مخالف لما جاءت به السنة عن الرسول ﵊ وهو من أعظم وسائل وقوع الشرك، والغلو في أصحاب القبور، فلا ينبغي لعاقل ولا ينبغي لأي مسلم أن يغتر بهؤلاء وأن يتأسى بهم فيما فعلوا؛ لأن أعمال الناس تعرض على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة، أو وافق أحدهما قبل، وإلا رد على من أحدثه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١)؛ وقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢).
أما ما يتعلق بالقبة الخضراء التي على قبر النبي ﷺ فهذا شيء أحدثه بعض الأمراء في المدينة المنورة، في القرون المتأخرة في القرن التاسع وما حوله. ولا شك أنه غلط منه، وجهل منه، ولم يكن هذا في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أصحابه ولا في عهد القرون المفضلة، وإنما حدث في القرون المتأخرة التي كثر فيها الجهل، وقل فيها العلم وكثرت فيها البدع، فلا ينبغي أن يغتر بذلك، ولا أن يقتدى بذلك، ولعل من تولى المدينة من الملوك والأمراء، والمسلمين تركوا ذلك خشية الفتنة من بعض العامة، فتركوا ذلك وأعرضوا عن ذلك، حسما لمادة الفتن؛ لأن بعض الناس ليس عنده بصيرة، فقد يقول: غيروا وفعلوا بقبر النبي ﷺ وهذا كذا، وهذا كذا، فيثير إلى فتن لا حاجة
стр. 842
إلى إثارتها وقد تضر إثارتها، فالأظهر والله أعلم أنها تركت لهذا المعنى خشية رواج فتنة يثيرها بعض الجهلة، ويرمي من أزال القبة أنه يستهين بالنبي ﷺ أو بأنه لا يرعى حرمته ﵊ هكذا يدعي عباد القبور، وأصحاب الغلو إذا رأوا من يدعو إلى التوحيد، ويحذر من الشرك والبدع، رموه بأنواع المعايب، واتهموه بأنه يبغض النبي ﵊، أو بأنه يبغض الأولياء، أو لا يرعى حرمته ﷺ ، أو ما أشبه هذه الأقاويل الفاسدة الباطلة، وإلا فلا شك أن الذي عملها قد أخطأ، وأتى بدعة وخالف ما قاله النبي ﷺ في التحذير من البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها.
وأما البناء الأول فهو بيت عائشة؛ كان دفن ﵊ في بيت عائشة والصحابة ﵃ وأرضاهم خافوا على دفنه في البقيع من الفتنة، فجعلوه في بيت عائشة ثم دفنوا معه صاحبيه: أبا بكر وعمر ﵄، ولم يكن الدفن في المسجد بل كان في بيت عائشة، ثم لما وسع المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك في آخر القرن الأول أدخل الحجرة في التوسعة، فظن بعض الناس الذين لا يعلمون أن الرسول دفن في المسجد وليس الأمر كذلك بل هو ﵊ دفن في بيت عائشة في خارج المسجد، ولم يدفن في المسجد فليس لأحد حجة في ذلك أن يدفن في المساجد، بل يجب أن تكون المساجد خالية من القبور، ويجب ألا يبنى أي مسجد على قبر،
стр. 843
لكون الرسول حذر من ذلك ﵊ فقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. (١)» أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين، وروى مسلم في صحيحه ﵀، عن جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ أنه سمعه يقول: قبل أن يموت بخمس يقول: «إن الله اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوها مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٢)» فذم من اتخذ المساجد على القبور، ونهى عن ذلك بصيغتين إحداهما: قوله فلا تتخذوها مساجد، والثانية: فإني أنهاكم عن ذلك، وهذه مبالغة في النهي والتحذير منه ﵊، من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: ذم من اتخذ المساجد على قبور الأنبياء والصالحين قبلنا، والثاني: نهى عن ذلك بصيغة لا تتخذوا، والثالث: أنه نهى عنه بصيغة وإني أنهاكم عن ذلك، وهذه مبالغة في التحذير، وسبق في حديث عائشة أنه نهى عنه باللعن، قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣)»، هذا يبين لنا ويبين لكل مسلم ولكل ذي فهم أن البناء على القبور، واتخاذ
стр. 844
القباب عليها والمساجد أنه مخالف لشريعة الله التي جاء بها النبي ﵊، وأنه منكر وبدعة في الدين، وأنه من وسائل الشرك، ولهذا لما رأى العامة والجهلة هذه القبور المعظمة، بالمساجد والقباب وغير ذلك، والفرش ظنوا أنها تنفعهم، وأنها تجيب دعاءهم، وأنها ترد عليهم غائبهم، وتشفي مريضهم، فدعوها واستغاثوا بها، ونذروا لها ووقعوا في الشرك، بسبب ذلك.
فالواجب على أهل العلم والإيمان أين ما كانوا أن يحذروا الناس من هذه الشرور، وأن يبينوا لهم أن البناء على القبور من البدع المنكرة، وهكذا اتخاذ القباب والمساجد عليها من البدع المنكرة وأنها من وسائل الشرك، حتى يحذر العامة ذلك، ليعلم الخاص والعام أن هذه الأشياء، حدثت بعد رسول الله ﷺ ، وبعد أصحابه ﵃، وبعد القرون المفضلة، حتى يحذروها وحتى يبتعدوا عنها والزيارة الشرعية للقبور هي أن يزوروها للسلام عليهم، والدعاء لهم والترحم عليهم، لا لسؤالهم، ودعائهم، وقضاء الحاجات وتفريج الكروب، فإن هذا شرك بالله، ولا يجوز إلا مع الله ، ولكن الجهلة والمشركين بدلوا الزيارة الشرعية، بالزيارة المنكرة الشركية، جهلا وضلالا؛ ومن أسباب هذا الشرك والبدع وجود هذه البنايات، والقباب والمساجد على القبور، ومن أسباب ذلك سكوت كثير من العلماء عن ذلك، إما للجهل بالحكم الشرعي لذلك، من بعضهم وإما
стр. 845
يأسهم من قبول العامة، وعدم الفائدة من كلامه منهم لما رأوه من إقبالهم عليها، وإنكارهم على من أنكر عليهم، وإما لأسباب أخرى.
فالواجب على أهل العلم أينما كانوا أن يوضحوا للناس ما حرم الله عليهم، وأن يبنوا ما أوجب الله عليهم، وأن يحذروهم من الشرك وأسبابه ووسائله، فإن العامة في ذمتهم، والله أوجب عليهم البلاغ والبيان، وحرم عليهم الكتمان.
س: إنني أعلم أن بناء القباب على القبور لا يجوز، ولكن بعض الناس يقولون: إنها تجوز ودليلهم قبة الرسول ﷺ ، ويقولون: إن محمد بن عبد الوهاب أزال كل القباب، ولم يزل تلكم القبة، أي قبة الرسول ﷺ ، فالمفروض أن تزال ما دام الناس غير متشككين، فيما يبدو فكيف نرد على هؤلاء أفيدونا بارك الله فيكم؟ (١)
ج: لا شك أن القباب على القبور بدعة ومنكر، كالمساجد على القبور كلها بدعة وكلها منكر؛ لما ثبت عن رسول الله ﵊ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)»، ولما ثبت عنه ﵊ أنه قال: «ألا وإن من
стр. 846
كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك (١)» رواه مسلم في الصحيح، ولما ثبت أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ في صحيح مسلم عن النبي ﵊ أنه نهى عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها، فنص ﷺ على النهي عن البناء على القبور والتجصيص لها، أو القعود عليها ولا شك أن وضع القبة عليها نوع من البناء، وهكذا بناء المسجد عليها نوع من البناء، وهكذا جعل سقوف عليها وحيطان نوع من البناء.
فالواجب أن تبقى مكشوفة على الأرض مكشوفة كما كانت القبور في عهد النبي ﷺ في البقيع وغيره مكشوفة، يرفع القبر عن الأرض قدر شبر تقريبا، ليعلم أنه قبر لا يمتهن، أما أن يبنى عليه قبة أو غرفة أو عريش أو غير ذلك، فهذا لا يجوز، بل يجب أن تبقى القبور على حالها مكشوفة، ولا يزاد عليها غير ترابها، فيؤخذ القبر من ترابه، الذي حفر منه يرفع قدر شبر ويكفي ذلك، كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال ﵁: الحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ ، وقال في رواية: فرفع قبره عن الأرض قدر شبر، يعني قبر النبي ﷺ .
فالحاصل أن القبور ترفع قدر شبر، للعلم بأنها قبور، ولئلا تمتهن
стр. 847
وتوطأ أو يجلس عليها، أما أن يبنى عليها فلا، لا قبة ولا غيرها، للأحاديث السابقة حديث جابر وحديث عائشة وغيرهما، وفي حديث جابر التصريح بالنهي عن البناء على القبور، وتجصيصها، أما قبة النبي ﷺ فهذه حادثة أحدثها بعض أمراء الأتراك، في بعض القرون المتأخرة في القرن التاسع أو الثامن وترك الناس إزالتها لأسباب كثيرة، منها جهل الكثير ممن يتولى إمارة المدينة ومنها خوف الفتنة؛ لأن بعض الناس يخشى الفتنة، لو أزالها لربما قام عليه الناس، وقالوا: هذا يبغض النبي ﷺ وهذا كيت وكيت، وهذا هو السر في إبقاء الدولة السعودية لهذه القبة؛ لأنها لو أزالتها لربما قال الجهال، وأكثر الناس جهال: إن هؤلاء إنما أزالوها لبغضهم النبي ﵊ ولا يقولون: لأنها بدعة، وإنما يقولون لبغضهم النبي ﷺ هكذا يقول الجهلة وأشباههم، فالحكومة السعودية الأولى والأخرى إلى وقتنا هذا، إنما تركت هذه القبة المحدثة خشية الفتنة، وأن يظن بها السوء، وهي لا شك أنها والحمد لله تعتقد تحريم البناء على القبور، وتحريم اتخاذ القباب على القبور، والرسول ﷺ دفن في بيت عائشة لئلا تقع الفتنة به، ولئلا يغلى فيه، فدفنه الصحابة في بيت عائشة حذرا من الفتنة والجدران قائمة من قديم، دفنوه في البيت حماية له من الفتنة ﵊ لئلا يفتن به الجهلة، وأما هذه القبة فهي موضوعة متأخرة من جهل بعض الأمراء، فإذا أزيلت فلا بأس بذلك، بل هذا حق لكن قد لا يتحمل هذا بعض الجهلة، وقد يظنون بمن أزالها بأنه
стр. 848
ليس على حق، وأنه مبغض للنبي ﵊، فمن أجل هذا تركت الدولة السعودية هذه القبة على حالها؛ لأنها من عمل غيرها ولا تحب التشويش والفتنة التي قد يتزعمها بعض الناس من عباد القبور وأصحاب الغلو في الأموات من المشركين فيرمونها بما هي بريئة منه، من البغض للنبي ﷺ ، أو الجفاء في حقه والعلماء السعوديون منهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وغيره من العلماء كلهم بحمد الله على السنة، وعلى طريق أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان في توحيد الله، والإخلاص له والتحذير من الشرك والبدع، أو وسائل الشرك، وهم أشد الناس تعظيما للنبي ﷺ ولأصحابه كالسلف الصالح هم من أشد الناس تعظيما للنبي ﷺ ، ولأصحابه ﵃ وأرضاهم مشيا وسيرا على الطريق السلف الصالح، في محبته ﷺ وتعظيم جانبه: التعظيم الشرعي، الذي ليس فيه غلو ولا بدعة بل تعظيم يقتضي اتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه، والذب عن سنته ودعوة الناس إلى اتباعه وتحذيرهم من الشرك به أو بغيره، وتحذيرهم من البدع المنكرة، فهم على هذا الطريق أولهم وآخرهم، يدعون الناس إلى اتباع رسول الله ﷺ وإلى تعظيم سنته وإلى إخلاص العبادة لله وحده، وعدم الشرك به سبحانه ويحذرون الناس من البدع التي كثرت بين الناس من عصور كثيرة، ومن ذلك بدعة هذه القبة التي وضعت على القبر النبوي، وإنما تركت من أجل خوف القالة والفتنة، والله ولي التوفيق.
стр. 849
٩٣ - بيان مكان قبر الحسين ﵁
س: كثر كلام الناس، واختل حول قبر سيدنا الحسين أين مكانه، وهل يستفيد المسلمون من معرفة مكانه بالتحديد؟ (١)
ج: الصواب أنه كان بالعراق جسده؛ لأنه قتل في العراق، أما رأسه فاختلف فيه فقيل في الشام، وقيل في مصر وقيل غير ذلك، والصواب: أن الذي في مصر ليس قبره، إنما هو غلط وليس رأس الحسين، وقد ألف في هذا بعض أهل العلم، وبينوا أنه لا أصل لوجود رأسه في مصر، ولا وجه لوجوده في مصر، وإنما الأغلب أنه في الشام؛ لأنه نقل إلى يزيد بن معاوية وهو في الشام، فلا وجه للظن أنه في مصر، بل إما أنه في الشام؛ في مخازن الشام؛ وإما أعيد إلى جسده في العراق، وبكل حال فليس للناس حاجة في هذا، ليس للناس حاجة أن يعرفوا رأسه أين دفن، وأين كان، إنما الدعاء له بالمغفرة والرحمة، غفر الله له ورضي الله عنه قتل مظلوما، فيدعى له بالمغفرة والرحمة ويرجى له خير كثير، هو وأخوه الحسن، سيدا شباب الجنة، كما قال النبي ﷺ : فهو مظلوم له الأجر العظيم، وترجى له الشهادة، مع أنه وأخاه كما تقدم جاء فيهما الحديث عن النبي ﷺ : «أنهما سيدا شباب أهل الجنة (٢)» ومن عرف
стр. 850
قبره وسلم عليه، ودعا له فلا بأس، كما تزار القبور الأخرى إنما يزار قبره إذا عرف، مثل بقية قبور المسلمين بالدعاء لهم، والترحم عليهم؛ لقول النبي ﷺ : «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (١)» فمن زار قبر الحسين أو الحسن، أو فلان أو فلان للدعاء لهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، كما يفعل مع بقية القبور هذا سنة، أما زيارة القبور لدعائها من دون الله، أو الاستغاثة بها أو التمسح بترابها، هذا من المنكرات لا يجوز ولا يبنى عليها، لا قبة ولا مسجد ولا غير ذلك؛ لأن الرسول ﵊ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)» وروى جابر في صحيح مسلم عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن تجصيص القبور، وعن القعود عليها وعن البناء عليها (٣)» فالرسول ﷺ نهى عن تجصيص القبر، وعن القعود عليه وعن البناء عليه، فلا يبنى عليه قبة ولا مسجد، ولا غير ذلك ولا يجوز أيضا أن يجصص أو يطيب، أو توضع عليه الستور، كل هذا ممنوع ولا يصلى عنده، يقول ﵊: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٤)» خرجه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي، وهذا يدل على أنه لا تجوز الصلاة عند القبور، ولا اتخاذها مساجد، لماذا؟ لأنه وسيلة للشرك ووسيلة لأن يعبد من
стр. 851
دون الله، بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم، والتمسح بقبورهم، فلهذا حذر النبي من هذا ﵊، وإنما تزار القبور فقط بالسلام عليهم والدعاء لهم، والترحم عليهم: الدعاء لهم لا دعاؤهم من دون الله، وإنما يدعى لهم غفر الله لك يا فلان، رحمك الله رضي الله عنك، كفر الله سيئاتك. أما إذا قال يا سيدي أنا بجوارك، أنا في حسبك اشفع لي، انصرني اشف مريضي، هذا منكر لا يجوز هذا من دعاء غير الله، من أنواع الشرك الأكبر نسأل الله السلامة.
الزيارة الشرعية جائزة، أما الزيارة البدعية التي تقصدها بالتمسح بالقبور أو دعائهم أو الاستغاثة بهم، هذا منكر لا يجوز مطلقا، والزيارة الشرعية تجوز لكن من دون سفر، من دون شد الرحل إذا كان في البلد نفسه زاره في البلد، أما أن يشد الرحل يسافر لأجل زيارة القبر، هذا لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (١)»
س: هل جثة الحسين في العراق أو في الشام أو في مصر؟ (٢)
ج: المعروف أن جثة الحسين في العراق وليست في مصر، وليست في الشام، وإنما دفن في العراق والذي في مصر، ليس له
стр. 852
أصل، وإنما هي دعوى لا حقيقة لها وأقبح من ذلك وأشد من ذلك دعاؤه والاستغاثة به والطواف بقبره، هذا من أعظم المنكرات والقبائح ومن الشرك الأكبر، فإن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم والتقرب إليهم، بالذبائح كل ذلك من المنكرات العظيمة، ومن الشرك الأكبر سواء كان المدفون الحسين، أو غير الحسين، وهكذا ما يفعل عند قبر البدوي، أو الست زينب، أو غير ذلك كله يجب تركه، وإنما تجوز الزيارة فقط، للميت ويدعى له بالمغفرة والرحمة، سواء كان الحسين أو غير الحسين.
أما أن يدعى الأموات من دون الله ويستغاث بهم وينذر لهم، ويطلب منهم الشفاء أو النصر على الأعداء هذا كله من عمل الجاهلية، ومن عمل المشركين الأولين، من الشرك الأكبر، وهكذا الطواف بقبورهم، رغبة فيما عندهم من السر، كما يقول عبادهم من دون الله، كل هذا منكر عظيم، والطواف عبادة عظيمة لله، ولا يجوز إلا حول الكعبة المشرفة، القبور لا يطاف بها، ولا يسأل أهلها شفاء ولا نصرا على الأعداء، ولا غير هذا وإنما يزارون إذا كانوا مسلمين، ويدعى لهم بالمغفرة والرحمة، وفي ذلك عبرة وذكرى للزائر يذكر الموت ويذكر الآخرة، أما العبادة فحق الله وحده، هو الذي يدعى ويرجى ، كما قال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١)، وقاله سبحانه:
стр. 853
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، وقال : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وأنه هو الذي يدعى سبحانه، ويرجى ويخاف وهو الذي يتقرب إليه بالذبائح والنذور، وغير هذا من العبادات كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (٣) يعني: قل يا محمد للناس، قل يا أيها الرسول للناس: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ (٤) يعني ذبحي ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٦)، وقال سبحانه يخاطب نبيه ﵊: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٧) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٨)، ويقول النبي ﷺ فيما رواه علي ﵁: «لعن الله من ذبح لغير الله (٩)».
فالواجب على جميع المسلمين التفقه في الدين وتبصير الجاهل وتعليمه، وهذا من حق العلماء ومن واجب العلماء، أن يبصروا الناس سواء كان ذلك فيما يتعلق بقبر الحسين، أو غيره في مصر وغير مصر. الواجب على العلماء: علماء الحق، أن يبصروا الناس، وأن يعلموهم أن دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات والنذر للأموات أمر منكر، بل من الشرك الأكبر، وهكذا الطواف بقبورهم، أمر منكر، الطواف عبادة لله،
стр. 854
ولا تفعل إلا عند الكعبة عند البيت الشريف في مكة المكرمة، فالقبور لا يطاف بها، ولا يدعى أهلها من دون الله، ولا يستغاث بهم ولا ينذر لهم، ولا يذبح لهم إلا إذا كانوا مسلمين، فإنه يسلم عليهم ويدعى لهم بالمغفرة والرحمة، هكذا كان النبي ﷺ يزور البقيع ويدعو لأهله بالمغفرة والرحمة، ويقول لأصحابه يعلمهم إذا زاروا القبور، أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (١)».
هكذا كان النبي يفعل ﵊، وهذا هو السنة في زيارة القبور، أما قبور الكفار فلا يسلم عليهم إنما تزار للعظة والذكرى إذا زارها يتذكر الآخرة، يتذكر الموت لكن لا يسلم عليهم، ولا يدعو لهم، فقد زار النبي ﷺ قبر أمه، فلم يستغفر لها، نهاه الله أن يستغفر لها؛ لأنها ماتت على دين الجاهلية، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، فلم يأذن له ، وإنما أذن في زيارتها للعبرة والاتعاظ، وبهذا يعلم السائل أن ما يدعى من وجود الحسين، في مصر ليس له أصل عند أهل العلم، وإنما جثته كانت في العراق، وهو قتل في العراق، ويقال إن رأسه نقل إلى يزيد في الشام فلا يدرى أين هذا الرأس، هل دفن في الشام أو أعيد إلى محله في العراق، مع جثته الحاصل أن وجود جثة الحسين في مصر أمر لا أساس له.
стр. 855
٩٤ - حكم الاحتفال والذبح عند القبور
س: أسألكم عن قبور الأولياء، أولياء الله الصالحين مثل مسجد الحسين والسيد البدوي، وهم كثيرون جدا وكل واحد يقام له الاحتفالات، وتنذر له النذور ولا أحد ينكر على الناس، أرجو من سماحة الشيخ توجيه الناس على ما فيه الخير، وإذا أمكن أيضا أن يكون التوجيه مكتوبا فلعله يكون مفيدا؟ (١)
ج: لا شك أن هذا الأمر واقع في الناس، وهو من أعظم المصائب ومن أعظم الكبائر، بل هو الشرك الأعظم ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن الغلو في أصحاب القبور ودعاءهم من دون الله، والاستغاثة بهم والتقرب إليهم بالطواف بقبورهم كل هذا من الشرك الأكبر، وهكذا الذبح لهم والنذر لهم كله من الشرك الأكبر.
أما الاحتفالات بمواليدهم فهذه من البدع التي يجب تركها، لكن لو وقع فيها دعاؤهم والاستغاثة بهم صار ذلك من الشرك الأكبر، وكثير من الناس في الاحتفالات قد يدعون المحتفل به ويستغيثون به، كما يفعل هذا بعض الناس عند احتفالهم بمولد النبي ﵊، فالبدع تجر إلى الشرك وهي بريد له، وهي أعظم المنكرات بعد الشرك، فإن المنكرات مراتب أعظمها الشرك بالله ، وأنواع الكفر به
стр. 856
سبحانه وتعالى، ثم يلي ذلك البدع؛ لأنها زيادة في الدين، واعتراض على الله فهي وسيلة إلى الشرك بالله .
فالواجب الحذر منها ومن ذلك البناء على القبور، واتخاذ القباب عليها وإقامة الموالد والاحتفال بها، كل هذا من وسائل الشرك، فإن القبر متى عظم بالبناء واتخاذ القبة عليه والمسجد، فإن العامة يظنون أن هذا يدل على أنه يدعى من دون الله، فيستغيثون به وينذرون له، ويظنون أنه يقضي حوائجهم، وأنه يشفع لهم عند الله، بهذا العمل السيئ وهذا هو عمل المشركين الأولين هو دينهم دين قريش وأشباههم، الغلو في الأموات والاستغاثة بأصحاب القبور، ودعاؤهم من دون الله والنذر لهم هذا هو دين قريش، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١)، فرد الله عليهم بقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) وبين سبحانه أنه لا يعلم له شريكا لا في السماء ولا في الأرض، وأنكر عليهم عملهم هذا، فليس المشركون على حق بل هم على باطل، وليست آلهتهم التي دعوها من دون الله بالتي تشفع لهم، قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٣)، وهكذا قوله سبحانه في الآيات الأخرى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٥).
стр. 857
يعني يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا زلفى إلى الله فأخبر عن المشركين أنهم اتخذوا آلهتهم التي عبدوها من دون الله، يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، ولم يزعموا أنها تخلق أو ترزق، لا، وإنما أرادوا تقريبها لهم عند الله، وشفاعتها لهم عند الله، ومع هذا حكم الله عليهم بالشرك والكفر، قال تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (١)، سماهم كذبة في دعواهم، أنها تقربهم وكفرة في هذا العمل.
فالواجب الحذر من هذا الغلو، وهذه البدع التي أحدثها الناس عند القبور، فإنها شر عظيم وفساد كبير، ووقوعها يجر إلى الشرك، فإنه متى عكف على القبر، وبنى عليه وعظمه بالستور والأطياب، فإن ذلك يجره إلى أن يدعوه من دون الله، وإلى أن يستغيث به، وهذا هو الشرك الأكبر عند جميع أهل العلم.
فيجب الحذر من هذا البلاء العظيم، ويجب على العلماء أن يبينوا للناس هذه الشركيات، وهذه المنكرات وأن يرشدوهم إلى الحق، حتى يدعوا هذا الباطل، وحتى يدعوا هذا الشرك، وقد مكث النبي ﷺ في مكة عشر سنين، يدعو الناس إلى توحيد الله، وينكر عليهم الشرك بالله
стр. 858
وعبادة الأوثان، والأصنام وأصحاب القبور، ثم فرض الله عليهم الصلوات الخمس، فبقي بعدها في مكة نحو ثلاث سنين، يدعو إلى توحيد الله، والإخلاص له ثم هاجر إلى المدينة، ﵊ ولم يزل يدعو إلى الله ويعلم الناس ما شرع الله لهم حتى توفاه الله ﵊، ونقله إلى الرفيق الأعلى عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
فالواجب على الخلفاء وهم العلماء، أن يتقوا الله وأن يبينوا للناس دينهم على الوجه الذي لا خفاء فيه، ولا ريب أن سكوت العلماء ومن ينسب إلى العلم، عند العامة وهم يفعلون هذه الأفعال التي هي التعلق بالأموات والاستغاثة بالأموات، لا شك أن سكوتهم يشجع هؤلاء على هذا الشرك، ويعتقدون أن هذا السكوت دليل على أن هذا جائز، وأنه لا حرج فيه.
فالواجب الحذر والواجب على العامة، أن يسألوا أهل العلم المعروفين بالعقيدة الصالحة، وتعظيم كتاب الله وسنة رسوله ﵊. والواجب على العلماء أن يتقوا الله ويتبصروا، وأن ينكروا ما أنكره الله ورسوله من الشرك وسائر المعاصي، والله المستعان.
стр. 859
٩٥ - حكم الطواف بالقبور
س: ما حكم من يطوف بالقبر ويدعو الله عنده؟ وهذا ألاحظه كثيرا في بعض الأماكن؟ (١)
ج: الطواف عبادة لله ، من أفضل العبادات ولكنه يختص بالكعبة، لا يطاف بغير الكعبة، ومن طاف بالقبور يريد التقرب إلى أهلها فقد أشرك، مثل من يدعوها ويستغيث بها وينذر لأهلها.
أما إذا طاف بالقبر يقصد التقرب إلى الله يحسب أنه جائز فهذا بدعة ومنكر، وعليه التوبة إلى الله ؛ لأنه ما قصد صاحب القبر، وإنما قصد التقرب إلى الله يظن أنه يجوز، فهذا بدعة ومنكر وعليه التوبة إلى الله ، ولا يكون بهذا مشركا، إلا إذا قصد التقرب بالطواف للميت، ليشفع له، فهذا يكون مثل قوله يا سيدي أغثني، أو اشف مريضي، أو المدد المدد، كل هذا من الشرك الأكبر، أو ينذر له؛ أو يذبح له.
стр. 860
٩٦ - حكم إيقاد السرج على القبور وذبح النذور لها
س: الأخ م. ش. ع. من محافظة مطروح، برج العرب، يسأل ويقول: بجوارنا الكثير من الأضرحة والقبور المرتفعة، التي أوقدت عليها السرج وتذبح لها النذور من دون الله، ويحلف بأصحابها والعياذ بالله. فإذا ما تحدثنا للناس وبينا لهم بأن هذا شرك، وأن عليهم أن يتوبوا إلى الله، قالوا بأنهم وجدوا آباءهم على هذه الحال التي وصفت فماذا تفعل إزاءهم؟ وجهونا ووجهوهم، جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: الواجب عليكم وعليهم السعي عند ولاة الأمور في إزالة الأبنية التي على القبور وتركها ضاحية شامسة كما كانت القبور في بلاد أهل السنة والجماعة، من قديم الزمان ولا يجوز البناء عليها، ولا اتخاذ المساجد عليها؛ لأن الرسول نهى عن ذلك ﵊ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)»، وقال جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها (٣)» ولا يجوز لأحد من الناس أن يدعوها من دون الله أو يستغيث بأهلها، أو ينذر لهم، أو يذبح لهم، أو يطلبهم المدد، أو يتبرك بتراب قبورهم، كل ذلك منكر
стр. 861
ومن الشرك الأكبر نعوذ بالله.
الواجب تنبيههم، وليس لهم حجة في تقليد آبائهم. هذه حجة المشركين، قال الله جل وعلا عن المشركين لما نهاهم الرسول ﷺ عن عبادة الأصنام: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١)، هذه حجة باطلة، حجة ملعونة خبيثة، فلا يجوز الاحتجاج بها، هذه حجة الكفرة، إذا وجدت أباك على باطل فلا تتبع أباك، أما إذا كان على حق، فالواجب الأخذ بالحق سواء كان عليه أبوك أو غير أبيك، وأما ما يفعله الناس اليوم عند القبور، من الدعاء والاستغاثة بأهلها، والذبح لهم والطواف بقبورهم، كل هذا منكر عظيم، كل هذا من عمل أهل الشرك من عباد الأوثان.
فالواجب على المسلم أن يحذر ذلك، وأن يحذره إخوانه وينذرهم، والواجب على العلماء في كل مكان أن يحذروا الناس وأن يرشدوهم وأن يوضحوا لهم حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك وأنه لا يجوز لأحد أن يدعو الميت من دون الله، ولا أن يستغيث به، ولا أن يذبح له، ولا أن يطلبه المدد، ولا أن يطوف في قبره، كل ذلك من الشرك الأكبر، كونه يطوف يتقرب إلى الميت بالطواف، هذا شرك أكبر. أو يقول: يا سيدي المدد المدد، أو الغوث الغوث، هذا من الشرك الأكبر، هذا من جنس عمل أبي جهل وأشباهه من عباد القبور،
стр. 862
عباد الأصنام. فالواجب عليكم أيها السائل أن تستمروا في النصيحة والإنكار، وأن تطلبوا من العلماء أن ينبهوهم ويوضحوا لهم ويرشدوهم حتى يتركوا هذا الشرك وحتى يزيلوا هذه الأبنية التي على القبور، وتبقى القبور ضاحية شامسة ليس عليها بناء. نسأل الله للجميع الهداية.
س: والدي سمع من العلماء أنه لا يجوز البناء على القبور، وفي مقبرة قريبة منا توجد فيها قبور عليها بناء من الذين يدعون بالصوفية، وأنهم يقولون: إنهم يضرون وينفعون، ولا يضر ولا ينفع إلا الله ، ويزورها الناس يوم الجمعة، وأيام الأعياد، هل ما فعل والدي على حق، أم ننهاه عن ذلك جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: البناء على القبور لا يجوز، والواجب إزالته وعلى الدولة والحكام أن يزيلوه، أما الأفراد فليس لهم أن يزيلوه، إلا بإذن حتى لا يكون اصطدام وفتنة بينهم وبين المسؤولين، بل على ولاة الأمور، من الأمراء والقضاة، وعلى العلماء أن ينكروا هذا المنكر، وأن يزال؛ لأن الرسول ﷺ لعن من بنى المساجد على القبور، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)»؛ ونهى عن تجصيص
стр. 863
القبور والبناء عليها.
فالواجب أن يزال البناء حتى تكون شامسة بارزة، كقبور المدينة في عهد النبي ﵊، وحتى لا يغلى فيها، فإذا بني عليها صار من أسباب الغلو فيها، وعبادتها من دون الله وتعظيمها التعظيم غير الشرعي، فلا يبنى عليها لا قبة ولا مسجد ولا غير ذلك، وإذا وجد بناء يرفع الأمر إلى ولي الأمر المسلم، وإلى العلماء حتى يزال بطريقة شرعية، ليس فيها فتنة ولا تعرض لمشكلات تضر المجتمع، والله المستعان.
стр. 864
٩٧ - حكم قطع الأشجار التي على القبور
س: يوجد مقابر في اليمن، وعلى هذه المقابر أشجار، وقد مر عليها مئات السنين لا أحد يأخذ منها؛ لأنهم يدعونها حق الأولياء المقبورين في هذه المقابر، وأنه من أخذ منها تتصور له حنش كما يقولون، وأنه يعضه بنابه، ويخرج عليه من هذه الأشجار التي على القبور، هل هذا صحيح، وما مدى صحة قطع الأشجار من على القبور؟ (١)
ج: لا بأس أن تؤخذ الأشجار يقطعها، ولا بأس أن يأخذ من ثمارها
стр. 865
إذا كان فيها ثمرة كالسدر ونحوه، ولا بأس أن يقطعها ويستفيد منها، إذا كانت ليس ملكا لأحد، ولا هي في أرض مملوكة لأحد، إنما نبتت على المطر مثلا، فلا بأس أن تقطع وينتفع بها، ولكن إذا كان هناك فتنة تقع بهذا الشيء فينبغي ألا يقدم على هذا إلا بمشاورة ولاة الأمور حتى لا تقع فتنة بينه وبين الناس، ولاة الأمور: لهم التصرف، يشاورهم في قطعها لمصلحة المسلمين، أو الفقراء أو ما أشبه ذلك.
أما إذا كان لا يترتب على قطعها فتنة، ولا قتال ولا شرور، وأحب الإنسان أن يقطعها ليستفيد منها، وينتفع بها، فلا بأس بذلك، أما قوله إنها لحرمة القبور، أو كرامات الأولياء أو لكذا أو لكذا هذا لا أصل له، أو عندما يأخذ منها يصيبه حنش، هذا من تلبيس الملبسين، ولا أصل لهذا الشيء فلا بأس أن تؤخذ الأشجار وتقطع، ولا بأس أن تؤكل ثمارها إذا كان فيها ثمر، ولكن إذا كان قطعها يترتب عليه شيء من النزاع بينه وبين الناس، أو القتال أو شيء من الفتن.
فينبغي له ألا يعجل في الأمور، حتى يستشير أهل العلم، أهل البصيرة، أهل الهدى والاستقامة وحتى يتفق مع ولاة الأمور، أمير بلد أو قاضي بلد، حتى يكون هذا على بصيرة وحتى لا تقع فتن بينه وبين الناس.
стр. 866
٩٨ - حكم اعتقاد النفع والضر في الأولياء
س: أختنا تقول: عندما استمعت لهذا البرنامج استفدت الكثير والكثير، وخاصة عندما عرفت أن الأولياء والموتى لا يفيدون الإنسان، وعندما أخبرت أهلي بذلك اتهموني بأنني كافرة، وأن الأولياء سيضرونني، وأنهم يرونني في المنام، بأن هؤلاء الرجال الصالحين يلومونني، بماذا تنصحون مثل هؤلاء الذين تشبعت عقولهم بالخرافات، والتي تكاد في كل البلدان العربية تنتشر؟ (١)
ج: ننصح الجميع بأن يتقوا الله ويعلموا أن السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة، باتباع النبي ﷺ والسير على منهاجه ﵊، فهو سيد الأولياء وأفضل الأولياء، فالأنبياء هم أفضل الناس وهم أفضل الأولياء وأفضل الصالحين ثم يليهم بعد ذلك الأتقياء من عباد الله من أصحاب النبي ﷺ .
فالأولياء هم أهل الصلاح والاستقامة على طاعة الله ورسوله، وعلى رأسهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فحبهم دين، حبهم في الله والتأسي بهم في الخير والأعمال الصالحات هذا هو المطلوب، ولكنه لا يجوز التعلق بهم وعبادتهم من دون الله، لا يجوز أن يدعوا
стр. 867
مع الله فلا يستغاث بهم ولا يطلب منهم مدد، كأن يقول: يا سيدي عبد القادر أغثني، أو يا رسول الله أغثني، أو يا علي أغثني، أو انصرني أو يا حسين أو يا فاطمة أو يا ست زينب أو كذا، هذا لا يجوز. الدعاء لله وحده، الله يقوله سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٣)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) فسماهم كفرة بدعائهم غير الله، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٥)، وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٦) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٧) فبين سبحانه أن من يدعونه من دون الله من الأولياء وغير الأولياء، لا يسمعون دعاءهم ما بين ميت وما بين مشغول بشأنه مع الله فلا يسمعون دعاءهم في موتهم أو غيبتهم، ولو سمعوا ما استجابوا لهم ولا يستطيعون أن يستجيبوا لهم؛ لأن غفران الذنوب وتفريج الكروب
стр. 868
بيد الله ، ثم قال ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (١) سمى دعاءهم لأوليائهم شركا بالله كما سماه في الآيات الأخرى كفرا، فطلب المدد والغوث من الأموات والغائبين للاعتقاد أن لهم سرا وأنهم يسمعون مع البعد كل هذا باطل كله من الشرك بالله .
فالواجب على كل مسلم أن ينتبه لهذا الأمر، وأن يعرف أن اعتقاد الجهلة في الأولياء أو في الأنبياء، أنهم ينفعون أو يضرون وأنهم يغيثون من استجار بهم واستغاث بهم بعد الموت، وأنهم يعطونه مطالبه من غفران الذنوب وشفاء المرضى وغير هذا، كل هذا جهل كله شرك بالله ، فيجب الحذر من ذلك، والنبي ﷺ بعثه الله لإنكار هذا، بعثه الله إلى العرب والعجم إلى الجن والإنس، يدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له، وكانت العرب تعبد الأصنام والأولياء والأشجار والأحجار، فدعاهم إلى ترك هذا وحذرهم من هذا، وأمرهم بأن يعبدوا الله وحده، فتلا عليهم قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣)، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤) إلى غيرها من الآيات.
فعلى المسلمين جميعا وعلى المكلفين وعلى كل من له أدنى بصيرة
стр. 869
أن ينتبه لهذا الأمر، وألا يغتر بالمشركين وعباد الأوثان وعباد القبور، يجب أن يحذر من شبههم الباطلة، ويجب عليه أن يحذر من دعوتهم إلى الشرك، ويجب أن يلتزم بما شرعه الله لعباده، وما علمه عباده على يد الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما أوضحه في كتابه العظيم، من وجوب العبادة لله وحده، وإخلاصها له وحده دون كل ما سواه، كما قال : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وأنت أيتها السائلة اشكري الله الذي علمك وأنقذك وبصرك حتى عرفت الحق، الذي جهله الناس، ولا تبالي بعيبهم لك أو وعيدهم لك، بالأولياء فإن هذا لا يضرك فهم جاهلون، ومتى اهتدوا عرفوا الحق الذي عرفته، وصاروا عونا لك إن شاء الله على الخير، نسأل الله أن يهدي الجميع.
стр. 870
٩٩ - حكم تقديم النذور لمزارات الأولياء
س: في مدينة الموصل يوجد مزار يسمى مزار الشيخ فتحي أبي عبد الله، وهذا الشيخ له أثر كبير عند أهالي الموصل، وخاصة النساء وحيث إذا مرضن أو أصبن بأذى يذهبن إلى زيارة الشيخ فتحي، ويحصل لهن الشفاء العاجل، كما يدعين، وينذرن النذور للشيخ فتحي، عند شفائهن من المرض، والعبارات اللآئي يقلنها، هي النذر لوجه الله، والثاني لأبي عبد الله، أو يقول: نذر لله والشيخ فتحي، أو لله وثوابها لأبي عبد الله؛ وسؤالي هذا هل هو حرام أم حلال، أفيدونا أفادكم الله؟ (١)
ج: هذا القبر الذي ذكره السائل لا أعرف صاحبه، ولكن بكل حال فلا يجوز إتيان القبور لدعائها والاستغاثة بأهلها والنذر لهم سواء كان هذا القبر أو غيره، لا قبر فتحي ولا غيره لا يجوز للمسلمين ذكورا أو إناثا أن يأتوا القبور لدعائها والاستغاثة بأهلها أو النذر لهم أو التمسح بقبورهم أو ما أشبه ذلك بل هذا منكر ولا يجوز ودعاء الميت والاستغاثة به شرك من أنواع الشرك الأكبر.
فعلى أهل العلم أن يوضحوا للنساء وغير النساء أن هذا لا يجوز وأن عليهن أن يسألن الله جل وعلا، إذا نزل بهن بأس من مرض أو
стр. 871
غيره أن يسألن الله ويتضرعن إليه في سجودهن وفي آخر الصلاة، وفي آخر الليل، وبين الأذان والإقامة، يسألن الله جل وعلا الشفاء والعافية، ومن ذلك استعمال الرقية كونهن يرقي بعضهن بعضا بالرقية الشرعية وهي: اللهم رب الناس أذهب البأس اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما، ويقرأ: قل هو الله أحد، والمعوذتين والفاتحة، وآية الكرسي وغير هذا من الآيات القرآنية؛ المقصود أن إتيان القبور وسؤال أهلها الشفاء أو النصر أو ما أشبه ذلك، هذا منكر ومن الشرك الأكبر ومن عمل الجاهلية؛ وإنما تزار القبور للسلام على أهلها والدعاء لهم والترحم عليهم، كما كان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، (١)» ويدعو لهم يقول: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم ونحو هذا، هذه الزيارة الشرعية، وقد زار النبي ﷺ قبور البقيع، فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر (٢)»، هذه الزيارة الشرعية، أما الزيارة لدعاء الميت، أو الاستغاثة بالميت، فهذا من الشرك الأكبر، أو الطواف لقبر يرجو شفاعته، يرجو نفعه يرجو أنه يشفي مرضه، هذا كله من الشرك الأكبر، وهكذا التمسح بتراب القبر، والاستشفاء بتراب القبر هذا من عمل الجاهلية وهو من الشرك الذي حرمه الله .
стр. 872
فالواجب على أهل العلم أن ينبهوا العامة وأن يوضحوا لهم أن هذا لا يجوز وأن الله هو الذي يسأل ويرجى لشفاء المرض والنصر على الأعداء وغير ذلك ، وهو القائل جل وعلا: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وهو القائل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢)، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) قال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة (٤)» فلا يجوز أن يدعى غير الله، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الدعاء لله وحده، هو الذي يرجى ويدعى ، ولا يجوز أن يقول: يا رسول الله: اشف مريضي، وانصرني، أو يا شيخ أبا عبد الله انصرني أو يا شيخ عبد القادر الجيلاني انصرني، أو اشف مريضي أو يا سيدي البدوي، أو سيدي الحسين، أو ما أشبه ذلك، كل هذا منكر وكله من الشرك الأكبر.
فالواجب التنبه لهذا الأمر، من الإخوان في العراق وغيرها، والواجب على أهل العلم وفقهم الله أن يوضحوا للناس حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، وأن ينكروا على العامة ما يقعون فيه من الشرك بالله عند قبور ما يسمونهم بالأولياء، فالحاصل أن هذه الأمور العظيمة يجب على أهل العلم أن يهتموا بها وأن يعنوا بها حتى يدرك العامة الشرك
стр. 873
وحتى يوجهوهم إلى توحيد الله والإخلاص له ودعائه سبحانه ورفع الأيدي له جل وعلا، فهو الذي يشفي ويكفي ، هو الشافي لعباده وهو المالك لكل شيء وهو القادر على كل شيء ، وأما ما قد يقع لبعض الناس من كونه يدعو الميت، ويشفي، هذا قد يقع استدراجا وابتلاء وامتحانا، والله هو الشافي، وقد يكون المرض من أسباب الشياطين تسبب المرض للإنسان حتى إذا دعا الميت كفوا عنه، ما قد فعلوه به، الحاصل أن هذا ليس بحجة كونه يأتي المريض إلى الميت، فيدعوه ويستغيث به، فيشفى سريعا.
هذا قد يكون استدراجا وابتلاء وامتحانا، حتى يمتحن صبره وإيمانه، فلا يغتر بهذا عاقل، وقد يصادف القدر الذي قدره الله بالشفاء فيظنه من أسباب الميت، وقد يكون بشيء من أسباب الشيطان، قد يقع من الشيطان للإنسان شيء، يعني يعمل معه عملا يؤذيه ويضره ويمرض منه، فإذا ذهب إلى الميت ودعاه وسأله كف عنه هذا الشيطان حتى يغريه بالشرك وحتى يوقعه بالشرك وحتى يظن هذا الجاهل أن هذا من عمل الولي وأنه هو الشافي، وهذا من أقبح الغلط والمنكر، والله هو الذي يشفي ويعافي ، والولي وغير الولي لا يجلب لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، مملوك لله ، فالله هو النافع الضار ، فينبغي التنبه لهذا الأمر.
стр. 874
س: يوجد لدينا مساجد ونجد في بعض المساجد قبورا من قبور الصالحين أو الأولياء ليس داخل المسجد بل بالقرب منه، على ساحة واحدة، وحوش واحد، أفيدونا إن كان هذا صحيحا جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: المساجد التي تبنى على القبور فإنه لا يصلى فيها، أو المساجد التي فيها موتى لا يصلى فيها؛ لأن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (٢)» فكل مسجد بني على قبر أو على قبور تحرم الصلاة فيه، ويجب هدمه، يجب على ولاة أمور المسلمين هدمه وإزالته، أما إذا وضعت القبور في المسجد وهو قائم، لكن وضعت فيه القبور، فإنها تنبش وتنقل إلى محلات القبور، فلا يبقى في المساجد قبور أبدا هذا هو الحق، وهذا هو دين الله ، الذي يجب العمل به، وهو ما جاء به نبيه محمد ﷺ .. أما إذا كان القبر خارج المسجد عن يمينه أو شماله، أو خلفه أو أمامه، أو على خارج الحيطان فلا تضر الصلاة، ولكن إبعاد القبور عن المسجد إذا تيسر، يكون أفضل وإلا فلا تضر ما دامت خارج المسجد عن يمين أو شمال، أو أمام أو خلف أخرجتها جدران المسجد، أو حائط المسجد أخرجتها عنه فلا تضر.
стр. 875
١٠٠ - حكم الأكل من الذبائح التي يتقرب بها إلى أصحاب القبور
س: سائلة تقول: إن لوالدتنا أقارب، يتقربون إلى ذوي القبور وتأكل من ذبائحهم، وطلبنا منها أن تتبرأ منهم، ولكنها لم تستجب، فما هو توجيه سماحتكم، جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: الذين يتقربون إلى أصحاب القبور بالدعاء أو الاستغاثة، أو الذبائح مشركون، لا تؤكل ذبيحتهم.
فالواجب ترك ذبيحتهم، والإنكار عليهم، ودعوتهم إلى الله وتوجيههم إلى الخير لعلهم يهتدون، الله حرم ذبيحة الكافر إلا أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى إذا ذبحوها لغير آلهتهم، وإنما ذبحوها للحم، وذكروا اسم الله عليها. أما عباد القبور، ودعاة الأموات، المستغيثون بالأموات، هؤلاء ذبيحتهم حرام. فالواجب الحذر من أكلها مع دعوتهم إلى الله وإرشادهم وتعليمهم لعل الله يهديهم بأسبابكم.
стр. 876
س: تسأل عن علاقة والدتها بأولئك الذين يتقربون بالموتى، وبوالدهم الذي ذكرت صفته ثم تقول: هل يؤثر ذلك على معتقدها؟
ج: على كل حال الواجب عليها الإنكار والتعليم ولا يضرها، إذا أنكرت عليهم وعلمتهم فقد أدت ما عليها، والحمد لله.
س: أما الوالدة فكيف يكون معتقدها؟
ج: عليها تعليمها وإرشادها، وتعليم الوالد والاستعانة بأهل الخير الذين عندهم علم، حتى يساعدوها في دعوتهم إلى الله، والإحسان إليهم كما قال جل وعلا في حق ولد الكافرين: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١)، فعليها أن تحسن إليهما وأن ترفق بهما، وأن تخاطبهما بالتي هي أحسن، مع الجد في دعوتهما إلى الخير، والاستعانة بالناس الطيبين في دعوة والديها إلى الخير، من العلماء والأخيار لعلهما يهتديان.
стр. 877
س: إذا كان والدها متوفيا، فكيف يكون تصرفهم حينئذ؟
ج: لا يدعون له ولا يستغفرون له، إذا مات على الكفر، لا يدعى له، ولا يستغفر له؛ لأنه مات على الكفر، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (١)، المقصود أنهم لا يستغفرون لهم، ولا يدعون لهم، ولا يتصدقون عنهم؛ لأنهم ماتوا على عبادة القبور، والاستغاثة بالأموات ونحو ذلك، نسأل الله العافية.
стр. 878
١٠١ - حكم اتخاذ قبور الأولياء أعيادا
س: الأخ: م. هـ. ع. ق. من حضرموت، يسأل ويقول: تقام زيارة لقبر أحد الأولياء كما يزعم العامة والله أعلم واسمه علي بن محمد الحبشي، وتسمى هذه الزيارة بزيارة الحول، ويمكثون على قبره الموجود تحت قبة إحدى عشرة ليلة، يصلون على المقابر حيث الإمام داخل المقبرة المحيطة بالقبة، ويمتد الجمع وخاصة المغرب والعشاء إلى مساحة خارج المقبرة، ويأمر الإمام من يصلي على المقبرة بفرش ردائه، وفي اليوم الثامن يجتمع الناس من الرجال والنساء، حيث الاختلاط وانتهاك الأعراض حاملين ثوبا على
стр. 879
النعش، من بيت أهل الولي إلى تابوت قبر الولي بالقبة بالطبول والأناشيد ثم يلبسون ذلك التابوت، مع العلم بأن التابوت مرتفع بقدر متر تقريبا، ويتمسحون بالثوب والتابوت والقبة، سائلين الولي قائلين يا علي، يا علي، بما يسأل الله به، وفي اليوم العاشر تكون الوقفة تشبها بالحج، يقفون في ذلك المكان، وتلقى الكلمات عن ذلك الولي وكراماته، وإذا نصحنا بعدم فعل ذلك، وأنه من البدع والشرك، قالوا أنتم أهل البدع الخارجين عن اتباع السلف، وأنتم تكرهون الأولياء، ما رأي الشرع في ذلك؟ وبم تنصحون هؤلاء جزاكم الله خيرا، ومتع بوجودكم. (١)
ج: فينبغي أن يعلم أن شد الرحال للقبور من المنكرات، التي نهى عنها النبي ﵊، فالرحال لا تشد إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس، هذه هي المساجد الثلاثة التي تشد لها الرحال، كما قاله النبي ﵊، يقول ﷺ : «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (٢)». ثم الذهاب إلى ما يسمونهم بالأولياء، للجلوس عند قبورهم وطلب المدد منهم، أو الشفاء أو
стр. 880
النصر على الأعداء، كل هذا من الشرك الأكبر؛ لأنه لا يجوز سؤال المخلوق، سواء سمي وليا أو ما سمي وليا، لا يجوز سؤاله ولا طلب شفاء المرضى منه، ولا طلب المدد؛ لأن هذا إلى الله ليس إلى الأولياء، ولا إلى الرسل ولا يطلب منهم مثل هذا الطلب، ولا يجوز التمسح بقبورهم، ولا التبرك بها ولو سموا أولياء، ولو كانوا صالحين ولو كانوا أنبياء، لا يجوز هذا في القبور، وهذا هو عمل المشركين الأولين، وعمل أهل الجاهلية مع القبور.
فالواجب على أهل الإسلام الحذر من هذه الأمور، وألا يفعلوها وأن ينكروها على من فعلها من العامة، وألا يغتروا بما درج عليه الأسلاف والآباء من الشرك الأكبر، فالبناء على القبور واتخاذ القباب عليها منكر لا يجوز، يقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)»، وكان ﵊ يأمر بتسوية القبر إذا رفع، يأمر بتسويته، قال ﵊ لعلي ﵁: «لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٢)». معنى سويته، يعني نقضته وهدمته حتى يستوي بالأرض، ما يبقى إلا علامة القبر قدر شبر ونحوه. هكذا شرع الله القبور أن ترفع قدر شبر من الأرض، حتى يعرف أنها قبور، لا توطأ ولا تمتهن ولا يبنى عليها،