Полный текст (1 203 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وَقَالَ: " «إِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ انْطَلَقَ الْوِكَاءُ» " (١) وَإِذَا كَانَ النَّوْمُ مَظِنَّةَ الْخَارِجِ الْمُحْتَمَلِ وَجَبَ إِدَارَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الشَّارِعِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْخُرُوجِ؛ دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَالْحَرَجِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ، وَبِهِ يَقَعُ الْجَوَابُ عَنِ الْإِغْمَاءِ وَالْمَسِّ.
وَيَلْزَمُ مِنْ رُجْحَانِ الْحَدَثِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ امْتِنَاعُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ زَجْرًا لَهُ عَنِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ ظَنِّ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ قَبِيحٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، وَالشَّاهِدُ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ الصُّورَةُ الْأُولَى.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْحَدَثِ الْمَظْنُونِ عِنْدَكُمْ.
قُلْنَا: إِنَّمَا لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا نَقُولَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ كَالتَّقْدِيرِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِصْحَابُ وَالِاسْتِمْرَارُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ، لَكَانَ الِاسْتِمْرَارُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ عَلَى خِلَافِ حُكْمِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، إِنْ كَانَ عَدَمُ الِاسْتِمْرَارِ هُوَ الْأَغْلَبَ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ إِنْ كَانَ الِاسْتِمْرَارُ هُوَ الْأَغْلَبَ، وَإِنْ تَسَاوَى الطَّرَفَانِ فَهُوَ احْتِمَالٌ مِنْ ثَلَاثَةِ احْتِمَالَاتِ، وَوُقُوعُ احْتِمَالٍ مِنَ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ مِنِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ، أَنَّا إِنَّمَا نَدَّعِي أَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ فِيمَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ إِمَّا بِنَفْسِهِ كَالْجَوَاهِرِ أَوْ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ كَالْأَعْرَاضِ، وَعَلَيْهِ بِنَاءُ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى هَذَا فَالْأَصْلُ فِي الزَّمَانِ بَقَاؤُهُ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ.
وَأَمَّا الْحَرَكَاتُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ، أَوْ لَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النِّزَاعِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالنَّقْضُ بِهِ يَكُونُ مُنْدَفِعًا. стр. 1052
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ لِغَرَضٍ مَوْهُومٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَا خَطَرَ فِي فِعْلِهِ وَلَا مَشَقَّةَ كَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمِثَالِ.
وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ الْخَطَرَ وَالْمَشَقَّةَ فِي فِعْلِهِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ ظَاهِرٍ رَاجِحٍ عَلَى خَطَرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَمَشَقَّتِهِ عَلَى مَا تَشْهَدُ بِهِ تَصَرُّفَاتُ الْعُقَلَاءِ وَأَهْلُ الْعُرْفِ مِنْ رُكُوبِ الْبِحَارِ وَمُعَانَاةِ الْمَشَاقِّ مِنَ الْأَسْفَارِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَرْتَكِبُونَ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا مَعَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي نَظَرِهِ عُدَّ سَفِيهًا مِخَبَّطًا فِي عَقْلِهِ، وَمَا وَقَعَ بِهِ الِاسْتِشْهَادُ مِنْ تَنْفِيذِ الْوَدَائِعِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَى مَنْ بَعُدَتْ مُدَّةُ غَيْبَتِهِ وَالشَّهَادَةُ بِالدَّيْنِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ إِقْرَارَهُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَكَانَ الِاسْتِصْحَابُ فِيهِ ظَاهِرًا.
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَوَّلًا فَجَوَابُهُ بِزِيَادَةِ افْتِقَارِ التَّغَيُّرِ إِلَى تَجَدُّدِ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِلتَّغَيُّرِ، بِخِلَافِ الْبَقَاءِ لِإِمْكَانِ اتِّحَادِ عِلَّةِ الْمُتَجَدِّدَاتِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ ثَانِيًا فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَالْآخَرَ عَلَى شَيْئَيْنِ، فَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَا يَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ إِلَّا بِتَقْدِيرِ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَمَا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُهُ عَلَى أَمْرَيْنِ يَتِمُّ عَدَمُهُ بِعَدَمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِكَ الْأَمْرَيْنِ.
وَيَخْفَى أَنَّ مَا يَقَعُ عَدَمُهُ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ يَكُونُ عَدَمُهُ أَغْلَبَ مِنْ عَدَمِ مَا لَا يَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ إِلَّا بِتَقْدِيرٍ وَاحِدٍ، وَمَا كَانَ عَدَمُهُ أَغْلَبَ كَانَ تَحَقُّقُهُ أَنْدَرَ، وَبِالْعَكْسِ مُقَابِلُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا فِي الْوُقُوعِ لِعَدَمِ الْوَاحِدِ مِنَ الشَّيْئَيْنِ أَوْ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا، وَلَا تَتَحَقَّقُ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ بِتَقْدِيرِ غَلَبَةِ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ وَمُسَاوَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَغْلُوبًا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ أَغْلَبُ مِنْ وُقُوعِ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ.
قُلْنَا: إِذَا نَسَبْنَا أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ إِلَى ذَلِكَ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمُهُ أَغْلَبَ مِنْ ذَلِكَ الْمَعَيَّنِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ مَغْلُوبًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَزِمَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِتَرَجُّحِهِ بِضَمِّ عَدَمِ الْوَصْفِ الْآخَرِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ
стр. 1053
مَغْلُوبًا فَنِسْبَةُ الْوَصْفِ الْآخَرِ إِلَيْهِ لَا تَخْلُو مِنَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَيَتَرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ بِتَقْدِيرَيْنِ آخَرَيْنِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا لَا يَتَرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَصْفَيْنِ مَرْجُوحًا، فَإِذَا مَا ذَكَرْنَاهُ يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرَاتٍ أَرْبَعَةٍ وَلَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ دِقَّةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَاقِلَ إِذَا عَنَّ لَهُ مَقْصُودَانِ مُتَسَاوِيَانِ، وَكَانَتِ الْمُقَدِّمَاتُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يُبَادِرُ إِلَى مَا مُقَدِّمَاتُهُ أَقَلُّ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَى إِلَى مَقْصُودِهِ وَأَغْلَبُ لَمَّا كَانَ إِقْدَامُهُ عَلَيْهِ أَغْلَبَ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْفَائِدَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ.
قَوْلُهُمْ: وَإِنْ كَانَ الْبَقَاءُ أَغْلَبَ مِنَ التَّغَيُّرِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ.
قُلْنَا: إِذَا كَانَ الْبَقَاءُ أَغْلَبَ مِنْ مُقَابِلِهِ فَهُوَ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْهُ وَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ؛ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُؤَاخَذٌ بِمَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَهُ.
قَوْلِهِمْ: إِنَّمَا يَدُلُّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فِيمَا هُوَ قَابِلٌ لِلْبَقَاءِ.
قُلْنَا: الْأَعْرَاضُ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَاقِيَةً بِأَنْفُسِهَا فَمُمْكِنَةُ الْبَقَاءِ بِطَرِيقِ التَّجَدُّدِ كَسَوَادِ الْغُرَابِ وَبَيَاضِ الثَّلْجِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ مُمْكِنُ التَّجَدُّدِ مِنَ الْأَعْرَاضِ لَا فِيمَا هُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ أَنْ يُقَالَ: مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ غَيْرُ مُحْوِجٍ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، بَلِ الْمُحْوِجُ إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ الْإِمْكَانُ الْمَشْرُوطُ بِالْحُدُوثِ أَوِ الْحُدُوثُ الْمَشْرُوطُ بِالْإِمْكَانِ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَاتِ: (١) أَمَّا الْحَوَادِثُ فَإِنَّمَا خَالَفْنَا فِيهَا الْأَصْلَ لِوُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحُدُوثِ وَنَفْيِ حُكْمِ الدَّلِيلِ مَعَ وُجُودِهِ لِمُعَارِضٍ أَوْلَى مِنْ إِخْرَاجِهِ عَنِ الدَّلَالَةِ وَإِبْطَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ مَعَ ظُهُورِ دَلَالَتِهِ.
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الشَّهَادَةِ الْمُثْبِتَةِ عَلَى النَّافِيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَضِدَةً بِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فَإِنَّمَا كَانَ لِاطِّلَاعِ الْمُثْبِتِ عَلَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِمُخَالَفَةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِ النَّافِي عَلَيْهِ؛ لِإِمْكَانِ حُدُوثِهِ حَالَةَ غَيْبَةِ النَّافِي عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَعَذُّرِ صُحْبَتِهِ لَهُ وَاطِّلَاعِهِ стр. 1054
عَلَى أَحْوَالِهِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ، وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهَا فَلِأَنَّ الذِّمَّةَ مَشْغُولَةٌ بِالْكَفَّارَةِ يَقِينًا وَلَا تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ مِنْهَا إِلَّا بِيَقِينِ وُجُودِ الْعَبْدِ، وَلَا يَقِينَ، فَمَنِ ادَّعَى وُجُودَ مِثْلِ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّمَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِذَا كَانَ مُفِيدًا لِغَلَبَةِ الظَّنِّ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، بَلْ أَصْلُ الظَّنَّ كَافٍ وَبِهِ يَظْهَرُ الشَّيْءُ عَلَى مُقَابِلِهِ، وَأَمَّا رَدُّ الشَّهَادَةِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهَا بَلْ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا فِي الشَّرْعِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صُورَةِ الشَّاكِّ فِي الطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مُغَلَّبٌ عَلَى الظَّنِّ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَا بَعْدَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ إِذَا لَمْ نَظْفَرْ بِدَلِيلٍ يُخَالِفُ الْأَصْلَ بَقِيَ ذَلِكَ الْأَصْلُ مُغَلَّبًا عَلَى الظَّنِّ.
نَعَمْ، غَايَتُهُ أَنَّهُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ لِتَيَقُّنِ عَدَمِ الْمُعَارِضِ مِنْهُ (١) بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ لِظَنِّ عَدَمِ الْمُعَارِضِ. стр. 1055
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَنَفَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ كَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ وَأَثْبَتَهُ آخَرُونَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَصُورَتُهُ مَا لَوْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَثَلًا فِي مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ: إِذَا تَطَهَّرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَهُوَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مُتَطَهِّرٌ وَلَوْ صَلَّى فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ قَبْلَ الْخَارِجِ، وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مُتَحَقَّقٍ دَوَامُهُ لِمَا تَحَقَّقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا (١) إِلَّا أَنْ يُوجَدَ الْمُعَارِضُ النَّافِي وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَمَنِ ادَّعَاهُ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّلِيلِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِثُبُوتِ الطَّهَارَةِ وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِدَلِيلٍ أَوْ لَا لِدَلِيلٍ، لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لَا لِدَلِيلٍ، فَإِنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ لِدَلِيلٍ فَإِمَّا نَصٌّ أَوْ قِيَاسٌ أَوْ إِجْمَاعٌ، فَإِنْ كَانَ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إِظْهَارِهِ، وَلَوْ ظَهَرَ لَمْ يَكُنْ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ بَلْ بِنَاءً عَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ النَّصِّ أَوِ الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا إِجْمَاعَ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ ثَابِتًا.
قُلْنَا: مَتَى يَفْتَقِرُ الْحُكْمُ فِي بَقَائِهِ إِلَى دَلِيلٍ إِذَا قِيلَ بِنُزُولِهِ مَنْزِلَةَ الْجَوَاهِرِ أَوِ الْأَعْرَاضِ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ بَاقٍ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِدَلِيلٍ لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْأَعْرَاضِ؟ سَلَّمْنَا أَنَّهُ نَازِلٌ مُنْزِلَةَ الْأَعْرَاضِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ الدَّلِيلِ الْمُبَقَّى فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنَ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنُوا أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ وَهُوَ مَوْضُوعُ النِّزَاعِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ الْبَاقِي بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ دَلِيلُ الدَّلِيلِ عَلَى الْحُكْمِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّا بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وُجُودَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِبَقَاءِ كُلِّ مَا كَانَ مُتَحَقِّقًا عَلَى حَالِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ عَلَى دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِذَلِكَ الظَّنِّ стр. 1056
[الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا ظُنَّ أَنَّهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ]
[النَّوْعُ الْأَوَّلُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا]
الْقِسْمُ الثَّانِي
فِيمَا ظُنَّ أَنَّهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ النَّوْعُ الْأَوَّلُ - شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
اخْتَلَفُوا فِي النَّبِيِّ ﵇ قَبْلَ بَعْثَتِهِ، هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى ذَلِكَ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ: فَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى شَرْعِ نُوحٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى شَرْعِ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى مُوسَى، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى عِيسَى.
وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ قَضَى بِالْجَوَازِ وَتَوَقَّفَ فِي الْوُقُوعِ كَالْغَزَالِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
أَمَّا الْجَوَازُ فَثَابِتٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ، إِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ لِذَاتِهِ أَوْ لِعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، أَوْ لِمَعْنًى آخَرَ.
الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا وُقُوعَهُ؛ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ فِي الْعَقْلِ مُحَالٌ. (١) .
وَالثَّانِي فَمَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ، (٢) وَبِتَقْدِيرِ رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الشَّخْصِ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ فِي تَكْلِيفِهِ بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ.
وَالثَّالِثُ: فَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهِ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُهُ. стр. 1057
وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَيَسْتَدْعِي دَلِيلًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَمَا يُتَخَيَّلُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ - فَمَعَ عَدَمِ دَلَالَتِهَا فِي أَنْفُسِهَا - مُتَعَارِضَةٌ كَمَا يَأْتِي، وَلَيْسَ التَّمَسُّكُ بِالْبَعْضِ مِنْهَا أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ.
فَإِنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ أَحَدٍ قَبْلَهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ لَنُقِلَ عَنْهُ فِعْلُ مَا تَعَبَّدَ بِهِ وَاشْتُهِرَ تَلَبُّسُهُ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ وَمُخَالَطَةِ أَهْلِهَا، كَمَا هُوَ الْجَارِي مِنْ عَادَةِ كُلِّ مُتَشَرِّعٍ بِشَرِيعَةٍ، وَقَدْ عُرِفَتْ أَحْوَالُهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ، لَافْتَخَرَ أَهْلُ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بَعْدَ بَعْثَتِهِ وَاشْتِهَارِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى شَرْعِهِمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (١) .
سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَعَبُّدِهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى تَعَبُّدِهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ سَبَقَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ كَانَ دَاعِيًا إِلَى اتِّبَاعِ شَرْعِهِ كُلَّ الْمُكَلَّفِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﵇ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ ﵇ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانَ يُصَلِّي وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيُعَظِّمُهُ وَيُذَكِّي وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ وَيَرْكَبُ الْبَهَائِمَ وَيَسْتَسْخِرُهَا وَيَتَجَنَّبُ الْمَيْتَةَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا لَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ الْعَقْلُ وَلَا يَحْسُنُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ (٢) أَنَّهُ مُقَابِلٌ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرَائِعِ وَلَا مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ مِنْهَا؛ لَظَهَرَ مِنْهُ التَّلَبُّسُ بِخِلَافِ مَا أَهْلُ تِلْكَ الشَّرَائِعِ مُتَلَبِّسُونَ بِهِ، وَاشْتُهِرَتْ مُخَالَفَتُهُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَكَانَتِ الدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَةً عَلَى نَقْلِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. стр. 1058
وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ (١) لِلْمَذْهَبِ الثَّانِي بِمَنْعِ دَعْوَةِ مَنْ سَبَقَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِكَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى اتِّبَاعِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ لِيُحْكَمَ بِهِ.
وَبِتَقْدِيرِ نَقْلِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَمَانُ نَبِيِّنَا ﵇ زَمَانَ انْدِرَاسِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَتَعَذُّرِ التَّكْلِيفِ بِهَا؛ لِعَدَمِ نَقْلِهَا وَتَفْصِيلِهَا وَلِذَلِكَ بُعِثَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الثَّانِي، أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرُوهُ بِنَقْلٍ يُوثَقُ بِهِ، وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِهِ شَرْعًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ وَحَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ وَتَعْظِيمُهُ لِلْبَيْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّكِ بِفِعْلِ مِثْلِ مَا نُقِلَ جُمْلَتُهُ عَنْ أَفْعَالِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَانْدَرَسَ تَفْصِيلُهُ.
وَأَمَّا أَكْلُ اللَّحْمِ وَذَبْحُ الْحَيَوَانِ وَاسْتِسْخَارُهُ لِلْبَهَائِمِ فَإِنَّمَا كَانَ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَحْرِيمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ.
وَأَمَّا تَرْكُهُ لِلْمَيْتَةِ بِنَاءً (٢) عَلَى عِيَافَةِ نَفْسِهِ لَهَا، كَعِيَافَتِهِ لَحْمَ الضَّبِّ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بِذَلِكَ شَرْعًا، فَلَا. стр. 1059
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
اخْتَلَفُوا فِي النَّبِيِّ ﵇ وَأُمَّتِهِ بَعْدَ الْبَعْثِ هَلْ هُمْ مُتَعَبِّدُونَ بِشَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ؟
فَنُقِلَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرَّاوِيَتَيْنِ عَنْهُ وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِمَا صَحَّ مِنْ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَهُ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ إِلَيْهِ، لَا مِنْ جِهَةِ كُتُبِهِمُ الْمُبَدَّلَةِ وَنَقْلِ أَرْبَابِهَا.
وَمَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ:
الْأَوَّلُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا قَالَ لَهُ: " بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي» " وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَوَّلِينَ وَسُنَنِهِمْ، وَالنَّبِيُّ ﵇ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَدَعَا لَهُ، وَقَالَ: " «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» " (١) ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَجَرَتْ مَجْرَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي وُجُوبِ الرُّجُوعِ إِلَيْهَا، وَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى اجْتِهَادِ الرَّأْيِ إِلَّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهَا وَالْيَأْسِ مِنْ مَعْرِفَتِهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﵇ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ أُمَّتُهُ، لَكَانَ تَعَلُّمُهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ كَالْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ، وَلَوَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ مُرَاجَعَتُهَا وَأَنْ لَا يَتَوَقَّفَ عَلَى نُزُولِ الْوَحْيِ فِي أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ الَّتِي لَا يَخْلُو لِلشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ عَنْهَا، وَلَوَجَبَ أَيْضًا عَلَى الصَّحَابَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﵇ مُرَاجَعَتُهَا وَالْبَحْثُ عَنْهَا وَالسُّؤَالُ لِنَاقِلِيهَا عِنْدَ حُدُوثِ الْوَقَائِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ كَمَسْأَلَةِ الْجَدَّ، وَالْعَوْلِ، وَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُفَوِّضَةِ، وَحَدِّ الشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، عَلَى نَحْوِ بَحْثِهِمْ عَنِ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَحَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مُتَعَبَّدٍ بِهَا لَهُمْ (٢) . стр. 1060
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِاتِّبَاعِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ إِمَّا فِي الْكُلِّ أَوِ الْبَعْضِ، لَمَا نُسِبَ شَيْءٌ مِنْ شَرْعِنَا إِلَيْهِ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ، وَلَا كُلُّ الشَّرْعِ إِلَيْهِ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي، كَمَا لَا يُنْسَبُ شَرْعُهُ ﵇ إِلَى مَنْ هُوَ مُتَعَبَّدٌ بِشَرْعِهِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
الرَّابِعُ: أَنَّ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ النَّبِيِّ ﵇ نَاسِخَةٌ لِشَرِيعَةِ مَنْ تَقَدَّمَ فَلَوْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِهَا؛ لَكَانَ مُقِرِّرًا لَهَا وَمُخْبِرًا عَنْهَا لَا نَاسِخًا لَهَا وَلَا مُشَرِّعًا، وَهُوَ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْحُجَّةِ الْأُولَى إِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ مُعَاذٌ لِذِكْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؛ اكْتِفَاءً مِنْهُ بِآيَاتٍ فِي الْكِتَابِ تَدُلُّ عَلَى اتِّبَاعِهِمَا عَلَى مَا يَأْتِي، وَلِأَنَّ اسْمَ الْكِتَابِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ لِكَوْنِهِمَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ.
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعَلُّمَ مَا قِيلَ بِالتَّعَبُّدِ بِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ ﵇ لَهَا، وَلِهَذَا نُقِلَ عَنْهُ مُرَاجَعَةُ التَّوْرَاةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْمِ، وَمَا لَمْ يُرَاجِعْ فِيهِ شَرْعَ مَنْ تَقَدَّمَ، إِمَّا لِأَنَّ تِلْكَ الشَّرَائِعَ لَمْ تَكُنْ مُبَيَّنَةً لَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُتَعَبَّدًا بِاتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ السَّالِفَةِ إِلَّا بِطَرِيقِ الْوَحْيِ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِهِ (١)
وَأَمَّا عَدَمُ بَحْثِ الصَّحَابَةِ عَنْهَا، فَإِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ مَا تَوَاتَرَ مِنْهَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُمْ وَغَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى بَحْثٍ عَنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مَنْقُولًا عَلَى لِسَانِ الْآحَادِ مِنَ الْكُفَّارِ لَمْ يَكُونُوا مُتَعَبِّدِينَ بِهِ (٢) .
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ فَإِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ مَا كَانَ مُتَعَبَّدًا بِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ بِأَنَّهُ مِنْ شَرْعِهِ بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لَنَا بِوَاسِطَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الشَّارِعَ لَهُ.
وَأَمَّا الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ فَنَحْنُ نَقُولُ بِهَا وَأَنَّ مَا كَانَ مِنْ شَرْعِهِ مُخَالِفًا لِشَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْعِهِ بَلْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ فِيهِ بِاتِّبَاعِ شَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ؛ فَلَا. стр. 1061
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ شَرْعُهُ بِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِبَعْضِ مَا كَانَ مَشْرُوعًا قَبْلَهُ، كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ وَتَحْرِيمِ الْكُفْرَانِ وَالزِّنَا وَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَرْعُنَا فِيهِ مُوَافِقٌ لِشَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى مَطْلُوبِكُمْ، لَكِنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ وَبَيَانِهِ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ فَآيَاتٌ.
الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أَمَرَهُ بِاقْتِدَائِهِ بِهُدَاهُمْ، وَشَرْعُهُمْ مِنْ هُدَاهُمْ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ.
الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ لِشَرِيعَةِ نُوحٍ (١) .
الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ وَالنَّبِيُّ ﵇ مِنْ جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِهَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى التَّوْرَاةِ فِي رَجْمِ الْيَهُودِيِّ» (٢)
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ عِنْدَمَا طُلِبَ مِنْهُ الْقِصَاصُ فِي سِنٍّ كُسِرَتْ، فَقَالَ: " «كِتَابُ اللَّهِ стр. 1062
يَقْضِي بِالْقِصَاصِ» " (١) وَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ مَا يَقْضِي بِالْقِصَاصِ فِي السِّنِّ سِوَى التَّوْرَاةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ أُنْسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» " وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (٢) وَهُوَ خِطَابٌ مَعَ مُوسَى ﵇.
وَالْجَوَابُ قَوْلُهُمْ: (إِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ مُعَاذٌ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمَا) لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ وَمَا يَذْكُرُونَهُ فِي ذَلِكَ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ كَافِيًا عَنْ ذِكْرِهِمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (٣) كَافِيًا أَوْ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَى ذِكْرِ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ فِي خَبَرِ مُعَاذٍ حَاجَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُمْ: (إِنَّ الْكُتُبَ السَّالِفَةَ مُنْدَرِجَةٌ فِي لَفْظِ الْكِتَابِ) لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْكِتَابِ فِي شَرْعِنَا عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ وَحَكَمْتُ بِكِتَابِ اللَّهِ الْقُرْآنِ. لَيْسَ غَيْرَ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ مُعَانَاةِ الْمُسْلِمِينَ لِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَدِرَاسَتِهِ وَالْعَمَلِ بِمُوجِبَاتِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ.
قَوْلُهُمْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعَلُّمَ مَا تُعُبِّدَ بِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ لَيْسَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ.
قُلْنَا: لِأَنَّ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَأْثِيمَ بِتَرْكِ النَّظَرِ عَلَى كَافَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي ذَلِكَ (٤) стр. 1063
وَأَمَّا مُرَاجَعَةُ النَّبِيِّ ﵇ التَّوْرَاةَ فَإِنَّمَا كَانَ لِإِظْهَارِ صِدْقِهِ فِيمَا كَانَ قَدْ أُخْبِرَ بِهِ مِنْ أَنَّ الرَّجْمَ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ، وَإِنْكَارُ الْيَهُودِ ذَلِكَ لَا لِأَنْ يَسْتَفِيدَ حُكْمَ الرَّجْمِ مِنْهَا (١) وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.
وَمَا ذَكَرُوهُ فِي امْتِنَاعِ بَحْثِ الصَّحَابَةِ عَنْ ذَلِكَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ مُتَوَاتِرًا إِنَّمَا يَعْرِفُهُ مَنْ خَالَطَ النَّقَلَةَ لَهُ وَكَانَ فَاحِصًا عَنْهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَغَيْرِهِمَا؟ ! وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ السُّؤَالُ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَمَا ذَكَرُوهُ عَلَى الْحُجَّةِ الثَّالِثَةِ فَتَرْكٌ لِلظَّاهِرِ الْمَشْهُورِ الْمُتَبَادَرِ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا يُسْمَعُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ عَلَى الْحُجَّةِ الرَّابِعَةِ فَمُنْدَفِعٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأُمَّةِ أَنَّ شَرْعَ النَّبِيِّ ﵇ نَاسِخٌ لِلشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ بَيْنَهُمْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَمْرَانِ؛ أَحَدُهُمَا: رَفْعُ أَحْكَامِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَبَّدٍ بِهَا (٢)
فَمَا لَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ بِشَرْعِهِ ضَرُورَةَ اسْتِمْرَارِهِ فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا لَهُ، فَيَبْقَى الْمَفْهُومُ الْآخَرُ وَهُوَ عَدَمُ تَعَبُّدِهِ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَةِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَدْلُولِ الْآخَرِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ بِالْآيَةِ الْأُولَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ هُدًى مُضَافٍ إِلَى جَمِيعِهِمْ، مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ دُونَ مَا وَقَعَ بِهِ الْخِلَافُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ مِنْهُ لِاسْتِحَالَةِ اتِّبَاعِهِ وَامْتِثَالِهِ، وَالْهُدَى الْمُشْتَرَكُ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِنَّمَا هُوَ التَّوْحِيدُ، وَالْأَدِلَّةُ стр. 1064
الْعَقْلِيَّةُ الْهَادِيَةُ إِلَيْهِ (١) وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْعِهِمْ فِي شَيْءٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ " بِهِمْ ".
وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْهُدَى الْمُشْتَرَكِ مَا اتَّفَقُوا فِيهِ مِنَ الشَّرَائِعِ دُونَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَاتِّبَاعُهُ لَهُ إِنَّمَا كَانَ بِوَحْيٍ إِلَيْهِ وَأَمْرٍ مُجَدَّدٍ لَا أَنَّهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ. (٢) وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى أَنَّهُ مُوحًى إِلَيْهِ بِعَيْنِ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى يُقَالَ بِاتِّبَاعِهِ لِشَرِيعَتِهِمْ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِ كَمَا أَوْحَى إِلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ قَطْعًا لِاسْتِبْعَادِ ذَلِكَ وَإِنْكَارِهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِ بِمَا أَوْحَى بِهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ، فَغَايَتُهُ أَنَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِ بِمِثْلِ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ بِوَحْيٍ مُبْتَدَإٍ لَا بِطْرِيقِ الِاتِّبَاعِ لِغَيْرِهِ. (٣) وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الدِّينِ إِنَّمَا هُوَ أَصْلُ التَّوْحِيدِ لَا مَا انْدَرَسَ مِنْ شَرِيعَتِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ الْبَحْثُ عَنْ شَرِيعَةِ نُوحٍ (٤) ، وَذَلِكَ مَعَ التَّعَبُّدِ بِهَا فِي حَقِّهِ مُمْتَنِعٌ، وَحَيْثُ خَصَّصَ стр. 1065
نُوحًا بِالذِّكْرِ (١) مَعَ اشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالتَّوْحِيدِ كَانَ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا، كَمَا خَصَّصَ رُوحَ عِيسَى بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِلَفْظِ الْعِبَادِ. وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الْمِلَّةِ إِنَّمَا هُوَ أَصُولُ التَّوْحِيدِ وَإِجْلَالُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ دُونَ الْفُرُوعِ الشَّرْعِيَّةِ (٢) وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ الْمِلَّةِ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْفُرُوعِ الشَّرْعِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ: مِلَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمِلَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَذْهَبَيْهِمَا فِي الْفُرُوعِ الشَّرْعِيَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ عَقِيبَ ذَلِكَ: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ الدِّينِ، وَمُقَابِلُ الشِّرْكِ إِنَّمَا هُوَ التَّوْحِيدُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الدِّينِ الْأَحْكَامَ الْفَرْعِيَّةَ لَكَانَ مَنْ خَالَفَهُ فِيهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سَفِيهًا (٣) ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الدِّينِ فُرُوعَ الشَّرِيعَةِ لَوَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ الْبَحْثُ عَنْهَا لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهَا، وَذَلِكَ مَعَ انْدِرَاسِهَا مُمْتَنِعٌ. ثُمَّ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّةِ الْفُرُوعُ الشَّرْعِيَّةُ غَيْرَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهَا بِمَا أُوحِيَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ .
وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ الْآيَةَ، أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ صِيغَةُ إِخْبَارٍ لَا صِيغَةُ أَمْرٍ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهَا، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَمْرًا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا هُوَ مُشْتَرَكُ الْوُجُوبِ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ стр. 1066
دُونَ الْفُرُوعِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ لِإِمْكَانِ تَنْزِيلِ لَفْظِ النَّبِيِّينَ عَلَى عُمُومِهِ بِخِلَافِ التَّنْزِيلِ عَلَى الْفُرُوعِ الشَّرْعِيَّةِ، كَيْفَ وَإِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مُتَعَارِضَةٌ وَالْعَمَلَ بِجَمِيعِهَا مُمْتَنِعٌ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِالْبَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ. (١) وَعَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ: وَهُوَ رُجُوعُ النَّبِيِّ ﵇ إِلَى التَّوْرَاةِ فِي رَجْمِ الْيَهُودِيِّ مَا سَبَقَ.
وَعَنِ الْخَبَرِ الثَّانِي: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كِتَابَنَا غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلَى قِصَاصِ السِّنِّ بِالسِّنِّ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَهُوَ عَامٌّ فِي السِّنِّ وَغَيْرِهِ.
وَعَنِ الْخَبَرِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْخِطَابَ مَعَ مُوسَى لِكَوْنِهِ مُوجِبًا لِقَضَاءِ الصَّلَاةِ عِنْدَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ بِمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ أُمَّتَهُ مَأْمُورَةٌ بِذَلِكَ، كَمَا أُمِرَ مُوسَى ﵇.
ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ النَّقْلِ مَعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇: " «بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» " وَكُلُّ نَبِيٍّ بُعِثَ إِلَى قَوْمِهِ (٢) ، وَالنَّبِيُّ ﵇ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَقْوَامِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَلَا يَكُونُ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِهِمْ وَبِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ «رَأَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ стр. 1067
قِطْعَةً مِنَ التَّوْرَاةِ يَنْظُرُ فِيهَا فَغَضِبَ وَقَالَ: أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَوْ أَدْرَكَنِي أَخِي مُوسَى لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» . (١) أَخْبَرَ بِأَنَّ مُوسَى لَوْ كَانَ حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعُهُ، فَلَأَنْ لَا يَكُونَ النَّبِيُّ ﵇ مُتَّبِعًا لِمُوسَى بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْلَى، وَرُبَّمَا عُورِضَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ وَالشِّرْعَةُ: الشَّرِيعَةُ، وَالْمِنْهَاجُ: الطَّرِيقُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اتِّبَاعِ الْأَخِيرِ لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ; لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تُضَافُ إِلَّا إِلَى مَنِ اخْتُصَّ بِهَا دُونَ التَّابِعِ لَهَا، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فَإِنَّ الشَّرَائِعَ وَإِنِ اشْتَرَكَتْ فِي شَيْءٍ فَمُخْتَلِفَةٌ فِي أَشْيَاءَ، وَبِاعْتِبَارِ مَا بِهِ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهَا كَانَتْ شَرَائِعَ مُخْتَلِفَةً، وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ: لِكُلِّ إِمَامٍ مَذْهَبٌ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا.
وَرُبَّمَا أَوْرَدَ النُّفَاةُ فِي ذَلِكَ طُرُقًا أُخْرَى شَتًّى ضَعِيفَةً، آثَرْنَا الْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِهَا.
وَكَمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبَّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ تَقَدَّمَ إِلَّا بِوَحْيٍ مُجَدَّدٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَى مَا كَانَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ مُتَجَنِّبًا لِأَصْنَامِهِمْ مُعْرِضًا عَنْ أَزْلَامِهِمْ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ عَلَى النُّصُبِ (٢) ، هَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِنَ الْأُصُولِيِّينَ مَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ وَهُوَ بَعِيدٌ. стр. 1068
[النَّوْعُ الثَّانِي مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ]
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ هل هو حُجَّةً عَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ]
ِّ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُجْتَهِدِينَ إِمَامًا كَانَ أَوْ حَاكِمًا أَوْ مُفْتِيًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ:
فَذَهَبَتِ الْأَشَاعِرَةُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَالْكَرْخِيُّ: إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالرَّازِيُّ وَالْبَرْذَعِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِلَّا فَلَا.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْحُجَّةَ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ دُونَ غَيْرِهِمَا.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، وَقَدِ احْتَجَّ النَّافُونَ بِحُجَجٍ ضَعِيفَةٍ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا وَالْإِشَارَةِ إِلَى وَجْهِ ضَعْفِهَا قَبْلَ ذِكْرِ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ.
الْحُجَّةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أَوْجَبَ الرَّدَّ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، فَالرَّدُّ إِلَى مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ يَكُونُ تَرْكًا لِلْوَاجِبِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (١) ، فَالرَّدُّ إِلَى مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ لَا يَكُونُ تَرْكًا لِلْوَاجِبِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ وَلَكِنْ عِنْدَ إِمْكَانِ الرَّدِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مُبَيَّنًا فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ مُبَيَّنًا فِيهِمَا فَلَا. стр. 1069
وَنَحْنُ إِنَّمَا نَقُولُ بِاتِّبَاعِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ مَعَ عَدَمِ الظَّفَرِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حُكْمِ الْوَاقِعَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَالُوا: أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى جَوَازِ مُخَالَفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الصَّحَابَةِ الْمُجْتَهِدِينَ لِلْآخَرِ، وَلَوْ كَانَ مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اتِّبَاعُ الْآخَرِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي كَوْنِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنْ مُجْتَهِدَةِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَا مُجْتَهِدَةِ الصَّحَابَةِ (١) ، فَلَمْ يَكُنِ الْإِجْمَاعُ دَلِيلًا عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْخَطَأُ مُمْكِنٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى التَّابِعِ الْمُجْتَهِدِ الْعَمَلُ بِمَذْهَبِهِ كَالصَّحَابِيَّيْنِ وَالتَّابِعِيَّيْنِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُ مِنِ امْتِنَاعِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ عَلَى صَحَابِيٍّ مِثْلِهِ وَامْتِنَاعِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَذْهَبِ التَّابِعِيِّ عَلَى تَابِعِيٍّ مِثْلِهِ، امْتِنَاعُ وُجُوبِ عَمَلِ التَّابِعِيِّ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا عَلَى مَا قَالَ ﵇: ( «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ» ) (٢) ، وَقَالَ ﵇: " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " (٣) وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ. стр. 1070
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ، وَذَهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خِلَافِ مَذْهَبِ الْآخَرِ، كَمَا فِي مَسَائِلِ الْجَدِّ مَعَ الْأُخْوَةِ، وَقَوْلِهِ " أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ " كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ، فَلَوْ كَانَ مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ التَّابِعِينَ لَكَانَتْ حُجَجُ اللَّهِ تَعَالَى مُخْتَلِفَةً مُتَنَاقِضَةً، وَلَمْ يَكُنِ اتِّبَاعُ التَّابِعِيِّ لِلْبَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: اخْتِلَافُ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا حُجَجًا فِي أَنْفُسِهَا كَأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالنُّصُوصِ الظَّاهِرَةِ، وَيَكُونُ الْعَمَلِ بِالْوَاحِدِ مِنْهَا مُتَوَقِّفًا عَلَى التَّرْجِيحِ، وَمَعَ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى التَّرْجِيحِ فَالْوَاجِبُ الْوَقْفُ أَوِ التَّخْيِيرُ، كَمَا عُرِفَ فِيمَا تَقَدَّمَ. (١) الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عَنِ اجْتِهَادٍ مِمَّا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ، فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ كَالتَّابِعِيِّ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: اجْتِهَادُ الصَّحَابِيِّ وَإِنْ جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْقِيَاسِ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ امْتِنَاعِ تَقْدِيمِ مَذْهَبِ التَّابِعِيِّ عَلَى الْقِيَاسِ امْتِنَاعُ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ ; لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. (٢) стр. 1071
الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ التَّابِعِيَّ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَحْصِيلِ الْحُكْمِ بِطَرِيقِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ فِيهِ كَالْأُصُولِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: اتِّبَاعُ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ تَقْلِيدًا لَهُ إِنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً مُتَّبَعَةً، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْأُصُولُ، فَإِنَّ الْقَطْعَ وَالْيَقِينَ مُعْتَبَرٌ فِيهَا، وَمَذْهَبُ الْغَيْرِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَاطِعَةٍ، فَكَانَ اتِّبَاعُهُ فِي مَذْهَبِهِ تَقْلِيدًا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. (١) وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَوْجَبَ الِاعْتِبَارَ (٢) وَأَرَادَ بِهِ الْقِيَاسَ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً، وَذَلِكَ يُنَافِي وُجُوبَ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ وَتَقْدِيمَهُ عَلَى الْقِيَاسِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ دَلَالَةَ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْقِيَاسِ، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ مِنْ وُجُوهٍ، سَلَّمْنَا دَلَالَتَهُ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَهُوَ خِطَابٌ مَعَ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ مَا يَأْمُرُونَ بِهِ مَعْرُوفٌ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَاجِبُ الْقَبُولِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵇: " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ "، (٣) ، وَقَوْلُهُ ﵇: " «اقْتَدَوْا بِالَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» " (٤) ، وَلَا يُمْكِنُ стр. 1072
حَمَلُ ذَلِكَ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْعَامَّةِ وَالْمُقَلِّدِينَ لَهُمْ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ فَائِدَةِ تَخْصِيصِ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْعَامَّةِ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ وُجُوبَ اتِّبَاعِ مَذَاهِبِهِمْ.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَلَّى عَلِيًّا ﵁ الْخِلَافَةَ بِشَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّيْخَيْنِ فَأَبَى، وَوَلَّى عُثْمَانَ فَقَبِلَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ فَصَارَ إِجْمَاعًا. (١) وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ قَوْلًا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ فِيمَا قَالَ стр. 1073
مُسْتَنَدٌ أَوْ يَكُونَ: لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ وَإِلَّا كَانَ قَائِلًا فِي الشَّرِيعَةِ بِحُكْمٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَحَالُ الصَّحَابِيِّ الْعَدْلِ يُنَافِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا مُسْتَنَدَ وَرَاءَ الْقِيَاسِ سِوَى النَّقْلِ، فَكَانَ حُجَّةً مُتَّبَعَةً.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا انْتَشَرَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ كَانَ حُجَّةً، فَكَانَ حُجَّةً مَعَ عَدَمِ الِانْتِشَارِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ نَقْلٍ أَوِ اجْتِهَادٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَانَ حُجَّةً، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَاجْتِهَادُ الصَّحَابِيِّ مُرَجَّحٌ عَلَى اجْتِهَادِ التَّابِعِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ ; لِتَرَجُّحِهِ بِمُشَاهَدَةِ التَّنْزِيلِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ وَوُقُوفِهِ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﵇ وَمُرَادِهِ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى مَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَكَانَ حَالُ التَّابِعِيِّ إِلَيْهِ كَحَالِ الْعَامِّيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهِدِ التَّابِعِيِّ، فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ لَهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ مَنْعِ دَلَالَةِ الْآيَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَنِ الْقَوَادِحِ مَا سَبَقَ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ بِالْكِتَابِ: أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ ; لِمَا سَبَقَ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ دَالًّا فَهُوَ خِطَابٌ مَعَ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ حُجَّةً أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ حُجَّةً.
وَعَنِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا أَيْضًا ; لِمَا سَبَقَ فِي الْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ الْأَوَّلَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي أَشْخَاصِ الصَّحَابَةِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى عُمُومِ الِاقْتِدَاءِ فِي كُلِّ مَا يُقْتَدَى فِيهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَقَدْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِيمَا يَرَوْنَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيْسَ الْحَمْلُ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَيْهِ، وَبِهِ يَظْهَرُ فَسَادُ التَّمَسُّكِ بِالْخَبَرِ الثَّانِي.
وَعَنِ الْإِجْمَاعِ: أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُثْمَانَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا لَفْظَ الِاقْتِدَاءِ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فِي السِّيرَةِ وَالسِّيَاسَةِ دُونَ الْمُتَابَعَةِ فِي الْمَذْهَبِ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُجْتَهِدِينَ.
كَيْفَ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِشَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِهِمَا الْمُتَابَعَةَ فِي مَذْهَبِهِمَا، فَالْقَائِلُ بِأَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ قَائِلٌ بِوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ، وَالْقَائِلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَائِلٌ بِتَحْرِيمِ اتِّبَاعِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْخَطَأُ بِسُكُوتِ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِنْكَارِ
стр. 1074
إِمَّا عَلَى عَلِيٍّ حَيْثُ امْتَنَعَ مِنَ الِاقْتِدَاءِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا، وَإِمَّا عَلَى عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِنْ كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِالشَّيْخَيْنِ مُحَرَّمًا، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَعْقُولِ: أَنَّهَا مُنْتَقِضَةٌ بِمَذْهَبِ التَّابِعِيِّ، فَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ فِيهِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ بِالِاتِّفَاقِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَقُولَ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا انْتَشَرَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ أَيَكُونُ (١) ذَلِكَ إِجْمَاعًا أَمْ لَا يَكُونُ إِجْمَاعًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْحُجَّةُ فِي الْإِجْمَاعِ لَا فِي مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِيمَا إِذَا لَمْ يَنْتَشِرْ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ مُطْلَقًا، كَيْفَ وَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقَضٌ بِمَذْهَبِ التَّابِعِيِّ فَإِنَّهُ إِذَا انْتَشَرَ فِي عَصْرِهِ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ نَكِيرٌ كَانَ حُجَّةً، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً بِتَقْدِيرِ عَدَمِ انْتِشَارِهِ إِجْمَاعًا.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ النَّقْلُ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ نَقْلٌ لَأَبْدَاهُ وَرَوَاهُ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَقَدْ قَالَ ﵇: " «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا نَافِعًا أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» "، وَذَلِكَ خِلَافَ الظَّاهِرِ مِنْ حَالِ الصَّحَابِيِّ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْدَهُ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا بِمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الصُّحْبَةِ وَلَوَازِمِهَا (٢) ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» ". (٣) ثُمَّ هُوَ مُنْتَقَضٌ بِمَذْهَبِ التَّابِعِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ، وَإِنْ كَانَتْ نِسْبَتُهُ إِلَى تَابِعِي التَّابِعِينَ كَنِسْبَةِ الصَّحَابِيِّ إِلَيْهِ. стр. 1075
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَاجِبَةِ الِاتِّبَاعِ فَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ تَقْلِيدُهُ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
إِذَا ثَبَتَ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَاجِبَةِ الِاتِّبَاعِ فَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ تَقْلِيدُهُ؟
أَمَّا الْعَامِّيُّ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَيَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُهُ إِنْ جَوَّزْنَا تَقْلِيدَ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ مِنَ التَّابِعِينَ لِلْعَالِمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجَدِيدِ وَجَوَّزَهُ فِي الْقَدِيمِ، غَيْرَ أَنَّهُ اشْتَرَطَ انْتِشَارَ مَذْهَبِهِ تَارَةً وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ تَارَةً.
وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِمَا يَأْتِي فِي قَاعِدَةِ الِاجْتِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (١) النَّوْعُ الثَّالِثُ: الِاسْتِحْسَانُ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ حَتَّى نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ.
وَلَا بُدَّ قَبْلَ النَّظَرِ فِي الْحِجَاجِ مِنْ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ لِيَكُونَ التَّوَارُدُ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى مَحَزٍّ وَاحِدٍ فَنَقُولُ:
الْخِلَافُ لَيْسَ فِي نَفْسِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الِاسْتِحْسَانِ جَوَازًا وَامْتِنَاعًا لِوُرُودِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِطْلَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵇: " «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» ". (٢) стр. 1076
وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ فَمَا نُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ مِنِ اسْتِحْسَانِ دُخُولِ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ عِوَضٍ لِلْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَلَا تَقْدِيرِ مُدَّةِ السُّكُونِ فِيهَا، وَتَقْدِيرِ أُجْرَتْهِ، وَاسْتِحْسَانِ شُرْبِ الْمَاءِ مِنْ أَيْدِي السَّقَّائِينَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ فِي الْمَاءِ وَعِوَضِهِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَسْتَحْسِنَ فِي الْمُتْعَةِ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وَأَسْتَحْسِنَ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ لِلشَّفِيعِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأَسْتَحْسِنَ تَرْكَ شَيْءٍ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ. وَقَالَ فِي السَّارِقِ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ الْيُسْرَى بَدَلَ الْيُمْنَى فَقُطِعَتْ: الْقِيَاسُ أَنْ تُقْطَعَ يُمْنَاهُ، وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ لَا تُقْطَعَ.
فَلَمْ يَبْقَ الْخِلَافُ إِلَّا فِي مَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ وَحَقِيقَتِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَمِيلُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَيَهْوَاهُ مِنَ الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَحًا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْحُسْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هُوَ مَحَزَّ الْخِلَافِ؛ لِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِينَ عَلَى امْتِنَاعِ حُكْمِ الْمُجْتَهِدِ فِي شَرْعِ اللَّهِ تَعَالَى بِشَهَوَاتِهِ وَهَوَاهُ، مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَالْعَامِّيِّ وَإِنَّمَا مَحَزُّ الْخِلَافِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَعْرِيفِهِ بِحَدِّهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ دَلِيلٍ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِهِ لِعَدَمِ مُسَاعَدَةِ الْعِبَارَةِ عَنْهُ، وَالْوَجْهُ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا مُحَقَّقًا وَوَهْمًا فَاسِدًا فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ التَّمَسُّكِ بِهِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ دَلِيلٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي تَخْصِيصِهِ بِاسْمِ الِاسْتِحْسَانِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ دُونَ حَالَةِ إِمْكَانِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ، وَلَا حَاصِلَ لِلنِّزَاعِ اللَّفْظِيِّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الْعُدُولِ عَنْ مُوجِبِ قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَهُمْ بِالْعُدُولِ عَنْ مُوجِبِ الْقِيَاسِ إِلَى النَّصِّ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الْعَادَةِ.
стр. 1077
أَمَّا الْكِتَابُ: فَكَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: مَالِي صَدَقَةٌ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ لُزُومُ التَّصَدُّقِ بِكُلِّ مَالٍ لَهُ، وَقَدِ اسْتُحْسِنَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَالِ الزَّكَاةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ سِوَى مَالِ الزَّكَاةِ.
وَأَمَّا السُّنَّةِ: فَكَاسْتِحْسَانِهِمْ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَى مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالْعُدُولُ عَنْ حِكَمِ الْقِيَاسِ إِلَى قَوْلِهِ ﵇ لِمَنْ أَكَلَ نَاسِيًا: ( «اللَّهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ» ) .
وَأَمَّا الْعَادَةُ: فَكَالْعُدُولِ عَنْ مُوجِبِ الْإِجَارَاتِ فِي تَرْكِ تَقْدِيرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَمَّامِ، وَتَقْدِيرِ السُّكْنَى فِيهَا، وَمِقْدَارِ الْأُجْرَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ لِلْعَادَةِ فِي تَرْكِ الْمُضَايَقَةِ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَخْصِيصِ قِيَاسٍ بِدَلِيلٍ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ.
وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ. (١) وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: الِاسْتِحْسَانُ هُوَ الْعُدُولُ فِي مَسْأَلَةٍ عَنْ مِثْلِ مَا حُكِمَ بِهِ فِي نَظَائِرِهَا إِلَى خِلَافِهِ لِوَجْهٍ هُوَ أَقْوَى، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الْعُمُومِ إِلَى مُقَابِلِهِ لِلدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ، وَالْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ الْمَنْسُوخِ إِلَى مُقَابِلِهِ لِلدَّلِيلِ النَّاسِخِ وَلَيْسَ بِاسْتِحْسَانٍ عِنْدِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ تَرْكُ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ غَيْرِ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ لِوَجْهٍ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَقَصَدَ بِقَوْلِهِ: غَيْرِ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ فِي الِاحْتِرَازِ عَنِ الْعُدُولِ عَنِ الْعُمُومِ إِلَى الْقِيَاسِ لِكَوْنِهِ لَفْظًا شَامِلًا.
وَبِقَوْلِهِ: (وَهُوَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ) الِاحْتِرَازُ عَنْ قَوْلِهِمْ: تَرَكْنَا الِاسْتِحْسَانَ بِالْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ اسْتِحْسَانًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي تُرِكَ لَهُ الِاسْتِحْسَانُ لَيْسَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ بَلْ هُوَ الْأَصْلُ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي آخِرِ سُورَةٍ، فَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يَسْجُدَ لَهَا وَلَا يَجْتَزِئُ بِالرُّكُوعِ، وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ يَجْتَزِئَ بِالرُّكُوعِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِالْعُدُولِ هَا هُنَا عَنِ الِاسْتِحْسَانِ إِلَى الْقِيَاسِ.
وَهَذَا الْحَدُّ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ مِمَّا تَقَدَّمَ لِكَوْنِهِ جَامِعًا مَانِعًا غَيْرَ أَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى تَفْسِيرِ الِاسْتِحْسَانِ بِالرُّجُوعِ عَنْ حُكْمِ دَلِيلٍ خَاصٍّ إِلَى مُقَابِلِهِ بِدَلِيلٍ طَارِئٍ стр. 1078
عَلَيْهِ أَقْوَى مِنْهُ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا نِزَاعَ فِي صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَإِنْ نُوزِعَ فِي تَلْقِيبِهِ بِالِاسْتِحْسَانِ فَحَاصِلُ النِّزَاعِ رَاجِعٌ فِيهِ إِلَى الْإِطْلَاقَاتِ اللَّفْظِيَّةِ، وَلَا حَاصِلَ لَهُ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي إِطْلَاقِهِمُ الِاسْتِحْسَانَ عَلَى الْعُدُولِ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَرَدْتُمْ بِالْعَادَةِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فَهُوَ حَقٌّ.
وَحَاصِلُهُ رَاجِعٌ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ عَادَةُ مَنْ لَا يُحْتَجَّ بِعَادَتِهِ كَالْعَادَاتِ الْمُسْتَحْدَثَةِ لِلْعَامَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَذَلِكَ مِمَّا يَمْتَنِعُ تَرْكُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ بِهِ.
وَإِذَا تَحَقَّقَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى شُبَهٍ تَمَسَّكَ بِهَا الْقَائِلُونَ بِالِاسْتِحْسَانِ فِي بَيَانِ كُونِ الْمَفْهُومِ مِنْهُ حُجَّةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِيهِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى جِهَةِ ضَعْفِهَا، وَقَدْ تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ الْأُولَى: وُرُودُهَا فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ لِمُتَّبِعِ أَحْسَنِ الْقَوْلِ، وَبِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ أَحْسَنِ مَا أُنْزِلَ، وَلَوْلَا أَنَّهُ حُجَّةٌ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵇: ( «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» ) (١) وَلَوْلَا أَنَّهُ حُجَّةٌ لَمَا كَانَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنًا.
وَأَمَّا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَمَا ذُكِرَ مِنِ اسْتِحْسَانِهِمْ دُخُولَ الْحَمَّامِ وَشُرْبَ الْمَاءِ مِنْ أَيْدِي السَّقَّائِينَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ لِزَمَانِ السُّكُونِ وَتَقْدِيرِ الْمَاءِ وَالْأُجْرَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى: أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهَا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ أَحْسَنِ الْقَوْلِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَعَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ أَيْضًا فِيهَا عَلَى أَنَّ مَا صَارُوا إِلَيْهِ دَلِيلٌ مُنَزَّلٌ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ.
وَعَنِ الْخَبَرِ كَذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» " إِشَارَةٌ إِلَى إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ، وَلَيْسَ فِيهِ стр. 1079
دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَا رَآهُ آحَادُ الْمُسْلِمِينَ حَسَنًا أَنَّهُ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِلَّا كَانَ مَا رَآهُ آحَادُ الْعَوَامِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَعَنِ الْإِجْمَاعِ عَلَى اسْتِحْسَانِ مَا ذَكَرُوهُ، لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِحْسَانَهُمْ لِذَلِكَ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ، بَلِ الدَّلِيلُ مَا دَلَّ عَلَى اسْتِحْسَانِهِمْ لَهُ، وَهُوَ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وَتَقْرِيرِهِ لَهُمْ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ (١) وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْقِيَاسِ حَقِيقَةَ الْمَصْلَحَةِ وَأَقْسَامَهَا فِي ذَاتِهَا، وَانْقِسَامَهَا بِاعْتِبَارِ شَهَادَةِ الشَّارِعِ لَهَا إِلَى: مُعْتَبَرَةٌ، وَمُلْغَاةٌ، وَإِلَى مَا لَمْ يَشْهَدِ الشَّرْعُ لَهَا بِاعْتِبَارٍ وَلَا إِلْغَاءٍ، وَبَيَّنَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُنَاسِبِ الْمُرْسَلِ، وَهَذَا أَوَانُ النَّظَرِ فِيهِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى امْتِنَاعِ التَّمَسُّكِ بِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ، إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقُولُ بِهِ مَعَ إِنْكَارِ أَصْحَابِهِ لِذَلِكَ عَنْهُ، وَلَعَلَّ النَّقْلَ إِنْ صَحَّ عَنْهُ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فِي كُلِّ مَصْلَحَةٍ، بَلْ فِيمَا كَانَ مِنَ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْحَاصِلَةِ قَطْعًا، لَا فِيمَا كَانَ مِنَ الْمَصَالِحِ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ وَلَا كُلِّيٍّ، وَلَا وُقُوعُهُ قَطْعِيٌّ.
وَذَلِكَ كَمَا لَوْ (٢) تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، بِحَيْثُ لَوْ كَفَفْنَا عَنْهُمْ لَغَلَبَ الْكُفَّارُ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَاسْتَأْصَلُوا شَأْفَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ رَمَيْنَا التُّرْسَ وَقَتَلْنَاهُمُ انْدَفَعَتِ الْمَفْسَدَةُ عَنْ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَطْعًا غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ قَتْلُ مُسْلِمٍ لَا جَرِيمَةَ لَهُ، فَهَذَا الْقَتْلُ وَإِنْ كَانَ مُنَاسِبًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَالْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الشَّارِعِ اعْتِبَارُهَا وَلَا إِلْغَاؤُهَا فِي صُورَةٍ. стр. 1080
وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَالْمَصَالِحُ عَلَى مَا بَيَّنَّا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَا عُهِدَ مِنَ الشَّارِعِ اعْتِبَارُهَا، وَإِلَى مَا عُهِدَ مِنْهُ إِلْغَاؤُهَا. وَهَذَا الْقِسْمُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ ذَيْنِكَ الْقِسْمَيْنِ، وَلَيْسَ إِلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَامْتَنَعَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ دُونَ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ، يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُعْتَبَرِ دُونَ الْمُلْغَى.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فَرْعُ تَصَوُّرِ وُجُودِ الْمُنَاسِبِ الْمُرْسَلِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ ثَمَّ مَصَالِحَ مُعْتَبَرَةً فِي نَظَرِ الشَّارِعِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَأَيُّ وَصْفٍ قُدِّرَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَصْلَحِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَا اعْتُبِرَ، وَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُلَائِمِ الَّذِي أَثَّرَ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَقَدْ قُلْتُمْ بِهِ.
قُلْنَا: وَكَمَا أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمَصَالِحِ الْمُلْغَاةِ، فَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ جِنْسِ مَا اعْتُبِرَ مِنَ الْمَصَالِحِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُلْغًى ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مِنْ جِنْسِ الْمَصَالِحِ الْمُلْغَاةِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ مُعْتَبَرًا مُلْغًى بِالنَّظَرِ إِلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا بِالْجِنْسِ الْقَرِيبِ مِنْهُ ; لِنَأْمَنَ إِلْغَاءَهُ.
وَالْكَلَامُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
стр. 1081
[الْقَاعِدَةُ الثَّالثة فِي الْمُجْتَهِدِينَ وَأَحْوَالِ الْمُفْتِينَ وَالْمُسْتَفْتِينَ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمُجْتَهِدِينَ]
[مُقَدِّمَةُ فِي تَعْرِيفِ مَعْنَى الِاجْتِهَادِ وَالْمُجْتَهِدِ وَالْمُجْتَهَدِ فِيهِ]
الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ
فِي الْمُجْتَهِدِينَ وَأَحْوَالِ الْمُفْتِينَ وَالْمُسْتَفْتِينَ وَتَشْتَمِلُ عَلَى بَابَيْنِ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي الْمُجْتَهِدِينَ
وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ:
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ: فَفِي تَعْرِيفِ مَعْنَى الِاجْتِهَادِ، وَالْمُجْتَهِدِ، وَالْمُجْتَهَدِ فِيهِ.
أَمَّا (الِاجْتِهَادُ) : فَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي تَحْقِيقِ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ مُسْتَلْزِمٍ لِلْكُلْفَةِ وَالْمَشَقَّةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: اجْتَهَدَ فُلَانٌ فِي حَمْلِ حَجَرِ الْبِزَارَةِ، وَلَا يُقَالُ: اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ خَرْدَلَةٍ.
وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَمَخْصُوصٌ بِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الظَّنِّ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ يُحَسُّ مِنَ النَّفْسِ الْعَجْزُ عَنِ الْمَزِيدِ فِيهِ.
فَقَوْلُنَا: (اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ) كَالْجِنْسِ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْأُصُولِيِّ، وَمَا وَرَاءَهُ خَوَاصٌّ مُمَيِّزَةٌ لِلِاجْتِهَادِ بِالْمَعْنَى الْأُصُولِيِّ.
وَقَوْلُنَا: (فِي طَلَبِ الظَّنِّ) احْتِرَازٌ عَنِ الْأَحْكَامِ الْقَطْعِيَّةِ.
وَقَوْلُنَا: (بِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ) لِيَخْرُجَ عَنْهُ الِاجْتِهَادُ فِي الْمَعْقُولَاتِ وَالْمُحَسَّاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقَوْلُنَا: (بِحَيْثُ يُحَسُّ مِنَ النَّفْسِ الْعَجْزُ عَنِ الْمَزِيدِ فِيهِ) لِيَخْرُجَ عَنْهُ اجْتِهَادُ الْمُقَصِّرِ فِي اجْتِهَادِهِ مَعَ إِمْكَانِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ اجْتِهَادًا مُعْتَبَرًا.
وَأَمَّا: (الْمُجْتَهِدُ) فَكُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الِاجْتِهَادِ وَلَهُ شَرْطَانِ. (١) الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَعْلَمَ وُجُودَ الرَّبِّ تَعَالَى وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ، وَيَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْكَمَالَاتِ، وَأَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، حَيٌّ، عَالِمٌ، قَادِرٌ، مُرِيدٌ، مُتَكَلِّمٌ، حَتَّى يَتَصَوَّرَ مِنْهُ التَّكْلِيفَ، وَأَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا بِالرَّسُولِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ стр. 1082
الْمَنْقُولِ بِمَا ظَهَرَ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، لِيَكُونَ فِيمَا يُسْنِدُهُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَحْكَامِ مُحَقَّقًا.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِدَقَائِقِ عِلْمِ الْكَلَامِ مُتَبَحِّرًا فِيهِ كَالْمَشَاهِيرِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، بَلْ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ عِلْمِهِ فِي ذَلِكَ الدَّلِيلَ الْمُفَصَّلَ بِحَيْثُ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى تَقْرِيرِهِ وَتَحْرِيرِهِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ عَنْهُ، كَالْجَارِي مِنْ عَادَةِ الْفُحُولِ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ، بَلْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَدِلَّةِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ لَا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا عَارِفًا بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَقْسَامِهَا، وَطُرُقِ إِثْبَاتِهَا، وَوُجُوهِ دَلَالَاتِهَا عَلَى مَدْلُولَاتِهَا، وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا، وَالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَأَنْ يَعْرِفَ جِهَاتِ تَرْجِيحِهَا عِنْدَ تَعَارُضِهَا، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، قَادِرًا عَلَى تَحْرِيرِهَا وَتَقْرِيرِهَا وَالِانْفِصَالِ عَنِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهَا.
وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالرُّوَاةِ وَطُرُقِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ، لَا كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي النُّصُوصِ الْإِحْكَامِيَّةِ، عَالِمًا بِاللُّغَةِ وَالنَّحْوِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَةِ كَالْأَصْمَعِيِّ، وَفِي النَّحْوِ كَسِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ، بَلْ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يَعْرِفُ بِهِ أَوْضَاعَ الْعَرَبِ وَالْجَارِي مِنْ عَادَاتِهِمْ فِي الْمُخَاطَبَاتِ بِحَيْثُ يُمَيِّزُ بَيْنَ دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ مِنْ: الْمُطَابَقَةِ، وَالتَّضَمُّنِ، وَالِالْتِزَامِ (١) ، وَالْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ، وَالْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ، وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَالتَّوَاطُؤِ وَالِاشْتِرَاكِ، وَالتَّرَادُفِ وَالتَّبَايُنِ، وَالنَّصِّ وَالظَّاهِرِ، وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَالْمَنْطُوقِ стр. 1083
وَالْمَفْهُومِ، وَالِاقْتِضَاءِ، وَالْإِشَارَةِ، وَالتَّنْبِيهِ، وَالْإِيمَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فَصَّلْنَاهُ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ اسْتِثْمَارُ الْحُكْمِ مِنْ دَلِيلِهِ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ أَيْضًا إِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الْمُتَصَدِّي لِلْحُكْمِ وَالْفَتْوَى فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ.
وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ فِي حُكْمِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ، فَيَكْفِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهَا، وَلَا يَضُرُّهُ فِي ذَلِكَ جَهْلُهُ بِمَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِبَاقِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ، كَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَكَثِّرَةِ بَالِغًا رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِبَعْضِ الْمَسَائِلِ الْخَارِجَةِ عَنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْمَسَائِلِ وَمَدَارِكِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِ الْبَشَرِ.
وَلِهَذَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: " لَا أَدْرِي ".
وَأَمَّا مَا فِيهِ الِاجْتِهَادُ، فَمَا كَانَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ دَلِيلُهُ ظَنِّيٌّ.
فَقَوْلُنَا: (مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ) تَمْيِيزٌ لَهُ عَمَّا كَانَ مِنَ الْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَوْلُنَا: (دَلِيلُهُ ظَنِّيٌّ) تَمْيِيزٌ لَهُ عَمَّا كَانَ دَلِيلُهُ مِنْهَا قَطْعِيًّا كَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ فِيهَا لِأَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهَا يُعَدُّ آثِمًا، وَالْمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِيَّةُ مَا لَا يُعَدُّ الْمُخْطِئُ فِيهَا بِاجْتِهَادِهِ آثِمًا. (١) هَذَا مَا أَرَدْنَاهُ مِنْ بَيَانِ الْمُقَدِّمَةِ. . .، وَأَمَّا الْمَسَائِلُ فَاثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً. стр. 1084
[الْمَسْأَلَةُ الْأَوْلَى النَّبِيَّ ﵇ هَلْ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ]
الْمَسْأَلَةُ الْأَوْلَى
اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ هَلْ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ؟ (١) فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ: إِنَّهُ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِهِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبَّدًا بِهِ، وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قِطْعٍ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي أُمُورِ الْحُرُوبِ دُونَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ ذَلِكَ عَقْلًا وَوُقُوعُهُ سَمْعًا.
أَمَّا الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ: فَلِأَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَهُ بِذَلِكَ وَقَالَ لَهُ: " حُكْمِي عَلَيْكَ أَنْ تَجْتَهِدَ وَتَقِيسَ " لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ عَقْلًا، وَلَا مَعْنَى لِلْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ سِوَى ذَلِكَ. (٢) وَأَمَّا الْوُقُوعُ السَّمْعِيُّ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُولُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أَمْرٌ بِالِاعْتِبَارِ عَلَى الْعُمُومِ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ، وَالنَّبِيُّ ﵇ أَجَلُّهُمْ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ دَلِيلُ التَّعَبُّدِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى مُنْكِرِيهِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ стр. 1085
وَمَا أَرَاهُ يَعُمُّ الْحُكْمَ بِالنَّصِّ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنَ النُّصُوصِ. (١) وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ .
وَالْمُشَاوَرَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا يُحْكَمُ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ لَا فِيمَا يُحْكَمُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْعِتَابِ لِلنَّبِيِّ ﵇ فِي أُسَارَى بَدْرٍ وَقَدْ أَطْلَقَهُمْ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ فَقَالَ ﵇: " «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ عَذَابٌ لَمَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ» " (٢) لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالِاجْتِهَادِ لَا بِالْوَحْيِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ عَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ وَنَسَبَهُ إِلَى الْخَطَأِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِالْوَحْيِ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ ﵇، بَلْ كَانَ غَيْرُهُ أَيْضًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مُتَعَبَّدًا بِذَلِكَ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ، وَمَا يُذْكَرُ بِالتَّفْهِيمِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالِاجْتِهَادِ لَا بِطْرِيقِ الْوَحْيِ. (٣) وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي الْقَضِيَّةَ وَيَنْزِلُ الْقُرْآنُ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَا كَانَ قَضَى بِهِ، فَيَتْرُكُ مَا قَضَى بِهِ عَلَى حَالِهِ، وَيَسْتَقْبِلُ مَا نَزَلَ بِهِ стр. 1086
الْقُرْآنُ، وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاجْتِهَادٍ. (١) وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَكَّةَ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَقَالَ ﵇: " إِلَّا الْإِذْخِرَ» ". (٢) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالِاجْتِهَادِ.
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» " (٣) وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ عُلَمَاءُ أُمَّتِهِ وَارِثَةً لِذَلِكَ عَنْهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْخَبَرِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ أَشَقُّ مِنَ الْعَمَلِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لِظُهُورِهِ؛ وَزِيَادَةٌ الْمَشَقَّةِ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الثَّوَابِ، لِقَوْلِهِ ﵇ لِعَائِشَةَ: " «ثَوَابُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» " (٤) ، وَقَوْلُهُ ﵇: " «أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحْمَدُهَا» " (٥) ، أَيْ أَشَقُّهَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﵇ عَامِلًا بِالِاجْتِهَادِ مَعَ عَمَلِ أُمَّتِهِ بِهِ لَزِمَ اخْتِصَاصُهُمْ بِفَضِيلَةٍ لَمْ تُوجَدْ لَهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّ آحَادَ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ فِي شَيْءٍ أَصْلًا. стр. 1087
الثَّانِي: أَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ النَّظَرُ فِي مُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنَ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَإِلْحَاقِ نَظِيرِ الْمَنْصُوصِ بِهِ بِوَاسِطَةِ الْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ، وَالنَّبِيُّ ﵇ أَوْلَى بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ لِسَلَامَةِ نَظَرِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْخَطَإِ وَالْإِقْرَارِ عَلَيْهِ.
وَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَجَّحَ فِي نَظَرِهِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ ضَرُورَةً، فَلَوْ لَمْ يَقْضِ بِهِ لَكَانَ تَارِكًا لِمَا ظَنَّهُ حُكْمًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ وَهُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي بَيَانِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ يَأْتِي فِيمَا نَذْكُرُهُ مِنَ الْمَعْقُولِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى: فَقَدْ سَبَقَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا (١) فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أَيْ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ: فَالْمُرَادُ مِنْهَا الْمُشَاوَرَةُ فِي أُمُورِ الْحُرُوبِ وَالدُّنْيَا. (٢) وَكَذَلِكَ الْعِتَابُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ .
وَأَمَّا عِتَابُهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَلَعَلَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا بِالْوَحْيِ بَيْنَ قَتْلِ الْكُلِّ أَوْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ أَوْ فِدَاءِ الْكُلِّ، فَأَشَارَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِإِطْلَاقِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَنَزَلَ الْعِتَابُ لِلَّذِينَ عَيَّنُوا لَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، غَيْرَ أَنَّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: " ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ " وَالْمُرَادُ بِهِ أُولَئِكَ خَاصَّةً.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي الْمَرَاسِيلِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً غَيْرَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَقْضِي بِالْوَحْيِ، وَالْوَحْيُ الثَّانِي يَكُونُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ.
أَمَّا الْخَبَرُ الثَّانِي: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُرِيدًا لِاسْتِثْنَاءِ " الْإِذْخِرِ " فَسَبَقَهُ بِهِ الْعَبَّاسُ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الثَّالِثُ: فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يَكُونَ مَوْرُوثًا عَنْهُمْ. стр. 1088
كَيْفَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِرْثَ فِي تَبْلِيغِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ إِلَى الْعَامَّةِ، كَمَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ مُبَلِّغِينَ لِلْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِرْثَ فِيمَا كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي حِفْظِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنَ الْمَعْقُولِ: فَالثَّوَابُ فِيمَا عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُهُ لِلنَّبِيِّ ﵇، وَإِلَّا لَمَا سَاغَ لَهُ الْحُكْمُ إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ تَحْصِيلًا لِزِيَادَةِ الثَّوَابِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَاخْتِصَاصُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ بِذَلِكَ دُونَ النَّبِيِّ ﵇ لَا يُوجِبُ كَوْنِهِمْ أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِمَنْصِبِ وَرُتْبَةِ النُّبُوَّةِ وَتَشْرِيفِهِ بِالْبَعْثَةِ وَهِدَايَةِ الْخَلْقِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ عَلَى جِهَةِ الْعُمُومِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﵇ أَشَدَّ عِلْمًا مِنْ غَيْرِهِ بِمَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ وَجِهَاتِ الِاسْتِنْبَاطِ، إِلَّا أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ فِي حَقِّهِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِالْوَحْيِ، وَهَذَا الشَّرْطُ مِمَّا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِي حَقِّهِ ﵇ فَلَا مَشْرُوطَ، وَهَذَا بِخِلَافِ عُلَمَاءِ أُمَّتِهِ فَافْتَرَقَا.
وَإِنْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى تَعَبُّدِهِ بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ.
وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ، وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الصَّادِرُ عَنْهُ بِالِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَمِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ وَحْيٍ فَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ مَنْزِلَ مَكِيدَةٍ. فَقَالَ: بَلْ هُوَ بِالرَّأْيِ» . (١) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ مُرَاجَعَتُهُ فِي الرَّأْيِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُرَاجَعَتُهُ стр. 1089
فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا تَكُونُ عَنْ رَأْيٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْأَحْكَامِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ مَا يَكُونُ عَنِ اجْتِهَادٍ لَجَازَ أَنْ لَا يُجْعَلَ أَصْلًا لِغَيْرِهِ، وَأَنْ يُخَالَفَ فِيهِ، وَأَنْ لَا يَكْفُرَ مُخَالِفُهُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِالِاجْتِهَادِ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ لَأَظْهَرَهُ، وَلَمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْوَحْيِ فِيمَا كَانَ يَتَوَقَّفُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُفِيدُ سِوَى الظَّنِّ، وَالنَّبِيُّ ﵇ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَلَقِّي الْأَحْكَامِ مِنَ الْوَحْيِ الْقَاطِعِ، وَالْقَادِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْيَقِينِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَصِيرُ إِلَى الظَّنِّ، كَالْمُعَايِنِ لِلْقِبْلَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْأُمُورَ الشَّرْعِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا عِلْمَ لِلْخَلْقِ بِهَا، فَلَوْ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﵇: احْكُمْ بِمَا تَرَى، كَانَ ذَلِكَ تَفْوِيضًا إِلَى مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْأَصْلَحِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ اخْتِلَالَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
السَّادِسُ: أَنَّ لَنَا صَوَابًا فِي الرَّأْيِ وَصِدْقًا فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ صِدْقًا، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِصَوَابِهِ.
السَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ لَجَازَ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وَيَجْعَلَ لَهُ أَنْ يَشْرَعَ شَرِيعَةً بِرَأْيِهِ وَأَنْ يَنْسَخَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَنْسَخَ أَحْكَامًا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِرَأْيِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ صُدُورُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ فَرُبَّمَا أَوْرَثَ ذَلِكَ تُهْمَةً فِي حَقِّهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْوَاضِعُ لِلشَّرِيعَةِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
التَّاسِعُ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ عُرْضَةٌ لِلْخَطَإِ فَوَجَبَ صِيَانَةُ النَّبِيِّ ﵇ عَنْهُ.
الْعَاشِرُ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ النَّصِّ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵇ ; لِأَنَّ الْوَحْيَ مُتَوَقَّعٌ فِي حَقِّهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ.
وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى قَدْ سَبَقَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
стр. 1090
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِمَا اسْتُنْبِطَ مِنَ الْمُنَزَّلِ يَكُونُ حُكْمًا بِالْمُنَزَّلِ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِمَعْنَاهُ، وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . (١) الثَّانِي: أَنَّ حُكْمَهُ بِالِاجْتِهَادِ حُكْمٌ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ، فَتَقْيِيدُهُ بِالْمُنَزَّلِ خِلَافُ الْإِطْلَاقِ.
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْآيَةِ الثَّالِثَةِ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِالْمُشَاوَرَةِ فِي أَمْرِ الْفِدَاءِ، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ لِتَعَلُّقِهِ بِأَعْظَمِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ. (٢) وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرُوهُ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِيهِ، وَبِهِ دَفْعُ مَا ذَكَرُوا عَلَى الْآيَةِ الرَّابِعَةِ.
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْعِتَابِ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، فَهُوَ عَلَى خِلَافِ عُمُومِ الْخِطَابِ الْوَارِدِ فِي الْآيَةِ وَتَخْصِيصِ دَلِيلٍ، فَلَا يَصِحُّ.
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْخَبَرِ الْأَوَّلِ مِنَ السُّنَّةِ بِمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ. (٣) وَقَوْلُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِالْوَحْيِ، وَالْوَحْيُ الثَّانِي نَاسِخٌ لَهُ.
قُلْنَا: النَّسْخُ خِلَافُ الْأَصْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ الدَّلِيلِ الْمَنْسُوخِ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ نَسْخًا لَمَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﵇، غَيْرَ أَنَّ تَعْطِيلَ دَلِيلِ الِاجْتِهَادِ بِنَسْخِ حُكْمِهِ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ الْقُرْآنِ.
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْخَبَرِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِذْخِرُ مُسْتَثْنًى فِيمَا نُزِلَ إِلَيْهِ لَكَانَ تَأْخِيرُهُ إِلَى مَا بَعْدَ قَوْلِ الْعَبَّاسِ تَأْخِيرًا لِلِاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعَ دَعْوَى الْحَاجَةِ إِلَى اتِّصَالِهِ بِهِ حَذَرًا مِنَ التَّلْبِيسِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْخَبَرِ الثَّالِثِ، أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ: " «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» " فِيمَا اخْتُصُّوا بِهِ مِنَ الْعِلْمِ مُطْلَقًا، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ عُلُومُهُمُ الِاجْتِهَادِيَّةُ مَوْرُوثَةً عَنِ الْأَنْبِيَاءِ لَكَانَ ذَلِكَ تَقْيِيدًا لِلْمُطْلَقٍ وَتَخْصِيصًا لِلْعَامِّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَبِهِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ. следующие страницы →