← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الْقُرْآنُ، وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاجْتِهَادٍ. (١) وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَكَّةَ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَقَالَ ﵇: " إِلَّا الْإِذْخِرَ» ". (٢) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالِاجْتِهَادِ. وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» " (٣) وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ عُلَمَاءُ أُمَّتِهِ وَارِثَةً لِذَلِكَ عَنْهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْخَبَرِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ أَشَقُّ مِنَ الْعَمَلِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لِظُهُورِهِ؛ وَزِيَادَةٌ الْمَشَقَّةِ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الثَّوَابِ، لِقَوْلِهِ ﵇ لِعَائِشَةَ: " «ثَوَابُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» " (٤) ، وَقَوْلُهُ ﵇: " «أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحْمَدُهَا» " (٥) ، أَيْ أَشَقُّهَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﵇ عَامِلًا بِالِاجْتِهَادِ مَعَ عَمَلِ أُمَّتِهِ بِهِ لَزِمَ اخْتِصَاصُهُمْ بِفَضِيلَةٍ لَمْ تُوجَدْ لَهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّ آحَادَ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ فِي شَيْءٍ أَصْلًا.

стр. 1087

الثَّانِي: أَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ النَّظَرُ فِي مُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنَ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَإِلْحَاقِ نَظِيرِ الْمَنْصُوصِ بِهِ بِوَاسِطَةِ الْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ، وَالنَّبِيُّ ﵇ أَوْلَى بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ لِسَلَامَةِ نَظَرِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْخَطَإِ وَالْإِقْرَارِ عَلَيْهِ. وَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَجَّحَ فِي نَظَرِهِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ ضَرُورَةً، فَلَوْ لَمْ يَقْضِ بِهِ لَكَانَ تَارِكًا لِمَا ظَنَّهُ حُكْمًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ وَهُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي بَيَانِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ يَأْتِي فِيمَا نَذْكُرُهُ مِنَ الْمَعْقُولِ. وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى: فَقَدْ سَبَقَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا (١) فِيمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أَيْ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ. وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ: فَالْمُرَادُ مِنْهَا الْمُشَاوَرَةُ فِي أُمُورِ الْحُرُوبِ وَالدُّنْيَا. (٢) وَكَذَلِكَ الْعِتَابُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ . وَأَمَّا عِتَابُهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ فَلَعَلَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا بِالْوَحْيِ بَيْنَ قَتْلِ الْكُلِّ أَوْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ أَوْ فِدَاءِ الْكُلِّ، فَأَشَارَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِإِطْلَاقِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَنَزَلَ الْعِتَابُ لِلَّذِينَ عَيَّنُوا لَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، غَيْرَ أَنَّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: " ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ " وَالْمُرَادُ بِهِ أُولَئِكَ خَاصَّةً. وَأَمَّا الْخَبَرُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي الْمَرَاسِيلِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً غَيْرَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَقْضِي بِالْوَحْيِ، وَالْوَحْيُ الثَّانِي يَكُونُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ. أَمَّا الْخَبَرُ الثَّانِي: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُرِيدًا لِاسْتِثْنَاءِ " الْإِذْخِرِ " فَسَبَقَهُ بِهِ الْعَبَّاسُ. وَأَمَّا الْخَبَرُ الثَّالِثُ: فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يَكُونَ مَوْرُوثًا عَنْهُمْ.

стр. 1088

كَيْفَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِرْثَ فِي تَبْلِيغِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ إِلَى الْعَامَّةِ، كَمَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ مُبَلِّغِينَ لِلْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِرْثَ فِيمَا كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي حِفْظِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنَ الْمَعْقُولِ: فَالثَّوَابُ فِيمَا عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُهُ لِلنَّبِيِّ ﵇، وَإِلَّا لَمَا سَاغَ لَهُ الْحُكْمُ إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ تَحْصِيلًا لِزِيَادَةِ الثَّوَابِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَاخْتِصَاصُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ بِذَلِكَ دُونَ النَّبِيِّ ﵇ لَا يُوجِبُ كَوْنِهِمْ أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِمَنْصِبِ وَرُتْبَةِ النُّبُوَّةِ وَتَشْرِيفِهِ بِالْبَعْثَةِ وَهِدَايَةِ الْخَلْقِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ عَلَى جِهَةِ الْعُمُومِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﵇ أَشَدَّ عِلْمًا مِنْ غَيْرِهِ بِمَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ وَجِهَاتِ الِاسْتِنْبَاطِ، إِلَّا أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ فِي حَقِّهِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِالْوَحْيِ، وَهَذَا الشَّرْطُ مِمَّا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِي حَقِّهِ ﵇ فَلَا مَشْرُوطَ، وَهَذَا بِخِلَافِ عُلَمَاءِ أُمَّتِهِ فَافْتَرَقَا. وَإِنْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى تَعَبُّدِهِ بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ. وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ، وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الصَّادِرُ عَنْهُ بِالِاجْتِهَادِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَمِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ «النَّبِيَّ ﵇ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ وَحْيٍ فَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ مَنْزِلَ مَكِيدَةٍ. فَقَالَ: بَلْ هُوَ بِالرَّأْيِ» . (١) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ مُرَاجَعَتُهُ فِي الرَّأْيِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُرَاجَعَتُهُ

стр. 1089

فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا تَكُونُ عَنْ رَأْيٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْأَحْكَامِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ مَا يَكُونُ عَنِ اجْتِهَادٍ لَجَازَ أَنْ لَا يُجْعَلَ أَصْلًا لِغَيْرِهِ، وَأَنْ يُخَالَفَ فِيهِ، وَأَنْ لَا يَكْفُرَ مُخَالِفُهُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِالِاجْتِهَادِ. الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ لَأَظْهَرَهُ، وَلَمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْوَحْيِ فِيمَا كَانَ يَتَوَقَّفُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ. الرَّابِعُ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُفِيدُ سِوَى الظَّنِّ، وَالنَّبِيُّ ﵇ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَلَقِّي الْأَحْكَامِ مِنَ الْوَحْيِ الْقَاطِعِ، وَالْقَادِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْيَقِينِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَصِيرُ إِلَى الظَّنِّ، كَالْمُعَايِنِ لِلْقِبْلَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا. الْخَامِسُ: أَنَّ الْأُمُورَ الشَّرْعِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا عِلْمَ لِلْخَلْقِ بِهَا، فَلَوْ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﵇: احْكُمْ بِمَا تَرَى، كَانَ ذَلِكَ تَفْوِيضًا إِلَى مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْأَصْلَحِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ اخْتِلَالَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. السَّادِسُ: أَنَّ لَنَا صَوَابًا فِي الرَّأْيِ وَصِدْقًا فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ صِدْقًا، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِصَوَابِهِ. السَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ لَجَازَ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا، وَيَجْعَلَ لَهُ أَنْ يَشْرَعَ شَرِيعَةً بِرَأْيِهِ وَأَنْ يَنْسَخَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَنْسَخَ أَحْكَامًا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِرَأْيِهِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. الثَّامِنُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ صُدُورُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ فَرُبَّمَا أَوْرَثَ ذَلِكَ تُهْمَةً فِي حَقِّهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْوَاضِعُ لِلشَّرِيعَةِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. التَّاسِعُ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ عُرْضَةٌ لِلْخَطَإِ فَوَجَبَ صِيَانَةُ النَّبِيِّ ﵇ عَنْهُ. الْعَاشِرُ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ النَّصِّ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵇ ; لِأَنَّ الْوَحْيَ مُتَوَقَّعٌ فِي حَقِّهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ. وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى قَدْ سَبَقَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 1090

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِمَا اسْتُنْبِطَ مِنَ الْمُنَزَّلِ يَكُونُ حُكْمًا بِالْمُنَزَّلِ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِمَعْنَاهُ، وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . (١) الثَّانِي: أَنَّ حُكْمَهُ بِالِاجْتِهَادِ حُكْمٌ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ، فَتَقْيِيدُهُ بِالْمُنَزَّلِ خِلَافُ الْإِطْلَاقِ. وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْآيَةِ الثَّالِثَةِ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِالْمُشَاوَرَةِ فِي أَمْرِ الْفِدَاءِ، وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ لِتَعَلُّقِهِ بِأَعْظَمِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ. (٢) وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرُوهُ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِيهِ، وَبِهِ دَفْعُ مَا ذَكَرُوا عَلَى الْآيَةِ الرَّابِعَةِ. وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْعِتَابِ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، فَهُوَ عَلَى خِلَافِ عُمُومِ الْخِطَابِ الْوَارِدِ فِي الْآيَةِ وَتَخْصِيصِ دَلِيلٍ، فَلَا يَصِحُّ. وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْخَبَرِ الْأَوَّلِ مِنَ السُّنَّةِ بِمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ. (٣) وَقَوْلُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِالْوَحْيِ، وَالْوَحْيُ الثَّانِي نَاسِخٌ لَهُ. قُلْنَا: النَّسْخُ خِلَافُ الْأَصْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ الدَّلِيلِ الْمَنْسُوخِ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ نَسْخًا لَمَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﵇، غَيْرَ أَنَّ تَعْطِيلَ دَلِيلِ الِاجْتِهَادِ بِنَسْخِ حُكْمِهِ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ الْقُرْآنِ. وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْخَبَرِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِذْخِرُ مُسْتَثْنًى فِيمَا نُزِلَ إِلَيْهِ لَكَانَ تَأْخِيرُهُ إِلَى مَا بَعْدَ قَوْلِ الْعَبَّاسِ تَأْخِيرًا لِلِاسْتِثْنَاءِ عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعَ دَعْوَى الْحَاجَةِ إِلَى اتِّصَالِهِ بِهِ حَذَرًا مِنَ التَّلْبِيسِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْخَبَرِ الثَّالِثِ، أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ: " «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» " فِيمَا اخْتُصُّوا بِهِ مِنَ الْعِلْمِ مُطْلَقًا، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ عُلُومُهُمُ الِاجْتِهَادِيَّةُ مَوْرُوثَةً عَنِ الْأَنْبِيَاءِ لَكَانَ ذَلِكَ تَقْيِيدًا لِلْمُطْلَقٍ وَتَخْصِيصًا لِلْعَامِّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَبِهِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ.

стр. 1091

وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَعْقُولِ (١) إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ بِالْقِيَاسِ يَسْتَدْعِي أَصْلًا ثَابِتًا لَا بِالِاجْتِهَادِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. (٢) قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ قَدِ اخْتُصَّ بِمَنْصِبِ الرِّسَالَةِ، فَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْهُ. قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ زِيَادَةَ الثَّوَابِ بِزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ نَوْعُ فَضِيلَةٍ، فَيَبْعُدُ اخْتِصَاصُ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ بِفَضِيلَةٍ لَا تَكُونُ مَوْجُودَةً فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵇، وَإِلَّا كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَعَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الثَّانِي مِنَ الْمَعْقُولِ أَنَّهُ بَاطِلٌ بِاجْتِهَادِ أَهْلِ عَصْرِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ وَاقِعًا بِدَلِيلِ تَقْرِيرِهِ لِمُعَاذٍ عَلَى قَوْلِهِ: " أَجْتَهِدُ رَأْيِي "، وَلَمْ يَكُنِ احْتِمَالُ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِوُرُودِ الْوَحْيِ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ مَانِعًا مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّهِ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ وُجُودُ النَّصِّ لِاحْتِمَالِ وُجُودِهِ. وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ بِالْآيَةِ الْأُولَى أَنَّهَا إِنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَا يَنْطِقُ بِهِ وَاجْتِهَادُهُ مِنْ فِعْلِهِ لَا مِنْ نُطْقِهِ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي الِاجْتِهَادِ لَا فِي النُّطْقِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا اجْتَهَدَ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَنْطِقَ بِحُكْمِ اجْتِهَادِهِ وَالْإِخْبَارُ عَمَّا ظَنَّهُ مِنَ الْحُكْمِ، فَتَكُونُ الْآيَةُ مُتَنَاوِلَةً لَهُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ إِذَا كَانَ مُسْتَنَدُهُ الِاجْتِهَادَ فَلَيْسَ عَنْ وَحْيٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ هَوًى. قُلْنَا: إِذَا كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ وَقِيلَ لَهُ: مَهْمَا ظَنَنْتَ بِاجْتِهَادِكَ حُكْمًا (٣) ، فَهُوَ حُكْمُ الشَّرْعِ فَنُطْقُهُ بِذَلِكَ يَكُونُ عَنْ وَحْيٍ لَا عَنْ هَوًى.

стр. 1092

وَعَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَبْدِيلَهُ لِلْقُرْآنِ لَيْسَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْوَحْيِ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الِاجْتِهَادِ، وَالِاجْتِهَادُ وَإِنْ وَقَعَ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ فَذَلِكَ تَأْوِيلٌ لَا تَبْدِيلٌ. وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ: أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ إِنَّمَا كَانَتْ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ مُتَعَلِّقٍ بِالْحُرُوبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ فِي شَيْءٍ. وَعَنِ الثَّانِيَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ لَوَازِمِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِالِاجْتِهَادِ، بِدَلِيلِ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَاجْتِهَادُ النَّبِيِّ ﵇ لَا يَتَقَاصَرُ عَنِ اجْتِهَادِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ ثَبَتَتْ عِصْمَتُهُمْ بِقَوْلِ الرَّسُولِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرَجِّحًا عَلَيْهِ. وَعَنِ الثَّالِثَةِ: أَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ صَرِيحًا لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ لَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَأَمَّا تَأَخُّرُهُ عَنْ جَوَابِ بَعْضِ مَا كَانَ يُسْأَلُ عَنْهُ فَلِاحْتِمَالِ انْتِظَارِ النَّصِّ الَّذِي لَا يَجُوزُ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ إِلَى حِينِ الْيَأْسِ مِنْهُ؛ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فِي الِاجْتِهَادِ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ، فَإِنَّ زَمَانَ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ. (١) وَعَنِ الرَّابِعَةِ: النَّقْضُ بِمَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ مِنْ تَعَبُّدِ النَّبِيِّ ﵇ بِالْحُكْمِ بِقَوْلِ الشُّهُودِ حَتَّى قَالَ: " إِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ " مَعَ إِمْكَانِ انْتِظَارِهِ فِي ذَلِكَ لِنُزُولِ الْوَحْيِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ. (٢)

стр. 1093

وَعَنِ الْخَامِسَةِ: أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى مَا عَرَفْنَاهُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنْ إِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالصَّوَابِ فِيمَا يُجْتَهَدُ فِيهِ مِنَ الْحَوَادِثِ، كَيْفَ وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقَضٌ بِتَعَبُّدِ غَيْرِهِ بِالِاجْتِهَادِ. وَعَنِ السَّادِسَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تَمْثِيلٌ مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ صَحِيحٍ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً. الثَّانِي: الْفَرْقُ، وَهُوَ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِمَا لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ صَادِقًا قَدْ لَا نَأْمَنُ فِيهِ الْكَذِبَ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ فَعَلَى قَوْلِنَا بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَالنَّبِيُّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُصِيبًا، وَالْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْحُكْمُ عِنْدَ اللَّهِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ مَا أَدَّى إِلَيْهِ نَظَرُ الْمُجْتَهِدِ (١) عَلَى مَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ. (٢) الثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقَضٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ إِذَا كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ. وَعَنِ السَّابِعَةِ: أَنَّهَا أَيْضًا تَمْثِيلٌ مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ صَحِيحٍ، كَيْفَ وَأَنَّا لَا نَمْنَعُ مِنْ إِرْسَالِ رَسُولٍ بِمَا وَصَفُوهُ لَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْمَصَالِحَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى. (٣) وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْلِمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَصْلَحَةَ لِلْمُكَلَّفِينَ فِي إِرْسَالِ رَسُولٍ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَيَعْصِمُهُ عَنِ الْخَطَإِ فِي اجْتِهَادِهِ، كَمَا فِي إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. (٤) وَعَنِ الثَّامِنَةِ: أَنَّ التُّهْمَةَ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ بِرَأْيِهِ بِمَا دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ تَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ بِجِهَةِ الرِّسَالَةِ مِنَ الْمُعْجِزَةِ الْقَاطِعَةِ. وَعَنِ التَّاسِعَةِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ اجْتِهَادٍ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عُرْضَةٌ لِلْخَطَإِ،

стр. 1094

بِدَلِيلِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى (١) الِاجْتِهَادِ، وَاجْتِهَادُ النَّبِيِّ ﵇ غَيْرُ مُتَقَاصِرٍ عَنِ اجْتِهَادِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، فَكَانَ مَعْصُومًا فِيهِ عَنِ الْخَطَإِ. (٢) وَعَنِ الْعَاشِرَةِ: أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الِاجْتِهَادِ دَائِمًا هُوَ وُجُودُ النَّصِّ لَا إِمْكَانُ وُجُودِ النَّصِّ، ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقَضٌ بِاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الاخْتَلاَف فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِمَنْ عَاصَرالنَّبِيِّ ﵇] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﵇، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِمَنْ عَاصَرَهُ. فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازِهِ عَقْلًا، وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَقَلُّونَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: مِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ فِي غَيْبَتِهِ دُونَ حُضُورِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ مُطْلَقًا. الثَّانِي: أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا إِذَا لَمْ يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الْمَنْعِ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: السُّكُوتُ عَنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِهِ كَافٍ. الثَّالِثُ: اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ التَّعَبُّدِ بِهِ سَمْعًا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا كَالْجُبَّائِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي حَقِّ مَنْ حَضَرَ دُونَ مَنْ غَابَ كَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ. وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ مَعَ حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ ظَنًّا لَا قَطْعًا.

стр. 1095

أَمَّا الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا دَلَّلْنَا بِهِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﵇ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَأَمَّا بَيَانُ الْوُقُوعِ: أَمَّا فِي حَضْرَتِهِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ «قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي حَقِّ أَبِي قَتَادَةَ حَيْثُ قَتَلَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَخَذَ سَلَبَهُ غَيْرُهُ: لَا نَقْصِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أَسَدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَنُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: " صَدَقَ وَصُدِّقَ فِي فَتْوَاهُ» " (١) وَلَمْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ. وَأَيْضًا مَا رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ بِالرَّأْيِ، فَقَالَ ﵇: " لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» ". (٢) وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ «أَمَرَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ أَنْ يَحْكُمَا بَيْنَ خَصْمَيْنِ وَقَالَ لَهُمَا: " إِنْ أَصَبْتُمَا فَلَكُمَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْتُمَا فَلَكُمَا حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ» ". (٣) وَأَمَّا فِي غَيْبَتِهِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ مُعَاذٍ وَعَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ حِينَ بَعَثَهُمَا قَاضِيَيْنِ إِلَى الْيَمَنِ.

стр. 1096

فَإِنْ قِيلَ: الْمَوْجُودُ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﵇ قَادِرٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِالنَّصِّ وَبِالرَّسُولِ ﵇، وَالْقَادِرُ عَلَى التَّوَصُّلِ إِلَى الْحُكْمِ عَلَى وَجْهٍ يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ إِذَا عَدَلَ إِلَى الِاجْتِهَادِ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ كَانَ قَبِيحًا، وَالْقَبِيحُ لَا يَكُونُ جَائِزًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالرَّأْيِ فِي حَضْرَةِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ بَابِ التَّعَاطِي وَالِافْتِيَاتِ عَلَى النَّبِيِّ ﵇، وَهُوَ قَبِيحٌ فَلَا يَكُونُ جَائِزًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ النَّبِيِّ ﵇. وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَوَادِثِ إِلَى النَّبِيِّ ﵇، وَلَوْ كَانَ الِاجْتِهَادُ جَائِزًا لَهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْوُقُوعِ، فَهِيَ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِهَا فِي الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ. وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً، فَلَعَلَّهَا خَاصَّةً بِمَنْ وَرَدَتْ فِي حَقِّهِ غَيْرَ عَامَّةٍ. وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ مَا مَرَّ فِي جَوَازِ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ ﵇. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَإِذْنِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ لَا مِنْ بَابِ التَّعَاطِي وَالِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ. وَعَنْ قَوْلِهِمْ: " إِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ فِي أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ " يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ فِيهِ وَجْهُ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ ظَهَرَ غَيْرَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى التَّوَصُّلِ إِلَى مَقْصُودِهِ بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْعُدُولُ عَنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الِاجْتِهَادُ طَرِيقًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْحُكْمِ فَالرُّجُوعُ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ أَيْضًا طَرِيقٌ آخَرُ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمَذْكُورَةَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارُ آحَادٍ، فَهُوَ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ الْمُدَّعَى إِنَّمَا هُوَ حُصُولُ الظَّنِّ بِذَلِكَ دُونَ الْقَطْعِ. قَوْلُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِمَنْ وَرَدَتْ تِلْكَ الْأَخْبَارُ فِي حَقِّهِ. قُلْنَا: الْمَقْصُودُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى وُقُوعِ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِمَّنْ عَاصَرَهُ لَا بَيَانُ وُقُوعِ الِاجْتِهَادِ مِنْ كُلِّ مَنْ عَاصَرَهُ.

стр. 1097

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالثة لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبًا والْإِثْمَ غَيْرُ مَحْطُوطٍ عَنْ مُخَالِفِ مِلَّةِ الْإِسْلَام] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبًا، وَأَنَّ الْإِثْمَ غَيْرُ مَحْطُوطٍ عَنْ مُخَالِفِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ نَظَرَ وَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ أَمْ لَمْ يَنْظُرْ. وَقَالَ الْجَاحِظُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ (١) مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ بِحَطِّ الْإِثْمِ عَنْ مُخَالِفِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ إِذَا نَظَرَ وَاجْتَهَدَ، فَأَدَّاهُ إِلَى مُعْتَقَدِهِ، وَأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِخِلَافِ الْمُعَانِدِ. وَزَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ بِأَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ، وَهُوَ إِنْ أَرَادَ بِالْإِصَابَةِ مُوَافَقَةَ الِاعْتِقَادِ لِلْمُعْتَقِدِ فَقَدْ أَحَالَ وَخَرَجَ عَنِ الْمَعْقُولِ، وَإِلَّا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ الْعَالَمِ وَقِدَمُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا عِنْدَ اخْتِلَافِ الِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ عَقْلِيَّةٍ اعْتُقِدَ فِيهَا النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ بِنَاءً عَلَى مَا أَدَّى إِلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالَاتِ، وَمَا أَظُنُّ عَاقِلًا يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ. وَإِنْ أَرَادَ بِالْإِصَابَةِ أَنَّهُ أَتَى بِمَا كُلِّفَ بِهِ مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ وُسْعِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي الْمُخَالَفَةِ غَيْرُ آثِمٌ، فَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجَاحِظُ، وَهُوَ أَبْعَدُ عَنِ الْأَوَّلِ فِي الْقُبْحِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَالٍ عَقْلًا، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي إِحَالَةِ ذَلِكَ وَجَوَازِهِ شَرْعًا. وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ . وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ: أَنَّهُ ذَمَّهُمْ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعِقَابِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانُوا مَعْذُورِينَ فِيهِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا عُلِمَ مِنْهُ ﵇ عِلْمًا لَا مِرَاءَ فِيهِ تَكْلِيفُهُ لِلْكُفَّارِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِتَصْدِيقِهِ، وَاعْتِقَادِ رِسَالَتِهِ، وَذَمُّهُمْ عَلَى مُعْتَقَدَاتِهِمْ، وَقَتْلُهُ لِمَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ،

стр. 1098

وَتَعْذِيبُهُ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ قَاتَلَهُ وَقَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ مُعَانِدًا بَعْدَ ظُهُورِ الْحَقِّ لَهُ بِدَلِيلِهِ (١) فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا تُحِيلُهُ الْعَادَةُ، وَلَوْ كَانُوا مَعْذُورِينَ فِي اعْتِقَادَاتِهِمْ وَقَدْ أَتَوْا بِمَا كُلِّفُوا بِهِ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ أَنَّ الْأُمَّةَ مِنَ السَّلَفِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِينَ اتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ وَذَمِّهِمْ وَمُهَاجَرَتِهِمْ عَلَى اعْتِقَادَاتِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا مَعْذُورِينَ فِي ذَلِكَ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ عَنِ الْخَطَإِ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَغَايَةُ مَا فِيهَا ذَمُّ الْكُفَّارِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّتْرِ وَالتَّغْطِيَةِ. وَمِنْهُ يُقَالُ لِلَّيْلِ: كَافِرٌ ; لِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِلْحَوَادِثِ، وَلِلْحَارِثِ كَافِرٌ ; لِسَتْرِهِ الْحَبَّ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ إِلَّا فِي حَقِّ الْمُعَانِدِ الْعَارِفِ بِالدَّلِيلِ مَعَ إِنْكَارِهِ لِمُقْتَضَاهُ. كَيْفَ وَأَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ بَعْدَهَا عَلَى الْمُعَانِدِ دُونَ غَيْرِهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الدَّلِيلِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ قَتْلِ النَّبِيِّ ﵇ الْكُفَّارَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ عَنِ اجْتِهَادِهِمْ بَلْ عَلَى إِصْرَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِهْمَالِهِمْ لِتَرْكِ الْبَحْثِ عَمَّا دُعُوا إِلَيْهِ وَالْكَشْفِ عَنْهُ مَعَ إِمْكَانِهِ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ. كَيْفَ وَأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ فِعْلِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﵇. وَدَلِيلُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّ تَكْلِيفَهُمْ بِاعْتِقَادِ نَقِيضِ مُعْتَقَدَهِمُ الَّذِي أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ وَاسْتَفْرَغُوا الْوُسْعَ فِيهِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِلنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .

стр. 1099

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَءُوفٌ بِعِبَادِهِ رَحِيمٌ لَهُمْ، فَلَا يَلِيقُ بِهِ تَعْذِيبُهُمْ عَلَى مَا لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا كَانَ الْإِثْمُ مُرْتَفِعًا عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ اخْتِلَافِ اعْتِقَادَاتِهِمْ فِيهَا، بِنَاءً عَلَى اجْتِهَادَاتِهِمُ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا، كَيْفَ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُمْ أَوَّلُوا قَوْلَ الْجَاحِظِ وَابْنِ الْعَنْبَرِيِّ بِالْحَمْلِ عَلَى الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَكْفِيرَ فِيهَا كَمَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْأَعْمَالِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ فِيهَا ظَنِّيَّةٌ مُتَعَارِضَةٌ. الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ عَلَى الْآيَةِ أَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فِي صِحَّةِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكَافِرِ عَلَى مَنِ اعْتَقَدَ نَقِيضَ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْكُفْرَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّغْطِيَةِ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ التَّغْطِيَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِاعْتِقَادِهِ لِنَقِيضِ الْحَقِّ بِنَاءً عَلَى اجْتِهَادِهِ مُغَطٍّ لِلْحَقِّ مُتَوَقِّفٌ عَلَى عِلْمِهِ بِذَلِكَ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ فَفِيهِ تَرْكُ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنَ الدَّلِيلِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ عَلَى السُّنَّةِ فَبَعِيدٌ أَيْضًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ قَتْلُهُمْ وَذَمُّهُمْ عَلَى مَا كَانُوا قَدِ اعْتَقَدُوهُ عَنِ اجْتِهَادِهِمْ وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِمْ، فَهُوَ لَازِمٌ أَيْضًا عَلَى تَعَذُّرِ قَتْلِهِمْ وَذَمِّهِمْ عَلَى عَدَمِ تَصْدِيقِهِ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ أَفْرَغَ وُسْعَهُ وَبَذَلَ جُهْدَهُ فِي التَّوَصُّلِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إِلَيْهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ فِي امْتِنَاعِ التَّمَسُّكِ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ إِنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا كَانَ مِنَ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْخِلَافِ أَوْ حَالَةِ الْخِلَافِ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ السَّابِقُ عَلَى الْخِلَافِ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُخَالِفِ، وَقَدْ بَيَّنَّا سَبْقَهُ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ فَجَوَابُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (١) قَوْلُهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْوُصُولَ إِلَى

стр. 1100

مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مُمْكِنٌ بِالْأَدِلَّةِ الْمَنْصُوبَةِ عَلَيْهِ، وَوُجُودِ الْعَقْلِ الْهَادِي، وَغَايَتُهُ امْتِنَاعُ الْوُقُوعِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ (١) ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّكْلِيفِ بِهِ وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يَكُونُ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ فَقَدْ سَبَقَ تَخْرِيجَهُ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. وَأَمَّا رَفْعُ الْإِثْمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ الْفِقْهِيَّةِ فَإِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ بِهَا، وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا لَيْسَ هُوَ الظَّنُّ بَلِ الْعِلْمُ وَلَمْ يَحْصُلْ. (٢) وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلِ إِنْ صَحَّ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ الْجَاحِظِ وَابْنِ الْعَنْبَرِيِّ فَفِيهِ رَفْعُ الْخِلَافِ وَالْعَوْدُ إِلَى الْحَقِّ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ.

стр. 1101

[الْمَسْأَلَةُ الرابعة الْإِثْمَ مَحْطُوطٌ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْإِثْمَ مَحْطُوطٌ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَذَهَبَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ، وَابْنُ عُلَيَّةَ، وَأَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ (١) ، وَنُفَاةُ الْقِيَاسِ كَالظَّاهِرِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ مَا مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَّا وَالْحَقُّ فِيهَا مُتَعَيِّنٌ وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، فَمَنْ أَخْطَأَهُ فَهُوَ آثِمٌ غَيْرُ كَافِرٍ وَلَا فَاسِقٍ. وَحُجَّةُ أَهْلِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ مَا نُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا لَا يَدْخُلُهُ رِيبَةٌ وَلَا شَكٌّ، وَعُلِمَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا مِنِ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مَعَ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الِاخْتِلَافِ إِلَى انْقِرَاضِ عَصْرِهِمْ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ نَكِيرٌ وَلَا تَأْثِيمٌ لِأَحَدٍ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِبْهَامِ وَلَا التَّعْيِينِ، مَعَ عِلْمِنَا بِأَنَّهُ لَوْ خَالَفَ أَحَدٌ فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ لَبَادَرُوا إِلَى تَخْطِئَتِهِ وَتَأْثِيمِهِ. فَلَوْ كَانَتِ الْمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِيَّةُ نَازِلَةً مَنْزِلَةَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي كَوْنِهَا قَطْعِيَّةً وَمَأْثُومًا عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِيهَا ; لَبَالَغُوا فِي الْإِنْكَارِ وَالتَّأْثِيمِ حَسَبَ مُبَالَغَتِهِمْ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ وَفِي تَأْثِيمِهِ ; لِاسْتِحَالَةِ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْخَطَإِ، وَدَلَالَةِ النُّصُوصِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ التَّوَاتُرِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْهُ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَقَعَ الْإِنْكَارُ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى مُنْكِرِيهِ، وَمَعَ الْإِنْكَارِ فَلَا إِجْمَاعَ. وَإِنْ سَلَّمْنَا عَدَمَ نَقْلِ إِنْكَارِهِمْ لِذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ صُدُورِ الْإِنْكَارِ مِنْهُمْ ظَاهِرًا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَضْمَرُوا الْإِنْكَارَ وَالتَّأْثِيمَ تُقْيَةً وَخَوْفًا مِنْ ثَوَرَانِ فِتْنَةٍ وَهُجُومِ آفَةٍ. قُلْنَا: أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ فَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَادَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْإِنْكَارُ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَاسْتَحَالَ فِي الْعَادَةِ كِتْمَانُهُ، كَمَا نُقِلَ عَنْهُمُ الْإِنْكَارُ عَلَى الْخَوَارِجِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِمِثْلِ هَذَا يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ السُّؤَالِ الثَّالِثِ.

стр. 1102

[الْمَسْأَلَةُ الخامسة الْمَسْأَلَةُ الظَّنِّيَّةُ مِنَ الْفِقْهِيَّاتِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْمَسْأَلَةُ الظَّنِّيَّةُ مِنَ الْفِقْهِيَّاتِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَصٌّ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا: فَقَالَ قَوْمٌ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ، وَأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِيهَا لَا يَكُونُ وَاحِدًا بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، فَحُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْهُذَيْلِ وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ. (١) وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ وَمَنْ عَدَاهُ مُخْطِئٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لَا يَكُونُ إِلَّا مُعَيَّنًا ; لِأَنَّ الطَّالِبَ يَسْتَدْعِي مَطْلُوبًا وَذَلِكَ الْمَطْلُوبُ هُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدَ اللَّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِحَيْثُ لَوْ نَزَلَ نَصٌّ لَكَانَ عَلَيْهِ. لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِثْلُ دَفِينٍ يُظْفَرُ بِهِ حَالَةَ الِاجْتِهَادِ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَهُوَ مُصِيبٌ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْهُ فَهُوَ مُخْطِئٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَكِنِ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَطْعِيٌّ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِتَأْثِيمِ الْمُجْتَهِدِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ وَنَقْضِ حُكْمِهِ، كَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ التَّأْثِيمِ لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ وَغُمُوضِهِ فَكَانَ مَعْذُورًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ظَنِّيٌّ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَهُوَ مُصِيبٌ وَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنْ لَمْ يَصُبْهُ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ فَوْرِكٍ (٢) وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَائِينِيِّ.

стр. 1103

وَمِنْهُمْ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الْقَوْلَانِ التَّخْطِئَةَ وَالتَّصْوِيبَ، كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْأَشْعَرِيِّ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ، فَإِنْ قَصَّرَ فِي طَلَبِهِ فَهُوَ مُخْطِئٌ آثِمٌ لِتَقْصِيرِهِ فِيمَا كُلِّفَ بِهِ مِنَ الطَّلَبِ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ وَأَفْرَغَ الْوُسْعَ فِي طَلَبِهِ لَكِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إِلَيْهِ ; إِمَّا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ أَوْ لِإِخْفَاءِ الرَّاوِي لَهُ وَعَدَمِ تَبْلِيغِهِ، فَلَا إِثْمَ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَهَلْ هُوَ مُخْطِئٌ أَوْ مُصِيبٌ؟ فَفِيهِ (١) مِنَ الْخِلَافِ مَا سَبَقَ. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ امْتِنَاعُ التَّصْوِيبِ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ (٢) غَيْرَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ قَدِ احْتَجُّوا بِحُجَجٍ ضَعِيفَةٍ لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ. الْحُجَّةُ الْأُولَى: مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ - فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ . وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ خَصَّصَ سُلَيْمَانَ بِفَهْمِ الْحَقِّ فِي الْوَاقِعَةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فَهْمِ (دَاوُدَ) لَهُ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا، وَهُوَ دَلِيلُ اتِّحَادِ حُكْمِ اللَّهِ فِي الْوَاقِعَةِ وَأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وَلَوْلَا أَنَّ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْبَاطِ حُكْمًا مُعَيَّنًا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَفَرَّقُوا فِيهِ) ، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ ، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ وَذَلِكَ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِ الْحَقِّ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى: غَايَةُ مَا فِيهَا تَخْصِيصُ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ فِي حَقِّ (دَاوُدَ) إِلَّا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَسَائِلِ الْمَفْهُومِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي تِلْكَ

стр. 1104

الْقَضِيَّةِ بِالنَّصِّ حُكْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ الْحُكْمَ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَعَلِمَ (سُلَيْمَانُ) بِالنَّصِّ النَّاسِخِ دُونَ (دَاوُدَ) فَكَانَ هَذَا هُوَ الْفَهْمُ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ. وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخْطِئًا لَمَا كَانَ قَدْ أُوتِيَ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ حُكْمًا وَعِلْمًا، (١) وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ حُكْمَهُمَا كَانَ مُخْتَلِفًا لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا حَكَمَا بِالِاجْتِهَادِ مَعَ الْأِذْنِ فِيهِ، وَكَانَا مُحِقَّيْنِ فِي الْحُكْمِ إِلَّا أَنَّهُ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ سُلَيْمَانُ، فَصَارَ مَا حَكَمَ بِهِ حَقًّا مُتَعَيَّنًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ بِهِ، وَنُسِبَ التَّفْهِيمُ إِلَى سُلَيْمَانَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ دَاوُدَ كَانَ مُخْطِئًا فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ غَيْرَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا نَصٌّ يَتَحَقَّقُ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ دُونَ دَاوُدَ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ الْخَطَأَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا إِذَا حَكَمَا بِالِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ فِي الْوَاقِعَةِ نَصٌّ. وَعَلَى الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْأُمُورِ الْقَطْعِيَّةِ دُونَ الِاجْتِهَادِيَّةِ. وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، وَالْقَضَايَا الِاجْتِهَادِيَّةُ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْقَضَايَا الِاجْتِهَادِيَّةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلَى تَصْوِيبِ الْمُسْتَنْبِطِينَ وَالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَصْوِيبِ الْبَعْضِ مِنْهُمْ دُونَ الْبَعْضِ، بَلْ غَايَتُهُ الدَّلَالَةُ بِمَفْهُومِهِ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَوَامِّ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ. وَعَلَى الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ التَّفَرُّقُ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَالتَّوْحِيدِ وَمَا يُطْلَبُ فِيهِ الْقَطْعُ دُونَ الظَّنِّ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، وَمَنْهِيٌّ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ بِالِاخْتِلَافِ

стр. 1105

وَنَهْيٌ عَنِ الِاتِّفَاقِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ. (١) الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ، قَوْلُهُ ﵇: ( «إِذَا اجْتَهَدَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» ) (٢) ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي انْقِسَامِ الِاجْتِهَادِ إِلَى خَطَإٍ وَصَوَابٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِ الْخَبَرِ وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنَّ الْخَطَأَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ أَوْ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ عَنْهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، أَوْ فِيمَا إِذَا أَخْطَأَ فِي مَطْلُوبِهِ مِنْ رَدِّ الْمَالِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِسَبَبِ ظَنِّهِ صِدْقَ الشُّهُودِ وَهُمْ كَاذِبُونَ، أَوْ مُغَالَطَةِ الْخَصْمِ لِكَوْنِهِ أَخْصَمَ مِنْ خَصْمِهِ وَأَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ، لَا فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ (٣) وَإِنَّكُمْ لَتَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ صَاحِبِهِ، فَمَنْ حَكَمْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ". (٤) الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى إِطْلَاقِ لَفْظِ الْخَطَإِ فِي الِاجْتِهَادِ.

стр. 1106

فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: (أَقُولُ فِي الْكَلَالَةِ بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ) . (١) وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَكَمَ بِحُكْمٍ فَقَالَ رَجُلٌ حَضَرَهُ: هَذَا وَاللَّهِ الْحَقُّ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ عُمَرَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِكَاتِبِهِ: (اكْتُبْ، هَذَا مَا رَأَى عُمَرُ فَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنْهُ وَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ) . (٢) وَأَيْضًا قَوْلُهُ فِي جَوَابِ الْمَرْأَةِ الَّتِي رَدَّتْ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَهْرِ: " أَصَابَتِ امْرَأَةٌ وَأَخْطَأَ عُمَرُ ". (٣) وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي اسْتَحْضَرَهَا عُمَرُ فَأَجْهَضَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَقَدْ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: إِنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ، لَا نَرَى عَلَيْكَ شَيْئًا: " إِنْ كَانَا قَدِ اجْتَهَدَا فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدَا فَقَدْ غَشَّاكَ، أَرَى عَلَيْكَ الدِّيَةَ ". (٤) وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُفَوَّضَةِ: (أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ) . (٥)

стр. 1107

وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَزَيْدًا ﵃ خَطَّئُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فِي تَرْكِ الْقَوْلِ بِالْعَوْلِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْلَهُمْ بِالْعَوْلِ بِقَوْلِهِ: " مَنْ شَاءَ أَنْ يُبَاهِلَنِي بَاهَلْتُهُ. . . إِنَّ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا أَلَمْ يَجْعَلْ فِي مَالٍ وَاحِدٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا، هَذَانِ نِصْفَانِ ذَهَبَا بِالْمَالِ فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ؟ (١) وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ! يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا وَلَا يَجْعَلُ أَبَ الْأَبِ أَبًا " (٢) . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ، وَلَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي التَّخْطِئَةِ فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْحَقَّ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ لَيْسَ إِلَّا وَاحِدًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ وُقُوعَ الْخَطَإِ فِي الِاجْتِهَادِ، لَكِنَّ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُجْتَهِدُ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ، أَوْ كَانَ أَهْلًا لَكِنَّهُ قَصَّرَ فِي اجْتِهَادِهِ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ لَكِنَّهُ خَالَفَ النَّصَّ أَوِ الْإِجْمَاعَ أَوِ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ أَوْ فِي مَطْلُوبِهِ دُونَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي جَوَابِ السُّنَّةِ. (٣) وَأَمَّا مَا تَمَّ فِيهِ الِاجْتِهَادُ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مُعَارِضٌ مُبْطِلٌ، فَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قَضَايَا الصَّحَابَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الْخَطَإِ فِيهِ.

стр. 1108

الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاجْتِهَادَ مُكَلَّفٌ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي حُكْمِ الْحَادِثَةِ، وَمَصِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى مُنَاقَضَةِ الْآخَرِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ، أَوْ لَا دَلِيلَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ أَنَّ الدَّلِيلَ مُسْتَنَدُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالدَّلِيلَانِ الْمُتَقَابِلَانِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا عَلَى الْآخَرِ أَوْ هُمَا مُتَسَاوِيَانِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا فَالذَّاهِبُ إِلَيْهِ مُصِيبٌ وَمُخَالِفُهُ مُخْطِئٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَمُقْتَضَاهُمَا التَّخْيِيرُ أَوِ الْوَقْفُ فَالْجَازِمُ بِالنَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ يَكُونُ مُخْطِئًا، وَإِنْ كَانَ لَا دَلِيلَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُمَا مُخْطِئَانِ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَأَحَدُهُمَا مُصِيبٌ وَالْآخِرُ مُخْطِئٌ لَا مَحَالَةَ. الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ يُفْضِي عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، أَوِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَمَا أَفْضَى إِلَى الْمُحَالِ يَكُونُ مُحَالًا. الثَّالِثُ: أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَجْوِيزِ الْمُنَاظَرَةِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُصِيبًا فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُنَاظَرَةِ مَعْنًى وَلَا فَائِدَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا صَارَ إِلَيْهِ مُخَالِفُهُ حَقٌّ وَأَنَّهُ مُصِيبٌ فِيهِ، وَالْمُنَاظَرَةُ إِمَّا لِمَعْرِفَةِ أَنَّ مَا صَارَ إِلَيْهِ خَصْمُهُ صَوَابٌ أَوْ لِرَدِّهِ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَفِيهِ تَحْصِيلٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَقَصْدُ كُلِّ وَاحِدٍ لِرَدِّ صَاحِبِهِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ صَوَابٌ يَكُونُ حَرَامًا. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي حَالِ اجْتِهَادِهِ، إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَطْلُوبٌ أَوْ يَكُونَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مُحَالٌ ; إِذِ الْمُجْتَهِدُ طَالِبٌ، وَطَالِبٌ لَا مَطْلُوبَ لَهُ مُحَالٌ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَمَطْلُوبُهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَنَظَرِهِ، وَذَلِكَ مَعَ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَطْلُوبِ فِي نَفْسِهِ مُحَالٌ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ تَصْوِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَوَجَبَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ

стр. 1109

فِي الْآنِيَةِ بِالطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ أَنْ يُقْضَى بِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ بِالْآخَرِ لِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ صِحَّةَ صَلَاةِ إِمَامِهِ. السَّادِسُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ يَلْزَمُ مِنْهُ أُمُورٌ مُمْتَنِعَةٌ فَيَمْتَنِعُ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيَّةٍ وَكَانَا مُجْتَهِدَيْنِ وَقَالَ لَهَا: " أَنْتِ بَائِنٌ " فَإِنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الزَّوْجُ مِنْ جَوَازِ الرَّجْعَةِ، تَجُوزُ لَهُ الْمُرَاجَعَةُ، وَالْمَرْأَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا تَعْتَقِدُهُ مِنِ امْتِنَاعِ الرَّجْعَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا إِلَيْهِ، وَذَلِكَ إِلَى مُنَازَعَةٍ بَيْنِهِمَا لَا سَبِيلَ إِلَى رَفْعِهَا شَرْعًا، وَهُوَ مُحَالٌ. الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا نَكَحَ وَاحِدٌ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَنَكَحَهَا آخَرُ بَعْدَهُ بِوَلِيٍّ فَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْمَذْهَبَيْنِ حِلُّ الزَّوْجَةِ لِلزَّوْجَيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا اسْتَفْتَى مُجْتَهِدَيْنِ وَاخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ، فَإِمَّا أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلَيْهِمَا وَهُوَ مُحَالٌ، أَوْ بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا وَلَا أَوْلَوِيَّةَ، وَإِمَّا لَا بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَكُونُ مُتَحَيِّرًا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْمُخْتَارَ إِنَّمَا هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِهِ. قَوْلُهُمْ: الدَّلِيلَانِ إِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا أَوْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ. قُلْنَا: فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ؟ الْأَوَّلُ: مَمْنُوعٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ فِي مَسَائِلِ الظُّنُونِ لَيْسَتْ أَدِلَّةً لِذَوَاتِهَا وَصِفَاتِ أَنْفُسِهَا حَتَّى تَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُتَسَاوِيَةً فِي جِهَةِ دَلَالَتِهَا أَوْ مُتَفَاوِتَةً، وَإِنْ كَانَ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ فَلَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ هَذِهِ الْقِسْمَةِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاجِحٌ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الظَّنِّيَّةَ مِمَّا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الظُّنُونِ فَهِيَ أُمُورٌ إِضَافِيَّةٌ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، كَمَا أَنَّ مَا وَافَقَ غَرَضَ زَيْدٍ فَهُوَ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ خَالَفَ غَرَضَهُ. وَعَلَى هَذَا فَلَا تَخْطِئَةَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ فِي نَفْسَيْهِمَا لَا يَخْرُجَانِ عَنِ الْمُسَاوَاةِ أَوِ التَّرْجِيحِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، غَيْرَ أَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْخَطَإِ بِمَعْنَى عَدَمِ الْإِصَابَةِ لِحُكْمِ اللَّهِ فِي الْوَاقِعَةِ، لَا بِمَعْنَى عَدَمِ الظَّفَرِ بِالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الظَّفَرِ بِالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ عَدَمُ

стр. 1110

الظَّفَرِ بِحُكْمِ اللَّهِ فِي الْوَاقِعَةِ ; لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا عِبَارَةٌ عَمَّا أَدَّى إِلَيْهِ نَظَرُ الْمُجْتَهِدِ وَظَنُّهُ، لَا مَا أَدَّى إِلَيْهِ الدَّلِيلُ الرَّاجِحُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّ التَّنَاقُضَ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوِ اجْتَمَعَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ وَالْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى شَخْصَيْنِ فَلَا، وَلِهَذَا فَإِنَّ الْمَيْتَةَ تَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ وَتَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِفْطَارَ رَمَضَانَ مُبَاحٌ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَمَنْ لَهُ عُذْرٌ دُونَ غَيْرِهِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْحِلِّ الَّذِي أَدَّاهُ نَظَرُهُ إِلَيْهِ غَيْرُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالتَّحْرِيمِ الَّذِي أَدَّاهُ نَظَرُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لَمَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ، إِذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلَافِ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ الْآخَرِ، التَّوَجُّهُ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا جِهَةُ الْقِبْلَةِ، كَتَحْرِيمِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخَرِ، وَلَمَا حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا وَجَبَ عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. (١) وَعَلَى الثَّالِثِ: أَنَّ فَائِدَةَ الْمُنَاظَرَةِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيمَا ذَكَرُوهُ، بَلْ لَهَا فَوَائِدُ أُخَرُ تَجِبُ الْمُنَاظَرَةُ لَهَا أَوْ تُسْتَحَبُّ. فَالْأُولَى: كَالْمُنَاظَرَةِ ; لِتَعَرُّفِ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ، أَوْ لِطَلَبِ تَعَرُّفِ التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَسَاوِي الدَّلِيلَيْنِ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، حَتَّى يَجْزِمَ بِالنَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ، أَوْ يَحِلَّ لَهُ الْوَقْفُ أَوِ التَّخْيِيرُ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ. وَالثَّانِيَةُ: كَالْمُنَاظَرَةِ الَّتِي يَطْلُبُ بِهَا تَذْلِيلَ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ، وَالْقُوَّةَ عَلَى اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَاسْتِنْبَاطِهَا مِنْهَا، وَشَحْذَ الْخَاطِرِ، وَتَنْبِيهَ الْمُسْتَمِعِينَ عَلَى مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ وَمَآخِذِهَا ; لِتَحْرِيكِ دَوَاعِيهِمْ إِلَى طَلَبِ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ لِنَيْلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَحِفْظِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. وَعَلَى الرَّابِعِ: أَنَّ مَطْلُوبَ الْمُجْتَهِدِ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ نَظَرُهُ وَاجْتِهَادُهُ لَا غَيْرُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لَا عِنْدُهُ وَلَا عِنْدَ اللَّهِ. وَعَلَى الْخَامِسِ: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْقَضَاءُ بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ صَحِيحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُخَالِفِهِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ بِالْإِمَامِ اعْتِقَادُ صِحَّةِ صَلَاةِ إِمَامِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ.

стр. 1111

وَعَلَى السَّادِسِ: أَمَّا الْإِلْزَامُ الْأَوَّلُ فَلَا نُسَلِّمُ إِفْضَاءَ ذَلِكَ إِلَى مُنَازَعَةٍ لَا تَرْتَفِعُ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ رَفْعُهَا فِيمَا فَرَضُوهُ مِنَ الصُّورَةِ بِرَفْعِ الْأَمْرِ إِلَى حَاكِمٍ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مُحَكَّمٍ مِنْهُمْ، فَمَا حَكَمَ بِهِ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، كَيْفَ وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا مِنَ الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ لَازِمًا مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ اتِّبَاعُ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُخْطِئًا أَوْ مُصِيبًا ; لِأَنَّ الْمُصِيبَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَمَا هُوَ جَوَابٌ لَهُمْ هَا هُنَا، فَهُوَ جَوَابُ الْخَصْمِ فِي قَوْلِهِ بِالتَّصْوِيبِ. وَإِمَّا الْإِلْزَامُ الثَّانِي فَنَقُولُ: أَيُّ النِّكَاحَيْنِ وُجِدَ مِنْ مُعْتَقِدِ صِحَّتِهِ أَوَّلًا فَهُوَ صَحِيحٌ وَالنِّكَاحُ الثَّانِي بَاطِلٌ ; لِكَوْنِهِ نِكَاحًا لِزَوْجَةِ الْغَيْرِ، وَإِنْ صَدَرَ الْأَوَّلُ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ مِنَ الشَّافِعِيِّ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَالثَّانِي صَحِيحٌ. وَأَمَّا الْإِلْزَامُ الثَّالِثُ: فَنَقُولُ حُكْمُ الْعَامِّيِّ عِنْدَ تَعَارُضِ الْفَتَاوَى فِي حَقِّهِ حُكْمُ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَحُكْمُ الْمُجْتَهِدِ فِي ذَلِكَ إِمَّا التَّوَقُّفُ أَوِ التَّخْيِيرُ عَلَى مَا يَأْتِي. وَالْأَقْرَبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْأَصْلُ عَدَمُ التَّصْوِيبِ، وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ دَوَامُهُ، إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ الدَّلِيلِ الْمُخَالِفِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَبْقَى فِيهِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ (١) ، غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي تَصْوِيبِ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِلْإِجْمَاعِ (٢) وَلَا إِجْمَاعَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِنَفْيِهِ. فَإِنْ قِيلَ: وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الدَّلِيلِ الْمُخَالِفِ لِلنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ. وَدَلِيلُهُ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي حُقِّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخْطِئًا لَمَا كَانَ مَا صَارَ إِلَيْهِ حُكْمًا لِلَّهِ وَلَا عِلْمًا.

стр. 1112

وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» " (١) ، وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ ﵇ جَعَلَ الِاقْتِدَاءَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ هُدًى مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا كَمَا بَيَّنَّاهُ قَبْلُ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مُخْطِئٌ لَمَا كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ هُدًى بَلْ ضَلَالَةً. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْوِيغِ خِلَافِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ وَنَعْلَمُ أَنَّ الْخُلَفَاءَ مِنْهُمْ كَانُوا يُوَلُّونَ الْقُضَاةَ وَالْحُكَّامَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِمُخَالَفَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مُنْكِرٌ، وَلَوْ تُصَوِّرَ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَمَا لَمْ يُسَوِّغُوا تَرْكَ الْإِنْكَارِ عَلَى مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَكُلِّ مُنْكَرٍ أَنْكَرُوهُ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ، فَمِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَقُّ مُتَعَيِّنًا فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ لَنَصَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ دَلِيلًا قَاطِعًا، دَفْعًا لِلْإِشْكَالِ وَقَطْعًا لِحُجَّةِ الْمُحْتَجِّ، كَمَا هُوَ الْمَأْلُوفُ مِنْ عَادَةِ الشَّارِعِ فِي كُلِّ مَا دَعَا إِلَيْهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لَوَجَبَ الْحُكْمُ عَلَى مُخَالِفِهِ بِالْفِسْقِ وَالتَّأْثِيمِ كَالْمُخَالَفِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَمَا سَاغَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَامَّةِ تَقْلِيدُ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ وَالتَّحَرِّي فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَحَيْثُ خُيِّرَ فِي التَّقْلِيدِ دَلَّ عَلَى التَّسَاوِي بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّ الشَّرْعَ لَا يُخَيِّرُ إِلَّا فِي حَالَةِ التَّسَاوِي. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَوَجَبَ نَقْضُ كُلِّ حُكْمٍ خَالَفَهُ، كَمَا قَالَهُ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ (٢) ، وَحَيْثُ لَمْ يُنْقَضْ دَلَّ عَلَى التَّسَاوِي.

стр. 1113

الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَمَا وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ اتِّبَاعُ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، وَلَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يَأْمُرُ بِالْخَطَإِ، وَحَيْثُ كَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِهِ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ صَوَابًا. الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَرْجِيحِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَقَابِلَةِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ أَصْلِ الْحُكْمِ وَلَا نَفْيِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنِ التَّرْجِيحِ، فَالدَّلِيلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحُكْمَيْنِ قَائِمٌ، فَكَانَ حَقًّا. السَّادِسُ: أَنَّ حَصْرَ الْحَقِّ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا يُفْضِي إِلَى الضِّيقِ وَالْحَرَجِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . السَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُجْتَهِدُ مُخْطِئًا لَمَا عَلِمَ كَوْنَهُ مَغْفُورًا لَهُ، وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ. وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُخْطِئًا فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ لَا يَجُوزَ كَوْنُهُ مُخْطِئًا، أَوْ يَجُوزَ كَوْنُهُ مُخْطِئًا. الْأَوَّلُ: مُحَالٌ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّخْطِئَةِ لَمْ يُعَيِّنِ الْخَطَأَ فِي وَاحِدٍ، بَلْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِالنَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ. وَالثَّانِي: فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ مَعَ تَجْوِيزِ كَوْنِهِ مُخْطِئًا أَنَّهُ قَدِ انْتَهَى فِي النَّظَرِ إِلَى الرُّتْبَةِ الَّتِي يُغْفَرُ لَهُ بِتَرْكِ مَا بَعْدَهَا أَوْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ. الْأَوَّلُ: مُحَالٌ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُمَيِّزُ مَا بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ مُجَوِّزٌ لِتَرْكِ النَّظَرِ الَّذِي إِذَا أَخَلَّ بِهِ بَعْدَ النَّظَرِ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ لَا يَكُونُ مَغْفُورًا لَهُ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ثَوَابِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَغُفْرَانِ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنَ النَّظَرِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ: أَنَّ غَايَتَهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُوتِيَ حُكْمًا وَعِلْمًا، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَيُخَصُّ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُوتِيَ حُكْمًا وَعِلْمًا فِيمَا حَكَمَ بِهِ، وَقَدْ أَمْكَنَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أُوتِيَ حُكْمًا وَعِلْمًا بِمَعْرِفَةِ دَلَالَاتِ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَدْلُولَاتِهَا وَطُرُقِ الِاسْتِنْبَاطِ، فَلَا يَبْقَى حُجَّةً فِي غَيْرِهِ.

стр. 1114

وَعَنِ السُّنَّةِ أَنَّ الْخَبَرَ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الْأَصْحَابِ وَالْمُقْتَدِينَ بِهِمْ غَيْرَ أَنَّ مَا فِيهِ عَامٌّ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْعُمُومِ فِي الْأَشْخَاصِ الْعُمُومُ فِي الْأَحْوَالِ. وَعَلَى هَذَا فَقَدَ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ فِي الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇، لَا فِي الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، وَقَدْ عَمِلَ بِهِ فِيهِ فَلَا يَبْقَى حُجَّةً فِيمَا عَدَاهُ ضَرُورَةَ إِطْلَاقِهِ. وَعَنِ الْإِجْمَاعِ: أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُنْكِرْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَى بَعْضٍ الْمُخَالَفَةَ ; لِأَنَّ الْمُخْطِئَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ وَمُثَابٌ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَجِبُ إِنْكَارُهُ مِنَ الْخَطَإِ مَا كَانَ مُخْطِئُهُ مُعَيَّنًا، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَعَنِ الشُّبْهَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَعْقُولِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْوَاقِعَةِ مُعَيَّنًا لَنَصَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا قَاطِعًا ; إِذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ (١) . وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ رِعَايَةِ الْحِكْمَةِ وَلَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ طَلَبَ الظَّنِّ بِذَلِكَ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، لَا طَلَبَ الْعِلْمِ بِهِ لِنَيْلِ ثَوَابِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ ثَوَابَهُ لِزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ أَزْيَدُ عَلَى مَا قَالَ ﵇: " «ثَوَابُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» " (٢) ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ حِكْمَةٌ فَلَا مَانِعَ مِنِ اخْتِصَاصِهِ بِحِكْمَةٍ لَا يَعْلَمُهَا سِوَى الرَّبِّ تَعَالَى. وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ إِنَّمَا خُيِّرَ الْعَامِّيُّ فِي التَّقْلِيدِ لِمَنْ شَاءَ لِكَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَعْلَمِ دُونَ مَعْرِفَةِ مَأْخَذِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَوَجْهُ التَّرْجِيجِ فِيهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُخْرِجُهُ عَنِ الْعَامِّيَّةِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِفْتَاءِ بَلْ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَالِمًا أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ قَدِ اسْتَوَيَا فِي نَظَرِهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ مُخَيَّرًا حَتَّى إِنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَعْلَمِ وَلَوْ بِإِخْبَارِ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ. وَعَنِ الثَّالِثَةِ: أَنَّهُ إِنَّمَا امْتَنَعَ نَقْضُ مَا خَالَفَ الصَّوَابَ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ مِنَ الْخَطَإِ. وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّهَا مَنْقُوضَةٌ بِمَا إِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُجْتَهِدُ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مُعَيَّنٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمُجْتَهِدُ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ.

стр. 1115

وَعَنِ الْخَامِسَةِ: أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّرْجِيحَ قَدْ يَكُونُ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنِ اعْتِبَارِهِ جُزْءًا مِنَ الدَّلِيلِ. وَعَلَى هَذَا فَالْمَرْجُوحُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا، وَإِنْ كَانَ دَلِيلًا لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَعَنِ السَّادِسَةِ: أَنَّ الْحَرَجَ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْيِينِ الْحَقِّ إِنْ لَوْ وَجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ اتِّبَاعُهُ قَطْعًا. (١) أَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ مُفَوَّضًا إِلَى ظُنُونِهِمْ وَاجْتِهَادَاتِهِمْ فَلَا. كَيْفَ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مَا إِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا يَكُونُ مُعَيَّنًا، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْحَرَجُ. (٢) وَعَنِ السَّابِعَةِ: بِمَنْعِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُلَازَمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ انْتِهَاءَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ إِلَى حَدٍّ يَقْطَعُ بِانْتِفَاءِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ هُوَ ضَابِطُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مَغْفُورًا لَهُ مَا وَرَاءَهُ.

стр. 1116

[الْمَسْأَلَةُ السادسة اسْتِحَالَةِ التَّعَادُلِ بَيْن الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُتَقَابِلَةِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ اتَّفَقُوا فِي الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُتَقَابِلَةِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى اسْتِحَالَةِ التَّعَادُلِ بَيْنَهَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهَا حَاصِلًا (١) ، فَلَوْ تَعَادَلَ الدَّلِيلَانِ فِي نَفْسَيْهِمَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ حُصُولُ مَدْلُولَيْهِمَا كَالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ وَالدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَعَادُلِ الْأَمَارَاتِ الظَّنِّيَّةِ. فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْكَرْخِيُّ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ (٢) ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَحَالَ تَعَادُلُ الْأَمَارَتَيْنِ فِي نَفْسَيْهِمَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَالًا فِي ذَاتِهِ، أَوْ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ، الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ ; فَإِنَّا لَوْ قَدَّرْنَا ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ عَقْلًا (٣) ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ مِنْ خَارِجٍ عَقْلِيًّا كَانَ أَوْ شَرْعِيًّا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَعَلَى مُدَّعِيهِ بَيَانُهُ. (٤)

стр. 1117

فَإِنْ قِيلَ (١) : إِذَا قِيلَ بِتَعَادُلِ الْأَمَارَتَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، أَوْ بِأَحَدَيْهِمَا دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ لَا يَعْمَلَ وَلَا بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. الْأَوَّلُ: مُحَالٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَالثَّانِي: مُحَالٌ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَعْمَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ أَوِ الْإِبْهَامِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ فَلَا أَوْلَوِيَّةَ مَعَ التَّسَاوِي، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى امْتِنَاعِ تَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِينَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ. الثَّانِي: أَنَّ التَّخْيِيرَ إِبَاحَةٌ لِلْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَهُوَ عَمَلٌ بِأَمَارَةِ الْإِبَاحَةِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ ; لِمَا سَبَقَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ تَخْيِيرِ الْحَاكِمِ لِلْمُتَخَاصِمِينَ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي لِلْعَامِّيِّ بَيْنَ الْحُكْمِ وَنَقِيضِهِ، وَأَنْ يَحْكُمَ لِزَيْدٍ بِحُكْمٍ وَلِعَمْرٍو بِنَقِيضِهِ، وَأَنْ يَحْكُمَ فِي يَوْمٍ بِحُكْمٍ وَفِي الْغَدِ بِنَقِيضِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَالثَّالِثُ أَيْضًا مُحَالٌ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ (٢) ، وَلِأَنَّ وَضْعَ الْأَمَارَتَيْنِ يَكُونُ عَبَثًا، وَالْعَبَثُ فِي تَصَرُّفَاتِ الشَّارِعِ مُمْتَنِعٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْوَاقِعَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ،. . . وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ اخْتِيَارُكُمْ، فَلَوْ تَعَادَلَتِ الْأَمَارَتَانِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ التَّضْلِيلُ وَالْحَيْرَةُ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَلَى الشَّارِعِ الْحَكِيمِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الْأَوْلَى بِمَنْعِ الْحَصْرِ فِيمَا ذَكَرُوهُ ; إِذْ قَدْ أَمْكَنَ قِسْمٌ ثَالِثٌ (٣) وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَجْمُوعِهِمَا بِأَنْ يَكُونَا كَالدَّلِيلِ الْوَاحِدِ، وَمُقْتَضَاهُمَا الْوَقْفُ أَوِ التَّخْيِيرُ.

стр. 1118

وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ ذَلِكَ، فَمَا الْمَانِعُ مِنَ الْعَمَلِ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى طَرِيقِ التَّخْيِيرِ بِأَنْ يَعْمَلَ الْمُكَلَّفُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا، إِنْ شَاءَ أَثْبَتَ وَإِنْ شَاءَ نَفَى. قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى امْتِنَاعِ تَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ. قُلْنَا: مَتَى إِذًا تُرَجَّحُ فِي نَظَرِهِ إِحْدَى الْأَمَارَتَيْنِ أَوْ إِذَا تَعَادَلَتَا؟ . الْأَوَّلُ: مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي: مَمْنُوعٌ، وَلَا بُعْدَ فِي التَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَارُضِ مَعَ التَّسَاوِي نَازِلًا مَنْزِلَةَ وُرُودِ التَّخْيِيرِ مِنَ الشَّارِعِ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، أَوْ كَمَا فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ عِنْدَ مَا إِذَا اجْتَمَعَ فِي مَالِهِ مِائَتَانِ مِنَ الْإِبِلِ بِقَوْلِهِ ﵇: " «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» " (١) ، فَإِنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ فَقَدْ عَمِلَ بِالنَّصِّ، وَإِنْ أَخْرَجَ خَمْسَ بَنَاتٍ لَبُونٍ فَقَدْ عَمِلَ بِالنَّصِّ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ التَّخْيِيرَ إِبَاحَةٌ لِلْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَهُوَ عَمَلٌ بِأَمَارَةِ الْإِبَاحَةِ، وَتَرْكٌ لِأَمَارَةِ الْوُجُوبِ. قُلْنَا: إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ فِي الْعَمَلِ بِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ مَشْرُوطًا بِقَصْدِ الْعَمَلِ بِدَلِيلِهِ، كَمَا فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ وَالْإِتْمَامِ بِشَرْطِ قَصْدِ الْعَمَلِ بِدَلِيلِ الرُّخْصَةِ أَوْ دَلِيلِ الْإِتْمَامِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ تَخْيِيرِ الْحَاكِمِ لِلْخَصْمَيْنِ، وَالْمُفْتِي لِلْعَامِّيِّ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ، لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ التَّخْيِيرُ إِنَّمَا هُوَ لِلْحَاكِمِ وَالْمُفْتِي فِي الْعَمَلِ بِإِحْدَى الْأَمَارَتَيْنِ عِنْدَ الْحُكْمِ وَالْفَتْوَى، فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَيُّنِ مَا اخْتَارَهُ دَفْعًا لِلنِّزَاعِ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَلِلتَّحَيُّرِ عَنِ الْمُسْتَفْتَى. وَأَمَّا حُكْمُهُ لِزَيْدٍ بِحُكْمٍ وَلِعَمْرٍو بِنَقِيضِهِ، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٌ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي يَوْمٍ وَبِنَقِيضِهِ فِي الْغَدِ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَاحِدًا ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِضْرَارِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ لَهُ بِحِلِّ النِّكَاحِ، وَالِانْتِفَاعِ بِالْمِلْكِ فِي وَقْتٍ وَتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ التَّخْيِيرِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِمَا وَالْقَوْلِ بِتَسَاقُطِهِمَا. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. . . إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوِ اعْتَقَدَ نَفْيَ الْحِلِّ وَالْإِبَاحَةِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا.

стр. 1119

قَوْلُهُمْ: إِنَّ وَضْعَ الْأَمَارَتَيْنِ يَكُونُ عَبَثًا فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِي مَوَاضِعِهِ (١) ، وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلَا يَمْتَنِعُ اسْتِلْزَامُ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ بِهَا دُونَ الْمَخْلُوقِينَ. كَيْفَ وَقَدْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ فِيهِ إِيقَافَ عَنِ الْجَزْمِ بِالنَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ. وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ مِنْ تَعَادُلِ الْأَمَارَاتِ. (٢) قَوْلُهُمْ: يَلْزَمُ مِنْهُ التَّحَيُّرُ وَالتَّضْلِيلُ، إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ مُكَلَّفًا بِإِصَابَةِ مَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِمَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ ضَرُورَةَ التَّعَادُلِ كَانَ الْوَاجِبُ التَّخْيِيرَ، أَوِ التَّوَقُّفَ، أَوِ التَّسَاقُطَ. (٣) [الْمَسْأَلَةُ السابعة مَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ مِنَ الْأَقْوَالِ إِلَى الْمُجْتَهِدِ وَمَا لَا يَصِحُّ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فِيمَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ مِنَ الْأَقْوَالِ إِلَى الْمُجْتَهِدِ وَمَا لَا يَصِحُّ. وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ أَوِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَتَحْرِيمِ الزِّنَا فِي اعْتِقَادِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي لَا تَقَابُلَ بَيْنَهَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، كَالتَّحْرِيمِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ وَنَحْوِهِ، وَفِي اعْتِقَادِ وُجُوبِ فِعْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ عَلَى الْبَدَلِ كَالِاعْتِدَادِ بِالْأَطْهَارِ وَالْحَيْضِ، أَوْ فِعْلَيْنِ غَيْرِ مُتَضَادَّيْنِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ. وَأَمَّا اعْتِقَادُ حُكْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَبَيَّنَّا مَأْخَذَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ.

стр. 1120

وَأَمَّا مَا يُقَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لِلْمُجْتَهِدِ الْفُلَانِيِّ قَوْلَانِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَا مَنْصُوصَيْنِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَالْآخِرُ مَنْقُولٌ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِمَا فِي وَقْتَيْنِ أَوْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتَيْنِ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّارِيخُ مَعْلُومًا أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْقَوْلُ الثَّانِي نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ إِسْنَادُهُ إِلَيْهِ دُونَ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ مَرْجُوعًا عَنْهُ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ، فَلَيْسَ إِلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ قَوْلًا لَهُ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ الْآنَ قَوْلُهُ وَمُعْتَقَدُهُ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَيَجِبُ اعْتِقَادُ نِسْبَةِ أَحَدِهِمَا إِلَيْهِ وَالرُّجُوعُ عَنِ الْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا وَلَا مُعَيَّنًا. وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا قَبْلَ التَّبْيِينِ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا عُمِلَ بِهِ هُوَ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ. وَهَذَا كَمَا إِذَا وَجَدْنَا نَصَّيْنِ وَعَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَنَا النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا عُمِلَ بِهِ هُوَ الْمَنْسُوخَ، وَكَذَلِكَ الرَّاوِي فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ كِتَابًا مِنَ الْأَخْبَارِ سِوَى خَبَرٍ وَاحِدٍ مِنْهُ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ رِوَايَةُ شَيْءٍ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَرْوِهِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَإِمَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: " وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى "، أَوْ يُفَرِّعُ عَلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ، فَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: " وَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَقِدًا لَهُ " هُوَ الرَّاجِحُ دُونَ الْمَرْجُوحِ. وَأَمَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْجِيحِ كَمَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحِكَايَةِ لِأَقْوَالِ مَنْ تَقَدَّمَ فَلَا تَكُونُ أَقْوَالًا لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى اعْتِقَادِهِ لِلْقَوْلَيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلِيلَيِ الْقَوْلَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا عَلَى الْآخَرِ فِي نَظَرِهِ، أَوْ هُمَا مُتَسَاوِيَانِ.

стр. 1121

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَاعْتِقَادُهُ لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الْمَرْجُوحِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَاعْتِقَادُهُ لِلتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مُحَالٌ. وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْقَوْلَيْنِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، أَوِ التَّرَدُّدَ وَالشَّكَّ كَتَرَدُّدِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّسْمِيَةِ: هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ؟ فَذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ مَعَهُ نِسْبَةُ الْقَوْلَيْنِ إِلَيْهِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ لَا يُقَالُ: إِنَّ لَهُ فِي الْكَفَّارَةِ أَقْوَالًا. وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ وَتَرَدَّدَ فِيهِ لَا يُقَالُ لَهُ فِيهِ أَقْوَالٌ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ ذَلِكَ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ) عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ فِيهَا دَلِيلَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ، وَلَا مَوْجُودَ سِوَاهُمَا إِمَّا نَصَّانِ أَوِ اسْتِصْحَابَانِ، كَمَا إِذَا أَعْتَقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ عَبْدًا غَائِبًا مُنْقَطِعَ الْخَبَرِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ وَالْأَصْلَ بَقَاءُ اشْتِغَالِ الذِّمَّةِ أَوْ أَصْلَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَالْمَسْأَلَةُ مُشَابِهَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْلَيْنِ عَلَى السَّوِيَّةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِلٌ، فَقَوْلُهُ بِوُجُودِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَهَذَا قَوْلَانِ لَكِنَّهُ لَيْسَ قَوْلًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مَنْقُولًا، فَذَلِكَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي صُورَتَيْنِ مُتَنَاظِرَتَيْنِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَارِقٌ أَوْ لَا يَظْهَرَ، فَإِنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ فَالنَّقْلُ يَكُونُ مُمْتَنِعًا. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بَيْنَهُمَا فَارِقٌ وَكَانَ الْإِمَامُ قَدْ نَصَّ عَلَى حُكْمِ الصُّورَتَيْنِ فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي وَقْتَيْنِ أَوْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّارِيخُ مَعْلُومًا أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا فَتَنْصِيصُهُ عَلَى الْحُكْمِ الْأَخِيرِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ مِثْلِهِ فِي الصُّورَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا أَوَّلًا، ضَرُورَةَ عَدَمِ الْفَرْقِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ رُجُوعُهُ عَنِ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّارِيخُ مَعْلُومًا فَيَجِبُ اعْتِقَادُ اشْتِرَاكِ الصُّورَتَيْنِ فِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ، وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ آخِرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِعَيْنِهِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِينِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ. وَأَمَّا إِنْ نَصَّ عَلَى حُكْمَيِ الصُّورَتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ.

стр. 1122

[الْمَسْأَلَةُ الثامنة حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ لِمَصْلَحَةِ الْحُكْمِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ لِمَصْلَحَةِ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ نَقْضُ حُكْمِهِ إِمَّا بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، أَوْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ آخَرَ، لَأَمْكَنَ نَقْضُ الْحُكْمِ بِالنَّقْضِ وَنَقْضُ النَّقْضِ إِلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اضْطِرَابُ الْأَحْكَامِ وَعَدَمُ الْوُثُوقِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي نُصِبَ الْحَاكِمُ لَهَا. وَإِنَّمَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ قَاطِعٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ، وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ مَنْصُوصَةً أَوْ كَانَ قَدْ قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ (١) ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ مِنْ نَصٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا يُنْقَضُ مَا حُكِمَ بِهِ بِالظَّنِّ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الرُّتْبَةِ. . (٢) وَلَوْ حُكِمَ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ مُقَلِّدًا لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى امْتِنَاعِهِ وَإِبْطَالِ حُكْمِهِ، وَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ مُقَلِّدًا لِإِمَامٍ وَحَكَمَ بِحُكْمٍ يُخَالِفُ مَذْهَبَ إِمَامِهِ، فَإِنْ قَضَيْنَا بِصِحَّةِ حُكْمِ الْمُقَلِّدِ ضَرُورَةَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ فِي زَمَانِنَا، فَنَقْضُ حُكْمِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِ إِمَامِهِ؟ فَإِنْ مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ نُقِضَ، وَإِلَّا فَلَا. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ كَتَجْوِيزِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ بِلَا وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَإِمَّا أَنْ يَتَّصِلَ بِذَلِكَ حُكْمُ حَاكِمٍ آخَرَ، أَوْ لَا يَتَّصِلَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: لَمْ يُنْقَضِ الِاجْتِهَادُ السَّابِقُ ; نَظَرًا إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ وَمَصْلَحَتِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: لَزِمَهُ مُفَارَقَةُ الزَّوْجَةِ، وَإِلَّا كَانَ مُسْتَدِيمًا لِحِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا عَلَى خِلَافِ مُعْتَقَدِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَعَمِلَ ذَلِكَ الْغَيْرُ بِفَتْوَاهُ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُقَلِّدَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُفَارَقَةُ الزَّوْجَةِ لِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مُفْتِيهِ؟ وَالْحَقُّ وُجُوبُهُ، كَمَا لَوْ قَلَّدَ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى فِي أَثْنَاءِ صَلَاةِ الْمُقَلِّدِ لَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَوُّلُ إِلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ.

стр. 1123

[الْمَسْأَلَةُ التاسعة المجتهد لا يجوز له التقليد] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ الْمُكَلَّفُ إِذَا كَانَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ بِتَمَامِهَا فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، فَإِنِ اجْتَهَدَ فِيهَا، وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ فِيهَا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي خِلَافِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ وَتَرَكَ ظَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اجْتَهَدَ فِيهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ: الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ وَتَرَكَ الْأَوْلَى جَازَ لَهُ تَقْلِيدُ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِذَا كَانَ مُتَرَجِّحًا فِي نَظَرِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ خَالَفَهُ وَإِنِ اسْتَوَوْا فِي نَظَرِهِ يُخَيَّرُ فِي تَقْلِيدِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ عَدَاهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْقَدِيمَةِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَلَا يُقَلِّدْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَجْهُ الِاجْتِهَادِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ مُطْلَقًا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ فِيمَا يُفْتِي بِهِ، وَفِيمَا يَخُصُّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِيمَا يَخُصُّهُ دُونَ مَا يُفْتِي بِهِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ خَصَّصَ ذَلِكَ بِمَا يَفُوتُ وَقْتُهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَنْعِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. إِلَّا أَنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ قَدِ احْتَجُّوا بِحُجَجٍ ضَعِيفَةٍ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا وَالتَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِهَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ. الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ مَصِيرُهُ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ.

стр. 1124

الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ وَتَرْكُ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُهُ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ ; لِإِمْكَانِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى خِلَافِ رَأْيِ مَنْ قَلَّدَهُ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ، لَجَازَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ تَقْلِيدُ الْبَعْضِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمَا كَانَ لِمُنَاظَرَاتِهِمْ فِيمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ مَعْنًى. الرَّابِعَةُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ تَتْرُكُ مَا رَأَتْهُ بِاجْتِهَادِهَا لِمَا تَسْمَعُهُ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ عَمَلُ غَيْرِهِمْ بِالْخَبَرِ وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِرَأْيِهِمْ أَوْلَى. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْحُجَّةِ الْأُولَى: إِنَّمَا لَمْ يَجُزِ التَّقْلِيدُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا هُوَ الْعِلْمُ (١) وَهَذَا غَيْرُ حَاصِلٍ بِالتَّقْلِيدِ، بِخِلَافِ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا هُوَ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالتَّقْلِيدِ فَافْتَرَقَا. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ إِلَى حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ فَوُثُوقُهُ بِهِ أَتَمُّ مِنْ وُثُوقِهِ بِمَا يُقَلِّدُ فِيهِ الْغَيْرَ ; لِأَنَّهُ مَعَ مُسَاوَاةِ اجْتِهَادِهِ لِاجْتِهَادِ الْغَيْرِ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْغَيْرُ صَادِقًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ فِيمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَقَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْوُثُوقُ بِحُكْمٍ مَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ مَعَ الِاجْتِهَادِ امْتِنَاعُهُ مَعَ عَدَمِهِ. وَعَلَى الثَّالِثَةِ: أَنَّ مِنَ الْمُخَالِفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْ يُجَوِّزُ تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ إِذَا كَانَ الْمُقَلِّدُ أَعْلَمَ كَمَا سَبَقَ فِي تَفْصِيلِ الْمَذَاهِبِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ. وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوُثُوقَ بِاجْتِهَادِ الصَّحَابِيِّ لِمُشَاهَدَةِ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَزِيَادَةِ اخْتِصَاصِ الصَّحَابَةِ بِالتَّشَدُّدِ فِي الْبَحْثِ عَنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَتَأْسِيسِ الشَّرِيعَةِ، وَعَدَمِ تَسَامُحِهِمْ فِيهَا أَشُدُّ

стр. 1125

مِنْ غَيْرِهِمْ عَلَى مَا قَالَ ﵇: " «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ» ". (١) أَتَمُّ مِنَ الْوُثُوقِ بِاجْتِهَادِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ، وأَمَّا مِثْلُ هَذَا التَّفَاوُتِ فَغَيْرُ وَاقِعٍ بَيْنِ الصَّحَابَةِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ تَقْلِيدِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ لِلصَّحَابِيِّ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ لِلصَّحَابِيِّ. وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فِي مُنَاقَضَةِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، أَوْ لَا يَكُونَ صَرِيحًا، بَلْ دَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ ظَنِّيَّةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَلَا خَفَاءَ فِي امْتِنَاعِ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ مَعَهُ، كَمَا يَمْتَنِعُ عَلَى الصَّحَابِيِّ الْعَمَلُ بِرَأْيِهِ مَعَ ذَلِكَ الْخَبَرِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ: فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الصَّحَابِيِّ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى اعْتِقَادِ مَا رَآهُ أَوَّلًا، وَتَرْجِيحُ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ عَلَى ذَلِكَ الْخَبَرِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الْخَبَرِ. وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، فَمَنِ ادَّعَاهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ الْعَاجِزِ عَنِ التَّوَصُّلِ إِلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ مِنَ الْحُكْمِ جَوَازُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّوَصُّلِ إِلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَوُثُوقُهُ بِهِ أَتَمُّ مِمَّا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ لِمَا سَبَقَ. فَإِنْ قِيلَ: دَلِيلُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَمْرٌ بِالسُّؤَالِ وَأَدْنَى دَرَجَاتِهِ جَوَازُ اتِّبَاعِ الْمَسْئُولِ وَاعْتِقَادُ قَوْلِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا أَصْلًا، بَلْ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ وَمَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ فِيهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا، فَكَانَ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الْآيَةِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ (بِأُولِي الْأَمْرِ) الْعُلَمَاءُ، أَمَرَ غَيْرَ الْعَالِمِ بِطَاعَةِ الْعَالِمِ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِهِ جَوَازُ اتِّبَاعِهِ فِيمَا هُوَ مَذْهَبُهُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُهُ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ» " (٢)
следующие страницы →