يشفعون، والمؤمنون يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون لكن لمن رضي الله قوله وعمله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (١)، فالشفاعة تكون لأهل التوحيد والإيمان، لا لأهل الشرك، والذي يظن أن الأولياء أو الأنبياء يشفعون للمشركين، الذين يعبدونهم مع الله ويدعونهم مع الله، فهذا غالط واعتقاده باطل، فلا يجوز أن يدعوا مع الله، ولا يسألوا الشفاعة ولا يستغاث بهم، ولا ينذر لهم ولا يذبح لهم، كل هذا من الشرك بالله ، وإذا أردت شفاعة الأنبياء والمؤمنين فعليك بطاعة الله وتوحيده، واتباع شريعته والاستقامة على دينه.
فالأنبياء والأولياء والمؤمنون يشفعون لأهل التوحيد والإيمان، كما أن الملائكة تشفع والأفراط تشفع أيضا، لكن لمن رضي الله قوله وعمله، لأهل الإيمان، لأهل التوحيد، لا لأهل الشرك بالله ، ولكن الشياطين تلعب بكثير من الناس، وتزين لهم أن هؤلاء الأولياء يتصرفون في الكون وأنهم ينفعون ويضرون، ويشفون مرضى الناس، إذا تقربوا إليهم بالذبائح أو النذور، هذا من الشرك الأكبر وهذا من ألاعيب الشيطان، وهذا من فعل الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) ويتقربون لقبورهم وللأصنام التي صورت على صورهم، بقرابين من السجود والذبح وغير ذلك يزعمون أنهم بهذا
стр. 702
يشفعون لهم عند الله، وهذا عين الكفر، وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) يعني عبدوهم مع الله، معتقدين أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، بذبحهم لهم، وسجودهم لهم ودعائهم إياهم واستغاثتهم بهم، وهذا هو الشرك الأكبر، فيجب الحذر من هذه الخرافات والضلالات، التي هي من أعمال الشياطين، ومن أعمال المشركين فلا يدعى مع الله أحد، لا ولي ولا غيره، ولا نبي ولا غيره، ولا ملك ولا غيره، بل يدعى الله وحده، ويسأل ويطلب منه قضاء الحاجات، وتفريج الكرب ، أما المؤمن الميت، يدعى له بالمغفرة والرحمة، والحي يدعى له بالثبات على الحق، والأنبياء يصلى عليهم، عليهم الصلاة والسلام، ويدعى الله لهم، أن يجزيهم عما قاموا به خيرا، ولا يعبدون مع الله ، العبادة حق الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٤) سماه شركا.
стр. 703
فالواجب الحذر، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) ومن زعم أن الولي يأتي بحلوى، أو يأتي بكسوة أو يأتي بذبيحة، أو يأتي بلحم، فهو غلطان، هذا من عمل الشيطان، الشياطين هي التي تأتي بهذه الأمور، حتى تشجعهم على الشرك، وعبادة غير الله ، نسأل الله العافية.
стр. 704
٦٨ - تحريم أجساد الأنبياء على الأرض خاص بهم دون غيرهم من الصالحين
س: الأخ: ع. ي. من المملكة الأردنية الهاشمية، عمان من دائرة التربية والتعليم، يقول: نعرف جميعا: أن الأرض قد حرمها الله على أجساد الأنبياء والشهداء، فهل حرمت أيضا على الصالحين؟ ومن هم الصالحون في التقييم الإسلامي وعند الله ، وهل يعتبر سيف الله المسلول خالد بن الوليد من الصالحين؟ وهل حرمت الأرض على جسمه رغم أنه لم يمت شهيدا، ولكن قيمته بأكثر من قيمة الشهيد، وأيضا ذكر الله في كتابه العزيز، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١)
стр. 705
وفي موضع آخر من القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) صدق الله العظيم، هنا ذكر الله في هاتين الآيتين أن إبراهيم ﵇ كان من الصالحين، فهل كان سيدنا إبراهيم ﵇ نبيا، كما نعلم جميعا أم صالحا كما ذكر الله ، في كتابه العزيز، أرجو التوضيح تجاه هذه القضايا، جزاكم الله خيرا وعن المسلمين؟ (٥)
ج: قد صح الحديث عن رسول الله ﵊: «أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء (٦)»، أما الشهداء الصالحون فلم يرد فيما نعلم ما يدل على تحريم أجسادهم على الأرض، وإنما ذاك في الأنبياء خاصة، كما جاء به الحديث، ولا ريب أن أصحاب
стр. 706
النبي ﷺ كلهم من الصالحين، وهكذا خالد بن الوليد هو من أصلح الصالحين ﵁ وأرضاه، وهكذا جميع الأنبياء والمرسلين كلهم من الصالحين وإن كانوا أنبياء فوصف الصالح يعم الجميع، وإذا أطلق الصالحون فهو يعم الأنبياء والمرسلين وجميع عباد الله المؤمنين الذين استقاموا على دينه، وأدوا حقه وحق عباده، يقال لهم صالحون كلهم، وهكذا قال الله جل وعلا في شأن إبراهيم سماه وأدخله في الصالحين لكونه ممن قام بحق الله وحق عباده؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).
فهو مصطفى مختار، وهو خليل الرحمن وهو أفضل الأنبياء وأكملهم بعد نبينا محمد ﵊، ونبينا هو سيد ولد آدم، وهو خليل الله الثاني، فإبراهيم ومحمد هما الخليلان، وإبراهيم هو جده ومحمد حفيد إبراهيم، وهو أفضل الأنبياء ويليه في الفضل جده إبراهيم عليهم الصلاة والسلام جميعا، وعلى سائر أنبياء الله ورسله، والصالحون إذا أطلقوا عموا الأنبياء والصالحين والشهداء، وجميع من اتقى الله وأدى حقه وحق عباده يقال له صالح، وإذا أضيفوا إلى الأنبياء والصديقين والشهداء صاروا غيرهم، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢)، فجعل
стр. 707
الصالحين في المرتبة الرابعة وهم غير الأنبياء وغير الصديقين وغير الشهداء، والمرتبة الأولى مرتبة الأنبياء والرسل، ثم يليهم مرتبة الصديقية، ثم يلي ذلك مرتبة الشهداء ثم عم الصالحين، والصالح من عباد الله هو الذي أدى حق الله وحق عباده، يقال له: صالح، أدى حق الله يعني أدى أوامره واجتنب نواهيه وأدى حق العباد فلم يظلمهم، بل أدى حقوقهم مثل حق الجوار، وحق المؤمن على أخيه، وحق الوالدين، وحق الرحم، إلى غير ذلك.
فالصالح من عباد الله هو الذي أدى حق ربه رغبة فيما عنده، وإخلاصا له سبحانه، وأدى حق العباد ولم يظلمهم، ولم ينقصهم حقوقهم، فهذا يقال له: صالح ويقال له: مؤمن، ويقال له: مسلم ويقال له: تقي؛ ويقال: له بر، فالصالحون هم الأبرار وهم الأتقياء وهم المتقون، وهم المؤمنون وهم المسلمون وهذه الأوصاف تشمل الأنبياء والصالحين، الأنبياء يقال لهم مسلمون، ويقال: صالحون، ويقال: مؤمنون ويقال: متقون، ويقال: أبرار. لكنهم يمتازون بالنبوة والرسالة فهم في المرتبة العليا أعلى المراتب، وأفضلها مرتبة الأنبياء والرسل، والرسل أعلى مرتبة ثم يليهم النبيون، ثم يلي ذلك مرتبة الصديقين الذين كمل تصديقهم، وكمل إيمانهم حتى صارت منزلتهم فوق منزلة الشهداء والصالحين، بسبب كمال صدقهم وكمال تصديقهم وكمال إيمانهم، وكمال تقواهم لله ، ثم يليهم الشهداء الذين باعوا نفوسهم على الله، وقدموها طاعة لله، واستشهدوا في سبيله، ثم
стр. 708
يليهم عموم المؤمنين وهم الصالحون، وبذلك يتضح لك أيها السائل أن الصالح يوصف به جميع المؤمنين، من أنبياء وغيرهم عند الإطلاق وعند ضمه إلى الرسل والأنبياء والصديقين والشهداء، يكون الصالح في المرتبة الرابعة، يعني الذي أدى حق الله وأدى حق عباده، ولكنه ليس نبيا ولا صديقا ولا شهيدا، ومنهم خالد بن الوليد ﵁ ورحمه، وبقية الصحابة الذين لم يستشهدوا ولم يكونوا من الصديقين هم من هذه المرتبة.
وكون إبراهيم الخليل ﵇ من الصالحين، لا يخرجه عن كونه نبيا، فالأنبياء صالحون، وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ ، ثم الخليل إبراهيم هما أفضل الناس، وهما أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ أما خالد بن الوليد ﵁ فقد مات على فراشه، كما روي ذلك، وقد يقال إنه أفضل من كثير من الشهداء، أما كونه أفضل من الشهداء على العموم فلا يقال هذا، بل يقال: أفضل من كثير من الشهداء لما أعطاه الله من الفضل العظيم والبسالة في الجهاد، والصبر على الجهاد والقوة في دين الله، وما حصل على يده من النفع العظيم، في قتال أهل الردة وغيرهم، ومن قتال الروم وقتال الفرس، والله جل وعلا جعل له مراتب كبيرة، ومزايا عظيمة، فهو لا شك من الصالحين وهو لا شك أفضل من كثير من الشهداء.
стр. 709
٦٩ - حكم مدح الرسول ﵊ بشعر فيه غلو
س: الأخ أبو محمد، يقول: هل يجوز مدح الرسول ﷺ ، بمثل هذا الشعر وإنشاده بالمجالس:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم (١)
ج: هذه أبيات منكرة شرك، هذه من أبيات البردة للبوصيري لا تجوز، بل هذه من الشرك الأكبر، أعوذ بالله، فإن الرسول ﷺ ليس من جوده الدنيا وضرتها، ضرتها الآخرة، هذا من جود الرب جل وعلا، ما يملكه النبي ﷺ ولا يعلم ما في اللوح والقلم ﵊، ما يعلم الغيب ﵊، وفي قوله:
ما لي من ألوذ به سواك،
هذا معناه جعله المعاذ والملاذ، وهذا شرك أكبر، نعوذ بالله
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا ........................... ،
يعني يوم القيامة، معناه: أنه هو الذي يجير من النار، وهذا شرك أكبر نعوذ بالله، الذي يجير من النار هو الله وحده، ولكن اتباع النبي من أسباب السلامة من النار؛ أما النبي فلا يملك الدنيا
стр. 710
والآخرة، ولا يجير من النار بل هو عبد مأمور ﵊.
стр. 711
٧٠ - حكم تقبيل القبور والاستغاثة بها
س: أسألكم عن زيارة قبور الصالحين وتقبيل الحجر، يعني النصايب، هل هذا يجوز أم لا، وعن مديح المشايخ، هل هذا يجوز أم لا؛ وعن المدد أو الاستمداد من غير الله، مثل مدد يا شيخ الفلاني، هل هو في قبره يمدني أم لا؟ أفيدونا إننا غشماء عن هذه ولا ندري، هل هذا القول يجوز أم حرام؟ (١)
ج: زيارة القبور للصالحين وللمسلمين عموما سنة، الرسول ﷺ أمر بزيارة القبور وحث عليها وقال: «إنها تذكر الآخرة (٢)» وتزهد في الدنيا وتذكر الموت، وقال ﵊. «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٣)»؛ وكان يعلم أصحابه ﵊ إذا زاروا القبور أن
стр. 712
يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية (١)»، وفي حديث عائشة يقول: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٢)»
وعلينا معشر المسلمين أن نعلم هذا الحكم ويشرع لنا أن نفعل ذلك بأن نزور القبور للذكرى والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا والإحسان للموتى بالدعاء لهم، الإنسان يزورهم ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة والعافية وليتذكر الآخرة؛ لأنه صائر إلى ما صاروا إليه من الموت حتى يستعد للآخرة، أما تقبيل القبور فلا. ما يقبل النصايب ولا التراب ولا الجدران إن كان عليها جدران ولا القضبان إن كان هناك قضبان، كل هذا منكر لا يجوز ومن الغلو، ولا يجوز البناء على القبور.
القبور يجب أن تكون مكشوفة ليس عليها بناء، واتخاذ القباب عليها من البدع، وهكذا بناء المساجد عليها من البدع التي أنكرها الرسول ﷺ ونهى عنها قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣)»، وقال
стр. 713
جابر ﵁: نهى النبي ﷺ عن المشي والقعود عليها والبناء عليها والكتابة عليها، فليس لأحد أن يبني على القبور، لا قبابا ولا مساجد ولا غير ذلك وليس له أن يقبلها ولا يتبرك بترابها ولا أن يطلب من الشيخ المدد كما سيأتي، ولا يجوز أن يقول: يا رسول الله مدد مدد؛ ولا يا فلان للشيخ عبد القادر أو يا شيخ سيد بدوي أو يا حسن أو يا حسين أو يا فلان أو يا أبا حنيفة أو يا أبا فلان، كل هذا لا يجوز، المدد لا يطلب من الميت بل يطلب من الله جل وعلا ويقول: يا رب أغثني يا رب ارحمني، يا رب اشف مريضي، يا رب ارزقني، أما طلب المدد من الموتى فهو من الشرك بالله ، من الشرك الأكبر، من عمل الجاهلية فلا يقبل الحجارة ولا النصايب ولا التراب ولا أخذ التراب للبركة.
ولا يطلب المدد من المخلوق من الميت أم الحي الحاضر، تقول: يا أخي ساعدني في كذا، أعني على كذا، وتعني الحي الحاضر القادر، لا بأس لكن الميت لا نقل: المدد المدد؛ ولا نقل: اشف مريضي، انصرني على عدوي، لا يقول هذا للميت، الميت انقطع عمله، وليس له التصرف في الكون، بل التصرف لله وحده ، وهو المتصرف في كل شيء، وهو القادر فوق عباده، هو النافع الضار، هو المعطي المانع .
أما الميت فهو مرتهن بعمله ليس له تصرف، قال النبي ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية (مثل الأوقاف التي يوقفها في حياته)، أو علم ينتفع به (كتب ألفها أو طلبة علمهم، له أجر
стр. 714
ذلك) أو ولد صالح يدعو له (١)».
أما كونه يتصرف في الكون، أو يمد هذا أو يضر هذا فهذا منكر لا حقيقة له، ولا صحة له؛ فالاستغاثة بالأموات والنذر لهم والتقرب إليهم بالذبائح الطلب منهم المدد والغوث كل هذا من فعل الجاهلية، من عمل أهل الشرك، وهو شرك أكبر يجب الحذر منه، ولذلك أيها السائل عليك أن تبلغ من يفعل هذا بأنه منكر وشرك يجب ترك ذلك، والتوبة إلى الله من ذلك لأن هذا من عمل الجاهلية، كذلك مديح المشايخ، المديح فيه تفصيل: ترك المديح أولى لأنه قد يسبب الغلو، وقد يعجب الممدوح بنفسه وربما أكسبه الكبر والخيلاء، ترك المديح أولى، النبي ﵊ قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب (٢)».
فالمدح فيه خطر، قال سيد الخلق ﵊: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله (٣)»، نهى عن الزيادة في مدحه، والإطراء والغلو؛ لأن هذا قد
стр. 715
يفضي إلى الشرك، ولهذا خاف على أمته ﵊ نهاهم عن إطرائه كما فعلت النصارى حتى قالت في ابن مريم: إنه ابن الله، وحتى عبدوه من دون الله، بسبب الغلو والإطراء، فالنبي ﷺ نهى عن الإطراء، وأن لا يمدح إلا بحق، يمدح بصفاته أنه رسول الله، أنه عبد الله ورسوله، أنه الأمين أن الله بعثه رحمة، أنه يشفع للناس يوم القيامة، أنه سيد الخلق ﵊، يمدح بما وصفه الله سبحانه به ﵊، لكن لا يجوز الغلو فيه أن يعبد من دون الله أو يستغاث به أو يطلب منه المدد أو النصر على الأعداء بعد موته ﵊، لا، هذا غلو هذا إطراء منكر، والمشايخ يجب عليهم اتباع النبي ﷺ ، بكراهة المدح، وأن لا يتساهلوا في هذا؛ لأن إطلاق المديح لهم من أتباعهم أو من طلبتهم، قد يفضي إلى شر وإلى عجب، وإلى خيلاء وكبر.
فينبغي للعلماء أن يكرهوا المدح وأن لا يسمحوا لأتباعهم ولا طلبتهم بالتوسع في هذا، أما المدح القليل، مما فيه التشجيع على الخير، والتقوية على الخير، والتنشيط عليه فلا بأس قد مدح النبي بعض الصحابة، وقال لعمر: الفاروق: «ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك (١)» يعنيه ﵁، فالمدح القليل الذي
стр. 716
لا يخشى منه شر، لا بأس به للتشجيع على الخير، والدعوة إليه، أما التوسع في المديح والإكثار فيه، فالأولى تركه، ولو كان بحق لأنه يخشى منه الفتنة إذا كان الممدوح حيا يخشى عليه الفتنة.
س: يسأل المستمع ويقول: ما هو حكم زيارة قبور من يقال بأنهم من الصالحين، أو الأولياء أو الأقطاب، أو الأسياد، أو المشايخ، ويقدم لهم الحلوى والمأكولات عند تلك القبور للزوار، بعضهم البعض، والدعاء بجاه أولئك السادة، أن يشفع الله للزائر ويقضي حاجته؟ (١)
ج: زيارة القبور سنة، كما قال ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة (٢)»، لكن كونه يستشفع بهم أو يتوسل بهم، لا يجوز، أو يقرأ عندهم، أو يزورهم ليطعم الطعام هناك، ويتصدق وغيره فلا، هذا ما هو بمشروع، هذا بدعة؛ ولكن يزورهم للسلام فقط، والدعاء لهم فيقول: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، نسأل الله لنا ولكم العافية (٣)»، كما أمر النبي الصحابة قال: «زوروا القبور فإنها
стр. 717
تذكركم الآخرة (١)»، وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية (٢)»، وكان يقول في دعائه لهم: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين،» هذا هو السنة.
أما أن يزورهم للصدقة عند قبورهم، أو لدعائهم من دون الله، أو للتوسل بهم، أو للطعام عندهم، كل هذا لا يجوز، ودعاؤهم والاستغاثة بهم شرك أكبر، إذا دعا أهل القبور قال: انصروني، أو أغيثوني من كذا، أو اشفعوا لي هذا منكر من المنكرات الشركية لا يجوز، أو قال: اللهم إني أسألك بجاههم، أو بفلان أو فلان، كل هذا منكر، ولكن يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته وبأعماله الصالحة، كما توسل أهل الغار لما انطبقت عليهم الصخرة، توسلوا بأعمالهم الصالحة.
أما التوسل بأسماء فلان وفلان فلا يجوز، ولكن يسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، كما قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣)، وهكذا التوسل بالأعمال الصالحة، وبالدين وبمحبة الله ورسوله، كأن يقول: اللهم إني أسألك بإيماني بك وبرسولك، اللهم إني أسألك بمحبتي لك وبمحبتي لرسولك، اللهم إني أسألك ببري لوالدي، واجتنابي ما حرمت علي، يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة، والثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار
стр. 718
توسلوا، واحد ببر والديه، والثاني توسل بعفته عن الزنا، والثالث توسل بأدائه الأمانة، ففرج الله عنهم.
стр. 719
٧١ - حكم التبرع بالأموال لقبور الأولياء
س: يقوم بعض الناس بوضع نقود ليست بسيطة على القبور، بما يسمونها قبور الأولياء ثم تجمع هذه النقود ويصرفونها لتعمير القباب وزخرفتها ووضع الأنوار عليها واستعمال مكبرات الصوت على تلك القباب لمثل دعايات ذلك الولي، كما يؤدون هناك صلاة الفريضة أحيانا داخل المقابر حول ذلك الولي، فما حكم الدين الإسلامي في مثل هذه الأفعال حفظكم الله؟ (١)
ج: أولا: التقرب بالنقود أو بالطعام، أو بالخبز إلى القبور هذا منكر، ومن الشرك الأكبر؛ لأنها تقرب إليهم، وعبادة لهم بالصدقات يتقرب إليهم، يرجو بهذا فضلهم وثوابهم وبركتهم مثل لو ذبح لهم، ومثل لو صلى لهم؛ لأن من تقرب بذلك يرى أنهم يصلحون لهذا الأمر، وأنه يتقرب إليهم بالصدقات، أو بالذبائح أو بغير ذلك حتى ينفعوه وحتى يشفعوا له، وحتى يبرئوا مريضه، وحتى يعطوه الولد أو إلى غير ذلك.
ثانيا: اتخاذ القباب على القبور أيضا منكر، لا يجوز البناء عليها
стр. 720
مطلقا، بل يجب أن تبقى مكشوفة ليس عليها بناء؛ لقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)»، ولما ثبت في الصحيح عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور، وعن القعود عليها، وعن البناء عليها، (٢)» فالرسول نهى عن البناء عليها، ونهى عن الكتابة عليها.
فالواجب أن لا يكتب عليها، وأن لا يبنى عليها لا قبة ولا غيرها.
ثالثا: الصلاة عند القبور لا تجوز، الرسول ﷺ لعن من اتخذها مساجد، وقال ﷺ : «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٣)»، رواه مسلم في الصحيح فنهاهم أن يتخذوها مساجد، ومن صلى عند القبر فقد اتخذه مسجدا، ولو ما بنى عليه قبة، ولو ما بنى عليه مسجدا، ما دام يصلي عند القبور وبين القبور، فإنه بهذا يتخذها مسجدا؛ لأن الرسول عليه الصلاة قال: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (٤)»
стр. 721
فمن صلى في محل اتخذه مسجدا، ولهذا لا يصلى في المحل النجس، ولو صلى بين القبور، فإذا صلى عند القبور أو إلى القبر، أو في طرف المقبرة كل هذا من الاتخاذ لها مساجد، فالواجب الحذر من ذلك.
стр. 722
٧٢ - حكم الاعتكاف وإقامة حلقات الذكر عند القبور
س: الأخ: ع. ي. يسأل ويقول: يأتي ناس لأحد القبور لدينا من جميع البلدان، ويقفون عند القبر، بل ويقيمون لفترة لا تقل عن أسبوع ويعملون حلقات الذكر، فكيف نوجه هؤلاء وبما توجهونهم؟ جزاكم الله خيرا وأحسن إليكم (١)
ج: هذا بدعة، من وسائل الشرك يوجهون بأنه لا يجوز لهم هذا، والمشروع أن يأتوا للسلام والزيارة، ويسلمون على أهل القبور ويدعون لهم، ثم ينصرفون.
أما الجلوس عندهم لإقامة دروس، أو قراءة القرآن، أو لأجل الدعاء يوما أو يومين أو أقل أو أكثر فهذا لا يجوز، ليس من سنته ﵊، إنما يسلم ويدعو لهم ثم ينصرف، كان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم
стр. 723
العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (١)»، وهكذا كان يفعل ﷺ ، يزور القبور ويسلم عليهم ويدعو لهم ثم ينصرف.
أما الجلوس عندهم أسبوعا أو أسبوعين أو يوما أو يومين، للصلاة أو للدعاء أو للقراءة، أو للصدقات، هذا لا أصل له، بل هو من وسائل الشرك والغلو، فإن دعوا الأموات واستغاثوا بهم صار شركا أكبر، دعوهم أو نذروا لهم أو ذبحوا لهم، يتقربون إليهم بذلك أو استعانوا بهم هذا هو الشرك الأكبر، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٤) فسماه شركا ثم دعاؤهم إياهم شرك بهم، فدل ذلك على أنه لا يجوز دعاء الأموات ولا الأصنام ولا الأحجار ولا الكواكب، ولا الملائكة ولا غيره، بل يدعى الله وحده، هو الذي يدعى جل وعلا، هو الذي يسأل ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٥)، فالمؤمن يجتهد في دعاء ربه والضراعة إليه وسؤاله، ولا يدعو معه لا ملكا ولا نبيا، ولا شجرا، ولا حجرا، ولا صنما، ولا جنا ولا كوكبا، ولا غير ذلك. العبادة حق الله وحده.
стр. 724
أما الحي الحاضر الذي يسمع كلامك، أو من طريق المكاتبة، أو الهاتف تقول له: افعل كذا، وتأمره بكذا، لا بأس عن طريق الهاتف، عن طريق المكاتبة، أو حاضر عندك، تقول له افعل كذا، أصلح سيارتي، اسق نخلي، أرسل لي كذا وكذا لا بأس بهذا، هذه أمور عادية لا بأس بها، ولهذا قال الله سبحانه في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١) يعني حاضرا عنده، يقدر على إغاثته، بخلاف دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات أو الغائبين، أو الجن، أو الملائكة أو الأشجار أو الأحجار، هذا كله من الشرك الأكبر.
стр. 725
٧٣ - الصلاة في المساجد التي فيها قبور
س: في مدينة دنقلا بالسودان، مسجد كبير وبه ضريحان لشخصين، يعتقد الناس أنهما من الصالحين، وهذه الأضرحة تزار وتقدم لها القربان، والمقابر من جهة القبلة، ويفصل بينها وبين المصلين حائط المصلى فقط؛ هل يجوز لي أن أصلي في هذا المسجد، لتبليغ الدين، علما بأن المسجد يجمع ناسا كثيرين، من مناطق مختلفة وإذا صليت ما حكم صلاتي، هل أعيدها أم ماذا أفعل؟ (١)
стр. 726
ج: بناء المساجد على القبور منكر عظيم، وهو من وسائل الشرك؛ لقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)»، فلا يجوز البناء على القبور ولا اتخاذ المساجد عليها، ولا جعلها مصلى، فالمسجد الذي فيه قبر أو أكثر، لا يصلى فيه والصلاة فيه غير صحيحة؛ لأن الرسول نهى عنها، ولعن من فعل ذلك، ﵊.
وقال في الحديث الآخر الذي رواه مسلم، في الصحيح: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوها مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٢)»، فنهى عن اتخاذ القبور مساجد، قال: إنه ينهى عنها، ولعن من فعلها وذمه، فلا يجوز للمسلمين أن يصلوا في المساجد، التي فيها القبور بل يجب نبشها، فعلى الدولة وعلى أهل الحل والعقد، أن ينبشوها ويجعلوها في مقابر المسلمين؛ لتبقى المساجد ليس فيها قبور على الدولة إذا كانت تدين بالإسلام، أن تنبش هذه القبور التي في المساجد، وأن تجعلها مع المسلمين في مقابرهم، حتى تخلو المساجد من القبور، هذا إن كانت القبور بعد المسجد، أما إن كان المسجد بني عليها وهي قديمة، فالواجب أن يهدم المسجد، ولا يصلى فيه ويلتمس
стр. 727
أهل الحي أرضا أخرى، ليس فيها قبور فيعمرون فيها مسجدا، ويصلون فيه، أما المسجد الذي بني على القبور، فالواجب هدمه لأنه أسس على معصية الله، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه: «نهى عن تجصيص القبور، والقعود عليها والبناء عليها (١)»، رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر ﵁، والخلاصة أن القبر إن كان جديدا، والمسجد هو الأسبق، وجب نبش القبر، ونقل الرفات إلى المقابر الأخرى، تجعل في حفرة ينصب ظاهرها كالقبر، وهكذا لو كان أكثر من قبر، قبرين أو ثلاثة، كلها تنقل كل رفات قبر تجعل في حفرة وحدها في المقابر العامة، يجعل ظاهرها كظاهر القبور، حتى لا تمتهن ويبقى المسجد خاليا.
أما إن كانت القبور هي الأصل، والمسجد هو الحادث بني عليها فيهدم؛ لأنه أسس على غير التقوى، على المعصية فيهدم ويبنى لأهل الحي مسجد في محل آخر ليس فيه قبور، طاعة لله ورسوله ﵊، وعملا بما دلت عليه النصوص، وتحذيرا للمسلمين من الشرك وقطعا لوسائله؛ لأن وجود القبور في المساجد من وسائل الشرك، من وسائل الغلو فيها، ووسائل دعائها والاستغاثة بها، والطواف بها ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيجب الحذر من ذلك، أما
стр. 728
إن كان القبر خارج المسجد، عن يمينه أو شماله أو أمامه أو خلفه وليس في داخله، فالصلاة صحيحة، لكن لو تيسر إبعاده في المقابر، يكون أولى حتى لا يغلو فيه أحد، إذا كان خارج المسجد خارج بناء المسجد، عن يمين أو شمال أو أمام أو خلف، الأولى والأفضل أن ينقل لا يبقى القبر عند المسجد، لئلا يغلى فيه وينقل للمقابر العامة، ولكن الصلاة صحيحة؛ لأن المسجد سليم من القبور ليس في داخله قبور، ونسأل الله أن يوفق ولاة أمر المسلمين لتطهير بلادهم من آثار الشرك ووسائله وأن يعينهم على كل خير، وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم، وأن يوفق العلماء للقيام بما يجب من النصيحة لولاة الأمور، وإرشادهم إلى الخير وإعانتهم عليه.
فإن واجب العلماء عظيم في كل مكان، في السودان وفي غير السودان، وواجب العلماء عظيم، يجب عليهم أن يرشدوا الناس إلى أن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات أمر منكر، بل شرك أكبر، فإنه لا يجوز الطواف بالقبور، ولا دعاء أهلها، والاستغاثة بهم ولا أن يطلب منهم المدد، هذا منكر عظيم وشرك أكبر. فالواجب على أهل العلم في السودان، وفي مصر وفي الشام والأردن وفي كل مكان، وفي هذه الجزيرة كلها، في اليمن والخليج في كل مكان؛ الواجب على العلماء أن يبينوا أمر الله، ويرشدوا الناس إلى توحيد الله وطاعة الله، وأن ينكروا عليهم المنكرات، حتى يعرف الناس المنكر وحتى يحذروه، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وعليهم واجب عظيم هو واجب الدعوة والبلاغ، والأمر
стр. 729
بالمعروف والنهي عن المنكر، في كل بلد وفي كل دولة، وعلى العلماء إذا كانت الدولة كافرة، أن يرفعوا إليها ويبينوا لها أن هذا الأمر كذا وكذا، حتى تسمح لهم بعمل ما شرع الله، لأنه لا بد من قوة تعين على إزالة المنكر؛ لأن العامة الجهلة قد يعترضون على أهل العلم، فلا بد من الاستعانة بالله ثم بالدولة، حتى تعينهم على هدم المساجد التي بنيت على القبور، وحتى تعينهم على نقل القبور التي وضعت في المساجد تنقل رفاتها إلى المقابر العامة، وليس لأحد أن يفعل ما يحصل به التشويش، بل عليه أن يستأذن من ولاة الأمور، حتى تجري الأمور على طريقة حسنة مضبوطة من جهة ولاة الأمور.
وإذا كان ولي الأمر قد جعل الأمر لأمير البلد، وعلماء البلد قاموا بالواجب: العلماء يرفعون لأمير البلد، وأمير البلد ينفذ ويتعاون الجميع على البر والتقوى، كما قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١)؛ ولا يجوز للعالم السكوت عن هذا الأمر العظيم، والخطر الكبير يجب على أنصار السنة في مصر والشام والسودان وفي كل مكان، وعلى العلماء جميعا في كل مكان أن يبينوا للناس أمر الله، وأن يشرحوا لهم حقيقة الدين، وأن يوضحوا لهم أنواع الشرك الأكبر والأصغر، وسائر المعاصي حتى يجتنبوها، وحتى يحذروها، ويجب على العلماء أن ينكروا على الناس دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات والنذر للأموات، والذبح لهم وأن يجعل صناديق للنذور، هذا منكر عظيم
стр. 730
وشر وخيم، يجب على العلماء أن ينكروه بغاية النشاط، وبالأساليب الحسنة التي يحصل بها إنكار المنكر، فلا يحصل بها تشويش مع ولاة الأمور، بل يتصلون بولاة الأمور، ويخبرونهم بما يجب حتى تتفق الكلمة مع ولاة الأمور في إنكار المنكر، والقضاء على أسباب الشرك والفساد والشرك، فالعلماء واجبهم عظيم، وهم مسئولون أمام الله يوم القيامة، مسئولون عما قصروا فيه، وعما لم يقوموا به من الواجب، هم ورثة الرسل، هم خلفاؤهم، يقول الله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ولا سيما ما يتعلق بالعقيدة والشرك والتوحيد، هي أعظم من غيره.
وأصل الدين وأساس الملة عبادة الله وحده، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)؛ وقال سبحانه في سورة لقمان: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (٤) فدعوة الأموات والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم وطلب المدد منهم هذا من الشرك الأكبر، سواء كانوا أنبياء أو صالحين أو غيرهم، هذا حق الله، العبادة حق الله وحده لا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا به، الأموات قد انقطعت أعمالهم، إلا مما شرع الله من صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو لأبيه وأمه،
стр. 731
المقصود أنهم لا يدعون مع الله، ولا يستغاث بهم ولا ينذر لهم، ولا يذبح لهم، ولا يطلب منهم المدد، ولو كانوا عظماء في الدين كالعلماء والرسل، لا يجوز هذا أبدا، بل دين الله سبحانه إخلاص العبادة لله وحده؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)؛ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢)؛ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣)، هكذا يقول سبحانه، ويقول : ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤)؛ ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٥)، أما الحي القادر، لا بأس أن يستعان به، الحي القادر، تقول لأخيك: أعني على كذا يسمع كلامك، أو من طريق الكتابة تقول: يا أخي ساعدني على كذا، أعني على مزرعتي على إصلاح سيارتي، اشتر لي كذا، لا بأس بالتعاون بين الأحياء، أما دعاء الأموات أو دعاء الغائبين يسمعون وهم غائبون بدون واسطة، هذا شرك أكبر، أو دعاء الجن أو دعاء الملائكة، أو الاستغاثة بهم هذا هو الشرك الأكبر، بعث الله الرسل لإنكاره والنهي عنه والتحذير منه، وهو مصادم لقوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٦)؛ ولقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٧)؛ ولقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٨) نسأل الله أن يوفق ولاة الأمور، من الأمراء والعلماء لكل ما فيه صلاح
стр. 732
العباد والبلاد، وأن يعينهم على كل خير ويصلح لهم البطانة، وأن يجعلهم هداة مهتدين، وإيانا وسائر إخواننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإذا كان القبر في هذا المسجد لا يصلي معهم، إنما يجلس وينبههم أو في أوقات أخرى، في غير هذا المسجد، جماعات أخرى، أما إذا كان القبر خارج المسجد لا بأس يصلي معهم، ويذكرهم بالله، ويعلمهم دينهم، أما إذا كان القبر في داخل المسجد، فلا يصلي فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)»، هكذا قال ﵊، ولكن المؤمن يتحرى الأوقات المناسبة، فإذا جاء وقد صلوا ذكرهم، أو ذكرهم قبل الصلاة، وقال: أحب أن أصلي معكم لولا هذا القبر، والمساجد التي فيها القبور لا يصلى فيها، ويرشدهم أو بعد الصلاة يرشدهم ويعلمهم لا حرج في ذلك والحمد لله.
س: ما حكم البناء على القبر بما في ذلك المسجد؟ (٢)
ج: أما البناء على القبور فهو محرم سواء كان مسجدا أو قبة أو أي بناء لا يجوز ذلك؛ لأن الرسول ﷺ لعن اليهود، قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣)» فعلل اللعنة
стр. 733
باتخاذهم المساجد على القبور، فدل ذلك على تحريم البناء على القبور، وأنه لا يجوز، واتخاذها مساجد من أسباب الفتنة بها، لأنها إذا وضعت عليها المساجد افتتن بها الناس، وربما دعوها من دون الله واستغاثوا بأهلها فوقع الشرك، وفي حديث جندب بن عبد الله البجلي عند مسلم في صحيحه يقول النبي ﷺ : «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (١)»، هكذا يقول ﷺ يحذرنا من اتخاذ المساجد على القبور، فينبغي لأهل الإسلام أن يحذروا ذلك، بل الواجب عليهم أن يحذروا ذلك، وفي حديث جابر عند مسلم عن النبي ﷺ أنه نهى عن تجصيص القبور وعن القعود عليها أو البناء عليها، فالبناء عليها منهي عنه مطلقا واتخاذ القباب والمساجد عليها كذلك؛ لأن ذلك من وسائل الشرك إذا بني على القبر المسجد أو القبة ونحو ذلك عظمه الناس، وفتن به الناس، وصار من أسباب الشرك به، ودعاء أصحاب القبور من دون الله ، كما هو واقع في دول كثيرة وبلدان كثيرة عظمت القبور، وبنيت عليها المساجد وصار الجهلة يطوفون بها، ويدعونها ويستغيثون بأهلها، وينذرون لهم ويتبركون بقبورهم ويتمسحون بها، كل هذا وقع بأسباب البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وهذا من باب الغلو الذي حرمه الله، يقول النبي ﷺ : «إياكم والغلو في الدين فإنما
стр. 734
أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (١)»، وقال: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون (٢)»، يعني: المتشددين الغالين.
والخلاصة أنه لا يجوز البناء على القبور لا مسجد ولا غير مسجد ولا قبة وأن هذا من المحرمات العظيمة، ومن وسائل الشرك، فلا يجوز فعل ذلك، وإذا وقع فالواجب على ولاة الأمور إزالته وهدمه وأن لا يبقى على القبور مساجد، ولا قباب بل تبقى ضاحية مكشوفة كما كان هذا في عهد النبي ﷺ وفي عهد أصحابه ﵃ وأرضاهم والسلف الصالح، ولأن بناء المساجد على القبور من وسائل الشرك، كذلك القباب والأبنية الأخرى كلها من وسائل الشرك فلا تجوز بل الواجب إزالتها وهدمها؛ لأن ذلك هو مقتضى أمر النبي ﷺ ، هو أمر ﵊ بأن تزار القبور للذكرى والعظة ونهى عن البناء عليها، واتخاذ المساجد عليها؛ لأن هذا يجعلها آلهة يجعلها أوثانا تعبد من دون الله، فوجب امتثال أمره بالزيارة يعني شرع لنا أن ننفذ الأمر بالزيارة المشروعة فالزيارة مستحبة، يشرع لنا أن نزورها للذكرى والدعاء لأهلها بالمغفرة والرحمة، لكن لا نبني عليها لا مساجد ولا قبابا ولا أبنية أخرى؛ لأن البناء عليها من وسائل الشرك، والفتنة
стр. 735
بها من الجهة الأخرى، وهي وضع القبور في المساجد يدفن الميت في المسجد، هذا لا يجوز أيضا بعض الناس إذا مات قال: ادفنوني في المسجد هذا لا يجوز دفنه في المسجد بل يجب أن ينبش وينقل إلى المقبرة إذا دفن أحد في المسجد ينبش وينقل إلى المقبرة ولا يجوز بقاؤه في المسجد أبدا، هذا هو الواجب على أهل الإسلام ألا يدفنوا في المساجد يعني ليس لأحد أن يدفن في المسجد ينبش ينقل إلى المقبرة العامة.
س: قال الرسول ﷺ : «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (١)»، وله أحاديث تنهى عن بناء المساجد على القبور، فإذا وجد القبر، فعلينا التسوية، والمسجد النبوي أسأل الله أن يطعمني زيارته، ولكن من زار المسجد النبوي، وجد أن قبر النبي بارز غير مسوى مع الأرض، ويصلى عليه أحيانا، أنا أسأل مع السائلين هل هناك رخصة لقبر النبي ﷺ فقط وهذا غير وارد. أفتونا جزاكم الله خيرا؟ (٢)
ج: النبي ﷺ دفن في بيته، والصحابة رأوا دفنه في البيت حتى لا يتخذ قبره مسجدا، هذا هو الأصل لكن لما وسع أمير المؤمنين في وقته الوليد بن عبد الملك في المائة الأولى مسجد الرسول ﷺ أدخل
стр. 736
الحجرة في المسجد، ومن ذلك الوقت دخلت في المسجد، وإلا فهو مدفون في بيته ﵊، فلا حجة فيه لأحد من الناس؛ لأنه ﵊ لم يدفن في المسجد، وإنما دفن في بيته، ودخلت الحجرة برمتها في التوسعة.
أما الناس فلا يجوز لهم أن يدفنوا في المساجد، والرسول ﷺ لعن من فعل ذلك، قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)»، فلا يجوز الدفن في المساجد، ولا يجوز بناء مساجد على القبور، فكل هذا منكر، لعن النبي ﷺ من فعله، والواجب الحذر من ذلك، أما قبر النبي ﷺ فلم يدفن في المسجد، بل دفن في بيته، ولكن عند التوسعة أدخل البيت في المسجد، وكان هذا من أخطاء الوليد عفا الله عنه.
стр. 737
٧٤ - حكم من يقصد قبور الأولياء للغوث والشفاعة
س: السائل من الجزائر يقول: تعلق بعض الناس بالصالحين وهم موتى، فترى هذا الإنسان يذهب إلى هؤلاء الموتى يطلب منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات مع أن هؤلاء ماتوا، ويزعم أنهم صالحون، ما حكم عمل هؤلاء مأجورين؟ (١)
ج: ما يفعله بعض الناس من الذهاب إلى قبور الصالحين، أو قبر النبي ﷺ يدعو ويستغيث، هذا من الشرك الأكبر، هذا شرك المشركين، هذا شرك الجاهلية نعوذ بالله، كان في الجاهلية، يطلبون من الموتى، كما كانوا يسألون اللات ويتقربون إليه وهو رجل صالح، يزعمون أنه كان يلت سويق الحاج فمات فعكفوا على قبره وصاروا يسألونه من دون الله يستغيثون به، ولهذا قال النبي ﷺ : «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٢)».
فالواجب على كل مكلف أن يتقي الله وأن يراقب الله، وأن يخص الله بالعبادة، فلا يدعو إلا الله ولا يستغيث إلا به، ولا يستجير إلا به هو سبحانه الذي يدعى ويرجى، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣)
стр. 738
قال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، يعني: المشركين، فالذي يقصد أصحاب القبور وإن كانوا صالحين، ويسألهم الغوث أو الشفاعة أو غفران الذنوب، أو السلام من شر الأعداء كل هذا شرك بالله، شرك أكبر، وهكذا دعاء الجن والاستغاثة بالجن، أو بالأصنام والأوثان كل هذا من الشرك الأكبر، نسأل الله العافية.
فالواجب الحذر من ذلك، هذا هو دين المشركين، دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات وبالأصنام وبالجن والنجوم هذا شرك المشركين، هذا دينهم الباطل، نسأل الله العافية.
стр. 739
٧٥ - حكم الصلاة عند القبور
س: يوجد عندنا في العراق، بدع وهي أن بعض الناس يقصدون إلى قبور أولياء الله والصالحين من مكان بعيد وعند زيارة القبر يخلعون أحذيتهم، والقبور مبني عليها شبه المساجد، هل هذا جائز، وعند دخولهم يصلون ركعتين وهي صلاة الزيارة، تقال سنة هل هذا جائز أم لا؟ (١)
ج: هذا سؤال مهم وله شأنه العظيم وهو تعظيم القبور للزيارة البدعية، والبناء على القبور واتخاذ المساجد عليها هذه مسائل ذات أهمية، فينبغي أن يعلم أن الزيارة للقبور سنة؛ لأن النبي ﵇ قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢)»، ولكن ليس المقصود بهذه الزيارة أن يدعى الميت أو يستغاث به أو يطلب منه المدد أو يتمسح بالقبر أو ما أشبه ذلك، المقصود من الزيارة ذكر الآخرة ذكر الموت والدعاء للميت والترحم عليه إذا كان مسلما، هذا المقصود؛ ولهذا قال ﵊: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٣)»، وفي
стр. 740
لفظ آخر: «تذكركم الموت (١)»، فالسنة للزائر إذا زار المسلم أن يسلم على المقبورين وأن يدعو لهم بالمغفرة والرحمة، وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية (٢)»، وفي لفظ: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٣)»، وكان يقول إذا زار البقيع: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٤)»؛ السنة إذا زار القبور هكذا أن يدعو لهم بالمغفرة والرحمة يسلم عليهم ويدعو لهم، هذا هو المشروع، أما أن يزورهم ليدعوهم من دون الله، ويطلب منهم المدد ليستغيث بهم لينذر لهم، هذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله، وهذا من عمل الجاهلية، أبي جهل وأصحابه عند القبور، هذا لا يجوز بل هو من الشرك الأكبر، وهكذا الصلاة عند القبور لا تجوز، النبي ﷺ قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٥)»، بل لعن الله