أنه لا يأخذها إلا إذا كان أهلاً لها، إلا إذا كان من باب الوكالة ليدفعها إلى أناس فقراء، فليصرح لصاحب الزكاة بذلك، يخبره بذلك حتى يوكله أو لا يوكله.
стр. 9837
١٨٢ - حكم إعطاء الزكاة لمن لا يستحقها عن غير علم
س: يقول السائل: أحد المدرسين من الإخوة المصريين أعطاني خمسين ريالاً، وقال: خذ هذه الخمسين، وأعطها أي شخص ترى أنه مستحق لها، فإنها من زكاة مالي، فأخذتها وأعطيتها شخصًا تبين بعد ذلك أنه غير مستحق لها، علمًا أن هذه الحادثة وقعت منذ وقت بعيد، وكلما تذكرتها أضيق، ويؤنبني ضميري؟ (١)(٢)
ج: إذا كان الشخص الذي دفعت له الخمسين أظهر الفقر والحاجة، ودفعتها إليه بسبب ما ظهر لك من حاجته وفقره فلا حرج في ذلك، فقد وقعت موقعها وأجزأت والحمد لله، أما إن كنت أعطيتها إياه من غير نظر ولا تأمل، ولم يظهر لك أنه محتاج، وتساهلت في ذلك فإنك تغرمها، وتعطيها شخصًا تعرف حاجته وفقره.
стр. 9838
س: إذا دفعت الزكاة لشخص أعتقد أنه فقير، وتبين غير ذلك، هل أكون قد أديت الزكاة؟
ج: نعم، الصحيح أنه يجزئ؛ لأن ضبط فقر الناس فيه تعب، فإذا ظن أنه فقير من علامات، أو بشهادة من بعض الناس، ثم بان أنه غني يجزئه ما أخرج.
стр. 9839
١٨٣ - حكم إعطاء المتسولين من أموال الزكاة
س: هل إعطاء الصدقات للمتسوّلين يعتبر زكاة؟ (١)(٢)
ج: نعم، إعطاء السائل الذي لا تعرف حاله، أو تعرفه بالفقر لا مانع منه، ويجوز أن يكون ذلك من الزكاة؛ لأنه من أهلها، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالسائل من أهل الحق، إلا إذا عرفت أنه غني، فإنّك تنصحه وتحثّه على التّعفف، وتخبره أن سؤاله لا يجوز، ولا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة؛ لأنه لا يستحقها، أمَّا إذا كان معروفًا أنه فقير، أو مجهول الحال، فهذا لا مانع من إعطائه.
стр. 9840
السائلون أقسام ثلاثة: معروف بالغنى، هذا لا يعطى من الزكاة، بل يزجر ويحذر، ويخبر بأنه لا يجوز له السؤال، بل منكر في حقه، والثاني: معروف بالفقر، هذا يعطى، والثالث: مجهول الحال، فهذا يوز إعطاؤه ولا حرج.
س: يقول السائل: احترت كثيرًا فيمن يتسولون، هل أعطيهم أم أمنعهم، أفيدونا جزاكم الله خيرًا.
ج: السنة أن تعطي المتسول، إلا أن تعلم أنه كذّاب، أو أنه غني فلا تعطه، بل انصحه، وقل: اتق الله، هذا لا يجوز لك، أما إذا كنت تعرف أنه فقير، أو تجهل حاله، لا تعلم حاله، فالسنة أن تعطيه؛ لقول الله عز جل يوصي المؤمنين: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالسنة أن تعطي السائل وتحسن إليه ما دمت لا تعرف عنه أنه كذاب، وأنه غني، تعطيه سواء كان مجهولاً أو معروفًا لديك بأنه فقير، فالسنة أن تعطيه
стр. 9841
وتحسن إليه.
стр. 9842
١٨٤ - حكم من وكل بإيصال زكاة مال فأكله
س: من الجبيل: الأخ الذي رمز لاسمه بالحروف ع. ع. ع. يقول: عندما كنت أبلغ الثالثة عشرة، وفي نهاية ذلك العام أرادت والدتي أن تخرج زكاة الذهب الذي تملكه، وأخذت ذلك المبلغ لكي أتصدق به، وكنت في حاجة ماسة إليه، وبعد مرور سنتين قلت في نفسي: هل هذا المبلغ حرام؟ مع العلم أن والدتي لم تعلم حتى الآن، فكيف أتصرف الآن؟ جزاكم الله خيرًا (١).
ج: عليك أن تغرمه وتعطيه لبعض الفقراء بنية الزكاة؛ لأن أمك وكّلتك في ذلك، فعليك أن تغرم المال الذي تصرفت فيه، وأن تعطيه بعض الفقراء بنيّة الزكاة عن أمك، أو تخبرها وهي تقوم بذلك، تفعل الزكاة عما مضى؛ لأنه دَين في ذمتك، وليس لسنّ التكليف تأثير، عليك أن تغرم ما وكلت فيه ولو أنك صغير.
стр. 9843
١٨٥ - حكم صرف الزكاة في كفالة الأيتام
س: هل تعتبر كفالة الأيتام من مصارف الزكاة؟ (١)
ج: إذا كان اليتيم فقيرًا يكون من مصارف الزكاة، داخل في الفقراء والمساكين، إذا كان فقيرًا ما خلّف له والده ما يقوم بحاله، ولا عنده من ينفق عليه من أقاربه يعطى، أما أن يكون له مال ينفق عليه منه لا يعطى من الزكاة.
стр. 9844
١٨٦ - حكم الاكتفاء بكفالة الأيتام عن إخراج الزكاة
س: إذا تصدق رجل بمبلغ معين للأيتام شهريًّا ولم يخرج زكاة ماله، مع العلم أن الصدقة التي يتصدق بها أكثر من الزكاة المستحقة بكثير، فهل يجزيه ذلك عن الزكاة، حتى وإن لم ينوِ أن تكون هذه الصدقة هي زكاة ماله؟ (١)
ج: إذا كان الأيتام فقراء، ونوى أن ما صرفه فيهم من زكاته فلا بأس، أمّا إذا كان ما نوى، وإنّما تصدق عليهم وأنفق عليهم احتسابًا، ولم ينوه زكاة فإنها لا تجزئ، لا تكون زكاة إلا بالنية؛ لقول المصطفى عليه
стр. 9845
الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١) فإذا أعطى فقيرًا أو يتيمًا فقيرًا مالاً ولم ينوه زكاة، إنما نواه صدقة أو مساعدة، فإنه لا يكون من الزكاة، ولا يحسب من الزكاة، إلا إذا نوى ما صرفه لليتيم الفقير، أو للسائل الفقير، إذا نواه زكاة صار زكاة الأعمال بالنيات.
стр. 9846
١٨٧ - حكم استفادة الأغنياء من الضمان الاجتماعي
س: هل يجوز الضمان الاجتماعي لمن ليس في حاجة له؟ (١)
ج: الذي نعلم أن الحكومة وفقها الله جعلت الضمان الاجتماعي للفقير، فالذي لا توفر فيه الشروط ليس له أخذ الضمان، وليس له أن يكذب، إنما يأخذ الضمان من كان من أهله، من توافرت فيه الشروط المطلوبة، أما الذي يكذب ويزعم أنه فقير، أو تزعم أنها ليست ذات زوج، أو ما أشبه ذلك فليس له أخذ ذلك، الحاصل أنه لا يجوز أخذ الضمان، إلا للذي توفرت فيه الشروط التي وضعتها الدولة، هذا هو الواجب عليه، الواجب أن يتقي الله المؤمن، وأن يحذر أخذ شيء لا يحل له.
стр. 9847
١٨٩ - حكم اتخاذ المصاحف وفرش المسجد صدقة جارية
س: يقول السائل: عندما أذهب إلى بلدي في الإجازة آخذ معي من المصاحف، وآخذ فرشًا للمسجد، هل هذا يعتبر صدقة جارية، وأيضًا أرجو أن تحدثوني كثيرًا عن الصدقة الجارية ابتغاء مرضاة الله (١).
ج: نعم، المصاحف والكتب العلمية، وفرش المسجد من الصدقة الجارية ما دامت ينتفع بها، وهكذا بناء المساجد من الصدقة الجارية، وبناء المدارس لتدريس العلم الشرعي من الصدقة الجارية، وإصلاح الطرق للمسلمين من الصدقة الجارية، وهكذا توزيع الكتب على الناس، الكتب النافعة المفيدة، من الصدقة الجارية، وهكذا إيقاف الأوقاف الشرعية في وجوه الخير، كأن يوقف بيتًا تصرف غلته لفقراء المسلمين، أو في عمارة المساجد، أو في توزيع الكتب المفيدة والمصاحف، كله من الصدقة الجارية، فالصدقة الجارية تشمل صدقة المال، وبإيجاد الأوقاف الشرعية النافعة، وبناء المساجد، وجميع ما يبقى نفعه للمسلم، كله يسمى صدقة جارية، تبقى هذه الصدقة الجارية ما دام النفع مستمرًّا،
стр. 9848
وما دام الفراش ينتفع به، ما دام الكتاب ينتفع به، وما دام المصحف ينتفع به، ما دام المسجد ينتفع به، وهكذا، كله صدقة جارية، والمال الذي يبذل في سبيل الله لغلة الوقوف من الصدقة الجارية.
стр. 9849
١٩٠ - حكم التصدق على المساجد
س: هل تجوز الصدقة على المساجد؟ (١)
ج: نعم، الصدقة على المساجد طيّب، ومن أفضل القربات، إذا كانت الصدقة تطوعًا ما هي زكاة، فإذا بنى المساجد، أو رمّمها، أو كمل نقصها، أو فرشها هذا عمل صالح وقربة إلى الله ، لكن من غير الزكاة، أما الزكاة فتكون في الأصناف الثمانية، المذكورة في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ في سبيل الله هم المجاهدون.
стр. 9850
١٩١ - بيان فضل شراء كتب العلم الشرعي والتصدق بها
س: يقول السائل: إذا امتلكت مبلغًا من المال عن طريق حلال،
стр. 9851
فأيهما أفضل، أن أشتري بها كتب علم وأتصدق بجزء من المال، أم أتصدق بالمال جميعًا؟ (١)
ج: إذا كان عند إنسان رأس مال، وهو يحتاج لكتب العلم فكتب العلم أولى، يشتري كتب العلم حتى يستفيد منها، أو عنده من يحتاج إليها في بعض البلد، يضعها في مكتبة يستفيد منها طلبة العلم، ويشتري كتبًا تنفع الناس، مثل الصحيحين والسنن الأربع، ومثل المغني، ومثل غيرها من الكتب النافعة، وتفسير ابن كثير، وتفسير البغوي، وتفسير ابن جرير، إلى غير ذلك من الكتب المفيدة، فكونه يشتري كتبًا مفيدة في مكتبة يحتاجها هو، أو يحتاجها أولاده أو إخوانه وطلبة العلم، أو يجعلها في مكتبة المسجد، أو في المكتبات العامة، يرد إليها الناس، ويستفيد منها الناس، هذا أولى من الصدقة، وأما إن كان ما هناك حاجة إلى المكتبة؛ لأن هناك كتبًا تغني عن شرائه، فإذا تصدق بها على الفقراء من أقاربه أو غيرهم فهذا حسن، هذه قربة إلى الله جل وعلا، لكن الكتب إذا كانت لها حاجة أنفع وأفضل؛ لأن نفعها أعظم.
стр. 9852
١٩٢ - بيان فضل الصدقة على الأقارب
س: هل نصرف الصدقة على الأقارب أم لا؟ وهل نتصدق بطعام أو مال؟ (١)(٢)
ج: نعم، الصدقة في الأقارب صلة وصدقة، فيها أجران؛ أجر الصلة وأجر الصدقة إذا كانوا فقراء، فهم أولى من غيرهم، والصدقة فيهم مضاعفة فهي صلة رحم وصدقة، إذا أهديت إليهم هذا من صلة الرحم، ومن أسباب المحبة والمودة، والتقارب وصفاء القلوب، فعليكم بالصدقة، وأوصيك أيها السائل وغيرك ممن يسمع هذه الكلمة، فأوصي الجميع بالصدقة والكلام الطيب، والدعاء للمسلمين، والدعاء لأقاربك وإخوانك بالتوفيق والهداية، وصلاح النية والقول والعمل، كل هذا مطلوب.
س: سائلة تقول: أريد أن أتصدق على روح والدتي بمبلغ من المال، فهل يجوز أن أعطي لأخي هذا المبلغ، حيث إنه ذو عيال، وعليه ديون كثيرة؟
стр. 9853
ج: نعم، وفيه أفضل، صدقة وصلة، صرف المال في أخيكِ، أو في عم، أو نحوه من المحتاجين، يكون فيه أجران؛ أجر الصدقة وأجر صلة الرحم، هذا أفضل من الصدقة على البعيد، يقول النبي ﷺ : «الصدقة على الفقير صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان؛ صدقة وصلة» (١)
стр. 9854
١٩٣ - بيان تفسير قوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ وصلة ذلك بالصدقة
س: هل معنى كثرة الرزق متاع قليل، ثم بعده عذاب عظيم؟ (١)
ج: الدنيا كلها متاع قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾. وقال تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾. ولو كان عنده ملك قارون وأمثاله وأمثال أمثاله، كلها قليل.
لكن إذا استعان به على طاعة الله، وجاد به على عباد الله نفعه ذلك ولو كان قليلاً، تصدق وأحسن وأقام مشروعات خيرية، وعمّر مساجد،
стр. 9855
وتصدق على الفقراء، إلى غير ذلك، كل هذا ينفعه ذلك.
стр. 9856
١٩٤ - حكم إنفاق المرأة مما يأتيها من أهلها من غير إذن زوجها
س: عندما يأتي المرأة أهلها زائرين، ويحضرون لها معهم شيئًا من طعام، وأحبت أن تتصدق منه، فهل هي آثمة إن تصدقت منه بغير إذن زوجها ورضاه؟ (١)
ج: هذا الطعام هدية من أهلها لها ولزوجها، فإذا تصدقت منه لكونه كثيرًا يفضل عن حاجتها وحاجة زوجها فلا بأس، أمّا إذا كان بقدر الحاجة فلا، إلا بإذنه؛ لأن الهدية المطلوب أكلها، وأكل زوجها من هذه الهدية، أو من هذا الطعام، والمقصود منه أيضًا مراعاة خاطر الزوج وخاطر الزوجة، والتقرب إليهما بما يسرهما من هذه الهدية، فإذا كانت الهدية بقدر الحاجة فلا، أمّا إذا كانت الهدية واسعة كثيرة فالطعام الذي يفضل الصدقة منه خير من أن يفسد ويضيع.
стр. 9857
١٩٥ - حكم التصدق على المتسولين الواقفين في الشوارع
س: يوجد لدينا أشخاص يقفون في الطرقات، ويمدون أيديهم التماسًا للحصول على النقود، ولا ندري عن هؤلاء الأشخاص
стр. 9858
هل يصلّون ويستحقون الصدقة، أم لا، وكذلك لا ندري هل هم بحاجة إليها أم لا، ومع هذا فإننا نتحرج إذا لم نعطهم، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ فهل إعطاؤهم جائز ومطلوب منّا، أم هو من قبيل معاونتهم على البطالة والتكاسل عن العمل، وإذا كنا لا نعرف حالهم، هل هم مقيمون لحدود الله أم لا، فما الحكم لما نقوم به؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا (١)(٢).
ج: يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ في أموال المؤمنين حق للسائل والمحروم، والسائل له أحوال ثلاثة: تارة تعلم أنه غني، وتارة تعلم أنه فقير، وتارة لا تعلم حاله، فإذا كنت لا تعلم حاله، أو تعلم أنه فقير فالسنة أن تعطيه ما تيسر ولو قليلاً؛ لقول رسول الله ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (٣) أما إن كنت تعلم أنه غني، فالواجب نصيحته ونهيه عن هذا
стр. 9859
العمل، وزجره عن ذلك؛ لأن الله حرمه عليه، لا يجوز سؤاله عن غنى، يقول النبي ﷺ : «من سأل الناس أموالهم تَكَثُّرًا فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر» (١)
فالواجب على من كان عنده ما يكفيه ألا يسأل، وأن يحذر السؤال، أما أنت أيها المارّ بالسائل إذا كنت لا تعرف حاله، أو تعرف أنه فقير، فيستحب لك أن تعطيه ما تيسر؛ للآية الكريمة: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. وفي آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. وليس لك أن تنهره؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾. ولقوله جل وعلا: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾. وإذا كان شابًّا تنصحه أن يعمل إذا وجد عملاً حتى يستغني عن السؤال، إذا كان قويًّا حتى ولو كان غير شاب، إذا كان قويًّا تنصحه أن يعمل
стр. 9860
ويكدح، يطلب الرزق حتى يغنيه الله عن السؤال، فالمؤمن ينصح أخاه، ويوجهه إلى الخير، ويعينه إلى الخير، ويساعده إذا احتاج إلى مساعدة.
س: ظاهرة التسول منتشرة في كثير من البلاد، ما حكم الامتناع عن التصدق على أولئك المتسولين؛ لأننا نعلم هل هم محتاجون حقًّا، أم أنهم محتالون، حيث سبق أن كثيرًا منهم ليسوا في حاجة، ولكن اتخذوا من التسول عملاً، فما الواجب تجاههم؟ (١)
ج: السنة الصدقة عليهم إذا كنت لا تعرف أحوالهم، أو تعرف أنهم فقراء؛ لقول الله سبحانه في مدح المؤمنين المتقين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فأثنى عليهم بإعطاء السائل، والمحروم وهو الفقير، هذا هو السنة، إذا كنت تعرف أنه فقير تعطيه أو لا تعلم حاله، أما إذا كنت تعلم أنه غني فإنك تنصحه وتستره، وتبين له أنه لا يجوز، فالسائل أقسام ثلاثة: سائل تعرف أنه غني لا يعطى، وسائل تجهل حاله يعطى، وسائل معروف أنه فقير يعطى.
стр. 9861
س: هل تجوز الصدقة على أناس أعرف أنهم لا يصلون؟ (١)
ج: إذا كان تطوعًا وترجو أن ينفعهم الله بذلك لفقرهم وحاجتهم فلا بأس بذلك؛ لأن الصدقة على الكافر جائزة، ومن ترك الصلاة كفر كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» (٢) فمن ترك الصلاة من الرجال والنساء كفر، وإن لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء، ولكن إن جحد وجوبها أو استهزأ بها صار كافرًا عند الجميع، نعوذ بالله من ذلك، لكن إذا كان فقيرًا، وأعطيته لفقره أو لقرابته وفقره فلا حرج عليك بذلك، ولعل الله أن يهديه بأسباب ذلك، ولعله يسمع منك النّصيحة بسبب ذلك قال الله سبحانه في كتابه العظيم: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فأذن سبحانه أنه لا ينهانا أن نحسن إلى هؤلاء، يعني الكفرة الذين لم يقاتلونا، ولم يخرجونا من ديارنا، بيّن سبحانه أنه لا ينهانا عن برهم
стр. 9862
والإحسان إليهم، وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما أخت عائشة ﵂، «أنها قالت للنبي ﷺ في وقت الهدنة التي كانت بين النبي ﷺ وبين أهل مكة الصلح، قالت: يا رسول الله، إن أمي وفدت علي، وهي راغبة في الصلة، وهي كافرة على دين قومها، ثم قالت: يا رسول الله، أفأصلها، فقال ﵊: صليها» (١) فأمرها أن تصلها؛ لأنها أمها، وقد جاءت راغبة في البر والإحسان، وهي على دين قومها كفار أهل مكة، فدلّ ذلك على أنه لا مانع من صلة الكافر والإحسان إليه إذا كان فقيرًا أو قريبًا، أو لمقصد الدعوة والهداية والإرشاد والترغيب في الخير، فقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنه أعطى كثيرًا من الكفرة يوم حنين، أعطاهم أموالاً جزيلة، يرغبهم في الإسلام وهم كفار، من باب التأليف، فأعطى صفوان بن أمية وهو كافر مائة من الإبل من غنائمه في حنين، وأعطى أبا سفيان مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن الفزاري رئيس فزارة مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس خمسين
стр. 9863
من الإبل، ثم استزاده العباس فأعطاه كمال المائة، وأعطى غيرهم يتألفهم على الإسلام ويعينهم على الثبات على دين الحق، وأن يكونوا من أنصاره وأعوانه، فالله جل وعلا شرع لنا أن نتألف الكفار حتى يدخلوا في الإسلام، وأن نتألف حدثاء العهد بالإسلام حتى يقوى إسلامهم، وبهذا يعلم أن الصدقة على الكافر والفاسق من غير الزكاة لا بأس بها، وتجوز الصدقة على الكافر من الزكاة إذا كان مؤلفًا كرؤساء العشائر وكبار الناس إذا أعطاهم من الزكاة يتألفهم حتى يدخلوا في الإسلام، وحتى يتأسى بهم غيرهم، فلا بأس بذلك، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. والمؤلفة قلوبهم السادة الرؤساء المطاعون في عشائرهم، يعطون من الزكاة ما يقوى به إيمانهم، ما يرغبون إليه في الدخول في الإسلام، ما يرغبون به في إسلام نظرائهم، إلى غير ذلك من المصالح، والله ولي التوفيق.
س: بجواري جار مسلم، لكنه لا يصلي، لو أعطيته صدقة أو نحوها أكون مأجورًا؟
стр. 9864
ج: الواجب نصيحته وإنكار عمله السيئ وهو ترك الصلاة، فإذا استجاب فالحمد لله، وإلا فالواجب هجره ومقاطعته حتى يصلي؛ لأن ترك الصلاة منكر عظيم، بل كفر أكبر على أصح قولي العلماء، فلا يجوز التساهل معه، بل يجب أن ينصح ويوجه، وبين له عظم الخطر في عمله السيئ، ولا يعطى من الزكاة شيئًا حتى يسلم، حتى يصلي، أمّا صدقة التّطوع إذا أعطاه من باب الترغيب من باب الدعوة إلى الله كما يعطى الكافر المعاهد والذمي من صدقة التطوع فلا بأس من هذه الحيثية.
стр. 9865
١٩٦ - حكم إعطاء غير المسلمين من الصدقة
س: تقول السائلة: ما حكم الصدقة لغير المسلمين؟ (١)
ج: الصدقة على غير المسلمين جائزة إذا كانوا ليسوا حربًا لنا، في حال أمان وهدنة ومعاهدة، ونحو ذلك فلا بأس؛ لقول الله : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. ولأنه ثبت في الصحيحين عن أسماء بنت
стр. 9866
أبي بكر ﵄، «أن أمها وردت عليها وقت صلح الحديبية، حين صالح النبي ﷺ أهل مكة، وفدت عليها في المدينة تطلب الرّفد منها، فقالت أسماء: يا رسول الله، هل أصلها؟ قال النبي ﵊: صليها» (١) فأمرها أن تصل أمَّها وهي كافرة، فالحاصل أن للمسلم أن يصل أقاربه الكفار، وغير أقاربه من الكفار بالمال والإحسان إذا كانوا ليسوا حربًا لنا في حال الهدنة، أمَّا إذا كانوا حربًا لنا في حال الحرب لا، لا يوصلون بشيء ولا يعانون بشيء، ولا يجوز أن يعانوا بشيء، لا قليل ولا كثير.
стр. 9867
١٩٧ - حكم التصدق من الأموال المكتسبة من الحرام
س: ما حكم ومصير الأموال التي يكتسبها العبد من الحرام، فقد تاب إلى الله ثم تصدق بهذه الأموال، فهل يأجر عليها؟ أفتونا مأجورين (١).
ج: يؤجر على التوبة، توبته من الحرام، وعليه أن يؤدي الأموال إلى أهلها إذا كان قد أخذها غصبًا أي سرقة، يردها إلى أهلها، والتوبة يأجره الله عليها، ويمحو عنه ما سلف، لكن عليه أن يرد المال والدراهم إلى
стр. 9868
أهلها، فإن كان ما يعرفهم يتصدق بها عنهم بالنية عنهم، مع التوبة إلى الله، والله يأجره على توبته سبحانه، وعلى تخليص ذمته من هذه الأموال التي أخذها بغير حق.
стр. 9869
١٩٨ - حكم التصدق بالفوائد الربوية
س: هل يجوز لي التصدق بالمبلغ المضاف إلى رأس المال الذي أضعه في البنك، والذي يسمى فائدة من بنوك الربا، علمًا بأنها ستضاف إليه، سواءً أبيت أم رضيت، مثلاً أتبرع بها للمركز الإسلامي، أو للمجاهدين، أو لغير ذلك (١)(٢).
ج: لا حرج، ولا تأكلها، ولكن تدفعها في وجوه الخير.
س: الأخ ع. ع. يسأل ويقول: إنه عمل لفترة طويلة خارج وقت الدوام، وكان يستلم الاستحقاق في ذلك، إلا أنه لم يكن يداوم بالفعل، والآن بدأ يفكر في هذا الموضوع وضميره يؤنبه من ذلك ويرجو التوجيه، كيف يتصرف قي تلك المبالغ؟
стр. 9870
ج: عليه التوبة إلى الله سبحانه بالندم على الماضي، والعزم ألا يعود في ذلك، والله جل وعلا يقول سبحانه:: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ وعليه أن يتصدق بما يظن أنه لم يقابل عملاً منه، ويظنه زائدًا على حقه حسب ظنه واجتهاده، يتصدق به في بعض الجهات الخيرية، مثل الفقراء، مثل المجاهدين، مثل إصلاح دورات المياه، إلى غير ذلك من وجوه الخير حسب ما يظن، يتحرى المبلغ الذي لا يستحقه فيتصدق به مع التوبة إلى الله والندم.
стр. 9871
١٩٩ - حكم التصدق بحق الغير إذا لم يمكن وصوله إليه
س: أثناء عملي مندوبًا في إحدى الشركات لتوزيع منتجاتها حدث أنني أخطأت ذات يومٍ مع أحد العملاء للشركة، وأخذت منه ثمن وحدتين من هذه البضاعة زيادة على حساب البضاعة التي أعطيتها له في هذا اليوم، ولم أعرف بذلك، وأثناء توريد الإيراد للشركة وجدت أن معي ثمن وحدتين زيادة عن المطلوب للشركة، وعندما رجعت إلى هذا العميل كالعادة لأعطيه بضاعته قال لي: إنني في المرة الماضية أعطيته البضاعة ناقصة وحدتين
стр. 9872
وقلت له: إنني سأعطيك وحدتين، ولكن في يوم آخر، وحتى الآن لم أعطه إياها، حيث إنني استقلت من الشركة بعدها مباشرة، فماذا أفعل الآن، وأنا أرغب في أن أعطيه نقودًا ثمن تلك الوحدتين، إلا أنني لا أعرف مكانه بالضبط، فماذا أفعل جزاكم الله خيرًا؟ (١)(٢)
ج: عليك أن تتصدّق بذلك على الفقراء بالنية عنه ويكفي، ومتى عرفته بعد حين وطلبها تخيره، إن شاء قبل الصدقة وصار أجرها له، وإن شاء أعطيته وصار الأجر لك.
س: أخذت من شخص مبلغًا من المال، ولا أدري أين هو، والآن أريد أن أتصدّق بهذا المبلغ له، هل يجوز أن أتصدق به على أقاربي وله الأجر؟ (٣)
ج: نعم، لا بأس أن تتصدّق به، فإن أجاز ذلك، وإلا ترده إذا حضر وطالب بحقه، فإن أجاز الصدقة فله الأجر، وإن لم يجزها كان الأجر لك، وعليك أن تعطيه ماله.
стр. 9873
س: اشتريت ذات يوم من صاحب بقالة شيئًا، فأعطيته خمسين ريالاً، وأعطاني أربعمائة وخمسين ريالاً، وكنت عارفًا بالخطأ، وحينئذٍ ندمت، والآن أريد أن أعيد له ما يستحقه عندي، لكني لا أعرف مكانه، كيف تنصحوني أن أتصرف جزاكم الله خيرًا؟
ج: إذا لم تعرف مكانه ولا عنوانه تتصدق به بالنية عنه، تعطيه بعض الفقراء بالنية عنه، والله ينفعه بذلك، فإذا جاء بعد ذلك وعرفته تخيره، إن شاء قبل الصدقة، وإن شاء أعطيته ماله وكانت الصدقة لك والثواب لك، والحمد لله.
стр. 9874
٢٠٠ - حكم التصدق بدين المتوفى إذا لم يعثر على ورثته
س: يقول السائل: إنه أخذ دينارًا من رجل، ثم توفي الرجل، ولم أعرف له أحدًا أبدًا، وله مدة طويلة متوفى ذلك الرجل، فماذا أفعل؟ (١)(٢)
ج: إذا كان عند الإنسان دَين أو رهن، أو وديعة لآخر ولم يعرف ورثته بعد موته، وسأل واجتهد ولم يعرف أحدًا، فإنه يتصدق بها في وجوه البر على الفقراء، أو عمارة مسجد، كلها مشروعات خيرية ينويها
стр. 9875
عن صاحبها، بشرط أنه قد اعتنى واجتهد، وسأل عن أقاربه ولم يجد أحدًا، فإنه يتصدق بها على الفقراء، أو يصرفها في تعمير مسجد، أو مشروعات خيرية، أو يسلمها للقاضي في البلد، وهذا يكفي، ولكن إنجازها وصرفها في وجوه الخير أسرع بالخير وأنفع لصاحبها؛ لأنه يؤجر على ذلك إذا تصدق بها عنه كما بينا ذلك.
س: السائل م. أ. س. من الرياض يقول: علي دَين لصديق انقطع الاتصال به، ولا أدري عنوانه الآن، والآن أريد أن أسدد ما علي، فما هي الوسيلة؟ أرشدوني جزاكم الله خيرًا؟
ج: المشروع لك أن تتصدق به عنه، والله جل وعلا ينفعه بذلك، وتبرأ ذمتك، ومتى جاء إليك يطلب حقه خيّره، فإن أمضى الصدقة فهي له، وإن لم يمضها كان لك أجرها، وتعطيه حقه، والحمد لله.