم، يا رب اغفر لي، يا رب اشف مريضي، هذا بينك وبين الله في المساجد في الصلاة في غير ذلك، أما المخلوق وإن كان نبيا لا يملك هذا، كله بيد الله ، يقول الله سبحانه