Полный текст (1 203 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَعَنِ الْخَبَرِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْآحَادِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ (١) وَإِنْ كَانَ حُجَّةً وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثِّقْلَيْنِ الْكِتَابُ وَالْعِتْرَةُ، بَلِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: " «كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّتِي» " وَإِنْ كَانَ كَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرَ أَنَّهُ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ ﵇ وَرِوَايَتُهُمْ حُجَّةٌ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُ بِحَالِهِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ (٢)
ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» (٣) ، " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» " (٤) ، وَبِقَوْلِهِ: " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» "، وَبِقَولِهِ: " «خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ الْحُمَيْرَاءِ» " (٥) وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِمَا ذَكَرْتُمُوهُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
وَعَنِ الْمَعْقُولِ ; أَمَّا اخْتِصَاصُهُمْ بِالشَّرَفِ وَالنَّسَبِ فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ مَدَارِكِهَا، بَلِ الْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ لِلنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَمَعْرِفَةِ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الشَّرَفُ وَلَا قُرْبُ الْقَرَابَةِ.
وَأَمَّا كَثْرَةُ الْمُخَالَطَةِ لِلنَّبِيِّ ﵇، فَذَلِكَ مِمَّا يُشَارِكُ الْعِتْرَةُ فِيهِ الزَّوْجَاتِ وَمَنْ كَانَ يَصْحَبُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ مِنْ خَدَمِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْعِصْمَةُ فَلَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهَا لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الرِّجْسِ إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ الظِّنَّةِ وَالتُّهْمَةِ عَنْ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﵇ وَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. стр. 247
وَعَلَى هَذَا فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَيْضًا حُجَّةً.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّا ﵇ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ خَالَفَهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إِنَّ الْحُجَّةَ فِيمَا أَقُولُ مَعَ كَثْرَةِ مُخَالِفِيهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا، فَقَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الْإِنْكَارِ فِيمَا خُولِفَ فِيهِ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ وَظُهُورِ شَوْكَتِهِ ; فَتَرْكُهُ لِذَلِكَ يَكُونُ خَطَأً مِنْهُ، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْعِصْمَةِ وَعَنْ وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ إِجْمَاعُ الخلفاء الْأَرْبَعَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ
لَا يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ وُجُودِ الْمُخَالِفِ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَلِلْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ إِجْمَاعُ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمَا لَهُمَا، خِلَافًا لِبَعْضِ النَّاسِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا سَبَقَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِانْعِقَادِ إِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ قَوْلُهُ ﵇: " «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» " أَوْجَبَ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِمْ كَمَا أَوْجَبَ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ، وَالْمُخَالِفُ لِسُنَّتِهِ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَكَذَلِكَ الْمُخَالِفُ لِسُنَّتِهِمْ.
وَحَجَّةُ مَنْ قَالَ بِانْعِقَادِ إِجْمَاعِ الشَّيْخَيْنِ قَوْلُهُ ﵇: " «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ".
وَالْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْحَصْرِ فِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْحَصْرِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» (١) " الْحَدِيثَ.
وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْخَبَرَانِ سَلِمَ لَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِهَذَا يَبْطُلُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْخَبَرِ الْآخَرِ أَيْضًا. стр. 248
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ اشْتِرَاطِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي الْإِجْمَاعِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فِي الْإِجْمَاعِ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ وَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِتَصَوُّرِ الْخَطَأِ عَلَى مَنْ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ.
وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ إِثْبَاتَ الْإِجْمَاعِ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَيْهِ سِوَى الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَمَهْمَا كَانَ عَدَدُ الْإِجْمَاعِ أَنْقَصَ مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ صَدَقَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ (الْأُمَّةِ) وَ (الْمُؤْمِنِينَ) وَكَانَتِ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ مُوجِبَةً لِعِصْمَتِهِمْ عَنِ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ، وَوَجَبَ اتِّبَاعُهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ إِنَّمَا يَصِحُّ بِتَقْدِيرِ عَوْدِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَا دُونُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ مَهْمَا دَامَ التَّكْلِيفُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِهِ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالنَّقْلِ الْمُفِيدِ لِوُجُودِ مُحَمَّدٍ وَتَحَدِّيهِ بِالرِّسَالَةِ، وَمَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ مُعْجِزِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ يَقِينًا، وَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ غَيْرُ التَّوَاتُرِ مِنْ أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَمِ نَقْلِ غَيْرِهِمْ لِذَلِكَ وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي مَحْوِ ذَلِكَ وَإِعْدَامِهِ.
سَلَّمْنَا إِمْكَانَ انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ مَعَ عَوْدِ عَدَدِ الْمُجْمِعِينَ إِلَى مَا دُونُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ وَلَكِنْ مَا دُونُ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مِمَّا لَا يُعْلَمُ إِسْلَامُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ بِأَقْوَالِهِمْ، وَمَنْ لَا يُعْلَمُ إِيمَانُهُ لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ فِي الْخَبَرِ عَنِ الدِّينِ.
سَلَّمْنَا إِمْكَانَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِأَقْوَالِ مَنْ عَدَدُهُمْ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأُمَّةِ سِوَى وَاحِدٍ هَلْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِ أَمْ لَا؟
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ هُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نُقْصَانِ عَدَدِهِمْ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ انْقِطَاعُ الْحُجَّةِ بِالتَّكْلِيفِ؛ لِإِمْكَانِ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْعَامَّةِ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّوَاتُرِ أَنْ
стр. 249
يَكُونَ نَاقِلُهُ مُجْتَهِدًا، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الْعَوَامَّ دَاخِلَةٌ فِي الْإِجْمَاعِ وَمَعَ ذَلِكَ فَعَدَدُ الْجَمِيعِ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، فَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا انْقِطَاعُ ذَلِكَ لِإِمْكَانِ إِدَامَةِ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْبَارِ الْكُفَّارِ مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ وَبِخَبَرِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ لِاحْتِفَافِ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْعَلَمِ بِأَخْبَارِهِمْ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي تَقُومُ بِالْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» "، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَانْقِطَاعُ التَّكْلِيفِ وَانْتِهَاءُ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا.
وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇: " «أَوَّلُ مَا يُفْقَدُ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا يُفْقَدُ الصَّلَاةُ» "، وَقَالَ ﵇: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَنْزِعُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَإِذَا سُئِلُوا أَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» ".
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ بِمَا يَحْتَفُّ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ، بَلْ وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا، وَأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَنَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِذَلِكَ.
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ: أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ جَوَابُ الْأَصْحَابِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ يَكُونُ حُجَّةً مُتَّبَعَةً ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدُ مِنَ الْأُمَّةِ سِوَاهُ صَدَقَ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ لَفْظِ (الْأُمَّةِ) .
وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ أَطْلَقَ لَفْظَ (الْأُمَّةِ) عَلَيْهِ وَهُوَ وَاحِدٌ.
وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَإِذَا كَانَ أُمَّةً كَانْتِ النُّصُوصُ السَّابِقُ ذِكْرُهَا مُتَنَاوِلَةً لَهُ حَسَبَ تَنَاوُلِهَا لِلْجَمْعِ الْكَثِيرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ لَفْظَ (الْإِجْمَاعِ) مُشْعِرٌ بِالِاجْتِمَاعِ وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.
стр. 250
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الإجماع السكوتي]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إِلَى حُكْمٍ، وَعَرَفَ بِهِ أَهْلُ عَصْرِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا؟
فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْجُبَّائِيُّ إِلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ.
لَكِنْ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ شَرَطَ فِي ذَلِكَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ كَالْجُبَّائِيِّ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ دَاوُدَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْ حَاكِمٍ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ فُتْيَا كَانَ إِجْمَاعًا.
وَقَدِ احْتَجَّ النَّافُونَ لِكَوْنِهِ إِجْمَاعًا بِأَنَّ سُكُوتَ مَنْ سَكَتَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ بَعْدُ فِي حُكْمِ الْوَاقِعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اجْتَهَدَ لَكِنْ لَمْ يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُ إِلَى شَيْءٍ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى شَيْءٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُخَالِفًا لِلْقَوْلِ الَّذِي ظَهَرَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْهُ إِمَّا لِلتَّرَوِّي وَالتَّفَكُّرِ فِي ارْتِيَادِ وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِظْهَارِهِ، وَإِمَّا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ مُجْتَهِدٌ وَلَمْ يَرَ الْإِنْكَارَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوْ لِأَنَّهُ سَكَتَ خَشْيَةً وَمَهَابَةً وَخَوْفَ ثَوَرَانِ فِتْنَةٍ، كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ وَافَقَ عُمَرَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ وَأَظْهَرَ النَّكِيرَ بَعْدَهُ، وَقَالَ: هِبْتُهُ وَكَانَ رَجُلًا مَهِيبًا، وَإِمَّا لِظَنِّهِ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ كَفَاهُ مُؤْنَةَ الْإِنْكَارِ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ.
وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُمْ مَعَ انْتِشَارِ قَوْلٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً.
стр. 251
وَأَمَّا حُجَّةُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْحَاضِرَ مَجَالِسَ الْحُكَّامِ يَحْضُرُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ خِلَافِهِمْ لَهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ لِمَا فِي الْإِنْكَارِ مِنَ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِمْ ; وَلِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَقْطَعُ الْخِلَافَ وَيُسْقِطُ الِاعْتِرَاضَ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُفْتِي، فَإِنَّ فَتْوَاهُ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَلَا مَانِعَةٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَفِي هَاتَيْنِ الْحُجَّتَيْنِ نَظَرٌ:
أَمَّا الْأُولَى: فَمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ وَإِنْ كَانَتْ مُنْقَدِحَةً عَقْلًا، فَهِيَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ أَحْوَالِ أَرْبَابِ الدِّينِ وَأَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ.
أَمَّا احْتِمَالُ عَدَمِ الِاجْتِهَادِ فِي الْوَاقِعَةِ فَبَعِيدٌ مِنَ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ وَالْجَمِّ الْغَفِيرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِهْمَالِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا حَدَثَ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ وَإِلْزَامِهِمْ بِهِ وَامْتِنَاعِ تَقْلِيدِهِمْ لِغَيْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ؛ فَإِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَالظَّاهِرُ عَدَمَ ارْتِكَابِهَا مِنَ الْمُتَدَيِّنِ الْمُسْلِمِ.
وَأَمَّا احْتِمَالُ عَدَمِ تَأْدِيَةِ الِاجْتِهَادِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ فَبَعِيدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَا مِنْ حُكْمٍ إِلَّا وَلِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ دَلَائِلُ وَأَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ إِنَّمَا هُوَ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا وَالظَّفْرُ بِهَا.
وَأَمَّا احْتِمَالُ تَأْخِيرِ الْإِنْكَارِ لِلتَّرَوِّي وَالتَّفَكُّرِ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، غَيْرَ أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا مَضَتْ عَلَيْهِمْ أَزْمِنَةٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى انْقَرَضَ الْعُمْرُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَأَمَّا احْتِمَالُ السُّكُوتِ عَنْهُ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا، فَذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْنَعُ مِنْ مُبَاحَثَتِهِ وَمُنَاظَرَتِهِ وَطَلَبِ الْكَشْفِ عَنْ مَأْخَذِهِ، لَا بِطَرِيقٍ كَالْعَادَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ إِلَى زَمَنِنَا هَذَا بِمُنَاظَرَةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ; لِتَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، كَمُنَاظَرَتِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ، وَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَالْعَوْلِ، وِدِيَةِ الْجَنِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ.
وَأَمَّا احْتِمَالُ التَّقِيَّةِ فَبَعِيدٌ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّقِيَّةَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْمَخَافَةَ ظَاهِرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنَّ مَبَاحِثَ الْمُجْتَهِدِينَ غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لِذَلِكَ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْمُجْتَهِدِ وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ أَرْبَابِ الدِّينِ، أَنَّ مُبَاحَثَتَهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لَا تُوجِبُ خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا حِقْدًا فِي صَدْرِهِ تُخَافُ عَاقِبَتُهُ، إِذْ هُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الدِّينِ.
стр. 252
الثَّانِي أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَامِلًا غَيْرَ مُخَوِّفٍ، فَلَا تَقِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ذَا شَوْكَةٍ وَقُوَّةٍ كَالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، فَمُحَابَاتُهُ فِي ذَلِكَ تَكُونُ غِشًّا فِي الدِّينِ، وَالْكَلَامُ مَعَهُ فِيهِ يُعَدُّ نُصْحًا.
وَالْغَالِبُ إِنَّمَا هُوَ سُلُوكُ طَرِيقِ النُّصْحِ وَتَرْكِ الْغِشِّ مِنْ أَرْبَابِ الدِّينِ كَمَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ فِي رَدِّهِ عَلَى عُمَرَ فِي عَزْمِهِ عَلَى إِعَادَةِ الْجَلْدِ عَلَى أَحَدِ الشُّهُودِ عَلَى الْمُغِيرَةِ (١) بِقَوْلِهِ: " إِنْ جَلَدْتَهُ، ارْجُمْ (٢) صَاحِبَكَ ".
وَرَدُّ مُعَاذٍ عَلَيْهِ فِي عَزْمِهِ عَلَى جَلْدِ الْحَامِلِ بِقَوْلِهِ: إِنْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ عَلَى ظَهْرِهَا سَبِيلًا فَمَا جَعَلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلًا، حَتَّى قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ.
وَمِنْ ذَلِكَ رَدُّ الْمَرْأَةِ عَلَى عُمَرَ لَمَّا نَهَى عَنِ الْمُغَالَاةِ فِي مُهُورِ النِّسَاءِ بِقَوْلِهَا: أَيُعْطِينَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ ، وَيَمْنَعُنَا عُمَرُ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ لَعَلِيٍّ ﵇ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ رَأْيٌ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ: رَأْيُكُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِكِ وَحْدَكَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ.
وَأَمَّا حُجَّةُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّمَا تَصِحُّ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السُّكُوتَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ رِضًا، وَعَلَى هَذَا فَالْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ ظَنِّيٌّ وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ ظَاهِرٌ لَا قَطْعِيٌّ. стр. 253
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قول المجتهد إذا لم يعرف له مخالف]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ (١) إِذَا ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إِلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، وَلَمْ يَنْتَشِرْ بَيْنَ أَهْلِ عَصْرِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ هَلْ يَكُونُ إِجْمَاعًا؟
اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُتَخَيَّلُ كَوْنُهُ إِجْمَاعًا مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ إِذَا عَلِمُوا بِقَوْلِهِ وَسَكَتُوا عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ فَيَمْتَنِعُ رِضَاهُمْ بِهِ أَوْ سَخَطُهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ لِعَدَمِ خُطُورِهَا بِبَالِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا قَوْلٌ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْمَنْقُولِ إِلَيْنَا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لَهُ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ.
وَمَنْ لَا قَوْلَ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَوْ لَهُ قَوْلٌ لَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ فَلَا تَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْمُوَافَقَةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِجْمَاعًا فَهَلْ يَكُونُ مَا نُقِلَ إِلَيْنَا مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً مُتَّبَعَةً أَوْ لَا؟ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ فِيمَا بَعْدُ (٢) стр. 254
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ
اخْتَلَفُوا فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَوْ لَا؟
فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ ذفَوْرَكٍ إِلَى اعْتِبَارِهِ شَرْطًا.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَصَّلَ وَقَالَ: إِنْ كَانَ قَدِ اتَّفَقُوا بِأَقْوَالِهِمْ أَوْ أَفْعَالِهِمْ أَوْ بِهِمَا، لَا يَكُونُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطًا.
وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ بِذَهَابِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إِلَى حُكْمٍ وَسَكَتَ الْبَاقُونَ عَنِ الْإِنْكَارِ مَعَ اشْتِهَارِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَهُوَ شَرْطٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
لَكِنْ قَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الِاشْتِرَاطِ بِمَسْلَكَيْنِ ضَعِيفَيْنِ لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِمَا وَوَجْهِ ضَعْفِهِمَا، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ إِذَا لَمْ يُوجَدُ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَالْحُجَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي نَفْسِ الِاتِّفَاقِ أَوْ نَفْسِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ أَوْ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ.
لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي، وَإِلَّا كَانَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ دُونَ الِاتِّفَاقِ حُجَّةً وَهُوَ مُحَالٌ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّالِثِ وَإِلَّا كَانَ مَوْتُهُمْ مُؤَثِّرًا فِي جَعْلِ أَقْوَالِهِمْ حُجَّةً وَهُوَ مُحَالٌ كَمَا فِي مَوْتِ النَّبِيِّ ﵇، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ ثَابِتٌ قَبْلَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا الْمَانِعُ أَنْ تَكُونَ الْحُجَّةُ فِي اتِّفَاقِهِمْ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْمُخَالِفِ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَعْوَى إِحَالَةِ ذَلِكَ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ عَدَمِ مُخَالَفَةِ النَّبِيِّ ﵇ فِي صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إِذْ هُوَ تَمْثِيلٌ جَامِعٌ صَحِيحٌ، كَيْفَ وَالْفَرْقُ حَاصِلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْوَحْيِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، وَقَوْلُ غَيْرِهِ لَيْسَ عَنْ وَحْيٍ حَتَّى يَقَعَ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ فَمُسْتَنِدٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ، وَقَوْلُ الْمُخَالِفِ لَهُ أَيْضًا مُسْتَنِدٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَافْتَرَقَا.
стр. 255
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْقَوْلَ بِاشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ يُفْضِي إِلَى عَدَمِ تَحَقُّقِ الْإِجْمَاعِ مُطْلَقًا مَعَ كَوْنِهِ حُجَّةً مُتَّبَعَةً، وَكُلُّ شَرْطٍ أَفْضَى إِلَى إِبْطَالِ الْمَشْرُوطِ الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْقِيقِهِ كَانَ بَاطِلًا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَنِ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ جَوَّزَ لِمَنْ حَدَّثَ مِنَ التَّابِعِينَ لِأَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ مُخَالَفَتَهُمْ، وَشَرَطَ فِي صِحَّةِ إِجْمَاعِهِمْ مُوَافَقَتَهُ لَهُمْ، وَإِذَا صَارَ التَّابِعِيُّ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فَقَدْ لَا يَنْقَرِضُ عَصْرُهُمْ حَتَّى يُحْدِثَ تَابِعُ التَّابِعِيِّ.
وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُتَحَقِّقًا فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْقَائِلُونَ بِاشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ اخْتَلَفُوا فِي إِدْخَالِ مَنْ أَدْرَكَ الْمُجْمِعِينَ مِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ فِي إِجْمَاعِهِمْ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلتَّابِعِيِّ فِي إِجْمَاعِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، مَعَ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ.
وَفَائِدَةُ اشْتِرَاطِهِ لِذَلِكَ إِمْكَانُ رُجُوعِ الْمُجْمِعِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ عَمَّا حَكَمُوا بِهِ أَوَّلًا لَا لِجَوَازِ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ، وَعَلَى هَذَا فَالْإِشْكَالُ يَكُونُ مُنْدَفِعًا.
وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ دُخُولِ التَّابِعِ لَهُمْ فِي إِجْمَاعِهِمْ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ هُوَ انْقِرَاضَ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ، وَاعْتِبَارَ مُوَافَقَةِ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الْعَصْرَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا عَصْرَ مَنْ أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ، وَعَلَى هَذَا فَالْإِشْكَالُ لَا يَكُونُ مُتَّجِهًا.
وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا اتَّفَقَ إِجْمَاعُ أُمَّةِ عَصْرٍ (١) مِنَ الْأَعْصَارِ عَلَى حُكْمِ حَادِثَةٍ، فَهُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَتَجِبُ عِصْمَتُهُمْ فِي ذَلِكَ عَنِ الْخَطَأِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ النُّصُوصِ فِي مَسْأَلَةِ إِثْبَاتِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى انْقِرَاضِ عَصْرِهِمْ.
هَذَا فِيمَا إِذَا اتَّفَقُوا عَلَى الْحُكْمِ بِأَقْوَالِهِمْ أَوْ أَفْعَالِهِمْ أَوْ بِهِمَا، وَأَمَّا إِنْ حَكَمَ وَاحِدٌ بِحُكْمٍ وَانْتَشَرَ حُكْمُهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَسَكَتُوا عَنِ الْإِنْكَارِ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ الْمُوَافَقَةَ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، فَذَلِكَ مِمَّا لَا يَمْنَعُ مِنْ إِظْهَارِ بَعْضِهِمُ стр. 256
الْمُخَالَفَةَ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ، وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ الدَّلِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ هَذَا الِاحْتِمَالِ إِظْهَارُهُ لِلْمُخَالَفَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ سُكُوتُهُ عَنْ مُوَافَقَةٍ وَدَلِيلٍ لَكَانَ الظَّاهِرُ عَدَمَ مُخَالَفَتِهِ لِذَلِكَ الدَّلِيلِ.
وَأَمَّا إِنْ حَدَّثَ تَابِعِيٌّ مُخَالِفٌ مَعَ إِصْرَارِ الْبَاقِينَ عَلَى السُّكُوتِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِمُخَالَفَتِهِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِجْمَاعِ الظَّاهِرِ.
احْتَجَّ الْمُخَالِفُونَ بِالنَّصِّ وَالْآثَارِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ جَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى النَّاسِ، وَمَنْ جَعَلَ إِجْمَاعَهُمْ مَانِعًا لَهُمْ مِنَ الرُّجُوعِ فَقَدْ جَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
وَأَمَّا الْآثَارُ فَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى أَنْ لَا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، وَالْآنَ فَقَدْ رَأَيْتُ بَيْعَهُنَّ - أَظْهَرَ الْخِلَافَ بَعْدَ الْوِفَاقِ - وَدَلِيلُهُ قَوْلُ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ: رَأْيُكُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ، وَقَوْلُ عَبِيدَةَ دَلِيلُ سَبْقِ الْإِجْمَاعِ.
وَمِنْهَا أَنَّ عُمَرَ خَالَفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَالصَّحَابَةِ فِي زَمَانِهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ فِي الْقَسْمِ، وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنَّ عُمَرَ حَدَّ الشَّارِبَ ثَمَانِينَ، وَخَالَفَ مَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَالصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِّ أَرْبَعِينَ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ ; فَمِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ رُبَّمَا كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ وَظَنٍّ، وَلَا حَجْرَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، وَإِلَّا كَانَ الِاجْتِهَادُ مَانِعًا مِنَ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الرَّأْيَ وَالنَّظَرَ عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ وَتَكَرُّرِ النَّظَرِ يَكُونُ أَوْضَحَ وَأَصَحَّ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ، جَعَلُوا بَادِيَ الرَّأْيِ ذَمًّا وَطَعْنًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَكِّمًا عَلَى الرَّأْيِ الثَّانِي.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُعْتَبَرِ الْمُخَالَفَةُ فِي عَصْرِهِمْ لَبَطَلَ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ بِمَوْتِهِ ; لِأَنَّ مَنْ بَقِيَ بَعْدَهُ كُلُّ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
стр. 257
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَ الْجَمَاعَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇، وَوَفَاةُ النَّبِيِّ شَرْطٌ فِي اسْتِقْرَارِ الْحُجَّةِ فِيمَا يَقُولُهُ، فَاشْتِرَاطُ ذَاكَ فِي اسْتِقْرَارِ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشْتَرَطِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ وَإِلَّا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَتَذَكَّرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَوْ جُمْلَتُهُمْ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى خِلَافِ إِجْمَاعِهِمْ، فَإِنْ جَازَ رُجُوعُهُمْ إِلَيْهِ كَانَ الْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ خَطَأً، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ كَانَ اسْتِمْرَارُهُمْ عَلَى الْحُكْمِ مَعَ ظُهُورِ دَلِيلٍ يُنَاقِضُهُ، وَهُوَ أَيْضًا خَطَأٌ وَلَا مَخْلَصَ مِنْهُ إِلَّا بِاشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وَصْفِهِمْ بِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ وَحُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمُ امْتِنَاعُ كَوْنِ أَقْوَالِهِمْ حُجَّةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِلَّا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَا يَأْتِي، بَلْ رُبَّمَا كَانَ قَبُولُ قَوْلِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَبُولِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، وَتَكُونُ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ التَّنْبِيهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ قَدْ يُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِجَعْلِهِمْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهِمْ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
وَعَنِ الْآثَارِ (١) : أَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اتِّفَاقِ الْأُمَّةِ وَإِلَّا قَالَ: رَأْيِي وَرَأْيُ الْأُمَّةِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَرَى جَوَازَ بَيْعِهِنَّ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَمَعَ مُخَالَفَتِهِ فَلَا إِجْمَاعَ، وَقَوْلُ السَّلْمَانِيِّ لَيْسَ فِيهِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى اتِّفَاقِ الْجَمَاعَةِ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ: رَأْيُكَ مَعَ رَأْيِ الْجَمَاعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ: رَأْيُكَ فِي زَمَنِ الْجَمَاعَةِ وَالْإِلْفَةِ وَالطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ رَأْيِكَ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ وَتَشْتِيتِ الْكَلِمَةِ، نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْ عَلِيٍّ فِي تَطَرُّقِهَا إِلَيْهِ فِي стр. 258
مُخَالَفَةِ الشَّيْخَيْنِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ قَدْ خَالَفَ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فَلَعَلَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَرَى اشْتِرَاطَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ الْوَاحِدِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَأَمَّا قَضِيَّةُ التَّسْوِيَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ عُمَرَ خَالَفَ فِيهَا بَعْدَ الْوِفَاقِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ، وَقَالَ لَهُ: أَتَجْعَلُ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ كَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ كَرْهًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ وَإِنَّمَا أَجْرُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بِلَاغٌ.
وَلَمْ يُرْوَ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّمَا فَضَّلَ فِي زَمَانِهِ وَعَوْدُ الْأَمْرِ إِلَيْهِ (١) ; لِأَنَّهُ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْمُخَالَفَةِ.
وَأَمَّا حَدُّهُ لِلشَّارِبِ ثَمَانِينَ، فَغَايَتُهُ أَنَّهُ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيِّ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِجَوَازِ ذَلِكَ ; لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ السَّاكِتِينَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَعَنِ الْحُجَّةِ الْأُولَى مِنَ الْمَعْقُولِ، أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَصِيرُ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِلَى الْحُكْمِ عَنِ اجْتِهَادٍ وَظَنٍّ وَلَكِنْ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْحُكْمِ إِنَّمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ بِالِاجْتِهَادِ أَنْ لَوْ لَمْ يَصِرِ الْحُكْمُ بِإِجْمَاعِهِمْ قَطْعِيًّا.
وَأَمَّا إِذَا صَارَ قَطْعِيًّا فَيَمْتَنِعُ الْعَوْدُ عَنْهُ وَتَرْكُهُ بِالِاجْتِهَادِ الظَّنِّيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَوْدِ عَنِ الِاجْتِهَادِ الظَّنِّيِّ بِالِاجْتِهَادِ الظَّنِّيِّ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ نَصَّ هَذَا الْمَذْهَبُ إِلَى إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ بِمَوْتِهِ، وَقَالَ بِانْعِقَادِ إِجْمَاعِ مَنْ بَقِيَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا (٢) لَمْ يَبْطُلْ مَذْهَبُهُ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بَعْدَهُ ; لِأَنَّ مَنْ بَعْدَهُ لَيْسَ هُمْ كُلَّ الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الْمَيِّتُ، فَإِنَّ فَتْوَاهُ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ وَهُوَ الْحَقُّ.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: بِالْفَرْقِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﵇ وَالْأُمَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ إِنَّمَا لَمْ يَسْتَقِرَّ قَبْلَ مَوْتِهِ لِإِمْكَانِ نَسْخِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُرْتَقَبٌ.
وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِالْوَحْيِ الْقَاطِعِ، وَرَفْعُ الْقَاطِعِ بِالْقَاطِعِ عَلَى طَرِيقِ النَّسْخِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بِخِلَافِ رَفْعِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.
وَعَنِ الرَّابِعَةِ: أَنَّ مَا فَرَضُوهُ مِنْ تَذَكُّرِ الْخَبَرِ الْمُخَالِفِ لِإِجْمَاعِهِمْ فَهُوَ فَرْضٌ مُحَالٌ، بَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَعْصِمُ الْأُمَّةَ عَنِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْخَبَرِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ إِمَّا عَدَمَ الْخَبَرِ الْمُخَالِفِ أَوْ أَنْ يَعْصِمَ الرَّاوِيَ لَهُ عَنِ النِّسْيَانِ إِلَى تَمَامِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيمَا يُقَالُ مِنَ اطِّلَاعِ التَّابِعِينَ عَلَى خَبَرٍ مُخَالِفٍ لِلْإِجْمَاعِ السَّابِقِ. стр. 259
[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ لابد للإجماع من مستند]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ
اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَنْ (١) الْحُكْمِ إِلَّا عَنْ مَأْخَذٍ وَمُسْتَنَدٍ يُوجِبُ اجْتِمَاعَهَا خِلَافًا لِطَائِفَةٍ شَاذَّةٍ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِجَوَازِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنْ تَوْفِيقٍ لَا تَوْقِيفٍ بِأَنْ يُوَفِّقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِاخْتِيَارِ الصَّوَابِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ.
وَقَدِ احْتَجَّ النَّافُونَ لِذَلِكَ بِمَسَالِكَ:
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ قَالُوا مَعَ فَقْدِ الدَّلِيلِ وَالْمُسْتَنَدِ لَا يَجِبُ الْوُصُولُ إِلَى الْحَقِّ، أَيْ: لَا يَلْزَمُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَتَى لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، إِذَا لَمْ تُجْمِعِ الْأُمَّةُ عَلَى الْحُكْمِ أَوْ إِذَا أَجْمَعَتْ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ مَا الْمَانِعُ أَنَّهُمْ إِذَا اتَّفَقَ إِجْمَاعُهُمْ أَنْ يُوَفِّقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِلصَّوَابِ ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْخَطَأِ لِمَا سَبَقَ فِي الْمَسَالِكِ السَّمْعِيَّةِ، وَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لَا فِي وُقُوعِهِ.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّحَابَةَ لَيْسُوا بِآكَدِ حَالٍ مِنَ النَّبِيِّ ﵇، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَقُولُ وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، فَالْأُمَّةُ أَوْلَى أَنْ لَا تَقُولَ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى امْتِنَاعِ الْخَطَأِ عَلَى الرَّسُولِ فِيمَا يَقُولُ وَكَذَلِكَ الْأُمَّةُ، فَلَوْ قَالَ الرَّسُولُ قَوْلًا وَحَكَمَ بِحُكْمٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لَمَا كَانَ إِلَّا حَقًّا ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَيْهِ (٢) ، غَيْرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْهُ الْحُكْمُ وَالْقَوْلُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣)
وَأَمَّا الْأُمَّةُ فَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَحْكُمُونَ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ (٤) فَافْتَرَقَا. стр. 260
الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَحْكُمُوا مِنْ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ لَجَازَ ذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُجْمِعُونَ عَلَى الْحُكْمِ بِأَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ بِهِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لِآحَادِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَمْعِ فِي ذَلِكَ مَزِيَّةٌ عَلَى الْآحَادِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمَزِيَّةُ لِلْجَمْعِ عَلَى الْآحَادِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ يَكُونُ حُجَّةً بِخِلَافِ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآحَادِ (١)
الثَّانِي: أَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ لِلْآحَادِ مَشْرُوطٌ بِضَمِّ قَوْلِ الْبَاقِي إِلَيْهِ لَا أَنَّهُ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ ضَمٍّ، وَلَا كَذَلِكَ قَوْلُ الْجَمِيعِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ (٢) .
الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: إِنَّ الْقَوْلَ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ وَلَا أَمَارَةِ خَطَأٌ، فَلَوِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى الْخَطَأِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ قَادِحٌ فِي الْإِجْمَاعِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ خَطَأً، إِذَا لَمْ تُجْمِعِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ أَوْ إِذَا أَجْمَعَتْ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي دَعْوَى مَحَلُّ النِّزَاعِ.
الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْمُقَالَةَ إِذَا لَمْ تَسْتَنِدْ إِلَى دَلِيلٍ لَا يُعْلَمُ انْتِسَابُهَا إِلَى وَضْعِ الشَّارِعِ، وَمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ انْتِسَابُهَا إِلَى وَضْعِ الشَّارِعِ: أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مُصِيبَةً لِحُكْمِ الشَّارِعِ، أَوْ مَعْنًى آخَرَ.
الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ صُورَةِ الْوَاقِعِ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، وَالثَّانِي دَعْوَى مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَالثَّالِثُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ (٣) . стр. 261
الْمَسْلَكُ السَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الِاجْتِهَادِ فِي قَوْلِ الْمُجْمِعِينَ مَعْنًى، وَهُوَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الِاجْتِهَادِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاجْتِهَادُ مُشْتَرَطٌ لَا حَالَةَ الْإِجْمَاعِ، أَوْ حَالَةَ الْإِجْمَاعِ؟
الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي دَعْوَى مَحَلُّ النِّزَاعِ.
فَإِنَّ الْخَصْمَ إِذَا قَالَ بِجَوَازِ الْإِصَابَةِ وَامْتِنَاعِ الْخَطَأِ عَلَى الْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، كَيْفَ يُسَلَّمُ اشْتِرَاطُ الِاجْتِهَادِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؟ فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا ظَفِرْتُ بِهِ مِنْ مَسَالِكِ النَّافِينَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا مُوجِبًا لِاسْتِبْعَادِ مَقَالَةِ الْمُخَالِفِ، وَالْحُكْمِ بِبُعْدِهِ عَنِ الصَّوَابِ.
وَأَمَّا الْمُثْبِتُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِمَسْلَكَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، فَلَوِ افْتَقَرَ فِي جَعْلِهِ حُجَّةً إِلَى دَلِيلٍ لَكَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ هُوَ الْحُجَّةَ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً فَائِدَةٌ وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فَائِدَةُ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةٌ جَوَازُ الْأَخْذِ بِهِ، وَإِسْقَاطُ الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وَحُرْمَةُ الْمُخَالَفَةِ الْجَائِزَةِ قَبْلَ الِاتِّفَاقِ.
الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ يُوجِبُ عَدَمُ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الدَّلِيلِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِقَوْلِ الرَّسُولِ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقُولُ مَا يَقُولُهُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ، وَهُوَ مَا يُوحِي بِهِ إِلَيْهِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ (١) .
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْوَاقِعِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أُجْرَةِ الْحَمَّامِ، وَنَاصِبِ الْحِبَابِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَأُجْرَةِ الْحَلَّاقِ وَآخِذِ الْخَرَاجِ وَنَحْوِهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ وُقُوعَ شَيْءٍ مِنَ الْإِجْمَاعَاتِ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلِ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِجْمَاعِ عَنْهُ، وَإِذَا عُرِفَ ضَعْفُ الْمَأْخَذِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ إِنْ أَجْمَعُوا عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَا يَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ إِلَّا حَقًّا ضَرُورَةَ اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إِجْمَاعُهُمْ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ أَوْ يُتَصَوَّرُ، فَذَلِكَ مِمَّا قَدْ ظَهَرَ ضَعْفُ الْمَأْخَذِ فِيهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ (٢) . стр. 262
[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ الاختلاف في جواز انعقاد الإجماع عن الاجتهاد والقياس]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ
الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ انْعِقَادِهِ عَنِ الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ، فَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْوُقُوعِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
وَالْقَائِلُونَ بِثُبُوتِهِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِجْمَاعَ مَعَ ذَلِكَ يَكُونُ حُجَّةً تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ يَفْتَحُ بَابَ الِاجْتِهَادِ وَلَا يُحَرِّمُهُ.
وَذَهَبَتِ الشِّيعَةُ، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ.
وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ وَوُقُوعُهُ، وَأَنَّهُ حُجَّةٌ تَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ.
أَمَّا دَلِيلُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ، فَهُوَ أَنَّا قَدْ وَحَّدْنَا الْخَلْقَ الْكَثِيرَ الزَّائِدَ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ مُجْمِعِينَ عَلَى أَحْكَامٍ بَاطِلَةٍ لَا تَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَلَا دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ تَصَوُّرِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ (١) ، فَجَوَازُ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ الظَّاهِرِ أَوْلَى، كَيْفَ وَأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا وُقُوعَ ذَلِكَ لَمَا لَزِمَ عَنْهُ لِذَاتِهِ مُحَالٌ عَقَلًا (٢) ، وَلَا مَعْنَى لِلْجَائِزِ سِوَى هَذَا.
وَأَمَّا دَلِيلُ الْوُقُوعِ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ حَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " إِنْ تُوَلُّوهَا أَبَا بَكْرٍ تَجِدُوهُ قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ ضَعِيفًا فِي بَدَنِهِ "، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ: " وَاللَّهِ لَا فَرَّقْتُ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُو الزَّكَاةَ) . "
وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ قِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ لَحْمِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى إِرَاقَةِ الشَّيْرَجِ وَالدِّبْسِ السَّيَّالِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ وَمَاتَتْ قِيَاسًا عَلَى فَأْرَةِ السَّمْنِ، وَعَلَى تَأْمِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي مَوْضِعٍ كَانُوا فِيهِ بِاجْتِهَادِهِمْ. стр. 263
وَأَجْمَعُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ بِالِاجْتِهَادِ، حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ ﵇: إِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَأَرَى أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْمُفْتَرِينَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: هَذَا حَدٌّ وَأَقَلُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ.
وَأَجْمَعُوا أَيْضًا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ عَلَى جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَمِقْدَارِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَمِقْدَارِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ، وَعَدَالَةِ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوَازُ وَالْوُقُوعُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً مُتَّبَعَةً لِمَا ثَبَتَ فِي مَسْأَلَةِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ دَلِيلِ الْجَوَازِ مَعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَا مِنْ عَصْرٍ إِلَّا وَفِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ مُسْتَنِدًا إِلَى الْقِيَاسِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقِيَاسَ أَمْرٌ ظَنِّيٌّ، وَقُوَى النَّاسِ وَأَفْهَامُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ فِي إِدْرَاكِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُحِيلُ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ عَادَةً، كَمَا يَسْتَحِيلُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِاخْتِلَافِ أَمْزِجَتِهِمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ ; حَتَّى إِنَّ مُخَالِفَهُ يُبَدَّعُ وَيُفَسَّقُ وَالدَّلِيلُ الْمَظْنُونُ الثَّابِتُ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى ضِدِّهِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ إِسْنَادَ الْإِجْمَاعِ إِلَيْهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ مَعْصُومٌ عَنِ الْخَطَأِ، وَالْقِيَاسُ فَرْعٌ وَعُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ، وَاسْتِنَادُ الْأَصْلِ وَمَا هُوَ مَعْصُومٌ عَنِ الْخَطَأِ إِلَى الْفَرْعِ وَمَا هُوَ عُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ مُمْتَنِعٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ مُخَالَفَةِ الْمُجْتَهِدِ، فَلَوِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَنِ اجْتِهَادٍ أَوْ قِيَاسٍ لَحَرُمَتِ الْمُخَالَفَةُ الْجَائِزَةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ دَلِيلِ الْوُقُوعِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْإِجْمَاعِ كَانَ عَنِ الْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ نُصُوصٍ ظَهَرَتْ لِلْمُجْمِعِينَ مِنْهَا مَا ظَهَرَ لَنَا وَذَلِكَ كَتَمَسُّكِ أَبِي بَكْرٍ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ،
стр. 264
وَبِاسْتِثْنَاءِ النَّبِيِّ ﵇ وَهُوَ قَوْلُهُ (إِلَّا بِحَقِّهَا) مِنْ قَوْلِهِ: " «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ» " وَكَاسْتِدْلَالِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﵇ حَيْثُ قَالُوا: أَيُّكُمْ يَطِيبُ نَفْسًا أَنْ يَتَقَدَّمَ قَدَمَيْنِ قَدَّمَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ، وَمِنْهَا مَا لَمْ يَظْهَرْ لَنَا لِلِاكْتِفَاءِ بِالْإِجْمَاعِ عَنْ نَقْلِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ وُقُوعَ الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ لِيَصِحَّ مَا ذَكَرُوهُ، وَوُجُودُ الْخِلَافِ بَعْدَهُ فِي الْقِيَاسِ غَايَتُهُ الْمَنْعُ مِنْ وُقُوعِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْقِيَاسِ بَعْدَ ظُهُورِ الْخِلَافِ فِيهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا، كَيْفَ وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؟ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَفِي أَسْبَابِ تَزْكِيَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقُوا عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِنَاءً عَلَيْهِ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ الْقِيَاسَ إِذَا ظَهَرَ وَعُدِمَ الْمَيْلُ وَالْهَوَى، فَلَا يَبْعُدُ اتِّفَاقُ الْعُقَلَاءِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ دَاعِيًا إِلَى الْحُكْمِ بِهِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِتَفَاوُتِ أَفْهَامِهِمْ وَجِدِّهِمْ فِي النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَا يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ كَمَا لَا يَتَعَذَّرُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ أَنَّ عَدَالَتَهُ مَظْنُونَةٌ بِمَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا وَالْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِتَزْكِيَتِهِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ اتِّفَاقِ الْكَافَّةِ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ اخْتِلَافَ أَمْزِجَتِهِمْ مُوجِبٌ لِاخْتِلَافِ أَغْرَاضِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَلَا دَاعِيَ لَهُمْ إِلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ كَمَا وُجِدَ الدَّاعِي لَهُمْ عِنْدَ ظُهُورِ الْقِيَاسِ إِلَى الْحُكْمِ بِمُقْتَضَاهُ.
وَعَنِ الثَّالِثِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا اتَّفَقَتْ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الْقِيَاسِ فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ يَسْبِقُهُ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْقِيَاسِ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ ظَنِّيًّا فَإِذًا اسْتِنَادُ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَى قَطْعِيٍّ لَا إِلَى ظَنِّيٍّ.
الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِمَا وَافَقُوا عَلَيْهِ مِنَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، بِنَاءً عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ كَوْنِهِ ظَنِّيًّا، وَالْإِجْمَاعُ الْمُسْتَنَدُ إِلَيْهِ قَطْعِيٌّ فَمَا هُوَ الْجَوَابُ فِي صُورَةِ الْإِلْزَامِ يَكُونُ جَوَابًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
стр. 265
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي هُوَ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ هُوَ فَرْعًا لِلْإِجْمَاعِ، بَلْ لِغَيْرِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ بِنَاءُ الْإِجْمَاعِ عَلَى فَرْعِهِ.
قَوْلُهُمْ إِنَّ الْقِيَاسَ عُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ، فَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ فِي جَوَابِ الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِ مُخَالَفَةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُنْفَرِدِ بِاجْتِهَادِهِ كَالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ دُونَ اجْتِهَادِ الْأُمَّةِ.
قَوْلُهُمْ: الْأُمَّةُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إِنَّمَا أَجْمَعَتْ عَلَى نُصُوصٍ.
قُلْنَا: وَإِنْ أَمْكَنَ التَّشَبُّثُ بِمَا أَوْرَدُوهُ مِنَ النُّصُوصِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَمَا الْعُذْرُ فِيمَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ نَصٌّ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِالْقِيَاسِ وَإِلْحَاقِ صُورَةٍ بِصُورَةٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا نَصٌّ لَمَا عَدَلُوا عَنْهُ إِلَى التَّصْرِيحِ بِالْقِيَاسِ (١) وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنِ الْقِيَاسِ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، فَلَوْ ظَهَرَ دَلِيلٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ وَرَأَيْنَا الْأُمَّةَ قَدْ حَكَمَتْ بِمُقْتَضَاهُ - وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهُ هُوَ الْمُسْتَنَدَ - فَلَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ لِجَوَازِ أَنَّ الْمُسْتَنَدَ غَيْرُهُ (٢) لِتَكْثُرَ الْأَدِلَّةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، خِلَافًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. стр. 266
[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ إِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَصْرِ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ هَلْ يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ
إِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَصْرِ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ هَلْ يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ؟
اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، خِلَافًا لِبَعْضِ الشِّيعَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ: إِنَّ الْجَارِيَةَ الثَّيِّبَ إِذَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا يُمْنَعُ الرَّدُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالرَّدِّ مَعَ الْعَقْرِ، فَالْقَوْلُ بِالرَّدِّ مَجَّانًا قَوْلٌ ثَالِثٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْجَدُّ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ مَعَ الْأَخِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالْمُقَاسَمَةِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَرِثُ شَيْئًا قَوْلٌ ثَالِثٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: النِّيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي جَمِيعِ الطَّهَارَاتِ، وَقَالَ الْبَعْضُ: النِّيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا لَا فِي شَيْءٍ مِنَ الطَّهَارَاتِ قَوْلٌ ثَالِثٌ.
وَفِي مَعْنَى هَذَا مَا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: بِجَوَازِ فَسْخِ النِّكَاحِ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ، وَقَالَ الْبَعْضُ: لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَالْقَوْلُ بِالْفَسْخِ بِالْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ قَوْلٌ ثَالِثٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ: لِلْأُمِّ ثُلْثٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهَا ثُلْثُ مَا يَبْقَى بَعْدَ نَصِيبِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ لَهَا ثُلْثَ الْأَصْلِ فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ وَثُلْثَ مَا يَبْقَى فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى؛ قَوْلٌ ثَالِثٌ.
احْتَجَّ الْغَزَالِيُّ عَلَى امْتِنَاعِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ دَلِيلٌ أَوْ لَهُ دَلِيلٌ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَالْقَوْلُ بِهِ مُمْتَنِعٌ (١) ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ يَلْزَمُ مِنْهُ نِسْبَتُهُ الْخَطَأَ إِلَى الْأُمَّةِ بِنِسْبَتِهِمْ إِلَى تَضْيِيعِهِ وَالْغَفْلَةِ عَنْهُ (٢) ، وَهُوَ مُحَالٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ стр. 267
مِنْ ذَلِكَ نِسْبَةُ الْأُمَّةِ إِلَى الْخَطَأِ، أَنْ لَوْ كَانَ الْحَقُّ فِي الْمَسْأَلَةِ مُعَيَّنًا وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي (١) ، وَإِذَا كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا فَالتَّخْطِئَةُ تَكُونُ مُمْتَنِعَةٌ.
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا اخْتَلَفَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَدْ أَجْمَعَتْ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إِحْدَاثِ قَوْلٍ ثَالِثٍ ; لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُوجِبُ الْأَخْذَ بِقَوْلِهَا أَوْ بِقَوْلِ مُخَالِفِهَا، وَيَحْرُمُ الْأَخْذُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَصْمَ إِنَّمَا يُسَلِّمُ إِيجَابَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْأَخْذَ بِقَوْلِهَا أَوْ قَوْلِ مُخَالِفِهَا بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ اجْتِهَادُ الْغَيْرِ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ.
وَالْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ مِمَّا يَرْفَعُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَاةِ، فَإِنَّهُ إِذَا اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَهُمَا امْتِنَاعُ الرَّدِّ، وَالرَّدُّ مَعَ الْعَقْرِ فَالْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى امْتِنَاعِ الرَّدِّ مَجَّانًا، فَالْقَوْلُ بِهِ يَكُونُ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ السَّابِقِ.
وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْجَدِّ، فَإِنَّهُ إِذَا اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهُمَا: اسْتِقْلَالُهُ بِالْمِيرَاثِ وَمُقَاسَمَتُهُ لِلْأَخِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّ لِلْجَدِّ قِسْطًا مِنَ الْمَالِ، فَالْقَوْلُ الْحَادِثُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ شَيْئًا يَكُونُ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ.
وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ إِذَا اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الطَّهَارَاتِ وَعَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْقَوْلَانِ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْبَعْضِ، فَالْقَوْلُ الْمُحْدَثُ النَّافِي لِاعْتِبَارِهَا مُطْلَقًا يَكُونُ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ السَّابِقِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لَا يَرْفَعُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ، بَلْ وَافَقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ مِنْ وَجْهٍ وَخَالَفَهُ مِنْ وَجْهٍ، فَهُوَ جَائِزٌ إِذْ لَيْسَ فِيهِ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ.
وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ بِاعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الطَّهَارَاتِ، وَقَالَ الْبَعْضُ بِنَفْيِ اعْتِبَارِهَا فِي جَمِيعِ الطَّهَارَاتِ، فَالْقَوْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ اعْتِبَارُهَا فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَا يَكُونُ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ خَرْقَ الْإِجْمَاعِ إِنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ بِمَا стр. 268
يُخَالِفُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِالنَّفْيِ فِي الْبَعْضِ وَالْإِثْبَاتِ فِي الْبَعْضِ قَدْ وَافَقَ فِي كُلِّ صُورَةٍ مَذْهَبَ ذِي مَذْهَبٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ لَا فِي صُورَةِ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ بِاعْتِبَارِهَا فِي الْكُلِّ، وَلَا فِي صُورَةِ النَّفْيِ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِمَنْ قَالَ بِنَفْيِ الِاعْتِبَارِ فِي الْكُلِّ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِجَوَازِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وَبِصِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ، فَمَنْ قَالَ بِجَوَازِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وَبِنَفْيِ صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَكُنْ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي مَسْأَلَةِ فَسْخِ النِّكَاحِ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ (١) .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَنْ قَالَ بِالْإِثْبَاتِ مُطْلَقًا لَمْ يَقُلْ بِالتَّفْصِيلِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ بِالنَّفْيِ مُطْلَقًا، فَالْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ.
قُلْنَا: وَعَدَمُ الْقَائِلِ بِهِ مِمَّا لَا يَمْنَعُ مِنَ الْقَوْلِ بِهِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ أَنْ يَحْكُمَ فِي وَاقِعَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ بِحُكْمٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَقَ فِيهَا لِأَحَدٍ قَوْلٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكُلٌّ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مُطْلَقًا قَائِلٌ بِنَفْيِ التَّفْصِيلِ؛ فَالْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ يَكُونُ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْيِ التَّفْصِيلِ إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ مِنْ صَرِيحِ مَقَالِهِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِ بِالنَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ مُطْلَقًا، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ حَتَّى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لَوْ صَرَّحَ بِنَفْيِ التَّفْصِيلِ لَمَا سَاغَ الْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ، وَالثَّانِي غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلْقَوْلِ بِنَفْيِ التَّفْصِيلِ وَإِلَّا لَامْتَنَعَ الْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وَبَيْعِ الْغَائِبِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ فِيهِ تَخْطِئَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي بَعْضِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَتَخْطِئَةُ الْفَرِيقَيْنِ تَخْطِئَةٌ لِلْأُمَّةِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ. стр. 269
قُلْنَا: الْمُحَالُ إِنَّمَا هُوَ تَخْطِئَةُ الْأُمَّةِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَأَمَّا تَخْطِئَةُ كُلِّ بَعْضٍ فِيمَا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مُحَالًا، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ انْقِسَامُ الْأُمَّةِ إِلَى قِسْمَيْنِ، وَكُلُّ قِسْمٍ مُخْطِئٌ فِي مَسْأَلَةٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ الْأَكْثَرُونَ.
(شُبَهُ الْمُخَالِفِينَ)
الْأُولَى: أَنَّ اخْتِلَافَ الْأُمَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ دَلِيلُ تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ حَادِثٌ عَنْ الِاجْتِهَادِ فَكَانَ جَائِزًا.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَوِ انْقَرَضَ عَصْرُهُمْ وَكَانُوا قَدِ اسْتَدَلُّوا فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ بِدَلِيلَيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلتَّابِعِيِّ الِاسْتِدْلَالُ بِدَلِيلٍ ثَالِثٍ، فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: دَلِيلُ جَوَازِ إِحْدَاثِ قَوْلٍ ثَالِثِ الْوُقُوعُ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ مِنَ الْأُمَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِلْأُمِّ ثُلْثُ الْأَصْلِ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: لِلْأُمِّ ثُلْثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَقَدْ أَحْدَثَ التَّابِعُونَ قَوْلًا ثَالِثًا، فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ (١) بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ دُونَ الزَّوْجَةِ وَالْأَبَوَيْنِ، وَقَالَ تَابِعِيٌّ آخَرُ بِالْعَكْسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) (٢) عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ، فَأَحْدَثَ مَسْرُوقٌ وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ مَذْهَبًا سَابِعًا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ حُكْمٌ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الْأُولَى: أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ: الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ بِالْفَرْقِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِدَلِيلٍ ثَالِثٍ يُؤَكِّدُ مَا صَارَتْ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنَ الْحُكْمِ، وَلَا يُبْطِلُهُ، بِخِلَافِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ. стр. 270
الثَّانِي أَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى دَلِيلٍ وَاحِدٍ لَا يَمْنَعُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ مَانِعٌ مِنْ إِبْدَاعِ حُكْمٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ فَافْتَرَقَا.
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: أَمَّا مَسْأَلَةُ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَرْفَعُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفَرِيقَانِ، بَلْ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّابِعِينَ فِيمَا ذَهَبَا إِلَيْهِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْإِجْمَاعِ، بَلْ هُوَ قَائِلٌ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِمَذْهَبِ ذِي مَذْهَبٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفَرِيقَانِ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَسْتَقِرَّ قَوْلُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَلْ قَوْلُ الْبَعْضِ، أَوْ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمَا قَوْلُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ بَلْ مُخَالَفَةُ الْبَعْضِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ خَالَفَهُمْ فِي وَقْتِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَقَدْ خَالَفَهُمْ حَالَةَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ قُدِّرَ إِحْدَاثُ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَعَدَمُ نَقْلِ الْإِنْكَارِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ فِي نَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَةِ (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) .
стр. 271
[الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ إِذَا اسْتَدَلَّ أَهْلُ الْعَصْرِ فِي مَسْأَلَةٍ بِدَلِيلٍ فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إِحْدَاثُ دَلِيلٍ آخَرَ]
الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ
إِذَا اسْتَدَلَّ أَهْلُ الْعَصْرِ فِي مَسْأَلَةٍ بِدَلِيلٍ، أَوْ تَأَوَّلُوا تَأْوِيلًا فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إِحْدَاثُ دَلِيلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ آخَرَ؟
لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ ذَلِكَ الْعَصْرِ قَدْ نَصُّوا عَلَى إِبْطَالِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ وَذَلِكَ التَّأْوِيلِ أَوْ عَلَى صِحَّتِهِ أَوْ سَكَتُوا عَنِ الْأَمْرَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ لَمْ يَجُزْ إِحْدَاثُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْطِئَةِ الْأُمَّةِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ جَازَ إِحْدَاثُهُ إِذْ لَا تَخْطِئَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَقَلُّونَ.
وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ إِلَّا إِذَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْحُ فِيمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَصْرِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَدْحُ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا كَمَا لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ تَأْوِيلٌ أَوْ دَلِيلٌ آخَرُ، وَلِهَذَا فَإِنَّ النَّاسَ فِي كُلِّ عَصْرٍ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَخْرِجُونَ الْأَدِلَّةَ وَالتَّأْوِيلَاتِ الْمُغَايِرَةَ لِأَدِلَّةِ مَنْ تَقَدَّمَ وَتَأْوِيلَاتِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.
فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَعَارَضٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) ، وَالدَّلِيلُ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي لَيْسَ هُوَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمَعْرُوفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُسْتَغْرِقَةِ لِلْجِنْسِ، وَلَوْ كَانَ الدَّلِيلُ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي مَعْرُوفًا لَأُمِرُوا بِهِ وَحَيْثُ لَمْ يُأْمَرُوا بِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فَكَانَ مُنْكَرًا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُهُ ﵇: " «أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْخَطَأِ» "، وَقَدْ ذَهَبُوا عَنِ الدَّلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ الثَّانِي، فَلَا يَكُونُ ذَهَابُهُمْ عَنْهُ خَطَأً، وَلَوْ كَانَ دَلِيلًا صَحِيحًا أَوْ تَأْوِيلًا صَحِيحًا لَكَانَ الذَّهَابُ عَنْهُ خَطَأً وَهُوَ مُحَالٌ.
стр. 272
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّهُ (١) جَازَ أَنْ يَذْهَبَ عَلَى أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ الدَّلِيلُ الثَّانِي لَجَازَ أَنْ يُوحِيَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى النَّبِيِّ ﵇ بِدَلِيلَيْنِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَالنَّبِيُّ ﵇ يُشَرِّعُ الْحُكْمَ لِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ وَيَذْهَبُ عَنِ الْآخَرِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ الذَّمَّ فِيهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ إِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ، وَإِمَّا بِسُلُوكِ مَا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ.
الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا تَحَقُّقَ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْمُحْدِثَ لِلدَّلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ الثَّانِي غَيْرُ تَارِكٍ لِدَلِيلِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَلَا لِتَأْوِيلِهِمْ، بَلْ غَايَتُهُ ضَمُّ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ وَتَأْوِيلٍ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَلَا هُوَ تَارِكٌ لِمَا نَهُوا عَنْهُ مِنَ الدَّلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ الثَّانِي، إِذِ الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ نَهُوا عَنْهُ.
وَالثَّانِي مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِ الْآيَةِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْحَاقِ الذَّمِّ بِمَا لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِإِبْطَالِ الْإِجْمَاعِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ.
وَعَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا مُشْتَرِكَةُ الدَّلَالَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ نَاهِينَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ لَامِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَلَوْ كَانَ الدَّلِيلُ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي مُنْكَرًا لَنَهَوْا عَنْهُ، وَلَمْ يَنْهَوْا عَنْهُ فَلَا يَكُونُ مُنْكَرًا.
وَعَنِ السُّنَّةِ أَنَّ ذَهَابَهُمْ عَنِ الدَّلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ الثَّانِي مَعَ صِحَّتِهِ إِنَّمَا يَكُونُ خَطَأً أَنْ لَوْ لَمْ يَسْتَغْنُوا عَنْهُ بِدَلِيلِهِمْ وَتَأْوِيلِهِمْ.
وَعَنِ الْمَعْقُولِ أَنَّهُ قِيَاسٌ مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ صَحِيحٍ فَلَا يُقْبَلُ، كَيْفَ وَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ تَعْرِيفِهِ (٢) الْحُكْمَ الْوَاحِدَ بِدَلِيلَيْنِ قَدْ كَلَّفَ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا مَانِعَ مِنْ إِثْبَاتِهِ لِلْحُكْمِ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا يَلْزَمُ مِنَ امْتِنَاعِ إِثْبَاتِهِ لِلْحُكْمِ بِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ مَعَ تَكْلِيفِهِ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ بِهِمَا امْتِنَاعُ إِثْبَاتِ الْأُمَّةِ لِلْحُكْمِ بِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ كُلِّفُوا بِذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. стр. 273
[الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ الخلاف في إجماع عصر لاحق على أحد قولي عصر سابق]
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ
إِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَاسْتَقَرَّ خِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ نَكِيرٌ، فَهَلْ يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ إِجْمَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمَصِيرِ إِلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ أَمْ لَا؟
ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى امْتِنَاعِهِ.
وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِهِ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُخْتَارُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا اخْتَلَفَتْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاسْتَقَرَّ خِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ فَقَدِ انْعَقَدَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ، وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْخَطَأِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ.
فَلَوْ أَجْمَعَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى وَجْهٍ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْمَصِيرُ إِلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ - مَعَ أَنَّ الْأُمَّةَ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مُجْمِعَةٌ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِهِ (١) - فَفِيهِ تَخْطِئَةُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ.
وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ، وَالْمَنْعِ مِنَ الْأَخْذِ بِهِ مَعًا، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ خَطَأً أَوْ يَلْزَمُهُ تَخْطِئَةُ أَحَدِ الْإِجْمَاعَيْنِ الْقَاطِعَيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّ إِجْمَاعَ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ يُفْضِي إِلَى أَمْرٍ مُمْتَنِعٍ، فَكَانَ مُمْتَنِعًا.
لَكِنْ لَيْسَ هَذَا الِامْتِنَاعُ عَقْلِيًّا بَلْ سَمْعِيًّا. стр. 274
فَإِنْ قِيلَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ (١) لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَجْوِيزِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ خَطَأً لِقَوْلِهِ ﵇: " «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» "، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى تَجْوِيزِ الْأَخْذِ بِالْخَطَأِ خَطَأٌ (٢) ، وَإِنْ سَلَّمْنَا إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ أَهْلَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ إِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ وَالْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَظْهَرَ إِجْمَاعٌ كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْعَادِمِ لِلْمَاءِ هُوَ التَّيَمُّمُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْمَاءِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ زَالَ حُكْمُ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ وَلَكِنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ (٣) مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِهِمْ، وَمَا يَكُونُ مُوَافِقًا لِلْإِجْمَاعِ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا سَمْعًا.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ وَبَيَانِهِ بِالْوُقُوعِ وَذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى دَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَوْضِعِ دَفْنِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْ يَكُونُ إِمَامًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَاتَّفَقَ التَّابِعُونَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بَعْدَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الِاتِّفَاقُ بَعْدَ الْخِلَافِ مُمْتَنِعًا لَمَا كَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ خَطَأً بَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ مُصِيبٌ عَلَى مَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ (٤) .
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْخَبَرِ فَسَيَأْتِي تَأْوِيلُهُ كَيْفَ وَإِنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ الْإِصَابَةِ نَظَرًا إِلَى إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَوَابًا стр. 275
وَإِلَّا كَانَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَجْوِيزِ الْأَخْذِ بِالْخَطَأِ (١) ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ جَوَّزَ مِثْلَ هَذَا الِاشْتِرَاطِ فِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ الْأُمَّةَ أَطْلَقُوا وَلَمْ يَشْتَرِطُوا؛ لَسَاغَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ إِجْمَاعٍ، وَلَسَاغَ أَنْ تَتَّفِقَ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعُهُمْ مَشْرُوطًا بِأَنْ لَا يَظْهَرَ إِجْمَاعٌ مُخَالِفٌ لَهُ بَلْ وَلَجَازَ لِلْوَاحِدِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ بَعْدِهِمُ الْمُخَالَفَةُ، لِمَا قِيلَ مِنَ الشَّرْطِ وَهُوَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الْمُطْلَقَ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الشَّرْطِ فَهُوَ مُخْطِئٌ آثِمٌ (٢) ، وَبِهِ إِبْطَالُ مَا صَارَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ مِنْ جَوَازِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ السَّابِقِ.
وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ مُحَالًا لِنَفْسِ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَلْ لِمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنِ امْتِنَاعِ الْأَخْذِ الْآخَرِ (٣) .
وَعَنِ السُّؤَالِ الرَّابِعِ أَنَّ الِاتِّفَاقَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الدَّفْنِ وَالْإِمَامَةِ وَقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاسْتِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْجَزْمِ بِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ الْخِلَافُ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي حَالَةِ الْبَحْثِ عَمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ الِاتِّفَاقُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ غَيْرَ أَنَّهُ اتِّفَاقٌ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ، وَمَنْ شَرَطَ فِي الْإِجْمَاعِ انْقِرَاضَ عَصْرِ الْمُجْتَهِدِينَ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ رُجُوعِهِمْ أَوْ رُجُوعِ بَعْضِهِمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَالْخِلَافُ مَعَهُ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمُجْمِعِينَ عَلَى خِلَافِهِمْ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الْأَوَّلِينَ، غَيْرَ أَنَّ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُخْتَارُ (٤) . стр. 276
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَإِنْ كَانَ خِلَافُ الصَّحَابَةِ قَدِ اسْتَقَرَّ وَاسْتَمَرَّ إِلَى انْقِرَاضِ عَصْرِهِمْ فَلَا نُسَلِّمُ إِجْمَاعَ التَّابِعِينَ قَاطِبَةً عَلَى امْتِنَاعِ بَيْعِهِنَّ.
فَإِنَّ مَذْهَبَ عَلِيٍّ فِي جَوَازِ بَيْعِهِنَّ لَمْ يَزَلْ بَلْ جَمِيعُ الشِّيعَةِ وَكُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى مَذْهَبِهِ قَائِلٌ بِهِ وَإِلَى الْآنَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ الخلاف في إجماع أهل عصر على أحد أقوالهم]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ
إِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ أَوْ أَهْلُ أَيِّ عَصْرٍ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَهَلْ يَجُوزُ اتِّفَاقُهُمْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ خِلَافِهِمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَنْعُ مِنْ جَوَازِ الْمَصِيرِ إِلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ؟
اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَنِ اعْتَبَرَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي الْإِجْمَاعِ قَطَعَ بِجَوَازِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرِ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْخِلَافِ الْقِيَاسَ وَالِاجْتِهَادَ لَا دَلِيلًا قَاطِعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَلَمْ يُجَوِّزِ انْعِقَادَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَحَدِ أَقْوَالِهِمْ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ اتِّفَاقَ الْأُمَّةِ عَلَى الْحُكْمِ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ (١) إِلَى دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ أَوْ قَطْعِيٍّ أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً قَاطِعَةً مَانِعَةً مِنْ مُخَالَفَتِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أَنَّ الْأُمَّةَ إِذَا اسْتَقَرَّ خِلَافُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَهُوَ إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى تَجْوِيزِ الْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، فَلَوْ تُصُوِّرَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ مِنْهُ الْمُحَالُ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي تَقْرِيرِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا (٢) .
وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ وَالِانْفِصَالِ فَهُوَ بِعَيْنِهِ مُتَوَجِّهٌ هَاهُنَا فَعَلَيْكَ بِاعْتِبَارِهِ وَنَقْلِهِ إِلَى هَاهُنَا، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَخْتَصُّ بِسُؤَالٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا اتَّفَقَ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ أَوْ أَهْلُ أَيِّ عَصْرٍ كَانَ عَلَى حُكْمٍ وَخَالَفَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَظْهَرَ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ مَا ظَهَرَ لِبَاقِي الْأُمَّةِ، وَمَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ لَهُ إِنْ مَنَعْنَاهُ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى стр. 277
مُقْتَضَاهُ فَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنَ الْحُكْمِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ وَلِبَاقِي الْأُمَّةِ مَعَهُ وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَيَقْطَعُ بِبُطْلَانِهِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَإِنْ لَمْ نَمْنَعْهُ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ فَقَدْ حَصَلَ الْوِفَاقُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْخِلَافِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قُلْنَا: لَوْ ظَهَرَ لَهُ مَا ظَهَرَ لِلْأُمَّةِ فَنَحْنُ لَا نُحِيلُ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ بِاسْتِحَالَةِ ظُهُورِهِ عَلَيْهِ لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ وَهُوَ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ تَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ وَلُزُومِ الْخَطَأِ فِي أَحَدِهِمَا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (١) .
وَلَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُمُ الرَّاجِعُونَ بِأَعْيَانِهِمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَالْمُخَالِفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَأَنَّ الْمُخَالِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَدْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ بَعْضَ الْأُمَّةِ (٢) الْخَائِضِينَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي اتَّفَقُوا عَلَيْهَا وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُجْمِعُونَ هُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْإِشْكَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْظَمَ مِنْهُ فِي الْأُولَى.
وَعَلَى هَذَا نَقُولُ إِنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَصْرِ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ وَبَقِيَ الْقِسْمُ الْآخَرُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ إِجْمَاعًا مَانِعًا مِنَ الْأَخْذِ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ، وَالْوَجْهُ فِي تَقْرِيرِهِ مَا سَبَقَ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ قَوْمٌ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ خَبَرٍ أَوْ دَلِيلٍ وَلَا مَعَارِضَ لَهُ وَتَشْتَرِكُ الْأُمَّةُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ
هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ خَبَرٍ أَوْ دَلِيلٍ وَلَا مَعَارِضَ لَهُ وَتَشْتَرِكُ الْأُمَّةُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ مَصيِرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِالْعَمَلِ (٣) ، بِمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ، فَاشْتِرَاكُهُمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ لَا يَكُونُ خَطَأً فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَخَطَأُ الْمُكَلَّفِ مِنْ أَوْصَافِ فِعْلِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَحَالَهُ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّهُمْ لَوِ اشْتَرَكُوا فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، لَكَانَ ذَلِكَ سَبِيلًا لَهُمْ وَلَوَجَبَ عَلَى غَيْرِهِمُ اتِّبَاعُهُ، وَامْتَنَعَ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) الْآيَةَ. стр. 278
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنِ اشْتِرَاكِهِمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُمْ مُوَافِقًا لِمُقْتَضَاهُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ بِمَعْرِفَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمْ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا هَاهُنَا، لِأَنَّ سَبِيلَ كُلِّ طَائِفَةٍ مَا كَانَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَقْصُودَةِ لَهُمُ الْمُتَدَاوَلَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: سَبِيلُ فُلَانٍ كَذَا وَسَبِيلُ فُلَانٍ كَذَا.
وَعَدَمُ الْعِلْمِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْأُمَّةِ فَلَا يَكُونُ سَبِيلًا لَهُمْ، كَيْفَ وَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ الْحَثُّ عَلَى مُتَابَعَةِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ كَانَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ سَبِيلًا لَهُمْ لَكَانَتِ الْآيَةُ حَاثَّةً عَلَى مُتَابَعَتِهِ، وَالشَّارِعُ لَا يَحُثُّ عَلَى الْجَهْلِ بِأَدِلَّتِهِ الشَّرْعِيَّةِ إِجْمَاعًا.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَمَلُهُمْ عَلَى خِلَافِهِ فَهُوَ مُحَالٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى الْخَطَأِ الْمَنْفِيِّ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ.
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ هل يمكن ارتداد الأمة]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ
اخْتَلَفُوا فِي تَصَوُّرِ ارْتِدَادِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَلَا شَكَّ فِي تَصَوُّرِ ذَلِكَ عَقْلًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي امْتِنَاعِهِ سَمْعًا، وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُهُ لِقَوْلِهِ ﵇: " «أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْخَطَأِ» " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنْ فِعْلِ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ (١) .
فَإِنْ قِيلَ: حَالُ ارْتِدَادِهِمْ لَيْسَ هُمْ مِنْ أُمَّتِهِ ﵇ فَلَا تَكُونُ الْأَخْبَارُ مُتَنَاوِلَةً لَهُمْ.
قُلْنَا: الْأَخْبَارُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمُ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْخَطَأِ، وَإِذَا ارْتَدَّتِ الْأُمَّةُ صَدَقَ قَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدِ اتَّفَقَتْ عَلَى الرِّدَّةِ، وَالرِّدَّةُ مِنَ الْخَطَأِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. стр. 279
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ هل التمسك بأقل ما قيل ليس تمسكا بالإجماع]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا عَلَى الثُّلُثِ.
فَمَنْ حَصَرَهَا فِي الثُّلُثِ كَالشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَظَنَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ فِي ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْحَصْرُ فِي الثُّلُثِ مُشْتَمِلٌ عَلَى وُجُوبِ الثُّلُثِ وَنَفْيِ الزِّيَادَةِ، فَوُجُوبُ الثُّلُثِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
وَأَمَّا نَفْيُ الزِّيَادَةِ فَغَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ ; لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، بَلْ نَفْيُهُ عِنْدَ مَنْ نَفَى إِنَّمَا هُوَ مُسْتَنِدٌ إِمَّا إِلَى ظُهُورِ دَلِيلٍ فِي نَظَرِهِ بِنَفْيِهِ مِنْ وُجُودِ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ عَدَمِ الْمَدَارِكِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى اسْتِصْحَابِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْإِجْمَاعِ فِي شَيْءٍ.
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ هل يثبت الإجماع بخبر الواحد]
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ
اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا كَالْغَزَالِيِّ مَعَ اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ إِلَّا ظَنِّيًّا فِي سَنَدِهِ (١) وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا فِي مَتْنِهِ.
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهِ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ، أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ ﵇: " «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» "، ذَكَرَ (الظَّاهِرَ) بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُسْتَغْرِقَةِ فَدَخَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ الثَّابِتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا ظَنِّيًّا.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَهُوَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ عَنِ الْإِجْمَاعِ مُفِيدٌ لِلظَّنِّ، فَكَانَ حُجَّةً كَخَبَرِهِ عَنْ نَصِّ الرَّسُولِ.
وَحُجَّةُ الْمَانِعِينَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَوْنَ (٢) الْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ عَلَى لِسَانِ الْآحَادِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عَنِ الرَّسُولِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَرِدْ مِنَ الْأُمَّةِ стр. 280
فِيهِ إِجْمَاعٌ قَاطِعٌ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَلَا نَصَّ قَاطِعٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الظَّوَاهِرِ فَغَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهَا فِي الْأُصُولِ (١) وَإِنِ احْتُجَّ بِهَا فِي الْفُرُوعِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ دَائِرَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ دَلِيلِ الْأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهِ وَعَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، فَمَنِ اشْتَرَطَ الْقَطْعَ مَنَعَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُفِيدًا فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ كَانَ الْإِجْمَاعُ الْمَنْقُولُ عَلَى لِسَانِ الْآحَادِ عِنْدَهُ حُجَّةً، وَالظُّهُورُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْمُعْتَرِضِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْمُسْتَدِلِّ فِيهَا.
[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ حكم جَاحِدِ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ
اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ جَاحِدِ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ إِنْكَارَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ مُوجِبٌ لِلتَّكْفِيرِ.
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ اسْمِ الْإِسْلَامِ كَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، وَوُجُوبِ اعْتِقَادِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ، أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ كَالْحُكْمِ بِحِلِّ الْبَيْعِ وَصِحَّةِ الْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَجَاحِدُهُ كَافِرٌ لِمُزَايَلَةِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ لَهُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا (٢) . стр. 281
[خَاتِمَةٌ فِيمَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً فِيهِ وَمَا لَا يَكُونُ وهل الْإِجْمَاعَ فِي الْأَدْيَانِ السَّالِفَةِ كَانَ حُجَّةً]
خَاتِمَةٌ
فِيمَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً فِيهِ، وَمَا لَا يَكُونُ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي الْأَدْيَانِ السَّالِفَةِ كَانَ حُجَّةً أَمْ لَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ صِحَّةُ الْإِجْمَاعِ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ، أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالِاحْتِجَاجُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ يَكُونُ مُمْتَنِعًا لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ دَوْرٌ.
وَذَلِكَ كَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى وَصِحَّةِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ حَيْثُ إِنَّ صِحَّةَ الْإِجْمَاعِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ وَصِحَّةُ النُّصُوصِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ الْمُرْسِلِ، وَكَوْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولًا.
فَإِذَا تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ وُجُودِ الرَّبِّ وَرِسَالَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ كَانَ دَوْرًا، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي، فَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَهُوَ حُجَّةٌ مَانِعَةٌ مِنَ الْمُخَالَفَةِ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا مِنْ غَيْرِ خِلَافِ الْقَائِلِينَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَقْلِيًّا كَرُؤْيَةِ الرَّبِّ لَا فِي جِهَةٍ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ شَرْعِيًّا كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِ (١) . стр. 282
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا يَتَّفِقُ مِنَ الْآرَاءِ فِي الْحَرْبِ وَتَرْتِيبِ الْجُيُوشِ وَتَدْبِيرِ أُمُورِ الرَّعِيَّةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَقَالَ تَارَةً بِامْتِنَاعِ مُخَالَفَتِهِ، وَتَارَةً بِالْجَوَازِ، وَتَابَعَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ جَمَاعَةٌ.
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَأَنَّهُ حُجَّةٌ لَازِمَةٌ ; لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ وَوُجُوبِ اتِّبَاعِهِمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي الْأَدْيَانِ السَّالِفَةِ كَانَ حُجَّةً أَمْ لَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْأُصُولِيُّونَ، وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ إِثْبَاتَ ذَلِكَ أَوْ نَفْيَهُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ، فَالْحُكْمُ بِنَفْيِهِ أَوْ إِثْبَاتِهِ مُتَعَذِّرٌ.
وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي الْإِجْمَاعِ.
стр. 283
[الْأَصْلُ الرَّابِعُ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ]
[النَّوْعُ الْأَوَّلُ النَّظَرُ فِي السَّنَدِ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ وَأَقْسَامِهِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْأَصْلُ الرَّابِعُ
فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ
وَهُوَ نَوْعَانِ؛ يَتَعَلَّقُ أَحَدُهُمَا بِالنَّظَرِ فِي السَّنَدِ، وَالْآخَرُ بِالنَّظَرِ فِي الْمَتْنِ
النَّوْعُ الْأَوَّلُ - النَّظَرُ فِي السَّنَدِ
وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمَتْنِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ
الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِي حَقِيقَةِ الْخَبَرِ وَأَقْسَامِهِ
أَمَّا حَقِيقَةُ الْخَبَرِ، فَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ اسْمَ الْخَبَرِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِشَارَاتِ الْحَالِيَّةِ وَالدَّلَائِلِ الْمَعْنَوِيَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: " عَيْنَاكَ تُخْبِرُنِي بِكَذَا؛ وَالْغُرَابُ يُخْبِرُ بِكَذَا ".
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ... تُخَبِّرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ (١)
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى قَوْلٍ مَخْصُوصٍ لَكِنَّهُ مَجَازٌ فِي الْأَوَّلِ وَحَقِيقَةٌ فِي الثَّانِي بِدَلِيلِ تَبَادُرِهِ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْخَبَرِ، وَالْغَالِبُ إِنَّمَا هُوَ اشْتِهَارُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ.
ثُمَّ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الصِّيغَةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: قَامَ زَيْدٌ، وَقَعَدَ стр. 284
عَمْرٌو.
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ، الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالصِّيغَةِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْكَلَامِيَّاتِ.
وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةً فِي الصِّيغَةِ؛ لِتَبَادُرِهَا إِلَى الْفَهْمِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْخَبَرِ (١) وَإِذَا عُرِفَ مُسَمَّى الْخَبَرِ حَقِيقَةً فَمَا حَدُّهُ؟
اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَى تَحْدِيدِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ. وَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُومٍ، وَأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا.
وَمُطْلَقُ الْخَبَرِ جُزْءٌ مِنْ مَعْنَى الْخَبَرِ الْخَاصِّ، وَالْعِلْمُ بِالْكُلِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْجُزْءِ، فَلَوْ كَانَ تَصَوُّرُ مَاهِيَّةِ مُطْلَقِ الْخَبَرِ مَوْقُوفًا عَلَى الِاكْتِسَابِ، لَكَانَ تَصَوُّرُ الْخَبَرِ الْخَاصِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَحْسُنُ فِيهِ الْخَبَرُ (٢) عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَحْسُنُ فِيهِ الْأَمْرُ، وَلَوْلَا أَنَّ هَذِهِ الْحَقَائِقَ مُتَصَوَّرَةٌ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَدَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، وَهِيَ مُقَابَلَةٌ بِنَقِيضِهَا. وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ؛ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ هُوَ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ فِي الْعِلْمِ بِهِ إِلَى نَظَرٍ وَدَلِيلٍ يُوصِلُ إِلَيْهِ، وَمَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ نَظَرِيٌّ لَا ضَرُورِيٌّ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقِ التَّنْبِيهِ، لَا بِطْرِيقِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى نَوْعِ تَذْكِيرٍ وَتَنْبِيهٍ عَلَى مَا عُلِمَ فِي مَوَاضِعِهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَأَمْكَنَ دَعْوَى الضَّرُورَةِ فِي كُلِّ عِلْمٍ نَظَرِيٍّ. وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الدَّلِيلِ إِنَّمَا هُوَ بِطْرِيقِ التَّنْبِيهِ دُونَ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ التَّنْبِيهِ غَيْرُ مُفِيدٍ.
أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ عِلْمَ الْإِنْسَانِ بِوُجُودِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا مَعًا. فَغَايَتُهُ أَنَّهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ بِنِسْبَةٍ خَاصَّةٍ، стр. 285
أَوْ بِسَلْبِ نِسْبَةٍ خَاصَّةٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِلْمًا بِحَقِيقَةِ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ الْخَاصَّةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْلُومِ خَبَرًا سِوَى تِلْكَ النِّسْبَةِ الْخَاصَّةِ فَهُوَ (١) عَوْدٌ إِلَى التَّحْدِيدِ وَتَرْكٌ لِمَا قِيلَ.
الثَّانِي: إِنَّا؛ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الْخَاصَّةِ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الْمُطْلَقُ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَبَرٌ كَذَلِكَ، قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُطْلَقَ جُزْءٌ مِنَ الْخَبَرِ الْخَاصِّ، لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُطْلَقَ أَعَمُّ مِنَ الْخَبَرِ الْخَاصِّ فَلَوْ كَانَ جُزْءًا مِنْ مَعْنَى الْخَبَرِ الْخَاصِّ، لَكَانَ الْأَعَمُّ مُنْحَصِرًا فِي الْأَخَصِّ وَهُوَ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْأَعَمُّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا فِيهِ بَيْنَ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ الَّتِي تَحْتَهُ، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاكِهَا فِيهِ سِوَى كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ مَعْنَاهَا.
قُلْنَا: أَمَّا أَوَّلًا، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ (٢) الْأَعَمِّ مُشْتَرَكًا فِيهِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْأَنْوَاعِ أَوِ الْأَشْخَاصِ الَّتِي هِيَ أَخَصُّ مِنْهُ، بَلْ بِمَعْنَى لِحَدِّ أَنَّ حَدَّ الطَّبِيعَةِ الَّتِي عَرَضَ لَهَا إِنْ كَانَتْ كُلِّيَّةً مُطْلَقَةً مُطَابِقٌ طَبَائِعَ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ تَحْتَهَا.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَامٍّ يَكُونُ جُزْءًا مِنْ مَعْنَى الْخَاصِّ، وَمُقَوِّمًا لَهُ بِجَوَازِ (٣) أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَعْرَاضِ الْعَامَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْ مَفْهُومِ الْمَعْنَى الْخَاصِّ، كَالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَحْتَهُمَا مِنْ مَعْنَى الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَبَاطِلٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ إِنَّمَا هُوَ وَاقِعٌ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يَحْسُنُ فِيهِ بَيَانُ الْأَمْرِ وَمَا يَحْسُنُ فِيهِ الْخَبَرُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
نَعَمْ؛ غَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَا يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ وَالنِّسْبَةِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ، وَلَيْسَ هُوَ الْعِلْمَ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ. فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ وَالْخَبَرِ سِوَى ذَلِكَ الْمَعْلُومِ الْخَاصِّ، فَهُوَ أَيْضًا عَوْدٌ إِلَى التَّحْدِيدِ.
كَيْفَ وَإِنَّ следующие страницы →