٥٠ - حكم تلقين الميت بعد دفنه في قبره
س: توجد عندنا عادات قديمة، ولا يزال الكثيرون يتبعون هذه العادات، وهي: الاستغفار والتهليل بالرنة والترانيم عند حمل الميت بما يسمون ذلك التشهودة، كما يقومون بتلاوة القرآن أثناء دفن الميت والأذان عليه، وعند الفراغ من دفنه يقوم أحدهم عند رأسه، ويقول له مخاطبا للميت: إذا جاءك كذا قل: كذا. ما رأيكم في ذلك؟ أثابكم الله (١)
ج: كل هذه بدع لا أصل لها، فالسنة مع الجنازة التفكير وخفض الصوت، وتأمل مصير الميت ماذا يقال له؟ وماذا يجيب به؟ وتذكر هذا الأمر العظيم لأنك صائر إلى ما صار إليه، فينبغي للمؤمن أن يستشعر
стр. 8577
هذا الأمر العظيم، وكان السلف ﵃ يخفضون أصواتهم، ولا يتكلمون برفع الصوت في مثل هذه الحال مع الجنائز، بل يخفضون أصواتهم، ولا يتكلمون إلا بالتفكير والموعظة، وتذكير الناس بالخير، ودعوتهم إلى الخير، أما: وحدوه، لا إله إلا الله، وسبحان الله، بأصوات مرتفعة فهذا غير مشروع، بل هذا بين الإنسان وبين نفسه، كذلك الأذان عند القبر أو يقيم عند القبر أو في نفس القبر هذه بدعة أيضا، أو يقرأ فيه القرآن، هذا بدعة لا أصل لذلك؛ لا في نفس القبر ولا عند القبر، كل هذا من البدع، والمقابر ليست مثل المساجد، يقول ﷺ : «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا (١)»؛ لأن القبور لا يصلى عندها، ولا يقرأ عندها، ليست مثل المساجد، كذلك التلقين، كونه يقف عند رأسه بعد الدفن يقول: قل كذا، قل كذا، وإذا سألك الملك عن كذا فقل كذا، يسمونه التلقين، ويقولون: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا؛ أنك تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنك ترضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما ... إلى غير ذلك مما يقولون، هذا لا أصل له، فقد جاء في أخبار موضوعة عن النبي
стр. 8578
صلى الله عليه وسلم لا أصل لها، فعله بعض أهل الشام، كما ذكره جماعة، وليس فعلهم بحجة، ولا غيرهم من الناس، الحجة فيما قاله الله ورسوله، وفيما أجمع عليه الصحابة، أما قول بعض الناس من المتأخرين والتابعين وأتباع التابعين إذا اختار شيئا، أو رأى شيئا - لا يكون حجة على الناس، ولا يكون دينا، الدين ما شرعه الله ورسوله وما أمر الله به ورسوله.
стр. 8579
س: في ريفنا اليمني يقوم المشيعون للجنازة بترديد بعض الأذكار جماعات جماعات وبأصوات مرتفعة، وهذه الأذكار هي: الله يا الله، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، الله يا الله، فهل هذا جائز شرعا؟ وما كلمتكم للمشعين في مثل هذا الموقف؟ جزاكم الله خيرا (١)
ج: هذه الألفاظ من البدع، فلا يجوز للمشعين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الكلام: لا إله إلا الله، أو الله، الله. أو يا الله، يا الله، بل المشروع للمشيع أن يستحضر أمر الموت، وما يسأل عنه الميت، وخطر القبر، تكون على باله هذه الأمور، حتى يستعد لهذا الأمر، وحتى يحذر من ركونه إلى الدنيا، واشتغاله بها عن الآخرة، قال قيس بن عبادة التابعي المشهور: كان السلف ﵃ إذا كانوا مع الجنائز صمتوا (٢) مشتغلين بالتفكير فيما للميت، وما أمامه من الأهوال والعجائب؛ لأن القبر إما
стр. 8580
روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، فالواجب على المشيعين أن يتذكروا هذا المقام، وأن يكون على بالهم، أما رفع أصواتهم بشيء من الذكر، أو الدعاء جماعيا أو فرادى كل ذلك لا يجوز، وليس هذا من هدي السلف الصالح، بل من هديهم السكوت عند الجنائز، والإنصات وخفض الأصوات والتفكير في مآل الميت وما يكون له في القبر وما ينزل به، ويعد الإنسان لهذا عدته؛ لأنه صائر له ما صار لهذا الميت فيكون على باله، هذا هو المشروع في هذه المسألة، فينبغي توجيه هؤلاء إلى الخير، وأن يخفضوا أصواتهم، وأن يفكروا في مآل الميت وما ينزل به حين يوضع في قبره، وسؤاله وماذا يجيب به ... إلى غير هذا من الأمور العظيمة التي كل إنسان سيمر بها، والله المستعان.
стр. 8581
س: إذا مات الشخص عندنا لا يصلون عليه صلاة الجنازة إلا في المقبرة، فهل هذا جائز؟ وإذا أردنا دفنه صاح الجميع بصوت مرتفع: لا إله إلا الله طوال فترة الدفن، وإذا أراد أحد أن يساعد أخاه في عملية الدفن طلب من المجرفة بقوله: وحد الله، ثم بعد الفراغ من الدفن يقف الملقن على قبر الميت، فيقول كلاما بليغا يخاطب فيه الميت، قد يؤثر في السامعين لما فيه من عبارات التذكير بعذاب القبر ونعيمه، فما الحكم في كل هذا؟ أفيدونا أثابكم الله (١)
стр. 8582
ج: أما الصلاة على الميت في المقبرة فلا بأس بها، قد صلى النبي ﷺ على صاحب قبر بعدما دفن، لكن الأفضل أن يصلى عليه في المصلى المعد للجنازة، أو المساجد حتى يصلي عليه جمع غفير من الناس، وأفضل لأهله أن يقدموه للمسلمين يصلون عليه في المساجد، أو في المصلى المعد للجنائز إذا كان هناك مصلى معد، فإن لم يتيسر ذلك، وصلي عليه في المقبرة فلا حرج، أما رفع الصوت بـ: لا إله إلا الله عند الدفن وعند الحفر، أو عند السير بالجنازة هذا لا أصل له، بل المشروع أن الإنسان ينظر ويفكر في عاقبة الموت وما بعد الموت، ويحاسب نفسه، ولا يرفع صوته بذكر الله ولا بغير ذلك مع الجنازة، ولا عند الدفن، ولا عند الحفر، أما كون الإنسان يتكلم بشيء عادي حال سيره مع الجنازة بينه وبين نفسه؛ من دعاء أو ذكر لله، أو في المقبرة أو غير ذلك فلا بأس، أما شيء يتعمد بصوت عال: وحدوه، أو: لا إله إلا الله بصوت جماعي، أو عند الدفن هذا شيء لا أصل له، وكان من عادة السلف رحمة الله عليهم غض الصوت عند الجنائز، والتفكير في أحوال الميت، وما يقال له وما يقول هذا هو الذي ينبغي للمؤمن، فيفكر عند اتباعه للجنازة، وعند حضوره إلى القبور، وعند حضوره للدفن، يفكر في هذه الأمور العظيمة وماذا يقال للميت؟ وماذا يقول؟ وهل يجيب، أو ما يجيب؟ يكون عنده تفكير طويل حتى ينتفع بذلك، ولا مانع من الدعاء
стр. 8583
والاستغفار بينه وبين نفسه والذكر بين العبد وبين نفسه لا بأس به، أما تعمد رفع الصوت بذلك، أو أن يكون صوتا جماعيا هذا لا أصل له، والسنة بعد الدفن أن يدعى للميت بالمغفرة والثبات، كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت يقول: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل (١)» فالسنة أن يوقف عليه بعد الدفن ويدعى له بالمغفرة والثبات، أما التلقين فهو بدعة، هذا هو الصواب، أو أن يقال للميت بعد الدفن: يا فلان، اذكر ما خرجت به من الدنيا، أنك تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الإسلام دينك وأن محمدا نبيك، وأن القرآن إمامك ... إلى آخر هذا من الكلمات التي يقولونها، هذا لا أصل له، جاء فيه أخبار لكنها موضوعة غير صحيحة، الصواب في هذا والمعتمد في هذا عند أهل السنة أن التلقين لا أصل له في سنة الرسول ﷺ ، بل هو بدعة، وإنما يدعى للميت بالمغفرة والثبات بعد الدفن كما أمر النبي ﷺ بذلك، هذا هو المعتمد، وهذا هو المشروع.
стр. 8584
٥١ - حكم ترحيل جثة العامل الميت إلى بلده
س: سائل من عمان يقول: استقدمت أحد العمال من الخارج للعمل لدي، وبعد مدة توفي، وتحملت نفقة تجهيزه، وترحيل جثته إلى بلده
стр. 8585
بما يزيد على خمسة آلاف ريال، هل علي شيء بعد ذلك تجاهه لتبرأ ذمتي؟ (١)
ج: عليك أن تسلم لأهله الأجور التي عندك، إذا كان له أجور عندك، بقايا أجور عليك أن تسلمها، أو تركة عندك عليك أن تسلم جميع أمواله التي عندك من أجور، أو تركة له، من نقود أو متاع عليك أن تسلم ذلك، أما ما أنفقته في تجهيزه فأنت أعلم بنيتك، إن كنت أنفقت ذلك تبرعا منك فجزاك الله خيرا، وليس لك الرجوع في ذلك، وإن كنت أنفقت ما أنفقت بنية الرجوع فلك أن ترجع بما أنفقت في كفنه وحفر قبره ونحو ذلك، أما تجهيزه إلى أهله فليس لك الرجوع؛ لأنه ليس واجبا عليك أن تجهزه إلى أهله، ولو دفنته مع المسلمين في البلد كفى، إلا إذا كان أهله طلبوا منك ذلك، ووافقوا على أن تأخذ قيمة السفر من ماله فلا بأس، وإلا فليس عليك أن تجهزه إلى بلده، بل الواجب أن يدفن مع المسلمين في عمان، كما لو مات في مكة أو المدينة أو غير ذلك يدفن مع المسلمين ولا يرسل إلى بلاده، لكن لو طلب أهله إرساله إلى بلاده والتزموا بالنفقة، أو سمحوا بأخذ النفقة من التركة فلا بأس، مع أن ترك ذلك أفضل، كونه يدفن مع المسلمين ولا يسفر أولى من التكلف، هذا هو الأولى، إنما يتكلف في ذلك إذا كان في بلاد الكفار، في بلاد لا يدفن فيها المسلم،
стр. 8586
هذا لا بأس بنقله إلى بلد مسلم أو إلى أهله، أو سمح أهله بنقله إليهم لمصلحة رأوها، يكون على حسابهم على حساب من سمح بذلك، من طلب نقله والتزم بقيمة التذاكر، أما أنت فلا يلزمك ذلك، لكن إذا تبرعت بذلك فليس لك الرجوع.
أما إذا كان العامل غير مسلم فلا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يجهز إلى بلاد قومه، يدفن مع الكفار إذا كان في بلد فيها كفار، أو يحفر له في محل بعيد عن المسلمين في الصحراء، ويسوى قبره وانتهى الأمر، ولا يصلى عليه ولا يغسل ولا يكفن، بل يدفن فيما تيسر من الثياب الساترة.
стр. 8587
٥٢ - حكم بناء ورفع القبور لضيق المساحة
س: سائل من مصر يقول: نحن في معظم قرى ومدن مصر نعاني من مشكلة ضيق المساحة في القبور؛ حيث إنها محددة في أماكن معلومة، ولا يجوز ترك مكانها، وخاصة في بلاد الدلتا، أي البلاد البعيدة عن الصحراء؛ مما اضطر الناس لبنائها وارتفاعها عن الأرض أكثر من المتر في بعض الأحيان؛ وذلك لدفن عدد من الموتى في كل قبر، فما حكم ذلك؟ وماذا نفعل إن أردنا أن نفعل الصواب في عدم بنائها، فلا نجد الظروف التي تعيننا على ذلك؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله، وجزاكم الله خيرا (١)
стр. 8588
ج: أيها الأخ الكريم: نسأل الله لك المثوبة على دعواتك، ونسأل الله أن يتقبل منك دعواتك، وأن يثيبنا وإياك وأن يجعلنا وإياك من عباد الله الصالحين، إنه خير مسؤول.
أما القبور فالواجب ألا تبنى، هذا الواجب، وأن تحفر في الأرض وتعمق، هذا هو الواجب؛ لأنه ثبت عن رسول الله ﵊ من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ في صحيح مسلم أنه نهى عن تجصيص القبور والبناء عليها، ولعن اليهود والنصارى على اتخاذهم المساجد على القبور، وأخبر أنهم شرار الخلق بهذا العمل، وهو البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، فالواجب على أهل الإسلام في مصر وغير مصر، الواجب عليهم أن يحفروا القبور في الأرض، وأن يعمقوها إلى نصف القامة تقريبا؛ حتى لا تظهر رائحتها، وحتى لا تحفرها الكلاب ونحوها، فإذا كانت البلدة ليس فيها محل للحفر؛ لأنها صلبة حجرية فلا حرج أن يدفن على ظهرها، ويحوط عليها لأجل حفظها عن الكلاب وغيرها، وصيانتها واجب؛ لأن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). فالبناء - حينئذ - لحفظها لا لتعظيمها والغلو فيها، ولكن لحفظها عن ظهور الروائح الكريهة وعن
стр. 8589
امتهانها، وعن تناول السباع لها فلا حرج بقدر الحاجة فقط والضرورة، أما مع القدرة على الحفر فلا يجوز البناء، لا متر ولا غيره، يجب أن تكون في الأرض وأن تبين للناس ترفع قدر شبر مثلا تقريبا، ترابها يكون على كل قبر ترابه، وعليه النصائب في أطرافه حتى يعرف أنه قبر، وإذا رش وجعل عليه بطحاء فذلك أفضل، هذا هو المشروع في القبور، لكن من لم يستطع ذلك؛ لأن الأرض لا يمكن حفرها فإنه معذور بقدر الحاجة فقط.
س: إذا كانت الأرض بعكس ذلك سماحة الشيخ، وكانت التربة تنهار ولا تتماسك فما هو الحل الذي يراه سماحتكم؟ (١)
ج: إذا كانت الأرض ضعيفة لا يستطاع الحفر فيها، لضعفها وانهيارها يجعل ما يحفظ الميت من ألواح، أو حجارة أو نحو ذلك مما يحفظ الميت؛ حتى لا ينهار به القبر، يفعل ما يستطيع المؤمن من ألواح أو أخشاب أو حديد، المقصود الذي يستطيع به حفظ الميت؛ حتى لا ينهار به القبر حسب الطاقة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). فلا شك أن هذا مهم، نسأل الله للجميع التوفيق، ثم نعيد أيضا مرة أخرى التحذير من البناء على القبور، الذي فعله اليهود والنصارى، ولا يجوز أن يبنى عليها مساجد ولا
стр. 8590
قباب ولا غير ذلك؛ لأن هذا البناء من أسباب الشرك بالله والغلو، كما فعله اليهود والنصارى، وفعله أشباههم من عباد القبور، الذين ظنوا أن هذا مشروع، فاتخذوا مساجد على القبور، وغالوا فيها واستغاثوا بأهلها، ونذورا لهم وطافوا بقبورهم، وهذا هو البلاء العظيم، هذا هو الشرك الأكبر؛ يقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)» وقال ﵊ لما أخبرته أم حبيبة وأم سلمة بكنيسة في بلاد الحبشة، وما فيها من الصور قال ﵊: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة (٢)» حكم عليهم بأنهم شرار الخلق، الواجب الحذر، وفي الصحيح - صحيح مسلم - عن جندب بن عبد الله البجلي
стр. 8591
رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك (١)» هذا نهي عظيم؛ لوجوه ثلاثة:
أولا - ذم من فعل ذلك؛ اليهود والنصارى وغيرهم، وهذا تحذير من التشبه بهم.
الثاني - قوله: «فلا تتخذوا القبور مساجد (٢)» هذا نهي صريح: لا تتخذوا القبور مساجد.
الثالث - قوله: «إني أنهاكم عن ذلك (٣)» هذا أيضا تأكيد للنهي في قوله: «إني أنهاكم عن ذلك (٤)».
فالواجب الحذر، والسر في هذا - والله أعلم، كما هو معروف عند أهل العلم - أنه ذريعة للشرك، أن هذا البناء وهذا التصوير عليها من أسباب الشرك بها، واتخاذ أهلها آلهة مع الله، كما قد وقع لليهود والنصارى وغيرهم، فيجب الحذر من ذلك وأن لا يبنى على القبر، لا مسجد ولا غيره، ولا قبة ولا غيرها، ولا يدعى من دون الله، ولا يستغاث ولا يطاف به .... إلى غير ذلك، العبادة حق الله وحده، هو الذي يدعى ويرجى ويصلى له، ويسجد له وينذر له، ويذبح له، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي﴾ (٥) يعني: قل يا محمد للناس: إن صلاتي: ﴿وَنُسُكِي﴾ (٦): ذبحي وعبادتي ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٨).
стр. 8592
هكذا أمره الله أن يبلغ الناس ﵊، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣). الطواف بالبيت العتيق، ما يطاف بالقبور، الطواف بالقبور عبادة لها من دون الله وشرك بالله ، إذا طاف يتقرب للميت بالطواف، أو يصلي له أو يسجد له، أو يقول: يا سيدي أغثني. أو: انصرني. أو: اشف مريضي. أو: أنا في جوارك. كل هذا شرك بالله، كل هذا عبادة لغيره ، فالواجب الحذر غاية الحذر، نسأل الله للجميع الهداية.
стр. 8593
٥٣ - حكم بناء القبور فوق سطح الأرض لضعف التربة
س: عندنا الأرض ترابية، فنقوم بحفرها لتسوية القبور، ونبنيها بطوب محروق، ما رأيكم في هذا؟ (١)
ج: الواجب أن تحفروا فقط، أما البناء لا تبنوا شيئا، الرسول نهى أن
стр. 8594
يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه (١) ولكن تحفرون حفرا إلى نصف القامة مثلا، ثم يجعل فيها لحد ثم يدفن الميت ويجعل في اللحد، وينصب عليه اللبن، ثم يهال عليه التراب ويرفع عن الأرض قدر شبر بالطين حتى يعرف أنه قبر، وتجعل النصائب في أطرافه لحفظ ترابه، أما أن يبنى عليه شيء فلا يبنى عليه شيء، إنما يجعل التراب فوقه، إذا نصب عليه اللبن ينصب عليه اللبن نصبا، ويسد ما بين اللبن بالطين وكسر اللبن، ثم يهال عليه التراب ويرفع قدر شبر بتراب القبر، حتى يعرف أنه قبر، أما أنه يبنى عليه شيء من الداخل، أو من خارج فلا يجوز، الرسول نهى عن تجصيص القبور، ونهى عن القعود عليها، ونهى عن البناء عليها، ﵊.
стр. 8595
س: السائل ص. ج. يقول: هل يجوز بناء المقابر فوق سطح الأرض إذا كانت الأرض التي بها المقابر طينية، أو زراعية؟ علما بأنه لو تم حفر حوالي نصف أو ربع المتر سوف يظهر الماء، وليس هناك سوى هذا المكان في هذه البلدة (١)
ج: إذا كان هكذا يجعل خشب أو ألواح، ليحول بين الماء وبين الميت،
стр. 8596
ويدفن في الأرض، ولا بناء عليه؛ لأن الرسول ﷺ نهى أن يبنى على القبور، لكن يحفر بالقدر الذي لا يظهر الماء، ثم يجعل لوحا تحته أو أخشابا أو شبه ذلك تمنع الماء، ثم يدفن الميت ويوضع عليه اللبن، ويدفن بالتراب ولا يبنى عليه بناية.
стр. 8597
س: يوجد عندنا مدافن على جبل من الرمل، وكان المعتاد شق أخدود ووضع الميت فيه في تابوت من الخشب، فجاء بعض الناس وأراد البناء، ليجمع العائلة كلها، فقال البعض: إن هذا محرم وغير شرعي، واستند لحديث عن النبي ﷺ ونهيه عن البناء على القبور وتجصيصها وقام الخلاف في ذلك، لكنا في انتظار ما نسمع من سماحتكم جزاكم الله خيرا (١)
ج: البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب أمر لا يجوز؛ بنص النبي ﵊ ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)» وقالت له أم سلمة وأم حبيبة: إنهما رأتا في أرض الحبشة كنيسة، ورأتا فيها صورا كثيرة، قال لهما النبي ﷺ : «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه
стр. 8598
تلك الصور (١)». ثم قال ﷺ : «أولئك شرار الخلق عند الله (٢)» فسماهم شرار الخلق، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه (٣)» فالقبور لا تجصص ولا يبنى عليها، ولا يبنى عليها مساجد، ولا يتخذ لها قباب، بل هذا من وسائل الشرك، وهذا من عمل اليهود والنصارى فالواجب الحذر منه، لكن إذا كانت الأرض رديئة يحفر فيها، ويجعل فيها ما يمسك التراب من صندوق أو لوح وألواح، حتى لا تنهار على الميت، أو حجارة حتى لا ينهار، ويوضع الميت بينها، وإذا تيسر أرض صلبة جيدة تحفر فيها القبور، ويكون فيها اللحد من جهة القبلة، يوضع الميت في اللحد من جهة القبلة يكون هذا أفضل؛ لأن هذا هو الذي ثبت عن النبي ﷺ : «احفروا له والحدوا لحدا، فإن اللحد لنا والشق لغيرنا (٤)» وهذا هو الأفضل، فإن لم يتيسر؛ لأن الأرض رديئة يشق شقا في الأرض، ويجعل على جانبي الشق ما يحفظ التراب من ألواح أو حجارة من دون بدع، ثم يوضع الميت ثم يوضع فوقه ألواح أو حجارة ثم يردم عليه التراب،
стр. 8599
ويجعل عليه النصائب؛ حتى يعرف أنه قبر، وتلتمس الأرض الطيبة ما هي بالأرض الرملية، إذا تيسر أرض طيبة فلا يوضع فيها الميت حتى يحفر فيها، وإذا ما تيسر إلا أرض رديئة رملية يجتهدون بجعله في محل مناسب، ثم يجعل فيه حجارة أو ألواح تحفظه من التراب، ثم يوضع الميت، ثم يوضع فوقه الحجارة تقية من التراب، أو ألواح تقيه التراب، ثم يهال عليه التراب إذا لم يتيسر أرض طيبة جيدة يحفر فيها، ويكون فيها لحد ويوضع عليه اللبن، إذا تيسر هذا فهو السنة، أما إذا لم يتيسر يشق في الأرض ويوضع فيه الميت، وتوضع على جانبيه وأطرافه الحجارة؛ حتى تقيه التراب ثم يوضع فوقها حجارة كبيرة، توضع فوق الحجارة تستره وتمنعه من التراب، وهذا هو المشروع في هذه الحالة.
стр. 8600
٥٤ - بيان آداب دفن الميت
س: ما هي آداب دفن الميت في الإسلام؟ (١)
ج: السنة في دفن الميت أن يكون له لحد، هذا الأفضل لحد إذا أنزل في القبر في قبره، ثم يدفن على جنبه الأيمن، ويوجه إلى القبلة، ثم ينصب عليه اللبن نصبا، ويسد الخلل بالطين، ثم يهال عليه التراب، ويرفع القبر عن الأرض مقدار شبر؛ حتى يعلم أنه قبر، هذا هو السنة في دفن أموات
стр. 8601
المسلمين: أن يحفر ويعمق القبر إلى النصف، إلى السرة، سرة الرجل القائم ونحو ذلك، وأن يكون له لحد هذا هو الأفضل في جهة القبلة بقدر الميت، ثم يوضع الميت على جنبه الأيمن، ويقول عند وضعه بسم الله، وعلى ملة رسول الله، ثم ينصب عليه اللبن ويسد الخلل، حتى لا يدخل عليه التراب، ثم يهال عليه التراب، ويرفع القبر قدر شبر؛ حتى يعرف أنه قبر فلا يمتهن، هذا هو السنة، ثم يرش بالماء ويوضع عليه الحصباء، وتوضع عليه الأنصبة على أطراف القبر، لبنة لبنة عند أطرافه حتى يعرف أنه قبر.
стр. 8602
س: هل يلقى الميت في القبر على ظهره، أو على جنبه الأيمن متجها إلى القبلة؟ لأني أرى الناس عندنا يطرحون الميت على ظهره، وبعد الأربعين من موت الميت يقوم أقاربه بإلقاء عزيمة كبيرة، ويسمونها الفاتحة، ما هو رأيكم فيما يفعله الناس؟ (١)
ج: السنة أن يوضع على جنبه الأيمن موجها إلى القبلة، هذا هو السنة، فإن الكعبة هي قبلة المسلمين أحياء وأمواتا، وأما هذه العزيمة فلا أصل لها، بل هي بدعة.
стр. 8603
٥٥ - حكم الأذان والإقامة عند وضع الميت في اللحد
س: يسأل المستمع ويقول: رأيت البعض من الناس عندما يضعون الميت في اللحد يقومون بالأذان والإقامة فوقه، هل هذا صحيح؟ (١)
ج: هذا بدعة، الأذان في القبر، والإقامة في القبر بدعة لا تجوز، كل هذا لا يجوز؛ لا بعد الدفن ولا قبل الدفن، كله لا يجوز.
стр. 8604
٥٦ - حكم إراقة المياه التي غسل بها الميت
س: بعض الناس إذا مات لهم ميت يحفرون له في الأرض، ويكسرون البلاط الذي في الغرفة التي مات فيها، ويغسلونه فيها لادعائهم أن الماء الذي يغسل به الميت لا يجوز رميه في الخارج، فما الحكم في هذا؟ جزاكم الله خيرا (١)
ج: هذا كلام باطل، وعملهم لا أصل له، كالنظافات العامة، ماء الميت الذي يغسل به يراق مثل المياه الأخرى في الحمام وغيره، ولا شيء فيه يغسل في الحمام أو في غير الحمام، ولا يحفر له، ولا ينقض البلاط، كل هذا غلط كل هذا من إضاعة المال بالباطل، نسأل الله العافية.
стр. 8605
٥٧ - حكم كشف وجه الميت عند وضعه في القبر
س: يقول السائل: هل يكشف عن وجه الميت عند وضعه في اللحد؟ (١)
ج: لا يكشف، يستر جميع البدن حتى الوجه، لا المرأة ولا الرجل، المشروع أنه يستر وجهه وغيره، ولا يكشف شيء.
стр. 8606
س: ما حكم كشف وجه الميت إذا وضع في قبره؟ (١)
ج: المشروع أن يغطى وجهه وجميع بدنه، الميت إذا وضع في القبر لا يكشف منه شيء، بل يكون الكفن شاملا له كله، من رأسه إلى رجليه، هذا هو السنة، وهذا هو الذي فعله النبي ﷺ وأرشد إليه. وما يظنه بعض العامة أنه يكشف وجهه غلط، الواجب أنه يغطى كله إلا إذا كان محرما فإنه لا يغطى رأسه ولا وجهه؛ لأن النبي ﷺ لما مات رجل في إحرامه قال ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا (٢)» إلا إذا كان امرأة يغطى وجهها ورأسها؛ لأنها
стр. 8607
محرمة لا بأس أن تغطي وجهها وإن كانت محرمة، أما الرجل فلا يغطى وجهه، إذا كان محرما ومات يغسل ويكفن، ولا يغطى وجهه ولا رأسه.
стр. 8608
٥٨ - حكم كشف وجه الميت وإلقاء نظرة الوداع عليه قبل دفنه
س: الأخ ص. س. من الهند يسأل ويقول: عندنا إذا مات الميت وأثناء وجوده في البيت، وعندما يجيء أحد في العزاء يقوم أحد الحاضرين ويكشف وجه الميت، وبعدما يغسل ويصلى عليه في المسجد يقوم أحد أقاربه بفك الغطاء عن وجه الميت، بذكر الصلاة على محمد ﷺ ، ثم يقوم الحاضرون جميعا بما يسمونه نظرة الوداع، فما هو رأيكم في هذا العمل؟ جزاكم الله خيرا (١)
ج: هذا العمل لا أصل له، السنة أن يدفن مغطى بالكفن كله، وجهه وغير وجهه، السنة أن يكون الكفن عاما، وألا يكشف وجهه ولا غيره، أما ما دام بينهم وكشفوه ليسلم عليه من هو من محارمه، إن كانت زوجته أو أخواته، أو يسلم عليه الرجل إذا كان رجلا فلا بأس، أو امرأة يسلم عليها محارمها أو زوجها لا حرج في ذلك، النبي ﷺ لما توفي وجاء الصديق إلى منزله كشف وجهه وقبله، وقال: «طبت حيا
стр. 8609
وميتا (١)» ﵊، فإذا كشف لمصلحة تقبيله أو النظر إليه، والدعاء له فلا حرج في ذلك، لكن عند وضعه في القبر لا يكشف وجهه، بل يكون مغطى، والوجه وجميع البدن في القبر.
стр. 8610
٥٩ - حكم تغطية قبر المرأة وإنزالها فيه من غير المحارم
س: هل يغطى قبر المرأة عند إنزالها في القبر؟ وهل يجوز أن ينزلها أحد من غير أقاربها؟ (١)
ج: أفضل أن تغطى بعباءة أو غيرها، ولا بأس أن ينزلها أحد من غير أقاربها، ولا يشترط المحرم، ولو أنزلها غير أقاربها.
стр. 8611
٦٠ - حكم الكتابة على القبور
س: ما هو القبر الشرعي في الإسلام؟ وهل يجوز أن يرتفع عن الأرض، أو يوضع عليه لوحات رخامية، أو يحلق به غرف للجلوس عند القبر؟ (١)
ج: تقدم إيضاح القبر الشرعي، تقدم إيضاحه في سؤال سابق، ولا يجوز وضع اللوحات عليه مكتوبا عليها شيء، ولا يكتب عليه؛ لأن الرسول
стр. 8612
صلى الله عليه وسلم «نهى عن الكتابة على القبور (١)» لا في لوحات ولا في غيرها، «ونهى عن البناء عليها أو تجصيصها (٢)» لا تجصص ولا يبنى عليها، ولا يوضع عليه لوحات ولا كتابات.
стр. 8613
٦١ - حكم رفع القبر أكثر من شبر
س: أرى بعض الناس عند دفن الميت يرفعونه أكثر من شبر، وإذا نهيتهم قالوا: إن ذلك وقاية له من السيل، كذلك أراهم يزيدون حصباء فوق القبر بعد الدفن زيادة على ترابه الأصلي، كذلك يرشون عليه ماء، فما حكم ما يفعلون؟ (١)
ج: كل هذا لا بأس به، الأفضل شبر وما حوله، وإذا زاد يسيرا بالحصباء أو نحوه فالأمر سهل في هذا؛ حتى تعلم القبور وتعرف، وحتى لا تمتهن فإذا دفنوه بترابه وجعلوا الحصباء؛ حتى تثبت التراب ويبقى، ويرش بالماء؛ حتى يبقى هذا لا بأس به، حفظا لترابه وبقاء له.
стр. 8614
س: يسأل ويقول: البعض يذكر أن القبر يرفع عن الأرض بمقدار شبر، فهل هذا صحيح أم لا؟ وما دليله؟ وإن زيد على شبر فما حكمه؟ وكيف نوفق بين ذلك وبين ما ورد عن علي ﵁، كما ورد
стр. 8615
في مسلم: «هل أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته (١)» (٢)؟
ج: نعم، القبور لا بأس أن ترفع قدر شبر، كما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص، وأنه رفع قبره قدر شبر، وأن قبر النبي ﷺ كان كذلك؛ والسر في ذلك لتعرف أنها قبور، حتى لا تمتهن وحتى لا توطأ وحتى لا يجلس عليها؛ فإنها إذا سويت بالأرض قد تخفى معالمها، فإذا رفعت قدر شبر، أو ما يقاربه فهذا يعفى عنه ومشروع، لتعرف أنها قبور، ولتصان ولا تداس، أما حديث علي وما جاء في معناه فالمراد به الإشراف الزائد على هذا، كأن يبنى عليها مساجد أو قباب أو بنية، هذه تزال، وإنما ترفع بترابها، نفس التراب الذي أخذ من اللحد، هذا الذي يجعل فوق القبر؛ لأنه إذا دفن بقي بعض التراب الذي للحد، وبعض التراب الآخر؛ لأنه لو كان مرصوصا أولا رصا عظيما، ثم بعدما أخرج يتراكم بعضه على بعض، ويبقى منه بقية إذا دفن الميت، فهذه البقية تجعل على القبر علامة على أنه قبر، وقد نهى النبي ﷺ أن يزاد على ترابه، فالتراب الذي بقي من الميت يكون هو المرفوع على محله، علامة على أنه قبر، ولا يؤتى بزيادة أخرى من تراب أو لبن