﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقال : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) فالحاصل أن أفعال الناس، وأقوال الناس ليست ميزانا توزن بها الأحكام، وتعرف بها الأحكام الشرعية، وإنما الميزان هو ما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤). وفيما قال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥). هذا هو الميزان، الميزان هو ما قاله الله ورسوله، فالاحتفالات بالموالد ليس لها أصل في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﵊، وقد مضى على المسلمين قرون كثيرة لم يحتفلوا فيها بالموالد، فلم يفعله النبي ﷺ في حياته، وهو خاتم النبيين ليس بعده نبي يعلمنا، هو خاتم النبيين، وهو أنصح الناس ﵊، وهو أعلم الناس وأخشى الناس لله وأتقاهم لله ﵊. فلو كان الاحتفال بمولده ﷺ أو بالموالد الأخرى أمرا مشروعا لبينه للأمة ﵊، أو فعله بنفسه حتى يقتدى به، ثم لو تركه بنفسه ﵊،
стр. 947
لأنه غير واجب ولكن هو سنة في نفسه لفعله الصحابة أخذا من فعله أو من قوله ﵊، فلم يفعله ﷺ . ولم يدع إليه ولم يأمر به ولم يفعله صحابته، لا الخلفاء الراشدون ولا غيرهم، ثم جاء القرن الثاني، قرن التابعين وكبار أتباع التابعين، فلم يفعلوه ثم جاء من بعدهم القرن الثالث فلم يفعلوه، فدل ذلك على أنه بدعة، لقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)»، وكان يقول في خطبته ﵊: أما بعد: «فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٣)»، هكذا كان يقول في خطبته ﵊ في الجمعة اللهم صل عليه، فلو كانت الاحتفالات بالموالد أمرا مطلوبا أو أمرا مشروعا لما فات على أولئك الأخيار السادة، ثم حظي به ووفق له من بعدهم، فإن القرون السابقة قد اشتملت على الحق. ولا يمكن أن يكون الحق في غيرها وتحرم هي من الحق، بل قال ﵊، لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، وأولى القرون بهذه الطائفة القرون الأولى، القرن الأول ثم الثاني ثم الثالث، بل قال ﵊: «خير أمتي القرن الذين يلونني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (٤)» الحديث.
стр. 948
فلا يجوز أبدا أن يعتقد أحد أن الحق يفوت هذه القرون المفضلة العظيمة، ثم يدركه ويحوزه من بعدهم، هذا لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر. فالحاصل أن الاحتفالات بالموالد: مولد النبي ﷺ ، مولد الحسين، مولد فلان، مولد البدوي، إلى غير ذلك كلها بدع لا أصل لها، وإنما أحدثها من أحدثها في القرن الرابع وبعده، كما ذكر ذلك صاحب كتاب الإبداع في مضار الابتداع، وذكر أن الذين بدأوا بإحداثها هم حكام مصر الفاطميون، حكام المغرب الذين انتسبوا لآل البيت كذبا، وليسوا منهم في شيء بل قال أبو العباس ابن تيمية شيخ الإسلام رحمة الله عليه: إن ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، فالحاصل أنهم هم الذين أحدثوا هذا في القرن الرابع ثم أحدثه بعدهم أناس آخرون، من الشيعة ومن غير الشيعة ممن ينتسب إلى السنة غلطا وجهلا، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بهذا الأمر، الذي فعله كثير من الناس. فهذه أيضا المساجد تبنى على القبور، والقباب توضع على القبور، فهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر، إن هذا شرع، وإنه سنة، وإنه قربة، بل هو بدعة منكرة، ومع ذلك وجد في الناس، وقد قال النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)»، وقال ﵊: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور
стр. 949
مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك (١)» خرجه مسلم في الصحيح، وقال جابر ﵁: «نهى رسول الله ﷺ أن تجصص القبور، وأن يقعد عليها وأن يبنى عليها (٢)» فأخبر جابر أن الرسول نهى عن تجصيص القبور، وعن البناء عليها، وهي الآن تجصص ويبنى عليها وتوضع عليها القباب والمساجد فهل يقول من يعرف الحق: إن هذا جائز أو إنه مشروع لأن الناس فعلوه، بل هو بدعة ومن وسائل الشرك، ولو فعله الناس، اتخاذ المساجد على القبور، والبناء عليها واتخاذ القباب عليها، وتجصيصها كل هذا محرم كله من وسائل الشرك. ولو فعله الناس وكذلك كثير من الجهلة يأتون القبور المعظمة، ويدعونها ويستغيثون بأهلها، ويطلبون منها المدد، فهل يقول قائل: إن هذا جائز، لأن الناس فعلوا هذا، أو لأن كثيرا من الناس فعلوا هذا، لا يقول هذا من يعرف الدين، فإن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، وطلب المدد من الأموات هو فعل الجاهلية الأولى، هو فعل أهل الشرك المعروف سابقا، هو من الشرك الأكبر، ومع ذلك فعله كثير من الجهال عند القبور، عند قبر الحسين، وعند قبر غير الحسين، وعند قبر البدوي، وربما فعله بعض الجهال، عند قبر النبي ﷺ بالمدينة، فهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن هذا جائز، أو إن هذا قربة، أو إنه لا بأس به، بل هو من الشرك ومن عبادة غير الله، ومن عمل الجاهلية الأولى وإن فعله كثير من الناس، فينبغي لكل مسلم أن يعقل هذا وينتبه لهذا الأمر.
стр. 950
س: أيضا يقول هذا السائل: نشاهد في مصر أصحاب الفضيلة العلماء يحضرون هذه الاحتفالات فما رأي سماحتكم؟ (١)
ج: كون بعض العلماء يشهد بعض البدع فلا يستنكر هذا، وهل أهلك الناس إلا علماء السوء؟ وعلماء الجهل، وهل هلكت اليهود إلا بعلماء السوء فيها، وهل هلكت النصارى إلا بعلماء السوء فيها وأغلاطهم، وهذه الأمة كذلك إنما هلك أكثرهم بسبب علماء السوء وعلماء الجهل، والعالم وإن كان كبيرا وعظيما قد يغلط، فيغتر بغلطه بعض الناس، وزلة العالم لها خطر عظيم، كما حذر الصحابة وغيرهم من زلة العالم، فإذا زل عالم بفعله أو بقوله، وإن كان يشار إليه بالعلم، لكن غلطه في مسألة من المسائل في حضور الاحتفالات، تأول في ذلك المكان، أو قصد أن ينصحهم، أو يبين شيئا من أمور الدين، فحضر وغاب عنه أن حضوره قد يحتج به، فلا يكون هذا حجة، إذا حضر العالم بعض الاجتماعات المنكرة، أو حضر بعض الاحتفالات المنكرة لا يكون هذا حجة على جوازها، فقد يكون له عذر، وقد يكون جهل هذا الأمر وقت حضوره، وإن كان عنده علوم، وعنده فضل، فلا ينبغي أن يغتر بأغلاط العلماء ولا زلات العلماء لا قولا ولا فعلا نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
стр. 951
س: أرجو منكم أن تخبروني عن حكم المولد النبوي، وعن حكم من يقوم به، وخاصة إذا كان إماما وخطيبا لمسجد؟ وهل تجوز الصلاة خلفه، حيث إني إذا قلت لأحدهم إن هذا الأمر بدعة منكرة، انزعج كثيرا واحتج بحديث في مسلم، في فضل صيام يومي الخميس والاثنين، والشاهد من الحديث: «وهو يوم ولدت فيه (١)» الحديث؟ فماذا نفعل تجاه هؤلاء الناس، وخاصة أنهم من أصحاب المساجد وإنا لله وإنا إليه راجعون؟ (٢)
ج: الاحتفال بالموالد من البدع التي حدثت في الناس ومنها مولد النبي ﷺ ، الاحتفال به من البدع التي حدثت في المسلمين ولم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه لا الخلفاء الراشدون ولا غيرهم، وهكذا لم يفعله المسلمون في القرون المفضلة الثلاثة، وقد قال ﵊ في الحديث الصحيح: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣)» يعني فهو مردود، وقال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٤)» أي فهو مردود.
فالواجب على المسلم ترك ذلك، وأن يعتني بسنته ﷺ واتباع سيرته والاستقامة على هديه ﵊. أما الاحتفال بالمولد
стр. 952
فلا وجه له فهو بدعة من البدع التي يجب تركها والمطلوب من المسلم اتباع الرسول ﷺ ، وتعظيم شرعه وتعظيم سنته والسير على منهاجه كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢).
فالواجب محبته واتباعه والأخذ بما جاء به والحذر مما نهى عنه هذا هو واجب المسلم. أما البدع فلا، المولد وغير المولد، لا تجوز البدع في الدين. بل يجب تركها فالاحتفال بالموالد والبناء على القبور، واتخاذ المساجد على القبور والصلاة عند القبور كل هذه من البدع التي أحدثها الناس وهكذا بدعة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب والاحتفال بها هذه من البدع أيضا لا أصل لها في الشرع.
وينبغي أن ينصح الإمام الذي يصلي بالناس أن يدع هذا، والصلاة خلفه صحيحة، إذا كان ليس عنده إلا بدعة المولد، فالصلاة خلفه صحيحة؛ لأنها بدعة وليست كفرا، لكن إذا كانوا في المولد يدعون الرسول ويستغيثون به، فهذا كفر أكبر إذا كانوا يدعون الرسول ويستغيثون به، وينذرون له هذا كفر أكبر.
стр. 953
أما مجرد الاحتفال بالمولد وجمع الطعام، والاجتماع على الطعام وتلاوة القصائد التي ليس فيها شرك فهذه بدعة.
أما القصائد التي فيها الشرك، مثل البردة إذا أقروا ما فيها من الشرك، مثل قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
من يعتقد هذا فهو كافر. نسأل الله العافية.
فالمقصود أن الواجب على المسلمين، أن يحذروا الشرك والبدع جميعا، وأن يتواصوا بتركها ويتفقهوا في الدين ويتعلموا ويسألوا أهل العلم، أهل السنة، يسألوهم عن هذه البدع.
أما حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ ، أنه سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه وبعثت فيه (١)» هذا لا حجة فيه، إنما يدعو إلى شرعية صومه، صوم يوم الاثنين، ويوم الاثنين يصام؛ لأنه يوم ولد فيه النبي ﷺ وأنزل عليه فيه، ولأنه تعرض فيه الأعمال على الله مع الخميس، والنبي ﷺ كان يصوم الاثنين والخميس ويقول:
стр. 954
«إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم (١)» فصوم يوم الاثنين لا بأس به، طيب مثلما صامه النبي ﷺ ، ما قال: احتفلوا به واجعلوا فيه عيدا. إنما شرع صومه فقط، فمن صامه فقد أحسن ومن أحدث المولد بالاحتفال وجمع الناس على الطعام وقراءة القصائد فإن هذه هي البدعة، وفرق بين هذا وهذا.
س: لماذا لا يحدث اجتماع مثلا بين العلماء جميعا وشرح وجه الحقيقة حتى يغير ما يحدث في جميع البلدان الإسلامية من هذه العادات؟ (٢)
ج: قد جرى اجتماعات كثيرة، وبحث هذا الموضوع في اجتماعات كثيرة، ولكن لا تزال العقول تختلف في فهمها، ولا يزال من ينظر في المسائل العلمية يحصل بينهم خلاف لوجه النظر، بعضهم يستحسنها لأن فيها دراسة السيرة، للنبي ﷺ ، وبعضهم يقول لأن فيها فرصة لتوعية الناس وتعليمهم بعض أمور الدين، وبعضهم يحتج بأشياء أخرى، ولكن من نظر في الأدلة الشرعية عرف أن هذه الأمور التي يحتج بها لا وجه لها، وأن الواجب منع هذه الاحتفالات، وفي
стр. 955
الإمكان أن يعلم الناس أحكام الشرع في المجالس العلمية والحلقات العلمية، وبدراسة السيرة النبوية من دون حاجة إلى هذه الاحتفالات فليست هذه الاحتفالات هي الوسيلة للتعليم، بل هناك وسائل أخرى كالإذاعة والصحافة والحلقات العلمية التي توضح فيها أحكام الشرع، وتوضح فيها سيرة النبي ﵊ من دون حاجة إلى هذه البدع.
стр. 956
١٥ - الاحتفال بالمولد ليس له أصل
س: ما رأيكم في الاحتفال بمولد النبي الشريف، ولقد تكرر في قول الناس إن بعض العلماء أجازوه، ويقومون به أفيدونا عن هذا جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: الاحتفال بالمولد ليس له أصل، لكونه من البدع التي أحدثها الناس في القرن الرابع وما بعده، ومشهور أن أول من أحدثه الطائفة المشهورة الذين يقال لهم الفاطميون، وهم حكام المغرب ومصر في المائة الرابعة والخامسة، أحدثوه في المائة الرابعة باسم علي والحسن والحسين وفاطمة واسم النبي ﷺ ، واسم حاكمهم ثم انتشر بعدهم، ولم يكن هذا في القرون المفضلة، ولا في عهد النبي ﷺ ، فلهذا ذكر
стр. 957
المحققون من أهل العلم أنه بدعة لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» ولقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)» يعني فهو مردود، ولا عبرة بمن يفعلونه اليوم وكثرتهم، لأنهم توارثوا هذا عن أسلافهم، والقاعدة التي درج عليها العامة والكفرة، قبل النبي ﷺ قوله سبحانه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٣) فليس في اتباع الآباء حجة، إذا كان عملهم ليس على أساس متين ليس على دليل، كما أن أعمال الكفار ليست حجة، ولهذا أنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم باتباع النبي ﷺ ، ولم يجعل لهم عذرا في اتباع أسلافهم، بل عابهم على ذلك، فأنت أيها المؤمن كذلك ليس لك أن تتبع أباك ولا جدك، ولا أهل بلدك إلا فيما شرعه الله، أما ما نهى الله عنه فليس لك أن تتبعهم ولو كثروا، فلو أن أهل بلدك صاروا يشربون الخمر، فليس لك أن تفعله معهم، ولو كانوا يزنون كذلك، ولو كانوا يعقون والديهم، ليس لك أن تفعل مثلهم، فهكذا إذا فعلوا البدع ليس لك أن تتبعهم، بل تدعو لهم بالهداية، تنصحهم وتوجههم إلى الخير، ولا تفعل معهم ما حرم الله من البدعة، كما أنك لا يجوز لك أن تفعل معهم الزنى، أو الخمر أو العقوق أو الربا، أو ما أشبه ذلك.
стр. 958
١٦ - الرد على قول: إن المولد بدعة حسنة
س: نسألكم عن مولد النبي الأعظم محمد ﷺ هل هو بدعة وإني سمعت في بعض البلدان ومن بعض العلماء يقولون: إنها بدعة حسنة والله أعلم وفقكم الله؟ (١)
ج: الاحتفال بالموالد مما حدث في القرون المتأخرة بعد القرون المفضلة بعد القرن الأول والثاني والثالث وهو من البدع التي أحدثها بعض الناس استحسانا وظنا منهم أنها طيبة، والصحيح والحق الذي عليه المحققون من أهل العلم أنها بدعة، الاحتفالات بالموالد كلها بدعة ومن جملة ذلك الاحتفال بالمولد النبوي، ولماذا؟ لأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولا أصحابه ولا خلفاؤه الراشدون ولا القرون المفضلة كلها لم تفعل هذا الشيء، فالخير في اتباعهم لا في ما أحدثه الناس بعدهم، وقد ثبت عنه ﵊ أنه قال: «إياكم ومحدثات الأمور (٢)»، وقال ﵊: «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٣)» وقال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا
стр. 959
ما ليس منه فهو رد (١)»، «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)» أي مردود، فالنبي ﷺ وضح الأمر وبين أن الحوادث في الدين منكرة، وأنه ليس لأحد أن يحدث في الدين ما لم يأذن الله وذم الله سبحانه هذا بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٣) والاحتفال أمر محدث لم يأذن به الله ولا رسوله ﵊، والصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء وأحب الناس للنبي ﷺ وأسرع الناس إلى كل خير ولم يفعلوا هذا لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا بقية العشرة ولا بقية الصحابة وهكذا التابعون ما فعلوا هذا، وإنما حدث من بعض الشيعة الفاطميين في مصر في المائة الرابعة كما ذكر هذا بعض المؤرخين، ثم حدث في المائة السادسة في آخرها وفي أول السابعة، على يد من ظن أن هذا طيب ففعل ذلك، والحق أنه بدعة، لأنها عبادة لم يشرعها الله ، والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين ولم يكتم شيئا مما شرعه الله بل بلغ كل ما شرعه الله وما أمر به، وقال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) فالله قد أكمل الدين وأتمه وليس في ذلك الدين الذي أكمله الله الاحتفال بالموالد، فعلم بهذا أنه بدعة منكرة لا حسنة وليس في الدين بدعة
стр. 960
حسنة، فكل البدع ضلالة كلها منكرة، النبي ﵊ يقول: «كل بدعة ضلالة (١)» فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يقول: إن في البدع شيئا حسنا والرسول ﷺ يقول: إن كل بدعة ضلالة؛ لأن هذه مناقضة ومحادة للرسول ﷺ ، وقد ثبت عنه أنه قال: «كل بدعة ضلالة (٢)» فلا يجوز لنا أن نقول خلاف قوله ﵊ وما يظن الناس أنه بدعة وقد جاء به الشرع فهو ليس بدعة مثل كتابة المصاحف، مثل التراويح ليست بدعة كل هذه مشروعة فتسميته بدعة لا أصل لذلك، وأما ما يروى عن عمر أنه قال في التراويح: نعمت البدعة فالمراد بهذا أنها بدعة في اللغة، ليست من جهة الدين، ثم قول عمر لا يناقض ما قاله الرسول ﷺ ولا يخالفه، وقول الرسول مقدم عليه، ﵊: «كل بدعة ضلالة (٣)»، وقال: «وإياكم ومحدثات الأمور (٤)»، وقال ﵊ في خطبة الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة»، هذا حكمه، ﵊، رواه مسلم في الصحيح فلا يجوز لمسلم أن يخالف ما شرع الله ولا أن يعاند ما جاء به رسول الله ﵊ بل يجب عليه الخضوع لشرع الله والكف عما نهى الله عنه من البدع والمعاصي، نسأل الله للجميع الهداية.
стр. 961
س: هل يجوز الاحتفال بالمولد النبوي نرجو منكم التوجيه؟ (١)
ج: لقد سبق منا جوابات كثيرة في هذا البرنامج وفي غيره وكتبنا في هذا كتابات كثيرة فهذا الاحتفال بالمولد بدعة، الاحتفال بالمولد بدعة عند أهل العلم، عند أهل التحقيق بدعة الاحتفال بمولد النبي ﷺ وغيره فلا يجوز الاحتفال بالموالد لا بمولده ﷺ ولا بغيره من الأنبياء والأخيار فما يفعله الناس بمولد النبي ﷺ أو البدوي أو الشيخ عبد القادر أو الحسن أو الحسين أو غيرهم كله بدعة لا يجوز.
والواجب الترضي عنهم واتباع طريقهم الطيب والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ واتباع سبيله والحث على سنته وتعليم دينه والقيام بحقه من طاعة أمره وترك نهيه والسير على منهاجه ﷺ هذا هو الواجب على المؤمن قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (٢) ما قال: فاتخذوا مولدا لي احتفلوا بي قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) فعلامة المحبة اتباعه وطاعة أوامره وترك نواهيه، أما إقامة الموالد والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان فهذا لا يجوز بل هو من وسائل الشرك، كثير من هؤلاء الذين يتخذون الموالد يقعون في الشرك في دعاء النبي والاستغاثة به، وبعضهم يقع في بدعة التوسل بجاهه وبحقه وهذا لا يجوز أما التوسل بمحبته والإيمان به لا بأس
стр. 962
اللهم إني أسألك بمحبة نبيك والإيمان بنبيك أن تغفر لي هذا لا بأس به، أما التوسل بجاه النبي أو بحق النبي هذا بدعة ليس عليه دليل بل هو من البدع والتوسل بمحبته والإيمان به والسير على منهاجه هذا توسل شرعي، فالمقصود أن الاحتفال بالموالد من البدع سواء كان ذلك بمولد النبي ﷺ أو بمولد غيره من الأنبياء أو الصالحين أو الصحابة أو غيرهم كله من البدع، وهكذا الاحتفال بليلة النصف من شعبان أو بليلة تسع وعشرين من رجب يسمونها ليلة الإسراء والمعراج هذه بدعة أو الاحتفال بأول ليلة من رجب أول ليلة جمعة من رجب يسمونها صلاة الرغائب بدعة، المقصود أن الاحتفال بما لم يشرعه الله، يتقرب به إلى الله، هذا من البدع، ما فعله النبي ﷺ ، النبي ﷺ هو أصدق الناس وأنصح الناس، علم الأمة كل خير ودعاها إلى كل خير ولم يحتفل بمولده في حياته ﷺ مكث في المدينة عشر سنين وهو رئيس المؤمنين وأميرهم ليس له معارض ولم يحتفل بمولده ﵊ ثم الصديق بعده ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم الخلفاء بعدهم ما احتفلوا بالمولد، ولو كان خيرا لسبقونا إليه فجميع القرون المفضلة لم يحدثوا الموالد إنما أحدثها الرافضة الفاطميون في القرن الرابع ثم تابعهم بعض المسلمين جهلا منهم وعدم بصيرة.
стр. 963
١٧ - الرد على شبه تجويز إقامة الموالد
س: لقد سمعت منكم مؤخرا أن المولد الشريف من المنكر والبدع، وأود أن أقول وأسأل هنا، إن في المولد الشريف يجتمع الناس على الأخوة والتقوى، وقراءة شيء من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وقراءة شيء من الشعر الذي قيل قديما، إما بمدح الإسلام، أو الرسول العظيم، وهذا كل ما يحدث، وليس في ذلك ما يعارض الشريعة الإسلامية، أرجو توضيح ذلك ولكم كل تقديري واحترامي؟ (١)
ج: لا ريب أن الاحتفال بالمولد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام قد يقع فيه شيء مما ذكره السائل بالنسبة لأهل العلم وأهل البصائر، ولكن ينبغي أن يعلم أننا عبيد مأمورون لا مشرعون، علينا أن نمتثل أمر الله، وعلينا أن ننفذ شريعة الله. وليس لنا أن نبتدع في ديننا ما لم يأذن به الله، يجب أن نعلم هذا جيدا، الله سبحانه يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢) ويقول المصطفى ﵊ في الحديث الصحيح، الذي رواه الشيخان عن عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا
стр. 964
ما ليس منه فهو رد (١)» يعني: فهو مردود على من أحدثه، وفي لفظ آخر عند مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)»، وجاء في هذا المعنى أحاديث كثيرة، تدل على تحريم البدع، وأن البدع هي المحدثات في الدين، وكان النبي ﷺ يقول في خطبته ﵊: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٣)»، وتعلمون أيها المستمعون من أهل العلم أن الرسول ﵊، عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة، ولم يحتفل بمولده ﵊، ولم يقل للناس احتفلوا بالمولد، لدراسة السيرة أو لغير ذلك، ولا سيما بعد الهجرة؛ فإنها وقت التشريع، وكمال التشريع، فمات ﷺ ولم يقل شيئا من ذلك، وأما حديث أنه سئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال: «ذلك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه (٤)»، فهذا لا يدل على الاحتفال بالموالد، كما يظن بعض الناس، وإنما يدل على فضل يوم الاثنين، وأنه يوم شريف، لأنه أوحي إلى النبي ﷺ فيه ولأنه ولد فيه ﵊، ولأنه يوم تعرض فيه الأعمال على الله ، فإذا صامه الإنسان، لما فيه من المزايا، فهذا حسن، أما أن يزيد شيئا غير ذلك، فهذا عمل ما شرعه الله، إنما قال النبي ﷺ : " ولدت فيه "؛ لبيان فضل صومه، ولما سئل
стр. 965
في حديث آخر عن صوم يوم الاثنين والخميس، أعرض عن الولادة، وقال في يوم الاثنين والخميس: «إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم (١)»، وسكت عما يتعلق بالمولد، فعلم بذلك أن كونه يوم المولد، جزء من أسباب استحباب صومه، مع كونه تعرض فيه الأعمال على الله، وكونه أنزل عليه الوحي فيه، فهذا لا يدل على الاحتفال بالموالد، ولكن يدل على فضل صيام يوم الاثنين، وأنه يصام لهذه الأمور، كونه ولد فيه النبي ﷺ ، ولكونه أنزل عليه الوحي فيه، ولأنه تعرض فيه الأعمال على الله ، ولو كان الاحتفال بالموالد، أو بمولده ﵊، أمرا مشروعا أو مرغوبا فيه لما سكت عنه النبي ﷺ وهو المبلغ عن الله، وهو أنصح الناس، ولا يمكن الظن به أنه يسكت، عن أمر ينفع الأمة، وينفعه ﵊، وهو في طاعة الله ، وهو أنصح الناس، وهو ليس بغاش الأمة، وليس بخائن ولا كاتم، لقد بلغ البلاغ المبين ﵊، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وكل شيء لم يكن في وقته مشروعا، فلا يكون بعد وقته مشروعا، فالتشريع من جهة الرسول ﷺ فيما أوحى الله إليه جل وعلا، وصحابته المبلغون عنه، ويحملون عنه ما بلغه الأمة، فهو لم يبلغ الناس أن الاحتفال بمولده مطلوب، لا فعلا ولا قولا، وصحابته ما فعلوا ذلك، ولا أرشدوا إليه،
стр. 966
لا بأفعالهم ولا بأقوالهم وهم أحب الناس إلى النبي ﷺ ، وهم أعلم الناس بالسنة، وهم أفقه الناس، وهم أحرص الناس على كل خير، فلم يفعلوه ثم التابعون لهم كذلك، ثم أتباع التابعين، حتى مضت القرون المفضلة، فكيف يجوز لنا أن نحدث شيئا ما فعله هؤلاء الأخيار، وما فعله الرسول ﷺ ، ولا أرشد إليه ولا فعله صحابته ﵃، ولا أتباعهم بإحسان في القرون المفضلة، وإنما أحدثه بعض الشيعة، بعض الرافضة، أحدثه أول من أحدثه شيعة بني عبيد القداح، شيعة الفاطميين، الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض، هم الفاطميون الذين ملكوا المغرب ومصر والشام، على رأس المائة الثالثة، وبعدها إلى القرن الخامس، وأول السادس فالمقصود أن هؤلاء هم الذين أحدثوا الأعياد، بالاحتفال بالموالد كما ذكر جماعة من المؤرخين، أحدثوا ذلك في المائة الرابعة ثم جاء بعدهم من أحدث هذه الأشياء، أحدثوها لمولد النبي ﷺ ، وللحسن والحسين وفاطمة وحاكمهم، فالمقصود أنهم هم أول من أحدث هذه الموالد، فكيف يتأسى بهم المؤمن في بدعة أحدثها الشيعة، هذا من البلاء العظيم، ثم أمر آخر وهو أنه قد يقع في هذه الاحتفالات، في بعض الأحيان في بعض البلدان، شرور كثيرة، قد يقع فيها من الشرك بالله، والغلو في النبي ﷺ ، ودعائه من دون الله، والاستغاثة به ومدحه بما لا يليق إلا بالله، كما في البردة، فإن صاحب البردة قال فيها:
стр. 967
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فأي شيء أبقاه لله بهذا الغلو العظيم؟! وكثير من الناس يأتون بهذه القصيدة في احتفالاتهم وفي اجتماعاتهم، وهي قصيدة خطيرة فيها هذا الشرك العظيم، المقصود أن كثيرا من الاحتفالات في بعض البلدان، يقع فيها الشرك الأكبر، بسبب الغلو في النبي ﷺ ، والغلو في مدحه، وقد قال ﵊: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله (١)»، ويقع فيها في بعض الأحيان أيضا منكرات أخرى، من شرب الخمور ومن الفواحش والزنى، واختلاط الرجال بالنساء، هذا يقع في بعض الأحيان، وقد أخبرنا بهذا من لا نتهم، وإن كانت بعض الاحتفالات سليمة من هذا، والحاصل أنه بدعة مطلقا، حتى ولو كان على أحسن حالة، لو كان ما فيه إلا مجرد قراءة السيرة، والصلاة على النبي ﷺ ، فهو بدعة بهذه الطريقة، أن يحتفل به في أيام مولده، ربيع الأول على طريقة خاصة، كل سنة أو في يوم يتكرر، يعتاد باسم الاحتفال بمولد النبي ﷺ ، هذا يكون بدعة لأنه ليس في ديننا هذا الشيء، وأعيادنا
стр. 968
عيدان: عيد النحر وعيد الفطر وأيام النحر ويوم عرفة، هذه أعياد المسلمين، فليس لنا أن نحدث فيها شيئا ما شرعه الله ، وإذا أراد الناس دراسة السيرة فيدرسوها بغير هذه الطريقة، يدرسونها في المساجد، وفي المدارس، سيرة النبي ﷺ مطلوبة، تجب دراستها والتفقه فيها في المدارس وفي المعاهد، وفي الكليات، وفي البيوت، وفي كل مكان، لكن بغير هذه الطريقة، وبغير طريقة الاحتفال بالمولد، هذا شيء وهذا شيء فيجب على أهل العلم التنبه لهذا الأمر، وعلى طالب العلم أن يتنبه لهذا الأمر، وعلى محب الخير التنبه لهذا الأمر ففي السنة خير وسلامة، والبدعة كلها شر وبلاء. رزق الله الجميع العافية والهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
س: ما قولكم فيمن يقول إن إقامة الموالد، وقراءة القرآن على الأموات وإهداء ثوابه إليهم جائز؟ (١)
ج: الصواب أنه بدعة، ما فعله الرسول ولا أصحابه، ولا أمر به ولا دعا إليه ولا أقره ﵊، ولا فعله السلف الصالح والقرون المفضلة، فهو بدعة من وسائل الشرك، فالاحتفال بالموالد بدعة منكرة، ولا فرق بين مولد النبي ﷺ ولا غيره، وهو من وسائل الشرك، لأن الناس إذا احتفلوا بالمولد يدعون صاحب المولد،
стр. 969
يستغيثون به، كما يفعل الجهال في النبي ﵊ وبعضهم يقول: إن النبي ﷺ يخرج من قبره ويحضرهم، هذا من المنكر؛ لأن النبي لا يخرج من قبره إلى يوم القيامة، لكن روحه في الجنة في أعلى عليين ﵊، ترد إلى جسده إذا شاء الله ذلك، عند السلام عليه، ﵊ كما في الحديث يقول ﷺ : «ما من أحد يصلي علي إلا رد الله علي روحي، حتى أرد ﵇ (١)»، المقصود أن الاحتفال بالموالد، سواء كان للأنبياء أو بعض الصالحين أو غيرهم، أو للملوك كله بدعة، لا يجوز الاحتفال بالموالد، لأنه محدث، والرسول ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)» يعني هو مردود، «وقال ﵊ في خطبة الجمعة: " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٣)»، وقال ﵊: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٤)»، وهي أحاديث صحيحة، بعضها في مسلم وبعضها في الصحيحين، وبعضها في السنن فالواجب على علماء الإسلام إنذار الناس وتعليمهم، والواجب على العامة سؤال أهل العلم عما أشكل عليهم، والتفقه في الدين، وسؤالهم يكون لأهل العلم، من أهل السنة، ليسوا علماء البدعة وأهل الخرافة، يكون لعلماء السنة الذين يعرفون
стр. 970
سنة الرسول ﷺ ويحكمون القرآن والسنة ويعملون بهما، أما علماء السوء وعلماء البدع، فليسوا محل السؤال، وليسوا أهلا للسؤال، إنما السؤال يكون لأهل العلم الذين يحكمون كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ويعملون بهما يتأسون بالسلف الصالح باتباع السنة والحذر من البدعة، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
стр. 971
١٨ - حكم توزيع الأطعمة في الموالد
س: تسأل الأخت وتقول: في يوم مولد النبي الشريف، يتم في بعض مناطق قطرنا توزيع الطعام والحلوى على الناس؛ إحياء لهذا اليوم العزيز، ويقولون: إن توزيع الطعام والحلوى وبالأخص الحلوى لها أجر كبير عند الله ، هل هذا صحيح؟ (١)
ج: الاحتفال بالمولد هذا مما اتخذه الناس وليس مشروعا، ولم يكن معروفا عند السلف الصالح، لا في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد التابعين، ولا في عهد أتباع التابعين، ولا في القرون المفضلة، ولم يكن معروفا في هذه العصور العظيمة، وهي القرون الثلاثة المفضلة، وإنما أحدثه الناس بعد ذلك، وذكر المؤرخون أن أول من أحدثه، هم
стр. 972
الفاطميون الشيعة حكام مصر والمغرب، وهم أول من أحدث هذه الاحتفالات، الاحتفال بالمولد النبوي، وبمولد الحسين ومولد فاطمة، وحكامهم جعلوا هناك احتفالات بعدة موالد، منها مولد النبي ﵊، هذا هو المشهور أنهم أول من أحدثه في المائة الرابعة من الهجرة، ثم حدث بعد ذلك من الناس الآخرين تأسيا بغيرهم، والسنة في ذلك عدم فعل هذا المولد، لأنه من البدع المحدثة في الدين، والرسول ﵊ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)»، وقال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)»
والاحتفال قربة وطاعة، فلا يجوز إحداث قربة وطاعة إلا بدليل، وما يفعله الناس اليوم ليس بحجة، ما يفعله الناس في كثير من الأمصار في اليوم الثاني عشر، من ربيع الأول، من الاحتفال بالموالد، مولد النبي ﷺ ، وتوزيع الطعام أو الحلوى، أو قراءة السيرة في ذلك اليوم وإقامة الموائد، كل هذا ليس له أصل فيما علمنا، عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃، ولا عن السلف الصالح في القرون المفضلة، وهذا هو الذي علمناه من كلام أهل العلم، وقد نبه على ذلك أبو العباس ابن تيمية ﵀ شيخ الإسلام، ونبه على ذلك الشاطبي ﵀ في (الاعتصام بالسنة)، ونبه على ذلك آخرون من
стр. 973
أهل العلم، وبينوا أن هذا الاحتفال أمر لا أساس له، وليس من الأمور الشرعية، بل هو مما ابتدعه الناس، فالذي ننصح به إخواننا المسلمين، هو ترك هذه البدعة وعدم التشاغل بها، وإنما حب النبي ﷺ يقتضي اتباعه وطاعة أوامره، وترك نواهيه، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١)، فليس العلامة على حبه أن نحدث البدع، التي ما أنزل الله بها من سلطان، من الاحتفال بالمولد أو الحلف بالنبي ﷺ ، أو الدعاء والاستغاثة به، أو الطواف بقبره أو ما أشبه ذلك، كل هذا مما لا يجوز وليس من حبه ﷺ ، بل هو من مخالفة أمره ﵊، فحبه يقتضي اتباعه وطاعة أوامره، وترك نواهيه والوقوف عند الحدود، التي حدها ﵊، هكذا يكون المؤمن، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣)، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٤) ولو كان الاحتفال بالمولد أمرا مشروعا، لم يكتمه النبي ﷺ ، فإنه ما كتم شيئا، فقد بلغ البلاغ المبين ﵊،
стр. 974
فلم يحتفل بمولده ولم يأمر أصحابه بذلك، ولم يفعله الخلفاء الراشدون ﵃، ولا بقية الصحابة ﵃، ولا التابعون وأتباعهم بإحسان في القرون المفضلة، فكيف يخفى عليهم ويعلمه من بعدهم هذا مستحيل، فعلم بذلك أن إحداثه من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن قال: إنه بدعة حسنة فهذا غلط لا يجوز، لأنه ليس في الإسلام بدع حسنة. الرسول ﵇ قال: «كل بدعة ضلالة (١)» وكان يخطب بالناس يوم الجمعة، ويقول: «إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٢)»، فلا يجوز للمسلم أن يقول في بدعة: إنها حسنة، يعني يناقض النبي ﷺ ويعاكسه، هذا لا يجوز للمسلم بل يجب عليه أن يتأدب مع رسول الله ﷺ ، ويحذر مخالفة أمره ﷺ ومخالفة شريعته في هذا وغيره، فلما قال ﷺ : «كل بدعة ضلالة (٣)». فهذه الجملة جملة عامة وصيغة عامة، تعم الموالد وغير الموالد من البدع، وهكذا ما أحدثه بعض الناس من الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، ليلة سبع وعشرين من رجب، أو ليلة النصف من شعبان، هذه أيضا من البدع، لأن الرسول ﷺ ما فعلها ولا فعلها أصحابه، فتكون بدعة وهكذا جميع ما أحدثه الناس من البدع في الدين، كلها داخلة في هذا المعنى، فليس لأحد من المسلمين أن يحدث شيئا من العبادات، بغير
стр. 975
ما شرعه الله بل يجب على أهل الإسلام الاتباع، والتقيد بالشرع أينما كانوا والحذر من البدعة، ولو أحدثها من أحدثها من العظماء والكبار، فالرسول ﷺ فوقهم، فوق جميع العظماء هو سيد ولد آدم، وهو الذي أوجب الله علينا طاعته، واتباع شريعته، فليس لأحد أن يقدم على هديه هدي أحد من الناس، ولا طاعة أحد من الناس، ثم الله فوق الجميع ، هو واجب الطاعة وهو إله الحق ، هو الذي بعث الرسول يعلم الناس ويرشد الناس، والرسول هو المبلغ عن الله ، فلو كان الاحتفال بهذه الأمور مما أمره الله به لم يكتمه بل يبلغه؛ لأنه ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، وهكذا أصحابه، لو كان بلغهم وأعلمهم لبلغوا أيضا، فلما لم يأتنا هذا عنه، علمنا يقينا أنه من البدع التي أحدثها الناس، وأن الواجب على أهل الإسلام ألا يوافقوا على البدع، بل عليهم أن يسيروا على النهج الذي سار عليه رسول الله ﷺ ، وسار عليه أصحابه الكرام ﵃، ثم أتباعهم بإحسان في القرون المفضلة، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
стр. 976
س: يقول السائل: س. ف. ك. من ليبيا: عندنا عادة في بلادنا وهي في اليوم الثاني عشر، من ربيع الأول نعمل وجبة إفطار منذ الصباح الباكر ونقوم بتوزيعها على الجيران، ونحن نهنئ الجيران والأقرباء بعضهم بعضا، بحجة الفرح بالمولد النبوي، فهل لنا أن نستمر في عمل هذه الأطعمة، والأكل منها ونعمل تلك الاحتفالات؟ (١)
ج: هذا العمل ليس مشروعا بل هو بدعة، ولو فعله كثير من الناس، لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يفعلوا ذلك، فلم يحتفل ﷺ بمولده في حياته، ولم يأمر بذلك وهو أنصح الناس، ﵊ وأعلم الناس، وأحرص الناس على الخير ﵊، فلو كان هذا العمل مشروعا وحسنا، لفعله ﷺ ، أو أرشد إليه، وهكذا الخلفاء الراشدون، وهم أفضل الناس بعد الأنبياء، لم يفعلوه ولم يأمروا به، وهكذا بقية الصحابة ﵃ لم يفعلوه ولم يأمروا به، وهكذا سلف الأمة في القرون المفضلة، لم يفعلوه وهم خير الناس بعد الأنبياء، كما قال ﵊: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (٢)»
стр. 977
فالواجب عليكم ترك هذه البدعة، والحرص على اتباع النبي ﷺ ، في أقواله وأعماله، هذا هو الواجب على المسلمين، أن يتبعوه وأن ينقادوا لشرعه، ويعظموا أمره ونهيه، ويسيروا على سنته ونهجه، ﵊، أما البدع فلا خير فيها، فهي شر، يقول ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» أي فهو مردود، وقال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)» متفق على صحته.
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁، قال: «كان النبي ﷺ ، يقول في الخطبة خطبة الجمعة: " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٣)»، هذا العمل الذي فعلته من إهداء الطعام، والاحتفال وغير ذلك، في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، بالطعام أو بالصلوات، أو بالتزاور كله بدعة لا أصل له، يقول الرب : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤)، فاتباع النبي هو دليل الحب الصادق، ويقول ﵊: «من رغب عن سنتي فليس مني (٥)»
стр. 978
فنوصيكم وغيركم من إخواننا المسلمين، بترك هذه البدعة، وهي الاحتفالات بالمولد النبوي، أو بغير المولد النبوي، بالموالد الأخرى كلها غير مشروعة، ولكن نوصيكم باتباع الرسول ﷺ دائما، والتفقه في الدين وتعليم الناس السنة، والحرص على طاعة الله ورسوله، في كل شيء هذا هو الواجب، على جميع المكلفين أن يخلصوا لله العبادة، وأن يعظموه وأن ينقادوا لشرعه، وأن يسيروا على نهج نبيه، ﷺ في القول والعمل، في جميع الأحوال، قال تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وقال ﵊ في الحديث الصحيح: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. (٢)»
فالواجب طاعته واتباع هديه، ﵊، والحذر مما خالف هديه، ﵊ في كل شيء.
стр. 979
١٩ - حكم إلقاء القصائد التي فيها غلو وإطراء في حفلات الموالد
س: المولد في المساجد ليلة كل جمعة ما حكمه؟ ويوجد كتاب اسمه المولد الربيعي، جاء فيه قصائد عدة، تمدح الرسول ﷺ ، ويكثر فيه الصلاة على النبي والمدح، وسيرته من قبل مولده إلى وفاته، نرجو توضيح ذلك مع الدليل؟ (١)
ج: أما الاحتفال بالموالد فهذا لا أصل له، وليس عليه دليل ولم يفعله الرسول ﷺ في حياته ولا فعله خلفاؤه الراشدون ﵃، وهم أعلم الناس به وأحب الناس له ﵊، وهكذا بقية الصحابة لم يفعلوه، ولا التابعون في جميع القرون المفضلة، فدل ذلك على أنه بدعة، ولكن دراسة السيرة النبوية، كون العالم يدرس السيرة بين الناس في أي وقت في الليل أو النهار، في الأسبوع مرة أو مرتين أو أكثر أو أقل، هذا كله طيب درس السيرة وبيان سيرة النبي ﷺ ، وما كان عليه في أسفاره وإقامته، وبيان أخلاقه وأعماله ﵊، هذا حق حتى يتأسى به الناس، أما العناية بالقصائد التي فيها غلو وإطراء، وجعل وقت معين لهذا المولد، في ربيع الأول في الثاني عشر أو في غيره، بقصد دراسة هذا المولد من حين ولد ﵊، ويؤتى في ذلك بالقصائد الشركية،
стр. 980
كالبردة وغيرها، فهذا منكر لا أصل له، وإنما المشروع أن يؤتى بالدروس الشرعية، التي يقرؤها الناس في البيوت، أو في المساجد، كسائر الدروس، لبيان سيرته ﷺ ، وما كان عليه، كيف ولد وكيف عاش ثم بعد بعثته وهو المهم، أعماله بعد البعثة كيف أعماله، كيف سيرته حتى يتأسى به المؤمنون وحتى يستفيدوا، أما ما اعتاده الناس من إيجاد المولد، يحتفل به في ربيع الأول، وتذبح فيه الذبائح وتقام فيه الولائم، ويؤتى فيه بالقصائد التي فيها الإطراء والغلو، ويقوم الناس في وقت معين، يقولون: إنه حضر ﵊، ويقومون له، هذا كله لا أصل له، كله من البدع المنكرة ومن وسائل الشرك، لأنهم يقع عندهم في بعض الأحيان غلو كثير، وإطراء ويستغيثون بالنبي ﷺ ، ويسألونه المدد والنصر، إلى غير ذلك، وربما وقع في ذلك أحاديث موضوعة مكذوبة، لا أساس لها، وفي بعض البلدان يقع اختلاط بين الرجال والنساء، ويقع أشياء منكرة في الاجتماع والاحتفال، في بعض البلدان، فيجب الحذر من ذلك، ولا يجوز إقامة هذه الموالد، وهذه الاحتفالات لأنها خلاف ما شرعه الله ، ولأنها لو كانت خيرا، لسبقنا إليها أصحاب محمد ﷺ ، والتابعون لهم بإحسان، وإنما أحدثها الفاطميون، في القرن الرابع، ثم انتشرت بعدهم، فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بالفاطميين، المعروفين بالرفض والتشيع، وأن يكونوا هم أئمته في هذا الشيء، نسأل الله للجميع الهداية، والسلامة من مضلات الفتن.
стр. 981
٢٠ - حكم إلقاء التواشيح والابتهالات الصوفية في مدح رسول الله ﷺ
س: يسأل م. ح. مصري ويقول: هناك ما يسمى بالتواشيح، والابتهالات الشرعية، وهي عبارة عن عبادات مدح للرسول ﷺ ، وشيء من الأدعية يؤديها بعض الأشخاص الذين يملكون صوتا حسنا، هذه التواشيح إذا صحبها شيء من المعازف، ما رأي سماحتكم فيها؟ وما حكم الاستماع إليها؟ (١)
ج: هذه التواشيح لا نعرف تفصيلها فإذا كانت قد توقع في الغلو في النبي ﷺ ، ووصفه بما لا يجوز وصفه به حرمت، أو كانت بألفاظ مبتدعة حرمت، وإنما السنة عند الدعاء، أن يصلي على النبي ﷺ ، ويكفي كما قال النبي ﷺ ، في الحديث الصحيح: لما سمع رجلا يدعو ولم يصل على النبي ﷺ ولم يحمد الله، قال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه، والثناء عليه ثم ليصل على النبي، ثم يدعو (٢)»، هذه خير من التواشيح، التواشيح لا حاجة إليها، قد يكون فيها شر، قد يكون فيها بدعة، النبي علمنا كيف الصلاة، قال: «قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد
стр. 982
مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد (١)»
فالمؤمن إذا أراد الدعاء يدعو بحمد الله، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد على كل حال، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا، ثم يصلي على النبي ﷺ بالصلاة المشروعة ثم يدعو، ولا حاجة إلى تواشيح ما أنزل الله بها من سلطان كأشعار أو كلمات قد يكون فيها غلو، لا، بل يحمد الله، ويثني عليه ثم يصلي على النبي الصلاة الشرعية، ثم يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
س: نعلم أن في بعض الدول تقام حفلة بمناسبة مولد من الموالد، كمولد النبي أو كمولد علي كرم الله وجهه، ويقوم موظفو وزارة العدل بإحياء هذه الذكرى، هل إحياؤها يعتبر من البدع، وإذا كانت بدعا فكيف لهؤلاء أن يصدوا عنها وفقكم الله؟ (٢)
ج: الاحتفال بالموالد ليس بمشروع، بل هو من البدع ولم يثبت
стр. 983
عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه أنهم احتفلوا بالمولد، وهكذا القرون المفضلة، الأول والثاني والثالث، لم يوجد في هذه القرون المفضلة من يحتفل بالمولد النبوي، فهو من البدع التي أحدثها الناس، وقال بعض أهل العلم: إن أول من أحدثها حكام المغرب ومصر، وهم بنو القداح المسمون الفاطميين وهم من الشيعة، قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية: إن ظاهرهم الرفض وإن باطنهم الكفر المحض. قال بعض الناس: إنهم أحدثوا الاحتفال بمولد النبي ﷺ ومولد علي ﵁ والحسين وفاطمة. وهؤلاء ليسوا قدوة، فلا يقتدى بهم، ثم أحدث بعد ذلك عند ملك أربل، وهذا كله لا يجعل هذا الشيء سنة، بل هو حدث وبدعة، ولو فعله هؤلاء وليس هؤلاء بقدوة، إنما القدوة النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وصحابته ﵃ وأرضاهم فهذا لم يقع منهم، والرسول ﷺ يجب أن تعظم سنته وأن يتأسى به المسلم دائما في جميع الأيام والليالي، لا في ربيع أول فقط، الواجب أن يعتنى بسنته وتدرس في كل زمان، وأن يتعلمها المسلمون وأن يدرسوا أوامره ونواهيه، وما كان عليه، حتى يعملوا بذلك، أما أن يحتفل بالمولد في ربيع الأول، في الثاني عشر منه أو قبل ذلك أو بعد ذلك، بالطريقة المعروفة، بجمع الناس وإقامة الولائم، وقراءة المولد، هذا بدعة لا أصل له، ولذا يجب تركه، أما تدريس سنته ومولده، بالدرس المعروف في المساجد والمدارس، هذا طيب وسنة، مطلوب حتى يعرف الناس مولده، وما جاء فيه، وسنته وسيرته ﵊،
стр. 984
هذا هو الذي قرره المحققون من أهل العلم، ونبه عليه أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، ونبه عليه أيضا الإمام الشاطبي ﵀، في كتابه الاعتصام ونبه عليه آخرون، ثم هذا المولد، وهذا الاحتفال يقع فيه بعض الأحيان من بعض الناس أمور شركية وأمور منكرة علاوة على أنه بدعة يقع فيه منكرات وغلو بعض الأحيان وربما وقع فيه شركيات ودعاء الرسول ﷺ ، واستغاثة به كما في البردة التي ينشدها كثير من الناس في المولد، قصيدة فيها أنواع من الشرك، هذا كله من آفات هذا المولد ومن آفات هذه البدعة، فينبغي للمسلمين تركها والواجب عليهم عدم حضور هذا الاحتفال، وهكذا بقية الموالد: مولد علي ﵁ والحسين وفاطمة أو غيرهم أو مولد البدوي أو عبد القادر الجيلاني أو غيرهم، كل هذه الموالد لا يجوز إحداثها ولا الاحتفال بها وهكذا غيرها من الموالد، كالذي يحتفل بمولد أمه أو أبيه تأسيا بالنصارى وغيرهم، كلها بدعة لا وجه لها، لا يجوز، وفيه تشبه أيضا بالنصارى وغيرهم والله المستعان.
стр. 985
٢١ - الصحابة أكثر الناس حبا واتباعا للنبي ﷺ ، ولم يحتفلوا بمولده
س: أسأل عن مولد النبي محمد ﷺ ، نحن عندنا عندما يموت شخص، وبعد ثلاثة أيام يقوم أهل الميت، يعملون مولدا للنبي محمد ﷺ ، أو بعد شهر يعملون أو بعد سنة، يذبحون بقرة أو يشترون لحما ويعملون أكلا ويوزعونه على القرية، وبعد ذلك يعملون مولد النبي محمد ﷺ ، هل هذا جائز أو سنة، أو الصحابة فعلوا ذلك أو أحد من السلف نرجو توضيح ذلك جزاكم الله خيرا؟ (١)
ج: الاحتفال بالموالد من البدع المحدثة في الدين، ولا فرق بين مولد النبي ﵊ وغيره، فإن الرسول ﷺ أفضل الخلق، وهو المعلم والناصح، لم يحتفل بالمولد ﵊، وهكذا خلفاؤه الراشدون، لم يحتفلوا بالمولد، وهكذا بقية الصحابة ﵃، وهم أعلم الناس، وأكثر حبا منا للنبي ﷺ ، وأعلم بالسنة ومع هذا لم يحتفلوا بالمولد، فدل ذلك على أنه بدعة، والبدع كلها ضلالة كما قاله النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة (٢)» وقد مضت القرون المفضلة الثلاثة ولم يحتفل بالمولد ولا فعله من السلف الصالح فيما نعلم بذلك