Полный текст (1 203 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ حُجَّةً، وَإِجْمَاعُ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بَعْدَ النَّبِيِّ ﵇، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَقَاءِ كُلِّ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ بَعْدَ النَّبِيِّ، وَأَنْ يَعْرِفَ مَقَالَهُ كُلُّ وَاحِدٍ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُتَعَذَّرٌ جِدًّا.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ وَصْفَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالْعَدَالَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ وَتَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ.
وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ أَوْ فِيهِمَا، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِي الْآخِرَةِ لَا غَيْرَ، لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ عُدُولٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلْ مَعْصُومُونَ عَنِ الْخَطَأِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ مِنْهُمْ (١) ، وَفِيهِ إِبْطَالُ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ سَنَجْعَلُكُمْ عُدُولًا، لَا أَنْ يَقُولَ جَعَلْنَاكُمْ، وَإِنْ كَانَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَعَنِ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ نَفْيًا لِلْإِجْمَالِ عَنِ الْكَلَامِ.
الثَّانِي: أَنَّ الِاحْتِجَاجَ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بَلْ فِي وَصْفِهِمْ بِالْعَدَالَةِ، وَمَهْمَا كَانُوا عُدُولًا وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَبِهِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَجَوَابُهُ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى وَصْفِ جُمْلَةِ الْأُمَّةِ بِالْعَدَالَةِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ عَدَالَتُهُمْ فِيمَا يَقُولُونَهُ جُمْلَةً وَآحَادًا غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي بَعْضِ الْآحَادِ فَتَبْقَى الْآيَةُ حُجَّةً فِي عَدَالَتِهِمْ فِيمَا يَقُولُونَهُ جُمْلَةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. стр. 212
قَوْلُهُمْ: الْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَا يَبْقَى حُجَّةً سَنُبْطِلُهُ فِيمَا يَأْتِي (١) .
وَأَمَّا السُّؤَالُ الْخَامِسُ، فَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِكَوْنِهِمْ عُدُولًا وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حَقِيقَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ عَالِمًا بِالْخَفِيَّاتِ فَإِنَّ الْحَكِيمَ إِذَا عَلِمَ مِنْ حَالِ شَخْصٍ أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُخْبِرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ عَدْلٌ.
وَجَوَابُ السَّادِسِ، أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ وَصْفُهُمْ بِالْعَدَالَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ مِمَّا يَرَوْنَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ يَجِبُ صِدْقُهُمْ فِيهِ وَإِلَّا لَمَا كَانُوا عُدُولًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِذَا كَانُوا صَادِقِينَ فِيهِ فَهُوَ صَوَابٌ لِكَوْنِهِ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ ﵇: " «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ» " (٢) وَإِذَا كَانَ صَوَابًا كَانَ خِلَافُهُ خَطَأً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَجَوَابُ السَّابِعِ، أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِ لَفْظِ الْأُمَّةِ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ بِالرَّسُولِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِمَا سَبَقَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَلَا عَلَى مَنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ ; لِأَنَّ أَقْوَالَهُمْ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهَا فِي زَمَنِهِ وَلَا وُجُودَ لَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَاتَ بَعْدَ الْخِطَابِ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﵇ فَلَا يَبْقَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فَائِدَةٌ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ تَحْقِيقًا لِفَائِدَةِ كَوْنِهِمْ شُهَدَاءَ (٣) .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ) وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ عَمَّتْ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَمُقْتَضَى صِدْقِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ أَمْرُهُمْ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهْيُهُمْ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، فَإِذَا أُمِرُوا بِشَيْءٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا أَوْ مُنْكَرًا، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُنْكَرًا وَإِلَّا لَكَانُوا نَاهِينَ عَنْهُ ضَرُورَةَ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَا آمِرِينَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ стр. 213
مَعْرُوفًا، فَخِلَافُهُ يَكُونُ مُنْكَرًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِذَا نَهَوْا عَنْ شَيْءٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْكَرًا، أَوْ مَعْرُوفًا لَا جَائِزًا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا، وَإِلَّا لَكَانُوا آمِرِينَ بِهِ ضَرُورَةَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْعُمُومِ لَا نَاهِينَ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا فَخِلَافُهُ يَكُونُ مَعْرُوفًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ لِلِاسْتِغْرَاقِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ عَامَّةً فِي الْأَمْرِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَلَا النَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ.
سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلْعُمُومِ لَكِنَّ قَوْلَهُ: (كُنْتُمْ) يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِمْ مُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي الْمَاضِي وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اتِّصَافُهُمْ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ، بَلْ رُبَّمَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ اتِّصَافِهِمْ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ نَظَرًا إِلَى قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ، وَعَلَى هَذَا فَمَا وُجِدَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ فَيَكُونُ حُجَّةً، أَوْ بَعْدَهَا فَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
سَلَّمْنَا اتِّصَافَهُمْ بِذَلِكَ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِدَامَتِهِمْ لِذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَعَلَى هَذَا، فَمَا وُجِدَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ مِمَّا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ فِي حَالَةِ كَوْنِهِ حُجَّةً أَوْ فِي غَيْرِهَا.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، لَكِنَّهُ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُمْ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ الْكُلِّ، لَكِنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ خِلَافَ ذَلِكَ ضَرُورَةً، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ بَعْضَ الْأُمَّةِ فَذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مَعْلُومٍ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ مَا سَيَأْتِي فِي الْعُمُومَاتِ، كَيْفَ وَأَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَتَمْيِيزِهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ؟ فَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ مَحْمُولَةً عَلَى الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا وَقَدْ أَمَرَتْ بِالْمَعْرُوفِ كَاتِّبَاعِ أَنْبِيَائِهِمْ وَشَرَائِعِهِمْ، وَنَهَتْ عَنِ الْمُنْكَرِ كَنَهْيِهِمْ عَنِ الْإِلْحَادِ وَتَكْذِيبِ أَنْبِيَائِهِمْ.
وَعَنِ الثَّانِي، إِنَّهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ (كَانَ) هَاهُنَا زَائِدَةً أَوْ تَامَّةً أَوْ زَمَانِيَّةً.
стр. 214
فَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً كَمَا فِي قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتُ بِدَارِ قَوْمٍ ... وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامًا (١) فَإِنَّهُ جَعَلَ (كِرَامًا) نَعْتًا لِلْجِيرَانِ وَأَلْغَى (كَانَ) فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى اتِّصَافِهِمْ بِذَلِكَ حَالًا، لَا فِي الْمَاضِي وَإِنْ أَفَادَتْ نَصْبَ ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ .
وَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ وَالْحُدُوثِ، وَيُكْتَفَى فِيهَا بِاسْمٍ وَاحِدٍ لَا خَبَرَ فِيهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ مَعْنَاهُ حَضَرَ أَوْ وَقَعَ ذُو عُسْرَةٍ، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي ... فَإِنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أَيْ: وُجِدْتُمْ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى اتِّصَافِهِمْ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ لَا فِي الْمَاضِي.
وَإِنْ كَانَتْ زَمَانِيَّةً وَهِيَ النَّاقِصَةُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى اسْمٍ وَخَبَرٍ، فَكَانَ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الْمَاضِي فَقَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ كَذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الَّذِي قَبْلَهُ (٢) .
وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فِعْلٌ مُضَارِعٌ صَالِحٌ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِمَا عَلَى الْعُمُومِ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ أَنَّهُ إِذَا سُلِّمَ كَوْنُ الْآيَةِ حُجَّةً فِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ كَافٍ (٣) إِذْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النِّزَاعِ. стр. 215
وَعَنِ الْخَامِسِ أَنَّ الْخِطَابَ إِذَا كَانَ مَعَ الْأُمَّةِ كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً فِي مَا وُجِدَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ جُمْلَةً وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُجَّةً فِي الْأَفْرَادِ.
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ) وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهَا، أَنَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنِ التَّفَرُّقِ، وَمُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ تَفَرُّقٌ، فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً سِوَى النَّهْيِ عَنْ مُخَالَفَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ صِيغَةِ النَّهْيِ - وَإِنْ سَلَّمْنَاهَا - وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي النَّوَاهِي.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ عُمُومَ النَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلِ التَّفَرُّقُ فِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ إِذْ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْآيَةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِعَبِيدِهِ: (ادْخُلُوا الْبَلَدَ أَجْمَعِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا) فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ فِي دُخُولِ الْبَلَدِ، وَمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَصْرِ اعْتِصَامٌ بِحَبْلِ اللَّهِ؛ فَلَا يَكُونُ التَّفَرُّقُ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
سَلَّمْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ فِي كُلِّ تَفَرُّقٍ، وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ.
فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، وَإِذَا كَانَتِ الظُّنُونُ وَالْآرَاءُ مُخْتَلِفَةً كَانَ التَّفَرُّقُ مَأْمُورًا بِهِ لَا مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَالْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَا يَبْقَى حُجَّةً عَلَى مَا سَيَأْتِي.
سَلَّمْنَا صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، لَكِنَّهُ خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇، فَلَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَإِجْمَاعُ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ فِي زَمَانِهِ إِجْمَاعًا، وَلَا تَحَقُّقَ لِوُجُودِهِمْ بِجُمْلَتِهِمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ؛ حَتَّى يَكُونَ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَا سَيَأْتِي فِي النَّوَاهِي.
وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ أَمْرٌ بِالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ نَهْيٌ عَنِ التَّفَرُّقِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ النَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ فِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ مُفِيدًا لِمَا أَفَادَهُ الْأَمْرُ بِالِاعْتِصَامِ بِهِ، فَكَانَ تَأْكِيدًا، وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ التَّأْسِيسُ دُونَ التَّأْكِيدِ.
стр. 216
وَعَنِ الرَّابِعِ بَيَانُ كَوْنِ الْعَامِّ حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ كَمَا يَأْتِي فِي الْعُمُومَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَيَبْقَى حُجَّةً فِي امْتِنَاعِ التَّفَرُّقِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ وَفِي امْتِنَاعِ مُخَالَفَةِ مَنْ وُجِدَ بَعْدَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ لَهُمْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَعَنِ الْخَامِسِ بِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ مَعَ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ بِتَقْدِيرِ وَجُودِهِمْ وَفَهْمِهِمْ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي الْأَوَامِرِ.
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ .
وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ: أَنَّهُ شَرَطَ التَّنَازُعَ فِي وُجُوبِ الرَّدِّ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمَشْرُوطُ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدِ التَّنَازُعُ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْحُكْمِ كَافٍ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً سِوَى هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: سُقُوطُ وُجُوبِ الرَّدِّ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَافِيَانِ فِي الْحُكْمِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِجْمَاعِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَفِيهِ تَجْوِيزُ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَذَلِكَ مُحَالٌ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ.
كَيْفَ وَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا وُجِدَ التَّنَازُعُ مِمَّنْ تَأَخَّرَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لِإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، فَلَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ دَلِيلِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِيَصِحَّ مَا ذَكَرُوهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِنْبَاطُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا انْحِصَارَ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اكْتِفَاءِ مَنْ وُجِدَ بَعْدَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، أَوِ اكْتِفَاءِ مَنْ وُجِدَ فِي عَصْرِهِمْ مِنَ الْمُقَلِّدَةِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي فَمُشْكِلٌ جِدًّا.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَإِنْ كَانَتْ مُفِيدَةً لِلظَّنِّ فَغَيْرُ مُفِيدَةٍ لِلْقَطْعِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ فَاحْتِجَاجُهُ فِيهَا بِأَمْرٍ ظَنِّيٍّ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمَطْلُوبِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهَا اجْتِهَادِيَّةٌ ظَنِّيَّةٌ.
هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ
стр. 217
وَأَمَّا السُّنَّةُ وَهِيَ أَقْرَبُ الطُّرُقِ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً قَاطِعَةً، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى أَجِلَّاءُ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَغَيْرِهِمْ، بِرِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَلْفَاظِ مُتَّفِقَةِ الْمَعْنَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى عِصْمَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ وَالضَّلَالَةِ كَقَوْلِهِ ﵇: " «أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْخَطَأِ» ، «أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الضَّلَالَةِ» ، «وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ بِالَّذِي يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» ، «لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» ، «وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ فَأَعْطَانِيهِ» ".
وَقَوْلِهِ: " «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» (١) ، «يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَلَا يُبَالِي بِشُذُوذِ مَنْ شَذَّ» ، «وَمَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ لَتُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» ، «وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» ، «وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ» ، «وَمَنْ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ» (٢) . «قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» ، «وَمَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» ، «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» (٣) ".
وَقَوْلِهِ: " «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي نَيِّفًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ تِلْكَ الْفِرْقَةُ؟ قَالَ: هِيَ الْجَمَاعَةُ» ".
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَلَمْ تَزَلْ ظَاهِرَةً مَشْهُورَةً بَيْنَ الصَّحَابَةِ مَعْمُولًا بِهَا، وَلَمْ يُنْكِرْهَا مُنْكِرٌ وَلَا دَفَعَهَا دَافِعٌ. стр. 218
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ كُلُّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ وَلَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا التَّوَاتُرَ، وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ (١) الْخَطَأِ وَالضَّلَالَةِ عَنِ الْأُمَّةِ عِصْمَةَ جَمِيعِهِمْ عَنِ الْكُفْرِ لَا بِتَأْوِيلٍ وَلَا شُبْهَةٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِمْ (٢) عِصْمَتَهُمْ عَنِ الْخَطَأِ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْآخِرَةِ أَوْ فِيمَا يُوَافِقُ النَّصَّ الْمُتَوَاتِرَ أَوْ دَلِيلَ الْعَقْلِ، دُونَ مَا يَكُونُ بِالِاجْتِهَادِ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ كُلِّ خَطَأٍ وَضَلَالٍ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأُمَّةِ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ، فَلَا يَلْزَمُ امْتِنَاعُ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ عَلَيْهِمْ.
سَلَّمْنَا انْتِفَاءَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ عَنِ الْإِجْمَاعِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْصَارِ، وَلَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، مَعَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْفَرْعِيَّاتِ مُصِيبٌ عَلَى مَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدِ الْمُصِيبِينَ اتِّبَاعُ الْمُصِيبِ الْآخَرِ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَلَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَدَلِيلُهُ مَا سَبَقَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَالْمَعْقُولِ فِي الْآيَةِ الْأَوْلَى (٣) .
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَإِنْ كَانَ خَبَرَ وَاحِدٍ يَجُوزُ تَطَرُّقُ الْكَذِبِ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ مِنْ جُمْلَتِهَا قَصْدُ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ تَعْظِيمَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعِصْمَتَهَا عَنِ الْخَطَأِ كَمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ سَخَاءُ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةُ عَلِيٍّ، وَفِقْهُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵃، وَمَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى عَائِشَةَ دُونَ بَاقِي نِسَائِهِ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي آحَادُهَا آحَادٌ، غَيْرَ أَنَّهَا نَازِلَةٌ مَنْزِلَةَ التَّوَاتُرِ (٤) . стр. 219
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ لَمْ تَزَلْ ظَاهِرَةً مَشْهُورَةً بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مُتَمَسَّكًا بِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهَا وَلَا نَكِيرٍ إِلَى زَمَانِ وُجُودِ الْمُخَالِفِينَ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِإِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ، وَالْجَمِّ الْغَفِيرِ مَعَ تَكَرُّرِ الْأَزْمَانِ وَاخْتِلَافِ هِمَمِهِمْ وَدَوَاعِيهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي إِثْبَاتِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ الْمَحْكُومُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنَبِّهَ أَحَدٌ عَلَى فَسَادِهِ وَإِبْطَالِهِ وَإِظْهَارِ النَّكِيرِ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالُ فَلَا قَطْعَ.
قَوْلُكُمْ: إِنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى الْإِجْمَاعِ، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى الْإِجْمَاعِ لَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، بَلْ بِغَيْرِهَا، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى صِحَّةِ الْأَحَادِيثِ بِالْإِجْمَاعِ.
سَلَّمْنَا اسْتِدْلَالَهُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّهُ دَوْرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَحَادِيثِ عَلَى الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْ عَدَمِ النَّكِيرِ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهَا.
وَذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّحَّةِ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهَا لِبِنَاءِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ عَلَيْهَا لِإِحَالَةِ (١) الْعَادَةِ أَنْ لَا تُعَرِّفَ الصَّحَابَةُ لِلتَّابِعِينَ طَرِيقَ صِحَّتِهَا؛ قَطْعًا لِلشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ.
قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الدِّينِ فَلَوْ وُجِدَ فِيمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ نَكِيرٌ لَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَعَظُمَ الْخِلَافُ فِيهِ، كَاشْتِهَارِ خِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ دُونَهُ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، وَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَحَدِّ الشُّرْبِ، وَمَسَائِلِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ، ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتِ الْعَادَةُ تُحِيلُ عَدَمَ نَقْلِهِ، بَلْ كَانَ نَقْلُهُ أَوْلَى مِنْ نَقْلِ مَا خُولِفَ فِيهِ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ، بَلْ أَوْلَى مِنْ نَقْلِ خِلَافِ النَّظَّامِ فِي ذَلِكَ مَعَ خَفَائِهِ وَقِلَّةِ الِاعْتِبَارِ بِقَوْلِهِ.
وَجَوَابُ الثَّانِي: مَا ظَهَرَ وَاشْتَهَرَ مِنْ تَمَسُّكِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ لِمُخَالِفِ الْجَمَاعَةِ، وَالزَّجْرِ عَنِ الْخُرُوجِ عَنْهُمْ ظُهُورًا لَا رَيْبَ فِيهِ. стр. 220
وَجَوَابُ الثَّالِثِ: أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى صِحَّةِ الْأَخْبَارِ لَمْ يَكُنْ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ بِالْعَادَةِ الْمُحِيلَةِ لِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا لَا صِحَّةَ لَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الْأَحْكَامِ.
وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْعَادَةِ غَيْرُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْعَادَةِ عَلَى إِحَالَةِ دَعْوَى وُجُودِ مُعَارِضٍ لِلْقُرْآنِ وَانْدِرَاسِهِ، وَوُجُودِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى إِيجَابِ صَلَاةِ الضُّحَى وَصَوْمِ شَوَّالٍ وَنَحْوِهِ.
وَجَوَابُ الرَّابِعِ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الصَّحَابَةُ قَدْ عَلِمَتْ صِحَّةَ الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ وَكَوْنَهَا مُفِيدَةً لِلْعِلْمِ، بِعِصْمَةِ الْأُمَّةِ لَا بِصَرِيحِ مَقَالٍ بَلْ بِقَرَائِنِ أَحْوَالٍ وَأَمَارَاتٍ دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ لَا سَبِيلَ إِلَى نَقْلِهَا، وَلَوْ نُقِلَتْ لَتَطَرَّقَ إِلَيْهَا التَّأْوِيلُ وَالِاحْتِمَالُ، وَاكْتَفَوْا بِمَا يَعْلَمُهُ التَّابِعُونَ مِنْ أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ الِاعْتِمَادَ عَلَى مَا لَا أَصْلَ لَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ (١) .
قَوْلُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَفَى عَنْهُمُ الضَّلَالَ وَالْخَطَأَ بِمَعْنَى الْكُفْرِ (٢) .
قُلْنَا: هَذِهِ الْأَخْبَارُ نَعْلَمُ أَنَّهَا إِنَّمَا وَرَدَتْ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ، وَفِي حَمْلِهَا عَلَى نَفْيِ الْكُفْرِ عَنْهُمْ خَاصَّةً إِبْطَالُ فَائِدَةِ اخْتِصَاصِهِمْ بِذَلِكَ لِمُشَارَكَةِ بَعْضِ آحَادِ النَّاسِ لِلْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ أَرَادَ بِهَا الْعِصْمَةَ عَمَّا لَا يُعْصَمُ عَنْهُ الْآحَادُ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ وَالْكَذِبِ وَنَحْوِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ بَاقِي التَّأْوِيلَاتِ فَبَاطِلٌ.
فَإِنَّ فَائِدَةَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ إِنَّمَا وَرَدَتْ لِإِيجَابِ مُتَابَعَةِ الْأُمَّةِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَالزَّجْرِ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ، بَلْ عَلَى بَعْضٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَخْبَارِ؛ لَامْتَنَعَ إِيجَابُ مُتَابَعَتِهِمْ فِيهِ لَكِنَّهُ (٣) غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَبَطَلَتْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِ الْأُمَّةِ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ تَعْظِيمِهَا لِمُشَارَكَةِ آحَادِ النَّاسِ لَهُمْ فِي نَفْيِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ عَنْهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ. стр. 221
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ: مَا سَبَقَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ انْتِقَاءُ الْخَطَأِ عَنِ الْإِجْمَاعِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ قَطْعًا، فَمُخَالِفُهُ يَكُونُ مُخْطِئًا قَطْعًا، وَالْمُخْطِئُ قَطْعًا فِي أُمُورِ الدِّينِ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ لَا يَخْرُجُ عَنِ التَّبْدِيعِ وَالتَّفْسِيقِ، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً عَلَى الْغَيْرِ سِوَى ذَلِكَ.
كَيْفَ وَإِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ انْتِفَاءُ الْخَطَأِ عَنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ وَاجِبًا نَفْيًا لِلْخَطَأِ عَنْهُمْ وَعَنِ الْمُعَارَضَاتِ (١) النَّقْلِيَّةِ مَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْخَلْقَ الْكَثِيرَ - وَهُمْ أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ - إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى حُكْمِ قَضِيَّةٍ وَجَزَمُوا بِهِ جَزْمًا قَاطِعًا، فَالْعَادَةُ تُحِيلُ عَلَى مِثْلِهِمُ الْحُكْمَ الْجَزْمَ بِذَلِكَ وَالْقَطْعَ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ قَاطِعٌ (٢) بِحَيْثُ لَا يَتَنَبَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلَى الْخَطَأِ فِي الْقَطْعِ بِمَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ.
وَلِهَذَا وَجَدْنَا أَهْلَ كُلِّ عَصْرٍ قَاطِعِينَ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ لَاسْتَحَالَ فِي الْعَادَةِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْقَطْعِ بِتَخْطِئَةِ الْمُخَالِفِ وَلَا يَقِفُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ.
وَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْمَعْنَوِيَّةَ لَمْ يَرَ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عِنْدَمَا إِذَا كَانَ عَدَدُ الْمُجْمِعِينَ يَنْقُصُ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِجْمَاعُ الْمُحْتَجُّ بِهِ خَصِيصًا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي إِجْمَاعِ كُلِّ مَنْ بَلَغَ عَدَدُهُمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ.
وَقَدِ احْتَجَّ الشِّيعَةُ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ بِأَنَّ (٣) مَا مِنْ عَصْرٍ إِلَّا وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِمَامٍ مَعْصُومٍ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَاعِدَتِهِمْ فِي ذَلِكَ فِي " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ " فَإِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ عَلَى حُكْمِ حَادِثَةٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِيهِمُ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ لِكَوْنِهِ سَيِّدَ الْعُلَمَاءِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ الِاتِّفَاقُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْإِمَامُ الْمَعْصُومُ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا стр. 222
مَقْطُوعًا بِهِ، وَمَا وَافَقَهُ مِنْ قَوْلِ بَاقِي الْأُمَّةِ أَيْضًا يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلْمَقْطُوعِ بِهِ، وَمُخَالِفُ الْقَاطِعِ مُخْطِئٌ لَا مَحَالَةَ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْحُجَّةُ الْأُولَى فَالْعَادَةُ لَا تُحِيلُ الْخَطَأَ عَلَى الْخَلْقِ الْكَثِيرِ بِظَنِّهِمْ مَا لَيْسَ قَاطِعًا قَاطِعًا.
وَلِهَذَا فَإِنَّ الْيَهُودَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ كَثْرَةً تَخْرُجُ عَنْ حَدِّ التَّوَاتُرِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﵇ وَإِنْكَارِ رِسَالَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِخَطَئِهِمْ فِي ظَنِّ مَا لَيْسَ قَاطِعًا قَاطِعًا.
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِاسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، أَوْ لَا يُقَالَ بِاسْتِحَالَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا حَقًّا لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ (١) .
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي إِبْطَالِ التَّمَسُّكِ هَاهُنَا بِالْعَادَةِ لَازَمٌ عَلَيْكُمْ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالسُّنَّةِ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، فَإِنَّ حَاصِلَهُ آيِلٌ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْعَادَةِ، وَفِيهِ إِبْطَالُ مَا قَرَّرْتُمُوهُ.
قُلْنَا: الَّذِي تَمَسَّكْنَا بِهِ مِنَ الْعَادَةِ إِحَالَةُ اتِّفَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى إِسْنَادِ الْمَقْطُوعِ إِلَى الْأَخْبَارِ الَّتِي مُسْتَنَدُ الْعِلْمِ بِهَا وَبِمَدْلُولِهَا السَّمَاعُ الْمَحْسُوسُ أَوْ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ، وَالَّذِي لَا نُحِيلُهُ فِي الْعَادَةِ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ الْغَلَطُ بِظَنِّ مَا لَيْسَ مَقْطُوعًا مَقْطُوعًا بِهِ فِيمَا هُوَ نَظَرِيٌّ وَطُرُقُهُ مُخْتَلِفَةٌ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْسُوسٍ، وَلَا مُسْتَنَدُ الْعِلْمِ بِهِ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ فَافْتَرَقَ الْبَابَانِ. стр. 223
وَأَمَّا حُجَّةُ الشِّيعَةِ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُودِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ فِي كُلِ عَصْرٍ، وَقَدْ أَبْطَلْنَا ذَلِكَ بِالِاعْتِرَاضَاتِ الْقَادِحَةِ وَالْإِشْكَالَاتِ الْمُشَكْلَةِ عَلَى جِهَةِ الْوَفَاءِ وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي مَوْضِعِهِ اللَّائِقِ بِهِ مِنَ الْإِمَامَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، فَعَلَيْكَ بِمُرَاجَعَتِهِ (١) .
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ لا عبرة بغير المسلمين في الإجماع]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ
اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِمُوَافَقَةِ مَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ، وَلَا بِمُخَالَفَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّفَاقُ كُلِّ أَهْلِ الْمِلَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا عُرِفَ كَوْنُهُ حُجَّةً بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَهِيَ مَعَ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا لَا إِشْعَارَ لَهَا بِإِدْرَاجِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ فِي الْإِجْمَاعِ وَلَا دَلَالَةَ لَهَا إِلَّا عَلَى عِصْمَةِ أَهْلِ الْمِلَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ مَقْبُولِ الْقَوْلِ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا فِي إِثْبَاتِ حُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا إِبْطَالِهَا، وَإِذَا تَمَّ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ، فَلَا اعْتِبَارَ بِمُخَالَفَتِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَوِ اعْتُبِرَ فِيهِ إِجْمَاعُ كُلِّ أَهْلِ الْمِلَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمَا أَمْكَنَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، أَمَّا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلِعَدَمِ كَمَالِ الْمُجْمِعِينَ، وَأَمَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَلِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ وَلَا اسْتِدْلَالَ. стр. 224
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ لَا اعْتِبَارَ بِمُوَافَقَةِ الْعَامِّيِّ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَلَا بِمُخَالَفَتِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ
ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِمُوَافَقَةِ الْعَامِّيِّ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَلَا بِمُخَالَفَتِهِ، وَاعْتَبَرَهُ الْأَقَلُّونَ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَ الْأُمَّةِ إِنَّمَا كَانَ حُجَّةً لِعِصْمَتِهَا عَنِ الْخَطَأِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ السَّمْعِيَّةُ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يُمْنَعُ أَنْ تَكُونَ الْعِصْمَةُ مِنْ صِفَاتِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْعِصْمَةُ الثَّابِتَةُ لِلْكُلِّ ثَابِتَةً لِلْبَعْضِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ لِلْجُمْلَةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَفْرَادِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ تَخْصِيصُ مَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ بِأَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ لِسِتَّةِ أَوْجُهٍ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَامِّيَّ يَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إِلَى أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا تَكُونُ مُخَالَفَتُهُ مُعْتَبَرَةً فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْأُمَّةَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلُهَا حُجَّةً إِذَا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إِلَى الِاسْتِدْلَالِ ; لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُحَالٌ، وَالْعَامِّيُّ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَ الْعَامِّيِّ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَالْمَقْطُوعُ بِخَطَئِهِ لَا تَأْثِيرَ لِمُوَافَقَتِهِ وَلَا لِمُخَالَفَتِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ أَهْلَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّحَابَةِ عُلَمَاؤُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمُوَافَقَةِ الْعَامِّيِّ وَلَا بِمُخَالَفَتِهِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْأُمَّةَ إِنَّمَا عُصِمَتْ عَنِ الْخَطَأِ فِي اسْتِدْلَالِهَا ; لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ وَدَلِيلٍ خَطَأٌ، وَالْعَامِّيُّ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ عِصْمَةِ الِاسْتِدْلَالِ فِي حَقِّهِ.
السَّادِسُ: هُوَ أَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِصَابَةُ إِذَا (١) كَانَ قَائِلًا بِالْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ عِصْمَتُهُ ; لِأَنَّ الْعِصْمَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْإِصَابَةِ. стр. 225
وَالْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ الرُّجُوعُ إِلَى أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ دُونَهُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الِاحْتِجَاجُ بِأَقْوَالِهِمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مَشْرُوطًا بِمُوَافَقَةِ الْعَامَّةِ لَهُمْ (١) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْعَامَّةِ لَهُمْ فِيمَا يُفْتُونَ بِهِ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ، لَكِنْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ أَوْ مُطْلَقًا: الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ مُوَافَقَةُ الْعَامَّةِ لِلْعُلَمَاءِ الْمُسْتَدِلِّينَ شَرْطًا فِي جَعْلِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَامِّيُّ مُسْتَدِلًّا (٢) ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ مُوَافَقَةِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ مُوَافَقَةِ الْعَامَّةِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ فِي قُرْبٍ، وَإِنَّمَا الْمُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ الْمُوجِبُ لِلتَّكْلِيفِ، وَبُعْدُهُ فِي حَقِّ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ الْمَانِعُ مِنَ التَّكْلِيفِ (٣)
وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْعَامِّيِّ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأً، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِ مُوَافَقَتِهِ لِلْعُلَمَاءِ فِي أَقْوَالِهِمْ شَرْطًا فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى غَيْرِهِمْ (٤) .
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ دَعْوَى لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا دَلِيلٌ (٥)
وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّ الْعَامِّيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ مُوَافَقَتُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ شَرْطًا فِي كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً. стр. 226
وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْعَامِّيُّ إِذَا انْفَرَدَ بِالْحُكْمِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِصَابَةُ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَصْوِيبِهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ بِتَقْدِيرِ مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ فِي أَقْوَالِهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَامِّيَّ مُصِيبٌ فِي مُوَافَقَتِهِ لِلْعُلَمَاءِ، وَعَلَى هَذَا جَازَ أَنْ تَكُونَ مُوَافَقَتُهُ شَرْطًا فِي جَعْلِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ، غَيْرَ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْإِجْمَاعِ عِنْدَ دُخُولِ الْعَوَامِّ فِيهِ يَكُونُ قَطْعِيًّا وَبِدُونِهِمْ يَكُونُ ظَنِّيًّا (١)
وَعَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ بِإِدْخَالِ الْعَوَامِّ فِي الْإِجْمَاعِ، قَالَ بِإِدْخَالِ الْفَقِيهِ الْحَافِظِ لِأَحْكَامِ الْفُرُوعِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُصُولِيًّا، وَبِإِدْخَالِ الْأُصُولِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِفَقِيهٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَامَّةِ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَصِحَّةِ النَّظَرِ، هَذَا فِي الْأَحْكَامِ، وَهَذَا فِي الْأُصُولِ.
وَمَنْ قَالَ بِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْعَوَامِّ فِي الْإِجْمَاعِ اخْتَلَفُوا فِي الْفَقِيهِ وَالْأُصُولِيِّ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَمَنْ أَثْبَتَ نَظَرَ إِلَى مَا اشْتَمَلَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَهْلِيَّةِ الَّتِي لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْعَامِّيِّ، وَدُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ لَفْظِ الْأُمَّةِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا.
وَمَنْ نَفَى نَظَرَ إِلَى عَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ كَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْفَقِيهِ وَالْأُصُولِيِّ وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَ قَوْلَ الْفَقِيهِ الَّذِي لَيْسَ بِأُصُولِيٍّ وَأَلْغَى قَوْلَ الْأُصُولِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِفَقِيهٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ الْحَالَ وَاعْتَبَرَ قَوْلَ الْأُصُولِيِّ دُونَ الْفَقِيهِ ; لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى مَقْصُودِ الِاجْتِهَادِ لِعَمَلِهِ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ عَلَى اخْتِلَافِ أَقْسَامِهَا، وَكَيْفِيَّةِ دَلَالَاتِهَا وَكَيْفِيَّةِ تَلَقِّي الْأَحْكَامِ مِنْ مَنْطُوقِهَا وَمَفْهُومِهَا وَمَعْقُولِهَا بِخِلَافِ الْفَقِيهِ.
وَمَنِ اعْتَبَرَ قَوْلَ الْأُصُولِيِّ وَالْفَقِيهِ، اعْتَبَرَ قَوْلَ مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَهِرًا بِالْفَتْوَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَذَلِكَ كَوَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ. стр. 227
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ حكم مخالفة المجتهد للإجماع]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ
الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، إِذَا كَانَ مُبْتَدِعًا لَا يَخْلُو ; إِمَّا أَنْ لَا يُكَفَّرَ بِبِدْعَتِهِ أَوْ يُكَفَّرَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا (١) ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْإِجْمَاعُ لَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَةُ إِجْمَاعِ مَنْ عَدَاهُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ، لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَدَاخِلًا فِي مَفْهُومِ لَفْظِ الْأُمَّةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْعِصْمَةِ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا، وَفِسْقُهُ غَيْرُ مُخِلٍّ بِأَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ فِيمَا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ اجْتِهَادِهِ الصِّدْقُ، كَإِخْبَارِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ.
كَيْفَ وَإِنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ صِدْقُ الْفَاسِقِ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهِ فِي مُبَاحَثَاتِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَإِذَا عُلِمَ صِدْقُهُ، وَهُوَ مُجْتَهِدٌ كَانَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ فَاسِقًا، فَالْفَاسِقُ غَيْرُ مَقْبُولِ الْقَوْلِ إِجْمَاعًا فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ، فَكَانَ كَالْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِيمَا يُفْتِي بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ كَالصَّبِيِّ.
قُلْنَا: إِنَّمَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَأَوِّلًا وَكَانَ عَالِمًا بِفِسْقِهِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا، وَعَلَى هَذَا فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ قَبُولِ فَتْوَاهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ عِنْدَهُ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْأُمَّةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْعِصْمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ كُفْرَ نَفْسِهِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ خَالَفَ فِي مَسْأَلَةٍ فَرْعِيَّةٍ وَبَقِيَ مُصِرًّا عَلَى الْمُخَالَفَةِ حَتَّى تَابَ عَنْ بِدْعَتِهِ فَلَا أَثَرَ لِمُخَالَفَتِهِ ; لِانْعِقَادِ إِجْمَاعِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ خَالَفَ إِلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الْإِجْمَاعِ انْقِرَاضَ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ، стр. 228
وَلَوْ تَرَكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْعَمَلَ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ الْمُكَفَّرِ فَهُوَ مَعْذُورٌ، إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِبِدْعَتِهِ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِالْمُخَالَفَةِ كَمَا إِذَا عَمِلَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ شَاهِدِ الزُّورِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِتَزْوِيرِهِ، وَإِنْ عَلِمَ بِبِدْعَتِهِ وَخَالَفَ الْإِجْمَاعَ لِجَهْلِهِ بِأَنَّ تِلْكَ الْبِدْعَةَ مُكَفِّرَةٌ فَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ لِتَقْصِيرِهِ عَنِ الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ لِعُلَمَاءِ الْأُصُولِ (١) الْعَارِفِينَ بِأَدِلَّةِ الْإِيمَانِ وَالتَّكْفِيرِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ بِدَلِيلِهِ إِنْ كَانَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ فَهْمِهِ، وَإِلَّا قَلَّدَهُمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ التَّكْفِيرِ، وَأَمَّا مَاذَا يُكَفَّرُ بِهِ مِنَ الْبِدَعِ فَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا الْكَلَامَ فِيهِ فِي حِكَايَاتِ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ فِي " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ " فَعَلَيْكَ بِمُرَاجَعَتِهِ.
[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ حكم إِجْمَاعُ أَهَّلِ كُلِّ عَصْرٍ]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ
ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْإِجْمَاعِ إِلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُحْتَجَّ بِهِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بَلْ إِجْمَاعُ أَهَّلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةٌ خِلَافًا لِدَاوُدَ وَشِيعَتِهِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَلِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ (٢)
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ حُجَّةَ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً غَيْرُ خَارِجَةٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَهْلِ عَصْرٍ وَعَصْرٍ، بَلْ هُوَ مُتَنَاوِلٌ لِأَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حَسَبَ تَنَاوُلِهِ لِأَهْلِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إِجْمَاعٌ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ حُجَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: حُجَّةُ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇، فَلَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَالْأَخْبَارُ عَلَى (٣) عِصْمَةِ الْأُمَّةِ خَاصَّةٌ стр. 229
بِالصَّحَابَةِ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇، إِذَا هُمْ كُلُّ الْمُؤْمِنِينَ وَكُلُّ الْأُمَّةِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، لَا يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالْإِيمَانِ وَبِكَوْنِهِ مِنَ الْأُمَّةِ.
وَأَمَّا التَّابِعُونَ وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ، فَلَيْسَ هُمْ كُلَّ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا كُلَّ الْأُمَّةِ، فَلَا يَكُونُ الْخِطَابُ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ وَحْدَهُمْ، بَلْ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَهُمْ ضَرُورَةَ اتِّصَافِهِمْ بِذَلِكَ حَالَةَ وُجُودِهِمْ، وَبِمَوْتِهِمْ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ كَوْنِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنَ الْأُمَّةِ.
وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى حُكْمٍ، وَاتَّفَقَ التَّابِعُونَ عَلَى خِلَافِهِ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعُهُمْ مُنْعَقِدًا، وَلَوْ خَرَجَ بِمَوْتِهِ عَنِ الْأُمَّةِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنِ التَّابِعُونَ كُلَّ الْأُمَّةِ وَلَا كُلَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ لَا يَكُونُ هُوَ قَوْلَ كُلِّ الْأُمَّةِ وَلَا كُلِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
وَسَوَاءٌ وُجِدَ لِمَنْ تَقَدَّمَ قَوْلٌ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، فَمُخَالِفُهُمْ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِكُلِّ الْأُمَّةِ وَلَا لِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ وَالتَّوَعُّدِ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ عَلَى انْعِقَادِ إِجْمَاعِ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ حُجَّةً لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ إِجْمَاعَ التَّابِعِينَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَذَلِكَ الدَّلِيلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا.
فَإِنْ كَانَ إِجْمَاعَ مَنْ تَقَدَّمَ فَالْحُكْمُ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لَا بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ.
وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا، فَيَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ جَمِيعِ التَّابِعِينَ لِيَكُونَ مَنَاطَ إِجْمَاعِهِمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
وَإِنْ كَانَ نَصًّا، فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ الصَّحَابَةُ عَالِمَةً بِهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ التَّابِعِينَ بِهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ لَمَا تُصُوِّرَ تَوَاطُؤُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَرْكِهِ وَإِهْمَالِهِ.
الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ سِوَى الصَّادِقِ الْمُؤَيَّدِ بِالْمُعْجِزَةِ لِتَطَرُّقِ الْخَطَأِ وَالْكَذِبِ إِلَى مَنْ عَدَاهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الثَّنَاءُ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
стр. 230
عَلَى الصَّحَابَةِ بِقَوْلِهِ: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (١) "، وَقَوْلِهِ: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» "، وَالذَّمُّ لِأَهْلِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ بِقَوْلِهِ ﵇ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُصْبِحُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَحْلِفُ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُ وَيَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ، وَأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ كَالذِّئَابِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الذَّمِّ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا (٢) ، أَوْجَبَ قَصْرَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْإِجْمَاعِ إِنَّمَا يُمْكِنُ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَمَعْرِفَتِهِ فِي نَفْسِهِ.
وَذَلِكَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ مَشْهُورِينَ مَحْصُورِينَ لِقِلَّتِهِمْ وَانْحِصَارِهِمْ فِي قُطْرٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ وَتَشَتُّتِهِمْ فِي الْبِلَادِ الْمُتَبَاعِدَةِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ لَا تَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا وَلَا فِيهَا نَصٌّ قَاطِعٌ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا ثَمَّ نَصٌّ قَاطِعٌ، وَإِلَّا لَمَا سَاغَ مِنَ الصَّحَابَةِ تَرْكُهُ وَإِهْمَالُهُ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مُجْمَعًا عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا مِنْهُمْ، فَلَوْ أَجْمَعَ التَّابِعُونَ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ مَنَعْنَا مِنَ اجْتِهَادِ غَيْرِهِمْ فِيهَا، فَقَدْ خَرَقْنَا إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَإِنْ جَوَّزْنَا، فَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ هُوَ غَائِبٌ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ بِنَفْيٍ، وَلَا إِثْبَاتٍ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِكَوْنِهِ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَكَانَ لَهُ فِيهَا قَوْلٌ، فَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ مِنَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ التَّابِعِينَ. стр. 231
السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ خَالَفَ وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ إِجْمَاعَ التَّابِعِينَ بَعْدَهُ لَا يَنْعَقِدُ، وَإِذَا لَمْ يُنْقَلْ خِلَافُ مَنْ تَقَدَّمَ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ تَقَدَّمَ خَالَفَ وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، وَإِذَا احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ، فَالْإِجْمَاعُ لَا يَكُونُ مُتَيَقَّنًا.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُمْ فِي الْآيَاتِ إِنَّهَا خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ يَلْزَمُهُمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ ; لِأَنَّ إِجْمَاعَهُمْ لَيْسَ إِجْمَاعَ جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ وَقْتَ نُزُولِهَا، وَأَنْ لَا يُعْتَدَّ بِخِلَافِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِهَا لِكَوْنِهِ خَارِجًا عَنِ الْمُخَاطَبِينَ.
وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ يَكُونُ حُجَّةً.
قَوْلُهُمْ: التَّابِعُونَ لَيْسَ هُمْ كُلَّ الْأُمَّةِ وَلَا كُلَّ الْمُؤْمِنِينَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إِجْمَاعُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ; لِأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ اسْتُشْهِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْمُؤْمِنِينَ وَالْأُمَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ، إِلَّا لِأَنَّ الْمَاضِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَوْلٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَمَا أَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ غَيْرُ مُنْتَظَرٍ.
وَعَلَى هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ ثُمَّ مَاتَ وَأَجْمَعَ التَّابِعُونَ عَلَى خِلَافِهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: إِنَّهُ يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُ التَّابِعِينَ وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْمَاضِي، وَلَيْسَ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى حُكْمٍ، ثُمَّ مَاتُوا وَأَجْمَعَ التَّابِعُونَ عَلَى خِلَافِ إِجْمَاعِ الْمَاضِينَ، أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَهُوَ مُحَالٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْقَائِلِينَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا حَكَمَ الْوَاحِدُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِحُكْمٍ ثُمَّ حَكَمَ التَّابِعُونَ بِخِلَافِهِ، فَحُكْمُ التَّابِعِينَ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَ الْخَوْضُ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا خِلَافُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ حُكْمُ كُلِّ الْأُمَّةِ الْمُعْتَبِرَينَ، وَهَذَا كَمَا لَوْ أَفْتَى الصَّحَابِيُّ بِحُكْمٍ ثُمَّ مَاتَ، وَأَجْمَعَ بَاقِي الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُهُمْ، وَإِنِ انْعَقَدَ إِجْمَاعُهُمْ إِذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ ; لِأَنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْأَوَّلِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ كُلِّ الْأُمَّةِ الْمُعْتَبِرَينَ بِخِلَافِ حُكْمِهِمْ فِي الثَّانِي.
стр. 232
وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ التَّابِعِينَ مَعْلُومًا لِلصَّحَابَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ وَاقِعَةُ الْحُكْمِ لَمْ تَقَعْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِحُكْمِهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ فَتَعَرَّضُوا لِإِثْبَاتِ حُكْمِهَا بِنَاءً عَلَى مَا وَجَدُوهُ مِنَ الدَّلِيلِ الَّذِي كَانَ مَعْلُومًا لِلصَّحَابَةِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَهْلِ عَصْرٍ وَعَصْرٍ، وَقَوْلُهُ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (١) " لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاهْتِدَاءِ بِغَيْرِهِمْ إِلَّا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَالْمَفْهُومُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَضْلًا عَنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي مَسَائِلِ الْمَفْهُومِ.
وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ: " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» " كَيْفَ وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ كَوْنَ إِجْمَاعِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَعَ مُخَالَفَةِ بَاقِي الصَّحَابَةِ لَهُمْ حُجَّةً قَاطِعَةً، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ مِنَ الصَّحَابَةِ؟
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ ذَمَّ أَهْلَ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ.
قُلْنَا: غَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ غَلَبَةُ ظُهُورِ الْفَسَادِ وَالْكَذِبِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خُلُوِّ كُلِّ عَصْرٍ مِمَّنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِ (٢) ، وَأَنَّهُ (٣) إِذَا اتَّفَقَ أَهْلُ ذَلِكَ الْعَصْرِ عَلَى حُكْمٍ لَا يَكُونُونَ مَعْصُومِينَ عَنِ الْخَطَأِ فِيهِ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: مَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ تَصَوُّرِ الِاطِّلَاعِ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ.
وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّهُ إِنْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَجْوِيزِ الْخِلَافِ مُطْلَقًا فَلَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ إِجْمَاعِ التَّابِعِينَ عَلَى الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْإِجْمَاعَيْنِ الْقَاطِعَيْنِ، وَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ فَلَا تَنَاقُضَ.
وَعَنِ الْخَامِسَةِ: أَنَّهَا مُنْتَقِضَةٌ بِالْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ стр. 233
مِنْ بَاقِي الصَّحَابَةِ دُونَهُ وَلَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَائِبَ فِي الْحَالِ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقَوْلِ وَالْحُكْمِ وَالْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ.
وَعَنِ السَّادِسَةِ: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ بِالْمَيِّتِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّحَابَةِ ; فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَالَفَ وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ إِجْمَاعَ بَاقِي الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ يَكُونُ مُنْعَقِدًا، كَيْفَ وَإِنَّ النَّظَرَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الْبَعِيدَةِ مِمَّا لَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ.
وَإِلَّا لَمَا انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَدْ أَظْهَرَ الْمُوَافَقَةَ وَأَبْطَنَ الْمُخَالَفَةَ لِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُوَافَقَتِهِ لِعُمَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ وَإِظْهَارِ النَّكِيرِ بَعْدَهُ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ حكم انْعِقَادِ إِجْمَاعِ الْأَكْثَرِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ
اخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ إِجْمَاعِ الْأَكْثَرِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ، وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْخَيَّاطُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ إِلَى انْعِقَادِهِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ عَدَدَ الْأَقَلِّ إِنْ بَلَغَ التَّوَاتُرَ لَمْ يُعْتَدَّ بِالْإِجْمَاعِ دُونَهُ وَإِلَّا كَانَ مُعْتَدًّا بِهِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ: إِنْ سَوَّغَتِ الْجَمَاعَةُ الِاجْتِهَادَ فِي مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ كَانَ خِلَافُهُ مُعْتَدًّا بِهِ كَخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ، وَإِنْ أَنْكَرَتِ الْجَمَاعَةُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُتْعَةِ وَالْمَنْعِ مِنْ تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ لَمْ يَكُنْ خِلَافُهُ مُعْتَدًّا بِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَ الْأَكْثَرِ يَكُونُ حُجَّةً وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ اتِّبَاعَ الْأَكْثَرِ أَوْلَى وَإِنْ جَازَ خِلَافُهُ، وَالْمُخْتَارُ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّمَسُّكَ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةٌ إِنَّمَا هُوَ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي السُّنَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَلَفْظُ (الْأُمَّةِ) فِي الْأَخْبَارِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ كُلَّ الْمَوْجُودِينَ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيِّ عَصْرٍ كَانَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْأَكْثَرَ كَمَا يُقَالُ: بَنُو تَمِيمٍ يَحْمُونَ الْجَارَ وَيُكْرِمُونَ الضَّيْفَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْجَمِيعِ مِمَّا يُوجِبُ الْعَمَلَ بِالْإِجْمَاعِ
стр. 234
قَطْعًا لِدُخُولِ الْعَدَدِ الْأَكْثَرِ فِي الْكُلِّ، وَلَا كَذَلِكَ إِذَا حُمِلَ عَلَى الْأَكْثَرِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ مَقْطُوعًا بِهِ لِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ الْكُلِّ، وَالْأَكْثَرُ لَيْسَ هُوَ الْكُلَّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ جَرَى مِثْلُ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى خِلَافِ الْوَاحِدِ، بَلْ سَوَّغُوا لَهُ الِاجْتِهَادَ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَكْثَرِ، وَلَوْ كَانَ إِجْمَاعُ الْأَكْثَرِ حُجَّةً مُلْزِمَةً لِلْغَيْرِ الْأَخْذَ بِهِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمِنْ ذَلِكَ اتِّفَاقُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ عَلَى امْتِنَاعِ قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ مَعَ خِلَافِ أَبِي بَكْرٍ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ خِلَافُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ لِمَا انْفَرَدَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ وَتَحْلِيلِ الْمُتْعَةِ وَأَنَّهُ لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ.
وَكَذَلِكَ خِلَافُهُمْ لِابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ فِي مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ، وَلِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ، وَلِأَبِي مُوسَى فِي قَوْلِهِ: النَّوْمُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلِأَبِي طَلْحَةَ فِي قَوْلِهِ بِأَنَّ أَكْلَ الْبَرَدِ لَا يُفْطِرُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ إِجْمَاعُ الْأَكْثَرِ حُجَّةً، لَبَادَرُوا بِالْإِنْكَارِ وَالتَّخْطِئَةِ وَمَا وُجِدَ مِنْهُمْ مِنَ الْإِنْكَارِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَمْ يَكُنْ إِنْكَارَ تَخْطِئَةٍ، بَلْ إِنْكَارُ مُنَاظَرَةٍ فِي الْمَأْخَذِ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، وَلِذَلِكَ بَقِيَ الْخِلَافُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَقَلُّونَ جَائِزًا إِلَى وَقْتِنَا هَذَا، وَرُبَّمَا كَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَقَلُّ هُوَ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ الْآنَ كَقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ الْمَقْطُوعِ بِهِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِغًا.
وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ هَاهُنَا بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ إِنَّهُ لَوِ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْأَكْثَرِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ فَإِمَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُ مَا عَلِمَهُ بِالدَّلِيلِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى التَّقْلِيدِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدِ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً مَقْطُوعًا بِهَا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَمَا سَاغَتْ مُخَالَفَتُهُ بِالِاجْتِهَادِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا فَرَضْنَا أَنَّ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْأَكْثَرِ دُونَ الْأَقَلِّ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، فَالْقَوْلُ بِرُجُوعِ الْوَاحِدِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ مَا أَوْجَبَهُ اجْتِهَادُهُ، لَا يَكُونُ مُنْكَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الِاجْتِهَادِ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى حُكْمٍ ثُمَّ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ مُجْتَهِدٌ يُرَى فِي اجْتِهَادِهِ مَا يُخَالِفُ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ السَّابِقَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ، بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْأُمَّةِ (١) . стр. 235
احْتَجَّ الْمُخَالِفُونَ بِالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا مِنْ جِهَةِ النُّصُوصِ فَمِنْهَا مَا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ، وَلَفْظُ (الْأُمَّةِ) يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى أَهْلِ الْعَصْرِ وَإِنْ شَذَّ مِنْهُمُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ كَمَا يُقَالُ: بَنُو تَمِيمٍ يَحْمُونَ الْجَارَ، وَيُكْرِمُونَ الضَّيْفَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَكْثَرُ، فَكَانَ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً لِدَلَالَةِ النُّصُوصِ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇: " «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ إِيَّاكُمْ وَالشُّذُوذَ» "، وَالْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ الْكَثِيرِ شُذُوذٌ.
( «الشَّيْطَانُ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ عَنِ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» ) وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الْأُمَّةَ اعْتَمَدَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ لَمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ كَعَلِيٍّ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَلَوْلَا أَنَّ إِجْمَاعِ الْأَكْثَرِ حُجَّةٌ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ، لَمَا كَانَتْ إِمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ ثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ فَمِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ بِأَمْرٍ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَخَبَرَ الْجَمَاعَةِ إِذَا بَلَغَ عَدَدُهُمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ وَالْإِجْمَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْكَثْرَةَ يَحْصُلُ بِهَا التَّرْجِيحُ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرِ، فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ فِي الِاجْتِهَادِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَتْ مُخَالَفَةُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ لَمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ مَا مِنْ إِجْمَاعٍ إِلَّا وَيُمْكِنُ مُخَالَفَةُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فِيهِ إِمَّا سِرًّا وَإِمَّا عَلَانِيَةً.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ فِي الْعَصْرِ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُخَالِفٌ حَتَّى يَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرَتْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ فِي رِبَا الْفَضْلِ فِي النُّقُودِ وَتَحْلِيلِ الْمُتْعَةِ وَالْعَوْلِ، وَلَوْلَا أَنَّ اتِّفَاقَ الْأَكْثَرِ حُجَّةٌ لَمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ الْإِنْكَارُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ.
وَالْجَوَابُ قَوْلُهُمْ: لَفْظُ (الْأُمَّةِ) يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْأَكْثَرِ.
стр. 236
قُلْنَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِذَا شَذَّ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَاحِدٌ لَيْسَ هُمْ كُلَّ الْأُمَّةِ وَلَا كُلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَشِذَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ حَمْلُ لَفَظِ (الْأُمَّةِ) عَلَى الْكُلِّ لِكَوْنِ الْحُجَّةِ فِيهِ قَطْعِيَّةً لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي حُجَّتِنَا.
وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ ﵇: " «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» (١) " عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْعَصْرِ ; لِأَنَّهُ لَا أَعْظَمَ مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَظَاهِرُ هَذَا الْخَبَرِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَيْسَ الْأَعْظَمَ وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ لَهُمْ.
قُلْنَا: هُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَأْتِي بِعْدَهُمْ أَقَلَّ عَدَدًا مِنْهُمْ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ» " وَحَيْثُ قَالَ ﵇: " «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» "، إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ انْعِقَادَ جَمَاعَةِ الصَّلَاةِ بِهِمَا، وَقَوْلِهِ: " «إِيَّاكُمْ وَالشُّذُوذَ» ".
قُلْنَا: الشَّاذُّ هُوَ الْمُخَالِفُ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ لَا مَنْ خَالَفَ قَبْلَ الْمُوَافَقَةِ، وَقَوْلِهِ: " «الشَّيْطَانُ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ عَنِ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» " أَرَادَ بِهِ الْحَثَّ عَلَى طَلَبِ الرَّفِيقِ فِي الطَّرِيقِ، وَلِهَذَا قَالَ " «وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» ".
وَمَا ذَكَرُوهُ فِي عَقْدِ الْإِمَامَةِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُعْتَبَرٌ فِي انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ، بَلِ الْبَيْعَةُ بِمَحْضَرٍ مِنْ عَدْلَيْنِ كَافِيَةٌ.
كَيْفَ وَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ انْعِقَادِ إِجْمَاعِ الْكُلِّ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ تَأَخَّرَ عَنِ الْبَيْعَةِ إِنَّمَا تَأَخَّرَ لِعُذْرٍ أَوْ طَرْءِ أَمْرٍ مَعَ ظُهُورِ الْمُوَافَقَةِ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي الْإِمَامَةِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْحُجَّةِ الْأُولَى مِنَ الْمَعْقُولِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ الْأَكْثَرِ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ أَمْرٍ مَحْسُوسٍ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ، فَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْإِجْمَاعِ الصَّادِرِ عَنِ الِاجْتِهَادِ مَعَ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ بِقَوْلِ الْأُمَّةِ، وَالْأَكْثَرُ لَيْسَ هُمْ كُلَّ الْأُمَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَفَادَ خَبَرُهُ الْيَقِينَ يَكُونُ قَوْلُهُ إِجْمَاعًا مُحْتَجًّا بِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعُ كُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ مُحْتَجًّا بِهِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ الْآخَرِ لَهُمْ ; لِأَنَّ خَبَرَ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ يُفِيدُ الْعِلْمَ. стр. 237
وَعَنِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي يُطْلَبُ مِنْهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ دُونَ الْيَقِينِ مِثْلُهُ فِي الْإِجْمَاعِ، مَعَ كَوْنِهِ يَقِينِيًّا، كَيْفَ وَإِنَّهُ لَوِ اعْتُبِرَ فِي الْإِجْمَاعِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الرِّوَايَةِ لَكَانَ مَصِيرُ الْوَاحِدِ إِلَى الْحُكْمِ وَحْدَهُ إِجْمَاعًا كَمَا أَنَّ رِوَايَتَهُ وَحْدَهُ مَقْبُولَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْإِجْمَاعِ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ عُلِمَ الِاتِّفَاقُ مِنَ الْكُلِّ إِمَّا بِصَرِيحِ الْمَقَالِ أَوْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ حَسَبَ إِمْكَانِ الْعِلْمِ بِاتِّفَاقِ الْأَكْثَرِ، وَأَمَّا حَيْثُ لَا يُعْلَمُ فَلَا.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَمِثْلُهُ أَيْضًا جَارٍ فِي الْأَكْثَرِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ أَصْلًا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلَيْنِ (١)
وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْوِفَاقِ فِي زَمَنِهِمْ، وَعَلَى مَنْ يُوجَدُ بِعْدَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ كَانَ الْإِجْمَاعُ لَا يَكُونُ حُجَّةً إِلَّا مَعَ الْخِلَافِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ خِلَافٌ لَا يَكُونُ إِجْمَاعٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِحَالَةِ.
وَعَنِ الْخَامِسَةِ: أَنَّ إِنْكَارَ الصَّحَابَةِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بِنَاءً عَلَى إِجْمَاعِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ، بَلْ بِنَاءً عَلَى مُخَالَفَةِ مَا رَوَوْهُ لَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ وَنَسْخِ الْمُتْعَةِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مُنَاظَرَاتِهِمْ، وَالْإِنْكَارِ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ الدَّلِيلِ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمُ الْمَأْخَذَ مِنْ جَانِبِ الْخَصْمِ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ شَاءَ بَاهَلَنِي بَاهَلْتُهُ، وَالَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي الْفَرِيضَةِ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلْثًا، هَذَانِ نِصْفَانِ ذَهَبَا بِالْمَالِ فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ، وَقَالَ آخَرُ: أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا وَلَا يَجْعَلُ أَبَ الْأَبِ أَبًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى قَوْلِهِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ بَلْ بِمَعْنَى طَلَبِ الْكَشْفِ عَنْ مَأْخَذِ الْمُخَالَفَةِ.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ اتِّفَاقُ الْأَكْثَرِ إِجْمَاعًا، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِخُرُوجِهِ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا.
وَهِيَ النَّصُّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَالْقِيَاسُ، وَعَدَمُ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ ; لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْكَثْرَةِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي بَابِ رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ ظُهُورِ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ لِمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهِ دَلِيلٌ، أَوْ ظَهَرَ غَيْرَ أَنَّهُ مَرْجُوحٌ فِي نَظَرِهِ. стр. 238
[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ هَلْ يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَة التَّابِعِيِّ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ
اخْتَلَفُوا فِي التَّابِعِيِّ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ هَلْ يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ أَمْ لَا.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَنْعَقِدُ بِإِجْمَاعِهِمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ.
فَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ انْعِقَادِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ; فَلَا يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِ، وَإِنْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ انْعِقَادِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَمِنْ شَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، قَالَ لَا يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ حَالَةَ إِجْمَاعِهِمْ أَوْ صَارَ مُجْتَهِدًا بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ لَكِنْ فِي عَصْرِهِمْ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَتِهِ أَصْلًا، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ حَالَةَ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لَا يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُهُمْ دُونَ مُوَافَقَتِهِ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِمْ إِنَّ الصَّحَابَةَ سَوَّغَتْ لِلتَّابِعِينَ الْمُعَاصِرِينَ لَهُمُ الِاجْتِهَادَ مَعَهُمْ فِي الْوَقَائِعِ الْحَادِثَةِ فِي عَصْرِهِمْ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمَسْرُوقٍ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَلَّيَا شُرَيْحًا الْقَضَاءَ وَلَمْ يَعْتَرِضَا عَلَيْهِ فِيمَا خَالَفَهُمَا فِيهِ وَحَكَمَ عَلَى عَلِيٍّ فِي خُصُومَةٍ عَرَضَتْ لَهُ عِنْدَهُ عَلَى خِلَافِ رَأْيِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَرِيضَةٍ، فَقَالَ: اسْأَلُوا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَا مِنِّي.
وَسُئِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: اسْأَلُوا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ نَذْرِ ذَبْحِ الْوَلَدِ، فَقَالَ: اسْأَلُوا مَسْرُوقًا، فَلَمَّا أَتَاهُ السَّائِلُ بِجَوَابِهِ اتَّبَعَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ: تَذَاكَرْتُ أَنَا وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ، وَقُلْتُ أَنَا: عِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، فَسَوَّغَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَبِي سَلَمَةَ أَنْ يُخَالِفَهُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ.
стр. 239
وَلَوْ كَانَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ بَاطِلًا لَمَا سَاغَ لِلصَّحَابَةِ تَجْوِيزُهُ وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَفِي هَذِهِ الْحُجَّةِ نَظَرٌ فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا كَانَ الِاجْتِهَادُ مُسَوَّغًا لِلتَّابِعِيِّ عِنْدَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الِاعْتِدَادِ بِقَوْلِهِ مَعَ الِاخْتِلَافِ الِاعْتِدَادُ بِقَوْلِهِ مَعَ الِاتِّفَاقِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ قَوْلَ التَّابِعِيِّ مُعْتَبَرٌ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمُ اتِّفَاقٌ، وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ إِذَا كَانَ عَلَى خِلَافِ اتِّفَاقِهِمْ.
وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً إِنَّمَا هِيَ الْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَهَذَا الِاسْمُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ مَعَ خُرُوجِ التَّابِعِينَ الْمُجْتَهِدِينَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ إِجْمَاعُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ بَلْ إِجْمَاعُ بَعْضِهِمْ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
احْتَجَّ الْخُصُومُ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ وَالْآثَارِ.
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ ﵇: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» "، وَقَوْلُهُ: " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» "، وَقَوْلُهُ: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ".
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَهُمْ مَزِيَّةُ الصُّحْبَةِ وَشَهَادَةُ التَّنْزِيلِ وَسَمَاعُ التَّأْوِيلِ وَأَنَّهُمْ مَرَضِيٌّ عَنْهُمْ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ فِي حَقِّهِمْ: «لَوْ أَنْفَقَ غَيْرُهُمْ (١) مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ» ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ لَا مَعَ مُخَالِفِهِمْ.
وَأَمَّا الْآثَارُ فَمِنْهَا أَنَّ عَلِيًّا ﵇ نَقَضَ عَلَى شُرَيْحٍ حُكْمَهُ فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، لَمَّا جَعَلَ الْمَالَ كُلَّهُ لِلْأَخِ.
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مُجَارَاتَهُ لِلصَّحَابَةِ، وَكَلَامَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَزَجَرَتْهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: " فَرُّوجُ يَصِيحُ مَعَ الدِّيَكَةِ ".
وَالْجَوَابُ عَنِ النُّصُوصِ مَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ انْعِقَادِ إِجْمَاعِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ. стр. 240
وَعَنِ الْمَعْقُولِ قَوْلُهُمْ إِنَّ الصَّحَابَةَ لَهُمْ مَزِيَّةُ الصُّحْبَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ.
قُلْنَا: لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ الْإِجْمَاعِ بِهِمْ لَمَا اعْتُبِرَ قَوْلُ الْأَنْصَارَ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ، وَلَا قَوْلُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ قَوْلِ الْعَشَرَةِ، وَلَا قَوْلُ بَاقِي الْعَشَرَةِ مَعَ قَوْلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا قَوْلُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مَعَ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَا قَوْلُ غَيْرِ الْأَهْلِ مَعَ الْأَهْلِ وَلَا الزَّوْجَاتِ مَعَ الزَّوْجَاتِ لِوُقُوعِ التَّفَاوُتِ وَالتَّفَاضُلِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ.
وَعَنِ الْآثَارِ، أَمَّا نَقْضُ عَلِيٍّ عَلَى شُرَيْحٍ حُكْمَهُ ; فَلَيْسَ لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَمَ عَلَيْهِ فِي مُخَاصَمَتِهِ بِخِلَافِ رَأْيِهِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَقَضَ حُكْمَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاعْتِرَاضِ كَمَا يُقَالُ: نَقَضَ فُلَانٌ كِتَابَ فُلَانٍ وَكَلَامَهُ إِذَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَقَضَهُ بِنَصٍّ اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَوْجَبَ نَقْضَ حُكْمِهِ.
وَأَمَّا إِنْكَارُ عَائِشَةَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ فِيمَا سَبَقَ فِيهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ أَوْ بِطْرِيقِ التَّأْدِيبِ مَعَ الصَّحَابَةِ، أَوْ لِأَنَّهَا رَأَتْ ذَلِكَ مَذْهَبًا لَهَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
стр. 241
[الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ
اتَّفَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحْدَهُمْ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ فِي حَالَةِ انْعِقَادِ إِجْمَاعِهِمْ خِلَافًا لِمَالِكٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَكُونُ حُجَّةً، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ تَرْجِيحَ رِوَايَتِهِمْ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعُهُمْ أَوْلَى، وَلَا تَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَرَادَ بِذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَالْمُخْتَارُ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً مُتَنَاوَلِةً لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْخَارِجِ عَنْ أَهْلِهَا وَبِدُونِهِ لَا يَكُونُونَ كُلَّ الْأُمَّةِ وَلَا كُلَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
احْتَجَّ مَنْ نَصَرَ مَذْهَبَ مَالِكٍ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ ﵇: " «إِنَّ الْمَدِينَةَ طَيِّبَةٌ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» " وَالْخَطَأُ مِنَ الْخَبَثِ فَكَانَ مَنْفِيًّا عَنْهَا.
وَقَالَ ﵇: " «إِنَّ الْإِسْلَامَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» "، وَقَالَ ﵇: " «لَا يُكَايِدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» ".
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ الْمَدِينَةَ دَارُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵇، وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ (١) ، وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ وَمُسْتَقَرُّ الْإِسْلَامِ وَمَجْمَعُ الصَّحَابَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ الْحَقُّ عَنْ قَوْلِ أَهْلِهَا.
الثَّانِي: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَسَمِعُوا التَّأْوِيلَ وَكَانُوا أَعْرَفَ بِأَحْوَالِ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْرُجَ الْحَقُّ عَنْهُمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّ رِوَايَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ، فَكَانَ إِجْمَاعُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَالْجَوَابُ عَنِ النَّصِّ الْأَوَّلِ أَنَّهُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى خُلُوصِ الْمَدِينَةِ عَنِ الْخَبَثِ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهَا لَا يَكُونُ خَالِصًا عَنِ الْخَبَثِ، وَلَا عَلَى كَوْنِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ دُونَهُ حُجَّةً، وَتَخْصِيصُهُ لِلْمَدِينَةِ بِالذِّكْرِ إِنَّمَا كَانَ إِظْهَارًا لِشَرَفِهَا وَإِبَانَةً لِخَطَرِهَا وَتَمْيِيزًا لَهَا عَنْ غَيْرِهَا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَعْقُولِ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ بَاقِي النُّصُوصِ. стр. 242
وَعَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَعْقُولِ أَنَّ غَايَتَهُ اشْتِمَالُ الْمَدِينَةِ عَلَى صِفَاتٍ مُوجِبَةٍ لِفَضْلِهَا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْفَضِيلَةِ عَنْ غَيْرِهَا وَلَا عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِهَا.
وَلِهَذَا فَإِنَّ مَكَّةَ أَيْضًا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أُمُورٍ مُوجِبَةٍ لِفَضْلِهَا كَالْبَيْتِ الْمُحْتَرَمِ، وَالْمَقَامِ وَزَمْزَمَ، وَالْحَجَرِ الْمُسْتَلَمِ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمَوَاضِعِ الْمَنَاسِكِ، وَهِيَ مَوْلِدُ النَّبِيِّ ﵇ وَمَبْعَثُهُ وَمَوْلِدُ إِسْمَاعِيلَ (١) وَمَنْزِلُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِهَا عَلَى مُخَالِفِيهِمْ إِذْ لَا قَائِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِعِلْمِ الْعُلَمَاءِ وَاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَا أَثَرَ لِلْبِقَاعِ فِي ذَلِكَ.
وَعَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهَا وَالْمُعْتَبَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَمَنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُنْتَشِرِينَ فِي الْبِلَادِ مُتَفَرِّقِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَكُلُّهُمْ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ سَوَاءٌ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (٢) " وَلَمْ يُخَصِّصْ ذَلِكَ بِمَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْمَوَاضِعِ فِي ذَلِكَ.
وَعَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَنَّهُ تَمْثِيلٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ.
كَيْفَ وَإِنَّ الْفَرْقَ حَاصِلٌ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ.
وَأَمَّا الْإِجْمَالُ: فَهُوَ أَنَّ الرِّوَايَةَ يُرَجَّحُ فِيهَا بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ حَتَّى إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَا بِقَوْلِ الْوَاحِدِ أَيْضًا.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ: فَهُوَ أَنَّ الرِّوَايَةَ مُسْتَنَدُهَا السَّمَاعُ وَوُقُوعُ الْحَوَادِثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَبِحَضْرَتِهِ.
وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَعْرَفَ بِذَلِكَ وَأَقْرَبَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَرْوِيِّ كَانَتْ رِوَايَتُهُمْ أَرْجَحَ.
وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ: فَإِنَّ طَرِيقَهُ النَّظَرُ وَالْبَحْثُ بِالْقَلْبِ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْحُكْمِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ.
وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ - مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ - حُجَّةً عَلَى مُخَالِفِيهِمْ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ قَوْمٌ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ. стр. 243
[الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْبَيْتِ]
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ
لَا يَكْفِي فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْبَيْتِ، مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ لِلدَّلِيلِ السَّابِقِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ:
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أَخْبَرَ بِذَهَابِ الرِّجْسِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ " بِإِنَّمَا "، وَهِيَ لِلْحَصْرِ فِيهِمْ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَدَارَ النَّبِيُّ ﵇ الْكِسَاءَ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَقَالَ: " «هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي» (١) " وَالْخَطَأُ (٢) . وَالضَّلَالُ مِنَ الرِّجْسِ فَكَانَ مُنْتَفِيًا عَنْهُمْ. стр. 244
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵇: " «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثِّقْلَيْنِ، فَإِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي» (١) " حَصْرُ التَّمَسُّكِ بِهِمَا فَلَا تَقِفُ الْحُجَّةُ عَلَى غَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ اخْتُصُّوا بِالشَّرَفِ وَالنَّسَبِ، وَأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِ الرِّسَالَةِ، وَمَعْدِنُ النُّبُوَّةِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ وَأَفْعَالِ الرَّسُولِ وَأَقْوَالِهِ ; لِكَثْرَةِ مُخَالَطَتِهِمْ لَهُ ﵇، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنِ الْخَطَأِ стр. 245
عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْإِمَامَةِ، وَالْآيَةِ (١) الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا ; فَكَانَتْ أَقْوَالُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، بَلْ قَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ ضَرُورَةَ عِصْمَتِهِ عَنِ الْخَطَأِ كَمَا فِي أَقْوَالِ النَّبِيِّ ﵇ وَأَفْعَالِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِالْآيَةِ أَنَّهَا إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﵇ لِقَصْدِ دَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْهُنَّ وَامْتِدَادِ الْأَعْيُنِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِنَّ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلُ الْآيَةِ وَآخِرُهَا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ، وَقَوْلُهُ ﵇: " «هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي» " لَا يُنَافِي كَوْنَ الزَّوْجَاتِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْمُخَاطِبَةُ لَهُمْ بِأَهْلِ الْبَيْتِ.
وَالْخَبَرُ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﵇: " أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ " قَالَ: " بَلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ» " (٢) .
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الزَّوْجَاتِ لَقَالَ: (عَنْكُنَّ) .
قُلْنَا: إِنَّمَا قَالَ (عَنْكُمْ) لِأَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا مَعَ الزَّوْجَاتِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا خَاطَبَهُنَّ بِأَهْلِ الْبَيْتِ أَدْخَلَ مَعَهُنَّ غَيْرَهُنَّ مِنَ الذُّكُورِ كَعَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، فَجَاءَ بِخِطَابِ التَّذْكِيرِ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى مُذَكَّرٍ وَمُؤَنَّثٍ غُلِّبَ جَمْعُ التَّذْكِيرِ، وَصَارَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ زَوْجِةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ - قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ - قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ فَكَانَ ذَلِكَ عَائِدًا إِلَيْهَا وَإِلَى مَنْ حَوَاهُ بَيْتُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. стр. 246
وَعَنِ الْخَبَرِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْآحَادِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ (١) وَإِنْ كَانَ حُجَّةً وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثِّقْلَيْنِ الْكِتَابُ وَالْعِتْرَةُ، بَلِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: " «كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّتِي» " وَإِنْ كَانَ كَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرَ أَنَّهُ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ ﵇ وَرِوَايَتُهُمْ حُجَّةٌ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُ بِحَالِهِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ (٢)
ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (٣) ، " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» " (٤) ، وَبِقَوْلِهِ: " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» "، وَبِقَولِهِ: " «خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ الْحُمَيْرَاءِ» " (٥) وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِمَا ذَكَرْتُمُوهُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
وَعَنِ الْمَعْقُولِ ; أَمَّا اخْتِصَاصُهُمْ بِالشَّرَفِ وَالنَّسَبِ فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ مَدَارِكِهَا، بَلِ الْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ لِلنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَمَعْرِفَةِ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الشَّرَفُ وَلَا قُرْبُ الْقَرَابَةِ.
وَأَمَّا كَثْرَةُ الْمُخَالَطَةِ لِلنَّبِيِّ ﵇، فَذَلِكَ مِمَّا يُشَارِكُ الْعِتْرَةُ فِيهِ الزَّوْجَاتِ وَمَنْ كَانَ يَصْحَبُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ مِنْ خَدَمِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْعِصْمَةُ فَلَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهَا لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الرِّجْسِ إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ الظِّنَّةِ وَالتُّهْمَةِ عَنْ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﵇ وَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. стр. 247
وَعَلَى هَذَا فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَيْضًا حُجَّةً.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّا ﵇ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ خَالَفَهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِنَّ الْحُجَّةَ فِيمَا أَقُولُ مَعَ كَثْرَةِ مُخَالِفِيهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا، فَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الْإِنْكَارِ فِيمَا خُولِفَ فِيهِ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ وَظُهُورِ شَوْكَتِهِ ; فَتَرْكُهُ لِذَلِكَ يَكُونُ خَطَأً مِنْهُ، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْعِصْمَةِ وَعَنْ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ إِجْمَاعُ الخلفاء الْأَرْبَعَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ
لَا يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ وُجُودِ الْمُخَالِفِ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَلِلْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمَا لَهُمَا، خِلَافًا لِبَعْضِ النَّاسِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا سَبَقَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِانْعِقَادِ إِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ قَوْلُهُ ﵇: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» " أَوْجَبَ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِمْ كَمَا أَوْجَبَ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ، وَالْمُخَالِفُ لِسُنَّتِهِ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُخَالِفُ لِسُنَّتِهِمْ.
وَحَجَّةُ مَنْ قَالَ بِانْعِقَادِ إِجْمَاعِ الشَّيْخَيْنِ قَوْلُهُ ﵇: " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ".
وَالْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْحَصْرِ فِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْحَصْرِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» (١) " الْحَدِيثَ.
وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْخَبَرَانِ سَلِمَ لَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِهَذَا يَبْطُلُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْخَبَرِ الْآخَرِ أَيْضًا. стр. 248
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ اشْتِرَاطِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي الْإِجْمَاعِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي الْإِجْمَاعِ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ وَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِتَصَوُّرِ الْخَطَأِ عَلَى مَنْ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ.
وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ إِثْبَاتَ الْإِجْمَاعِ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَيْهِ سِوَى الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَمَهْمَا كَانَ عَدَدُ الْإِجْمَاعِ أَنْقَصَ مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ صَدَقَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ (الْأُمَّةِ) وَ (الْمُؤْمِنِينَ) وَكَانَتِ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ مُوجِبَةً لِعِصْمَتِهِمْ عَنِ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ، وَوَجَبَ اتِّبَاعُهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ إِنَّمَا يَصِحُّ بِتَقْدِيرِ عَوْدِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَا دُونُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ مَهْمَا دَامَ التَّكْلِيفُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِهِ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالنَّقْلِ الْمُفِيدِ لِوُجُودِ مُحَمَّدٍ وَتَحَدِّيهِ بِالرِّسَالَةِ، وَمَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ مُعْجِزِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ يَقِينًا، وَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ غَيْرُ التَّوَاتُرِ مِنْ أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَمِ نَقْلِ غَيْرِهِمْ لِذَلِكَ وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي مَحْوِ ذَلِكَ وَإِعْدَامِهِ.
سَلَّمْنَا إِمْكَانَ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ مَعَ عَوْدِ عَدَدِ الْمُجْمِعِينَ إِلَى مَا دُونُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ وَلَكِنْ مَا دُونُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مِمَّا لَا يُعْلَمُ إِسْلَامُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ بِأَقْوَالِهِمْ، وَمَنْ لَا يُعْلَمُ إِيمَانُهُ لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ فِي الْخَبَرِ عَنِ الدِّينِ.
سَلَّمْنَا إِمْكَانَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِأَقْوَالِ مَنْ عَدَدُهُمْ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأُمَّةِ سِوَى وَاحِدٍ هَلْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِ أَمْ لَا؟
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ هُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نُقْصَانِ عَدَدِهِمْ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ انْقِطَاعُ الْحُجَّةِ بِالتَّكْلِيفِ؛ لِإِمْكَانِ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْعَامَّةِ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّوَاتُرِ أَنْ
стр. 249
يَكُونَ نَاقِلُهُ مُجْتَهِدًا، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الْعَوَامَّ دَاخِلَةٌ فِي الْإِجْمَاعِ وَمَعَ ذَلِكَ فَعَدَدُ الْجَمِيعِ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، فَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا انْقِطَاعُ ذَلِكَ لِإِمْكَانِ إِدَامَةِ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْبَارِ الْكُفَّارِ مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ وَبِخَبَرِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ لِاحْتِفَافِ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْعَلَمِ بِأَخْبَارِهِمْ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي تَقُومُ بِالْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» "، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَانْقِطَاعُ التَّكْلِيفِ وَانْتِهَاءُ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا.
وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇: " «أَوَّلُ مَا يُفْقَدُ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا يُفْقَدُ الصَّلَاةُ» "، وَقَالَ ﵇: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَنْزِعُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَإِذَا سُئِلُوا أَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» ".
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ بِمَا يَحْتَفُّ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ، بَلْ وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا، وَأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَنَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِذَلِكَ.
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ: أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ جَوَابُ الْأَصْحَابِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ يَكُونُ حُجَّةً مُتَّبَعَةً ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدُ مِنَ الْأُمَّةِ سِوَاهُ صَدَقَ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ لَفْظِ (الْأُمَّةِ) .
وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ أَطْلَقَ لَفْظَ (الْأُمَّةِ) عَلَيْهِ وَهُوَ وَاحِدٌ.
وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَإِذَا كَانَ أُمَّةً كَانْتِ النُّصُوصُ السَّابِقُ ذِكْرُهَا مُتَنَاوِلَةً لَهُ حَسَبَ تَنَاوُلِهَا لِلْجَمْعِ الْكَثِيرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ لَفْظَ (الْإِجْمَاعِ) مُشْعِرٌ بِالِاجْتِمَاعِ وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.
стр. 250
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الإجماع السكوتي]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إِلَى حُكْمٍ، وَعَرَفَ بِهِ أَهْلُ عَصْرِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا؟
فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْجُبَّائِيُّ إِلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ.
لَكِنْ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ شَرَطَ فِي ذَلِكَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ كَالْجُبَّائِيِّ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ دَاوُدَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْ حَاكِمٍ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ فُتْيَا كَانَ إِجْمَاعًا.
وَقَدِ احْتَجَّ النَّافُونَ لِكَوْنِهِ إِجْمَاعًا بِأَنَّ سُكُوتَ مَنْ سَكَتَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ بَعْدُ فِي حُكْمِ الْوَاقِعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اجْتَهَدَ لَكِنْ لَمْ يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُ إِلَى شَيْءٍ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى شَيْءٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُخَالِفًا لِلْقَوْلِ الَّذِي ظَهَرَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْهُ إِمَّا لِلتَّرَوِّي وَالتَّفَكُّرِ فِي ارْتِيَادِ وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِظْهَارِهِ، وَإِمَّا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ مُجْتَهِدٌ وَلَمْ يَرَ الْإِنْكَارَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوْ لِأَنَّهُ سَكَتَ خَشْيَةً وَمَهَابَةً وَخَوْفَ ثَوَرَانِ فِتْنَةٍ، كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ وَافَقَ عُمَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ وَأَظْهَرَ النَّكِيرَ بَعْدَهُ، وَقَالَ: هِبْتُهُ وَكَانَ رَجُلًا مَهِيبًا، وَإِمَّا لِظَنِّهِ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ كَفَاهُ مُؤْنَةَ الْإِنْكَارِ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ.
وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُمْ مَعَ انْتِشَارِ قَوْلٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً.
следующие страницы →