← Фатава

Фатава · id 107

فتاوى نور على الدرب لابن باز - بعناية الشويعر

ابن باز

Полный текст (14 939 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

البناء عليها من مساجد، كله منكر من عمل اليهود والنصارى، يقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)». فالواجب الحذر من ذلك، وعدم التشبه بهم؛ لأنهم فعلوا ما يسبب الشرك، والرسول ذمهم على هذا ولعنهم عليه، والواجب هدمها، الواجب على ولاة الأمور إذا كانوا مسلمين أن يهدموها أو يزيلوها وتبقى القبور مكشوفة ليس عليها قباب ولا مساجد، كما كان في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة وكما كانت عند أهل السنة في مقابرهم، وكما في المملكة العربية السعودية بحمد الله فإنها مكشوفة وليس عليها بناء ولا يجوز التبرك بها، ولا دعاء أهلها ولا الاستغاثة بهم، ولا النذر لهم بل هذا من الشرك الأكبر، دعاؤهم والاستغاثة بهم والنذر لهم وطلب البركة منهم كله من الشرك الأكبر، نعوذ بالله، وهكذا الذبح لهم، فيجب على المسلم أن يحذر هذه الأمور وأن يحذر غيره.

стр. 772

٨٠ - حكم ذبح الذبائح عند القبور وأكل لحمها س: السائل يقول: يوجد مقابر بجوارها مقام يذبح عند هذا المقام ذبائح نذرت لله، ولكن لا تذبح إلا في هذا المكان وإذا نهاهم أحد قالوا: إنما نذبح لله ولكن بجوار الأولياء علما بأنهم يأتون من أماكن متفرقة وأماكن بعيدة للذبح في هذا المكان ثم يجلسون لتناول الطعام بنفس المكان، فهل هذا حلال أم حرام أفيدونا بذلك؟ (١) ج: هذا بدعة ووسيلة للشرك، مجيئهم للذبح عند القبور بدعة ولو قالوا: إنها لله، أما إن كانت لأصحاب القبور فشرك أكبر والعياذ بالله قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٤) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٥)، وقال النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (٦)»، فإذا ذبحوا للأموات يتقربون لهم صار شركا أكبر، كما يذبحون للأولياء يرجون شفاعتهم، أو شفاء مرضاهم، أو ما أشبه

стр. 773

ذلك أو يدعونهم أو يستغيثون بهم، أو ينذرون لهم أو يطوفون بالقبور، كل هذا شرك أكبر؛ أما إن كان الذبح لله ولكن يرون أن هذا المحل مناسب أنه محل مبارك، هذا غلط، هذا بدعة لا يجوز لأنه وسيلة للشرك وبدعة في الدين؛ ولأنه كثيرا ما يرد مثل هذه الأسئلة؛ نوصي الدعاة أن يوجهوهم إلى الخير وأن يعلموهم ويرشدوهم حتى يكونوا على بينة وعلى بصيرة؛ يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)، ويقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣)، هكذا أتباع النبي ﷺ يدعون إلى الله على بصيرة يعلمون الناس ويرشدون الناس لا يغفلون، ويقول ﷺ في حديث علي: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤)»، ويقول ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٥)».

стр. 774

س: يسأل ويقول: ما حكم زيارة الأضرحة والتبرك عن الأضرحة؟ (١) ج: الزيارة تقدم الكلام فيها، والأضرحة هي القبور، والسنة الزيارة للدعاء لهم، والترحم عليهم والاعتبار والذكرى، أما للتبرك فلا يجوز فهذا شرك، التبرك بهم، ودعاؤهم من دون الله شرك أكبر، كونه يتبرك بقبورهم أو بترابهم، أو يستغيث بهم أو ينذر لهم أو يقول: يا سيدي فلان اقض حاجتي، أو انصرني، أو اشف مريضي، أو أنا في جوارك، أو أنا أرجو بركتك، أو ما أشبه ذلك، كل هذا من الشرك الأكبر عند أهل العلم، ولكن يزور القبور للذكرى والدعاء لهم، يدعو لهم اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، يتذكر الموت، مثل ما قال ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢)».، وفي اللفظ الآخر: «تذكركم الموت (٣)».

стр. 775

٨١ - حكم زيارة قبور الصالحين لجلب النفع ودفع الضر س: يوجد عندنا قبور يقال: إنها قبور بعض الصالحين، ويقوم بعض الناس بزيارتها، لكي تبعد عنهم الشر، وتجلب لهم الخير وتشفي مرضهم بزعمهم؛ لأنهم يقولون: إن هذا الصالح له شأن في هذا الشيء، وعن نهاية زيارتهم يضعون بعض النقود على هذا القبر ما حكم عملهم هذا؟ (١) ج: الحمد لله وبعد: فإن الله شرع لعباده زيارة القبور للذكرى والاستغفار للميتين والدعاء لهم كما قال الرسول ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢)»، ويقول لأصحابه ﵊، وكان يعلمهم إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٣)»، ويقول ﵊ إذا زار البقيع: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٤)»، ويقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون (٥)»، ثم يقول: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد»، هذه السنة أن يدعى لهم عند الزيارة ويترحم عليهم؛ لأنهم في حاجة إلى الدعاء، أما زيارتهم لطلب الشفاء للمرضى، أو لطلب المدد والنصر على الأعداء

стр. 776

أو ما أشبه ذلك فهذا من الشرك الأكبر هذا كفر بالله هذا لا يجوز، هذه حال عباد الأوثان يعبدون الموتى والأصنام والأشجار والأحجار والكواكب ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكروب، وشفاء المرضى ويسألونهم المدد لكل ما يعينهم، هذا كله من الشرك الأكبر. فالواجب الحذر من هذا العمل السيئ، قبور الصالحين تزار للدعاء لهم، والترحم عليهم لا للدعاء من دون الله، ولا فرق بين العيدروس ولا ابن علوان، وغيرهما، جميع القبور حتى قبور الأنبياء، حتى قبر النبي ﷺ ، وقبر الصديق وعمر وأهل البقيع، كلهم لا يدعون مع الله، لا يستغاث بهم، ولا ينذر لهم، حتى النبي ﷺ يقول الزائر له: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن أمتك أفضل الجزاء وأحسنه، ولا يدعى من دون الله، ولا يقال له: المدد، ولا اشف مرضانا ولا انصرنا، هذا شرك أكبر، وهكذا عند الصديق، وهكذا عند عمر، وهكذا عند عثمان وهكذا عند علي، وهكذا عند قبور آل البيت جميعا، لا يدعون مع الله، لا يقال: انصرونا أو اشفوا مرضانا، أو أنتم تعلمون حاجاتنا، هذا كله من الكفر الأكبر، والغيب لا يعلمه إلا الله ، قال الله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)، هو الذي يعلم الغيب جل وعلا ولما سقط عقد لعائشة في بعض الأسفار أناخ النبي ﵊ وطلب العقد، وأرسل

стр. 777

من يطلبه ويلتمسه، ولم يعرف أين مكانه ﵊ وهو سيد الخلق وأفضلهم، فلما أقام البعير الذي عليه عائشة وجدوه تحته، فلو كان يعلم الغيب لقال: انظروه تحت البعير، ولم يحتج إلى من يطلبه، ولما قذف المنافقون عائشة، وبعض الناس قلدهم وقذفها، لم يعلم الحقيقة، وتوقف حتى جاءه الوحي بسلامتها وبراءتها، ﵂ وأرضاها؛ فالغيب لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه نبي ولا ملك ولا غيرهما، إلا من علم الله عباده مثل ما أوحى الله إلى أنبيائه، وعلمهم إياه، هكذا لا يدعون مع الله ولا يستغاث بهم وهم أنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) هذا عام، نكرة في سياق النهي يعم الأنبياء وغيرهم، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، فسمى دعاة غير الله كفرة، دعاة الأموات والأنبياء والأشجار والأصنام ونحو ذلك. قال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، يعني المشركين، المقصود تحذيره ﷺ وتحذير الأمة، هو ﷺ لا يشرك، بل عصمه الله من هذا، لكن المقصود تحذير الأمة، وبيان أن هذا الأمر خطير، وأنه لا يجوز لأحد أن يفعله وهكذا، وقوله

стр. 778

سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، أوحى الله إليه هذا الأمر ليعلم الناس أن الشرك محرم وأنه أعظم الذنوب وأنه محرم على الأنبياء وعلى غيرهم، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٣) فجعل دعاء غير الله كائنا من كان من الشرك وأخبر أن المدعوين لا يسمعون دعاء الداعين وأنهم لو سمعوا ما استجابوا. فالواجب الحذر من هذا الشرك الوخيم، وتحذير الناس من ذلك، والواجب على العلماء في كل مكان أن يبينوا للناس هذا الأمر العظيم، وأن يحذروهم من التعلق على القبور، والتعلق على الأموات والاستغاثة بهم، والنذر لهم وطلبهم المدد والعون، كل هذا من المحرمات الشنيعة، بل من الشرك الأكبر؛ وإذا كان هذا لا يجوز مع النبي ولا مع الخلفاء الراشدين فكيف يجوز مع العيدروس، أو مع ابن علوان أو مع الشيخ عبد القادر، أو مع علي أو مع الحسن أو فاطمة أو غيرهم، لا يجوز أبدا مع أحد، العبادة حق الله وحده، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤)

стр. 779

وقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣)؛ فهو المعبود بالحق، وهو المستعان جل وعلا فلا يدعى مع الله أحد، لا ملك ولا نبي ولا صنم ولا شجر ولا حجر ولا ميت، فالعبادة حق الله وحده ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٥)، وقال جل وعلا: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٦)، أما الحي فلا بأس يقال له: يا عبد الله أعني على كذا، الحي الحاضر، أعني على إصلاح سيارتي، أقرضني كذا وكذا، حي يسمعك ويقدر، تقول له: أعني على تعمير بيتي، أعني على إمساك دابتي، هذا لا بأس به، كما قال الله في قصة موسى ﵇: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٧)؛ لأنه حي قادر، أما الأموات فلا يدعون مع الله وهكذا الأصنام، وهكذا الأشجار، والأحجار، وهكذا النجوم، كل ذلك من الشرك الأكبر، نسأل الله العافية. فنصيحتي لكل مسلم أن يحذر هذا، وعلى العلماء أن يحذروا

стр. 780

الناس من هذا الشرك الوخيم، وعليهم أن يتقوا الله وأن يعنوا بهذا الأمر، بالكتابة وفي خطب الجمعة، وفي غير ذلك، وهكذا زيارة القبور حتى ينبه الناس، القبر الذي يدعى من دون الله يزوره العالم ويقول: يا ناس هذا لا يجوز سلموا وادعوا له بالمغفرة والرحمة، أما أن تدعوه من دون الله، المدد، يا سيدي فلان اشفع لنا انصرنا، هذا ما هو من شأنه، هذا الشرك الأكبر. نعوذ بالله فيجب الحذر.

стр. 781

٨٢ - حكم الصلاة إلى القبور والتبرك بها س: يوجد لدينا في القطر عادة ذلك بأنهم يصلون إلى قبر ويزورونه ويتبركون به، ويقولون: إنه من قبور الصحابة، نرجو أن توجهوا الناس، جزاكم الله خيرا؟ (١) ج: القبور فتن بها كثير من الناس فيما مضى وفي هذه الأمة كانت اليهود والنصاري فتنت بذلك، وعبدوا القبور، واتخذوها أوثانا، كما قال النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)»، وقال ﵊ لما أخبرته اثنتان من نسائه، في الحبشة أنهما رأتا كنيسة في الحبشة وما فيها من الصور قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك

стр. 782

الصور أولئك شرار الخلق عند الله (١)» فجعلهم بهذا العمل شرار الخلق؛ لأنهم يعظمونهم بالتصوير والبناء ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكروب، ويتبركون بتراب قبورهم إلى غير هذا من أعمالهم القبيحة، ولهذا استحقوا اللعنة على ذلك، وقال ﵊ فيما رواه مسلم في الصحيح: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوها مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك (٢)»، وقال في حديث ابن مسعود: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء واللذين يتخذون القبور مساجد (٣)». فالواجب الحذر من هذه الخصلة الذميمة التي سار عليها اليهود والنصارى، وهي تعظيم القبور بالبناء عليها، واتخاذ المساجد عليها والقباب، والتبرك بها، ودعاء أهلها، والاستغاثة بهم والذبح لهم، والنذر لهم، وطلبهم المدد، وهذا بلاء عظيم، بعضه بدعة وبعضه شرك، فاتخاذ المساجد على القبور بدعة، واتخاذ القباب وتجصيصها كل ذلك من البدع، ومن أسباب الشرك ووسائله، ولهذا ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أن النبي ﷺ نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه؛ لأن

стр. 783

تجصيصه والبناء عليه وسيلة للشرك والتعظيم، وهكذا اتخاذ القبة فوقه والمسجد فوقه كل هذا من أسباب الشرك، وهكذا القراءة عنده والصلاة عنده من البدع، أما السؤال بالمدد وطلبه الغوث هذا شرك أكبر، هذه عبادة لغير الله . فالواجب على الأمة الحذر من ذلك، والواجب على العلماء بيان ذلك للأمة، وتحذيرهم من هذا الشرك، ومن هذه البدع لعلهم يسلمون منها، وهكذا كل من لديه علم يبثه في الناس ويعلمه الناس يقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١)، والرسول ﵊ يقول: «بلغوا عني ولو آية (٢)»، ويقول ﷺ : «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه (٣)»، وكان إذا خطب ﵊ يقول للناس: «فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع (٤)»، وهذه

стр. 784

البلية انتشرت في العالم في البلاد الإسلامية وغيرها وهي التعلق على القبور، والبناء عليها والتمسح بها وسؤالها الحاجات وتفريج الكروب والمدد، وهذا بلاء عظيم وشر كبير، يجب الحذر منه، والبدعة دائما تكون وسيلة للشرك، فأسباب هذا الشرك تعظيم القبور بالبناء عليها واتخاذ المساجد عليها والقراءة عندها، فلما وجدت هذه البدع جرت الناس إلى الشرك والغلو في القبور وعبادتها من دون الله بالدعاء والاستغاثة، والذبح لها، والنذر لها، وطلبها المدد، وهذا هو الشرك الأكبر. فيجب الحذر من ذلك والتوبة إلى الله من ذلك ويجب هدم البناء الذي على القبور، من المساجد وغيرها أن تكون القبور بارزة، ليس عليها بناء كما كان هذا في عهد النبي ﷺ في البقيع، وهكذا في البلاد الإسلامية السليمة من هذه الفتنة وعلى العلماء وعلى الأمراء أمراء المسلمين أن يعالجوا هذه الأوضاع، وأن يزيلوها من بينهم، وأن يحذروا الناس منها وأن تكون القبور بارزة ليس عليها بناء لا قبة ولا مسجد، ولا غير ذلك. رزق الله الجميع الهداية والبصيرة.

стр. 785

٨٣ - حكم من يعتقد النفع والضر في أهل القبور س: يقول السائل: لدينا أناس يعظمون القبور، ويرجون من أهلها النفع والضر، هل يكون هؤلاء كفارا مع أنهم يصلون ويقومون بباقي العبادات، وجهونا في ضوء هذا السؤال سماحة الشيخ؟ (١) ج: التعلق بالقبور ورجاء نفعها، ودفع الضر منها بدعائها أو التمسح بها أو الاستغاثة بها أو الطواف بها كلها كفر أكبر، هذا شرك المشركين هذا ضلال الأولين، لا يجوز التعلق بالقبور لا بقبور الصالحين ولا بقبور الأنبياء ولا غيرهم، فالذي يتعلق بها ويطوف بها يرجو نفعها، أو يستغيث بأهلها أو ينذر لهم أو يتمسح بقبورهم يرجو منهم النفع أو يستعين بهم أو يذبح لهم أو يسجد لهم كل هذا من الكفر بإجماع أهل السنة والجماعة، بإجماع أهل العلم، هذا شرك المشركين الأولين، الله يقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، سماهم كفارا، قال جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٤) سماه شركا وهو دعاؤهم، وقال النبي ﷺ :

стр. 786

«الدعاء هو العبادة (١)»، فالذي يدعوهم قد عبدهم، فإذا قال يا سيدي انصرني واشف مريضي أو اشفع لي أو أنا في جوارك أو أنا في حسبك أو أنا متوكل عليك أنا أرجوك أنا أخافك، هذا كله شرك أكبر، هذا ما يفعل إلا لله جل وعلا يخاطب الله سبحانه: يا رب انصرني اشف مريضي، أنا أخافك وأرجوك هذا مع الله ، أما مع المخلوق فهذا شرك أكبر أو مع النجوم أو مع الجن أو مع الأصنام كل هذا كفر أكبر، هذا شرك المشركين وهكذا ما يفعله عباد الحسين أو عباد الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهما، أو عباد العيدروس أو السيدة زينب أو غير ذلك، كل هذا كفر أكبر إذا دعا العيدروس أو دعا الحسين أو الحسن أو استغاث بعلي ﵁ أو بالنبي ﷺ أو استعان بهم أو قال: يا رسول الله انصرني أو اشفع لي أو اشف مريضي أو ثبتني على الدين، كل هذا كفر أكبر. الشفاعة تطلب منه بوم القيامة بعد البعث والنشور وفي حياته قبل الموت، يقال: اشفع لي يا رسول الله لا بأس، أما بعد الموت فلا يطلب منه لا شفاعة ولا غيرها ولكن إذا كان حيا يقول: يا رسول الله اشفع لي، استغث لنا لا بأس؛ لأنه قادر. ويوم القيامة كذلك عندما يبعث الله الناس، وعند شدة الهول يذهبون إلى آدم يقولون: اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من

стр. 787

كرب الموقف يقضي بيننا، فيعتذر آدم ويحيلهم إلى نوح، ويعتذر نوح ويحيلهم إلى إبراهيم، ويعتذر إبراهيم ويحيلهم إلى موسى، ويعتذر موسى ويحيلهم إلى عيسى ويعتذر عيسى ويقول: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال ﷺ : «فيأتونني؛ يأتيه الناس، فأقول: أنا لها أنا لها، ثم يذهب ﵊ فيسجد بين يدي ربه، تحت العرش، ويحمد الله بمحامد يفتحها الله عليه ويثني عليه كثيرا حتى يقال له: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط واشفع تشفع (١)»، لا يشفع إلا بعد الإذن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢)؛ فإذا أذن له شفع في الناس فيقضي بينهم، ويشفع في أهل الجنة فيدخلون الجنة ويشفع في أناس من العصاة دخلوا النار أن يخرجوا منها شفاعات كثيرة ﵊، وكذلك يشفع المؤمنون في العصاة، وتشفع الملائكة، ويشفع الأفراط، كل هذا جاءت به النصوص عنه ﷺ .

стр. 788

٨٤ - حكم الاستغفار لمن مات وهو يدعو أصحاب القبور س: هل يجوز يا سماحة الشيخ الاستغفار لشخص من أحد أقاربي مات وأنا لا أدري أهو مات حسن الختام أم لا، علما بأنه كان يقدس الأولياء وأصحاب القبور والأضرحة، ويعتقد بأن هذا من الدين؟ (١) ج: إذا كان ظاهره الشرك، والغلو في الأموات والدعاء بالأموات والاستغاثة بالأموات لا يدعى له، ولكن إذا كان ظاهره الإسلام، ولا تعلم عنه إلا الإسلام، فلا بأس تدعو له وتستغفر لأخيك، هذا مشروع، فالمؤمن يدعو لإخوانه ويستغفر لهم، كما قال أتباع المهاجرين وأصحاب عيسى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٢)، فأنت تستغفر لإخوانك، تدعو لهم بالرحمة، إذا كان ظاهرهم الإسلام، أما من كان ظاهره الشرك وهو الغلو في القبور، ودعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، فهذا لا يدعى له؛ لأن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، وطلب الحوائج منهم، هذا من الشرك الأكبر، هذا دين المشركين، نسأل الله العافية، وهكذا دعاء الجن، ودعاء الأصنام، ودعاء الكواكب، كل هذا من الشرك الأكبر، يقول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٣)

стр. 789

ولما مات أبو طالب على دين قومه قال النبي ﷺ : «لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك (١)»؛ فأنزل الله في ذلك هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢) من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم، المقصود أن من كان معروفا بدعاء الأموات، والاستغاثة بأهل القبور، أو بالأصنام أو بالجن، أو بالكواكب أو بالملائكة، أو بالأنبياء، هذا كله شرك أكبر، داخل في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٣)، وداخل في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)، وداخل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٥)؛ وفي قوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٧) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٨)

стр. 790

، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢)، القطمير: اللفافة التي على النواة: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٣)، هذا يعم الجميع، يعم الغائبين، ويعم الموتى من الأنبياء وغيرهم، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم، لو قدرنا أنهم سمعوا لم يستجيبوا، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ينكرونه ويتبرؤون منكم، يقول سبحانه: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ (٤)، نسأل الله العافية.

стр. 791

س: يقول هذا السائل من السودان، سماحة الشيخ: في الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (١)»؛ البعض من الناس يذهب لقبر أحد الأشخاص كأن يكون شيخا ويطلب منه كذا وكذا، هل يجوز ذلك، وما حكم من يفعل ذلك في الشرع، وكيف ندعو للميت من منطلق هذا الحديث: ابن صالح يدعو له، كيف ندعو بعد الممات، جزاكم الله خيرا؟ (٢) ج: يقول: اللهم اغفر لأبي أو أمي، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم نجه من النار ونحو ذلك، هذا الدعاء له، أما دعاء الميت التوجه للميت، تقول: يا فلان انصرني أو أنا في حسبك، أو أغثني، هذا الشرك الأكبر، أو اشفع لي، أو أنا في جوارك أو ما أشبه ذلك، هذا الشرك الأكبر هذا فعل المشركين، مع اللات والعزى، ومع أصنامهم وهذا فعل المشركين مع الشيخ عبد القادر الجيلاني، ومع البدوي ومع الحسين لا يجوز هذا، لا يقول: سيدي فلان انصرني أو أنا في حسبك أو أنا في جوارك، أو اشفع لي هذا ما يقال للميت، يقال للحي، يقول للحي: اشفع لي، ادع الله لي، لا بأس الحي تقول له: ادع الله لي أن يغفر لي، ادع الله أن يرحمني هذا لا بأس، أما

стр. 792

الميت تقول له: يا فلان يا شيخ عبد القادر، أو يا حسين أو يا ست زينب، أو يا فلان وهو ميت ادع الله لي، هذا لا يجوز؛ لأنه غير قادر، هذا لا يستطيع شيئا، أو اشفع لي، هذا توسل بميت، لا يقدر كالذي يقول للصنم: انصرني أو اشفع لي من الجماد، لا قدرة له على شيء، فسؤال الأموات والاستغاثة بالأموات والتشفع بالأموات هذا هو عمل المشركين، وهذا هو المنكر، ولا يجوز، بل هو من الشرك الأكبر، نسأل الله العافية. ومثله الغائبون: يا ملائكة الله يا جبريل، يا ميكائيل أو الجن الفلانيون، يا جن الظهران، يا جن الحساء، يا جن أمريكا، يا جن مصر، أو يا جن الفلاني، كل هذا من الشرك الأكبر، وقد ذم الله بعض المشركين، في هذا وقال عنهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (١)، يعني: زادوهم شرا وبلاء؛ فنسأل الله العافية.

стр. 793

٨٥ - حكم من مات وهو يسأل أصحاب القبور شفاء المرضى وتفريج الكرب س: الأخ: ط إ. إ. يسأل ويقول: أرجو منكم التعليق على ما يقع فيه الكثير من الناس من عابدي القبور والأضرحة من صرف العمل لها وسؤال أصحابها شفاء المرضى وتفريج الكرب، فهل من مات وحالته هذه يكون خالدا في جهنم؟ وهل يعذر جاهل بهذه القضية؟ (١) ج: هذا سؤال عظيم، وجدير بالعناية؛ لأنه واقع في كثير من البلدان الإسلامية، وهو سؤال الأموات والاستغاثة بالأموات وطلبهم شفاء المرضى، أو النصر على الأعداء، وهذا من الشرك الأكبر، وهذا دين الجاهلية، دين أبي جهل وأشباهه من عباد القبور وعباد الأصنام، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢)؛ كما حكى الله عنهم ، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣)؛ وقال سبحانه في سورة الزمر: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤)، فالحاصل أن هذا العمل من الشرك الأكبر، وصاحبه إذا مات عليه يكون من أهل النار مخلدا

стр. 794

فيها، نسأل الله العافية، إلا إذا كان لم تبلغه الدعوة، كان من أهل الفترات الذين ما بلغتهم الدعوة، وما بلغهم القرآن، ولا كلام الرسول ﷺ ، فهذا حكمه إلى الله جل وعلا يوم القيامة، يمتحن يوم القيامة، فمن أجاب جوابا صحيحا دخل الجنة، ومن أجاب جوابا غير صحيح دخل النار. فالمقصود أنه يمتحن يوم القيامة، فمن أجاب بما طلب منه دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. أما من كان في الدنيا وقد بلغه القرآن وبلغته السنة ويعيش بين المسلمين فهذا لا يعذر بدعواه الجهل، هو قد أسرف على نفسه وتساهل، ولم يسأل أهل العلم ولم يتبصر في دينه فهو مؤاخذ بأعماله السيئة الشركية، نسأل الله السلامة. العقائد التي هي أصل الإسلام ليس فيها عذر بالجهل؛ الله جل وعلا قال عن الكفار: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) ما عذرهم بحسبانهم أنهم مهتدون ما عذرهم بجهلهم وقال في النصارى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٣)، فالحاصل أنهم بهذا كفروا، قال بعد هذا سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٤) ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ (٥)

стр. 795

ما عذرهم بالجهل لتساهلهم وعدم عنايتهم بطلب الحق، قال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١)، وقال ﵊: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار (٢)». رواه مسلم في صحيحه، ولم يقل: " وفهم عني " أو " تبصر " أو " علم " بل علق بالسماع.

стр. 796

٨٦ - حكم من يسأل أصحاب القبور الرحمة والخير س: يقول السائل: رأيت بعض الناس يزورون القبب التي فيها مقابر الأولياء ويطلبون منهم الرحمة والخير والعافية، ما حكم الإسلام في هؤلاء؟ (١) ج: إن الله جل وعلا شرع لعباده ما فيه صلاحهم وما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن كل ما يضرهم في الدنيا والآخرة وبعث الرسل مبشرين ومنذرين عليهم الصلاة والسلام مبشرين من أطاعهم واستقام على ما دعوا إليه بالجنة والسعادة والنصر في الدنيا والنجاة في

стр. 797

الآخرة، ومنذرين من عصاهم بالذل في الدنيا والشقاء في الآخرة وأعظم ما بعث الله به الرسل وأهمه وأفرضه توحيد الله والإخلاص في العبادة له صرف العبادة له وحده جل وعلا، هذا أهم دعوة الرسل، هذا زبدتها إخلاص العبادة لله وحده كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢) فهذه أعظم دعوة الرسل وأهمها، وهذا أساسها توحيد الله والإخلاص له وألا يعبد معه سواه لا نبي ولا ملك ولا شجر ولا حجر ولا صنم ولا غير ذلك، واتخاذ القباب على القبور والمساجد على القبور من وسائل الشرك، لأن هذا من تعظيم القبور، فإذا بني عليها القباب وبني عليها المساجد قصدها العامة ودعوها من دون الله، واستغاثوا بها ونذروا لها وهذا هو الشرك الأكبر، فدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم هذا هو الشرك الأكبر هذا ضد دعوة الرسل، ضد التوحيد الذي بعث الله به الرسل فلما بعث الله نبيه محمدا ﷺ قال لقومه: «يا قومي قولوا لا إله إلا الله تفلحوا (٣)» نهاهم أن يعبدوا مع الله سواه نهاهم أن يعبدوا مع الله العزى أو مناة أو

стр. 798

اللات أو غير ذلك وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)، ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤)، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥). فالواجب إخلاص العبادة لله وحده ولا يجوز اتخاذ القباب على القبور ولا المساجد عليها بل يدفن الميت ويرفع قبره قدر شبر عن الأرض حتى يعرف أنه قبر ميت حتى لا يمتهن، ولا يجوز أن يدعى من دون الله ولا أن يبنى عليه قبة ولا مسجد ولكن يترك ضاحيا بارزا كما كانت قبور الصحابة في المدينة في عهد النبي ﷺ وبعده ولا يجوز أن يدعى الميت مع الله ولا يستغاث به، ولا يقال يا سيدي يا فلان أغثني أو انصرني أو أنا في حسبك وجوارك أو يطلب منه الرحمة أو المغفرة أو شيئا من أمور الخير كالرزق أو الزواج أو النجاة من النار أو دخول الجنة أو ما أشبه ذلك كل هذا كفر بالله من الشرك الأكبر، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٦) معنى يعبدون أي: يوحدوني بالعبادة يقصدونه بالعبادة وحده ، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٧) أي: أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وقال سبحانه:

стр. 799

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) يعني المشركين، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣) سماهم كفارا، وقال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٥)، فأمر الله سبحانه بعبادته وحده جل وعلا وإخلاص العبادة له وحده ، وأخبر أن المشركين اتخذوا من دونه أولياء يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، هم يعبدون اللات والعزى والأصنام ويدعونها ويستغيثون بها ويقولون: ما نقصد إلا أنهم يقربونا إلى الله زلفى، يشفعون لنا عند الله كما في آية يونس، ويقول سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٦) فكذبهم الله سبحانه، بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٧) وفي آية الزمر يقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ (٨) أي:

стр. 800

يقولون: ما نعبدهم ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) فكذبهم الله سبحانه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٢)، فبين أنهم لا يقربون إلى الله، بل هم كفار بهذا كاذبون، القرب من الله بدعوته سبحانه وعبادته وحده وسؤاله، هذا هو الذي يقربهم إلى الله، وينجيهم بفضله سبحانه، يا رب أغثني يا رب يسر لي الزواج بالمرأة الصالحة يا رب اقض ديني، يا رب أدخلني الجنة يا رب اغفر لي يا رب ارحمني هذا هو الذي شرعه الله، وهذا هو العبادة لله والتوحيد، أما تقول: يا سيدي البدوي ارحمني أو أنا في جوارك أو أغثني هذا هو الشرك الأكبر أو يا سيدي الحسين أو يا سيدي علي بن أبي طالب أو يا سيدي الحسن أو يا فاطمة أو ما أشبه ذلك، هذا هو الشرك الأكبر، هذا عبادة غير الله التي أنكرها الرسل وأنكرها نبينا محمد ﵇. ولما خطبهم محمد ﷺ في مكة في بعض الأيام قال: «يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب أنقذ نفسك فإني لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا (٣)». فأخبرهم

стр. 801

عليه الصلاة والسلام أنه لا يغني عنهم من الله شيئا بل لا بد من شراء أنفسهم من الله بالتوحيد والإيمان والطاعة هؤلاء أقرب الناس إليه بنته وعمه وعمته وأخبرهم أنه لا يخلصهم من الله ولا ينجيهم من عذاب الله ولا يغني عنهم من الله شيئا إلا أن يوحدوا الله ويعبدوه وحده حتى فاطمة بنته قال: «سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا (١)». فالواجب على الجميع عبادة الله وحده وسؤاله وحده سبحانه والاستغاثة به وحده وأداء حقه في صلاة وزكاة وصيام وحج وبر الوالدين وصلة الرحم وترك ما حرم الله من سائر المعاصي من جنس الزنا وشرب الخمر واللواط وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم وشهادة الزور إلى غير هذا من المعاصي، يجب تركها طاعة لله وتعظيما لله وتقربا له سبحانه هذا هو الدين، وهذا الذي بعث الله به الرسل وأنزل به من الكتب، وبعث به خاتم الرسل محمدا ﵊ بعثه يدعو الناس إلى توحيد الله والإخلاص له وإلى طاعة أوامره التي أمر بها عباده من صلاة وصوم وزكاة وحج وغير ذلك، ونهاهم عما حرم الله عليهم، ولهذا صح عنه ﵊ أنه قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: يا رسول الله من يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٢)» من أطاع الرسول واتبع الشريعة فله الجنة ومن عصاه فله النار نسأل الله العافية.

стр. 802

فنصيحتي لكل من يخاف الله، لكل من يرجو الله: أن يعبد الله وحده، وأن يخصه بدعائه واستغاثته ونذره وذبحه وغير ذلك، كما يخصه بصلاته وصومه وسائر عباداته، لله وحده، هذا هو التوحيد، وهذا هو الإيمان، وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، ومعنى قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٢) أي وحدوه أي خصوه بالعبادة بدعائكم وخوفكم ورجائكم وذبحكم ونذركم وصلاتكم وصومكم. أما من يأتي أصحاب القباب ويدعوهم مع الله فعمله هذا هو الشرك الأكبر سواء كانوا أنبياء أو غيرهم، إذا قالوا: يا رسول الله أغثني؛ هذا شرك أكبر بعد وفاته ﷺ ، أما في حياته يقول: أعطني كذا، أعطني من مال الله الذي عندك ساعدني من كذا لا بأس في حياته ﷺ كما يقال للملوك وغيرهم: ساعدونا، في حياتهم، لكن بعد وفاته يقول: أغثنا يا رسول الله انصرنا أو اشفع لنا هذا لا يجوز بل يطلب من الله يقول: يا رب اشفع في نبيك يا رب أغثني يا رب أنجني من النار، وهكذا لا يدعى عمر ولا الصديق ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم، وهذا من بعد الصحابة من باب أولى لا يدعون مع الله ولا يستغاث بهم هذا حق الله، الأموات يترضى عنهم ويدعى لهم والأنبياء يتبعون ويدعى لهم لا يدعون

стр. 803

مع الله بل العبادة حق الله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)؛ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)؛ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣)؛ يقول النبي ﷺ : «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار (٤)»؛ نده شبيهه أي نظيره يدعوه مع الله، يستغيث به وينذر له، ويقول ﷺ : «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار (٥)». فالواجب الحذر من هذا الشرك والواجب البصيرة والتفقه في الدين هذا الواجب على جميع المسلمين في كل مكان وعلى جميع المكلفين في كل مكان في البلاد العربية وغيرها في أوربا في أمريكا في أفريقيا في آسيا في كل مكان يجب على المكلفين أن يعبدوا الله وحده، يجب أن يخصوه بدعائهم ونذرهم واستغاثتهم ونحو ذلك؛ لأنهم لهذا خلقوا، خلقهم ليعبدوه ويعظموه ويخصوه بالعبادة وبه أمروا، وبهذا تعرف أيها السائل أن اتخاذ القباب منكر ومن وسائل الشرك وهكذا بناء المساجد على القبور، يقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى

стр. 804

اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)»، يحذر ما صنعوا، متفق على صحته، وقال ﵊ في حديث جندب بن عبد الله البجلي: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوها مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٢)» رواه مسلم في الصحيح فقد بين النبي ﷺ أن الناس السابقين يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد يعظمونها يصلون عندها يدعون عندها يقرأون عندها فنهاهم عن هذا، نهاهم أن يفعلوا هذا الفعل، فوجب على العباد أن يتركوا هذا الفعل؛ لأنه وسيلة إلى الشرك إذا بني عليه المسجد أو القبة جاء الجاهل والعامي قال: هذا ولي، هذا ينفع، هذا يشفع؛ يدعوه من دون الله يستغيث به، وهذا هو الشرك الأكبر نعوذ بالله، وهكذا البناء على القبور حتى غير المساجد؛ يقول جابر ﵁: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه (٣)» رواه مسلم في الصحيح زاد الترمذي وغيره وأن يكتب عليه، فالرسول نهى عن تجصيص القبر، وأن يبنى عليها وهذا يشمل القباب وغير القباب لا يبنى عليها شيء، نهى أن يجلس عليها؛ لأنه امتهان له فلا يجلس عليه لأنه امتهان ولا يبنى عليه ولا يجصص؛ لأن التجصيص والبناء عليه من وسائل التعظيم، فإذا جصص وبني عليه عظمه الناس حتى يقع الشرك ويدعونه من دون الله ويعظمونه.

стр. 805

فالواجب أن يكون مكشوفا كسائر القبور ولو كان قبر نبي أو صالح حتى لا يدعى من دون الله أو يخص بشيء من العبادة لكن لما خاف الصحابة أن يدعى وأن يعبد دفنوه في حجرة عائشة لئلا يعبد من دون الله ولكن أهل الغلو ما تركوا ذلك، عبدوه خارج الحجرة وفي كل مكان يستغيثون به، وينذرون له ﵊، وهذا هو الشرك الأكبر الذي نهى عنه وحذر منه وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله (١)» لا يجوز لأحد أن يغلو فيه بالدعاء ويدعوه من دون الله أو ينذر له أو يستغيث به أو يذبح له كل هذا شرك أكبر. وهكذا غيره من الأنبياء والصالحين لا يدعون مع الله ولا يستغاث بهم؛ لأن ذلك مما حرم الله . فينبغي لك يا عبد الله أن تكون على غاية من الحذر من هذا الشرك دقيقه وجليله قد عمت به البلوى في بلدان كثيرة في البلاد العربية وغيرها كما لا يخفى، على من له أدنى دراية بأحوال الناس ما يقع عند قبر البدوي والحسين والست زينب ونفيسة في مصر، وعند العيدروس في الجنوب اليمني وعند غيرها من القبور وعند قبور كثيرة، عند قبر ابن عربي في الشام وعند قبور كثيرة في العراق وغيرها، تدعى من دون الله ويستغاث بها، يجب الحذر، وهكذا من يأتي من الحجاج عند قبر النبي ﷺ

стр. 806

أو عند قبور البقيع أو الصحابة يدعوهم من دون الله هذا منكر، وشرك أكبر، يجب الحذر من ذلك ويجب على أهل العلم أن يبينوا ما يجب، على العلماء في كل مكان وفقهم الله، أن يبينوا للناس؛ لأن الناس قد يغلب عليهم الجهل يحسبونه دينا. فالواجب على العلماء أن يوضحوا للناس أن الواجب عبادة الله وحده إخلاص العبادة لله وحد وأن أصحاب القبور لا يدعون مع الله ولا يستغاث بهم ولا ينذر لهم ولا يذبح لهم ولا يبنى على قبورهم ولا يتخذ عليها مساجد، فالناس في ذمة العلماء يجب على العلماء أن يبينوا وأن يوضحوا للناس شرع الله ولا سيما ما يتعلق بالتوحيد، فهو أعظم الأمور وأهمها، كما أن الشرك أعظم الذنوب، وعلى العلماء البلاغ، مثل ما على الرسل، والله يهدي من يشاء، وعلى ولاة الأمور التنفيذ، على الحكام والرؤساء والملوك ورؤساء الجمهوريات ومن له قدرة التنفيذ أن يمنع العامة من الشرك بالله ويدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له ويبين لهم أن هذا لا يجوز وأن الواجب عبادة الله وحده والاستغاثة بالله وحده لا بالقبور، النذر لله وحده لا لأهل القبور، فأهل القبور الدعاء لهم هم محتاجون للدعاء، يزورهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين يدعو لهم؛ كان النبي يزور القبور ويدعو لهم ﵊ وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور

стр. 807

يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (١)»، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ زار قبور المدينة، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر (٢)»، وكان يعلم أصحابه هذا ﵊، رواه مسلم في الصحيح. كان يعلمهم إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (٣)»، وفي الحديث الآخر: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٤)». فالواجب على أهل الإسلام التمسك بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والسير عليه في زيارة القبور وفي غيرها في جميع الأمور، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٦). فلذلك تجب طاعته ﵊، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٧)

стр. 808

وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) فالخير كله في طاعة المصطفى ﵊ واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه، وذلك بتعظيم كتاب الله القرآن والتمسك به والأخذ بما فيه، وتعظيم السنة التي جاء بها الرسول ﷺ فإن الله أعطاه القرآن ومثله معه السنة. فالواجب على أهل الإسلام التفقه في كتاب الله والتفقه في سنة الرسول ﷺ والعمل بهما في جميع الأحوال ولا سيما في أصل التوحيد وأصل الدين وأساسه وأعظم الأمور وهو رأس المال، نسأل الله لجميع المسلمين ولنا التوفيق والهداية والفقه في الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 809

٨٧ - التفصيل بين زيارة القبور الشرعية والزيارة الشركية س: عندنا أناس يزورون القبور، وخاصة قبور الأولياء ويذبحون عندها الذبائح، فإذا قلت هذه بدعة يقولون: ليست بدعة نحن نعملها لله؛ هل هذا العمل وارد في السنة وهل هو صحيح، أفيدونا أفادكم الله وجزاكم الله خيرا؟ (١) ج: زيارة القبور على الوجه الشرعي سنة، النبي ﵊ قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢)»، فإذا زار قبرا ليدعو له وليتذكر الآخرة والموت، فهذا كله طيب، فقد زار النبي القبور ﵊ ودعا لأهلها وأمر الناس فقال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٣)» وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (٤)»، وفي حديث عائشة ﵂ كان يقول: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٥)». أما زيارتها لغير ذلك زيارتها لدعاء الموتى والاستغاثة بهم وطلب الشفاعة منهم أو النصر على الأعداء، فهذه يقال لها: زيارة شركية، هذه زيارة منكرة، بل هي شرك أكبر؛ لأن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم شرك أكبر، وهكذا الذبح لهم كأن يذبح بقرة أو

стр. 810

بعيرا أو شاة أو دجاجة يتقرب بها إلى الميت يرجو شفاعته أو يرجو بركته هذا شرك أكبر؛ لأن الله يقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)، والنسك يطلق على الذبح والعبادة، يقول جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤)، ويقول النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (٥)»، فليس لأحد أن يذبح للأصنام أو للأولياء أو الجن لقصد التقرب إليهم لطلب شفاعتهم أو نصرهم على الأعداء أو لطلب إغاثتهم أو ليشفوا مريضه أو يردوا غائبه أو ليعطوه الولد أو ما أشبه هذا مما يفعله عباد القبور، وعباد الأولياء وعباد الأصنام، أما الذبح عند القبور لله لا للأولياء، لله يتقرب إلى الله، فهذه بدعة، فالقبور ليست محلا للذبح عندها، وإنما هو توسيخ لها وتقذير وإيذاء. الذابح يذبح في بيته أو المجزرة ويوزع على الفقراء والتقرب إلى الله، مثلما يذبح الضحية والهدية في منى والضحية في بيته هذا لا بأس، أما يأتي بالذبيحة عند القبور فهذا بدعة، وتلويث للقبور وإيذاء لها، وإيذاء للزوار أيضا، والغالب على هؤلاء أنهم ما يأتون بها للقبور إلا لاعتقادهم في أهل القبور وقصد التقرب إليهم بهذا، فإذا كانوا صادقين وأنهم ما قصدوا
следующие страницы →