أو عند قبور البقيع أو الصحابة يدعوهم من دون الله هذا منكر، وشرك أكبر، يجب الحذر من ذلك ويجب على أهل العلم أن يبينوا ما يجب، على العلماء في كل مكان وفقهم الله، أن يبينوا للناس؛ لأن الناس قد يغلب عليهم الجهل يحسبونه دينا.
فالواجب على العلماء أن يوضحوا للناس أن الواجب عبادة الله وحده إخلاص العبادة لله وحد وأن أصحاب القبور لا يدعون مع الله ولا يستغاث بهم ولا ينذر لهم ولا يذبح لهم ولا يبنى على قبورهم ولا يتخذ عليها مساجد، فالناس في ذمة العلماء يجب على العلماء أن يبينوا وأن يوضحوا للناس شرع الله ولا سيما ما يتعلق بالتوحيد، فهو أعظم الأمور وأهمها، كما أن الشرك أعظم الذنوب، وعلى العلماء البلاغ، مثل ما على الرسل، والله يهدي من يشاء، وعلى ولاة الأمور التنفيذ، على الحكام والرؤساء والملوك ورؤساء الجمهوريات ومن له قدرة التنفيذ أن يمنع العامة من الشرك بالله ويدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له ويبين لهم أن هذا لا يجوز وأن الواجب عبادة الله وحده والاستغاثة بالله وحده لا بالقبور، النذر لله وحده لا لأهل القبور، فأهل القبور الدعاء لهم هم محتاجون للدعاء، يزورهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين يدعو لهم؛ كان النبي يزور القبور ويدعو لهم ﵊ وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور
стр. 807
يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (١)»، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ زار قبور المدينة، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر (٢)»، وكان يعلم أصحابه هذا ﵊، رواه مسلم في الصحيح. كان يعلمهم إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (٣)»، وفي الحديث الآخر: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٤)».
فالواجب على أهل الإسلام التمسك بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والسير عليه في زيارة القبور وفي غيرها في جميع الأمور، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٦).
فلذلك تجب طاعته ﵊، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٧)
стр. 808
وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) فالخير كله في طاعة المصطفى ﵊ واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه، وذلك بتعظيم كتاب الله القرآن والتمسك به والأخذ بما فيه، وتعظيم السنة التي جاء بها الرسول ﷺ فإن الله أعطاه القرآن ومثله معه السنة.
فالواجب على أهل الإسلام التفقه في كتاب الله والتفقه في سنة الرسول ﷺ والعمل بهما في جميع الأحوال ولا سيما في أصل التوحيد وأصل الدين وأساسه وأعظم الأمور وهو رأس المال، نسأل الله لجميع المسلمين ولنا التوفيق والهداية والفقه في الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 809
٨٧ - التفصيل بين زيارة القبور الشرعية والزيارة الشركية
س: عندنا أناس يزورون القبور، وخاصة قبور الأولياء ويذبحون عندها الذبائح، فإذا قلت هذه بدعة يقولون: ليست بدعة نحن نعملها لله؛ هل هذا العمل وارد في السنة وهل هو صحيح، أفيدونا أفادكم الله وجزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: زيارة القبور على الوجه الشرعي سنة، النبي ﵊ قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢)»، فإذا زار قبرا ليدعو له وليتذكر الآخرة والموت، فهذا كله طيب، فقد زار النبي القبور ﵊ ودعا لأهلها وأمر الناس فقال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٣)» وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (٤)»، وفي حديث عائشة ﵂ كان يقول: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٥)».
أما زيارتها لغير ذلك زيارتها لدعاء الموتى والاستغاثة بهم وطلب الشفاعة منهم أو النصر على الأعداء، فهذه يقال لها: زيارة شركية، هذه زيارة منكرة، بل هي شرك أكبر؛ لأن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم شرك أكبر، وهكذا الذبح لهم كأن يذبح بقرة أو
стр. 810
بعيرا أو شاة أو دجاجة يتقرب بها إلى الميت يرجو شفاعته أو يرجو بركته هذا شرك أكبر؛ لأن الله يقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)، والنسك يطلق على الذبح والعبادة، يقول جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤)، ويقول النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله (٥)»، فليس لأحد أن يذبح للأصنام أو للأولياء أو الجن لقصد التقرب إليهم لطلب شفاعتهم أو نصرهم على الأعداء أو لطلب إغاثتهم أو ليشفوا مريضه أو يردوا غائبه أو ليعطوه الولد أو ما أشبه هذا مما يفعله عباد القبور، وعباد الأولياء وعباد الأصنام، أما الذبح عند القبور لله لا للأولياء، لله يتقرب إلى الله، فهذه بدعة، فالقبور ليست محلا للذبح عندها، وإنما هو توسيخ لها وتقذير وإيذاء. الذابح يذبح في بيته أو المجزرة ويوزع على الفقراء والتقرب إلى الله، مثلما يذبح الضحية والهدية في منى والضحية في بيته هذا لا بأس، أما يأتي بالذبيحة عند القبور فهذا بدعة، وتلويث للقبور وإيذاء لها، وإيذاء للزوار أيضا، والغالب على هؤلاء أنهم ما يأتون بها للقبور إلا لاعتقادهم في أهل القبور وقصد التقرب إليهم بهذا، فإذا كانوا صادقين وأنهم ما قصدوا
стр. 811
إلا التقرب إلى الله والذبح لله لا للأموات هذا يكون بدعة، أما إن أرادوا بالذبيحة التقرب للميت ليشفع لهم أو ليشفي مريضهم أو ليعطيهم كذا، فهذا الشرك الأكبر والعقيدة فاسدة والذبح شرك كله، نسأل الله السلامة.
стр. 812
٨٨ - حكم زيارة الأضرحة في الإسلام
س: سائل من المغرب يقول: ما حكم الأضرحة في الإسلام، وهل تجب الزيارة لغير الأماكن المقدسة كزيارة ضريح مثلا، ما حكم الشرع في ذلك؟ (١)
ج: الأضرحة فيها تفصيل، الأضرحة هي القبور، والسنة أن ترفع عن الأرض قدر شبر، حتى يعلم أنها قبور، حتى لا تمتهن، لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁، أنه رأى قبر الرسول ﷺ قد رفع قدر شبر وأوصى أن يفعل بقبره مثل ذلك من حديث عثمان بن أبي سالم، أما ما يتعلق بالبناء عليه واتخاذ المساجد عليها والقباب فهذا لا يجوز، هذا منكر عند أهل العلم وبدعة ومن وسائل الشرك.
ولهذا قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)».
стр. 813
وفي صحيح مسلم جاء في حديث عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه: «نهى أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه (١)»، فلا يجوز البناء على القبور لا مسجد ولا قبة، ولا يجصص أيضا؛ لأن هذا من وسائل الشرك، ومن وسائل أنه يعظم ويدعى من دون الله ويستغاث به من دون الله فيقع الشرك، فالبناء على القبور واتخاذ القبب على القبور وبناء المساجد عليها من الوسائل المحرمة من وسائل الشرك، ولهذا حذر النبي ﵊ ولعن أهلها، فالواجب على كل مسلم أن يحذر ذلك، وألا يبنى على القبر، لا مسجد ولا غيره ولا قبة، ولا يجصص ولا يتخذ عليه حجب ولا ستور، كل هذا لا يجوز، بل هو من وسائل الشرك؛ لأن اتخاذ البناء والستور أو السرج، أو المساجد أو القبة على القبور كل هذا من وسائل التعظيم والشرك، وإذا دعا الميت بقوله: أنجدني، أو يا فلان أغثني، أو انصرني أو اشف لي مريضا أو أنا في حفظك وجوارك، كل هذا من الشرك الأكبر.
فالواجب الحذر من ذلك، وكذلك الطواف بالقبور، يطوف عليها، يرجو بركة أهلها ونفعهم، وفضل أهلها كل هذا من الشرك الأكبر، أما إذا كان الجاهل يظن أن الطواف سنة، ويتقرب بها إلى الله، فهذا بدعة ومنكر، ويكون من وسائل الشرك، أما إذا طاف
стр. 814
يتقرب إلى القبر فهذا من الشرك الأكبر، مثل إذا دعاه أو استغاث به، أو نذر أو ذبح له، كل هذا من الشرك الأكبر. فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من ذلك، وإنما الزيارة الشرعية، أن للتسليم عليهم، والدعاء لهم كما قال النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١)» فيأتيها فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله منا المستقدمين والمستأخرين (٢)»، هكذا علم النبي الصحابة، إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله منا المستقدمين والمستأخرين (٣)»، هذه هي الدعوة الشرعية ثم ينصرف، لا يصلي عند قبر ولا يقرأ عنده، ولا يطوف به ولا يسأل قضاء حاجة، كل هذا لا يجوز.
стр. 815
٨٩ - حكم شد الرحال إلى قبور الأولياء والصالحين
س: إن كثيرا من الناس يشدون الرحال إلى قبور الأولياء والصالحين، سائلين أهلها من الأموات شفاء مرضاهم، أو قضاء حوائجهم، ويقدمون لأصحاب هذه الأضرحة النذور والذبائح، ويدعونهم ويستغيثون بهم، وما شابه ذلك من أعمال، وهذه القضية اختلفت فيها الآراء، فالذين يقومون بهذا العمل يقولون: إن لله في الأرض عبادا يستجيب الله الدعاء من أجلهم، والذين يعارضون هذا العمل قالوا: إن هذا شرك صريح، ومخرج لصاحبه من الملة، نرجو أن تلقوا مزيدا من الضوء على جوانب وزوايا هذا الموضوع، مع بيان هل يجوز الصلاة خلف مرتكبيه أو لا يجوز؟ وفقكم الله (١).
ج: إن هذا السؤال مهم جدا وعظيم جدا، وهو شد الرحال إلى الأضرحة لطلب الحاجات وشفاء المرضى من أصحاب القبور، لدعائهم والاستغاثة بهم، والنذر لهم وتقديم الذبائح ونحو ذلك، أما شد الرحال لمجرد الزيارة للقبور، فهذا لا يجوز على الصحيح من أقوال العلماء؛ لأنه منهي عنه؛ ولأنه وسيلة إلى الشرك، والأصل في هذا قوله ﵊ في الحديث الصحيح: «لا تشد الرحال
стр. 816
إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا - يعني مسجد النبي ﷺ في المدينة - والمسجد الأقصى (١)» هذه الثلاثة تشد لها الرحال للعبادة فيها، بنص النبي ﵊، وما سواها لا تشد إليه الرحال للعبادة فيها، فيدخل في ذلك بقية المساجد، ويدخل في ذلك أيضا الأضرحة من باب أولى؛ فإنه إذا كان لا تشد الرحال إلى المساجد غير الثلاثة، وهي أفضل البقاع، فغيرها من البقاع التي تشد لها الرحال، من أجل فضل المدفون بها، أو نحو ذلك المنع من ذلك من باب أولى، ولهذا أصح أقوال العلماء في هذا الباب تحريم شد الرحال لزيارة القبور، وإنما تزار من دون شد الرحال، فزيارتها سنة، كما قال النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢)». فالسنة زيارة القبور، والدعاء لأهلها بالمغفرة والرحمة، للرجال خاصة دون النساء؛ لأن الرسول ﷺ أمر بزيارة القبور، وقال إنها تذكر الموت، تذكر الآخرة، وكان يعلم أصحابه ذلك، يعلمهم إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية (٣)» وكان يزور البقيع ﵊، ويترحم عليهم
стр. 817
ويدعو لهم بالمغفرة، أما بشد الرحال فلا، لا تشد الرحال لزيارة القبور، كما لا تشد لأجل زيارة المساجد الأخرى غير الثلاثة، أما إذا قصد بشد الرحال دعاء الميت، والاستغاثة بالميت فهذا منكر وحرام بالإجماع إجماع المسلمين ولو فعل هذا من دون شد الرحال، لو أتى القبور التي في بلده من دون شد رحل، يستغيث بها أو ينذر لها أو يذبح لها، أو يسألها قضاء الحاجات، شفاء المرضى، تفريج الكروب، كان هذا منكرا عظيما وشركا ظاهرا، وهذا هو شرك الأولين من الجاهلية كانوا يفعلون هذا مع الأموات، كانت الجاهلية، تشرك بالأموات، وتستغيث بهم وتنذر لهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢) كما حكى الله عنهم ذلك ، فإنه سبحانه قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣)، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٥) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٦) يعني يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى،
стр. 818
فرد الله عليهم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (١) فبين أن عبادتهم إياهم بالدعاء والضراعة والاستغاثة، والذبح والنذر والسجود على القبور أو نحو ذلك أن هذا هو الشرك بالله، وأن هو الكفر والضلال، وأن هذا لا ينفعهم بل يضرهم وإن زعموا أنهم شفعاء عند الله وإن زعموا أنهم يقربون إلى الله زلفى، فهو زعم باطل؛ لأن دعاء الأموات، أو الاستغاثة بالأموات، أو الأصنام أو الأشجار لا يقرب إلى الله ولا يدني من رضاه، بل يباعد من رحمته، ويوجب غضبه، ويوجب النار، وحرمان الجنة كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) فبين سبحانه أنه لا يغفر الشرك، ولكن ما دونه لمن يشاء، فما دون الشرك معلق بمشيئة الله إن شاء غفر، وإن شاء عذب أصحابه إن ماتوا قبل التوبة، وأما الشرك فلا يغفر، إذا مات عليه صاحبه، وكذلك الشرك يحبط الأعمال، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، والشرك معناه صرف بعض العبادة لغير الله، من دعاء أو خوف أو رجاء، أو توكل أو ذبح أو نذر، أو صلاة أو صوم أو نحو ذلك، فالذي يدعو الأموات
стр. 819
ويستغيث بهم، وينذر لهم ويزعم أنهم يشفعون له، أو يقربونه إلى الله زلفى، قد فعل فعل المشركين الأولين سواء بسواء، وهكذا إذا تقرب إليهم بالذبائح والنذور، فهذا كله شرك بالله ، ومنكر يجب على أهل العلم إنكاره، وبيان بطلانه، وتحذير العامة من ذلك، وهذا هو نفس الشرك الذي فعله أبو جهل وأشباهه، في الجاهلية مع اللات والعزى ومناة، وهذا هو شرك الأولين مع أصنامهم وأوثانهم في كل مكان، ومن المصائب أن يظن العامة أن هذا دين وأن هذا قربة ويسكت على ذلك من ينسب إلى العلم، ويتساهل في هذا الأمر، فإن هذا يضر العامة ضررا عظيما، إذا سكت من ينسب إلى العلم، ولم ينكروا هذا الشرك، فيظن العامة أنه جائز وأنه دين وأنه قربة فبقوا عليه واستمروا عليه.
فالواجب على أهل العلم إنكار الشرك بالله، وإنكار البدع، وإنكار المعاصي والتحذير من ذلك، وتنبيه العامة على كل ما حرم الله عليهم، حتى يحذروه من الشرك فما دونه، ولا شك ولا ريب أن دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، وطلب شفاء المرضى وطلب المدد أن هذا شرك بالله ، وهذا يفعله كثير من الناس عند بعض القبور، كما يفعله بعض الناس عند قبر النبي ﷺ أيام الحج من بعض الجهلة، وكما يفعله كثير من الناس عند قبر السيد البدوي في مصر، وعند قبر الحسين في مصر وعند قبور أخرى، وهكذا يفعل عند قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني، ويفعله بعض الناس وهم بعيدون عن هذه القبور، يدعونها من بعيد، ويسألونها قضاء الحاجات،
стр. 820
وشفاء المرضى من بعيد، وهكذا يفعل عند قبور أهل البيت من بعض من يزورها من الشيعة وغير الشيعة وهكذا عند قبر ابن عربي في الشام، وهكذا عند قبور أخرى في بلدان لا يحصيها إلا الله ، وهذه بلية عمت وطم شرها وعظم ضررها؛ لأسباب قلة العلم وقلة من ينبه على هذا الأمر الخطير، وإني أهيب بجميع أهل العلم في كل مكان أن يتقوا الله، وأن ينذروا الناس من هذا الشرك، وأن يحذروهم منه، وأن يبينوا لهم أن العبادة حق الله وحده، كما قال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)، وقال عز جل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، قال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٣) وقال : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥)؛ قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٦)، في آيات كثيرات تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده، وأنه لا يجوز أبدا أن يعبد أحد من دونه، من الأشجار أو الأحجار أو الأموات أو الأصنام، أو الكواكب أو غير ذلك، فالعبادة حق الله وحده ليس لأحد فيها حق، لا الملائكة ولا الأنبياء، ولا الصالحون ولا غيرهم، أما العبادة فهي حق الله وحده، الرسل بعثوا ليعلموا الناس دينهم، ولينذروهم من الشرك بالله، وليوجهوهم إلى عبادة الله وحده،
стр. 821
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١)، وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢)، في آيات كثيرة أخرى، وقال النبي ﵊ لمعاذ: «أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم؛ قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا (٣)»، فهنا حقان: حق الله على عباده، وحق العباد على الله، أما حق الله على عباده فهو مفترض، حق عظيم، وعليهم أن يؤدوه وقد خلقوا من أجله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) والله أرسل الرسل من أجله كما تقدم فوجب على العباد أن يعبدوا الله وحده هذا حقه عليهم، حق فرضه عليهم، فعليهم أداؤه، وعليهم أن يؤدوا كل ما أمرهم به الله ورسوله وأن ينتهوا عن كل ما نهاهم عنه الله ورسوله، كل هذا من عبادته ، أداء الفرائض وترك المحارم، ابتغاء وجه الله وإخلاصا له سبحانه، كل ذلك
стр. 822
من عبادته ومن طاعته وتعظيمه، أما حق العباد على الله فهو حق تفضل، وإحسان وجود وكرم، فمن جوده وكرمه وإحسانه، أن من لقيه بالتوحيد والإيمان والهدى، فإن الله يدخله الجنة ولا يعذبه في النار، هذا فضله وإحسانه جل وعلا، كما يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٣).
فالواجب على أهل الإسلام أن يعبدوا الله وحده، وأن يخلصوه بالعبادة، وأن يتفقهوا في دين الله، وأن يحذروا الشرك بالله ، فإن دعوى الإسلام مع وجود الشرك، لا تنفع، بل ينتقض إسلامه بشركه بالله، فالشرك ينقض الإسلام ويبطله، فوجب على من ينتسب للإسلام أن يحقق إسلامه وأن يتفقه في دين الله، وأن يحفظ دينه من أنواع الشرك بالله ، حتى يبقى له إسلامه، وحتى يبقى له دينه، وهكذا يجب على كل أهل الأرض من المكلفين من جن وإنس، وعرب وعجم يجب عليهم جميعا أن يعبدوا الله وحده، وأن ينقادوا بما جاء به محمد ﵊، فهو رسول الله حقا، وهو خاتم الأنبياء؛ لأن الله بعثه إلى أهل الأرض جميعا، من الجن والإنس، ومن العرب
стр. 823
والعجم، ومن سائر الأمم، يجب عليهم أن يعبدوا الله وأن ينقادوا لما جاء به محمد ﵊، كما قال الله سبحانه آمرا نبيه ﵊، أن يبلغ الناس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)، وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣)، فهو رسول الله إلى الجميع، إلى الجن والإنس، إلى العرب والعجم، إلى اليهود والنصارى والفرس، وجميع أهل الأرض من الجن والإنس، عليهم جميعا أن يعبدوا الله ويوحدوه، ويخصوه بالعبادة وألا يعبدوا معه لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولا شجرا ولا ميتا ولا صنما ولا وثنا ولا غير ذلك، بل عليهم أن يخصوا الله بالعبادة دون كل ما سواه، وعليهم أيضا أن ينقادوا لما جاء به محمد ﵊، وأن يحكموه بينهم وألا يخرجوا عن هديه وطريقه، كما قال في كتابه العظيم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥)، ويقول
стр. 824
عز وجل: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، المفلحون: هم هؤلاء، هم أتباع النبي محمد ﵊، أما الذين خرجوا عن دين محمد ﷺ ولم ينقادوا لشرعه، ولم يصدقوه فهؤلاء هم الخاسرون هم الهالكون هم الضالون هم الكافرون من أي جنس كانوا، وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢)، فجعل الهداية في اتباعه فدل ذلك على أن من خرج عن شريعة محمد ﷺ فهو الخاسر وهو الضال غير المهتدي، فالهداية والفلاح والنجاة في اتباع رسول الله ﷺ وفي إخلاص العبادة لله وحده وبتحكيم شريعة الله التي جاء بها رسوله محمد ﵊، وبهذا يعلم أن الواجب على جميع الأمم توحيد الله والإخلاص له، وعلى جميع الدول أن تعبد الله وأن تلزم شعوبها بعبادة الله وأن تدع ما هي عليه من الشرك والباطل، هذا عام لجميع الدول، لجميع الناس، ولكن المسلمين المنتسبين للإسلام الواجب عليهم أخص وأكبر؛ لأنهم انتسبوا إلى دين الله فوجب عليهم أن يحققوا دين الله وأن يعظموا دين الله وأن يصونوه عما حرم الله وأن يخلصوا
стр. 825
العبادة لله وحده حتى يتحقق إسلامهم، وحتى يكونوا مسلمين حقا لا بالانتساب، فالانتساب لا يفيد ولا ينفع بل يجب أن يكون إسلامهم حقا بعبادة الله وحده والإخلاص له، وتعظيم أمره ونهيه واتباع رسوله محمد ﵊. ويجب على الأمم الأخرى التي لا تنتسب للإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من جميع الأمم التي لا تتبع محمدا ﵊، عليهم جميعا أن يعبدوا الله وحده، وعليهم جميعا أن ينقادوا للشرع الذي جاء به محمد ﵊، عليهم جميعا ذلك؛ لأنهم مأمورون بذلك مخلوقون لذلك، فالله بعث محمدا إلى الجميع ﵊ إلى جميع أهل الأرض من الجن والإنس، فلا يجوز لأحد منهم أن يخرج عن شريعة محمد ﵊ كائنا من كان، فنسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والفقه في الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن عرف أنه من عباد الأضرحة، من عرف بأنه يأتي القبور ويستغيث بأهلها ويسألهم شفاء المرضى ونحو ذلك، فهذا لا يصلى خلفه؛ لأن ظاهره الشرك، والمشرك لا يصلى خلفه، والصلاة خلفه باطلة، فلا يجوز أن يصلى خلف هؤلاء، بل يجب أن ينبهوا وأن يحذروا من الشرك وأن ينصحوا، فإذا تابوا ورجعوا عن الباطل ووحدوا الله وقبلوا النصيحة يصلى خلفهم، أما ما داموا يعبدون غير الله، ما داموا يتعلقون بالقبور ويسألونها شفاء المرضى والمدد
стр. 826
وقضاء الحاجات، فهؤلاء لا يصلى خلفهم، بل شركهم ظاهر وكفرهم ظاهر، وإن كان بعضهم قد غره الجهل وغره سكوت العلماء فإن هذا لا يعذره، بل يجب عليه أن يسأل وأن يتفقه في دين الله وأن يسأل أهل العلم ويتبصر في ذلك ولا يتساهل.
س: ما حكم أولئك الذين يسافرون إلى القبور، وللطواف بها ويعملون الاحتفالات وما شابه ذلك؟ (١)
ج: هؤلاء الذين يتوجهون إلى القبور، سواء كانت القبور في بلادهم، أو كانت في بلاد أخرى يسافرون إليها لسؤالها أو الاستغاثة بها، أو الطواف في قبورهم يدعوهم ويسألهم حاجاته، كل هذا من الشرك الأكبر وإن كانوا سافروا إليها لعبادة عندها، فقد شبهوا قبورهم بالكعبة المشرفة التي أمر الله بالسفر إليها لعبادته عندها، وهؤلاء صرفوا عباداتهم لهم دون الله ، والله يقول سبحانه في كتابه العظيم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣)، ويقول : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥)، ويقول سبحانه:
стр. 827
﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، ويقول : ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، إلى أمثال هذه الآيات الكريمات، والنبي ﷺ يقول: «الدعاء هو العبادة (٣)»، فالذي يدعو الأموات أو الأشجار أو الأحجار أو القبور، قد أشرك بالله ، وهكذا إذا استغاث بهم، أو طاف في قبورهم يسألهم حاجته أو ما أشبه ذلك، أو يتعبد بالطواف ويتقرب به إليهم، كل هذا من الشرك الأكبر، نسأل الله العافية.
س: هل يجوز أن يذهب الفرد من بلد إلى بلد ليصلي صلاة الجمعة في مسجد يقال له مسجد الشيخ فلان (٤)
ج: إذا كانت الصلاة لأجل أنه يقال مسجد فلان، فلا يشد الرحل لأجل مسجد فلان، ولا لأجل أنه ينسب إلى الشيخ فلان، وإن كان يقصد الصلاة خلف إمام ذلك المسجد الذي في بلده، فالعمدة على الإمام الحاضر، إذا كان إماما طيبا والصلاة خلفه جيدة، لأجل خشوعه، وحسن تلاوته، هذا إذا قصده من شأن أن يصلي خلفه، من أجل حسن تلاوته، ومن أجل إقامته للصلاة، هذا حسن، أما شد الرحل لأجل فضل
стр. 828
المسجد؛ لأنه منسوب لفلان هذا لا يجوز؛ لأن الرسول ﵊ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» (١) هكذا قال ﵊، أما المساجد الأخرى فلا يشد الرحل لها، ولو كان صاحبها معروفا بالخير، أما شد الرحل للتعلم أو للصلاة خلفه لا من أجل المسجد للإقامة عنده للتعلم عليه ويستفيد منه، لا بأس هذا من أجل طلب العلم.
стр. 829
٩٠ - حكم توزيع الأطعمة عند الأضرحة وسؤالها قضاء الحوائج
س: سائل يقول: تقوم بعض النساء عندنا بزيارة القبور والمساجد ومن خلال الزيارة يقمن بجمع الأطفال داخل المسجد أو على القبور، ويفرقن عليهم خبزا وبعض الأشياء، ويقلن لوجه الله ثم يقمن بدعاء الولي الذي زرن لأجله ويقلن يا ولي عافني، واحفظ أولادي؟ (١)
ج: هذا عمل خطير يجب الحذر منه، النساء ممنوعات من زيارة القبور، وإنما الإذن للرجال، يقول ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢)» ولعن زائرات القبور من النساء؛ لأنهن فتنة وصبرهن قليل.
стр. 830
أما إذا كان مع ذلك دعوة الموتى والاستغاثة بالموتى صار شركا أكبر، وهكذا الذبح لهم، طلبهم المدد، هذا شرك أكبر من الرجال والنساء جميعا، فالذي يأتي القبور ليدعوها من دون الله، ويطلبها النصر والمدد والعون، هذا أتى شركا عظيما من الرجال والنساء جميعا، وهذا شرك المشركين، هذا شرك عباد القبور كأبي جهل وأصحابه من عباد القبور، وهكذا توزيع الصدقات إذا كان يقصد بهذا التقرب إلى الموتى بذلك، وأنه إذا تصدق ينوي التقرب بالصدقة لهم، يعتقد أنهم ينفعونه إذا تصدق عند قبورهم، وأنهم بهذه الصدقة التي يتقرب بها إليهم ينفعونه مثل لو صلى لهم، فهذا الشرك أكبر. أما إن كان فعل الصدقة عند القبر يطلب من الله ثوابها، ولكن يظن ويعتقد أنها عند القبور أفضل هذه بدعة، ما هي عند القبور أفضل، الصدقة يتصدق في بيته في أي محل، وإذا كانت عن طريق السر كانت أفضل، إلا إذا دعت الحاجة إلى الجهر، ولكن ليس محلها القبور، وإنما في الأسواق، في البيت، في أي مكان في المسجد لمن سأل، لا بأس.
والخلاصة أن زيارة النساء للقبور لا تجوز، وكونهن يذبحن للأموات أو يطلبن منهم المدد، أو الغوث أو شفاء المرضى هذا شرك أكبر، سواء وقع من امرأة أو من رجل، حتى ولو فعله في بيته ما هو عند القبور، يا سيدي فلان، يا عبد القادر يا حسين، يا علي، يا رسول الله، ولو في بيته ولو في أي مكان بعيد عن المدن والقبور، هو شرك أكبر ولو أنه في الصحراء، ما عنده أحد إذا قال: يا رسول الله:
стр. 831
انصرني، أو يا رسول الله اشف مريضي، أو ما أشبه ذلك، فقد عبده من دون الله بهذا الدعاء، أو قال يا سيدي الحسين أو يا سيدي الحسن، أو يا سيدي علي، أو يا سيدي عبد القادر هذا من الشرك الأكبر، وهكذا إذا تقرب بالذبائح سواء عند قبره، أو بعيدا عن قبره، يذبح من أجل التقرب إليه، يرى أنه إذا ذبح له يمده بأشياء أو يعطيه أشياء أو يحصل له أشياء، فالذبح لغير الله شرك أكبر، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤)، فأمر بالصلاة والنحر لله ، قال ﵊: «لعن الله من ذبح لغير الله (٥)» والذبح عبادة عظيمة كالصلاة، فإذا ذبح لأصحاب القبور، وتقرب إليهم بذلك، يرجو شفاعتهم ويرجو أنهم يقربونه إلى الله زلفى، أو تصدق يطلب الأجر منهم، والثواب منهم، أو حج لقبورهم أو ما أشبه ذلك من المقاصد التي يفعلها يتقرب بها إلى أصحاب القبور، هو يكون بهذا قد عبدهم وجعلهم آلهة، يعبدهم مع الله بصلاته لهم، أو دعائه لهم، أو ذبحه لهم أو نذره لهم أو غير ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 832
٩١ - الرد على شبهة من أجاز دفن الميت في المسجد بحجة دفنه ﵊ في مسجده
س: ما هي العلاقة بين كل من مسجد الرسول ﷺ بما فيه قبره وقبر صاحبيه، ومسجد من المساجد التي توجد بها قبور، حيث إنه بعد سماعي للشيخ: عبد العزيز في هذه المسألة، فقد أوضح بأن ذلك كان خطأ عند توسعة المسجد، في عهد عبد الملك بن مروان، ولكن كثيرا من المسلمين يتساءلون، إذا كان هذا خطأ فإنه من الممكن تدارك الخطأ وعلاجه، وذلك بأن يفصل القبر عن المسجد تماما، حيث إنه لا يكفي السور؛ لأن باقي المقابر في المساجد الأخرى حولها أيضا سور، وبذلك من الصعب إقناعهم لاختلاف المسجد النبوي عن غيره، إن هذه المسألة إذا تفضلتم بحسمها، سوف تقضي قطعا على افتتان المسلمين، وسوف تمنع وتساعد على نبش القبور التي استجدت على المساجد، وندعو الله لكم بالتوفيق في بحث هذا الموضوع، وجزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: لا شك أن إدخال القبر الشريف في المسجد الشريف كان سببا لفتنة بعض الناس، من وضع القبور في المساجد والبناء على القبور، وسبق في حلقات مضت بيان الواقع وهو أن الوليد بن عبد الملك وليس
стр. 833
عبد الملك، بل الوليد في خلافته لما وسع المسجد النبوي، رأى إدخال الحجرة النبوية في المسجد، بسبب التوسعة وأنكر ذلك عليه بعض الناس، وبعض التابعين، ولكنه رأى أن التوسعة تدعو إلى ذلك، فلهذا أدخله وصار ذلك الإدخال فتنة لبعض الناس في البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وليست العلاقة بين مسجد النبي ﷺ وحجرته، مثل العلاقة التي بين المساجد والقبور الأخرى، الفرق عظيم، فإن النبي ﷺ دفن في بيته بيت عائشة، ودفن معه صاحباه: أبو بكر وعمر ﵄، ولم يدفن في المسجد ﵊ ولا صاحباه بل كلهم دفنوا في البيت، وأما القبور الأخرى غير قبر النبي ﷺ وصاحبيه فهي تدفن في المساجد قصدا، ويظن أهلها أن هذا قربة، وأن هذا طاعة، وربما حدث المسجد بعد ذلك، يوجد قبر ثم يبنى عليه مسجد، كل هذا واقع فليس هذا كهذا، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح بل في الأحاديث الصحيحة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)» قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا. وقال ﵊: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٢)» رواه مسلم. ولما قالت له ﵊ أم سلمة وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهما: إنهما رأتا
стр. 834
في أرض الحبشة كنيسة، وذكرتا ما فيها من الصور، قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور (١)»، ثم قال ﵊: «أولئك شرار الخلق عند الله (٢)» فأخبر عن الذين يبنون على القبور مساجد، ويصورون عليها الصور، أنهم شرار الخلق؛ لأنهم فعلوا أمرا يجر الناس إلى الشرك، ويوقعهم في الشرك؛ لأن البناء على القبور وبناء المساجد عليها واتخاذ الصور عليها، كل هذا من وسائل الشرك، ولهذا حذر من ذلك النبي ﵊، وأبدى وأعاد في ذلك، والوليد حين أدخل الحجرة النبوية، لم يكن على باله هذا الأمر، ولم يظهر له أن الناس يشتبه عليهم الأمر، ويعتقدون أن هذا مثل هذا، وأن إدخال الحجرة برمتها من جنس إدخال القبور في المساجد، أو من جنس إقامة المساجد على القبور، وليس هذا كهذا، فالحاصل أن إدخال الحجرة النبوية في المسجد ليس من جنس عمل الغلاة في القبور الذين بنوا عليها المساجد، أو أحدثوها في المساجد، هذا غير هذا، فإحداث القبر في المسجد أمر لا يجوز، ومنكر ووسيلة للشرك بصاحب القبر، وهكذا كون المسجد يبنى عليه كما فعلت بنو إسرائيل، هذا أيضا لا يجوز، ولهذا قال ﵊ في الحديث الصحيح المتفق عليه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣)».
стр. 835
فالواجب على أهل الإسلام أينما كانوا في كل مكان ألا يبنوا على القبور مساجد، وألا يبنوا عليها قبابا، ولا غيرها وأن يجعلوها ضاحية بارزة، كما كانت القبور في عهد النبي ﷺ كذلك في البقيع وغيره ليس عليها بناء، وكما هو الحال في البقيع والحمد لله، قد أزيلت عنها المباني، وهكذا في مكة، المقصود أن الواجب أن تكون بارزة ظاهرة ليس عليها بناء، هذا هو الواجب ولا يبنى عليها قباب ولا مساجد ولا غير ذلك، وأما إدخال الوليد بن عبد الملك الحجرة النبوية، فكان لأجل التوسعة، وإن كان هذا غلطا ينبغي أنه لم يقع، حذرا من هذه الفتنة التي وقعت لبعض الناس، لكنه ﵀ وعفا الله عنا وعنه، لم يتنبه لهذا الأمر الذي حصل للناس الآن، ولعل أسباب عدم إخراجه من المسجد بعد ذلك، أن كل وال يتولى المدينة يخشى أنه إن فعل ذلك أن يقام عليه الاحتجاج من الجهال وأن ينكر عليه، وأن يقال: أنت تبغض النبي ﷺ ، وأنت وأنت، فيتهم، فلهذا ترك الناس الحجرة بعدما أدخلت، لعل هذا هو السبب والله أعلم فيما أعتقد أن الولاة الذين تولوا الإمارة بعد الوليد، لعلهم خشوا إذا أخرجوا الحجرة من المسجد، أن يقال فيهم: إنهم كيت وكيت، إنهم ليسوا يحبون النبي ﷺ ، أو إنهم مقصرون في حق النبي ﵊، أو ما أشبه ذلك من الأقاويل التي يخشى منها، فلهذا ترك هذا الأمر ولم يخرج من المسجد، من أجل خوف قالة الناس، وفتنة الناس، في القيل والقال، في إخراجه من المسجد بعدما أدخل، ثم أيضا مثل ما تقدم، ليس هذا
стр. 836
من جنس ما يفعله الناس، بل هذه حجرة برمتها بيت برمته، أدخل فليس من المسجد وليس من أرض المسجد، وليس مدفونا في المسجد، وليس المسجد مقاما عليه، بل المسجد قائم مستقل، قبل إدخال الحجرة، فالمسجد قائم، وإنما جاءت التوسعة فقط، اليسيرة التي جاءت من جهة الشرق، هذا هو الواقع فلا يجوز لأحد أن يحتج بهذا، على البناء على القبور أو إدخال القبور في المساجد، لا حجة له في هذا، بل الواجب أن تكون القبور بعيدة عن المساجد، ليست في المساجد، كما تكون في أرض مستقلة وضاحية، شامسة مكشوفة ليس عليها بناء، وليس عليها مساجد، هذا الواجب على جميع المسلمين في كل مكان، طاعة للنبي ﷺ ، وامتثالا لأمره واتباعا لسنته، وحذرا من وسائل الشرك، ولهذا أبدى وأعاد ﵊، وأكثر في ذلك لئلا يقع الناس في الشرك، ومن ذلك ما تقدم في الأحاديث الصحيحة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)» ومن هذا قوله ﷺ : «ألا وإن من كان من قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٢)» رواه مسلم في الصحيح من حديث جندب بن عبد الله البجلي، وهكذا حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح، يقول ﷺ : «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣)».
стр. 837
فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا ذلك، وألا يحتجوا بما فعله الوليد بن عبد الملك من إدخال الحجرة النبوية، فإنه أدخل بيتا ولم يدفن في المسجد، ولم يحدث الوليد قبرا في المسجد، وإنما أدخل الحجرة اجتهادا منه للتوسعة للمسلمين، فليس هذا مثل ما أحدثه الناس، ولا ينبغي أن يقاس هذا على هذا، بل الواجب الحذر مما نهى عنه النبي ﷺ ولعن أهله الفاعلين له، ومن ذلك ما روى جابر بن عبد الله الأنصاري، ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى أن تجصص القبور، وعن القعود عليها والبناء عليها.
فالرسول نهى أن يجصص القبر، ونهى أن يقعد عليه، أو يبنى عليه، وهذا يشمل القبر والمسجد وغيرها، فالواجب على جميع المسلمين طاعة النبي ﷺ ، وامتثال أمره والحذر مما نهى عنه في القبور وغيرها، فلا يبنى عليها، ولا يتخذ عليها قبة ولا مسجد ولا تجصص، كل هذا مما نهى عنه النبي ﵊، والمقصود من هذا كله سد الذرائع للشرك، والنهي عن وسائله؛ لأن الناس إذا رأوا قبرا معظما بالقبة، والفراش ونحو ذلك، عظموه بالدعاء والاستغاثة، دعوه واستغاثوا بصاحبه فوقع الشرك.
فالواجب على المسلمين في أي مكان أن يتقوا الله، وأن يحذروا الدفن في المساجد، أو إقامة مسجد على القبر، وإن كان قبرا عظيما وإن كان صاحبه صالحا، فالأنبياء هم أصلح الناس، ولا يجوز البناء على قبورهم، فبقية الناس من باب أولى.
стр. 838
فالواجب هو امتثال أمر رسول الله ﷺ والتقيد بما قاله ﵊، والحذر مما نهى عنه ﵊، والحكمة في هذا واضحة، والحكمة ظاهرة وهي سد الذرائع الموصلة للشرك، فإن وجود المسجد على القبر، أو وجود القبر في المسجد، كل ذلك من وسائل الشرك بصاحب القبر نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق، ونسأل الله أن يبصر المسلمين ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يعيذهم من أسباب الشرك، ووسائله وذرائعه.
أما قوله: لماذا لا يعالج الخطأ الذي وقع فيه الوليد بن عبد الملك بإدخال الحجرة النبوية في المسجد، فقد بينا أن أسباب ذلك أن كل دولة تخشى أنها إذا قامت بهذا الأمر، تتهم وأن يقال فيها إنها قصرت في حق النبي ﷺ وإنها تبغض النبي ﷺ وإنها جاهلة بالإسلام، قد يتحاشون الدخول في هذا الأمر، يقولون: ما دام قد سكت من قبلنا، فنتركه، ولأن الحكمة في ذلك والعلة في ذلك واضحة، فإنه لم يدفن في المسجد ﵊، وإنما أدخلت الحجرة برمتها، فليست هذه المسألة مثل المسائل التي وقع فيها الناس في بلدان كثيرة حيث دفنوا في المساجد، وأوجدوا قبورا في المساجد، وبنوا مساجد على القبور، هذا هو الواقع، وهذا غير ما فعله الوليد، هذا فرق عظيم، وخوف الفتنة بين المسلمين هذا هو السبب الذي جعل الناس يتركون الأمور على حالها، خشية من فتنة تقوم بين الناس، بسبب ظنهم
стр. 839
بمن أخرجه السوء، وأنه أراد بهذا تنقصا للنبي ﷺ وصاحبيه أو أنه أراد بذلك شيئا آخر، قد لا يحمل على المعنى الشرعي، وقد يظن به خلاف ذلك، فلعل هذا السبب الذي من أجله تركته الدول السابقة، وقد يقوم حرب فكرية وغير فكرية من أعداء الإسلام، وقد يكون هذا من أسباب بعض الفتن، التي يوجدها بعض الناس، لأتفه الأسباب، وكيف هذا وهذا مما يتعلق بقبر النبي ﷺ وصاحبيه وأكثر الخلق ليس عنده العلم الكافي، والبصيرة الكافية بهذه الأمور بل يعتقدون أن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها أنه دين وقربة، بل بعضهم وكثير منهم يرى أن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات دين وقربة نسأل الله العافية، ولما قيل له ﷺ في حجر إسماعيل قال: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر، لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم (١)» فترك نقض الكعبة وإدخال الحجر فيها خوفا من الفتنة ﵊ فأبقاها على حالها، وهذا من جنس هذا.
стр. 840
٩٢ - بيان الحكم في القبة الخضراء على قبره ﵊
س: قد عرفنا من كلام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أن البناء والقباب على القبور لا يجوز، فما حكم القبة الخضراء على قبر الرسول الكريم ﵊ في المدينة المنورة؟ (١)
ج: لا ريب أن الرسول ﵊ نهى عن البناء على القبور ولعن اليهود والنصارى على اتخاذ المساجد عليها، فقال ﵊: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)»، وقال ﵊ فيما رواه عنه مسلم في الصحيح، عن جابر أنه: نهى عن تجصيص القبور والقعود عليها، والبناء عليها وفي رواية للترمذي وغيره والكتابة عليها (٣).
فالبناء على القبور، واتخاذ مساجد عليها من المحرمات التي حذر منها النبي ﵊، وتلقاها أهل العلم بما قاله ﷺ بالقبول، ونهى أهل العلم عن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، تنفيذا للسنة المطهرة، ومع ذلك فقد وجد في كثير من الدول والبلدان، البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها، واتخاذ القباب عليها أيضا، وهذا كله
стр. 841
مخالف لما جاءت به السنة عن الرسول ﵊ وهو من أعظم وسائل وقوع الشرك، والغلو في أصحاب القبور، فلا ينبغي لعاقل ولا ينبغي لأي مسلم أن يغتر بهؤلاء وأن يتأسى بهم فيما فعلوا؛ لأن أعمال الناس تعرض على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة، أو وافق أحدهما قبل، وإلا رد على من أحدثه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١)؛ وقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢).
أما ما يتعلق بالقبة الخضراء التي على قبر النبي ﷺ فهذا شيء أحدثه بعض الأمراء في المدينة المنورة، في القرون المتأخرة في القرن التاسع وما حوله. ولا شك أنه غلط منه، وجهل منه، ولم يكن هذا في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أصحابه ولا في عهد القرون المفضلة، وإنما حدث في القرون المتأخرة التي كثر فيها الجهل، وقل فيها العلم وكثرت فيها البدع، فلا ينبغي أن يغتر بذلك، ولا أن يقتدى بذلك، ولعل من تولى المدينة من الملوك والأمراء، والمسلمين تركوا ذلك خشية الفتنة من بعض العامة، فتركوا ذلك وأعرضوا عن ذلك، حسما لمادة الفتن؛ لأن بعض الناس ليس عنده بصيرة، فقد يقول: غيروا وفعلوا بقبر النبي ﷺ وهذا كذا، وهذا كذا، فيثير إلى فتن لا حاجة
стр. 842
إلى إثارتها وقد تضر إثارتها، فالأظهر والله أعلم أنها تركت لهذا المعنى خشية رواج فتنة يثيرها بعض الجهلة، ويرمي من أزال القبة أنه يستهين بالنبي ﷺ أو بأنه لا يرعى حرمته ﵊ هكذا يدعي عباد القبور، وأصحاب الغلو إذا رأوا من يدعو إلى التوحيد، ويحذر من الشرك والبدع، رموه بأنواع المعايب، واتهموه بأنه يبغض النبي ﵊، أو بأنه يبغض الأولياء، أو لا يرعى حرمته ﷺ ، أو ما أشبه هذه الأقاويل الفاسدة الباطلة، وإلا فلا شك أن الذي عملها قد أخطأ، وأتى بدعة وخالف ما قاله النبي ﷺ في التحذير من البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها.
وأما البناء الأول فهو بيت عائشة؛ كان دفن ﵊ في بيت عائشة والصحابة ﵃ وأرضاهم خافوا على دفنه في البقيع من الفتنة، فجعلوه في بيت عائشة ثم دفنوا معه صاحبيه: أبا بكر وعمر ﵄، ولم يكن الدفن في المسجد بل كان في بيت عائشة، ثم لما وسع المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك في آخر القرن الأول أدخل الحجرة في التوسعة، فظن بعض الناس الذين لا يعلمون أن الرسول دفن في المسجد وليس الأمر كذلك بل هو ﵊ دفن في بيت عائشة في خارج المسجد، ولم يدفن في المسجد فليس لأحد حجة في ذلك أن يدفن في المساجد، بل يجب أن تكون المساجد خالية من القبور، ويجب ألا يبنى أي مسجد على قبر،
стр. 843
لكون الرسول حذر من ذلك ﵊ فقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. (١)» أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، وروى مسلم في صحيحه ﵀، عن جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول: قبل أن يموت بخمس يقول: «إن الله اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوها مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٢)» فذم من اتخذ المساجد على القبور، ونهى عن ذلك بصيغتين إحداهما: قوله فلا تتخذوها مساجد، والثانية: فإني أنهاكم عن ذلك، وهذه مبالغة في النهي والتحذير منه ﵊، من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: ذم من اتخذ المساجد على قبور الأنبياء والصالحين قبلنا، والثاني: نهى عن ذلك بصيغة لا تتخذوا، والثالث: أنه نهى عنه بصيغة وإني أنهاكم عن ذلك، وهذه مبالغة في التحذير، وسبق في حديث عائشة أنه نهى عنه باللعن، قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣)»، هذا يبين لنا ويبين لكل مسلم ولكل ذي فهم أن البناء على القبور، واتخاذ
стр. 844
القباب عليها والمساجد أنه مخالف لشريعة الله التي جاء بها النبي ﵊، وأنه منكر وبدعة في الدين، وأنه من وسائل الشرك، ولهذا لما رأى العامة والجهلة هذه القبور المعظمة، بالمساجد والقباب وغير ذلك، والفرش ظنوا أنها تنفعهم، وأنها تجيب دعاءهم، وأنها ترد عليهم غائبهم، وتشفي مريضهم، فدعوها واستغاثوا بها، ونذروا لها ووقعوا في الشرك، بسبب ذلك.
فالواجب على أهل العلم والإيمان أين ما كانوا أن يحذروا الناس من هذه الشرور، وأن يبينوا لهم أن البناء على القبور من البدع المنكرة، وهكذا اتخاذ القباب والمساجد عليها من البدع المنكرة وأنها من وسائل الشرك، حتى يحذر العامة ذلك، ليعلم الخاص والعام أن هذه الأشياء، حدثت بعد رسول الله ﷺ ، وبعد أصحابه ﵃، وبعد القرون المفضلة، حتى يحذروها وحتى يبتعدوا عنها والزيارة الشرعية للقبور هي أن يزوروها للسلام عليهم، والدعاء لهم والترحم عليهم، لا لسؤالهم، ودعائهم، وقضاء الحاجات وتفريج الكروب، فإن هذا شرك بالله، ولا يجوز إلا مع الله ، ولكن الجهلة والمشركين بدلوا الزيارة الشرعية، بالزيارة المنكرة الشركية، جهلا وضلالا؛ ومن أسباب هذا الشرك والبدع وجود هذه البنايات، والقباب والمساجد على القبور، ومن أسباب ذلك سكوت كثير من العلماء عن ذلك، إما للجهل بالحكم الشرعي لذلك، من بعضهم وإما
стр. 845
يأسهم من قبول العامة، وعدم الفائدة من كلامه منهم لما رأوه من إقبالهم عليها، وإنكارهم على من أنكر عليهم، وإما لأسباب أخرى.
فالواجب على أهل العلم أينما كانوا أن يوضحوا للناس ما حرم الله عليهم، وأن يبنوا ما أوجب الله عليهم، وأن يحذروهم من الشرك وأسبابه ووسائله، فإن العامة في ذمتهم، والله أوجب عليهم البلاغ والبيان، وحرم عليهم الكتمان.
س: إنني أعلم أن بناء القباب على القبور لا يجوز، ولكن بعض الناس يقولون: إنها تجوز ودليلهم قبة الرسول ﷺ ، ويقولون: إن محمد بن عبد الوهاب أزال كل القباب، ولم يزل تلكم القبة، أي قبة الرسول ﷺ ، فالمفروض أن تزال ما دام الناس غير متشككين، فيما يبدو فكيف نرد على هؤلاء أفيدونا بارك الله فيكم؟ (١)
ج: لا شك أن القباب على القبور بدعة ومنكر، كالمساجد على القبور كلها بدعة وكلها منكر؛ لما ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)»، ولما ثبت عنه ﵊ أنه قال: «ألا وإن من