← Фатава

Фатава · id 107

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الشويعر

ابن باز

Полный текст (14 939 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الشفاعة ملكه ، والنبي ﷺ وغيره من الأموات لا يملكون التصرف بعد الموت، بشفاعة ولا بدعاء ولا بغير ذلك، الميت إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، وإنما جاء أنها تعرض عليه الصلاة، ﵊، ولذا قال: «فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم (١)»؛ «صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم (٢)»، وأما حديث أنها تعرض عليه الأعمال، فإن وجد خيرا حمد الله، وإن وجد شرا استغفر لنا، فهو حديث ضعيف، لا يصح عن النبي ﷺ ، ولو صح لم يكن فيه دلالة أن نطلب منه الشفاعة، فالحاصل أن طلب الشفاعة من النبي ﷺ ، أو من غيره من الأموات أمر لا يجوز، وهو على القاعدة الشرعية، من الشرك الأكبر، لأنه طلب من الميت شيئا لا يقدر عليه، كما لو طلب منه شفاء المريض، أو النصر على الأعداء، أو غوث المكروبين، وما أشبه ذلك، فكل هذا من أنواع الشرك الأكبر، ولا فرق بين طلب هذا من النبي ﷺ ، أو من الشيخ عبد القادر أو فلان أو فلان أو من البدوي، أو من الحسين أو من غير ذلك، طلب هذا من الموتى أمر لا يجوز، وهو من أقسام الشرك، وإنما الميت يترحم عليه إذا كان مسلما، ويدعى له بالمغفرة والرحمة، فالنبي ﷺ إذا سلم عليه المسلم، يصلي عليه، ﵊، ويدعو له إما أن يطلب منه المدد، أو الشفاعة أو

стр. 597

النصر على الأعداء، كل هذا لا يجوز، وهذا من عمل أهل الجاهلية، ومن عمل أهل الشرك، فيجب على المسلم أن ينتبه لهذا وأن يحذر من هذا.

стр. 598

باب ما جاء في التوسل

стр. 599

باب ما جاء في التوسل ٣٨ - بيان معنى التوسل والوسيلة س: حدثونا عن التوسل والوسيلة، ووضحوا لنا الشبه والرد عليها، ولا سيما أن هناك من يستدل بمثل قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (١) ويستدلون أيضا بالتوسل بالعباس ﵁، وما الفرق بين التوسل بالأنبياء والصالحين، والتوسل بالأعمال الصالحة؟ جزاكم الله خيرا (٢). ج: هذا السؤال سؤال مهم، وجدير بالعناية، لأنه يشتبه الموضوع فيه على كثير من الناس، فالوسيلة وسيلتان: وسيلة جائزة، بل مشروعة مأمور بها، ووسيلة ممنوعة، أما الوسيلة المشروعة، فهي التوسل إلى الله بالإيمان، والعمل الصالح، وسائر ما شرعه الله جل وعلا، وهي المراد في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٣) يعني: القربة إليه بطاعته، كالصلاة والصوم والصدقة، والحج، وإخلاص

стр. 600

العبادة لله ونحو ذلك، فقوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (١) يعني: من دون الله، من أصنام ومن أشجار، وأحجار، وأنبياء وغير ذلك، ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (٢)، يعني: أولئك المدعوون لا يملكون كشف الضر عن داعيهم من مرض أو جنون أو غير ذلك، ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (٣) يعني: ولا تحويلا من حال إلى حال، ومن شدة إلى سهولة، أو من عضو إلى عضو، لا يملكون ذلك، بل هم عاجزون عن ذلك، وإنما هو بيد الله ، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ (٤)، يعني: أولئك الذين يدعوهم هؤلاء المشركون، من أنبياء وصالحين أو ملائكة: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (٥)، يعني: هم يبتغون يطلبون من الله الوسيلة، وهي القربة إليه بطاعته من صلاة وصوم وصدقات وغير ذلك، ويرجون رحمته، لهذا عملوا واجتهدوا بطاعته، ويخافون عذابه ، فهذه الوسيلة هي القيام بحقه من توحيده وطاعته، بفعل الأوامر وترك النواهي، وهي الإيمان والهدى والتقوى، وهي ما بعث الله به الرسل، عليهم الصلاة والسلام، من قول وعمل، فهذه الوسيلة واجبة من الواجبات، ومستحبة من المستحبات، فالتوسل إليه بتوحيده، والإخلاص له وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت، هذا أمر لازم، وفريضة، في الحجة الأولى من العمر، وكذلك التوسل إليه بترك المعاصي أمر لازم،

стр. 601

فريضة، والتوسل إليه، بالنوافل من صلاة النافلة، وصوم النافلة وصدقة النافلة، والإكثار من ذكر الله، أيضا مستحب، وقربة وطاعة، وذلك جعله الله من أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار، أما الوسيلة الأخرى التي لا تجوز، فهي التوسل إليه بدعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، هذه وسائل شركية، يسميها المشركون وسيلة، وهي شرك أكبر وهي المراد في قوله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١)، ويقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢)، يعني يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فاتخذوهم وسيلة بهذا المعنى، يعني بدعائهم وسؤالهم، وطلب الشفاعة منهم، والنصر على الأعداء وشفاء المرضى ونحو ذلك، وزعموا أنهم بهذا يكونون لهم وسيلة، وهذا هو الشرك الأكبر، وهذا هو دين المشركين، نسأل الله العافية، فإن المشركين يزعمون: أن عبادتهم للأنبياء، والملائكة والصالحين والجن، وسيلة إلى مقاصدهم، وأن هذه المعبودات تشفع لهم عند الله، وتقربهم من الله زلفى، فأبطل الله ذلك، وأكذبهم بذلك، قال تعالى في حقهم: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣)، بعد قوله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤).

стр. 602

وقال في آية الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١)؛ فأكذبهم الله ، بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٢)، فسماهم كذبة في قولهم: إنها تقربنا إلى الله زلفى، كفرة بهذا العمل، بدعائهم إياهم واستغاثتهم بهم ونذرهم لهم ونحو ذلك، فالواجب على جميع المكلفين بل على جميع الناس، الحذر من هذه الوسيلة، فلا يفعلها المكلف ولا غير المكلف، يجب على المكلف أن يحذرها، وعليه أن يحذر غير المكلفين، من أولاده أن يفعلها أيضا، فالله هو الذي يعبد ، وهو الذي يدعى، وهو الذي يرجى وهو الذي يسأل النصر على الأعداء، والشفاء للمرضى، وغير ذلك من حاجات العباد، يقول في كتابه العظيم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٤) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥)، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦)، ويقول عن نبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٧). ونذير وبشير، ليس بمعبود من دون الله، وليس بإله مع الله، ، وقال

стр. 603

جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١)، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (٢) قل يا محمد للناس: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ (٣)، ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (٤) ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٥) ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ (٦) بل ذلك بيده ، هو الذي يملك النفع والضر، والعطاء والمنع والشفاء من الأمراض، والنصر على الأعداء، بيده ، وهناك نوع ثان: من الوسيلة الممنوعة، هو التوسل بجاه فلان، وحق فلان، هذه الوسيلة ممنوعة، لكنها ليست شركا أكبر، بل هي من وسائل الشرك، كأن يقول: اللهم إني أسألك بجاه محمد، بجاه فلان وحق أنبيائك، هذا لا يجوز، هذه بدعة ليس عليها دليل، الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٧) يدعى بأسمائه وصفاته، وما كان يتوسل إلا بالأعمال الصالحة، بالصلاة والصوم، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والعفة عن الفواحش، هذه وسائل شرعية، كما في قصة أصحاب الغار، الذين آواهم المبيت والمطر إلى غار فدخلوا فيه، فانطبقت عليهم صخرة، سدت عليهم فم الغار، فقالوا فيما بينهم: لا ينجيكم من هذا إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فاسألوا الله وتوجهوا إليه بصالح أعمالكم، فأحدهم: دعا وسأل ربه ببره لوالديه، والآخر توسل إلى الله بعفته عن الزنا بعد قدرته على المرأة، والثالث توسل إلى الله

стр. 604

بأداء الأمانة، بأجير كان له أجر عنده، نمى أجره، فلما جاء أعطاه إياه كاملا فانفرجت عنهم الصخرة، بهذه الوسيلة الصالحة، العملية، وهذا من لطف الله وإحسانه، وآياته العظيمة، أن فرج عنهم وجعل انطباق هذه الصخرة، سببا لتوسلهم بهذه الأعمال، وليعلم الناس فضل الأعمال الصالحة، وأنها من أسباب تفريج الكروب وتيسير الأمور، وأن الواجب على العبد، أن يحذر غضب الله، وأسباب عقابه، متى أقام على المعصية فليحذر، وليبتعد عنها، ومتى قدر على البر والخير فليفعل، أما توسل عمر ﵁ بالعباس، فهذا توسل بدعاء العباس، فإنه كان النبي ﷺ إذا أجدب الناس كان يسأل الله الغيث، وكان الناس يفزعون إليه ويقولون: يا رسول الله استغث لنا، هلكت الأموال وانقطعت السبل، يعني بسبب الجدب فيستغيث الله، ويسأله سبحانه أن يغيث العباد، فيغيثهم ، فلما أجدبوا في عهد عمر، قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا حين كان بين أيدنا، فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قم يا عباس فادع الله لنا، فقام العباس ودعا لهم واستغاث فسقاهم الله، والعباس عم النبي ﷺ ، هذا توسل بدعاء العباس، مثلما كان يتوسل بدعاء النبي في حياته، ﷺ ، فدل ذلك على أنه بعد وفاته، لا يستغاث به ولا يطلب منه الغوث، ﵊، لأنه لا يستطيع ذلك، انقطع عمله المتعلق بالدنيا، ولهذا طلب عمر ﵁ من العباس، أن يدعو الله أن يغيث الناس، فقام العباس ودعا الله فأغاث الله الناس، وهكذا فعل معاوية ﵁ في الشام طلب من يزيد بن

стр. 605

الأسود، الصحابي الجليل أن يسأل الله الغوث، فقام يزيد وسأل الله، فأغاث الناس، هذا لا بأس به شرعي، أن يقول ولي الأمر، أو خطيب المسجد لعالم من العلماء، أو بعض الأخيار: ادع الله يا فلان للمسلمين، أن الله يغيثهم فلا بأس، كما فعل عمر مع العباس، وكما فعل معاوية مع يزيد بن الأسود، وهكذا الإنسان يقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا، أن تغيثنا وأن ترحمنا، وأن تغفر لنا، الله يقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) فأنت تسأل، وهكذا غيرك يسأل يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، ويدعو الله للمسلمين، في الجدب وفي غيره، وبهذا يتضح أن الوسيلة: ثلاثة أقسام: قسم مشروع، وهو التوسل إلى الله بتوحيده، والإيمان به وبالأعمال الصالحة، وبأسمائه وصفاته، وقسم شرك، وهو التوسل إلى الله بدعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم، والذبح لهم، والتوسل بالأصنام، أو بالأشجار والأحجار، أو بالجن هذا شرك أكبر، القسم الثالث بدعة لا يجوز، وليس بشرك، وليس مشروعا، بل هو بدعة، وهو التوسل بحق فلان، أو بجاه فلان، أو حق الأنبياء، هذا منكر وبدعة، ومن وسائل الشرك، أما الوسائل الشرعية، فكما تقدم: التوسل بالأعمال الصالحات، وبأسماء الله وصفاته، هذا كله من التوسل الشرعي.

стр. 606

٣٩ - بيان بعض شبه المتوسلين بالمخلوقين والرد عليها س: هل يتعرض سماحتكم لشبه أولئك، الذين يتوسلون بالمخلوقين؟ (١) ج: هذه الشبه لا أساس لها، بل هي باطلة، بعضهم يشبه يقول: إذا جاز التوسل بجاه فلان، وحق فلان، دل على أنه يدعى ويسأل، هذا باطل لأن هذا التوسل بدعة، ثم لو جاز ما صلح أن يكون دليلا على أن يستغاث بالإنسان، لأن التوسل بالجاه، سؤال لله، يسأل الله بجاه فلان، وهذا سؤال لله، ليس سؤالا للمخلوق، لكن الوسيلة هي التي منكرة وبدعة بجاه فلان وحق فلان، أما لو سأل الله بأسمائه وصفاته، أو سأل الله ولم يتوسل بشيء، قال: اللهم أنجنا من النار، اللهم أغثنا كله طيب، أو اللهم أغثنا بفضلك، أو بأسمائك وصفاتك ورحمتك، هذا طيب أما الشبهة بأن الأنبياء لهم جاه ولهم عند الله منزلة، فندعوهم حتى يشفعوا لنا، هذا باطل، لأن جاههم ومنزلتهم، التي عند الله لم يجعلها الله مسوغة للمشركين أن يعبدوهم بل أنكر عليهم لما استغاثوا بهم، وطلبوا منهم الشفاعة، أنكر عليهم ذلك، وسماهم كذبة كفرة، وذكر أن ما فعلوه باطل يتنزه الله عنه، بقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢)، ثم قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٣)

стр. 607

هذه الوسيلة التي فعلها المشركون مع الأصنام، ومع الأنبياء ومع الجن استغاثوا بهم ونذروا لهم، وزعموا أنهم يشفعون لهم، هذه باطلة، أبطلها الله وأبطلها الرسول ﷺ وحذر منها الأمة، وأمرهم أن يخلصوا العبادة لله، وحده .

стр. 608

٤٠ - حكم قول: (بجاه سيدنا محمد ﷺ ) في الدعاء س: الأخ ع. ع. من مصر يقول: ما حكم الوجاهة؟ وهل يصح أن نقول: بجاه سيدنا محمد ﷺ اغفر لي، أو اغفر لوالدي، وما أشبه ذلك؟ (١) ج: السؤال بالجاه بدعة، لا يجوز، ولكن تسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وبإيمانك، وأعمالك الصالحة، هذا المشروع. أما أن تقول: اللهم إني أسألك بجاه محمد ﷺ أو بجاه نبينا محمد ﷺ ، أو بجاه الأنبياء، أو بجاه الصالحين، هذا منهي عنه، ليس من الوسائل الشرعية. الله يقول جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢) ما قال فادعوا بجاه الأنبياء، أو بجاه الصالحين. فتقول اللهم إني أسألك

стр. 609

بأسمائك الحسنى أن تغفر لي، وأن ترحمني، وأن تعلمني العلم النافع، وأن تفقهني في الدين، وأن تغنيني عن خلقك، وما أشبه ذلك، اللهم إني أسألك: لأنك الرحمن الرحيم، ولأنك العزيز الحكيم أن تغفر لي وترحمني، اللهم إني أسألك برحمتك وفضلك وإحسانك، أن تغفر لي وترحمني، اللهم إني أسألك لأنك الجواد الكريم، ولأنك العفو الغفور، إلى غير هذا من الأدعية مثل ما في الحديث الصحيح؛ فالنبي ﷺ قال للصديق ﵁ لما قال الصديق: «يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي وفي بيتي؟ قال: " قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم (١)». هكذا علم الصديق، رواه الشيخان في الصحيحين، وكان النبي ﷺ يدعو ربه، يقول: «اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره (٢)». ويدعو الله بأسمائه وصفاته، فلا ينبغي لأحد أن يدعو الله بغير ما شرع، لا بجاه فلان ولا بحق فلان؛ لا بحق الأنبياء والصالحين، ولا بجاه الأنبياء والصالحين، ولا بأس أن تتوسل بالإيمان، تقول:

стр. 610

اللهم إني أسألك بإيماني بك وبنبيك محمد ﷺ أن تغفر لي، أو تعطيني كذا وكذا؛ اللهم إني أسألك بمحبتي لك، ومحبة نبيك وعبادك الصالحين أن تغفر لي وترحمني، لا بأس. التوسل بالإيمان والمحبة لله ولرسوله أو بالتوحيد، أو تقول: اللهم إني أسألك، بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، كما فعله النبي ﷺ تقول: اللهم إني أسأل بتوحيدي لك وإيماني بك، وهكذا بالأعمال الصالحة الأخرى، تقول: اللهم إني أسألك ببري لوالدي، وبأدائي الأمانة، وبعفتي عما حرم الله، تسأل بأعمالك الطيبة، كله طيب. أما أن تسأله بجاه فلان، ليس عملك هذا، حق فلان ليس عملك، ولا هو من أسماء الله وصفاته، فلا تسأل به. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إن ثلاثة ممن قبلنا آواهم مبيت ومطر إلى غار، فدخلوا فيه، من أجل المبيت والوقاية من المطر، فأراد الله جل وعلا أن أنزل عليهم صخرة، انحدرت عليهم بإذن الله، فغطت عليهم باب الغار، عظيمة ما استطاعوا دفعها؛ فقالوا فيما بينهم لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم (١)»؛ الله جل وعلا قدر سقوط هذا الحجر على الغار، ليتوسلوا بهذه الوسائل وليعلم الناس فضل البر وفضل العفة عن الفواحش وفضل أداء الأمانة حتى يتأسوا بهؤلاء، ويستفيدوا من عمل هؤلاء، هذه نعمة من الله، فضل من الله. والنبي ﷺ خبرنا بهذا، حتى نستفيد من هذه القصة، وأن بر الوالدين والعفة عن الفواحش، وأداء الأمانة من أعظم الأسباب في تفريج الكروب وتيسير الأمور، ومن

стр. 611

أعظم الأسباب في النجاة من النار، لأن الكربة يوم القيامة، أعظم من كربة الدنيا، فالإنسان إذا اتقى الله وابتعد عن محارم الله وأدى ما أوجب الله عليه، فهذا من أسباب التفريج في الدنيا والنجاة في الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٣)، فأنت يا عبد الله وأنت يا أمة الله تذكرا جميعا في هذه القصة، قصة هؤلاء الثلاثة، واستفيدا من هذه القصة الفائدة العظيمة، وليتيقن كل واحد منا أن بر الوالدين من أعظم القربات ومن أفضل الطاعات، ومن أسباب تفريج الكروب، وتيسير الأمور. وهكذا العفة عما حرم الله، عن الزنى والفواحش من أفضل القربات ومن أعظم أسباب تيسير الأمور، وتفريج الكروب والنجاة من النار. وهكذا أداء الأمانة والعناية بالأمانة، وعدم الخيانة، كل ذلك من أسباب تفريج الكروب وتيسير الأمور ومن أسباب رضا الله سبحانه، وتيسير أمرك وإدخالك الجنة وإنجائك من النار. نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

стр. 612

٤١ - بيان أقسام التوسل الجائز والممنوع س: السائل من السودان ع. م. ط. يقول في هذا السؤال: سماحة الشيخ ما هو التوسل، وهل يصح العمل به عندما يقول العبد طالبا من ربه: اللهم ارحمني وارزقني بجاه المصطفى ﷺ ، وربما البعض من الإخوة في الإسلام يذهب للشيخ يقول له مثلا: اسأل لنا الله في بعض الأمور، فما حكم الشرع في نظركم سماحة الشيخ في هذه القضية؟ (١) ج: التوسل أقسام: منها أقسام ممنوعة، وأقسام جائزة، فالأقسام الممنوعة: التوسل الذي هو الشرك يسميه المسؤول توسلا وهو دعوة الأموات، والاستغاثة بالأموات والنذر لهم، هذا يسميه المسؤول توسلا وهو الشرك الأكبر، فالواجب الحذر منه، دعوة الميت والاستغاثة به، والنذر له ونحو ذلك، هذا كله من الشرك الأكبر، وإن سماه توسلا، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٣). والنوع الثاني: شرك أصغر وهو التوسل بجاه فلان وبفلان، كأسألك بجاه نبيي محمد أو بجاه الأنبياء أو بجاه الشيخ عبد القادر

стр. 613

أو بجاه أبي بكر أو عمر أو بذواتهم، أسألك بعمر أو عثمان هذه من التوسل الذي هو منكر ويسمى شركا أصغر وهو من وسائل الشرك الأكبر، هذا من وسائل الشرك الأكبر. وهناك توسل ثالث جائز: وهو التوسل بدعاء الحي والاستغاثة وطلب أن يدعو لك، مثلما قال الرجل لرسول الله: يا رسول الله ادع الله لي أن يرد علي بصري، تقول لأخيك ادع الله لي أن يشفيني، هذا توسل بدعائه هو، ما هو بدعائك أنت، بدعائه هو لك، وهو حي موجود، جائز، توسل جائز، تقول: يا أخي ادع الله لي أن يشفيني، ادع الله يرزقني ولدا، ادع الله أن يغنيني من الفقر، مثلما ما يروى عن النبي ﷺ قال لعمر لما ذهب إلى العمرة: «لا تنسنا من دعائك (١)» رواه الترمذي والجماعة وفي سنده ضعف، ومن هذا قوله ﷺ للصحابة: «إنه يقدم عليكم رجل من اليمن يقال له أويس القرني، كان بارا بأمه، فمن لقيه منكم فليطلب منه أن يستغفر له (٢)».

стр. 614

أما التوسل الشرعي فهو التوسل بأسماء الله وصفاته وتوحيده والإيمان به، هذا توسل شرعي، تقول: اللهم إني أتوسل بتوحيدك واتباع نبيك وطاعتي لك أن تغفر لي، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا، اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم، بأنك رب كريم، بأنك خالق كل شيء، فالتوسل بالله وبأسمائه وصفاته هذا مشروع، ومن هذا قول النبي ﷺ : «اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد (١)»، هذا كله من التوسل الشرعي، اللهم إني أسألك بإيماني بك، وبمحبة نبيك أن تغفر لي، ومن هذا قوله ﵊ في تعليمه لبعض الصحابة، لما علمهم أن يتوسلوا، علمهم أن يقولوا: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت (٢)»، وفي لفظ آخر: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم (٣)». كل هذا توسل بأسمائه وصفاته، والنبي ﷺ أقر الصحابة على ذلك، وذكر أن هذه توسلات من أسباب الإجابة في بعضها: «لقد سأل الله باسمه الأعظم (٤)». . فالتوسل بتوحيد الله، والإيمان بالله، وبأسماء الله، وبصفات الله توسل شرعي من أسباب الإجابة.

стр. 615

س: هل يجوز للإنسان يا سماحة الشيخ أن يدعو في دعائه اللهم بحق محمد عندك، لأني سمعت بعض الناس يقولون بأن آدم ﵇ عندما أذنب دعا وقال لربه بجاه محمد عندك اغفر لي؟ (١) ج: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: التوسل لا يجوز لأن المسائل توقيفية عبادة لا يجوز منها إلا ما أجازه الشرع والله يقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢)، فلا يدعى إلا بأسمائه وصفاته والإيمان به وتوحيده جل وعلا ولا يدعى بما يراه الإنسان من توسلات ولا بجاه فلان ولا بحق فلان ولا بحق محمد ولا بجاه محمد ولا بجاه الأنبياء ولا بحق الأنبياء أو الملائكة، كل هذا لا يجوز هذا هو الصواب؛ لأن التوسل عبادة والعبادة توقيفية لا تثبت بالرأي المجرد والاختيار. لا، لا بد من الدليل على ذلك قال جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٣) أنكر عليهم الله ، قال : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (٤). وقال النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس

стр. 616

عليه أمرنا فهو رد (١)»؛ وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد (٢)»؛ والشريعة جاءت بالتوسل بأسماء الله وصفاته والإيمان به وتوحيده: اللهم إني أشهد بإيماني بأني أؤمن بك، بتوحيدي لك بإخلاص عبادتك إلى غير ذلك بأسمائك وصفاتك وبصلاتي وبصومي وبحجي ببري والدي إلى غير ذلك، فالتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته والإيمان به أو بالأعمال الصالحات كل هذا لا بأس به فهو وسيلة شرعية. ومن هذا حديث الغار أن أصحاب الغار الثلاثة كانوا في سفر فيمن قبلنا فأخبر عنهم النبي ﷺ فآواهم "المبيت" إلى غار، وفي رواية " المطر"، فلما دخلوا الغار انحدرت الصخرة فسدت عليهم الغار وكانت عظيمة لم يستطيعوا دفعها، فقالوا فيما بينهم: إنه لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم ففرج الله عنهم الصخرة، الأول توسل ببر والديه، والثاني توسل بعفته عن الزنا، والثالث توسل بأدائه الأمانة، ففرج الله عنهم، هذه وسيلة شرعية، أسماء الله وصفاته وتوحيده والإيمان به وعمل الصالحات.

стр. 617

أما التوسل بجاه النبي أو بحق النبي أو بجاه الأنبياء أو بحق الأنبياء أو بجاه المؤمنين كل هذا غير مشروع، بل هو بدعة. وأما حديث أن تتوسل بمحمد وبحق محمد فهذا حديث موضوع غير صحيح، بل نبه العلماء على أنه موضوع لا صحة له ولا أساس له.

стр. 618

٤٢ - حكم التوسل بحق الأنبياء وذوات الملائكة س: ما حكم من يصلي بالناس الجمعة ويقول في خطبته: اللهم ربنا عليك توكلنا وبنبيك إليك توسلنا؟ وما حكم هذا التوسل؟ أفيدونا بارك الله فيكم (١). ج: هذا التوسل بدعة عند جمهور أهل العلم لكن الصلاة صحيحة التوسل بجاه نبينا أو بنبينا، أو بحق نبينا، أو بحق الأنبياء أو بحق الملائكة، أو بذات الملائكة أو بحق فلان، أو بحق أبي أو ما أشبه ذلك كلها ليس من الشرع، الوسيلة تكون بأسماء الله وصفاته والأعمال الصالحات كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢)، فيقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن ترحمنا وتغفر لنا وأن تسقينا الغيث، إلى غير ذلك أو اللهم إني أسألك بإيماني بك وطاعتي لك واتباعي نبيك، يتوسل بأعماله الطيبة، أما التوسل بجاه

стр. 619

فلان أو بنبينا أو بجاه نبينا أو بحق نبينا أو بحق الأنبياء والملائكة هذا كله بدعة عند أهل السنة. وليس عليه دليل، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه قال ﵊ «لما سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، قال ﷺ : " لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب (١)». لأنه توسل بصفات الله وأسمائه. وهكذا التوسل بالأعمال الصالحات كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄، أن ثلاثة آواهم المبيت والمطر، إلى غار في البرية فدخلوا فيه، ليبيتوا فيه ويتقوا المطر، فانحدرت عليهم صخرة من الجبل، فسدت عليهم فم الغار بإذن الله ليسن لعباده ويشرع لعباده ما فعله أهل الغار وليعلم الناس علاج الكروب بما شرعه الله، فما انطبقت عليهم الصخرة أرادوا دفعها فلم يستطيعوا فقالوا فيما بينهم: إنه لن ينجيكم من هذا البلاء إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فدعوا فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون بأسباب هذه الوسيلة العظيمة على أعمال صالحة فعلوها لله فنفعتهم عند الحاجة توسلوا بها عند الحاجة فنفعتهم، هذا يدل على أن التوسل بالأعمال

стр. 620

الصالحة من أعظم الوسائل، ولا سيما عند الحاجة والشدة، وهو القائل جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (١) ، وهو القائل جل وعلا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢)، فهو سبحانه قدر هذه الصخرة ليتوسل هؤلاء، وليعرفوا فضل أعمالهم، وليعرف الناس أيضا فضل أعمالهم، وليتوسلوا كما توسل هؤلاء إذا وقعت عليهم الشدائد، والنبي ﷺ قص علينا هذه القصة لنعلمها ونعمل بها ونستفيد منها، وهو حديث صحيح متفق على صحته عند البخاري ومسلم، رحمة الله عليهما والله ولي التوفيق.

стр. 621

٤٣ - بيان الفرق بين التوسل والوسيلة س: ما الفرق بين التوسل والوسيلة؟ (١) ج: التوسل دعاء الشخص، فالتوسل دعاء، قال: أسألك بأسمائك، هذا التوسل أسألك بالإيمان بك، هذا توسل، والوسيلة هي الإيمان والتقوى، والأسماء الحسنى وسيلة إلى الله جل وعلا، الدعاء بها وسيلة، وأنت المتوسل، التوسل دعاؤك، والوسيلة ما دعوت به، إذا قلت اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا، أن تغفر لي،

стр. 622

فأنت بدعائك متوسل، وهذا الدعاء يسمى توسلا، والمدعو به بأسمائه وصفاته، هذا يقال له وسيلة، يعني الدعاء بالأسماء والصفات وسيلة، وهذا نص الدعاء يسمى توسلا، وهو توسل بالإيمان، أو الأسماء والصفات أو أعمالك الأخرى الصالحة.

стр. 623

٤٤ - حكم التوسل بصفة من صفات الله تعالى س: ما حكم التوسل بجاه الله ؟ (١) ج: التوسل بجاه الله إلى الله كأن تقول: أسألك بجاهك العظيم، بعلمك العظيم، برحمتك بإحسانك، بجبروتك بعزتك، كله طيب، جاهه عظمته . فإذا سأل الله بذلك فلا بأس، يقول: اللهم إني أسألك بجاهك العظيم، بعلمك العظيم، بقدرتك بعزتك، أن تغفر لي وأن ترحمني. أما سؤال الناس بالله، فإن تركه أولى، لا يسأل الناس بالله، لا بجاه الله، لا يقول: أسألك بالله، وبجاهه سبحانه أن تفعل كذا إن ترك هذا أولى وأحوط.

стр. 624

٤٥ - بيان ما يجوز من التوسل وما لا يجوز س: أرجو أن تفيدنا كثيرا عن حقيقة التوسل، وما يجوز وما لا يجوز، لأن عندنا أكثر الدعاء بالتوسل، إما بالأنبياء، أو بالأولياء، أو أهل بدر، وأنا بنفسي لست أحبها، فأنا بحاجة إلى المساعدة والإرشاد؟ أرجو الإجابة جزاكم الله خيرا (١) ج: التوسل قسمان: قسم شرعي مأمور به، وقسم منكر منهي عنه. فأما التوسل الشرعي فهو أنواع أربعة: النوع الأول: التوسل بتوحيد الله والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة كما في حديث بريدة، عند أهل السنن بإسناد صحيح، «أنه سمع النبي ﷺ رجلا يدعو، ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. فقال ﵊: لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب (٢)»، هذا أفضل التوسل، تسأله بتوحيدك إياه، تقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، اللهم إني أسألك بإيماني بك، وتوحيدي لك وشهادتي، بأنك الواحد الأحد، وبأنك المستحق

стр. 625

للعبادة، اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك، اللهم إني أسألك بإيماني بك وإيماني بجميع المرسلين، أن تغفر لي وأن ترحمني أو ترزقني، كذا أو تمنحني العلم النافع والعمل الصالح، أو ترزقني زوجة صالحة، أو ذرية طيبة أو ما أشبه ذلك. النوع الثاني: التوسل بالعمل الصالح، بأن تسأل الله بصلاتك وصيامك وبر والديك، وصلة أرحامك كفعل أهل الغار، الذين آواهم المبيت والمطر إلى غار، فلما دخلوه قدر الله عليهم بصخرة فانحدرت عليهم، فسدت عليهم باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج، فقالوا فيما بينهم لن ينجيكم من هذا إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. النوع الثالث: التوسل إلى الله سبحانه بحبه له وحبه لأنبيائه، وحبه لعباده الصالحين، وهو نوع من العمل الصالح، فإن الحب عمل صالح، فالتوسل إلى الله بقولك: اللهم إني أسألك بحبي لك، وحبي لأنبيائك، أن تفعل بي كذا وكذا، فهذا أيضا توسل شرعي من جنس التوسل بالتوحيد والعمل الصالح. النوع الرابع: التوسل بالدعاء، دعاء الحي كأن تقول: يا عبد الله ادع الله لي، بأن الله يشفيني، بأن الله يصلحني، كما كان الصحابة يقولون: يا رسول الله ادع الله لنا، ادع الله أن يغيثنا، ادع الله أن يصلحنا، هذا أيضا توسل شرعي، تقول لأخيك: ادع الله لي أن

стр. 626

يشفيني، ادع الله أن يغفر لي أن يهب لي ذرية صالحة، ومن هذا استغاثة المسلمين بالرسول، في حال حياته لما أجدبوا، خطب الناس يوم الجمعة، واستسقى ومرة خرج إلى الصحراء، وصلى ركعتين واستسقى ﵊، فهذا توسل شرعي، بدعاء أخيك الحي الحاضر، يطلب الله لك شيئا معينا. أما القسم الثاني: التوسل المنكر البدعي، فهذا توسل بجاه الناس، وأسمائهم، تقول: اللهم إني أسألك بجاه محمد، ﵊ أو بجاه آل البيت، أو بجاه فلان، هذا لا يجوز، فهو بدعة، أو اللهم إني أسألك بحق فلان، هذا بدعة وأعظم من ذلك أن نسأله بدعاء الأموات، أو بالاستغاثة بالأموات، هذا من الشرك الأكبر كما فعله المشركون، فإنهم يسمونه توسلا وتشفعا، فيقولون: يا فلان أغثنا، يا فلان انصرنا، اشف مرضانا، المدد المدد، وهذا من الشرك الأكبر وإن سموه توسلا، هذا من الشرك الأكبر؛ والتوسل بالجاه والحظ من البدع ومن وسائل الشرك وليس من الشرك، لكن من وسائل الشرك، وبهذا تعلم الفرق بين التوسل الشرعي، والتوسل البدعي المنكر. فالتوسل الشرعي أقسام وأنواع، أعظمه التوسل بتوحيد الله، الذي هو دين الله، التوسل بتوحيد الله والإخلاص له، والإيمان به وبرسله ثم التوسل بالأعمال الصالحات ثم التوسل بحبك لأنبيائه ورسله، وعباده الصالحين كحب آل البيت المؤمنين، وحب الرسل وحب الصحابة كل هذا من الوسائل الشرعية؛ الرابع: التوسل بدعاء أخيك لك، أن تقول

стр. 627

له: ادع الله لي يا أخي، ومنه دعاء النبي ﷺ للناس واستسقاؤه بالناس واستغاثته ﵊ للناس لما أجدبوا. أما القسم الثاني: المنكر فهو، التوسل بالشرك، ودعاء الأموات والاستغاثة بالأصنام، هذا شرك أكبر، وهذا معنى قوله جل وعلا في حق المشركين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١)، ومعنى قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢). هذا توسل بالشرك وعبادة غير الله، نعوذ بالله، وهذا شرك أكبر، ومنه التوسل البدعي وهو التوسل بجاه الأنبياء أو جاه الصالحين، أو حق الأنبياء أو حق الصالحين، أو ذوات الأنبياء أو ذوات الصالحين، اللهم إني أسألك بنبينا، أو بعمر أو بأبي بكر، هذا من البدع وفق الله الجميع وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 628

س: السائل من جمهورية مصر العربية يقول: اختلط على كثير من الناس مفهوم التوسل الجائز والتوسل الممنوع، نرجو من سماحة الشيخ أن يبين لنا ما هو التوسل، وما هو الجائز منه، وما هو الممنوع، وأمثلة على ذلك مأجورين؟ (١) ج: التوسل كما ذكر ابن القيم وغيره رحمة الله عليه، بأن التوسل أقسام ثلاث: توسل هو الشرك الأكبر، كدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والذبح لهم والنذر لهم، هذا هو الشرك الأكبر، يقول المشركون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢)، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣)، يتوسلون بدعائهم واستغاثتهم بهم، وهذا هو الشرك الأكبر. التوسل الثاني: التوسل بذواتهم، تقول: اللهم إني أسألك بذات فلان، أسألك بنبيك فلان، اللهم إني أسألك بعبادك الصالحين، اللهم إني أسألك بمحمد، بموسى، هذا توسل ممنوع، بدعة، لأنه وسيلة للغلو والشرك. التوسل الثالث: الجائز المشروع: وهو التوسل بأسماء الله وصفاته، التوسل بأعمالك الصالحة بإيمانك، هذا التوسل المشروع،

стр. 629

مثل ما قاله الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١)، ومثل ما كان النبي يدعو الله بأسمائه وصفاته، هذا يقال له التوسل المشروع، مثل ما في الحديث: «أعوذ بعزتك أن تضلني (٢)»، فالتوسل بصفات الله أمر مشروع، أسألك برحمتك، أسألك بعلمك، أسألك بإحسانك، أسألك بقدرتك أن تغفر لي، ومنه حديث الدعاء الذي سأله عثمان بن أبي العاص واشتكى إليه مرضا، قال: «ضع يدك على ما تشتكي، وقل: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (٣)»، فتوسل بعزة الله وقدرته من شر ما يجد ويحاذر، استعاذ بذلك، ومنه: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أما التوسل بالإيمان والأعمال الصالحة والتقوى لله، فهذا هو التوسل الشرعي، فالتوسل بصفات الله وبأسماء الله، وبإيمانك وتقواك هذا التوسل الشرعي. أما التوسل بالذوات، ذات فلان، وذات فلان، أو جاه فلان، أو حق فلان، هذا توسل بدعي، ولا يتوسل بجاه فلان، ولا بحق فلان، ولا بالنبي فلان، ولا بذات فلان، هذا توسل بدعي.

стр. 630

أما التوسل بعلم الله، بطاعة الله، باتباع شرع الله، هذا كله لا بأس به، توسل بصفات الله، وتوسل بأسماء الله وصفاته: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١). ومنه التوسل بالأعمال الصالحة، كأن يقول: اللهم إني أسألك بإيماني بك، وبتوكلي عليك، وبثقتي بك، وببري لوالدي، وبأدائي الأمانة، وما أشبه ذلك، هذا توسل شرعي، ومنه حديث أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة فقالوا فيما بينهم: لن ينجيكم من هذا البلاء إلا أن تسألوا الله بصالح أعمالكم، فسألوا الله بصالح أعمالهم، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي في طلب شيء ذات ليلة، فلم أرح عليهما إلا وقد ناما، فوقفت على رؤوسهما، والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما، ولم أستحسن استيقاظهما حتى برق الصبح، فلما استيقظا شربا غبوقهما، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج منه، وقال آخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وإني راودتها على نفسها فأبت، فألمت بها سنة - يعني حاجة شديدة - فجاءت إلي تقول يا ابن العم أعني، فقال: لا حتى تمكينيني من نفسك، فطاوعته من أجل حاجتها، فلما جلس بين رجليها قالت له: يا عبد الله اتق الله

стр. 631

ولا تفض الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت عنها خوفا منك، وهي أحب الناس إلي، وتركت لها المال، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء، لكنهم لا يستطيعون الخروج، ثم قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيت كل أجير حقه، إلا واحدا ترك أجره، فنميته له وثمرته له، حتى صار منه إبل وبقر وغنم وعبيد، فجاء إلي بعد ذلك وقال: يا عبد الله أعطني أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر، والغنم، والعبيد، قال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، قلت: إني لا أستهزئ بك إنه من أجرك نميته لك فخذه فاستاقه كله، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة حتى خرجوا. (١) هذا توسل من هؤلاء الثلاثة بأعمالهم الطيبة التي فعلوها لله ، فنفعهم الله بها عند الشدة. س: السائل عبد الرءوف من الجزائر يقول: ما هو التوسل، وأيهما الجائز، وأيهما الممنوع، وما حكم الشرع في نظركم سماحة الشيخ في التوسل ببركة رمضان؟ (٢) ج: التوسل أقسام، توسل كفري، وهو أن يتوسل بدعاء الأموات،

стр. 632

والاستغاثة بالأموات، كونه يأتي الميت يسأله أن يغيثه، أو أن ينصره، أو أن يقضي حاجته، أو يفرج كربته، هذا شرك، ويسميه بعض الناس توسلا، يسمون شركهم توسلا، هذا شرك أكبر، إذا دعا الأموات أو استغاث بالجن، أو بالأموات، أو بالغائبين يطلبهم الغوث، أو العون، أو النصر على الأعداء، هذا الشرك الأكبر، والتوسل الثاني: التوسل بجاههم وحقهم، يقول: اللهم إني أسألك بجاه فلان، أو بحق فلان، أو بفلان، هذا بدعة، من وسائل الشرك، لا يجوز. التوسل الثالث: التوسل بالإيمان، أو بالعمل الصالح أو بالأسماء والصفات، هذا سنة، مطلوب، اللهم إني أسألك بأنك الرحمن الرحيم، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى أن تغفر لي، اللهم إني أسألك بإيماني بك ومحبتي لك أن تغفر لي، اللهم إني أسألك ببر والدي وصلة رحمي أن تغفر لي، كل هذا وسيلة شرعية، هذا توسل بالإيمان، والتوحيد، أو بالأعمال الصالحات، كله طيب، كله مشروع، ومن هذا الحديث: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت (١)» توسل شرعي. ومن هذا توسل أصحاب الغار لما انطبقت عليهم الصخرة توسلوا إلى الله بأعمالهم الطيبة، أحدهم توسل ببره لوالديه، والثاني توسل بعفته عن الزنا، والثالث توسل بأدائه الأمانة، ففرج الله عنهم الصخرة.

стр. 633

٤٦ - الصحابة كانوا يتوسلون به ﷺ لنزول الغيث، وبعد وفاته توسلوا بعمه العباس أن يستغيث لهم س: يوجد حديث عن النبي ﷺ أن الصحابة كانت تتوسل به لنزول الغيث، وعندما مات ﷺ كانت الصحابة تتوسل بالعباس ﵁، لنزول الغيث، فلماذا لا يجوز لنا التوسل بالنبي ﷺ ليشفع لنا وغير ذلك من الأمور؟ (١) ج: كان الصحابة ﵃ يتوسلون به في حياته، يعني بدعائه وشفاعته، لا بالذات، يتوسلون بدعائه وشفاعته إلى الله ، فكان يخطب ويدعو ويستغيث، فيغيث الله المسلمين أو يدعو للشخص بدعوات صالحة ينفعه الله بها، وهكذا يوم القيامة يطلب الناس منه الشفاعة فيشفع لهم في الموقف حتى يريحهم الله من هول الموقف ويشفع في أهل الجنة، حتى يدخلوا الجنة، بعدما يتقدم الناس إلى آدم، ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى، كلهم يعتذرون كل واحد يقول: اذهبوا إلى غيري لست لها، حتى يقول لهم عيسى وهو الأخير منهم: اذهبوا إلى محمد ﵊، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: فيأتوني يعني يأتيه الناس، يأتيه المؤمنون فيقول: أنا لها أنا لها، ﵊، ثم يتقدم إلى ربه فيسجد بين يديه، ويحمده بمحامد عظيمة يفتحها الله

стр. 634

عليه، ثم يقول له الرب جل وعلا: ارفع رأسك فقل يسمع واسأل تعط، واشفع تشفع، فبعد الإذن يشفع ﵊، في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، ثم يشفع في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة، وفي حياته ﷺ ، يطلب منه المسلمون أن يستغيث لهم، أن يدعو لهم، وأن يستشفعوا بدعائه، لا بذاته؛ فلهذا لما توفي ﷺ تركوا ذلك واستسقى عمر بالعباس وقال: عمر ﵁: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا. ولو كان التوسل بذاته جائزا لتوسلوا به بعد وفاته ﵊، ولم يحتاجوا إلى العباس، فلما عدل عمر والصحابة إلى العباس، ليدعو لهم دل على أن التوسل بالدعاء والشفاعة لا بالذوات، فالمسلمون اليوم يتوسلون إلى الله بالدعاء يسألون الله ويدعونه، أن يسقيهم وأن يرحمهم وأن يغفر لهم، لا بذات النبي ﷺ ولا بغير ذات النبي، وإذا رأى المسلمون أن يدعو لهم فلان أو فلان، لما فيه من الصلاح والخير، فقالوا له: تقدم فادع الله لنا، أو وجدوا من أهل بيت النبي ﷺ من هو معروف بالخير والفضل والعلم، وطلبوا منه أن يدعو الله لهم، كله طيب كما فعله عمر مع العباس.

стр. 635

٤٧ - حكم طلب الإنسان من شخص أن يدعو له س: الأخت / أم البراء من أبها تقول: طلب الإنسان من شخص أن يدعو له، كأن يقول: ادع لي في سفرك، أو لا تنسنا من الدعاء، أو غير ذلك، هل هذا من التوسل بغير الله، وجهونا في ضوء هذا الدعاء مأجورين؟ (١) ج: طلب الدعاء من الأخ في الله أو الأخت في الله لا حرج فيه، وليس من التوسل المذموم، النبي ﷺ قال في بعض أيامه لأصحابه: إنه يقدم عليكم شخص من اليمن يقال له أويس القرني كان بارا بأمه، فمن لقيه منكم فليطلب منه أن يستغفر له، ويروى عنه ﷺ أنه قال لعمر لما أراد العمرة: «لا تنسنا من دعائك (٢)». فالمقصود أن كون الإنسان يقول لأخيه: ادع الله لي في سفرك، أو في سفري، ادع الله لي بأن يرزقني الولد الصالح، أو الزوجة الصالحة، أو تقول له أخته أو أمه أو غيرهم ادع الله لي، كل هذا لا بأس به، المقصود أن الإنسان إذا طلب من أخيه أو من أخته في الله الدعاء لا حرج.
следующие страницы →